← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

المطلب الرابع: اضطراب المنهج الأشعري وتناقضه في بعض مسائل توحيد الألوهية: إن الاهتمام الكبير الذي أولاه الأشاعرة لمسألة إثبات وجود الله تعالى وزعمهم أنه هو الغاية خطأ كبير وترتب عليه خلل ويظهر في الأمور الآتية: ١ - عدم التحقيق الدقيق لمسائل توحيد الألوهية، وحمل الآيات الواردة لتقريره على أنها لتقرير الربوبية تقصيراً وقلباً للحقائق الشرعية. ٢ - ظن كثير من المتأخرين من الأشعرية أن الشرك لا يتحقق وقوعه إلا إذا ظهر اعتقاد الإنسان تأثيراً لغير الله تعالى. وهذا تقصير في معرفة كل أنواع الشرك وقد وقع كثير من الناس في هذه الأزمة المتأخرة في بعض مظاهر الشرك كالنذر لغير الله والطلب من الأموات والأحياء ما لا يقدرون عليه – بل وصل الأمر ببعضهم إلى الاعتقاد بأن بعض الناس له تأثير في كثير من الأمور، فأطلقوا عليهم أوصافاً فيها بعض خصائص الربوبية كالغوث والقطب، ووصفوا بعضهم بأنهم يعلمون الغيب. ٣ - التقصير في معرفة بعض أنواع العبادة لدى كثير من المتأخرين – كالدعاء، ويطلقون عليه أنه عادة وليس بعبادة، مما دفعهم لأن يصرفوه لغير الله تعالى. ٤ - وظهر لهؤلاء المتأخرين تناقض غريب في مسألة الاستغاثة بغير الله وطلب قضاء الحوائج من غيره، مع وصفهم لمن يدعونه بالغوث الأعظم!، والقول بأن الله قد أعطاه حق التصرف!، وقد مضى أن هذا الاعتقاد ظهر في كثير من المتأخرين ولم يكن عند متقدميهم، وهذا كله مع تنصيصهم بأن المؤثر هو الله!!، ولما ألزموا قالوا: إن تأثير غيره مجازي فراراً من التناقض، ولكن مثل هذا الهروب لا يخفى على أحد، فأين الدليل على وجود مثل هذه الأوصاف – التي هي من خصائص الربوبية – في الخلق. اضطرابه وتناقضه في بعض مسائل توحيد الربوبية إن الأشعرية يقرون بأنه لا خالق إلا الله، ولكنهم غلوا غلواً شديداً فقالوا: إنه لا فاعل على الحقيقة إلا الله، وأما أعمال غيره فمجازية!! ثم نفوا الحكمة التي تعود إلى الله تعالى، ونفوا التحسين والتقبيح العقلييين مطلقاً زعماً منهم أن إثبات ذلك ينافي المشيئة والاختيار، فالكلام إذاً في ثلاث مسائل لبيان اضطرابهم هنا. المسألة الأولى: تتعلق بأفعال العباد. وتناقضهم فيها يظهر في أمرين: الأمر الأول: هو أنهم أثبتوا كسباً للعباد غير معقول، حيث أثبتوا للعبد قدرة تقارن الفعل ولا تؤثر فيه، فألزمهم الناس القول بالجبر، وأن المسألة إذا كانت مجرد مقارنة فلم لا يقال إن المقارن للعمل: الرؤية أوالسماع أو نحو ذلك (١). الأمر الثاني: وهذا قد ظهر في كثير من المتأخرين، وهو إثبات تأثير للعباد في أمور لا قدرة لهم عليها، وهذا الإثبات إما أن يكون صريحاً كإثبات الغوث الأعظم وصفاً لبعض البشر، وإما أن يكون لازماً كما في الاستغاثة بالميت أو بالحي فيما لا يمكنه الغوث منه، وهذا مع قولهم إنه لا مؤثر إلا الله!!. المسألة الثانية: تتعلق بالحكمة. فإنهم ذكروا بأن أفعال الله لا تخلوا عن الحكم ولكنها حكم، غير مقصودة فنفوا القصد، مع أنهم أثبتوا هذا القصد شرطاً لإثبات صفة العلم لله، لأن الفعل المتقن إن لم يكن بالقصد والاختيار فإنه لا يدل على علم فاعله، بخلاف الفعل المتقن المقصود، فنفيهم للقصد في الحكمة، وإثباتهم له في العلم تناقض واضح (٢). وكذلك: من نفى الحكمة واثبت التعليل والقياس فقد تناقض! وسيأتي إن شاء الله كذلك أن من نفاها يلزمه أن يقول بتجويز تصديق الله تعالى لمدعي النبوة الكاذب. المسألة الثالثة: وهي تتعلق بالتحسين والتقبيح.

стр. 492

والمراد بها هنا استخدامها من جهة الاستدلال بقياس الأولى، فكل صفة نقص يتنزه عنها المخلوق فأولى أن يتنزه عنها الخالق كالكذب. وقد حصل للأشاعرة اضطراب نتيجة لهذه المسألة في أمرين، الثاني منهما متفرع عن الأول. فالأمر الأول: وهو هل يمتنع الكذب على الله في كلامه أو لا؟ اتفق الأشاعرة على أنه يمتنع عليه الكذب – وذكروا وجوهاً في بيان امتناع الكذب في كلامه، ومن هذه الأوجه كما قال الإيجي: "أنه نقص، والنقص على الله محال، وأيضاً فيلزم أن نكون أكمل منه في بعض الأوقات" (١) وهذه الإجابة سديدة لكنها لا تتفق مع الأصل الذي قرروه، ولذلك اعترف الإيجي بمناقضة هذه الإجابة لأصل التحسين والتقبيح فقال: "واعلم أنه لم يظهر لي فرق بين النقص في الفعل وبين القبح العقلي، فإن النقص في الأفعال هو القبح العقلي بعينه!!، وإنما تختلف العبارة! (٢) " اهـ. ثم إن لهم وجهين آخرين ذكروهما سيأتي ذكرهما في تناقضهم في صفة الكلام إن شاء الله تعالى.

стр. 493

الأمر الثاني: وهو متفرع على الأمر الأول، وهو في إثبات النبوات: لقد تقدم أن الأشاعرة قد أطالوا المقدمات ليصلوا إلى أهم المطالب عندهم وهو إثبات وجود الله تعالى وهذه المقدمات الطويلة تتعلق بتعريف العلم وأنواعه وطرق تحصيله واكتسابه، ثم الكلام عن الجواهر والأعراض وإثباتها بمقدمات طويلة. ثم بعد إثبات وجود الله يقيمون الأدلة على وحدانيته في الذات والصفات والأفعال. ثم بعد هذه المقدمات يأتون إلى مسألة تعد رابطة بين تلك المسائل العقلية وبين الشرع – ألا وهي إثبات النبوات، وطريق إثباتها: المعجزات فقط (١).وقد ذكروا عن كيفية حصولها: أن المعجزة: "فعل الفاعل المختار يظهرها على من يريد تصديقه بمشيئته لما تعلق به مشيئته" (٢).وأما كيفية دلالتها فهي عندهم" إجراء الله عادته بخلق العلم بالصدق عقيبه، فإن إظهار المعجز على يد الكاذب وإن كان ممكناً عقلاً فمعلوم انتفاؤه عادة كسائر العاديات" (٣) ولهم تناقضان في هذا الأمر – وهما: التناقض الأول: بعد الضجة الكبرى التي أقامها هؤلاء المتكلمون الأشاعرة في أنه لابد من القواطع العقلية في المسائل الاعتقادية، وحكموا على الأدلة النقلية كلها أو بعضها على أنها ظواهر لفظية لا تفيد اليقين، إذا بهم يصلون إلى مسألة عظيمة ليتوصلوا بها إلى الشرع وهي إثبات النوبات فقالوا: إن طريق إثباتها المعجزات فقط!! وأن دلالتها على النبوة عادية! أي ليست عقلية محضة، وهم يجوزون خرق العادة، وعليه فلا تكون المسألة قطعية على قولهم هذا. وقولهم: إن دلالتها وإن كانت عادية إلا أنها ضرورية (٤) يستدعي عدم دقتهم في تحديد الأمور الضرورية كمسألة وجود الله تعالى إذ جعلوها من الأمور النظرية لا الضرورية! مع أنها ضرورية (٥) وسيأتي إلزامهم في العادة والضرورة في التناقض الثاني إن شاء الله. التناقض الثاني: هو أنهم جعلوا دلالة المعجزة على صدق الرسول بمنزلة القول الصريح من الله بأن مدعي الرسالة صادق (٦) وهذه الدلالة لا تتم إلا إذا قيل بامتناع الكذب على الله تعالى ولذلك قال الجويني: "فصل: امتناع الكذب على الله تعالى شرط في دلالة المعجزة" (٧) اهـ. ووجه اشتراط امتناع الكذب، أنه لو لم يكن الكذب ممتنعاً عليه لجاز أن يصدق مدعى النبوة الكاذب. ولما قال الأشاعرة إن الكذب محال على الله بالشروع وأنه جائز عليه الكذب عقلاً، ألزمهم الناس بأنه يلزم الدور في هذا الاستدلال، إذ كيف يصح الاستدلال بدليل ولما يثبت طريق إثباته!. فالدليل هنا: الدليل السمعي – وطريق إثباته: المعجزة، فظهر الدور (٨) أجابوا بأن دلالة المعجزة المنزلة منزلة القول ليست إخباراً يتصور فيه الكذب والصدق وإنما هي إنشاء، قال الجويني: "كأن المرسل قال: جعلته رسولاً، وأنشأت ذلك فيه آنفاً، ولم يقل ذلك مخبراً عما مضى" (٩) اهـ.

стр. 494

وهذا غير كاف على أصل الأشعرية نفاة الحكمة، إذ أنهم جوزوا عليه كل فعل ممكن وإن كان خلاف الحكمة، ولا شك أن خلق المعجزات على يد الكاذب جائز، فيبقى الشك قائماً في صدق مدعي النبوة على أصلهم، أما أهل السنة والجماعة فينزهون الله تعالى عن مثل هذا الفعل لأنه خلاف حكمته (١). وأما زعمهم بأن دلالة المعجزة على صدق النبي ضرورية، فإنه يوجب عليهم أحد أمرين: إما أن يقولوا: إن الله لا يمكنه أن يخلقها على يد الكاذب، وهذا تصريح بعجزه – وهم لا يسلمون بهذا لأنه يمكنه فعل كل شيء ممكن – فيقال إذاً ما معنى قولكم إن دلالتها ضرورية؟ فلم يبق إلا الأمر الثاني وهو: أن الله يمكنه هذا الفعل ولكنه لا يفعله لحكمته – وهو الصواب – لكنه ينقض أصلهم من أساسه (٢).وأما زعمهم بأن انتفاء إظهار المعجزة على يد الكاذب معلوم عادة كسائر العاديات فيقال لهم: لم تأتوا بجديد إذ أصلكم ما زال قائماً وهو تجويز الكذب فكما أن دلالة المعجزة على الصدق من العاديات، فكذلك يجوز إظهارها على يد الكاذب، إذ لا مانع من خرق هذه العادة، لأنكم جوزتم أن يفعل الله كل شيء ولم تثبتوا له حكمة يفعل لمقتضاها (٣).والحق أن أدلة الأشاعرة من الضرورة والعادة دالة على إثبات الحكمة لله تعالى إلا أنهم لم يصرحوا بها، بل إن الرازي الذي ينفي التحسين والتقبيح العقليين قد صرح بذلك فقال: "والعلم الضروري حاصل بأن الكذب على الله تعالى محال، لأنه صفة نقص، وشهادة الفطرة دالة على أن صفة النقص محال على الله – تعالى – وعند هذا يحصل الجزم واليقين بأن ظهور المعجزات يدل على صدق الأنبياء ﵈" (٤).فظهر من العرض السابق أن الأشاعرة يلزمهم على أصلهم هذا: "سد باب النبوة وعدم الوثوق بالشرائع مع عدم التسليم" (٥). ويلاحظ كذلك أن الأشاعرة بإنكارهم لتحسين العقل وتقبيحه مطلقاً لشبهات أوجبت لهم ذلك، يكونون قد ضعفوا جانب العقل – وهذا تفريط منهم – يقابله إفراط آخر منهم في تقديم العقل، وأشير هنا إلى أمرين مما رفعوا فيه مقام العقل مقاماً مبالغاً فيه، وهما: ١ - إن الأشاعرة قد حكموا على الأدلة النقلية بأحكام مفادها تقديم العقل عليها في حالة التعارض – حسب زعمهم – وعدوا أخبار الآحاد من الظنون التي لا يجوز التمسك بها في المسائل العلمية، بل جعل بعضهم الأدلة النقلية كلها ظنية مما يترتب عنه عدم الأخذ بها في المسائل العلمية! فأين هذا من أصلهم القاضي بمنع تحسين العقل وتقبيحه! ٢ - والأمر الثاني هو أنهم قد نصوا على أن المسائل التي يتوقف عليها الشرع لا تثبت إلا بالعقل، ومنها: معرفة وجود الله – فقالوا: طريق إثباتها العقل فقط، ووجوب المعرفة لا يثبت إلا بالشرع، فألزموا بالدور، ولا يخرجهم من هذا إلا بأن يسلموا أن المعرفة فطرية، أو يقولوا بتحسين العقل وتقبيحه على مقتضى الفطرة، ولذلك هم قد صرحوا بأنه لا يعذر أحد في عدم معرفة الله، بل جعلوا المقر بوحدانيته التارك للنظر مع تمكنه منه آثماً!! وفي هذا إقرار بشيء من تحسين العقل وتقبيحه وإن جاروا بإنكاره، وربما يكون هذا الأمر وغيره هو الذي جعل بعضهم يقر بأنواعه للحسن والقبح العقليين ويحصر الخلاف في استحقاق العذاب والجزاء فقط. وقد يكون هذا هو الذي جعل السجزي يرى أن الأشاعرة يقولون بوجوب معرفة الله عقلاً مع نفيهم لتحسين العقل وتقبيحه، فعده تناقضاً لهم فقال: "وقال الأشعري: "العقل لا يقتضي حسن شيء ولا قبحه، وإنما عرف القبيح والحسن بالسمع، ولولا السمع ما عرف قبح شيء ولا حسنه، ثم زعم أن معرفة الله سبحانه واجبة في العقل قبل ورود السمع، وأن تارك النظر فيها مع التمكن منه مستحق للعقوبة"، والنص إنما دل على ترك عقوبته لا أنه مستحق لها. فإن قال: إن معرفة الله وجبت ولم يعلم حسنها، واستحق تارك النظر فيها اللوم، كان متلاعباً، وإن قال: إنها حسنة، فقد أقر بأن العقل يقتضي معرفة الحسن والقبيح، وإنما ضاق به النفس لما قالت له المعتزلة: الظلم قبيح في العقل، وإذا أراد الله شيئاً ثم عذب عليه كان ظالماً، فركب الطريقة الشنعاء في أن لا حسن في العقل ولا تقبيح" (٦). المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - ٢/ ٦٣٢

