وأصل هذا النزاع كان بين المعتزلة والأشاعرة، فالأولون أثبتوا العلل والحكم القائمة بالخلق ولا يثبتون ما قام بالخالق وجروا على عادتهم في الإيجاب على الله تعالى بعقولهم، فشبهوا أفعاله بأفعال خلقه، فقابلهم الأشاعرة وغلوا في نفي ذلك، فنفوا مع الباطل حقاً. وسأعرض الشبه الحاملة لهم على نفي الحكم التي يسمونها أغراضاً إن شاء الله، فمنها:-الشبهة الأولى: (١)
قالوا: لو كان الباري فاعلاً لغرض لكان في ذاته مستكملاً بتحصيل ذلك الغرض، سواء قيل إن الغرض عائد حكمه إليه أو إلى خلقه. الجواب: (٢) وهو من وجهين:
الأول: من باب المعارضة: إن الأشاعرة يقولون: إن الأفعال حادثة بعد أن لم تكن، ولا يقولون إن الله كان ناقصاً قبل حدوثها، إذ أنه سبحانه فاعل بالقوة – أي أن الفعل ممكن له – فيقال لهم: ينبغي على قولكم هذا أن تحذوا بالحكمة حذو الفعل، فإن الله متصف بالحكمة أزلاً كسائر صفات ذاته، ثم تقع الأشياء حسب ما تقتضيه حكمته، وعليه فليس عدم كل شيء نقصاً، بل الصحيح أن يقال: حدوث ما لا تقتضيه الحكمة هو النقص كما أن عدم وجود ما تقتضي الحكمة وجوده هو نقص أيضاً.
الثاني: من جهة حل الشبهة: وهو أن قد أثبتنا الحكمة صفة لله تعالى، والصفات كلها الذاتية والفعلية قائمة بذات الله تعالى، فالحكمة إذن ليست منفكة عن الذات حتى يقال إنه صار مستكملاً بغيره، وإنما هي صفة قائمة به – وعليه فلا إشكال إذا قيل أنه كمل بحكمته، إذ هو نظير قولنا كمل بذاته وصفاته.
الشبهة الثانية: قال الباقلاني: "لو كان تعالى فاعلاً للعالم لعلة أوجبته لم تخل تلك العلة من أن تكون قديمة أو محدثة، فإن كانت قديمة وجب قدم العالم لقدم علته وألا يكون بين العلة القديمة وبين وجود العالم إلا مقدار زمان الإيجاد، وذلك يوجب حدوث القديم، لأن ما لم يكن قبل المحدوث إلا بزمان أو أزمنة محدودة وجب حدوثه، لأن فائدة توقيت وجود الشيء هو أنه كان معدوماً قبل تلك الحال، فلما لم يجز حدوث القديم لم يجز أن يكون العالم محدثاً لعلة قديمة. وإن كانت تلك العلة محدثة فلا يخلو محدثها أن يكون أحدثها لعلة، أو لا لعلة، فإن كانت محدثة لعلة وعلتها محدثة وجب أن تكون علة العلة محدثة لعلة أخرى وكذلك أبداً إلى غير غاية، وذلك يحيل وجود العالم جملة لتعلقه بما يستحيل فعله وخروجه إلى الوجود. وإن كانت العلة والخاطر والداعي والباعث والمحرك محدثة لا لعلة، وكانت بالوجود لما وجدت من فاعلها أولى منها بالعدم لا لعلة، وكان فاعلها حكيماً غير سفيه جاز حدوث سائر الحوادث منه لا لعلة وكان حكيماً غير سفيه ... " (٣)
والجواب من وجوه: الوجه الأول: - قوله "فإن كانت قديمة وجب قدم العالم لقدم علته" ينتقض بصفة الإرادة، فالأشعرية يقرون بقدمها مع قولهم بحدوث المراد، فلما لم يلزم من القول بقدم الإرادة قدم المراد لم يلزم من قدم الحكمة قدم الفعل – أي المفعول - (٤).
стр. 562
الوجه الثاني: وهو عن لزوم التسلسل إذا قيل إن العلة محدثة، وهي محدثة لعلة وهكذا ... وجوابه، إن هذا التسلسل الصحيح أنه في المستقبل، لأن الحكمة من الفعل تحصل عقبه وإن كانت مقدمة عليه في التصور، ولا شك أن التسلسل في الآثار المستقبلة جائز بل واقع كما هو الحال في نعيم الجنة وعذاب النار الدائمين، وهذا مما يسلم به الأشعرية فيلزم أن يسلموا به في الحكمة، وعليه فقولهم: "وجب أن تكون علة العلة محدثة لعلة أخرى ... " قول ممنوع، وهو وارد على تعليل العلل، أي إذا فعل فعلاً لعلة فما هي علة هذه العلة وهكذا ... فإنا نقول: الحكمة التي ذكروها هي التي يعود حكمها إلى الرب، وكل الحكم تعود على حكمة لا حكمة فوقها "فالمفعول لأجله مراد للفاعل محبوب له، والمراد المحبوب تارة يكون مراداً لنفسه وتارة يكون مراداً لغيره، والمراد لغيره لابد أن ينتهي إلى المراد لنفسه قطعاً للتسلسل، وهذا كما نقوله في خلقه بالأسباب: إنه يخلق كذا بسبب كذا، وكذا بسبب كذا حتى ينتهي الأمر إلى أسباب لا سبب لها سوى مشيئة الرب، فكذلك يخلق لحكمة، وتلك الحكمة لحكمة حتى ينتهي الأمر إلى حكمة لا حكمة فوقها" (١).
الوجه الثالث:- وهو عن لزوم القول بوجود محدث أحدث ابتداء لا لعلة، ومن ثم لزوم نفي العلل كلها؛ وهو في قوله: "وإن كانت العلة والخاطر والداعي ... إلخ" فالجواب: إنا قد قدمنا في الوجه الثاني أن الحكم تنتهي إلى حكمة لا حكمة فوقها، ولم نسلم بأنه لا توجد حكمة تعود إليها كل الحكم، ولذلك فهذا الاحتمال – وهو قوله: "محدثة لا لعلة" – احتمال غير وارد ولا نسلم به، مع ملاحظة أن استعمال ما جاء به الشرع من لفظ الحكمة هو الصحيح، ولا يجوز التعبير بما يوهم باطلاً كالمحرك والباعث والخاطر ...
ثم إن قوله: "جاز حدوث سائر الحوادث منه لا لعلة" فكلام مبني على توهم وجود فعل خلا من الحكمة وقد منعناه، مع ملاحظة أن دعواه أعم من دليله، فهو قد جوز خلو الأفعال من الحكم بناءً على نفي علة العلة الأولى للفعل، فما ذكره فيه سلب العموم لا عموم السلب، كيف وقد بينا سابقاً أن الحكم كلها تعود إلى حكمة لا حكمة فوقها فدليله من أساسه منهار، ومع انهياره فهو لا يدل على ما ادعاه. الشبهة الثالثة (٢):
قالوا: لو كان شيء من الممكنات غرضاً لفعل الباري لما كان ذلك الممكن حاصلاً بخلق الله ابتداءً، وإنما بتوسط الغرض، والغرض هو إيصال اللذة إلى البعد أو دفع الألم عنه، وقد علم إجماعاً أن الله قادر على إيجادها ابتداءً فيكون إثبات هذه الوسائط عبثاً ينزه الله عنه.
стр. 563
الجواب: لا نسلم أن الحكمة منحصرة في الشيئين المذكورين فقط – لأن هذه الحكمة راجعة إلى المخلوق، ونحن نثبت حكمة أخرى – غير هذه معها – يعود حكمها إلى الله من حيث إنه يحبها ويرضاها، كما أننا ننكر تسمية الحكمة بالغرض – وعلى فرض التسليم – بحصر الحكمة فيما ذكروه – فإن غاية هذه الشبهة هو أن الله قادر على تحصيل الحكمة بدون هذه الوسائط وقادر على تحصيلها بها، والعدول عن أحد المقدورين إلى الآخر لا يسمى عبثاً إلا إذا كان المعدول إليه مساوياً للآخر من كل وجه أو كان دونه، وهذا ما لا يمكن إثباته، بل الشرع والعقل بخلافه، فإنه لا يمكن أحداً أن يقول مثلاً: إرسال الرسل وعدم إرسالهم سواء، ومعلوم أن الشيء يكون عبثاً إذا كان لا فائدة منه، أما إذا كان وجود الوسيط سبباً أو شرطاً لحصول شيء لم يكن وجوده عبثاً كوجود آلات الإحساس التي هي شرط لتحصيل الحس، ولا يقول عاقل إن وجودها عبث، فإن وجودها ضروري، وما قال أحد بالعبث في إيجادها، فكذلك يقال في بقية الحكم المعلومة وغير المعلومة لنا (١).الشبهة الرابعة (٢):
قالوا: لو كانت أفعاله معلقة بالأغراض والحكم ما خلا فعل منها، والمشاهد خلو بعضها عن ذلك، كإيلام الأطفال وخلق الشرور والكفر.
الجواب: لما أثبت أهل السنة الحكمة لم يدعوا علمهم بكل حكمة، وما أورده الأشاعرة غاية ما فيه: عدم علمهم بالحكمة فيما ذكروه، وعدم العلم بالحكمة لا يعني عدمها – وهو واضح – وتمام الإجابة على هذه الشبهة وبالعلم بأن أفعال الله كلها خير، وكل خير فإنه داخل في أسماء الله وصفاته ومفعولاته بالذات وبالقصد الأول، والشر لا يدخل في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله، فهو إنما يدخل في معقولاته بالعرض لا بالذات، وبالقصد الثاني لا الأول دخولاً إضافياً، وهذا مثل إنزال المطر والثلج وتصريح الرياح والشمس، فهذه كلها خيرات في نفسها وفيها حكم ومصالح وإن كانت شراً نسبياً إضافياً في حق من تضرر بها (٣).
ويلاحظ أن الأشاعرة قد استعملوا لفظ (الغرض) مكان (الحكمة) وهذا الاستعمال غير صحيح لإيهامه الباطل، ثم إن ما ذكر من الأدلة الدالة على إثبات الحكمة لله تعالى كثيرة لا يمكن دفعها، وقد تقدم ذكر شيء منها، وبمعرفتها والتيقن منها تزول الشبهات الواردة من نفاتها، إذ لا قرار للشبهات مع الحق المتيقن الثابت. إلزامات على نفاة الحكمة (٤):
١ - من المعلوم أن الله يستحق الحمد بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فالله له الحمد على جميع ما خلقه ويخلقه لما له فيه من الحكم والغايات المحمودة المقصودة بالفعل، فيلزم من نفي الحكمة أن ينفي الحمد معها، إذ الحمد من لوازم الحكمة، والحكمة إنما تكون في حق من يفعل شيئاً لأجل شيء، وعندهم أن الله بخلقه ما ينفع العباد أراد مجرد وجوده لا نفعهم، فكيف يحمد على أصلهم على فعل ليست له فيه حكمة – وهي منفعة العباد -! ويتبين هذا بضرب مثال في فعل العدل وترك الظلم.
فالله تعالى حمد نفسه على فعل العدل وترك الظلم، وعباده المؤمنون يحمدونه على ذلك، وهذه من الحكم، أما الأشاعرة الذين يفسرون الظلم بأنه الممتنع الذي لا يدخل تحت المقدور فيقال لهم:
стр. 564
من المعلوم أنه لا يمدح الممدوح بترك ما لو أراده لم يقدر عليه، وعندكم أن الظلم لا يقدر الله عليه فأي مدح له على شيء لم يفعله لعدم قدرته عليه؟! ونحن نقول: إن الله قادر عليه إلا أنه لا يفعله لتمام حكمته وعدله ورحمته ، ومما يدل على قدرته عليه قوله في الحديث القدسي: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)) (١)، فقوله: ((وجعلته بينكم محرماً)) يدل على أنه ظلم مقدور يستحق تاركه الحمد والثناء.