стр. 495

المطلب الخامس: اضطراب المنهج الأشعري وتناقضه في توحيد الأسماء والصفات ويمكن حصر التناقض والاضطراب في هذا النوع في مسألتين: المسألة الأولى: في الإثبات: التناقض الأول: أثبت الأشاعرة من الصفات الوجودية الثبوتية سبع صفات سموها صفات المعاني، ونفوا ما عداها من الصفات الخبرية الذاتية والفعلية، فألزمهم الناس إلزاماً قوياً وهو: إن القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر، فإن كان لا يلزم من إثبات الصفات السبع أي محذور من المعاني الباطلة من الجسمية أو حلول الحوادث أو التركيب، فكذلك لا يلزم من إثبات بقية الصفات تلك المحاذير – وهذا هو الصواب -. وإن كان يلزم من إثبات بقية الصفات تلك المحاذير، فقد لزم إثباتها من الصفات السبع كذلك، إذ الأصل واحد كما تقدم (١). ولا شك أن الذي دفعهم إلى هذا التفريق هو ما توهموه من قياس الغائب على الشاهد – وسيأتي مزيد بيان لتناقضهم في السبب الموجب للتأويل إن شاء الله. التناقض الثاني: إن طريقة إثباتهم لصفات المعاني طريقة غريبة أوقعتهم في بعض الإشكالات المتناقضة: منها أنهم أثبتوا إرادة قديمة ذاتية – وهذا حق – ولكنهم نفوا تخصيصاً فعلياً فلزمهم أحد أمرين: إما أن يقولوا إن الحوادث كلها قديمة لقدم موجبها – وهم لا يقولون به-.، أو يقولوا إن كل حادث حدث بعد أن لم يكن لتخصيصه بالإرادة في وقته المعين، فيلزم إثبات الصفات الاختيارية، وهو الصواب. ومنها: أنهم أثبتوا نوعين من الكلام، نفسي قديم أزلي وآخر لفظي مخلوق، ثم قالوا بأن الأسماء الحسنى – وهي كلام الله – غير مخلوقة فاضطربوا، وحاولوا تخريج هذا القول فلم يوفقوا. ومنها: أنهم جوزوا عقلاً وقوع الكذب عليه يثبت بالشرع، والشرع يثبت بالمعجزة، وهي لا تثبت إلا بالعلم بامتناع الكذب على الله، فحصل الدور! والثاني: جواز إفحام الأنبياء، إذ يمكن على أصلهم إفحام الأنبياء بأنه لا يلزم من الإتيان بالمعجزة إثبات صدقهم! ومنها أنهم أثبتوا تعدداً للكلام بحسب تعلقاته أما هو في أصله فمعنى واحد، فألزموا بأمرين: الأول: إذا كان التعدد في الكلام إنما هو بحسب التعلق فإذا كان طلب فعل سمى أمراً، وإذا كان طلب ترك سمي نهياً وهكذا ... فلم لا يجوز أن يقال إن الصفات السبع التي أثبتموها حقيقتها صفة واحدة، وتعددها إنما هو بحسب التعلقات فقط، فمثلاً إذا تعلقت تلك الصفة بالممكن إيجاداً سميت قدرة، وبه تخصيصاً سميت إرادة، وإذا تعلقت بالموجود انكشافاً سميت سمعاً أو بصراً .. – وهكذا إلى بقية الصفات. الثاني: وهو متفرع عن هذا الإلزام، وهو: إذا عادت حقيقة الصفات السبع إلى صفة واحدة، فلم لا يجوز رد هذه الصفة إلى الذات فلا تثبت له أي صفة، فيقال عندئذ: إن الذات إذا تعلقت بإيجاد الممكن سميت قدرة، وإذا تعلقت بتخصيصه سميت إرادة – وهكذا. ومنها في صفة العلم، فإنهم اشترطوا لإثباته قصد إتقان الفعل وإحكامِهِ، لأنه إذا لم يشترط كان حدوث الفعل اتفاقياً – وهو لا يدل على العلم، لذلك اشترطوه – وهذا كلام مستقيم، ولكنهم تناقضوا، فنفوا قصد الحكمة في أفعال الله وأحكامه، وأثبتوا حكمة في الجملة، أما أن تكون مقصودة فلا، فصارت الحكمة على أصلهم هذا اتفاقية لا مقصودة، وكل ما أوردوه من إشكالات في صفة الحكمة فإنها ترد عليهم في العلم والإرادة كذلك. المسألة الثانية: في التنزيه: وأما تناقضهم واضطرابهم فيه ففي عدة أشياء منها: أنهم اعتمدوا في نفي الصفات الفعلية كالغضب والرضى والنزول والاستواء على أصل: نفي حلول الحوادث، ثم شرعوا في تأويلها، فثبت تناقضهم في أمرين:

стр. 496

الأول: إنه ما من شك في وجود المفعولات، فيلزم أحد أمرين، إما أن يقال: هي قديمة أزلية لأن الموجب لها وجود القدرة والإرادة، وهما صفتان أزليتان ولا شك في صلاحيتهما للإيجاد أزلاً، وإما أن يقال إنه قد حدث تخصيص في وقت معين لإحداث الفعل، وهو أمر لازم – وهم يسلمون به – ولكنهم يقولون إن الذي حدث هو التعلق، ولكن ما زال الإشكال باقياً: وهو هل هذا التعلق أمر وجودي أو عدمي؟ - فإن كان الأول فقد أثبتوا فعلاً اختيارياً ولابد وإن سموه تمويهاً بحلول الحوادث، وإن كان الثاني فإن العدم ليس بشيء فضلاً عن أن يوجد شيئاً ولهذا السبب اضطربوا في معنى التعلق فمنهم من أثبته أمراً وجودياً، ومنهم من عده من النسب والإضافات وأن الموجب لذلك الذات!! الثاني: إن المعنى الذي فروا إليه يلزمهم فيه نظير ما فروا منه بل أشد، فمثلاً تأويل الاستواء بالاستيلاء، فإن الاستيلاء دال على المغالبة كما قال أهل اللغة، فإنه قد جاء رجل إلى ابن الأعرابي فقال له: "ما معنى قول الله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] فقال: هو على عرشه كما أخبر ، فقال: يا أبا عبدالله ليس هذا معناه، إنما معناه استولى، قال: اسكت: ما أنت وهذا، لا يقال: استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد، فإذا غلب أحدهما قيل استولى ... " (١) ويزداد قبح هذا التأويل بورود كلمة "ثم" الدالة على التراخي في قوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] فقد لزمهم هنا ما هو أشد من المعنى الذي فروا منه. وهكذا يلزم الأشعري في تأويل الغضب فإن قال: "هو غليان دم القلب لطلب الانتقام، قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، فإن قلت (أيها الأشعري) هذه إرادة المخلوق، قيل لك وهذا غضب المخلوق" (٢) فظهر من هذا أن الذي فر إليه الأشعري فيه من اللوازم نظير ما فر منه مما توهم فيه الباطل. ولذلك فإن الأشاعرة يلزمون هنا بما قد ذكروا من أن وجود بعض الاشتراك لا يوجب المماثلة، فكان يلزمهم ذلك في الصفات التي نفوها بزعم المشاركة والمشابهة، فمن أقوالهم في هذه المسألة قول الرازي فإنه قد قال: "فإن قيل المشاركة في صفات الكمال تقتضي المشاركة في الإلهية؟ قلنا: المشاركة في بعض اللوازم البعيدة مع حصول المخالفة في الأمور الكثيرة لا يقتضي المساواة في الإلهية، ولهذا المعنى قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]." (٣) اهـ فظهر من هذا الاعتراف تناقضهم في التفريق بين المتماثلات. ومما اعتمدوا عليه في التنزيه: نفي الجسمية، فنفوا صفات كثيرة ذاتية وفعلية واردة في الكتاب والسنة مثل: العلو والاستواء واليدين. فألزمهم الناس بالتناقض إذ هم قد أثبتوا أن الله قائم بنفسه، فما معنى القيام بالنفس؟ "وذكروا أن بعضهم أورد هذا على أبي إسحاق الإسفراييني ففر إلى قوله: إنما أعني بقوله: قائم بنفسه: أنه غير قائم بغيره! وهذا عجب! فإنه إذا كان موجوداً، والموجود إما قائم بنفسه: أنه غير قائم بغيره! وهذا عجب! فإنه إذا كان موجوداً، والموجود إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره، فقوله: "غير قائم بغيره" إنما حاصله أنه قائم بنفسه، فحاصل جوابه إنما يعني بقوله: قائم بنفسه أنه قائم بنفسه!! " (٤) فإذا كان لا يلزمهم من قولهم: إنه قائم بنفسه، إثبات الجسمية، فكذلك لا يلزم من إثبات العلو والاستواء واليدين ونحو ذلك من الصفات إثبات الجسمية – فإن كان يلزم في الثانية فقد لزم في الأولى، فيلزم الوقوع في التناقض. المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - ٢/ ٦٤٢

стр. 497

المطلب السادس: اضطراب المنهج الأشعري وتناقضه في الأدلة لقد أفرط الأشاعرة كغيرهم من علماء الكلام في الاعتماد على الأدلة العقلية والتقليل من شأن الأدلة السمعية، مع أن الأدلة العقلية التي سلكوها في معارضة الشرع كلها غير مستقيمة. والمقصود في هذا المبحث بيان بعض صور الاضطراب والتناقض عندهم في مسألة الاعتماد على الدليل العقلي، وذلك في خمس مسائل: المسألة الأولى: قولهم بعدم التيقن من انتفاء المعارض العقلي في الدليل النقلي مع الجزم بانتفائه في الدليل العقلي. مما اشترطه الأشاعرة في الدليل النقلي ليتم الاستدلال به على وجه القطع واليقين: العلم بعدم المعارض، وذكروا بأنه على فرض وجود القرائن المرجحة لإفادة الأدلة النقلية القطع، إلا أنه يبقى "في إفادتها لليقين في العقليات نظر لأنه مبني على أنه هل يحصل بمجردها الجزم بعدم المعارض العقلي؟ وهل للقرينة مدخل في ذلك؟ وهما مما لا يمكن الجزم بأحد طرفيه" (١) وهذا الذي قاله الأشاعرة علق عليه ابن القيم بقوله: "ولا ريب أن هذا القول من أفسد أقوال العالم، وهو من أعظم أصول أهل الإلحاد الزندقة، وليس في عزل الوحي عن مرتبته أبلغ من هذا" (٢) اهـ. وهذا الذي قاله الأشاعرة في الدليل النقلي يلزمون به في الدليل العقلي، إذ أين الدليل على عدم وجود المعارض العقلي فيه؟ فإن قالوا: إنه لا دليل على وجود المعارض العقلي، فيدل على عدمه، قيل لهم: لقد أثبتم أنتم أنفسكم ضعف هذا الدليل، فقد قال الإيجي: "المقصد الخامس: وههنا طريقان ضعيفان: الأول: قالوا: ما لا دليل عليه يجب نفيه ... الثاني: قياس الغائب على الشاهد" (٣) ولم يبق بعد هذا كله إلا قولهم: "عدم المعارض والغلط في المقدمات القطعية ضروري" (٤) اهـ وهذا الجواب صحيح، ولكن يقال لهم: أليس التجويز قائماً عقلاً بوجود المعارض العقلي؟ مثاله ما ذكره الرازي من أنه إذا رأى شخص شخصاً أمامه، ثم أغمض عينه، ثم نظر إليه ثانياً، فإنه يحتمل أن يكون شخصاً آخر يماثله، إذ أن الله يقدر على إفناء الشخص الأول في تلك اللحظة اللطيفة ويوجد شخصاً آخر يماثله (٥) ومع بقاء هذا الاحتمال قالوا: "إنه لا يمتنع أن يكون الشيء معلوم الجواز والإمكان، ومع ذلك فإنه يكون الجزم والقطع حاصلاً بأنه لم يوجد ولم يحصل" (٦) وقالوا: "قد يحصل القطع والجزم مع قيام مثل هذا التجويز" (٧) اهـ. فعندئذ يقال لهم: أليس اختياركم هذا مناقضاً لما ذهبتم إليه من أن الدليل النقلي لا يكفي بمجرده في الجزم بعدم المعارض العقلي ولو كانت القرائن شاهدة على إفادته اليقين؟ لاشك أن هذا تناقض بين.

стр. 498

المسألة الثانية: قطعهم بعلمهم بالآخرة مع عدم تيقنهم بانتفاء المعارض العقلي في الدليل النقلي: إن المتكلم الأشعري بقوله إن الدليل النقلي لا يكفي بمجرده في الجزم بعدم المعارض العقلي يلزم القول بأن الأدلة النقلية كلها إما: "أنها تفيد ظناً أو لا تفيد علماً ولا ظناً، فإن قال: لا تفيد علماً ولا ظناً، فهو مع مكابرته للعقل والسمع والفطرة والإنسانية من أعظم الناس كفراً وإلحاداً، وإن قال: بل تفيد ظناً غالباً وإن لم تفد يقيناً قيل له: فالله سبحانه قد ذم الظن المجرد وأهله فقال تعالى: إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [النجم: ٢٨] فأخبر أنه ظن لا يوافق الحق ولا يطابقه، وقال تعالى: إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى [النجم: ٢٣] وقال أهل النار إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية: ٣٢] ولكان قوله عن المؤمنين: وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: ٤] خبراً غير مطابق، فإن علمهم بالآخرة إنما استفادوه من الأدلة اللفظية، لا سيما وجمهور المتكلمين يصرحون بأن المعاد إنما علم بالنقل" (١)." (٢) اهـ. فلا شك في وقوعهم في التناقض عندئذ في إثبات السمعيات بصورة قاطعة مع قولهم إن الدليل النقلي لا يكفي بمجرده في الجزم بعدم المعارض، إذ تصور تجويز إمكانه وارد على أصلهم فيسوغ تأويل السمعيات، فإن منعوا تأويلها وقعوا في التناقض. المسألة الثالثة: الاضطراب في تحديد ما يستدل له بدليل العقل فقط أو بدليل النقل فقط: فهم قد اتفقوا مثلاً على أن صفات الحياة والعلم والقدرة والإرادة أدلتها عقلية فقط، والسمع إنما يأتي على وجه التأكيد، ثم اختلفوا بعد ذلك في صفات البصر والسمع والكلام هل هي سمعية أو عقلية؟ ويظهر مثل هذا الاضطراب في مثل جواز إثبات رؤية الله تعالى – فمنهم من أثبت جواز وقوعها بالسمع فقط ومنهم من أثبت جواز وقوعها بالعقل (٣). المسألة الرابعة: تناقضهم في أصل الأدلة عندهم (دليل الحدوث):

стр. 499

إن الأصل الذي لأجله أول الأشاعرة النصوص الواردة بالصفات الفعلية هو نفي حلول الحوادث – فإن إثباتها يؤدي إلى إبطال دليل الحدوث الذي أثبتوا به وجود الله تعالى، فظهر من هذا أن أكبر مشكلة واجهتهم هي هذه، لأنها منافية لدليل الحدوث، ولكن مع هذا كله يبقى الكلام في أنه هل من حاجة إلى هذا الدليل؟ الجواب: لا، وذلك لأمرين: الأمر الأول: إن إثبات وجود الله أمر فطري، وقد أقر بهذا كبار علماء الأشاعرة كما تقدم النقل عن الشهرستاني (١). ومن هؤلاء الرازي فإنه عدد أصناف الناس من أهل الدنيا كلها ثم قال: "وكلهم مطبقون على وجود الإله" (٢) وقال عن الوحدانية: "اعمل أنه ليس في العالم أحد يثبت لله شريكاً يساويه في الوجود والقدرة والعلم والحكمة، وهذا مما لم يوجد إلى الآن، لكن الثنوية يثبتون إلهين، أحدهما حكيم يفعل الخير، والثاني سفيه يفعل الشر، وأما الاشتغال بعبادة غير الله الذاهبين إليه كثرة." (٣).الأمر الثاني: إن كبار المتبحرين في علم الكلام والغائصين في العقليات، جزموا بأن طريقة القرآن أقرب على الحق والصواب وأن طرق المتكلمين لا تخلوا من إشكال قال الرازي: "إن الدلائل التي ذكرها الحكماء والمتكلمون وإن كانت كاملة قوية، إلا أن هذه الطريقة المذكورة في القرآن عندي: أنها أقرب إلى الحق والصواب، وذلك لأن تلك الدلائل دقيقة، وبسبب ما فيها من الدقة انفتحت أبواب الشبهات وكثرت السؤالات، وأما الطريق الوارد في القرآن فحاصله راجع إلى طريق واحد، وهو المنع من التعمق، والاحتراز عن فتح باب القيل والقال، وحمل الفهم والعقل على الاستكثار من دلائل العالم الأعلى والأسفل، ومن ترك التعصب وجرب مثل تجربتي علم أن الحق ما ذكرته، ولما ثبت أن هذا الطريق الذي ذكره الله في القرآن أنفع، وفي القلوب أرجح، لا جرم أفردنا له باباً مستقلاً" (٤). فظهر من مجموع الأمرين السابقين؛ الفطرة مع كفاية دليل الآيات عن دليل الحدوث: أن الاعتماد على دليل الحدوث في إثبات وجود الله قول غير مستقيم، وكان عليهم أن يؤمنوا بما جاء به الكتاب والسنة من إثبات الصفات، إذ قد سلم بعضهم بأن دليل الحدوث ليس هو العمدة في إثبات وجود الله لما يرد عليه من إشكالات. فإن لم يرجعوا كان هذا تناقضاً واضطراباً. المسألة الخامسة: القول بأن العقل هو العمدة مع بقاء إشكالات لم يستطيعوا الإجابة عنها عقلاً:

стр. 500

مع شدة الوثوق بدليل العقل بقيت إشكالات على الأشاعرة لم يستطيعوا الإجابة عنها، فيقعون إما في الحيرة أو الرجوع إلى دليل السمع. فمن ذلك أن الشهرستاني لما ذكر ما أورد على الأشاعرة في مسألة تعلقات الكلام بأنه يلزمهم إثبات صفة واحد أو نفي كل الصفات قال: "ثم هل تشترك هذه الحقائق والخصائص في صفة واحدة؟، فتلك الطامة الكبرى على المتكلمين، حتى فر القاضي أبو بكر الباقلاني ﵁ منها إلى السمع، وقد استعاذ بمعاذ والتجأ إلى ملاذ والله الموفق" (١) ولم يعقب بشيء، وفي إقراره للباقلاني بالاستدلال بدليل السمع يفيد أن له شعوراً عميقاً بعدم الوثوق بالأدلة العقلية الوثوق التام. ومن ذلك قول الشهرستاني نفسه لما أوردت شبهات كثيرة في مسألة جواز وقوع الرؤية عقلاً فقال: "واعلم أن هذه المسألة سمعية، أما وجود الرؤية فلا شك في كونها سمعية، وأما جواز الرؤية فالمسلك العقلي ما ذكرناه، وقد وردت عليه تلك الإشكالات، ولم تسكن النفس في جوابها كل السكون ولا تحركت الأفكار العقلية إلى التفصي عنها كل الحركة، فالأولى بنا أن نجعل الجواز أيضاً مسألة سمعية" (٢)!! أليس هذا الكلام يناقض دعوى الوثوق بالعقل وأنه العمدة؟ - ثم على فرض أنه لا مدخل للعقل في إثبات جواز الرؤية، إلا أنه بقي شرط في الاستدلال بالدليل النقلي، وهو عدم وجود المعارض العقلي، كيف وهو قائم – على زعمهم – أليس هذا هو التناقض؟!.ومن ذلك أيضاً ما ذكره الرازي في المقابلة بين أدلة أصحابه الأشاعرة وبين أدلة المعتزلة في مسألة التحسين والتقبيح العقليين ثم قال بعدها: "واعلم أن هذه المذاهب لما تلخصت على هذا الوجه، وظهر ما في كل واحد منها من المدائح والقبائح، فعند هذا قال أصحاب الحيرة والدهشة: إن هذه الدلائل ما بلغت في الوضوح والقوة إلى حيث تزيل الشك وتقطع العذر وتملأ بقوتها ونورها العقل، بل كل واحد منها يتوجه فيه نوع غموض، واللائق الرحيم الكريم أن يعذر المخطئ في أمثال هذه المضائق وعند هذا أتضرع وأقول: إلهي حجتي: حاجتي، وعدتي: فاقتي، ووسيلتي إليك: نعمتك علي، وشفيعي عندك: إحسانك إلي. إلهي أعلم أنه لا سبيل إليك إلا بفضلك، ولا انقطاع عنك إلا بعدلك، إلهي، لي علم كالسراب وقلب من الخوف خراب، وأنواع من المشكلات بعدد الرمل والتراب، ومع هذا فأرجوا أن أكون من الأحباب فلا تخيب رجائي، يا كريم يا وهاب. إلهي إنك تعلم أن كل ما قلته وكتبته ما أردت به إلا الفوز بالحق والصواب والبعد عن الجهل والارتياب، فإن أصبت فاقبله مني بفضلك، وإن أخطأت فتجاوز عني برحمتك وطولك يا ذا الجود يا مفيض الوجود" (٣) اهـ. المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - ٢/ ٦٤٩

стр. 501

المبحث الأول: انقطاع صلة الأشاعرة بأبي الحسن الأشعري في أكثر المسائل ومن ذلك:-إن أبا الحسن نفسه قد تكلم في دليل المتكلمين لإثبات وجود الله، وبين أنه لا يسوغ الاستدلال به، وأن الواجب الاستدلال بدليل الآيات فقال: "ما يستدل به من أخباره ﵇ على ذلك أوضح دلالة من دلالة الأعراض التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة ومن اتبعهم من القدرية وأهل البدع المنحرفين عن الرسل ﵈" (١) ثم أخذ يبين صعوبة هذا المسلك وما يرد عليه من إشكالات في المقدمات الطوية الخفية، ثم بين سبب اعتماد الفلاسفة على هذه الطريقة فقال: "وإنما صار من أثبت حدث العالم والمحدث له من الفلاسفة إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر لدفعهم الرسل وإنكارهم لجواز مجيئهم" (٢) وأما المؤمنون بالرسل فإنهم قد تلقوا عنهم أقرب الطرق وأسهلها لمعرفة الله وأبعدها عن الشبه، ثم بين الحكم بأنه يحرم اتباع طريقة هؤلاء فقال: "وإذا كان العلم قد حصل لنا بجواز مجيئهم في العقول، وغلط من دفع ذلك، وبأن صدقهم بالآيات التي ظهرت عليهم، لم يسع لمن عرف من ذلك ما عرفه أن يعدل عن طريقهم إلى طرق من دفعهم وأحال مجيئهم" (٣). ومن مخالفة الأشعرية كذلك لأبي الحسن الأشعري المنهجية: اعتمادهم على المقاييس العقلية التي هي في الحقيقة في أكثرها شبهات، ومنعهم الاستدلال بالدليل النقلي مطلقاً في بعض المسائل، وفي بعضها إلا بعد العلم بعدم المعارض العقلي – فهذا يخالف ما عليه منهج الأشعري الذي نص على وجوب اتباع الطريقة الشرعية، وقوى اختياره هذا بحجج منها:١ - قال: "إن الله أغناهم عن التطلع إلى غيرها من البراهين, ودلل على ذلك بقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: ٣] وليس يجوز أن يخبر الله عن إكمال الدين مع الحاجة إلى غير ما أكمل لهم الدين به" (٤) اهـ.٢ - إن الله قد ذم المشركين في تقليدهم لمن يعظمونه، وأمر بطاعة رسوله – ﷺ – وتكفل بحفظ هذا الدين إلى آخر الزمان، ليقوم حجة على الناس لأنه قد ختم الرسالة بمحمد – ﷺ ثم بين الرسول ﷺ للناس في حجة الوداع أنهم لن يضلوا ما تمسكوا بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فهذا يدل على كفاية الطريقة الشرعية وغناها عما سواها (٥).٣ - ثم بين الأشعري سلامة الأدلة الشرعية من الطعن والقدح، بدليل عدم طعن المشركين فيها – فلو كان فيها شيء من الخلل والتشبيه ونحو ذلك لسارع المشركون إلى بيانه فقال. "ولم يدع ﷺ لسائر من دعاه على توحيد الله حاجة إلى غيره ولا لزائغ طعناً عليه" (٦).

стр. 502

ولذلك فقد سلك أبو الحسن الأشعري لإثبات الصفات طريقة شرعية بالكتاب والسنة في كتابه (الإبانة).فمن ذلك قوله: " ... وأن الله استوى على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده، وأن له سبحانه وجهاً بلا كيف كما قال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧]، وأن له سبحانه يدين بلا كيف كما قال سبحانه: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] وكما قال: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] وأن له سبحانه عينين بلا كيف، كما قال سبحانه: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: ١٤] ... " (١) إلخ. وأما في المسائل فمخالفاتهم له أيضاً كثيرة منها: أن أبا الحسن الأشعري قد أثبت صفات نفاها المتأخرون من الأشعرية فمن ذلك: الاستواء، والوجه، واليدين، والعينين، والأصابع (٢)، والنزول (٣)، والمجيء (٤)، والقرب (٥).وقال في رسالته إلى أهل الثغر في الإجماع العاشر مما أجمع عليه أهل السنة: "وأجمعوا على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه ولا تكيف له، وأن الإيمان به واجب وترك التكييف له لازم" (٦). المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - ٢/ ٦٦١ وقد صرح الأشعري أن أهل الحديث هم أهل الحق فقال "الحق والصواب ما عليه أهل الحديث الذين يثبتون آيات وأحاديث الصفات، القائلين بأن لله يدين ووجهاً وعينين وسمعاً وبصراً وأنه ينزل إلى السماء الدنيا وأنه يجيء يوم القيامة كما أخبر، وأنه يقرب من خلقه كيف شاء لا يتأولونها" (٧). فأهل الحديث لا يتأولونها، والأشاعرة إما يحرفون المعنى ويسمونه تأويلا، وإما يتجاهلون المعنى ويسمونه تفويضا، وكلاهما مخالف لأهل الحديث. ٤) أن ابن حجر نقد علم الكلام نقدا شديدا ودعا إلى تركه، ومعلوم أن المذهب الأشعري قد شيدت أركانه على علم الكلام. قال ابن حجر "ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين: ما ثبت عن الأئمة المتقدمين كعمر بن عبدالعزيز ومالك والشافعي، وقد قطع بعض الأئمة بأن الصحابة ماتوا ولم يعرفوا الجوهر ولا العرض .. وقد أفضى الكلام بكثير من أهله إلى الشك، وببعضهم إلى الإلحاد". "وصح عن السلف أنهم نهوا عن علم الكلام وعدوه ذريعة للشك والارتياب (٨).- وكان يحذر من مغالطات الجوهر والعرض، لما لها من نتائج فاسدة فيقول: "وكان مما أمر النبي ﷺ : التوحيد. بل هو أصل ما أمر به، فلم يترك شيئا من أمور الدين إلا بلغه، ثم لم يدع إلى الاستدلال بما تمسكوا به من الجوهر والعرض" (٩) قال: "فالحذر من كلامهم والاكتراث بمقالاتهم فإنها سريعة التهافت". ونقل عن أبي المظفر السمعاني "بيان فساد طريقة" المتكلمين في تقسيم الأشياء إلي جسم وجوهر وعرض. وزعمهم أن الجسم ما اجتمع من الافتراق، والجوهر ما حمل العرض، والعرض ما لا يقوم بنفسه. "فجعلوا الروح من الأعراض".وحتى الجويني فإنه صرح أن "الجوهر والعرض ألفاظ اصطلح عليها المتكلمون ولم يكن معروفاً عند السلف" (١٠).٥) أن ابن حجر ذكر أن الرازي الأشعري "أوصى بوصية تدل على أنه حسن عقيدته" (١١). فعلى أي عقيدة كان وعلى أي عقيدة مات؟ وكيف يكون ابن حجر موافقا له على عقيدته وقد كان الرازي قبل موته أشعري الاعتقاد. وهل التوبة إلا عن هذا المذهب؟ ٦) أن ابن حجر انتقد موقف أهل الكلام من خبر الواحد وأيد موقف أهل الحديث ووقف موقف الشافعي (١٢). فقد ذكر أربعة أنواع للخبر المحتف بقرائن الصحة، وأهمها آخرها وهو التلقي الرابع: قال "وهذا التلقي وحده أقوى من إفادته العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر".وقال الحافظ " .. منها ما أخرجاه في الصحيحين مما لم يبلغ حد المتواتر، فإنه احتفت به قرائن منها: جلالتهما في هذا الشأن وتقدمهما في تميز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول" (١٣).٧) أن ابن حجر نقل تشنيع أهل الحديث واللغة على قول المعتزلة استوى أي استولى (١٤). ولو كان أشعريا لوافق الأشاعرة على تأويل الاستواء بالاستيلاء الذي قلدوا فيه المعتزلة. المصدر: موقف ابن حزم من المذهب الأشعري لعبد الرحمن دمشقية - ص ١٧

стр. 503

المبحث الثاني: انقطاع صلة المنهج الأشعري في كثير من مسائله بالسلف: المقصود هنا بيان انقطاع هذه الصلة: وذلك من وجوه: الوجه الأول: إن السلف لم يؤولوا نصوص الصفات، بل أمروها كما جاءت وأجمعوا على ذلك، وقد أقر بهذا الجويني (١). لا يقال إنهم قد أولوا تأويلاً إجمالياً لثلاثة أمور: الأمر الأول: إنه قد ورد عنهم إثبات الصفات ومنهم الصحابة كما مر بل لقد أجمع التابعون على ذلك كما قال الأوزاعي: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته" (٢). الأمر الثاني: إن مدعي ذلك لم يأت بما يصحح دعواه. والأمر الثالث: إن في ترك الصحابة والتابعين النصوص على ظاهرها دليلاً على أنهم يقولون بموجبها وبما دلت عليه، إذ يستحيل أن يكون ظاهرها يوجب التشبيه ثم لا يبينون ذلك ولا مرة واحدة. الوجه الثاني: إن هؤلاء الأئمة الذين يفتخر الأشاعرة بالانتماء إليهم قد ذموا الكلام وأهله، فمن ذلك قول الإمام الشافعي: "والله لأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك به خير له من النظر في الكلام" (٣) وقال ابن الماجشون "إياك والكلام فإن لأخره أول سوء" (٤) وقال الإمام أحمد "من تعاطى الكلام لم يفلح، ومن تعاطى الكلام لم يخل من أن يتجهم" (٥) وكلامهم في هذا الباب كثير جداً؛ وهذا خلاف ما عليه الأشاعرة. الوجه الثالث: إن هؤلاء الأئمة لم يكونوا يردون الأخبار الصحيحة بأقيستهم وعقولهم، بل كانوا يسلمون بها، وهذا قد مر ذكر شيء منه في (التمهيد). وهذا خلاف ما عليه الأشاعرة. وبالجملة فكل ما تقدم نقله عن الأئمة الأعلام من إثبات الاستواء والوجه والعينين وأن القرآن كلام الله غير مخلوق يخالف ما عليه الأشعرية (٦). ومن وقف على كتب الأئمة المصنفة في العقيدة علم يقيناً بلا ريب ولا شك أنهم يؤمنون بما وردت به الأخبار من الصفات وبقية مسائل العقيدة، وعلى سبيل المثال من هذه الكتب: السنة لعبدالله بن أحمد – خلق أفعال العباد للبخاري – التوحيد لابن خزيمة – عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني – و (الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية) لابن بطة، وشرح السنة للبربهاري – وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي. المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - ٢/ ٦٥٩

стр. 504

المبحث الثالث: بيان مخالفة متأخّري الأشاعرة للأشعري ولكبار أصحابه لا بد أن يعلم أيضاً أن ابن كلاب، والأشعري، وكبار أصحابه كأبي الحسن الطبري، وأبي عبدالله بن مجاهد الباهلي، ثم من بعدهم كأبي بكر الباقلاني وأبي إسحاق الإسفرائيني، لم يختلف قولهم في إثبات الصفات الخبرية لله تعالى التي في القرآن كالوجه، واليدين، والعينين، والاستواء، ونحوها، وإبطال قول من نفاها وتأولها، ولم ينقل عنهم غير ذلك، وليس لهم فيها قولان، وهذه كتبهم موجودة، ليس فيها حرف من تأويلها أو ذكر قولين، ومن قال غير ذلك فقد وهم، وإنما أدخل هذا في مذهبه متأخرو الأشاعرة كأبي المعالي الجويني والرازي وأبي حامد ونحوهم. قال أبو العباس أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ صاحب كتاب (اللوامع في الجمع بين الصحاح والجوامع) في بيان مسألة الاستواء من تأليفه: "ورأيت هؤلاء الجهمية – يشير إلى متأخري الأشاعرة -، ينتمون – في نفي العرش، وتعطيل الاستواء – إلى أبي الحسن الأشعري، وما هذا بأول باطل ادعوه، وكذب تعاطوه، فقد قرأت في كتابه الموسوم بـ (الإبانة عن أصول الديانة) أدلة من جملة ما ذكر على إثبات الاستواء، وقال في جملة ذلك: "ومن دعاء أهل الإسلام جميعاً إذا رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم، يقولون جميعاً: يا ساكن العرش"، ثم قال: "ومن حلفهم جميعاً قولهم: لا والذي احتجب بسبع سماوات" (١) اهـ ........ وقد درس الشيخ أبو زهرة منهج أبي الحسن الأشعري ولخصه في النقاط التالية: ١ - أنه يرى الأخذ بكل ما جاء به الكتاب والسنة في مسائل الاعتقاد، ويحتج بكل وسائل الإقناع والإفحام في تأييد ذلك. ٢ - أنه يأخذ بظواهر النصوص في الآيات الموهمة للتشبيه من غير أن يقع في التشبيه، فهو يعتقد أن لله وجهاً لا كوجه العبيد، وأن لله يداً لا تشبه أيدي المخلوقات. ٣ - أنه يرى الاحتجاج بحديث الآحاد في العقائد، وهو دليل لإثباتها، وقد أعلن اعتقاد أشياء تثبت بأحاديث الآحاد.٤ - أنه في آرائه كان يجانب أهل الأهواء جميعاً والمعتزلة، ويجتهد في أن لا يقع فيما وقع فيه كثير من المنحرفين (٢). المصدر: الأشاعرة في ميزان أهل السنة لفيصل الجاسم - ص ٧٢٧

стр. 505

المبحث الرابع: نصوص أئمة أصحاب الأشعري في إثبات الصفات لله تعالى والمنع من تأويلها أبو الحسن علي بن مهدي الطبري: قال الذهبي في "العلو" نقلاً عنه: "قال الإمام أبو الحسن علي بن مهدي الطبري تلميذ الأشعري في كتاب (مشكل الآيات) له في باب قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥]: "اعلم أن الله في السماء، فوق كل شيء، مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء، كما تقول العرب: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح، بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسي، واستوى الطير على قمة رأسي، بمعنى علا في الجو فوجد فوق رأسي، فالقديم ﷻ عال على عرشه، يدلك على أنه في السماء عال على عرشه قوله: أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك: ١٦]، وقوله: يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران: ٥٥]، وقوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: ١٠]، وقوله: ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [السجدة: ٥] وزعم البلخي أن استواء الله على العرش هو الاستيلاء عليه، مأخوذ من قول العرب: استوى بشر على العراق، أي استولى عليها، وقال: إن العرش يكون "الملك"، فيقال له: ما أنكرت أن يكون عرش الرحمن جسماً خلقه، وأمر ملائكته بحمله؟ قال وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة: ١٧]، وأمية يقول: مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء الأعلى الذي سبق الناس ... وسوى فوق السماء سريرا قال: مما يدل على أن الاستواء ههنا ليس بالاستيلاء أنه لو كان كذلك لم يكن ينبغي أن يخص العرش بالاستيلاء عليه دون سائر خلقه، إذ هو مستول على العرش، وعلى الخلق، ليس للعرش مزية على ما وصفته، فبان بذلك فساد قوله. ثم يقال له أيضاً: إن الاستواء ليس هو الاستيلاء الذي هو من قول العرب: استوى فلان على كذا، أي: استولى، إذا تمكن منه بعد أن لم يكن متمكناً، فلما كان الباري لا يوصف بالتمكن بعد أن لم يكن متمكناً لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء. ثم ذكر ما حدثه نفطويه عن داود بن علي عن ابن الأعرابي – وقد مر – ثم قال: فإن قيل: ما تقولون في قوله: أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك: ١٦]؟ قيل له: معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش، كما قال: فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ [التوبة: ٢]، بمعنى: على الأرض، وقال: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه: ٧١]، فكذلك: أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك: ١٦]. فإن قيل: فما تقولون في قوله: وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام: ٣]؟ قيل له: إن بعض القراء يجعل الوقف في: السَّمَاوَاتِ، ثم يبتدئ: وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ، وكيفما كان فلو أن قائلاً قال: فلان بالشام والعراق ملك، لدل على أن ملكه بالشام والعراق، لا أن ذاته فيهما ... ".إلى أن قال: "وإنما أمرنا الله برفع أيدينا قاصدين إليه برفعهما نحو العرش الذي هو مستو عليه" (١) اهـ. قلت: فانظر إلى حكايته عن المعتزلة القول بأن العرش: الملك، ثم انظر إلى ما قاله عبدالقاهر البغدادي في الاستواء: "والصحيح عندنا تأويل العرش في هذه الآية على معنى الملك" (٢) اهـ. وانظر أيضاً إبطاله لتفسير الملك بالاستيلاء والقهر، وجعل هذا من أقوال الجهمية، ثم انظر إلى ما قاله أبو المعالي الجويني: "لم يمتنع منا حمل الاستواء على القهر والغلبة" (٣) اهـ.

стр. 506

القاضي أبو بكر محمد بن الطيب البصري الباقلاني: قال في كتاب (الإنصاف): "فنص تعالى على إثبات أسمائه وصفات ذاته، وأخبر أنه ذو الوجه الباقي بعد تقضي الماضيات، كما قال : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]، وقال وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧]، واليدين اللتين نطق بإثباتهما له القرآن في قوله : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]، وقوله: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ [ص: ٧٥]، وأنهما ليستا جارحتين، ولا ذوي صورة وهيئة، والعينين اللتين أفصح بإثباتهما من صفاته القرآن، وتواترت بذلك أخبار الرسول ﵇؟ فقال : وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: ٣٩] وتَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: ١٤]، وأن عينه ليست بحاسة من الحواس، ولا تشبه الجوارح والأجناس" (١) اهـ. وقال الذهبي في (العلو): "قال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب البصري الباقلاني الذي ليس في المتكلمين الأشعرية أفضل منه مطلقاً في كتابه (الإبانة) من تأليفه: فإن قيل فما الدليل على أن لله وجهاً؟ قيل: قوله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: ٢٧]، وقوله: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]، فأثبت لنفسه وجهاً ويداً. فإن قيل: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة، إذ كنتم لا تعقلون وجهاً ويداً إلا جارحة؟ قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب في كل شيء كان قديماً بذاته أن يكون جوهراً، لأنا وإياكم لم نجد قديماً بنفسه في شاهدنا إلا كذلك. وكذلك الجواب لهم إن قالوا: فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرضاً، واعتلوا بالوجود. فإن قيل: فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه، كما أخبر في كتابه فقال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥]، وقال: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: ١٠]، وقال: أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك: ١٦]. قال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه وفي الحشوش، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، ويصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا ويميننا وشمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه، وتخطئه قائله. إلى أن قال: وصفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفاً بها: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والوجه واليدان والعينان والغضب والرضا. وقال مثل هذا القول في كتاب (التمهيد) (٢) له. وقال في كتاب (الذب عن أبي الحسن الأشعري) كذلك: قولنا في جميع المروي عن رسول الله في صفات الله إذا صح من إثبات اليدين والوجه والعينين، ونقول: إنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام، وإنه ينزل على السماء الدنيا كما في الحديث، وإنه مستو على عرشه ... ". إلى أن قال: "وقد بينا دين الأئمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف، ولا تحديد، ولا تجنيس، ولا تصوير، كما روي عن الزهري وعن مالك في الاستواء، فمن تجاوز هذا فقد تعدى وابتدع وضل. قلت – أي: الذهبي معلقاً -: فهذا النفس نفس هذا الإمام، وأين مثله في تبحره وذكائه وبصره بالملل والنحل، فلقد امتلأ الوجود بقوم لا يدرون ما السلف، ولا يعرفون إلا السلب، ونفي الصفات وردها، صم بكم غتم عجم، يدعون إلى العقل ولا يكونون على النقل" (٣) اهـ. نقل كلام أبي الحسن الأشعري في (الإبانة): "فلو انتهى أصحابنا المتكلمون إلى مقالة أبي الحسن هذه، ولزموها، لأحسنوا، ولكنهم خاضوا كخوض حكماء الأوائل في الأشياء، ومشوا خلف المنطق، فلا قوة إلا بالله" (٤) اهـ. المصدر: الأشاعرة في ميزان أهل السنة لفيصل الجاسم - ص ٧٣٠

стр. 507

المبحث الخامس: متابعة الأشاعرة لمنهج المعتزلة إما صراحة وإما لزوماً وهذا يتضح في خمس مسائل هي (١): المسألة الأولى: دليل إثبات وجود الله. أصل هذا الدليل قد أخذه الأشاعرة عن المعتزلة – ويمكن إثبات هذه الدعوى بدليلين:- الأول: الرجوع إلى كتب المعتزلة. الثاني: شهادة الأشاعرة أنفسهم. أما الدليل الأول: فإنه بالرجوع إلى كتب المعتزلة، وجد أنهم قد ذكروا طريقة في إثبات وجود الله هي الطريقة نفسها التي سلكها الأشاعرة ومعلوم أن المعتزلة قد سبقوا الأشاعرة في الظهور. وخطوات الاستدلال عند المعتزلة هي:١ - إثبات حدوث الأجسام – وهي مستندة على طريقة الأعراض، والأجسام معلومة الوجود بالضرورة (٢).٢ - إثبات وجود الأعراض التي هي الأكوان من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون (٣).٣ - إثبات حدوث الأعراض (٤).٤ - إثبات أن الأجسام لا تخلوا عن الأعراض (٥).٥ - إثبات أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث (٦).٦ - إثبات امتناع تسلسل الحوادث (٧) وبه يتم الاستدلال على حدوث الأجسام.٧ - إثبات أن القديم لا يجوز عليه العدم (٨). فهذه هي مراحل إثبات وجود الله عند المعتزلة – وهي المراحل عينها التي سلكها الأشاعرة كما تقدم النقل عنهم. وأما الدليل الثاني فيكفي شهادة اثنين منهم وهما: ١ - الشاهد الأول: أبو الحسن الأشعري نفسه ٢ - الشاهد الثاني: أبو جعفر السمناني المسألة الثانية: في خلق الأسماء الحسنى. وهذه قد مضت المناقشة فيها، فإن الأشاعرة بالغوا في إظهار مخالفتهم للمعتزلة القائلين بخلق الأسماء، وأظهروا موافقتهم للسلف في أن الأسماء غير مخلوقة – ولما حققت المسألة معهم بأن الأسماء من الكلام، والكلام عندهم مخلوق، فيلزم أن تكون الأسماء مخلوقة قالوا: لا إشكال في أن التسميات مخلوقة، فإن الأسماء تطلق ويراد بها التسميات، أما الاسم فهو المسمى نفسه وهو غير مخلوق، ثم إنه لما حقق معهم أكثر في المسألة وأن هذا الجواب قد لا يستقيم إذ بعض الأسماء دالة على صفات المعاني، وبعضها على صفات الأفعال – فتكون مخلوقة – وبعضها على الذات قالوا: إذاً بعض الأسماء هي لا عين المسمى ولا هي غيره، وبعضها هي غير المسمى يقيناً وبعضها هي المسمى نفسه! فالأولى هي الدالة على صفات المعاني – والثانية دالة على الأفعال فتكون مخلوقة إذ هي غيره – والثالثة هي الدالة على الذات. وبالجملة فإن موافقة الأشاعرة للمعتزلة هنا ظاهرة وإن بالغوا في إظهار المخالفة، وقد تقدم هذا البحث مستوفى. المسألة الثالثة: في صفات الأفعال وبعض صفات الذات: وهذه قد وافق فيها الأشاعرة المعتزلة موافقة صريحة، مثل صفات: الاستواء، والغضب، والفرح، والنزول، والمجيء، ومثل صفات اليدين، والوجه، والقدم والعلو، والعينين. والغريب أنهم اتبعوا طريقة المعتزلة نفسها لنفيها، وهي طريقة التنزيه المبنية على شبهة حلول الحوادث والجسمية والتركيب. مع التنبيه هنا على أن المتقدمين من فضلاء الأشاعرة قد أثبتوا أكثر هذه الصفات كالباقلاني والبيهقي وغيرهما.

стр. 508

وقد تقدم كذلك إنكار بعضهم لبعض صفات المعاني، وهما صفتا السمع والبصر وهذا يدل على أن المذهب الأشعري قد تغير كثيراً وازداد انحرافاً وخطى خطوات واسعة للاقتراب من المعتزلة خاصة بعد الجويني وعند الغزالي والرازي على وجه الخصوص. المسألة الرابعة: اتفاقهم مع المعتزلة على خلق القرآن. وهذا الموضوع أفردته بمسألة مستقلة لشدة خطورته، فإن الأئمة الأعلام مجمعون على تكفير من قال بخلق القرآن. والأشاعرة قد أظهروا مخالفة المعتزلة في الكلام فقالوا: إن كلام الله غير مخلوق، ولما كان هذا يتعارض مع مسألة نفي حلول الحوادث قالوا: مرادنا بقولنا الكلام غير مخلوق: الكلام النفسي، أما الألفاظ فهي مخلوقة، وهذا يشمل القرآن!! من عبارتهم: "ومذهب أهل السنة أن القرآن بمعنى الكلام النفسي ليس مخلوق، وأما القرآن بمعنى اللفظ الذي نقرؤه فهو مخلوق، لكن يمتنع أن يقال: القرآن مخلوق ويراد به اللفظ الذي نقرؤه إلا في مقام التعليم، لأنه ربما أوهم أن القرآن بمعنى كلامه تعالى مخلوق، ولذلك امتنعت الأئمة من القول بخلق القرآن. (١) " اهـ. فهذه هي الموافقة الصريحة للمعتزلة في هذه المسألة. وهكذا حاول علماء الأشاعرة إنهاء هذه المشكلة الكبيرة بهذا التقسيم المبتدع الخارق للإجماع، ثم إنه عجب أن يكون سبب امتناع الأئمة من التصريح بخلق القرآن هو إيهام القول بخلق الكلام النفسي! فإذا كان هذا هو التعليل الصحيح فلماذا سفكت دماء عدد من العلماء؟ - ولماذ تخفى بعضهم؟ ولماذا أصر إمام أهل السنة والجماعة الإمام المبجل أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ﵀ على القول بأن القرآن كلام الله بل أصر على كلمة "غير مخلوق" وأنكر على من لم ير زيادة هذه الكلمة؟ (٢) أَبَعْدَ هذا كله يقال إن الأئمة الأعلام سكتوا عن بيان مسألة قام المقتضي لبيانها، حتى تفلسف هؤلاء الأشاعرة فقالوا يجوز بيان ذلك في مقام التعليم؟، مع أن المقام زمن الأئمة قد جمع بين أمور: مقام التعليم، ومقام حفظ الأنفس، ومقام وحدة المسلمين! المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - ٢/ ٦٦٥

стр. 509

المبحث السادس: نصوص العلماء في مخالفة الكلابية والأشاعرية لأهل السنة ولطريق السلف إمام أهل السنة أحمد بن حنبل "٢٤١هـ": قال المروذي: "قلت لأبي عبدالله: إن الكرابيسي يقول: من لم يقل لفظه بالقرآن مخلوق فهو كافر. فقال: بل هو الكافر. وقال: ثار بشر المريسي وخلفه حسين الكرابيسي. وقال لي: هذا قد تجهم وأظهر الجهمية، ينبغي أن يحذر عنه وعن كل من اتبعه. وقال الخلال أخبرنا المروذي: أن أبا عبدالله ذكر حارثاً المحاسبي فقال: حارث أصل البلية – يعني حوادث كلام جهم -، ما الآفة إلا حارث، عامة من صحبه انتهك إلا ابن العلاف فإنه مات مستوراً. حذروا عن حارث أشد التحذير. قلت: إن قوماً يختلفون إليه؟ قال: نتقدم إليهم لعلهم لا يعرفون بدعته، فإن قبلوا وإلا هجروا. ليس للحارث توبة، يشهد عليه ويجحد، وإنما التوبة لمن اعترف" (١) اهـ. وقال علي بن أبي خالد: "قلت لأحمد: إن هذا الشيخ – لشيخ حضر معنا – هو جاري، وقد نهيته عن رجل، ويحب أن يسمع قولك فيه: حرث القصير – يعني حارياً المحاسبي -، كنت رأيتني معه منذ سنين كثيرة، فقلت لي: لا تجالسه، ولا تكلمه، فلم أكلمه حتى الساعة. وهذا الشيخ يجالسه، فما تقول فيه؟ فرأيت أحمد قد احمر لونه، وانتفخت أوداجه وعيناه، وما رأيته هكذا قط، ثم جعل ينتفض ويقول: ذاك فعل الله به وفعل، ليس يعرف ذاك إلا من خبره وعرفه، أوّيه، أوّيه، أوّيه. ذاك لا يعرفه إلا من قد خبره وعرفه. ذاك جالسه المغازلي ويعقوب وفلان فأخرجهم إلى رأي جهم. هلكوا بسببه. فقال له الشيخ: يا أبا عبدالله، يروي الحديث ساكناً خاشعاً، من قصته ومن قصته؟ فغضب أبو عبدالله وجعل يقول: لا يغرّك خشوعه ولينه، ويقول: لا تغتر بتنكيس رأسه، فإنه رجل سوء، ذاك لا يعرفه إلا من قد خبره. لا تكلمه ولا كرامة له. كل من حدث بأحاديث رسول الله ﷺ وكان مبتدعاً تجلس إليه؟! لا ولا كرامة، ولا نعمى عين. وجعل يقول: ذاك! ذاك! " (٢) اهـ.

стр. 510

وقال أبو الحارث أحمد بن محمد: "سمعت أبا عبدالله يقول: من أحب الكلام لم يخرج من قلبه. قال: وسمعته وسئل عن قول الحسين الكرابيسي. فقيل له: إنه يقول: لفظي بالقرآن مخلوق. فقال: هذا قول جهم، قال الله : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ [التوبة: ٦]، فممن يسمع كلام الله؟ أهلكهم الله" (١) اهـ. وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري للإمام أحمد: "يا أبا عبدالله، إن الكرابيسي وابن الثلجي قد تكلما. فقال أحمد: فيم؟ قلت: في اللفظ. فقال أحمد: اللفظ بالقرآن غير مخلوق، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي" (٢) اهـ. وقال حنبل: "سمعت أبي يسأل أبا عبدالله عن كلام الكرابيسي وما أحدث؟ فقال أبو عبدالله لأبي: هذا كلام الجهمية، صاحب هذه المقالة يدعو إلى كلام جهم، إذا قال: إن لفظه بالقرآن مخلوق، فأي شيء بقى؟ " (٣) اهـ. وقال ابن أبي يعلى: أنبأنا أبو الحسين بن المهتدي بالله عن أبي الحسين بن أخي ميمي قال: أخبرنا علي بن محمد الموصلي حدثنا موسى بن محمد الغساني حدثنا شاهين بن السميذع قال: سمعت أبا عبدالله بن حنبل يقوله: "الحسين الكرابيسي عندنا كافر" (٤) اهـ. وقال أبو جعفر محمد بن الحسن بن هارون بن بدينا: "سألت أبا عبدالله أحمد بن حنبل ﵁ فقلت له: يا أبا عبدالله، أنا رجل من أهل الموصل والغالب على أهل بلدنا الجهمية، ومنهم أهل سنة، نفر يسير يحبونك، وقد وقعت مسألة الكرابيسي ففتنهم قول الكرابيسي: "لفظي بالقرآن، مخلوق". فقال لي أبو عبدالله: إياك، وإياك وهذا الكرابيسي، لا تكلمه ولا تكلم من يكلمه – أربع مرار أو خمساً -، فقلت: يا أبا عبدالله، فهذا القول عندك، وما شاعت منه، يرجع إلى قول جهم؟ قال: هذا كله من قول جهم" (٥) اهـ. وقال عبدالله: "قلت لأبي: إن الكرابيسي يقول: لفظي بالقرآن مخلوق. فقال: هذا كلام سوء رديء، هذا كلام الجهمية، كذب الكرابيسي هتكه الله، الخبيث. وقال: قد خلف هذا بشر المريسي" (٦) اهـ. الحافظ أبو حاتم الرازي محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي "٢٧٧هـ": قال: "مذهبنا واختيارنا اتباع رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين ومن بعدهم بإحسان، وترك النظر في موضع بدعهم، والتمسك بمذهب أهل الأثر مثل أبي عبدالله أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، وابي عبيدالقاسم بن سلام، والشافعي. ولزوم الكتاب والسنة، والذب عن الأئمة المتبعة لآثار السلف، واختيار ما اختاره أهل السنة من الأئمة في الأمصار مثل: مالك بن أنس في المدينة، والأوزاعي بالشام، والليث بن سعد بمصر، وسفيان الثوري، وحماد بن زياد بالعراق من الحوادث مما لا يوجد فيه رواية عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين.