٢ - من اعتمد منهم إثبات العلل والمصالح في الأحكام الشرعية يقال له: لم فرقت بين إثبات العلل والحكم في أحكامه وبين إثباتها في أفعاله؟ ولن يجد لذلك جواباً فإما أن يلتزم نفي الجميع فيكون الرد عليه بما تقدم، وإما أن يلتزم إثبات الجميع وهو الحق.٣ - قالوا في دليل إثبات العلم لله بالعقل: "الله تعالى فاعل فعلاً متقناً محكماً بالقصد والاختيار، وكل من كان كذلك وجب له العلم" (٢).
فيقال لهم: قد استدللتم على إثبات علم الرب بما في مخلوقاته من الإحكام والإتقان بشرط قصد ذلك، فأثبتم له قصداً، ونحن نقول إنه قصد حكمة أرادها من خلقه، فأثبتم قصده في العلم ونفيتموه في الحكمة، وكان اللازم إثباتهما حتى لا يحدث اضطراب وتناقض، وإلا لزم من نفي الحكمة نفي العلم. والصواب إثبات القصد في العلم والحكمة. فمن نفاه في الحكمة وأثبته في العلم كان متناقضاً.
المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – ١/ ٣٢٩
стр. 565
المطلب الثاني: هل الإرادة تقتضي المحبة أم لا ؟
هذه المسألة مرتبطة بشكل قوي بالمسألة السابقة – مسألة تعليل أفعال الله – لأن الذي حدا بالأشاعرة إلى أن ينكروا التعليل ما توهموه من وجود تعارض بين الأمر والقدر، وكيف يريد الله أمرا إرادة كونية كالكفر والمعاصي، ثم هو لا يحبها ولا يرضاها ولا يريدها دينا؟ فرأوا أن الخروج من هذا المأزق يكون بإنكار الحكمة والتعليل في أفعال الله وأوامره. وموضوع الإرادة وهل هي مستلزمة للرضى والمحبة مما خاض فيه أهل الأهواء، وضلوا فيه عن الحق وأدى بهم ضلالهم إلى انحراف خطير جدا في مسألة القضاء والقدر وفي مسألة الأمر والنهي، وعلاقة هذه بتلك. وقد وصل الأمر بغلاة الصوفية إلى أن اعتقدوا "أنه ليس في مشهدهم لله محبوب مرضي مراد إلا ما يقع، فما وقع فالله يحبه ويرضاه، وما لم يقع فالله لا يحبه ولا يرضاه، والواقع هو تبع القدر لمشيئة الله وقدرته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فهم من غلب كانوا معه، لأن من غلب كان القدر معه، والمقدور عندهم هو محبوب الحق، فإذا غلب الكفار كانوا معهم، وإذا غلب المسلمون كانوا معهم" (١)، وعلى هذا فإبليس وجميع الكفار والملاحدة والعصاة مطيعون لله، لموافقتهم للقدر، ولعل هذا سر ما يؤثر عن غلاة الصوفية من انحرافات أخلاقية سافلة، ومن أقوال كفرية لم تؤثر حتى عن الكافرين والملاحدة.
والخلاف في هل الإرادة تستلزم الرضى والمحبة وقع على قولين: القول الأول: أن الإرادة تستلزم الرضى، وهذا قول المعتزلة والجهمية وأغلب الأشاعرة (٢).وبعض الأشاعرة لهم عبارات تخفف من هذه المقالة، مثل قول بعضهم بحمل المحبة والرضا على الإرادة، ولكنه يقول: "إذا تعلقت الإرادة بنعيم ينال عبدا فإنها تسمى محبة ورضى، وإذا تعلقت بنقمة تنال عبدا فإنها تسمى سخطا" (٣)، فمن جوز إطلاق المحبة على الإرادة قالوا: إن الله يحب الكفر ويرضاه كفرا معاقبا عليه (٤).
стр. 566
ولكن هؤلاء الذين اتفقوا على أن الإرادة بمعنى المحبة والرضى – اختلفوا فيما بينهم على قولين جعلت أقوالهم تتباين كثيرا في مسألة القدر: أ- فالمعتزلة القدرية قالوا: قد علم بالدليل أن الله يحب الإيمان والعمل الصالح، ولا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، ويكره الكفر والفسوق والعصيان، ولما كان هذا ثابتا لزم أن تكون المعاصي ليست مقدرة له ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه، قالوا: ولما كنا مأمورين بالرضى بالقضاء، ومأمورين بسخط هذه الأفعال وبغضها وكراهتها، فإذن يجب أن لا تكون واقعة بقضاء الله وقدره فأنكروا لذلك مرتبة المشيئة والخلق (١).ب- وأما الأشاعرة – ومن معهم – فقالوا قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولما ثبت عندهم أن المشيئة والإرادة والمحبة والرضى كلها بمعنى واحد – قالوا: فالمعاصي والكفر كلها محبوبة لله لأن الله شاءها وخلقها (٢).وهكذا انتهى الأمر بهاتين الطائفتين إلى قولين باطلين: إما إخراج بعض المقدورات أن تكون مقدرة ومرادة لله كما فعل المعتزلة، وإما بالقول بأن الله يحب الكفر والمعاصي كما فعلت الأشعرية الذين خالفوا نصوص الكتاب والسنة (٣).
القول الثاني: أن الإرادة لا تستلزم الرضى والمحبة، بل بينهما فرق، وهذا قول عامة أهل السنة المثبتين للقدر، وهؤلاء يقولون إن قول المعتزلة والأشاعرة مخالف للكتاب والسنة والإجماع، فإنهم متفقون على أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وعلى أن الله لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، وأن الكفار يبيتون ما لا يرضى من القول. كما هو صريح النصوص.
ولكن هل بين النصوص تعارض كما توهمه أولئك؟ أهل السنة يرون أن النصوص الواردة في المشيئة والإرادة، وفي المحبة والرضى ليس بينهما تعارض مطلقا إذا أعطيت حقها من الفهم والتفسير الصحيح.
وذلك أن أهل السنة يقولون إن الخطأ الذي وقع فيه المخالفون لهم من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، هو ظنهم أن الإرادة في النصوص كلها بمعنى واحد.
والحق أن الإرادة نوعان:
أحدهما: نوع بمعنى المشيئة العامة، وهذه هي الإرادة الكونية القدرية، فهذه الإرادة كالمشيئة شاملة لكل ما يقع في هذا الكون، وأدلة هذا النوع كثيرة، منها قوله تعالى: فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [الأنعام: ١٢٥].
فهذه الإرادة لا تستلزم المحبة، وليست بمعناها.
والثاني: نوع بمعنى المحبة والرضى، كقوله تعالى: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥] وهذه هي الإرادة الدينية الشرعية. وهذه الإرادة هي المستلزمة للمحبة والرضى، وهي المستلزمة للأمر (٤). وعلى هذا فبالنسبة لوقوع المراد، وفي أي النوعين يتعلق – تكون الأقسام أربعة:
стр. 567
أحدها: ما تعلقت به الإرادتان الكونية والدينية، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فهذه مرادة دينا لأنها أعمال صالحة مأمور بها، ومرادة كونا لأنها وقعت.
الثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الطاعات والأعمال الصالحة، فعصى ذلك الكفار ولم يأتوا به، فهذا مراد شرعا لأنه من الأعمال الصالحة، وغير مراد كونا لأنه لم يقع من الكفار والعصاة.
الثالث: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، كالمباحات والمعاني التي لم يأمر بها الله إذا فعلها العصاة. فهي غير مرادة دينا، ولكنها مرادة كونا لأنها وقعت. الرابع: ما لم تتعلق به الإرادتان، وذلك مما لم يقع ولم يوجد من أنواع المباحات والمعاصي (١).
وبهذا التفصيل – الذي دلت عليه النصوص – يتبين رجحان مذهب أهل السنة والجماعة. أما محاولة بعض الأشاعرة أن يجيبوا عن النصوص التي دلت على أن الله لا يحب الكفر ولا الفساد – بأن هذا خاص بمن لم يقع منه الكفر والفساد، والمعنى أن الله لا يحب الفساد لعباده المؤمنين ولا يرضاه لهم – فهذا جواب فاسد لأن لازم هذا أن الله لا يحب الإيمان ولا يرضاه من الكفار، لأنه لم يقع منهم، لأن المحبة عندهم كالإرادة إنما تتعلق بما وقع دون ما لم يقع. وهذا من أعظم الباطل (٢).
ولا شك أن تخبط الأشاعرة ومعهم المعتزلة في هذه المسائل أدى بهم إلى الانحراف في مسألة القدر وأفعال العباد.
المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – ٣/ ١٣١٥
стр. 568
المبحث الرابع: أفعال العباد عند الأشاعرة
وافق الأشاعرة أهل السنة في مسألة خلق أفعال العباد الاختيارية والاضطرارية فقالوا: إنها مخلوقة لله تعالى، ولم تختلف عبارتهم في ذلك.
قال صاحب الجوهرة:
فخالق لعبده وما عمل ... موفق لمن أراد أن يصل (١)
وأقاموا الأدلة النقلية والعقلية على صحة هذا القول.
ولكنهم خالفوا أهل السنة في بعض فروع هذه المسألة، ومن ذلك: هل العبد فاعل لفعله حقيقة أو لا؟
فالأشعرية نسبوا فعل الإنسان الاختياري إليه كسباً لا خلقاً، وهذا صحيح، ولكنهم اضطربوا في هذا الكسب الذي أثبتوه للعبد واختلفت عبارتهم فيه. والتفسير المستقر عندهم الآن هو كما قال شارح أم البراهين: "والكسب مقارنة القدرة الحادثة للفعل من غير تأثير" (٢).
وحاولوا بهذا التفسير التوسط بين الجبرية والمعتزلة، فقالوا بالكسب فراراً من قول الجبرية، وزعموا أنهم بهذا الكسب يثبتون للعبد اختياراً!، وقالوا بعدم تأثير قدرة العبد الحادثة في الفعل فراراً من قول المعتزلة وتحقيقاً تاماً لوحدانية الأفعال فلا مؤثر إلا الله وحده، ولا يوجد تأثير للأسباب في مسبباتها!!.
المناقشة: الأول: تفسيرهم الكسب بالاقتران مخالف للغة العرب واستعمال القرآن الكريم، فهو في اللغة بمعنى الطلب والجمع (٣)، وهو في القرآن لم يخرج عن هذا المعنى، فمن ذلك قول الله تعالى: أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ [البقرة: ٢٦٧]، وهو يستعمل في فعل الصالحات والسيئات (٤)، فمن الأول قوله تعالى: أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: ١٥٨] ومن الثاني قوله تعالى: فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة: ٧٩] ومن الآيات التي تجمع بينهما قوله تعالى: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ [عمران: ١٦١].فظهر مما تقدم أن الكسب يرجع إلى ما يكسبه الإنسان من عمل القلب أو عمل الجوارح وهو المعبر عنه بالاجتراح والعمل، وظهر أن تفسير الأشعرية للكسب بالمقارنة قول لم يسبقوا إليه (٥).
стр. 569
الثاني: إثباتهم قدرة للعبد غير مؤثرة فراراً من القول بأن ذلك يفضي إلى إثبات مؤثر غير الله تعالى، فيستلزم القول بأن أفعال العباد مخلوقة لهم بقدرتهم قول تبين ضعفه فإنه إذا تبين أن الله قد خلق العبد وخلق صفاته التي بها يقع الفعل من القدرة والإرادة وهما من أسباب العمل، وخلق أيضاً عمله على وفق سنته من تأثير الأسباب في مسبباتها – على حسب ما تم تفصيله – فلا حرج بعد ذلك، ولا يلزم أن تكون الأسباب هي الخالقة للفعل. الثالث: إن بناء التكليف على هذه المقارنة غير معقول وينتهي إلى القول بتكليف العاجز، وهذا هو الذي دفع الإيجي إلى وصفه الأشعرية بأنهم مجبرة متوسطة (١)، ودفع التفتازاني إلى أن يقول: "فالإنسان مضطر في صورة المختار" (٢)، ودفع الرازي بعد أن أورد إشكالات على كسب الأشعري: "وعند هذا التحقيق يظهر أن الكسب اسم بلا مسمى" (٣).الرابع: إثبات مقارنة القدرة الحادثة للفعل قول عند التحقيق قصد به مخالفة الجبرية وهو ليس بشيء، كما تقدم في الفقرة السابقة، إذ يقال لهم: ما الداعي لذكرها إذاً إذا كانت لا تؤثر؟، وما المزية لها في الذكر إذا كانت لا تؤثر في الفعل؟. فإن قولكم: الفعل يقارن القدرة الحادثة قول لا طائل تحته إذ يمكن أن نقول: إنه يقارن العلم والسمع والبصر الحادث وغير ذلك من الصفات ... فصار بهذا ذكرهم للقدرة لا معنى له وهو مجرد تمويه (٤).
وقد تنازع الأشعرية في معنى قدرة العبد على الطاعة. فقال الأشعري: هي العرض المقارن للطاعة. وهذا فيما حكاه عنه الأشاعرة. وقال إمام الحرمين: هي سلامة السباب والآلات.
وأورد على كلام الأشعري الإلزام الذي تقدم، وهو أنه يلزم من هذا تكليف العاجز، لأن التكليف على قوله واقع قبل إقدراه على العمل.
وأجيب عن هذا الإيراد بجوابين بناء على أن العرض هل يبقى زمانين أو لا؟
فعلى قول الأشعري: إن العرض لا يبقى زمانين: فالجواب: إن العبد قادر بالقوة لما اتصف به من سلامة الأسباب والآلات. وهي التي عليها اعتبار التكليف. وعلى القول بأن العرض يبقى زمانين فإنه لا مانع من تقدم القدرة على الطاعة (٥)، ولكن ما زال الإشكال باقياً عليه في عدم فائدة هذه القدرة غير المؤثرة!
وأما تفسير إمام الحرمين فأورد عليه: أن الكافر أيضاً يكون قادراً بهذا الاعتبار على الطاعة، فاحتاجوا إلى إدخال جملة أخرى تكون قيداً لكلامه وهي:"وتسهيل سبيل الخير إليه" وبهذا يخرج الكافر (٦). مع ملاحظة أمرين: الأول: إن إمام الحرمين نص على مسألة تسهيل سبيل الخير في رسالته النظامية (٧).الثاني: إن إمام الحرمين أثبت قدرة للعبد مؤثرة في مقدورها (٨).ولكي يكون هذا القول صواباً لابد من تفسير التأثير تفسيراً صحيحاً وهو: أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود كان بتوسط القدرة المحدثة لا أنها منفردة بالإيجاد سواء كان في صفة الفعل أو ذاته. ومع هذا فما خلقه الله فعلاً للعبد كان العبد هو الفاعل له حقيقة، لأنه قائم به، والشيء إنما يوصف به من قام به (٩).
المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – ١/ ٣٤٦
стр. 570
المطلب الأول: تعريف العلة عند الأشاعرة:
عرف الأشاعرة العلة بأنها: "الأمر الذي جرت عادة الله تعالى بخلق الشيء عقب تحققه".
والمعلول: هو ما وجد عقب تحقق العلة. وذلك كترتب الشبع على الأكل، والري على الشرب. يقال: أكل فشبع، وشرب فروي، بمعنى ترتب الثاني على الأول عادة (١).
الله تعالى لا يسمى علة:
ويرى الأشاعرة أن الله هو الموجد بالاختيار لجميع الأشياء ابتداءً بدون واسطة، وأنه لا تأثير لغيره في الإيجاد، لا بالاختيار ولا التعليل ولا الطبع.
وأنه لا يقال للمولى علة، كما أن صفاته سبحانه لا يقال لها علة. إلا أنهم يسمون بعض الممكنات علة، والبعض الآخر معلولاً لها. فالشبع معلول للأكل والري معلول للشرب، وكل من الأكل والشرب علة لمعلوله. ولكن ذلك لا يفيد سوى ترتب الشبع على الأكل، والري على الشرب، لحصوله عقيبه عادة، وليس للمتقدم تأثير في المتأخر (٢).
ومن خلال ما تقدم يتبين أن الأشعري وموافقيه يرون أن التلازم بين العلة والمعلول تلازم عادي، وليس تلازما عقليا خلافا للفلاسفة ومثبتي الأحوال من المعتزلة وغيرهم.
المصدر: الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص ٢٠
стр. 571
المطلب الثاني: موقف الأشاعرة من الحكمة والتعليل
يرى الأشاعرة أن أفعال الله تعالى لا تعلل بالأغراض والغايات. وإنما يفعل تعالى بمحض المشيئة والإرادة دون أن يتوقف فعله على الحكم؛ فلا يبعثه باعث على الفعل.
ويترتب على فعله حكم ولكنها غير مقصودة، بل هي مترتبة على الفعل وحاصلة عقيبه.
وبهذا القول قال مشايخ الأشاعرة، وإليك بعض ما جاء في مصنفاتهم:
قال الإيجي وشارحه:"المقصد الثامن في أن أفعاله تعالى ليست معللة بالأغراض، إليه ذهبت الأشاعرة، وقالوا: لا يجوز تعليل أفعاله تعالى بشيء من الأغراض والعلل الغائية، ووافقهم على ذلك جهابذة الحكماء وطوائف الإلهيين" (١).
وقال الشهرستاني:"القاعدة الثامنة عشر: في إبطال الغرض والعلة في أفعاله تعالى: مذهب أهل الحق أن الله تعالى خلق العالم بما فيه من الجواهر والأعراض وأصناف الخلق والأنواع، لا لعلة حاملة له على الفعل سواء قدرت تلك العلة، نافعة له أو غير نافعة، إذ ليس يقبل النفع والضر، أو قدرت تلك العلة نافعة للخلق، إذ ليس يبعثه على الفعل باعث فلا غرض له في أفعاله ولا حامل بل علة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه" (٢).
وقال الآمدي في غاية المرام:"مذهب أهل الحق أن الباري تعالى خلق العالم وأبدعه لا لغاية يستند الإبداع إليها، ولا لحكمة يتوقف الخلق عليها، بل كل ما أبدعه من خير وشر ونفع وضر، لم يكن لغرض قاده إليه، ولا لمقصود أوجب الفعل عليه" (٣).
وقال محمد بن عمر الرازي في الأربعين في أصول الدين:
"المسألة السادسة والعشرون: في أنه لا يجوز أن تكون أفعاله تعالى معللة بعلة البتة. اتفقت المعتزلة على أن أفعال الله تعالى أحكامه معللة برعاية مصالح العباد وهو اختيار أكثر المتأخرين من الفقهاء وهذا عندنا باطل" (٤).
ومن هذه النصوص يبدو جليا أن الأشاعرة من نفاة التعليل لأفعاله تعالى بالحكم والمصالح والأغراض والغايات.
أما نفيهم للغرض والعلة فهم يطلقون ذلك بدون استثناء في مصنفاتهم.
وأما الحكمة، فإنهم لا ينفونها، وإنما ينفون أن تتوقف أفعاله على الحكم. بل الحكم مترتبة على أفعاله، وحاصلة عقيبها أي ليست هذه الحكم مقصودة ومطلوبة بالفعل كما يراه المعتزلة ومن وافقهم.
المصدر: الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص ٦٢
стр. 572
المطلب الثالث: تحرير محل النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة
وأصل الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة هو:
هل هناك أغراض وغايات باعثة له تعالى على الفعل، فلا يفعل إلا لعلة؟ فالمعتزلة يرون ذلك، تلك الأغراض هي مصالح العباد، أما الأشاعرة فإنهم يمنعون ذلك.
وقد رد الأشاعرة على ما احتج به المعتزلة على إثبات الغرض، وهو قولهم، بأن الفعل الخالي عن الغرض عبث، وأنه قبيح يجب تنزيه الله تعالى عنه، فلابد إذن في فعله من غرض؛ نفيا للعبث ولابد أن يكون الغرض عائدا على غيره إذ لا ينتفع بالغرض، ولا يتضرر بتركه.
رد الأشاعرة عليهم، بأن العبث ما كان خاليا عن الفوائد والمنافع، وأفعاله تعالى محكمة متقنة مشتملة على حكم ومصالح راجعة إلى مخلوقاته، لكنها ليست أسبابا باعثة لفعله، وعللا غائية لفاعليته حتى يلزم استكماله بها، بل تكون غايات ومنافع لأفعاله وآثاراً مترتبة عليها، فلا يلزم أن يكون شيء من أفعاله عبثا.
ثم إن العبث إنما يتصور في حق من تلحقه الفوائد، والله تعالى لا ينتفع بشيء، ولا يتضرر بشيء. فحقيقة العبث لا تتصور في حقه تعالى. وقالوا: إن ما ورد من الآيات والأحاديث الدالة على تعليل أفعاله تعالى بالأغراض، فهو محمول على الحكم والمصالح دون الغرض والعلة الغائية (١).
ولا يخفى أن إثبات حكم ومصالح مترتبة على أفعاله مع نفي أن تكون مقصودة ومطلوبة بالفعل، لا يخفى أن ذلك تكلف من الأشاعرة وتمحل. وقد مثلوا هذه الحكم غير المقصودة بمثال من يغرس غرسا لأجل الثمرة، فإنه يعلم ما يترتب عليه من المنافع من استظلال الناس بها، وانتفاعهم بأغصانها إلى غير ذلك. ولكن الباعث هل على الغرس هو الثمرة لا غير. فكذلك الفوائد والمصالح المترتبة على فعله فإنها بمنزلة ما سوى الثمرة بالنسبة إلى الغارس (٢).
وهذا المثال لا يقره المنصفون؛ ولذا قال الإمام محمد عبده في حاشيته على شرح الجلال الدواني بعد أن قرر أن الفعل لا يسمى حكمة، إلا إذا كان مقصودا من الفاعل؛ لأن ما يترتب على عمل من أعمالك بدون قصد منك إليه لا يعد منك حكمة، بل رمية بغير رام، وأنه لا يقال لمتخبط قتل عقربا بحركات تخبطه أنه حكيم بذلك العمل.
قال معقبا على المثال الآنف الذكر- وهو أن الغارس لم يبعثه على الغرس سوى الثمرة-:
"هذا تمثيل بارد، فإنه قد مثل برجل خسيس الطبع دنيء الهمة، قد قصر كماله على بعض ما يترتب على فعله وهو غافل عن الباقي. ثم قال: فعدم قصده لذلك إما لنقصه في ذاته أو جهله، على أنه قد قصد غاية فنيت فيها الغايات، فعدم قصده لغيرها لما أنه لم يحضره أن الغير مصلحة" (٣).
وأما الحكمة فإنهم يرون أن أفعاله تعالى مشتملة على الحكم والمصالح جوازا، لا لزوما ولا وجوبا. ولكن هذه المصالح مترتبة على الفعل وتابعة له وليست باعثة له تعالى.
المصدر: الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص ٦٤
لام التعليل ورأي الأشاعرة فيها
ولما احتج القائلون بالتعليل بورود التعليل في القرآن الكريم مدلولاً عليه بلام التعليل وذلك في مثل قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، أجاب الأشاعرة عن ذلك بأن هذه اللام ليست لام التعليل بل هي لام العاقبة والصيرورة.
فليس المراد أن العبادة باعثة لله تعالى على خلق الجن والإنس، إذ لو كانت كذلك لاقتضى الأمر أن يكون تعالى مستكملا بعبادة الخلق له، ولذلك احتاج إليها فخلق الخلق من أجلها.