стр. 511

وترك رأي الملبسين المموهين المزخرفين الممخرقين الكذابين، وترك النظر في كتب الكرابيسي، ومجانبة من يناضل عنه من أصحابه وشاجر فيه مثل داود الأصبهاني وأشكاله ومتبعيه. والقرآن كلام الله وعلمه وأسماؤه وصفاته وأمره ونهيه، ليس بمخلوق بجهة من الجهات. ومن زعم أنه مخلوق مجعول فهو كافر بالله كفراً ينقل عن الملة، ومن شك في كفره ممن يفهم ولا يجهل فهو كافر. والواقفة واللفظية جهمية، جهمهم أبو عبدالله أحمد بن حنبل " (١) اهـ. وقال أيضاً: "من كلام جهم بن صفوان، وحسين الكرابيسي داود بن علي: أن لفظهم بالقرآن مخلوق، وأن القرآن المنزل على نبينا ﷺ مما جاء به جبريل الأمين حكاية القرآن، فجهمهم أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل، وتابعه على تجهيمهم علماء الأمصار طرّاً أجمعون، لا خلاف بين أهل الأثر في ذلك" (٢) اهـ. وهذا يؤكد ما ذكره ابن عبدالبر من أن الكرابيسي موافق لابن كلاب وداود الأصبهاني في القول بالحكاية. جماعة من السلف لا يحصون كثرة: قال قوام السنة أبو القاسم التيمي الأصبهاني: "وأول من قال باللفظ، وقال: "ألفاظنا بالقرآن مخلوقة": حسين الكرابيسي. فبدعه أحمد بن حنبل، ووافقه على تبديعه علماء الأمصار: إسحاق بن راهويه، وأبو مصعب، ومحمد بن سليمان لوين، وأبو عبيدالقاسم بن سلام، ومصعب بن عبدالله الزبيري، وهارون بن موسى الفروي، وأبو موسى محمد بن المثنى، وداود بن رشيد، والحارث ابن مسكين المصري، وأحمد بن صالح المصري، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، ويعقوب وأحمد ابنا إبراهيم الدورقي، وأبو همام الوليد بن شجاع، وعلي بن خشرم، ومحمد بن قدامة المصيصي، ومحمد بن داود بن صبيح المصيصي، وكان من أهل العلم والأدب، ومحمد بن آدم المصيصي، وسعيد بن رحمة، وعقبة بن مكرم، والعباس بن عبدالعظيم، ومحمد بن أسلم الطوسي، وحميد بن زنجويه النسوي، ومحمد بن سهل بن عسكر البخاري، وأحمد بن منيع، وهارون بن عبدالله الحمال، وابنه موسى بن هارون، ومحمد بن يحيى الذهلي النيسابوري، ومحمد ابن أحمد بن حفص أبو عبدالله البخاري فقيه أهل خراسان، وأبو بكر الأثرم، وأبو بكر المروذي، صاحبا أحمد بن حنبل، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والحسن بن محمد الزعفراني، وحرب بن إسماعيل السيرجاني، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة. ومن أهل أصبهان: أبو مسعود الرازي، ومحمد بن عيسى الطرسوسي، وأحمد بن مهدي، وإسماعيل بن أسيد، ومحمد بن العباس بن خالد، ومحمد بن عباس بن أيوب الأخرم، ومحمد بن يحيى بن منده، جد أبي عبدالله، وأبو أحمد العسال، وأبو علي أحمد بن عثمان الأبهري، وأبو عبدالله محمد بن إسحاق بن منده، فمذهبهم ومذهب أهل السنة جميعاً أن القرآن كلام الله آية آية، وكلمة كلمة، وحرفاً حرفاً في جميع أحواله، حيث قرئ وكتب وسمع" (٣) اهـ. الإمام أبو العباس أحمد بن عمرو ابن سريج البغدادي الشافعي "٣٠٣هـ":قال: "لا نقول بتأويل المعتزلة، والأشعرية، والجهمية، والملحدة، والمجسمة، والمشبهة، والكرامية، والمكيفة، بل نقبلها بلا تأويل، ونؤمن بها بلا تمثيل، ونقول: الآية والخبر صحيحان والإيمان بهما واجب، والقول بهم سنة، وابتغاء تأويلها بدعة" (٤) اهـ.

стр. 512

إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة "٣١١هـ":قال أبو سعيد عبدالرحمن بن أحمد المقرئ: "سمعت ابن خزيمة يقول: القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال: شيء منه مخلوق، أو يقول: إن القرآن محدث؛ فهو جهمي، ومن نظر في كتبي بان له أن الكلابية لعنهم الله كذبة فيما يحكون عني بما هو خلاف أصلي وديانتي، قد عرف أهل الشرق والغرب أنه لم يصنف أحد في التوحيد والقدر وأصول العلم مثل تصنيفي ... " (١). وقال الذهبي في السير: "قال الحاكم: سمعت أبا بكر أحمد ابن غسحاق يقول: ... فقال له – أي: لابن خزيمة – أبو علي الثقفي: ما الذي أنكرت أيها الأستاذ من مذاهبنا حتى نرجع عنه؟ قال: ميلكم إلى مذهب الكلابية، فقد كان أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبدالله بن سعيد بن كلاب وعلى أصحابه مثل الحارث وغيره" (٢) اهـ. الإمام الحافظ شيخ الإسلام محمد بن إسحاق السراج محدث خراسان "٣١٣هـ":قال الذهبي في ترجمته: "قال الحاكم: وسمعت أبا سعيد بن أبي بكر يقول: لما وقع من أمر الكلابية ما وقع بنيسابور، كان أبو العباس السراج يمتحن أولاد الناس، فلا يحدث أولاد الكلابية، فأقامني في المجلس مرة فقال: قل أنا أبرأ إلى الله تعالى من الكلابية، فقلت: إن قلت هذا لا يطعمني أبي الخبز، فضحك وقال: دعوا هذا" (٣) اهـ. العلامة الحافظ أبو حامد أحمد بن محمد بن شارك الهروي الشافعي المفسر مفتي هراة وشيخها "٣٥٥هـ":قال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري: سمعت الثقة (٤) وهو لي عن أبي حامد أحمد بن حمدان إجازة: "أن جده أبا حامد الشاركي في علته التي توفي فيها دخل عليه أبو عبدالله الفياضي وعنده أبو سعد الزاهد، فلما دخل، قام إليه الناس يعظمونه، ولم ينظر إليه أبو سعد، فقال أبو حامد: أسندوني، فأسندوه، فرفع صوته وكان منه من الشدة على الكلابية بشأن" (٥). محمد بن أحمد بن إسحاق بن خواز منداد المصري المالكي "توفي في أواخر المائة الرابعة": روى ابن عبدالبر بسنده قال: "حدثنا إسماعيل بن عبدالرحمن، ثنا إبراهيم بن بكر قال: سمعت أبا عبدالله محمد بن أحمد بن إسحاق ابن خواز منداد المصري المالكي ... وقال في كتاب (الشهادات) في تأويل قول مالك: "لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء" قال: "أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعريا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام، ويهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها" اهـ. قال أبو عمر مقرا له: "ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصاً في كتاب الله، أو صح عن رسول الله ﷺ ، أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا يناظر فيه" (٦) اهـ. إبراهيم بن أحمد بن عمر أبو إسحاق بن شاقلا الحنبلي "٣٦٩هـ": له مناظرة مع أبي سليمان الدمشقي في مسائل الصفات تبين أن ابن كلاب لم يكن على طريقة الإمام أحمد ولا على منهج السلف.

стр. 513

قال ابن شاقلا: "فقال لي جواباً عن حديث أنس: "إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها": إنما هما نعمتان. فقلت له: هذا الخبر يقول: "إن الأصبعين نعمتان؟ " – أي: هل قال الخبر: إن الأصبعين نعمتان؟ استنكاراً لتأويله – واليدين صفة للذات -. ولم يتقدمك بهذا أحد إلا عبدالله بن كلاب القطان الذي انتحلت مذهبه، ولا عبرة في التسليم للأصابع والتأويل لها على ما ذكرت: إن القلوب بين نعمتين من نعم الله ... ". إلى أن قال: "ثم قلت له: أنت مذهبك أن كلام الله ليس بأمر ولا نهي، ولا متشابه ولا ناسخ ولا منسوخ، ولا كلامه مسموع، لأن عندك الله لا يتكلم بصوت، وأن موسى لم يسمع كلام الله بسمعه، وإنما خلق الله في موسى فهماً فهم به. فلما رأى ما عليه في هذا من الشناعة قال: فلعلي أخالف ابن الكلاب القطان في هذه المسألة من سائر مذهبه" (١) اهـ. أبو عبيدالله عبيدالله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة "٣٨٤هـ":قال في ختام كتابه (الإبانة الصغرى) بعد أن ذكر أسماء رؤوس أهل البدع من الجهمية والمعتزلة والقدرية وغيرهم: "ومن خبثائهم، ومن يظهر في كلامه الذب عن السنة، والنصرة لها، وقوله أخبث القول: ابن كلاب، وحسين النجار، وأبو بكر الأصم، وابن علية" (٢) اهـ. الإمام الحافظ أبو عبدالله محمد بن إسحاق بن منده "٣٩٥هـ":قال أحمد بن محمد بن الطاهر المعافري أبو العباس: سمعت أبا عبدالله محمد بن منده الحافظ بأصبهان ﵀ يقول: "ليتق الله امرؤ وليعتبر عن تقدم ممن كان القول باللفظ مذهبه ومقالته، كيف خرج من الدنيا مهجوراً مذموماً مطروداً من المجالس والبلدان لاعتقاده القبيح؟! وقوله الشنيع المخالف لدين الله مثل: الكرابيسي، والشواط، وابن كلاب، وابن الأشعري، وأمثالهم ممن كان الجدال والكلام طريقه في دين الله " (٣) اهـ. العلامة أبو حامد بن أبي طاهر الإسفرائيني شيخ الشافعية ببغداد (٤٠٦هـ): قال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبدالملك الكرجي الشافعي في كتابه الذي سماه (الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول): "وكان الشيخ أبو حامد الإسفرائيني شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب الكلام ... ". وقال: "ولم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري، ويتبرؤن مما بنى الأشعري مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة – منهم الحافظ: المؤتمن بن أحمد بن علي الساجي – يقولون: سمعنا جماعة من المشايخ الثقات قالوا: كان الشيخ أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفرائيني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علماً وأصحاباً إذا سعى إلى الجمعة من قطعية الكرج إلى جامع المنصور يدخل الرباط المعروف بالزوزي المحاذي للجامع، ويقبل على من حضر ويقول: اشهدوا عليّ بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما قاله الإمام ابن حنبل، لا كما يقوله الباقلاني.

стр. 514

وتكرر ذلك منه جمعات، فقيل له في ذلك، فقال: حتى ينتشر في الناس وفي أهل الصلاح ويشيع الخبر في أهل البلاد أني بريء مما هم عليه – يعني الأشعرية -، بريء من مذهب أبي بكر بن الباقلاني، فإن جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية ويقرؤون عليه فيفتنون بمذهبه، فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة، فيظن ظان أنهم مني تعلموه قبله، وأنا ما قلته، وأنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته".قال: "ومعروف شدة الشيخ أبي حامد على أهل الكلام، حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول الأشعري، وعلقه عنه أبو بكر الزاذاقان. وهو عندي، وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابيه (اللمع) و (التبصرة)، حتى لو وافق قول الأشعري وجهاً لأصحابنا ميزه وقال: هو قول بعض أصحابنا، وبه قالت الأشعرية، ولم يعدهم من أصحاب الشافعي، استنكفوا منهم ومن مذهبهم في أصول الفقه، فضلاً عن أصول الدين" (١) اهـ. شيخ الشافعية قاضي نيسابور الإمام أبو عمر محمد بن الحسين ابن الهيثم البسطامي الشافعي الواعظ "٤٠٨هـ":قال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري: "سمعت الحاكم عدنان بن عبدة النميري يقول: سمعت أبا عمر البسطامي يقول: كان أبو الحسن الأشعري أولاً ينتحل الاعتزال، ثم رجع فتكلم عليهم، وإنما مذهبه التعطيل، إلا أنه رجع من التصريح إلى التمويه" (٢) اهـ. الإمام المحدث الزاهد أبو سعد أحمد بن محمد بن الخليل الأنصاري الهروي الماليني "٤١٢هـ":قال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري: "سمعت الشيخ أحمد بن أبي نصر الماليني يقول: دخلت جامع عمرو بن العاص ﵁ بمصر في نفر من أصحابي، فلما جلسنا، جاء شيخ فقال: أنتم أهل خراسان أهل سنة، وهذا هو موضع الأشعرية، فقوموا" (٣) اهـ. الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيدالله بن سعيد السجزي "٤٤٤هـ":قال: "وينبغي أن يتأمل قول الكلابية والأشعرية في الصفات، ليعلم أنهم غير مثبتين إلهاً في الحقيقة، وأنهم يتخيرون من النصوص ما أرادوه، ويتركون سائرها ويخالفونه" (٤) اهـ. وقال أيضاً: "قد صنف غير واحد من المتكلمين من المعتزلة والكرامية في فضائح الأشعرية والكلابية، كما صنف هؤلاء في فضائح الآخرين. ولكل مخالف للسنة وطريقة أهل الأثر ما يفتضح به عند التأمل. وأهل الأثر لا فضيحة عليهم عند محل" (٥) اهـ. وقال: "ثم بلي أهل السنة بعد هؤلاء – أي: المعتزلة – بقوم يدعون أنهم من أهل الاتباع. وضررهم أكثر من ضرر المعتزلة وغيرهم، وهم: أبو محمد بن كلاب، وأبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعرية ... " إلى قوله: "وكلهم أئمة ضلال يدعون الناس إلى مخالفة السنة وترك الحديث" (٦) اهـ. أبو محمد بن علي ابن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري "٤٥٦هـ":ذكر ابن حزم قول الأشعري في أحد قوليه، والذي تابعه عليه الباقلاني وجمهور أصحابه – "أن علم الله هو غير الله وخلاف الله، وأنه مع ذلك غير مخلوق لم يزل"-، ثم قال: "إنها دعوى ساقطة، بلا دليل أصلاً، وما قال بهذا أحد قط من أهل الإسلام قبل هذه الفرقة المحدثة بعد الثلاث مائة عام – أي: الأشاعرة -، فهو خروج عن الإسلام وترك للإجماع المتيقن" (٧) اهـ.

стр. 515

وقال أيضاً: "قال أبو محمد: غلاة المرجئة طائفتان: إحداهما: الطائفة القائلة بأن "الإيمان قول باللسان، وإن اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن عند الله "، ولي له من أهل الجنة، وهذا قول محمد ابن كرام السجستاني وأصحابه وهو بخراسان وبيت المقدس. والثانية: بـ "أن الطائفة القائلة أن الإيمان عقد بالقلب، وإن أعلن الكفر بلسانه بلا تقية، وعبد الأوثان، أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الإسلام، وعبد الصليب، وأعلن التثليث في دار الإسلام، ومات على ذلك، فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله "، ولي لله من أهل الجنة، وهذا قول أبي محرز جهم بن صفوان السمرقندي، مول بن راسب كاتب الحارث بن سريج التميمي، أيام قيامه على نصر بن سيار بخراسان، وقول أبي الحسن علي بن إسماعيل بن أبي اليسر الأشعري البصري وأصحابهما. فأما الجهمية فبخراسان، وأما الأشعرية فكانوا ببغداد والبصرة، ثم قامت له سوق بصقلية والقيروان والأندلس، ثم رق أمرهم والحمد لله رب العالمين" (١) اهـ. وقد تعقب في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل) كثيراً من أقوال الأشاعرة في أبواب الاعتقاد، وبين مخالفتهم للسنة، وخروجهم عنها. الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبدالله بن عبدالبر الأندلسي القرطبي المالكي "٤٦٣هـ":قال: "أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام بدع وزيغ ولا يعدون عند الجميع في طبقات الفقهاء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم" اهـ (٢). ولا ريب أن الكلابية والأشعرية من أهل الكلام. ومما يؤكد كون ابن عبدالبر يرى دخول الأشاعرة والكلابية في المقصودين بأهل الكلام هنا أنه ساق بعده كلام ابن خويز منداد المالكي في عد الأشاعرة من أهل البدع الذين لا تقبل شهادتهم عند الإمام مالك، مقر له. شيخ الإسلام الحافظ أبو إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري الهروي "٤٨١هـ":قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " .... كأبي إسماعيل الأنصاري الهروي صاحب كتاب " (ذم الكلام) فإنه من المبالغين في ذم الجهمية لنفيهم الصفات، وله كتاب (تكفير الجهمية)، ويبالغ في ذم الأشعرية مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة والحديث، وربما كان يعلنهم، وقد قال له بعض الناس بحضرة نظام الملك: أتلعن الأشعرية؟ فقال: ألعن من يقول لي في السماوات إله، ولا في المصحف قرآن، ولا في القبر نبي، وقام من عنده مغضباً" (٣) اهـ. قلت: وقد نقل أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتابه " (ذم الكلام وأهله) آثاراً كثيرة في ذم الكلابية والأشعرية، وفي بعضها غلو وشدة. القاضي أبو الحسين محمد بن الحسين الفراء ابن القاضي أبي يعلى "٥٢٦هـ":قال الذهبي: "وقال السلفي: كان أبو الحسين متعصباً في مذهبه، وكان كثيراً ما يتكلم في الأشاعرة ويسمعهم، لا تأخذه في الله لومه لائم" (٤) اهـ.