стр. 573
وإنما المراد عاقبة الأمر وصيرورة الحال؛ أي لما وجد الخلق كلفوا بالعبادة فترتب التكليف بالعبادة على وجود الخلق.
قال الشهرستاني:"وأما الآيات في مثل قوله تعالى: وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الجاثية: ٢٢] فهي لام المال وصيرورة الأمر، وصيرورة العاقبة لا لام التعليل، كما قال تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨] " (١).
وقال السنوسي في شرح القواعد:
"ومن الجهل بفن علم البيان أخذ المعتزلة تعليل أفعاله تعالى بالأغراض من قوله جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]. فجعلوا اللام للتعليل حقيقة ولو خالطوا فن البيان لعرفوا أن الآية من باب الاستعارة التبعية.
وأنه شبه التكليف بالعبادة في ترتبه على الخلق بالعلة الغائية، التي تترتب على الفعل، ويقصد الفعل لأجلها، فجعلت العبادة أي التكليف بها لأجل هذه الشبه علة غائية بطريق الاستعارة، فتبع ذلك استعارة اللام الموضوعة للتعليل. ودخلت على العبادة للدلالة على العلة المجازية" (٢).
وقد سبق أن بينا رأى السلف في لام العاقبة وأنها لا تكون في حقه تعالى، بل تكون في حق من يجهل العاقبة للفعل الذي يقدم عليه كما في قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨] ".فإن فرعون لم يكن يعلم عاقبة تربيته لموسى ﵇، حيث كان هلاكه على يديه. وأما من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير فلا تكون هذه اللام في حقه" (٣).
وإذا تأملنا نجد أنه لا وجه لإنكار ورود تعليل أفعال الله تعالى في القرآن الكريم، وصرف اللام عن كونها للتعليل إلى كونها للعاقبة؛ وذلك لأن التعليل قد ورد بأدوات أخرى غير اللام، فقد وردت أداة "كي" الصريحة في التعليل، و"من أجل" وغير ذلك مما يفيد التعليل كما سبق ذكره.
وقد أقر بالتعليل غير المعتزلة كالشاطبي والتفتازاني وصدر الشريعة وغيرهم.
المصدر: الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص ٦٦
стр. 574
المطلب الرابع: أدلة الأشاعرة والجواب عنها اعتمد الأشاعرة في نفي تعليل أفعاله تعالى بالأغراض والغايات على حجج عقلية، وقد ذكرها الرازي في كتابه (الأربعين) (١). وسنورد هذه الأدلة مع إيراد جواب المثبتين للتعليل عنها.
الدليل الأول:
أن كل من فعل فعلا لأجل تحصيل مصلحة، أو دفع مفسدة، كان ناقصا بذاته، مستكملا بذلك الفعل، وذلك محال في حق الله تعالى.
وتقرير ذلك:
أن من فعل فعلا لأجل تحصيل مصلحة، فإن كان تحصيل تلك المصلحة أولى من عدم تحصيلها، كان ذلك الفاعل قد استفاد بذلك الفعل تحصيل تلك الأولوية، وكل من كان كذلك، كان ناقصا بذاته، مستكملا بغيره، والاستكمال بالغير في حق الله تعالى محال.
وإن كان تحصيلها وعدم تحصيلها بالنسبة إليه سواء، فحينئذ لا يحصل منه ترجيح أحدهما على الآخر، ومع عدم ترجيح التحصيل يمتنع التحصيل.
وقد نوقش هذا الدليل بما يلي:
١ - قولكم: إنه يكون ناقصا بذاته غير لازم؛ لأن الحكمة قبل حصولها لا تعتبر كمالا، وما ليس بكمال في وقت لا يعتبر عدمه نقصا فيه. فالكمال إذا كان مترتبا على الفعل امتنع حصوله قبل الفعل فلا يكون عدمه قبل الفعل نقصا.
٢ - أما قولكم: إنه يلزم من ذلك أن يكون مستكملا بغيره، إن أردتم به أن الحكمة التي فعل لأجلها حصلت له من شيء خارج عنه، فذلك باطل؛ لأنه لا رب سواه، ولم يستفد من غيره كمالا بوجه من الوجوه.
وإن أردتم أن تلك الحكمة غير له وهو مستكمل بها. فيقال: إن تلك الحكمة صفته سبحانه، وصفاته ليست غيرا له، فإن حكمته قائمة به، وهو الحكيم الذي له الحكمة كما أنه العليم الذي له العلم، والقدير الذي له القدرة.
الدليل الثاني:
لو كان فعله تعالى معللاً بعلة، فهذه العلة إما أن تكون قديمة، فيلزم من قدمها قدم الفعل، لأن العلة التامة يجب أن يكون معها معلولها في الزمان، وهذا خلاف ما قام عليه الدليل من أن كل ما سوى الله تعالى حادث.
وإن كانت هذه العلة حادثة، فإن حدثت لا لسبب، لزم ترجيح أحد المتساويين بلا مرجح وهو محال.
وإن حدثت لسبب حادث، نقلنا الكلام إلى ذلك السبب الحادث، فإن حدث لا لعلة لزم الترجيح بلا مرجح. وإن حدث لعلة فتلك العلة لابد لها من علة أخرى وهكذا فيلزم التسلسل.
وقد نوقش هذا الدليل بما يلي:
١ - قولكم: إن كانت العلة قديمة لزم من قدمها الفعل وهو محال. فالجواب: أنه لا يخلو: إما أن يكون الفعل قديم العين، أو قديم النوع، أو لا يمكن واحد منهما.
فإن أمكن أن يكون قديم العين، أو النوع، أمكن في الحكمة التي يكون الفعل لأجلها أن تكون كذلك. وإن لم يمكن أن يكون الفعل قديم العين ولا النوع، بل هو حادث العين أو النوع كانت الحكمة كذلك، فالحكمة يحذى بها حذو الفعل، فما جاز على الفعل جاز عليها، وما امتنع عليه امتنع عليها.
٢ - إن غاية هذه الحجة لزوم التسلسل، فإنه إذا كان يفعل لعلة فهذه العلة تحتاج إلى علة أخرى وهكذا. فيقال:
إن كان هناك تسلسل فهو في الآثار المستقبلة وهو ممكن، بل واجب باتفاق جماهير المسلمين، لأن نعيم الجنة دائم لا يقف عند حد إذ ما من نعيم إلا وبعده نعيم إلى لا نهاية.
وإنما قلنا يكون التسلسل في الآثار المستقبلة، لأن الحكمة التي لأجلها يفعل الفعل تكون حاصلة بعده.
فإذا اقتضت هذه الحكمة حكمة أخرى بعدها، كان هناك تسلسل في الحوادث المستقبلة وهو جائز، ولم ينازع فيه إلا بعض أهل البدع من الجهمية والمعتزلة كالجهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف.
стр. 575
وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"هذا التسلسل في الحوادث المستقبلة لا في الحوادث الماضية، فإنه إذا فعل فعلا لحكمة كانت الحكمة حاصلة بعد الفعل، فإذا كانت تلك الحكمة يطلب منها حكمة أخرى بعدها كان تسلسلا في المستقبل، وتلك الحكمة الحاصلة محبوبة له، وسبب لحكمة ثانية، فهو لا يزال سبحانه يحدث من الحكم ما يحبه ويجعله سببا لما يحبه" (١).
أما التسلسل الممنوع فهو التسلسل في العلل والفاعلين، وذلك بأن يكون لهذا الفاعل فاعل قبله، وكذلك ما قبله إلى غير نهاية. وهذا محال باتفاق العقلاء؛ لاستلزامه اجتماع علل غير متناهية مترتبة في وقت واحد، إذ العلة التامة لا يتأخر عنها معلولها زمانا.
الدليل الثالث:
أن جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين:
تحصيل اللذة والسرور، ودفع الألم والحزن، والله تعالى قادر على تحصيل المطلوب ابتداء بدون وسائط.
وكل من كان قادرا على تحصيل المطلوب بدون وسائط، كان توسله إلى تحصيل ذلك المطلوب بتلك الوسائط عبثا، والعبث محال في حقه تعالى.
وقد نوقش هذا الدليل بما يلي:
١ - لا يلزم إذا كان الشيء مقدورا ممكنا أن يكون ممكنا وجوده بدون وجود ما يتوقف عليه.
فإن الموقوف على الشيء يمتنع حصوله بدونه، كما يمتنع وجود الابن يوصف كونه ابنا بدون الأب، لأن وجود الملزوم بدون لازمه محال.
فإذا كان الأمران مقدورين لم يكن العدول عن أحدهما إلى الآخر عبثا إلا إذا تساويا من كل وجه. ولا يمكن تساويهما؛ فإن إرسال الرسل لهداية الناس، والله قادر على هدايتهم بدون إرسال الرسل، ولكن إرسالهم وعدم إرسالهم لا يتساويان؛ ذلك أن إرسالهم به قطع الله حجة من لم يؤمن.
ومما تقدم يتبين بطلان قولهم: من كان قادرا على تحصيل المطلوب ابتداء كان توسله إلى تحصيله بواسطة عبثا؛ وذلك لأن الواسطة إذا كانت شرطا أو سببا كان لابد من وجودها، لأن المشروط متوقف على شرطه، وكذلك المسبب متوقف على سببه، فإيجادها لفائدة لا عبثا، لأن العبث هو ما لا فائدة له.
ثم إن قولكم: إن العبث على الله محال، يلزم منه ألا يفعل الله إلا لحكمة.
٢ - قولكم: إن جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين: تحصيل اللذة والسرور، ودفع الألم والحزن، إذا أردتم به أن حكمة الله هي ما ذكرتم فهي دعوى بلا برهان، لأن حكمة الرب تعالى فوق تحصيل اللذة ودفع الألم، بل هو يتعالى عن ذلك لأن ما ذكر غرض المخلوق، أما الخالق سبحانه فهو غني بذاته عن كل ما سواه، حكمته سبحانه لا تشابه حكمة المخلوقين، كما أن إرادته وسائر صفاته لا تشابه صفات المخلوقين.
فحكمته سبحانه أجل وأعلى من أن يقال: إنها تحصيل لذة، أو دفع ألم وحزن.
الدليل الرابع:
لو كانت أفعاله معللة بالأغراض والحكم، ما خلا فعل من أفعاله عن الحكمة، لكن التالي باطل: لأننا نشاهد في هذه الدنيا من أنواع الكفر والشرور والفتن الكثير، فما هي الحكمة في إيجادها؟ وأي حكمة في تعذيب الكفار تعذيبا دائما في الآخرة؟ بل وأي حكمة في إيلام الأطفال والبهائم؟ فدل ذلك أنه تعالى إنما يفعل بمحض المشيئة وصرف الإرادة (٢).
وأجيب عن هذا الدليل بالتالي:
١ - أن الحكمة إنما تتعلق بالوجود والحدوث. والكفر والشرور وأنواع المعاصي إنما هي نتيجة لترك ما أمر الله، فهي عقوبة على ترك داعي الفطرة وعدم الطاعة.
стр. 576
ونحن عندما التزمنا الحكمة إنما التزمناها فيما يفعله الله ويوجده، أما ما يتركه فهو وإن كان لحكمة إلا أنه لا يدخل في كلامنا فلا يرد علينا، فإذا ترك العبد ونفسه نتيجة عصيانه، ففعل الشر كان حدوث الشر بسبب أنه وكل العبد لنفسه، ولم يخلق فيه قدرة الطاعة، وهذا لا يدخل تحت الفعل، فالشر لا ينسب إلى الله لأنه عدم الخير وأسبابه، والعدم ليس بشيء كاسمه.
فحينما نقول: إن أفعال الرب تعالى واقعة بحكمة وغاية محمودة لم يرد علينا تركه.
والله قد يترك ما لو خلقه لكان في خلقه له حكمة، ولكنه يتركه لعدم محبته لوجوده، أو لكون وجوده يضاد ما هو أحب إليه، فلما كان وجوده يستلزم فوات ما هو أحب إليه فإنه يتركه.
٢ - أن الحكمة إنما تتم بخلق المتضادات، والمتقابلات؛ كخلق الليل والنهار، والعلو السفل، والطيب والخبيث، والحلو والمر، والبرد والحر، والألم واللذة، والمرض والصحة، والحياة والموت.
فخلق هذه المتقابلات دليل على الحكمة الباهرة والملك التام، والقدرة القاهرة.
وصفات الله لكل صفة منها مقتضيات وآثار هي مظهر كمالها، وإن كانت كاملة في نفسها، لكن ظهور آثارها وأحكامها من كمالها، فلا يجوز تعطيلها.
فإن صفة القدرة تستدعي مقدورا.
وصفة الخالق تستدعي مخلوقا.
وكذلك صفة الوهاب، الرزاق، المعطي المانع، الضار، النافع، المعز، المذل، الرحيم الجبار، كلها تقتضي آثارها وأحكامها.
فلو عطلت تلك الصفات عن المخلوق، والمرزوق، المرحوم، المعز، المذل، لم يظهر كمالها.
كما أن صفاته تعالى اقتضت أن يكون الخلق مؤمن وكافر، ومطيع وعاص. وإن كان الكفر نتيجة خذلان الله تعالى، فلا ظلم من الله تعالى إذا لم يمنع العبد حقا له بعدم توفيقه. والعصيان قد يكون عقوبة على ذنب اقترفه العبد فاقتضت صفاته ذلك ليكون من العاصي تضرع وإنابة إلى الله.
ومن المؤمن المطيع شكر له تعالى على هدايته وتوفيقه له. ولا شك أن التوبة والشكر نافعان، منفعتهما ترجع إلى العبد، وهما محبوبان لله .
ولو كان الخلق كلهم مطيعين لتعطل أثر كثير من الصفات. وكيف كان يظهر أثر صفة العفو، والمغفرة، والانتقام، والقهر؟
٣ - وأما ما قلتم من تعذيب البهائم والأطفال ونحوه، فإننا لم نقل إن حكمة الله يجب – أو يمكن – إطلاع الخلق عليها في كل فعل له تعالى؛ فحكمة الله أعظم وأجل من أن يحاط بها. وقد يكون إخفاء الحكمة لحكمة جليلة.
وعلى هذا فما ذكرتم من الصور مشتمل على حكم جليلة، وإن خفيت علينا كما قال الله لملائكته: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٣٠].وإنما يلزمنا قولكم إذا ادعينا أن جميع الحكم معلومة ظاهرة للخلق، ونحن لا ندعي ذلك، بل نعتقد أنه لا يخلو فعل من أفعاله عن حكمة، سواء ظهرت أو خفيت (١).
النتيجة
إذا تأملنا أدلة الأشاعرة على نفي التعليل نجد أنها مجرد شبهات، لا تستند إلى نص من كتاب أو سنة، بل عولوا فيها على عقولهم، والعقل البشري ليس في إمكانه معرفة الصواب في كل شيء.
والواجب أن يخضع العقل في معرفة ذلك لما جاء في النصوص المعصومة عن الله ورسوله.
أما الأدلة التي يعول فيها على العقل وحده فقد تتضارب وتتناقض، ويتنازع أصحابها، ولا أدل على ذلك من اختلاف المعتمدين على العقل في أكثر المسائل. وعلى سبيل المثال مسألة تعليل أفعاله تعالى التي نحن بصددها فنجد المعتمدين على الأدلة العقلية اختلفوا فيها:
فالفلاسفة والأشاعرة ينفون أن تكون أفعاله تعالى لغاية وغرض؛ لئلا يلزم أن يكون ناقصا قبل ذلك ومستكملا بذلك الغرض.
والمعتزلة يوجبون تعليل أفعاله بالأغراض؛ لأن من يفعل لا لغرض يكون عابثا، والبعث قبح يتنزه الله عنه، وقد تقدم الكلام في ذلك.
وقد اضطر نفاة التعليل إلى تأول النصوص الدالة على التعليل، وصرفها عن معانيها بغير دليل سوى أن عقولهم لم تقبلها.
وخلاصة القول في الحكمة والتعليل:
أن الحق هو ما عليه السلف ومن وافقهم وهو:
أن أفعاله تعالى تعلل بالحكم والغايات الحميدة، التي تعود على الخلق بالمصالح والمنافع، ويعود إلى الله تعالى حبه ورضاه لتلك الحكم، وهذه الحكم مقصودة ويفعل لأجل حصولها، كما تدل عليه النصوص من القرآن الكريم والسنة. وقد أوردنا بعضها عند ذكر أدلتها على إثبات التعليل. والله أعلم.
المصدر: الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص ٧٥
стр. 577
المطلب الأول: التحسين والتقبيح أول من اشتهر عنه بحث هذا الموضوع الجهم بن صفوان الذي وضع قاعدته المشهورة: "إيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع" (١)، وبني على ذلك أن العقل يوجب ما في الأشياء من صلاح وفساد، وحسن وقبح، وهو يفعل هذا قبل نزول الوحي، وبعد ذلك يأتي الوحي مصدقا لما قال به العقل من حسن بعض الأشياء وقبح بعضها، وقد أخذ المعتزلة بهذا القول ووافقهم عليه الكرامية (٢).
ومن ثم وقع الخلاف حوله على ثلاثة أقوال:١ - أن الحسن والقبح صفتان ذاتيتان في الأشياء، والحاكم بالحسن والقبح هو العقل، والفعل حسن أو قبيح إما لذاته، وإما لصفة من صفاته لازمة له وإما لوجوه واعتبارات أخرى، والشرع كاشف ومبين لتلك الصفات فقط. وهذا هو مذهب المعتزلة والكرامية ومن قال بقولهم من الرافضة والزيدية وغيرهم (٣).٢ - أنه لا يجب على الله شيء من قبل العقل، ولا يجب على العباد شيء قبل ورود السمع، فالعقل لا يدل على حسن شيء، ولا على قبحه قبل ورود الشرع، وفي حكم التكليف، وإنما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع وموجب السمع. قالوا: ولو عكس الشرع فحسن ما قبحه، وقبح ما حسنه لم يكن ممتنعا. وهذا قول الأشاعرة ومن وافقهم (٤).
٣ - التفصيل، لأن إطلاق التحسين والتقبيح على كل فعل من جهة العقل وحده دون الشرع، أو نفي أي دور للعقل في تحسين الأفعال أو تقبيحها، غير صحيح، ويوضح شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب أهل الحق في هذا توضيحا كاملا، فيقسم الأفعال إلى ثلاثة أنواع:
"أحدها: أن يكون الفعل مشتملا على مصلحة أو مفسدة، ولو لم يرد الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم يشتمل على فسادهم، فهذا النوع هو حسن أو قبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك، لا أنه ثبت للفعل صفة لم تكن، لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبا في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك، وهذا ما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح، فإنهم قالوا: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة، ولو لم يبعث الله إليهم رسولا، وهذا خلاف النص، قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء: ١٥] ...
стр. 578
النوع الثاني: أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنا، وإذا نهى عن شيء صار قبيحا، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع. النوع الثالث: أن يأمر الشارع بشيء يمتحن العبد، هل يطيعه أم يعصيه، ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات: ١٠٣] حصل المقصود، ففداه بالذبح وكذلك حديث أبرص وأقرع وأعمى، فلما أجاب الأعمى قال الملك: ((أمسك عليك مالك، فإنما ابتليتم، فرضي عنك وسخط على صاحبيك)) (١) , فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به. وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة، وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع، والأشعرية ادعوا أن جميع الشريعة من قسم الامتحان، وأن الأفعال ليست صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع. وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة، وهو الصواب" (٢).
وشيخ الإسلام يزيد الأمر تحقيقا فيبين أن التحسين والتقبيح قسمان: أحدهما: كون الفعل ملائما للفاعل نافعا له أو كونه ضارا له منافرا فهذا قد اتفق الجميع على أنه قد يعلم بالعقل (٣).
الثاني: كونه سببا للذم والعقاب، فهذا هو الذي وقع فيه الخلاف:
- فالمعتزلة قالوا قبح الظلم والشرك والكذب والفواحش معلوم بالعقل، ويستحق عليها العذاب في الآخرة وإن لم يأت رسول.
- والأشاعرة قالوا: لا حسن ولا قبح ولا شر قبل مجيء الرسول، وإنما الحسن ما قيل فيه افعل، والقبيح ما قيل لا تفعل. ولم يجعلوا أحكام الشرع معللة، وهذا يوافق مذهبهم في التعليل.- جمهور أهل السنة قالوا: الظلم والشرك والكذب والفواحش كل ذلك قبيح قبل مجيء الرسول، لكن العقوبة لا تستحق إلا بمجيء الرسول (٤).وما فصله شيخ الإسلام هو الموافق لمذهب السلف، وهو الذي دلت عليه النصوص، أما الكلام في هذه المسألة كاصطلاح فإنما نشأ في المائة الثالثة من الهجرة (٥).
والأشاعرة لأنهم يميلون إلى "الجبر" وفي القدر، قالوا بالتحسين والتقبيح الشرعي فقط. ولذلك احتج الرازي صراحة عليه بالجبر، فإنه أثبت أن العبد مجبور على فعله القبيح، فلا يكون شيء من أفعال العباد قبيحا.
стр. 579
ويرى شيخ الإسلام أن هذه الحجة هي في الأصل حجة المشركين المكذبين بالرسول الذين قالوا لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ [الأنعام: ١٤٨]، فإنهم نفوا قبح الشرك وتحريم ما لم يحرمه الله من الطيبات بإثبات القدر، لكن شيخ الإسلام يستدرك – إنصافا لخصومه – فيقول: "لكن هؤلاء الذين يحتجون بالجبر على نفي الأحكام إذا أقروا بالشرع لم يكونوا مثل المشركين من كل وجه، ولهذا لم يكن المتكلمون المقرون بالشريعة كالمشركين وإن كان فيهم جزء من باطل المشركين. لكن يوجد في المتكلمين من المتصوفة طوائف يغلب عليهم الجبر حتى يكفروا حينئذ بالأمر والنهي والوعد والوعيد والثواب والعقاب، إما قولا وإما حالا وعملا ... " (١).ولاشك أن الأشاعرة – وكذلك المعتزلة – ليس لهم حجة على قولهم في التحسين والتقبيح، سوى أخذهم ببعض النصوص دون بعض، وشيخ الإسلام كثيرا ما يفصل الخلاف في ذلك مبينا المذهب الحق (٢).
المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – ٣/ ١٣١٩ يرى الأشاعرة أن القبيح ما نهى عنه الشارع والحسن بضده، فلا حكم إذاً للعقل في حسن الأشياء وقبحها، وأنه ليس ذلك عائداً إلى أمر حقيقي في الفعل، فالشارع مثبت ومبين للحسن والقبح بأمره أو نهيه (٣).ولهم طرق لإثبات زعمهم هذا، منها ما صرح بعضهم بضعفه (٤)، ومنها ما اتفقوا على قوته، والمقصود إيراد ما اتفقوا عليه من الطرق: الدليل الأول: قال الإيجي: "إن العبد مجبور في أفعاله، وإذا كان كذلك لم يحكم العقل فيها بحسن ولا قبح اتفاقاً. بيانه: إن العبد إن لم يتمكن من الترك فذلك هو الجبر، وإن تمكن ولم يتوقف على مرجح بل صدر عنه تارة ولم يصدر عنه أخرى من غير سبب كان ذلك اتفاقياً، وإن توقف على مرجح لم يكن ذلك من العبد، وإلا تسلسل ووجب الفعل عنده، وإلا جاز معه الفعل والترك فاحتاج إلى مرجح آخر وتسلسل، فيكون اضطرارياً، وعلى التقادير فلا اختيار للعبد فيكون مجبوراً (٥).