стр. 516

أبو محمد عبدالقادر بن أبي صالح الجيلاني "٥٦١هـ":قال في كتابه (الغنية) في إثبات الصوت والحرف لله تعالى: "وهذه الآيات والأخبار تدل على أن كلام الله صوت لا كصوت الآدميين، كما أن علمه وقدرته وبقية صفاته لا تشبه صفات الآدميين، كذلك صوته. وقد نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى على إثبات الصوت في رواية جماعة من الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين خلاف ما قالت الأشعرية من أن كلام الله تعالى معنى قائم بنفسه، والله حسيب كل مبتدع ضال مضل ... " (١) اهـ. وقال أيضاً: "فصل: فأصل الثلاث وسبعين فرقة عشرة: أهل السنة، والخوارج، والشيعة، والمعتزلة، والمرجئة، والمشبهة، والجهمية، والضرارية، والنجارية، والكلابية ... والجهمية، والنجارية، والضرارية، والكلابية، كل واحدة فرقة واحدة" (٢). أبو محمد عبدالله بن أحمد بن قدامة المقدسي "٦٢٠هـ":قال في "لمعة الاعتقاد": "ومن السنة: هجران أهل البدع ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة، والإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع: كالرافضة، والجهمية، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة، والكرامية، والكلابية، ونظائرهم، فهذه فرق الضلال، وطوائف البدع أعاذنا الله منها" (٣) اهـ. وقال في "المناظرة في القرآن": "ولم تزل هذه الأخبار وهذه اللفظة – أي: إثبات الحرف والصوت من كلام الله تعالى – متداولة منقولة بين الناس، لا ينكرها منكر، ولا يختلف فيها أحد، إلى أن جاء الأشعري فأنكرها، وخالف الخلق كلهم، مسلمهم وكافرهم، ولا تأثير لقوله عند أهل الحق، ولا ترك الحقائق وقول رسول الله ﷺ وإجماع الأمة لقول الأشعري، إلا من سلبه الله التوفيق، وأعمى بصيرته، وأضله عن سواء السبيل" (٤) اهـ. الإمام أبو عبدالله محمد بن المرتضى اليماني المشهور بابن الوزير (٨٤٠هـ):قال: "والسنّي يستقبح تأويل المعتزلة والأشعرية للرحمن الرحيم الحكيم غاية الاستقباح ... ولم تزل هذه النصوص مقررة مجللة معتقدة مع تنزيه الله تعالى من نقائصها، مثل تنزيهه من نقائص علم المخلوقين، وإرادتهم في العليم والمريد وغيرهما، حتى فشت البدعة واجتمعت كلمة المعتزلة والأشعرية على تقبيح نسبة الرحمة، والحلم، والمحبة، والخلة لله تعالى" (٥) اهـ. علامة الكويت محمد بن سليمان آل جراح "١٤١٧هـ":سئل عن رأيه في كتب الكلام مثل جوهرة التوحيد – وهو من منظومات معتقد الأشاعرة – فأجاب: "علم الكلام ليس من العقيدة، خارج عن الكتاب والسنة، وهل دخلت الضلالات والفتن إلا من علم الكلام، وهل محنة الإمام أحمد إلا من علم الكلام؟ هذا الدين لا يؤخذ إلا من الكتاب والسنة" (٦) اهـ.

стр. 517

قلت: وكلام العلماء في ذم الأشاعرة والكلابية، والرد على ما ابتدعوه من الأصول المخالفة لاعتقاد السلف كثير جداً، أما الحنابلة فيصعب حصره واستقصاؤه لكثرته، وقد علم ما كان بين الحنابلة والأشاعرة من النفرة والتنازع، ومن تأمل تراجم الحنابلة في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى، والذيل عليها للحافظ ابن رجب، فضلاً عن غيرها من كتب التواريخ ككتاب (تاريخ الإسلام) للذهبي، والبداية والنهاية لابن كثير، وغيرها كثير، يجد ذما كثيراً للأشاعرة لما ابتدعوه من الأصول، كما كان من شرف الإسلام ابن الحنبلي عبدالوهاب بن عبدالواحد، والوزير يحيى ابن هبيرة، وتقي الدين عبدالستار بن عبدالحميد المقدسي، وأبي الحسن بن الزاغوني، والقاضي أبي الحسن بن الفياء الحنبلي، وغيرهم. وقد قال ابن المبرد في كتابه العظيم ("جمع الجيوش والدساكر على ابن عساكر") بعد أن ذكر الذين ترجم لهم ابن عساكر في كتابه (تبيين كذب المفتري) وانتقد ذكره لبعضهم، قال بعد ذلك: "فصل: ونحن نذكر جماعة ممن ورد عنهم مجانبة الأشاعرة، ومجانبة الأشعري وأصحابه من زمنه وإلى اليوم على طريق الاختصار ... ".ثم ذكر ما يزيد على أربعمائة عالم، ثم قال: "فهذه لعمرك الدساكر لا العسكر الملفق الذي قد لفقه ابن عساكر بالصدق والكذب، الذين لا يبلغون خمسين نفساً ممن قد كذب عليهم، ولو نطوّل تراجم هؤلاء كما أطال في أولئك لكان هذا الكتاب أكثر من عشر مجلدات، ووالله ثم والله ثم والله! لما تركنا أكثر مما ذكرنا، ولو ذهبنا نستقصي ونتتبع كل من جانبهم من يومهم وإلى الآن لزادوا على عشرة آلاف نفس" (١) اهـ. وقد كان أهل المغرب عامة على منافرة الأشاعرة والمتكلمين، حتى أتى ابن تومرت فنشر الأشعرية، وفرضها على الناس، وقد حصل بخروجه شر كثير. قال المراكشي في "المعجب" في كلامه على ابن تومرت وخروجه على المرابطين: "فخرج قاصداً مدينة فاس، فلما وصل إليها أظهر ما كان يظهره، وتحدث فيما كان يتحدث فيه من العلم، وكان جل ما يدعو إليه علم الاعتقاد على طريق الأشعرية، وكان أهل المغرب – على ما ذكرنا – ينافرون هذه العلوم ويعادون من ظهرت عليه، شديداً أمرهم في ذلك" (٢) اهـ. المصدر: الأشاعرة في ميزان أهل السنة لفيصل الجاسم - ص ٦٥٩

стр. 518

المبحث الأول: قولهم في الإيمان أما أبو الحسن الأشعري - إمام الطائفة - فقد اشتهر عنه القولان: موافقة السلف، وموافقة جهم. فقد نصر قول السلف في كتابيه: (مقالات الإسلاميين)، و (الإبانة). قال في حكاية ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة: (ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا يقولون: مخلوق، ولا غير مخلوق ... ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار، ولا يحكمون بالجنة لأحد من الموحدين حتى يكون الله سبحانه ينزلهم حيث شاء. ويقولون: أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم. ويؤمنون بأن الله سبحانه يخرج قوما من الموحدين من النار، على ما جاءت به الروايات عن رسول الله ﷺ .ثم قال: (هذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه. وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وبه نستعين، وعليه نتوكل، واليه المصير).وقال في (الإبانة): فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون. قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب الله ربنا وبسنة نبينا محمد ﷺ وما روي عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم، وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاءوا به من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا نرد من ذلك شيئا) ثم سرد جملة من الاعتقاد، ثم قال: (وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلّم الروايات الصحيحة في ذلك عن رسول الله ﷺ ، التي رواها الثقات عدل عن عدل حتى تنتهي الرواية إلى رسول الله ﷺ .وقال: ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانا. فهذا قوله الموافق لأهل السنة، وأما قوله الآخر، فقد سبقت حكايته في قول شيخ الإسلام: (وقد ذكر الأشعري في كتابه (الموجز) قول الصالحي هذا وغيره ثم قال: والذي أختاره في الأسماء قول الصالحي).وقول الصالحي -على ما حكاه الأشعري في المقالات- (أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل به فقط، فلا إيمان بالله إلا المعرفة به، ولا كفر بالله إلا الجهل به، وأن قول القائل: إن الله ثالث ثلاثة ليس بكفر، ولكنه لا يظهر إلا من كافر، وذلك أن الله سبحانه أكفر من قال ذلك، وأجمع المسلمون أنه لا يقوله إلا كافر. وزعموا أن معرفة الله هي المحبة له وهي الخضوع لله ... والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص، وهو خصلة واحدة، وكذلك الكفر. والقائل بهذا القول أبو الحسين الصالحي).

стр. 519

وقد نص شيخ الإسلام في مواضع من كتبه على أن الأشعري نصر قول جهم في الإيمان، ومن ذلك قوله: وبهذا وغيره يتبين فساد قول جهم والصالحي ومن اتبعهما في الإيمان كالأشعري في أشهر قوليه، وأكثر أصحابه، وطائفة من متأخري أصحاب أبى حنيفة، كالماتريدي ونحوه، حيث جعلوه مجرد تصديق في القلب، يتساوى فيه العباد، وأنه إما أن يُعدم وإما أن يوجد، لا يتبعض، وأنه يمكن وجود الإيمان تاما في القلب مع وجود التكلم بالكفر والسب لله ورسوله طوعا من غير إكراه، وأن ما عُلم من الأقوال الظاهرة أن صاحبه كافر فلأن ذلك مستلزم عدم ذلك التصديق الذي في القلب وأن الأعمال الصالحة الظاهرة ليست لازمة للإيمان الباطن الذي في القلب، بل يوجد إيمان القلب تاما بدونها، فإن هذا القول فيه خطأ من وجوه ... .وقوله: (والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب. ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة، كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه، وذكر فرقا كثيرة يطول ذكرهم، لكن ذكرنا جمل أقوالهم. ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن اتبعه كالصالحي، وهذا الذي نصره هو وأكثر أصحابه. والقول الثاني: من يقول: هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية. والثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم). وقال شيخ الإسلام: (وأبو الحسن الأشعري نصر قول جهم في الإيمان، مع أنه نصر المشهور عن أهل السنة من أنه يُستثنى في الإيمان، فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأنه نصر مذهب أهل السنة في أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة، ولا يخلدون في النار، وتقبل فيهم الشفاعة ونحو ذلك. وهو دائما ينصر في المسائل التي فيها النزاع بين أهل الحديث وغيرهم قولَ أهل الحديث، لكنه لم يكن خبيرا بمآخذهم، فينصره على ما يراه هو من الأصول التي تلقاها عن غيرهم، فيقع في ذلك من التناقض ما ينكره هؤلاء وهؤلاء، كما فعل في مسألة الإيمان، ونصر فيها قول جهم مع نصرِه للاستثناء، ولهذا خالفه كثير من أصحابه في الاستثناء، كما سنذكر مأخذه في ذلك، واتبعه أكثر أصحابه على نصر قول جهم في ذلك. ومن لم يقف إلا على كتب الكلام ولم يعرف ما قاله السلف وأئمة السنة في هذا الباب، فيظن أن ما ذكروه هو قول أهل السنة، وهو قول لم يقله أحد من أئمة السنة، بل قد كفر أحمد بن حنبل ووكيع وغيرهما من قال بقول جهم في الإيمان الذي نصره أبو الحسن، وهو عندهم شر من قول المرجئة). وقال أيضا: (وقال أبو عبدالله الصالحي: إن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته، لكن له لوازم، فإذا ذهبت دل ذلك على عدم تصديق القلب، وإن كل قول أو عمل ظاهر دل الشرع على أنه كفر، كان ذلك لأنه دليل على عدم تصديق القلب ومعرفته، وليس الكفر إلا تلك الخصلة الواحدة، وليس الإيمان إلا مجرد التصديق الذي في القلب والمعرفة. وهذا أشهر قولي أبي الحسن الأشعري، وعليه أصحابه كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي وأمثالهما، ولهذا عدَّهم أهل المقالات من المرجئة. والقول الآخر عنه كقول السلف وأهل الحديث: إن الإيمان قول وعمل، وهو اختيار طائفة من أصحابه، ومع هذا فهو وجمهور أصحابه على قول أهل الحديث في الاستثناء في الإيمان. والإيمان المطلق عنده ما يحصل به الموافاة، والاستثناء عنده يعود إلى ذلك، لا إلى الكمال والنقصان والحال).قلت: وممن عد الأشاعرة من المرجئة: ابن حزم. ونقل الشهرستاني عن الأشعري قوله: (الإيمان هو التصديق بالجنان.

стр. 520

وأما القول باللسان والعمل بالأركان ففروعه، فمن صدق بالقلب، أي أقر بوحدانية الله تعالى، واعترف بالرسل تصديقا لهم فيما جاءوا به من عند الله تعالى بالقلب، صح إيمانه، حتى لو مات عليه في الحال كان مؤمنا ناجيا، ولا يخرج من الإيمان إلا بإنكار شيء من ذلك). المصدر: الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير – ١/ ٢٢٥ ذهب جمهور الأشاعرة في هذه المسألة إلى القول بأن الإيمان الشرعي هو شيء واحد فقط لا تعدد فيه وهو التصديق القلبي، بالله تعالى، وبنبوَّة محمد ﷺ ، وتصديقه فيما أخبر به عن الله وصفاته، وأنبيائه، وغير ذلك، فالإيمان عندهم تصديق قلبي فقط، وهذا هو المذهب المشهور عندهم. وبياناً له أورد ما ذكره صاحب (المواقف) في هذا المقام حيث قال: اعلم أن الإيمان في اللغة هو التصديق مطلقاً، قال تعالى حكاية عن إخوة يوسف وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا [يوسف: ١٧] أي بمصدق فيما حدثناك به، وقال ﵊: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله)) (١) أي تصدق، ويقال: فلان يؤمن بكذا أي يصدقه، ويعترف به. وأما في الشرع، وهو متعلق ما ذكرنا من الأحكام – يعني الثواب على التفاصيل المذكورة – فهو عندنا – يعني أتباع أبي الحسن الأشعري – وعليه أكثير الأئمة كالقاضي والأستاذ ووافقهم على ذلك الصالحي وابن الراوندي من المعتزلة: التصديق للرسول فيما علم بمجيئه به ضرورة، تفصيلاً فيما علم تفصيلا، وإجمالا فيما علم إجمالا، فهو في الشرع تصديق خاص (٢).

стр. 521

فالإيمان الشرعي هو بعينه الإيمان اللغوي، إلا أن الإيمان الشرعي خاص فيما أمرنا بالتصديق به من الأمور الشرعية، واللغوي عام. وهناك قول آخر ذهب إلى الأخذ به إمام الحرمين الجويني وهو أن الإيمان مركب من أمرين: تصديق قلبي وإقرار لساني حيث قال: والمؤمن على التحقيق من انطوى عقداً على المعرفة بصدق من أخبر عن صانع العالم وصفاته، وأنبيائه. فإن اعترف بلسانه بما عرف بجنانه فهو مؤمن ظاهراً وباطناً، وإن لم يعترف بلسانه معانداً لم ينفعه علم قلبه، وكان في حكم الله من الكافرين، كفر جحود وعناد. وكذلك كان فرعون وكل معاند جحود، وكذلك عرف أحبار اليهود بنبوة محمد ﷺ وصادفوا نعته في التوراة، فجحدوا بغياً وحسداً، فأصبحوا من الكافرين. ومن أظهر كلمة الإيمان، وأضمر الكفر فهو المنافق الذي يتبوأ الدرك الأسفل من النار (١).فهذا أحد أقطاب الأشاعرة ينفرد عنهم بهذا الرأي، الذي يوافق فيه أبا حنيفة ومن ذهب مذهبه،، في أن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، إلا في حال تعذر النطق باللسان فهو عندهم ركن يحتمل السقوط لعذر كالخرس ونحوه. وهذا الرأي أفردته بالبحث عند الكلام عن أبي حنيفة. ولكن الذي يهمنا هنا هو بيان المذهب المشهور عن الأشاعرة، والذي تبنته كتبهم المعتبرة وقررته، واستدلت له، وهو ما تقدم من أنه تصديق خاص. أما الإقرار اللساني والعمل بالجوارح فهم وإن لم يجعلوهما من الإيمان، إلا أنهم لم يهملوهما بل جعلوا لهما اعتبارهما في الوجود، فقد جعلوهما شرطا به يتحقق الإيمان، ويأثم تاركهما إثما كبيراً، لأنهما دليل على صدق الإيمان الباطن، ومدى تحققه. وفي بيان ذلك يقول عضد الدين الإيجيي بعد ذكر مذهبهم في الإيمان: ... والتلفظ بكلمتي الشهادتين مع القدرة عليه شرط، فمن أخل به فهو كافر مخلد في النار، ولا تنفعه المعرفة القلبية من غير إذعان وقبول، فإن من الكفار من كان يعرف الحق يقيناً، وكان إنكاره عناداً واستكباراً، قال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤] (٢).فالعمل له عندهم مكانة كبيرة، فتاركه أو تارك شيء منه يكون مذنباً معرضاً للعقاب وهذا ما يجعلني أقول: إن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀، وما سبقه إليه ابن حزم الظاهري من عد طائفة الأشاعرة من جملة المرجئة المناصرة لمذهب جهم في الإيمان (٣)، أمر لا يتناسب مع الواقع.

стр. 522

والإنصاف يدفعنا إلى القول بأن القوم لم يقصروا كثيراً في اعتبار العمل إلى حد يبرز إلزاقه هذا اللقب – الذي عرف بالذم والقبح عند أغلب الطوائف – بهم، وعدهم من جملة الجهمية المرجئة، إذ أن الخلاف في هذه المسألة بينهم وبين جماعة السلف خلاف لفظي، لأنه ينحصر في الشرطية التي قال بها الأشاعرة والشطرية التي قال بها السلف، والكل متفق على ضرورة الإتيان بالعمل والإقرار دون تفريط أو تقصير، والمقصر فيهما مؤاخذ على تقصيره ومعرض للعقاب، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، وأن الإيمان المنجي من التخليد في النار هو التصديق القلبي الجازم لقوله ﷺ : ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) (١) , شريطة أن لا يكون قد ترك العمل استحلالاً وجحوداً وعناداً. فإذا القوم يخرجون الإقرار والعمل عن الركنية في الإيمان، مع التشدد في الإتيان بهما كشرط لتحقق الإيمان وكماله وكدليل ظاهري محسوس على وجود حقيقته في أعماق القلب. وقد أورد أدلة تؤيد ما ذهبوا إليه، فمما أوردوه كدليل على إخراج الإقرار عن الركنية قوله تعالى: أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ [المجادلة: ٢٢]، وقوله تعالى: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤]، وقوله سبحانه: وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل: ١٠٦]، وقوله ﷺ : ((اللهم ثبت قلبى على دينك)) (٢). حيث نسب فيها وفي نظائرها الغير محصورة الإيمان إلى القلب، فدل ذلك على أنه فعل القلب وهو التصديق (٢).ثم ذكر الإيجي بعد ذلك دليلهم على خروج العمل عن الإيمان حيث قال: "والعمل خارج عنه، لمجيئه مقروناً بالإيمان معطوفاً عليه في عدة مواضع من الكتاب، قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [الرعد: ٢٩] فإن الجزء لا يعطف على كله، فلا يقال: جاءني القوم وأفرادهم ولا عندي العشرة وآحادها)) (٣).غير أنهم قالوا إن الإيمان قد يطلق على العمل إطلاقا مجازيا (٤) وعلى ذلك جرى توجيههم للآيات والأحاديث التي ورد فيها إطلاق الإيمان على العمل ثم إنهم لما ذهبوا إلى القول بأن الإيمان هو التصديق، وكان ثمة التباس في أن التصديق هو المعرفة، فيوافقون بذلك الجهمية، أو أنه يختلف عنها فيكونون قد سلكوا طريقاً غير طريقهم، وقالوا بغير مذهبهم. ودفعاً لهذا التوهم في موافقة المعرفة للتصديق الذي قد يحمل بعض العلماء على إدخالهم في زمرة الجهمية القائلة بأن الإيمان هو المعرفة، كما فعله ابن تيمية وابن حزم – رحمهما الله -، فرقوا بين الأمرين بأن الأمرين المتطابقين ضدهما واحد، وضد المعرفة غير ضد التصديق، لأن ضد المعرفة النكارة وضد التصديق التكذيب، واختلاف الضدين دليل على اختلاف كل من المعرفة والتصديق، فبين المعنيين فرق شاسع، وأيضا فإن التصديق عبارة عن أمر كسبي للمصدق اختيار فيه، ولهذا يؤمر به ويثاب عليه، أما المعرفة فقد تحصل بلا كسب، وإذا فالمعرفة أعم من التصديق، فكل من صدق فقد عرف، وليس كل من عرف مصدقا. وفي هذا يقول التفتازاني في شرح المقاصد مفرقاً بين الأمرين:" ...

стр. 523

فاقتصر بعضهم على أن ضد التصديق هو الإنكار والتكذيب، وضد المعرفة النكارة والجهالة، وإليه أشار الإمام الغزالي حيث فسر التصديق بالتسليم فإنه لا يكون من الإنكار والاستكبار، بخلاف العلم والمعرفة، وفصل بعضهم زيادة تفصيل فقال: التصديق عبارة عن ربط القلب على ما علم من إخبار المخبر، وهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدق، ولهذا يؤمر به ويثاب عليه، بل يجعل رأس العبادات بخلاف المعرفة فإنها ربما تحصل بلا كسب، كمن وقع بصره على جسم فحصل له معرفة أنه جدار أو حجر" (١).فإذا الأشاعرة يدعون أن الإيمان الشرعي هو بعينه الإيمان اللغوي، ومن ضمن أدلتهم على أن الإيمان الشرعي هو الإيمان اللغوي وهو التصديق، أن الإيمان مبقى على أصله اللغوي لم ينقل إلى معنى شرعي آخر. وبيانه فيما قاله الباقلاني، حيث قال: "فإن قال قائل: خبرونا ما الإيمان عندكم؟ قلنا: الإيمان هو التصديق بالله تعالى، وهو العلم، والتصديق يوجد بالقلب، فإن قال: وما الدليل على ما قلتم؟ قيل له: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان في اللغة قبل نزول القرآن، وبعثة النبي ﷺ هو التصديق، لا يعرفون في لغتهم إيماناً غير ذلك ويدل على ذلك قوله تعالى: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: ١٧] أي ما أنت بمصدق لنا، ومنه قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان لا يؤمن بعذاب القبر، أي لا يصدق بذلك. فوجب أن يكون الإيمان في الشريعة هو الإيمان المعروف في اللغة، لأن الله ما غير اللسان العربي ولا قلبه، ولو فعل لتواترت الأخبار بفعله، وتوفرت دواعي الأمة على نقله ولغلب إظهاره وإشهاره على طيه وكتمانه، وفي علمنا بأنه لم يفعل ذلك، بل أقر أسماء الأشياء، والتخاطب بأسره على ما كان فيها، دليل على أن الإيمان في الشرع هو الإيمان اللغوي. ومما يدل على ذلك ويبينه قول الله : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤]، وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣] فخبر أنه أنزل القرآن بلغة القوم، وسمى الأشياء بمسمياتهم، فلا وجه للعدول بهذه الآيات عن ظواهرها بغير حجة، وسيما مع قولهم بالعموم وحصول التوقيت، على أن الخطاب نزل بلغتهم، فدل ما قلناه على أن الإيمان هو ما وصفناه، دون ما سواه من سائر الطاعات من النوافل والمفروضات" (٢). ومما تقدم يتلخص لنا ما يأتي: ١ - أن الإيمان الشرعي: هو الإيمان المعروف في اللغة وهو التصديق المخصوص. ٢ - أن التصديق محله القلب فقط، بدليل الآيات التي تنسبه إليه دون غيره، وقد تقدم ذكرها – وذلك دليل على أن الإقرار والعمل لا دخل لهما في التصديق. ٣ - أن العمل خارج عن الإيمان ومغاير له، بدليل عطف العمل على الإيمان والعطف دليل على المغايرة. ٤ - أن القرآن الكريم ولغة العرب، والإجماع، تدل على بقاء الإيمان على أصله اللغوي. ٥ - أن الإقرار والعمل شرط في الإيمان، يلزم الإتيان بهما، ومن فرط فيهما فهو معرض للعقاب. فهذه النقاط الخمس هي ملخص مذهب جمهور الأشاعرة في حقيقة الإيمان. المصدر: الإيمان بين السلف والمتكلمين لأحمد الغامدي - ص ١٥١ الإيمان عندهم مجرد المعرفة قال أبو محمد: الأشعرية قالوا: إن شتم من أظهر الإسلام لله تعالى ولرسوله بأفحش ما يكون من الشتم وإعلان التكذيب بها باللسان بلا تقية ولا حكاية والإقرار بأنه يدين بذلك ليس شيء من ذلك كفرا.

стр. 524

ثم خشوا مبادرة جميع أهل الإسلام لهم فقالوا: لكنه دليل على أن قلبه كفرا. فقلنا لهم: وتقطعون بصحة ما دل عليه هذا الدليل؟ فقالوا: لا. وقالت الأشعرية: إن إبليس قد كفر ثم أعلن بعصيان الله تعالى في السجود لآدم ﵇، فإن إبليس من حينئذ لم يعرف أن الله تعالى حق ولا أنه خلقه من نار، ولا أنه خلق آدم من تراب وطين ولا عرف أن الله أمره بالسجود لآدم بعدها قط، ولا عرف بعد هذا قط أن الله كرم آدم. ومن قولهم بأجمعهم إن إبليس لم يسأل الله قط أن ينظره إلى يوم البعث! قلنا لهم: ويلكم؛ إن هذا تكذيب لله ولرسوله ﷺ ورد للقرآن. قالوا لنا: إن إبليس إنما قال كل ذلك هازئاً مستهزئاً بلا معرفة ولا اعتقاد، كان هذا أشنع كفر وأبرده بعد كفر الغالية من الرافضة. وقالوا: إن إبليس لم يكفر بمعصيته الله في ترك السجود لآدم ولا بقوله عن آدم أنا خير منه، وإنما كفر بجحد لله تعالى كان في قلبه. قال أبو محمد: هذا خلاف للقرآن وتكهن لا يعرف صحته إلا من حدثه به إبليس عن نفسه، على أن الشيخ غير ثقة فيما يحدث به. وقالت الأشعرية أيضا: إن فرعون لم يعرف قط أن موسى أنما جاء بتلك الآيات من عند الله حقا، وأن اليهود والنصارى الذين كانوا في عهد النبي ﷺ لم يعرفوا قط أن محمدا رسول الله ﷺ حقا ولا عرفوا أنه مكتوب في التوراة والإنجيل، وأن من عرف ذلك منهم وكتمه وتمادى على إعلان الكفر ومحاربة النبي ﷺ بخيبر ومن بني قريظة وغيرهم فإنهم كانوا مؤمنين عند الله أولياء لله من أهل الجنة. فقلنا لهم: ويلكم هذا تكذيب لله إذ يقول يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ [الأعراف: ١٥٧] ويَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ [البقرة: ١٤٦] فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ [الأنعام: ٣٣] فقالوا لنا: معنى أنهم وجدوا خطأ مكتوبا عندهم لم يفهموا معناه ولا دروا ما هو، ونعم عرفوا صورته فقط ودروا أنه محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب كما يعرف الإنسان جاره فقط. فكان هذا كفراً بارداً أو تحريفاً لكلام الله تعالى عن مواضعه ومكابرة سمجة وحماقة ودفعا للضرورة. وقد تقصينا الرد على أهل هذه المقالة الملعونة في كتاب لنا اسمه: كتاب (اليقين في النقد على الملحدين المحتجين عن إبليس اللعين وسائر الكافرين). وكان لشيخهم الأشعري في إعجاز القرآن قولان: أحدهما كما يقول المسلمون أنه معجز النظم، والآخر: إنما هو المعجز الذي لم يفارق الله قط، والذي لم يزل غير مخلوق ولا نزل إلينا ولا سمعناه قط ولا يسمعه جبريل ولا محمد ﵉ قط، وأما الذي يقرأ في المصاحف ونسمعه فليس معجزا بل مقدور على مثله. وهذا كفر صريح وخلاف لله تعالى ولجميع أهل الإسلام. وقال كبيرهم وهو محمد بن الطيب الباقلاني: إن لله تعالى خمسة عشر صفة كلها قديمة لم تزل مع الله تعالى، وكلها غير الله وخلاف الله تعالى, كل واحدة منهن غير الأخرى منهن، وخلاف لسائرها وأن الله تعالى غيرهن وخلافهن "الفصل ٤/ ٢٠٦ - ٢٠٧ط". هذا والله أعظم من قول النصارى وأدخل في الكفر والشرك، لأن النصارى لم يجعلوا مع الله تعالى إلا اثنين هو ثالثهما. وهؤلاء جعلوا معه تعالى خمسة عشر هو السادس عشر لهم. المصدر: موقف ابن حزم من المذهب الأشعري لعبد الرحمن دمشقية - ص ٥٣

стр. 525

المبحث الثاني: أشاعرة وافقوا السلف ثمة طائفة من الأشاعرة وافقت السلف في الإيمان، كأبي علي الثقفي، وأبي العباس القلانسي. قال شيخ الإسلام: (فأما أبو العباس القلانسي وأبو على الثقفي وأبو عبد الله بن مجاهد شيخ القاضي أبي بكر وصاحب أبي الحسن، فإنهم نصروا مذهب السلف. وابن كلاب نفسه، والحسين بن الفضل البجلي ونحوهما، كانوا يقولون: هو التصديق والقول جميعاً، موافقة لمن قاله من فقهاء الكوفيين، كحماد بن أبي سليمان ومن اتبعه مثل أبي حنيفة وغيره).وقال: (قال أبو القاسم الأنصاري شيخ الشهرستاني في شرح (الإرشاد) لأبي المعالي، بعد أن ذكر قول أصحابه، قال: وذهب أهل الأثر إلى أن الإيمان جميع الطاعات، فرضها ونفلها، وعبروا عنه بأنه إتيان ما أمر الله به فرضا ونفلا، والانتهاء عما نهى عنه تحريما وأدبا، قال: وبهذا كان يقول أبو علي الثقفي من متقدمي أصحابنا، وأبو العباس القلانسي، وقد مال إلى هذا المذهب أبو عبد الله بن مجاهد. قال: وهذا قول مالك بن أنس إمام دار الهجرة، ومعظم أئمة السلف رضوان الله عليهم أجمعين).وقال ابن السبكي: (وإلى مذهب السلف ذهب الإمام الشافعي ومالك وأحمد والبخاري وطوائف من أئمة المتقدمين والمتأخرين. ومن الأشاعرة: الشيخ أبو العباس القلانسي، ومن محققيهم الأستاذ أبو منصور البغدادي، والأستاذ أبو القاسم القشيري، وهؤلاء يصرحون بزيادة الإيمان ونقصانه ... ). القول المعتمد عند الأشاعرة: وأعني بذلك ما استقر عليه المذهب الأشعري، ودوَّنه المتأخرون في كتبهم، مما أصبح يدرَّس في كثير من الجامعات والمعاهد، بغض النظر عن رأي الأشعري، أو المتقدمين من أصحابه. وحاصل ما ذهبوا إليه: أن الإيمان هو التصديق بالقلب، وأن قول اللسان شرط لإجراء الأحكام في الدنيا، وأن عمل الجوارح شرط كمال في الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص. وهذه بعض النقولات التي توضح مذهبهم: قال الجرجاني في شرح (المواقف): (المقصد الأول في حقيقة الإيمان: اعلم أن الإيمان في اللغة) هو (التصديق) مطلقا (قال تعالى حكاية عن إخوة يوسف: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا [يوسف:١٧] أي بمصدق فيما حدثناك به، وقال ﵊: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ» أي تصدق)، ويقال: فلان يؤمن بكذا، أي يصدقه ويعترف به. (وأما في الشرع وهو متعلق ما ذكرنا من الأحكام) يعني الثواب على التفاصيل المذكورة (فهو عندنا) يعني أتباع الشيخ أبي الحسن (وعليه أكثر الأئمة كالقاضي والأستاذ) ووافقهم على ذلك الصالحي وابن الراوندي من المعتزلة (التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة، تفصيلا فيما علم تفصيلا وإجمالا فيما علم إجمالا) فهو في الشرع تصديق خاص (وقيل:) الإيمان (هو المعرفة تقوم بالله) وهو مذهب جهم بن صفوان) انتهى. وقال الشيخ إبراهيم اللقاني في جوهرة التوحيد: وفُسِّر الإيمان بالتصديقِ ... والنطقُ فيه الخُلْفُ بالتحقيقِ فقيل شرط كالعملْ وقيل بلْ ... شطرٌ والإسلام اشرحنَّ بالعملْ مثال هذا الحج والصلاةُ ... كذا الصيام فادْرِ والزكاةُ ورُجِّحت زيادةُ الإيمانِ ... بما تزيدُ طاعةُ الإنسانِ ونقصُه بنقصهِ وقيلَ لا ... وقِيل لا خُلْفَ كذا قَد نُقِلا