والجواب من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: إن هذا التقسيم باطل مخالف للشرع والعقل والحس، لأنه يلزم منه التسوية بين الفعل الاضطراري والفعل الاختياري، وهذا خلاف ما تقضي به الضرورة (٦).الوجه الثاني: إن الإيجي سلم بأن الفعلين الاتفاقي والاضطراري لا يكونان حسنين ولا قبيحين عقلاً، فيقال له: يلزم من هذا التقسيم إبطال الحسن والقبح الشرعيين كذلك، لأن فعل العبد لا يخلو من أن يكون ضرورياً أو اتفاقياً (٧).
стр. 580
الوجه الثالث: ثم إن هذا التقسيم يعلم الأشاعرة بطلانه، فهم يقولون عن الفعل الواقع بلا مرجح: إنه اختياري، وعن فعل المكلف الواجب وإن لم يقع بقدرة مؤثرة منه فيه: إنه لا يخرج عن كونه اختيارياً! فكان الواجب إذاً عدم إيراد هذه الحجة، فإن قالوا هي إلزامية – فجوابهم: إننا لا نلتزم بشيء مما ذكروه فلا يرد إذاً هذا الإلزام الذي ذكروه. الدليل الثاني: قالوا: إن الكذب لو كان قبيحاً لذاته لوجب أن يكون كذلك في كل صورة – كالكذب لإنجاء نبي، ومعلوم أن الكذب هنا واجب فلزم أن يكون حسناً، ومثل ما قيل في قول الكذب، كذلك يقال في الفعل كالقتل فإنه قد يكون حسناً كالقصاص، وقد يكون قبيحاً إذا كان ظلماً، فلزم من هذا أنه لا حسن ولا قبيح ذاتيين يدركهما العقل (١).
والجواب: إن المراد من كون الفعل حسناً أو قبيحاً لذاته أو لصفته هو كونه منشأً للمصلحة والمفسدة، وترتيب المصلحة والمفسدة على الفعل كترتيب المسببات على أسبابها المقتضية لها (٢)، وقد علم سابقاً أنه لابد من وجود شروط وانتفاء موانع لاقتضاء الأسباب لمسبباتها، فإذا تختلف شرط أو وجد مانع ما نتج شيء، فكذلك يقال هنا، إن الكذب قبيح ولكن وجد ما نع هنا من الحكم بقبحه في حالة معينة وهو المصلحة الراجحة، وهكذا يقال في الفعل وهو القتل هنا (٣).
وللأشاعرة أدلة أخرى لنفي التحسين والتقبيح العقليين أقر المتأخرون منهم بضعفها، وآثرت ذكر واحد منها لأن له تعلقاً بأفعال الله، وقد يكون هو من أكبر الشبهات الحاملة لهم على نفي الحسن والقبح لذات الفعل أو لوصفه!، وهو:
الدليل الثالث: قالوا لو كان حسن الفعل وقبحه لذاته أو لصفاته للزم أن يكون الباري غير مختار في الحكم! وبيانه: أن الفعل لابد له من حكم شرعي، وهذا الحكم الشرعي إما أن يكون موافقاً للحسن لذاته المعلوم بالعقل أو مخالفاً له، والثاني باطل بصريح العقل لكونه لا يليق بالله تعالى، والأول يلزم منه أن يتعين على الباري الحكم عليه بحسب المعقول ولا يصح تركه وهذا ينافي الاختيار (٤).
والجواب من وجهين: الأول: ما ادعوه من أن حكم الله إذا تعلق بالشيء لكونه حسناً لذاته ينافي الاختياري تلبيس، فإنه لم يتعلق بخلافه – وهو القبيح – لصارف الحكمة، مع أنه قادر عليه، والامتناع لصارف الحكمة لا ينافي الاختيار، كيف والواقع أن إرادته واختياره اقتضت استلزام الحكم للحسن لذاته (٥).الوجه الثاني: إن الأشاعرة يقولون إن خطاب الله – وهو حكمه – قديم لأنه كلام نفسي أزلي فكيف على أصلهم يكون الاختيار، وهكذا يقال في أفعاله التي تعلقت بها القدرة والإرادة تعلقاً صلوحياً أزلياً، فهل يقال على أصلهم هذا: يلزم ألا يكون فعله اختيارياً؟ فما كان جواباً لهم على كل هذا كان جواباً لنا على شبهتهم (٦). والصواب أن جميع ذلك تعلق به اختياره وإرادته فلا يكون اضطرارياً. ومع كل ما تقدم فإن الله تعالى لا يوجب عليه أحد شيئاً، وإنما الله تعالى هو الذي يوجب على نفسه بوعده الصادق وبما له من الأسماء الحسنى والمحامد العظيمة، ولا جوز إيجاب شيء أو تحريمه على الخالق بالقياس على خلقه (٧).
ثم إن بعض الأشاعرة حاول أن يقرب الشقة فذكر بأن الحسن والقبح يرادان لثلاثة معان:
الأول: صفة الكمال والنقص فيقال: العلم حسن والجهل قبيح.
الثاني: ملاءمة الغرض ومنافرته – أو بتعبير آخر:- المصلحة والمفسدة، ويختلفان بالاعتبار.
الثالث: تعلق المدح والثواب أو الذم والعقاب. قالوا: فالأولان عقليان، والثالث شرعي فقط، وهذا هو محل النزاع (٨).
والتعليق: هذا التقسيم صحيح، ولكن أن يقال: محل النزاع في الثالث فقط، فكلام يشك فيه، إذ لو كان كذلك فلم أوردوا تلك الشبهات لنفي الحسن والقبح لذات الفعل؟، فالذي يظهر أن محل النزاع هو: "هل الفعل نفسه مشتمل على صفة اقتضت حسنه وقبحه بحيث ينشأ الحسن والقبح منه، فيكون منشأ لهما أم لا؟ " (٩)، أما محل النزاع الذي ذكروه فإنه مع المعتزلة فقط. وكذلك يمن اعتبار قائل محرر النزاع تراكاً لقول القدماء الذين غلوا في نفي تحسين العقل وتقبيحه.
المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – ١/ ٣٣٩
стр. 581
المطلب الثاني: معاني الحسن والقبح، وتحرير محل النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة
يطلق الحسن والقبح على معان ثلاثة:
١ - المعنى الأول: كون الصفة صفة كمال أو نقصان كالعلم والجهل.
فيقال: العلم حسن، بمعنى أنه لمن اتصف به كمال وارتفاع شأن.
ويقال: الجهل قبيح، بمعنى أنه لمن اتصف به نقصان واتضاع حال.
٢ - المعنى الثاني: الملاءمة والمنافرة.
فالحسن على هذا ما لاءم الغرض.
والقبيح ما خالف الغرض.
وما ليس كذلك لم يكن حسنا ولا قبيحا.
وقد يعبر عن الحسن والقبح بهذا المعنى بالمصلحة والمفسدة، فيقال: الحسن ما فيه مصلحة، والقبيح ما فيه مفسدة، وما خلا عنهما لا يكون شيئا منهما.
ويختلف الحسن والقبح بهذا المعنى بالاعتبار، فليس كل منهما صفة حقيقية، وإلا لم يختلفا باختلاف الأحوال، فإن الفعل الواحد قد يكون مصلحة بالنسبة لشخص مفسدة لشخص آخر، كقتل زيد مثلا فإنه مفسدة عند أوليائه ومصلحة لأعدائه.
ولو كان صفة حقيقية ما اختلف حكم هذا الفعل بالنسبة لأعدائه وأوليائه. كما لا تختلف الصفات الحقيقية، فكون الجسم الواحد مثلا أسود وأبيض، فإنه لا يختلف بالنظر إلى شخصين.
والمعنيان الأول والثاني لا نزاع بين علماء الكلام أنهما عقليان يستقل العقل بإدراكهما.
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن القسم الأول – وهو كون الفعل صفة كمال أو نقصان – يرجع إلى القسم الثاني، ويقول في ذلك: "ومن الناس من أثبت قسما ثالثا للحسن والقبح، وادعى الاتفاق عليه، وهو كون الفعل صفة كمال أو صفة نقص، وهذا القسم لم يذكره عامة المتقدمين المتكلمين في هذه المسألة، ولكن ذكره بعض المتأخرين كالرازي، وأخذه عن الفلاسفة. والتحقيق أن هذا القسم لا يخالف الأول؛ فإن الكمال الذي يحصل للإنسان ببعض الأفعال هو يعود إلى الموافقة والمخالفة، وهو اللذة والألم، فالنفس تلتذ بما هو كمال لها، وتتألم بالنقص، فيعود الكمال والنقص إلى الملائم والمنافي (١).
٣ - والمعنى الثالث: كون الفعل يتعلق به المدح أو الذم عاجلا، والثواب والعقاب آجلا كالطاعات والمعاصي. فالحسن على هذا ما تعلق به المدح والثواب في العاجل والآجل. والقبيح ما تعلق به الذم والعقاب في العاجل والآجل، وما لا يتعلق به شيء منهما فهو خارج عن الحسن والقبيح (٢).
والحسن والقبح بهذا المعنى هو محل النزاع بين الأشاعرة ومن وافقهم، والمعتزلة ومن وافقهم:
أ- فالأشاعرة نفوا أن يكون بهذا المعنى عقليا، بمعنى أن العقل يدرك كون الفعل حسنا أو قبيحا؛ لأن الأفعال كلها سواسية ليس شيء منها في نفسه بحيث يقتضي مدح فاعله وثوابه، ولا ذمه وعقابه.
وإنما صارت أفعال المكلفين يتعلق بها المدح والثواب، أو الذم والعقاب، بوساطة أمر الشارع ونهيه؛ فما أمر به كان حسنا بمعنى: أن فاعله يمدح ويثاب على فعله، وما نهى عنه كان قبيحا بمعنى: أن فاعله يذم ويعاقب على فعله. ولو عكس الشارع الأمر فحسن ما قبحه وقبح ما حسنه كان ذلك جائزا. فالحسن والقبح على هذا شرعيان لا عقليان (٣).
ب- أما المعتزلة فقالوا: عن الفعل في نفسه، مع قطع النظر عن الشرع له، جهة محسنة تقتضي استحقاق الفاعل مدحا وثوابا.
أو جهة مقبحة تقتضي استحقاق فاعله ذما وعقابا، والعقل يمكنه إدراك الحسن والقبح في بعض الأشياء بقطع النظر عن ورود الشرع.
ولكن هل العقل عند المعتزلة حاكم مشرع للأحكام؟
نجد هنا لبعض العلماء فهمين متعارضين:
стр. 582
أحدهما: لصاحب "مسلم الثبوت"، فهو قد فهم أن الأشاعرة والمعتزلة متفقون على أن، المشرع للأحكام هو الله تعالى.
إلا أن المعتزلة قالوا: إن العقل يمكنه أن يدرك بعض الأحكام كوجوب معرفة الله قبل ورود الشرع. أما الأشاعرة فقالوا: لا يمكنه ذلك (١).
والفهم الثاني: للشريف الجرجاني:
فقد قال: "ليست الأشاعرة والمعتزلة على وفاق في أن المشرع للأحكام هو الله تعالى؛ بل الأحكام ثابتة للأفعال في أنفسها عند المعتزلة، والشرع يأتي مقررا لما أدركه العقل من تلك الأحكام، وكاشفا عما خفى على العقل إدراكه.
فالأفعال إما حسنة في أنفسها، يستحق فاعلها مدحا وثوابا، أو قبيحة في أنفسها يستحق فاعلها ذما وعقابا.