стр. 526

وقال ابنه الشيخ عبد السلام في شرحه المسمى بإتحاف المريد: (وفُسِّر الإيمان) أي حدَّه جمهور الأشاعرة والماتريدية وغيرهم (بالتصديق) المعهود شرعا، وهو تصديق نبينا محمد ﷺ في كل ما علم مجيئه به من الدين بالضرورة، أي فيما اشتهر بين أهل الإسلام وصار العلم به يشابه العلم الحاصل بالضرورة، بحيث يعلمه العامة من غير افتقار إلى نظر واستدلال، وإن كان في أصله نظريا، كوحدة الصانع، ووجوب الصلاة ونحوها، ويكفي الإجمال فيما يلاحظ إجمالا كالإيمان بغالب الأنبياء والملائكة، ولابد من التفصيل فيما يلاحظ كذلك، وهو أكمل من الأول، كالإيمان بجمع من الأنبياء والملائكة كآدم ومحمد وجبريل عليهم الصلاة والسلام، فلو لم يصدق بوجوب الصلاة ونحوها عند السؤال عنه يكون كافرا). وبيَّنَ أن الخلاف في النطق بالشهادتين هو في حق المتمكن القادر، أما العاجز كالأخرس ومن اخترمته المنية قبل النطق من غير تراخ، فهو مؤمن ناج. ثم قال: (فقال محققو الأشاعرة والماتريدية وغيرهم: النطق من القادر (شرط) في إجراء أحكام المؤمنين الدنيوية عليه لتناط به تلك الأحكام، هذا فهم الجمهور، وعليه فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه لا لعذر منعه ولا لإباء، بل اتفق له ذلك فهو مؤمن عند الله غير مؤمن في أحكام الشرع الدنيوية. ومن أقر بلسانه ولم يصدق بقلبه كالمنافق، فبالعكس، حتى نطّلع على باطنه فنحكم بكفره. أما الآبي فكافر في الدارين، والمعذور مؤمن فيهما. وقيل إنه شرط في صحة الإيمان، وهو فهْمُ الأقل، والنصوص معاضدة لهذا المذهب كقوله تعالى: أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ [المجادلة:٢٢] وقوله ﵊: ((اللهم ثبت قلبى على دينك)) (٢).والمعتمد عندهم هو القول الأول، أي أن قول اللسان شرط لإجراء الأحكام الدنيوية، كما صرح بذلك الصاوي والبيجوري وابن الأمير قال الصاوي: (وقيل شرط في صحة الإيمان. المعتمد الأول).وقال البيجوري عن القول بأن النطق شرط صحة: (وهو قول ضعيف كالقول بأنها شطر منه، والراجح أنها شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط، فهي شرط كمال في الإيمان على التحقيق).تنبيه: قول الأشاعرة السابق عن الآبي، وكفره في الدارين، يدل على خطأ من ألزمهم القول بإيمان أبي طالب؛ لأنه مصدق. قال البيجوري: (وأما الآبي بأن طُلب منه النطق بالشهادتين، فأبى، فهو كافر فيهما، ولو أذعن في قلبه، فلا ينفعه ذلك ولو في الآخرة). وقد سبق – عن أهل السنة- أن من لم ينطق بالشهادتين مع القدرة وعدم المانع فهو كافر ظاهرا وباطنا. فقول اللسان ركن في حقيقة الإيمان- وليس شرطا لإجراء الأحكام في الدنيا فقط- بل لا يُتصور وجود الإيمان بدونه إلا في حال العذر كالخرس، فتقوم الإشارة مكانه. وأما الخوف فليس مانعا من النطق به؛ إذ لا يشق النطق به سرا. وبالجملة فحيث قام الإيمان بالقلب امتنع ألا يتكلم بالشهادتين مع القدرة، ولا عبرة في هذا بقول جهم ولا من وافقه. وأما عمل الجوارح: فهو شرط كمال الإيمان عندهم. قال في إتحاف المريد: (وقوله: (كالعمل): تشبيه في مطلق الشرطية، يعني أن المختار عند أهل السنة في الأعمال الصالحة أنها شرط كمال للإيمان، فالتارك لها أو لبعضها من غير استحلال ولا عناد ولا شك في مشروعيتها مؤمن فوَّت على نفسه الكمال، والآتي بها ممتثلا محصل لأكمل الخصال).وقال الصاوي: (لأن المختار عند أهل السنة أن الأعمال الصالحة شرط كمال للإيمان). المصدر: الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير – ١/ ٢٣١

стр. 527

المبحث الثالث: الصلة بين الإيمان والإسلام عند الأشاعرة هذه المسألة لم يتفق الأشاعرة فيها أيضاً بل وقع بينهم خلاف فافترقوا على رأيين، فمن قائل بالترادف بينهما، ومن قائل بالتغاير، وكل فريق استدل لرأيه بما يدل عليه من الكتاب والسنة. وفيما يلي أورد بعض النصوص في ذلك من كتبهم المعتبرة ثم أعقب ذلك ببيان ما تضمنته من أفكار. يقول الشيخ عبدالسلام بن إبراهيم اللقاني في شرحه لجوهرة التوحيد: " ... ولما كان الإيمان والإسلام لغة متغايري المدلول لأن الإيمان هو التصديق، والإسلام هو الخضوع والانقياد، اختلف فيهما شرعاً، فذهب جمهور الأشاعرة إلى تغايرهما أيضاً، لأن مفهوم الإيمان ما علمته آنفاً، ومفهوم الإسلام امتثال الأوامر والنواهي ببناء العمل على ذلك الإذعان، فهما مختلفان ذاتاً ومفهوماً وإن تلازما شرعاً بحيث لا يوجد مسلم ليس بمؤمن ولا مؤمن ليس بمسلم ... وذهب جمهور الماتريدية والمحققون من الأشاعرة إلى اتحاد مفهوميهما بمعنى وحدة ما يراد منهما في الشرع وتساويهما بحسب الوجود، على معنى أن كل من اتصف بأحدهما فهو متصف بالآخر شرعاً – وعلى هذا فالخلاف لفظي باعتبار المآل" (١).ويقول الشيخ سعد الدين التفتازاني في كتابه المشهور (شرح المقاصد): الجمهور على أن الإسلام والإيمان واحد، إذ معنى آمنت بما جاء به النبي ﵇ صدقته، ومعنى أسلمت له سلمته. ولا يظهر بينهما كثير فرق لرجوعهما إلى معنى الاعتراف والانقياد والإذعان والقبول، وبالجملة لا يعقل بحسب الشرع مؤمن ليس بمسلم أو مسلم ليس بمؤمن. وهذا مارد القوم بترادف الاسمين، واتحاد المعنى وعدم التغاير على ما قال في "التبصرة": الاسمان من قبيل الأسماء المترادفة وكل مؤمن مسلم وكل مسلم مؤمن، لأن الإيمان اسم لتصديق شهادة العقول والآثار على وحدانية الله تعالى، وأن له الخلق والأمر لا شريك له في ذلك، والإسلام إسلام المرء نفسه بكليتها لله تعالى بالعبودية له من غير شرك، فحصلا من طريق المراد منهما على معنى واحد. ولو كان الاسمان متغايرين لتصور وجود أحدهما بدون الآخر ولتصور مؤمن ليس بمسلم، أو مسلم ليس بمؤمن، فيكون لأحدهما في الدنيا أو الآخرة حكم ليس للآخر وهذا باطل قطعاً. وقال في "الكفاية": الإيمان هو تصديق الله فيما أخبر من أوامره ونواهيه، والإسلام هو الانقياد والخضوع لألوهيته، وإذا لا يتحقق إلا بقبول الأمر والنهي، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكماً فلا يتغايران، وإذا كان المراد بالاتحاد هذا المعنى صح التمسك فيه بالإجماع، على أنه يمتنع أن يأتي أحد بجميع ما اعتبر في الإسلام ولا يكون مؤمناً، وعلى أنه ليس للمؤمن حكم لا يكون للمسلم وبالعكس، وعلى أن دار الإيمان دار الإسلام وبالعكس، وعلى أن الناس كانوا في عهد النبي ﵇ ثلاث فرق مؤمن وكافر ومنافق لا رابع لهم (٢).ويقول إمام الجويني في العقيدة النظامية: "فإن قيل هل يفرق بين الإيمان والإسلام، قلنا: وقد يطلق والمراد به الإذعان والاستسلام ظاهراً من غير إظهار حقيقة الإيمان، قال تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات: ١٤] فالمؤمن إذن المستسلم، وقد لا يكون المستسلم مؤمناً فكل مؤمن على ذلك مسلم وليس كل مسلم مؤمناً" (٣).

стр. 528

فمما تقدم من النصوص يتضح لنا أن مذهب الأشاعرة في الصلة بين الإيمان والإسلام مبني على الخلاف، إذ لم يتفقوا فيها على رأي بل اختلفوا في ذلك على قولين: ١ - أن الإيمان والإسلام متغايران ذاتاً ومفهوماً مع القول بتلازمهما شرعاً في الوجود بمعنى أنه لا يوجد مسلم بمؤمن، كما أنه لا يمكن وجود مؤمن ليس بمسلم مع اختلاف حقيقتي الإيمان والإسلام وهذا الرأي عزاه – كما تقدم – الشيخ اللقاني إلى جمهور الأشاعرة، وهو ما اختاره إمام الحرمين نفسه وقال به كما يتضح لنا من كلامه المتقدم، ولعله قصد بقوله فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً أن الانقياد والاستسلام قد يحصل بدون تصديق فلا يعتد به، أما التصديق إذا حصل فلابد وأن ينتج الانقياد والاستسلام الذي هو معنى الإسلام فيكون بذلك مؤمناً مسلماً وإلا فهو يقول – كغيره من أصحاب هذا الرأي – بالتلازم بين الإيمان والإسلام في الوجود. وقد قال بهذا القول وأيده بشدة تاج الدين السبكي في "طبقات الشافعية" (١). ٢ - أن الإيمان والإسلام متحدان، بمعنى أنهما مترادفان مفهوماً ومراداً، ومتساويان في الوجود، فكل متصف بأحدهما، فهو متصف بالآخر من الناحية الشرعية. وهذا يشبه ما تقدم في الرأي الأول من القول بالتلازم في الوجود، مما حدا بشارح "جوهرة التوحيد" إلى اعتبار الخلاف بين الرأيين لفظي باعتبار النتيجة والمآل، وهو في الحقيقة كذلك. فعند هؤلاء لا يعقل بحسب الشرع مؤمن ليس بمسلم أو مسلم ليس بمؤمن، وهو مرادهم من الترادف. وهذا الرأي – كما تقدم – اختيار الشيخ التفتازاني وعزاه إلى الجمهور، ورواه عن أبي المعين النسفي من كتابه (تبصرة الأدلة) وضمنه بعض الأدلة على إثباته وترجيحه. فمن أدلته: الإجماع على أنه لا يمكن أن يأتي أحد بجميع ما اعتبر في الإيمان ولا يكون مسلماً، أو بجميع ما اعتبر في الإسلام ولا يكون مؤمناً، وعلى أنه ليس للمؤمن حكم خاص به ولا يكون للمسلم وبالعكس إلى آخر ما ذكر من المسائل. وقد ساق بعد ذلك أدلتهم السمعية بقوله: "والمشهور من استدلال القوم وجهان: أحدهما: أن الإيمان لو كان غير الإسلام لم يقبل من مبتغيه لقوله تعالى: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥].وثانيهما: أنه لو كان غيره لم يصح استثناء أحدهما من الآخر ... لقوله تعالى: فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]، أي فلم نجد ممن كان فيها من المؤمنين إلا أهل بيت من المسلمين" (٢). وبعد أن ذكر التفتازاني هذا الرأي، واستدل له، التفت إلى الرأي الآخر وعزاه إلى الحشوية – على حد تعبيره – وبعض المعتزلة، وهو رأي في نظره باطل.

стр. 529

وأنا أقول: إن هذا الرأي الذي أبطله، وأنكر أن يكون قد تبناه جماعة من الأشاعرة، يعتد بقولهم، أقول: إن هذا الرأي هو الذي يتناسب مع ما سبق تقريره من أن الإيمان عند الأشاعرة هو التصديق فقط، واعتبار الأعمال التي تمثل الإسلام من لوازم ذلك التصديق. وأصحاب القول بالترادف من الأشاعرة قد شعروا بوجود تناقض بين مذهبهم في حقيقة الإيمان، ومذهبهم في القول بالترادف بين الإيمان والإسلام، لذلك حاولوا تفسير وجهة نظرهم بأن المراد بالترادف، الترادف في المراد، بمعنى أن المراد من الإيمان الإذعان بالقلب، والإسلام الإذعان بالجوارح. والمعنيان واحد وكلاهما مراد، فهما مترادفان من هذا الوجه ومترادفان أيضاً من حيث أن كلاهما مطلوب شرعاً، والمراد منهما واحد وهو الإذعان كما يتضح ذلك من كلام التفتازاني السابق. وقد سبق أن ذكرت عند بيان رأي السلف في هذه المسألة، أن الخلاف بينهم تم على رأيين أيضاً، هما القول بالترادف، والافتراق، وذكرت أن الرأي الصائب هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من القول بالافتراق مع التلازم الشديد بينهما إلى درجة أنه لا يمكن أن يتصور وجود أحدهما بدون الآخر، وأن هذا الرأي هو الذي تجتمع عليه الأدلة، حيث لا يخفى ما بينهما من بعد لا يمكن أن تجتمع معه إلا على مثل هذا الرأي، القائل بالتلازم، بحيث أن الإيمان إذا ذكر منفرداً كما في حديث وفد عبد القيس دخل فيه الإسلام لا محالة؛ وإذا ذكر الإسلام منفرداً دخل الإيمان فيه أيضاً. وإذا ذكرا مجتمعين – كما في حديث جبريل – افترقا فيراد من أحدهما غير ما يراد من الآخر من حيث المعنى. والرأي القائل بالترادف عند السلف، له وجهة لا تتعارض مع رأيهم في حقيقة الإيمان، لإطلاقهم الإيمان على الأعمال، وجعلها جزءاً منه بدلالة النصوص، بخلاف رأي الأشاعرة القائل بالترادف، فإنه يتعارض مع مذهبهم القائل بأن الإيمان تصديق قلبي فحسب، والأعمال لوازم للإيمان، فهي غيره، هذا ما يقتضيه مذهبهم. بقي أن أذكر أدلة القائلين بالتغاير، فمن أدلتهم قوله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات: ١٤] حيث أثبت أحدهما ونفي الآخر. واستدلوا على التغاير أيضاً بعطف أحدهما على الآخر، والعطف – كما يقولون – دليل على المغايرة، مثل قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب: ٣٥] وقوله تعالى: وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب: ٢٢] والتسليم هو الإسلام. وبأن جبريل لما جاء لتعليم الدين سأل النبي ﷺ عن كل منهما على حدة، وأجاب النبي لكل بجواب وذلك أنه قال: "أخبرني عن الإيمان. فقال: الإيمان أن تؤمن بالله أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ... قال: أخبرني عن الإسلام. فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ... " المصدر: الإيمان بين السلف والمتكلمين لأحمد الغامدي - ١٥٨

стр. 530

المبحث الرابع: قولهم في الزيادة والنقصان هذه المسألة اختلفت آراء الأشاعرة فيها، فلم يثبتوا على رأي واحد، بل منهم من منع القول بزيادة الإيمان ونقصه، ومنهم من أثبتهما، وبعض آخر أثبت الزيادة ومنع النقصان ولكل وجهة تختلف عن وجهة الآخر ودليل غير دليله. فقد ذكر البغدادي أن من ذهب من الأشاعرة إلى القول بأن الإيمان تصديق بالقلب فقط منع القول بالنقصان، واختلفوا في الزيادة وقد اختار هو القول بالزيادة والنقصان وساق الأدلة على ذلك (١).وقد ذكر صاحب (المواقف) عن الإمام الرازي وكثير من المتكلمين رأيهم بأنه بحث لفظي، لأنه فرع تفسير الإيمان، فمن قال هو التصديق فليس هو قابلاً للزيادة والنقصان، وعللوه بأن الواجب هو اليقين وأنه لا يقبل التفاوت لا بحسب ذاته، لأن التفاوت إنما هو لاحتمال النقيض وهو – أي احتماله – ولو بأبعد وجه ينافي اليقين فلا يجامعه، ولا بحسب متعلقه لأنه جميع ما علم بالضرورة مجيء الرسول به، والجميع من حيث هو جميع لا يتصور فيه تعدد، وإلا لم يكن جميعاً، وإن قلنا هو الأعمال، إما وحدها أو مع التصديق فيقبلهما وهو ظاهر (٢). وهذا القول – أي أن الخلاف في مسألة زيادة الإيمان ونقصه لفظي – في نظري غير صحيح، لأن ثمة من قال بأن الإيمان هو التصديق، ومع ذلك قال إن الإيمان يزيد وينقص بحسب ذاته أي التصديق نفسه يزيد وينقص، وبحسب متعلقه وهي أفراد ما جاء به الرسول ﷺ مما يجب التصديق به. وممن قال بأن الخلاف في زيادة الإيمان ونقصه لفظي الإمام أبو حامد الغزالي (٣). على أنني أحب أن أنبه هنا إلى أنهم لا يقصدون بقولهم: إن الخلاف لفظي أن الآراء ترجع إلى رأي واحد إما القول بالزيادة والنقصان أو عدمهما على تعددها، بل المقصود أن الرأي في ذلك فرع عن الرأي في حقيقة الإيمان. ثم إن عضد الدين الإيجي صاحب (المواقف)، رجح القول بأن الإيمان يزيد وينقص حتى وإن كان التصديق وحده حيث قال: والحق أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان لوجهين: أي بحسب الذات وبحسب المتعلق.
следующие страницы →