فوجوب الفعل بمعنى استحقاق فاعله للمدح والثواب صفة لازمة للفعل. وقالت الأشاعرة: المشرع للأحكام هو الله تعالى، فليس هناك حكم ثابت للفعل في نفسه، بل الذي يحكم بالوجوب أو الحرمة ونحوهما هو الشرع.
فمن قال: إن العقل يحكم بوجوب الفعل أو حرمته عند المعتزلة فقد أخطأ؛ ذلك أن العقل لا يحكم بوجوب ولا حرمة، بل الأحكام ثابتة في نفس الأمر. ومن قال: إن المشرع للأحكام هو الله تعالى باتفاق الأشاعرة والمعتزلة فقد أخطأ" (٢).
ومن هذا يتبين أن صاحب "مسلم الثبوت" ينفي عن المعتزلة أن يكون العقل عندهم هو المشرع للأحكام، بل المشرع للأحكام هو الله تعالى.
أما الشريف الجرجاني فهو كذلك ينفي عن المعتزلة أن يكون العقل هو المشرع للأحكام، بل الأحكام من وجوب وحرمة ثابتة للأفعال في نفس الأمر؛ إذ هي صفات لازمة لها. أما العقل فقد يدرك بعض تلك الأحكام قبل ورود الشرع والشروع يأتي حينئذ مقررا لما أدركه العقل وكاشفا عما لم يدركه.
المصدر: الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص ٨١
стр. 583
المطلب الثالث: ثمرة الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة في الحسن والقبح العقليين
رتب المعتزلة على القول بالحسن والقبح العقليين أن الإنسان مكلف قبل ورود الشرع بما دل عليه العقل، كوجوب شكر المنعم، ومكلف بمحاسن الأخلاق.
كما بني المعتزلة على القول بالحسن والقبح الذاتيين للفعل وجوب بعض الأمور على الله تعالى؛ لأن تركها قبيح ومخل بالحكمة، ومن ذلك وجوب الصلاح والأصلح للعباد، ووجوب اللطف والثواب للمطيع، والعقاب للعاصي، وغير ذلك.
قال الشهرستاني: "وقال أهل العدل: المعارف كلها معقولة بالعقل، واجبة بنظر العقل، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع، والحسن والقبح صفتان ذاتيتان للقبيح".
كما حكى عن أبي الهذيل العلاف قوله، أنه يجب على المكلف أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر، وإن قصر في المعرفة استوجب العقوبة. كما يجب عليه أن يعلم حسن الحسن وقبح القبيح، فيجب عليه الالتزام بالحسن كالصدق والعدل، والإعراض عن القبيح كالكذب والجور (١).
أما الأشاعرة فلا يرون وجوب شيء على المكلف، ولا حرمة شيء عليه قبل ورود الشرع؛ لأن الحسن والقبح تابعان لأمر الشارع ونهيه. كما يرون أنه لو عكس الشارع القضية فقبح ما حسنه وحسن ما قبحه جاز.
وإليك ما قاله إمام الحرمين الجويني في هذا المقام:
"العقل لا يدل على حسن شيء ولا قبحه في حكم التكليف، وإنما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع وموجب السمع.
وأصل القول في ذلك أن الشيء لا يحسن لنفسه وجنسه وصفة لازمة له، وكذلك القول فيما يقبح، وقد يحسن في الشرع ما يقبح مثله المساوي له. فإذا ثبت أن الحسن والقبح عند أهل الحق لا يرجعان إلى جنس وصفة نفس، فالمعنى بالحسن ما ورد الشرع بالثناء على فاعله، والمراد بالقبيح ما ورد الشرع بذم فاعله" (٢).
المصدر: الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص ٨٧
стр. 584
المطلب الرابع: أدلة نفاة الحسن والقبح العقليين والجواب عنها
استدل الأشاعرة على نفي الحسن والقبح العقليين بالتالي:
الدليل الأول: أن العبد مجبور على فعله، وإذا كان كذلك فلا يتصور الحسن والقبح العقليان حينئذ في فعله، لأن ما ليس بفعل اختياري لا يكون حسنا ولا قبيحا عقلا بالاتفاق من النفاة والمثبتين للحسن والقبح العقليين.
أما بيان كونه غير اختياري:
فلأنه إن لم يتمكن من الترك فذاك هو الجبر.
وإن تمكن من الفعل والترك كان الفعل جائزا.
وحينئذ إما أن يفتقر ترجيح الفعل على الترك إلى مرجح أولا؛ فإن لم يفتقر كان اتفاقيا فلا يوصف بالحسن والقبح، وإن افتقر إلى مرجح فذلك المرجح إن كان من العبد، احتاج ذلك المرجح آخر فيلزم التسلسل وهو محال. وإن كان المرجح من غير العبد، كان اضطراريا. وعلى التقارير كلها – أي امتناع الترك وكون الفعل اتفاقيا أو اضطراريا – لا يكون العبد مختارا في فعله، بل مجبور، فلا يتصف شيء من أفعاله بالحسن والقبح العقليين (١).
وقد أجيب عن هذا الدليل: بأن فيه التسوية بين الحركة الضرورية والاختيارية من العبد وعدم التفريق بينهما، وهذا باطل، لأنه مخالف لما يقضي به الواقع والحس والشرع. فهذا الدليل في مقابلة ما تقضي به الضرورة فلا يلتفت إليه.
ثم إنه لو صح الدليل المذكور لزم منه أن يكون الله تعالى غير مختار في فعله، لأن التقسيم المذكور في هذا الدليل جاز في أفعاله تعالى. وهذا كاف لبطلان هذا الدليل.
كما أنه يلزم من هذا الدليل بطلان الحسن والقبح الشرعيين، وذلك لأن فعل العبد ضروري، أو اتفاقي، وما كان كذلك فإن الشرع لا يحسنه ولا يقبحه لأنه لا يرد بالتكليف به فضلا عن أن يجعله متعلق الحسن والقبح.
ثم إنه إذا كان المرجح من الله تعالى لم يلزم من ذلك أن يكون الفعل اضطراريا؛ فإن الله يحبب للعبد الفعل، فيفعله باختياره، كما قال تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ٧].
كذلك إذا زين للعاصي عصيانه، فإن معصية العبد باختياره، فالتحبيب للطاعة والتزيين للمعاصي لم يسلبا العبد اختياره حتى يكون فعله اضطراريا. وإذا كان فعل العبد اضطراريا فإنه يلزم من ذلك بطلان الشرائع والتكاليف؛ لأن التكليف إنما يكون بالأفعال الاختيارية، إذ يستحيل أن يكلف المرتعش بحركة يده (٢).
الدليل الثاني:
لو كان قبح الكذب بالذات أو لصفة لازمة للذات لكان كلما وجد الكذب وجد القبح؛ لأن ما بالذات وما هو بواسطة أمر لازم للذات يجب أن يكون مادامت الذات واللازم باطلاً."فإن الكذب قد يحسن في بعض الأحيان كما إذا كان يترتب عليه عصمة دم نبي من ظالم، فالكذب حينئذ حسن بل واجب؛ لأنه رد للظلم بحيث لو تركه كان تركه قبيحا، وكذلك يحسن الكذب بل يجب إذا كان فيه إنجاء متوعد بالقتل ظلماً" (٣).
وقد أجيب من هذا الدليل: بأن الكذب قبيح في جميع صوره، وأما الذي يحسن فالتعريض والتورية. ومن ثمت قيل: إن في المعارض لمندوحة عن الكذب، فالكذب ليس متعينا لردع الظالم، وإذا لم يتعين كان الإتيان به قبيحا لا حسنا.
стр. 585
ويجاب أيضا: بأن تخلف القبح عن الكذب لفوات شرط أو قيام مانع لا يخرجه عن كونه قبيحا لذاته، والله سبحانه حرم الميتة للمفسدة التي في تناولها، وهي ناشئة من ذاتها، ولكن يباح تناولها للمضطر فتخلف التحريم عنها عند الضرورة لا يوجب أن تكون ذاتها غير مقتضية للمفسدة التي حرمت لأجلها، فهكذا الكذب المتضمن نجاة نبي أو مسلم. ثم إن هذا الدليل لا يرد على الجبائية القائلين بأن الحسن والقبح يرجعان إلى وجوه واعتبارات؛ إذ يكون الكذب حينئذ قبيحا باعتبار تعلقه بالمخبر عنه، لا على ما هو به، وحسنا باعتبار استلزامه لإنجاء مظلوم (١).
الدليل الثالث:
وهو الذي اعتمد عليه الآمدي في نفي الحسن والقبح العقليين وفحواه: أن حسن الفعل لو كان أمرا زائدا على ذاته، لزم قيام المعنى الذي هو الحسن بالمعنى الذي هو الفعل، وقيام العرض بالعرض باطل.
وقد أجيب عن ذلك: أن كثيرا من المعاني يوصف بالمعاني، كما يقال: علم ضروري، وعلم كسبي، وإرادة جازمة، وحركة بطيئة، وحركة سريعة، إلى غير ذلك مما لا يحصى.
ثم إنه لا يلزم من كون الحسن أمرا زائدا على ذات الشيء قيام المعنى بالمعنى، بل اللازم هو: وصف المعنى بالمعنى.
ويقوم أحد المعنيين بالآخر تبعا لقيام الآخر بالجوهر الذي هو المحل، والمعنيان جميعا قائمان بالمحل، وأحدهما تابع للآخر، وكلاهما تابع للمحل.
فلم يقم عرض بعرض، وإنما قام العرضان جميعا بالمحل، فالحركة والسرعة مثلا قائمتان بالمتحرك، والإرادة والجزم قائمان بالمريد.
فالمستحيل أن يقوم معنى بمعنى من غير أن يكون لهما حامل، فإذا كان لهما حامل، وأحدهما صفة للآخر، وكل منهما قام بالمحل، فلا استحالة في ذلك. وأيضا لو صح الدليل المذكور، لزم أن لا يوصف الفعل بالحسن والقبح شرعا؛ إذ يلزم عليه أن يقوم المعنى بالمعنى، ولا خلاص عن هذا إلا بالتزام أن يكون الحسن والقبح الشرعيان عدميين، بخلاف الحسن والقبح العقليين، ولا سبيل إلى ذلك. فقد رتب الشارع الثواب والعقاب، والمدح والذم عليهما، ترتب المقتضى على مقتضيه، والأثر على مؤثره. وما كان كذلك لم يكن عدما محضا إذ العدم المحض لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب ولا مدح ولا ذم (٢).
وهناك أدلة أخرى ضعيفة باعتراف النفاة، ولا بأس بذكر بعضها، وهو: من قال: لأكذبن غدا، وجاء الغد وكذب، فهذا الكذب: إما حسن فلا يكون الكذب قبيحا لذاته، وإما قبيح فهذا القبيح تركه حسن مع أن تركه يستلزم كذبه فيما قاله أمس، ومستلزم القبيح قبيح، فيلزم من هذا أن يكون الترك حسنا وقبيحا معا، وهو باطل.
فتعين ألا يكون قبح الكذب ذاتيا لانقلابه حسنا، وهو المطلوب.
والجواب عن ذلك هو: أنا لا نسلم أن مستلزم القبيح قبيح، فقد يكون الفعل حسنا لذاته مستلزما قبيحا، فيكون باعتبار ذاته حسنا، وباعتبار ما استلزمه قبيحا. فالكلام الواحد، باعتبار أنه مطابق للمخبر عنه حسن، ومن حيث استلزامه للقبيح الذي هو الكذب فيما قاله أمس يكون قبيحا، وإذا فهذا الدليل لا يصلح رداً على الجبائية القائلين بأن الحسن والقبح العقليين لوجوه اعتبارية تختلف بحسب الاعتبار.
وقد يجاب بالتزام قبح كلام هذا الحالف في الغد مطلقا؛ لأنه حينئذ يكون قبيحا. إما لذاته إن كان كذبا، أو لاستلزامه القبيح إن كان صدقا. ويقال: إن الكلام الصادق إنما يحسن إذا لم يستلزم القبيح (٣).
النتيجة
يظهر مما تقدم أن مذهب السلف في الحسن والقبح العقليين وسط بين مذهبي المعتزلة والأشاعرة. وبيان ذلك:
١ - أنهم وإن كانوا يوافقون المعتزلة في القول بإدراك العقل للحسن والقبح في بعض الأفعال، إلا أنهم لا يوافقونهم على وجوب الفعل وحرمته بمعنى استحقاق الفاعل الثواب والعقاب قبل ورود الشرع؛ لقوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء: ١٥]، ففارق بذلك مذهب السلف مذهب المعتزلة.
٢ - كما أنهم يوافقون الأشاعرة في أنه لا ثواب ولا عقاب إلا بعد ورود الشرع، ولكن لا يوافقونهم على أن الأفعال في أنفسها سواء، وأن لا فرق بينها في نفس الأمر، بل الشرع هو الذي يحسنها أو يقبحها، ولو عكس الشارع الأمر جاز. كل هذا لا يوافق عليه السلف بل يذهبون إلى أن الحسن والقبح ثابتان والإحسان، ومقابلة المنعم بالشكر، كما فطرهم على استقباح أضداد هذه الأفعال، وبذا فارقوا مذهب الأشاعرة، فسلم مذهب السلف من الطعن الوارد على كل من المذهبين، ووافق الصواب من كل منهما.
المصدر: الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص ١٠٠
стр. 586
المطلب الخامس: أحكام متعلقة بأفعال الله المتعدية عند الأشاعرة
هل أفعال الله كلها خير عند الأشاعرة؟:هذه المسألة ترجع عند التحقيق إلى مسألة القبيح والحسن. ولذلك قال الباجوري في شرحه لنظم الجوهرة: "قوله "الشر والخير": اعلم أنهم يعبرون عن الأول بالقبيح وعن الثاني بالحسن" (١) اهـ. والمراد من البحث هنا هو: هل يفعل الله الخير والشر؟ فالأشاعرة لا يثبتون فعلاً قائماً بذات الله، ولذلك يفسرون الفعل بالمفعول، أو أنه متعلق الإرادة عند تخصيصه بالوجود، فعلى أن الفعل هو المفعول قالوا: "إن الله يجوز عليه خلق الخير والشر" (٢)، وعلى أن الفعل متعلق الإرادة قالوا: إن الله يريد الخير ويريد الشر (٣).
والكلام معهم في مقامين: المقام الأول: إن الحكم على أفعال الله بالخير والشر متوقف على إثبات الحسن والقبح العقليين وإثبات الحكمة في أفعاله، وهم ينفون الجميع باعتبار أن الأفعال متساوية في حكم مشيئته. ولذلك كان يلزمهم ألا يصفوا أفعاله بخير ولا شر، ولما تفطن إمام الحرمين لهذا الأمر الذي لا يتفق مع أصلهم قال: "ولولا أنه شاع في ألفاظ عصبة الحق أنه خالق الخير والشر لكان سر التوحيد يوجب أن يقال: ليس في أفعال الله ﵎ خير ولا شر بالإضافة إلى حكم الألوهية، فإن الأفعال متساوية في حكمه وإنما تختلف مراتبها بالإضافة إلى العباد" اهـ (٤).المقام الثاني: فإنه يقال لهم أولاً: إنا قد أثبتنا الفرق بين الفعل والمفعول وأثبتنا أن أفعال الله كلها خير ولا شر فيها، إذ أفعال الله صفات قائمة به ولا يقوم به إلا ما هو أكمل وأحسن، وأما مفعولاته فتدخلها القسمة بمعنى أن فيها الخير، وفيها الشر الجزئي الإضافي غير المتمحض، فكان الواجب على الأشاعرة التفريق بين الفعل والمفعول ليأتوا بهذا التفصيل الحق فإذا لم يتم التفريق بين الفعل والمفعول فلن يمكنهم أن يأتوا بالتفصيل المذكور. ويقال لهم ثانياً: أما قولكم: "الله يريد الخير والشر" فقول لا يجوز إطلاقه نفياً ولا إثباتاً، لأن إرادة الله وردت في كتاب الله بمعنيين، إرادة بمعنى المشيئة وهي تستلزم وقوع المراد ولا تستلزم محبته، والثانية إرادة بمعنى المحبة والرضا، وهي لا تستلزم وقوع المراد وتستلزم محبته فمن الأول قول الله تعالى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً [الإسراء: ١٦] وقوله: وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ [الأنعام: ١٢٥] ومن الثاني قوله: وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء: ٢٧]، وعلى هذا فالقسمة العقلية للإرادتين ثلاثية؛ فإن الله قد يريد الشيء كوناً ويحبه كإيمان من قدر الله إيمانه – كأبي بكر ﵁ مثلاً – فقد أراد الله منه الإيمان كوناً وشرعاً. وقد يريد الله الشيء كوناً ولا يحبه، ككفر من قدر الله كفره – كأبي جهل مثلاً – فقد أراد الله قدراً أن يكفر والله لا يريد منه الكفر شرعاً – أي لا يحبه -. وقد يريد الله عدم كون الشيء ولكنه يحبه، كإيمان من قدر الله كفره، فأبو جهل قدر الله عليه الكفر وأراد وقوعه منه ولم يرد منه الإيمان قدراً، والله يحب الإيمان، وزاد بعضهم قسماً رابعاً: وهو أنه قد يريد الله عدم كون الشيء ولا يحبه، ككفر من قدر الله إيمانه. فعلم من هذا التفصيل الفرق بين الإرادتين وما تستلزمه كل واحدة، وعليه فلو أطلق الكلام فقيل: الله مريد للشر لأوهم أنه محب له راض به، ولو أطلق فقيل: الله غير مريد للشر لأوهم أنه لم يخلقه ولم يرده كوناً، فبطل الإطلاق ولزم التفصيل (٥).
هذا وقد نص الأشاعرة على أنه وإن جاز إسناد الكائنات إليه إجمالاً إلا أنه قد لا يجوز إسنادها إليه تفصيلاً، وذلك لأحد أمرين: الأول/ لمراعاة الأدب، فإنه "يصح أن يقال: الله خالق كل شيء ولا يصح أن يقال: إنه خالق القاذورات وخالق القردة والخنازير" (٦)، وليتهم سلكوا هذه الطريقة في التنزيه في صفات الله كذلك، إذ سكوا في التنزيه طريقة التفصيل مع ذكرهم لعبارات مجملة فيما نزهوا الله عنه. الثاني/ أو لإيهامه الكفر كأن "يقال: له الزوجات والأولاد" مع أنه يصح أن "يقال: له كل ما في السموات والأرض" (٧).
وهذه الأمور التي ذكرها لاعتبار مراعاة الأدب مع الله تعالى صحيحة، ولكن ينبغي أن يجوز ما معناه في الأول إذا اقتضى الأمر التنصيص، كأن يقول شخص منكر: لم يخلق الله القردة والخنازير – مثلاً – فيجاب: إنه خالقها والله أعلم.
المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – ١/ ٣٢٥
стр. 587
المطلب السادس: هل يجب على الله تعالى شيء ؟
أن المعتزلة بناء منهم على القول بالحسن والقبح العقليين، أوجبوا على الله تعالى أمورا، كالصلاح واللطف.
وأن الأشاعرة والسلف والماتريدية منعوا أن تكون واجبة عليه.
معنى الوجوب
تستعمل كلمة "وجب" في اللغة بمعنى سقط، والواجب بمعنى الساقط، ومنه قوله تعالى: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا [الحج: ٣٦] أي سقطت على الأرض.
كما تستعمل بمعنى لزم. قال في القاموس:"وجب يجب وجوبا وجبة لزم، ثم قال: واستوجبه استحقه، والوجيبة الوظيفة، ووجب يجب وجيبة سقط" (١).
ويطلق واجب الوجود على الله تعالى. ونلاحظ أن معاني الوجوب المذكورة تدور حول اللزوم، أي أن الواجب هو اللازم؛ لأن الدابة إذا سقطت مذبوحة فإنها تلزم الأرض.
وكذلك الوجيبة بمعنى الوظيفة فيها معنى اللزوم. أما استوجبه بمعنى استحقه فظاهر فيه معنى اللزوم، أي لزم له هذا الحق، وتعين أداؤه له.
إذا فالوجوب بمعنى اللزوم، والواجب هو اللازم.
المراد بالوجوب في حق الله:
فإذا قيل: يجب على الله تعالى شيء فإما أن يراد بالواجب:
أولا: ما يستحق تاركه الذم.
ثانيا: أو ما يكون تركه مخلا بالحكمة؛ فيكون لازما لاقتضاء الحكمة إياه.
ثالثا: أو هو عبارة عما قدر الله تعالى على نفسه أن يفعله ولا يتركه، وإن كان تركه جائزا.
والتعريف: الأول والثاني ينسبان للمعتزلة، والتعريف الثالث اختيار بعض المتكلمين. هذا ما ذكره الجلال الدواني في معاني الواجب (٢). أما الآمدي فقد ذكر معاني الواجب، فقال:
"ثم إن الواجب قد يطلق على الساقط ...
وقد يطلق على ما يلحق بتاركه ضرر ... وقد يطلق على ما يلزم من فرض عدمه المحال" (٣).والمقصود بما يلزم من فرض عدمه المحال: هو ما علم الله وقوعه فيقال وقوعه واجب، بمعنى أنه إن لم يقع يؤدي إلى أن ينقلب العلم جهلا، وذلك محال فيكون معنى وجوبه أن ضده محال (٤).
رأي الأشاعرة في مسألة الوجوب في حق الله:
ذهبت الأشاعرة إلى أن الله تعالى لا يجب عليه شيء؛ لأنه المالك على الإطلاق، وله التصرف في ملكه كيف يشاء. وإليك ما قاله الجلال الدواني في إبطال معاني الوجوب الثلاثة في حقه تعالى:
"والأول باطل؛ لأنه تعالى المالك على الإطلاق، وله التصرف في ملكه كيف يشاء، فلا يتوجه إليه الذم أصلا على ترك فعل من الأفعال، بل هو المحمود في كل أفعاله.
وكذا الثاني؛ لأنا نعلم إجمالا: أن جميع أفعاله تتضمن الحكم والمصالح، ولا يحيط علمنا بحكمته ومصلحته، على أن التزام رعاية الحكمة والمصلحة مما لا يجب عليه تعالى لايسأل عما يفعل وهم يسألون. وكذا الثالث؛ لأنه إن قيل بامتناع صدور خلافة عنه تعالى، فهو ينافي ما صرح به في تعريفه من جواز الترك، وإن لم يقل به فات معنى الوجوب، وحينئذ يكون محصله أن الله تعالى لا يتركه على طريق جري العادة، وذلك ليس من الوجوب في شيء بل يكون إطلاق الوجوب عليه مجرد اصطلاح" (٥).
وبهذا نرى أن الأشاعرة يمنعون وجوب شيء في حقه تعالى عقلا؛ لأنه المالك المتصرف على الإطلاق.
رأي المعتزلة:
أما المعتزلة فقد ذهبوا إلى القول بوجوب بعض الأفعال على الله، وعدوا ذلك من أمور العدل.
стр. 588
ويقول القاضي عبدالجبار في ذلك:"وأما علوم العدل؛ فهو أن يعلم أن أفعال الله تعالى كلها حسنة، وأنه لا يفعل القبيح، ولا يخل بما هو واجب عليه، وأنه لا يكذب في خبره، ولا يجور في حكمه" (١).
فهم يرون وجوب ما حكم العقل بحسنه على الله تعالى، بمعنى أن تركه نقص يتنزه الله عنه.
وقال متأخرو المعتزلة: إن معنى الوجوب على الله تعالى: "إنه يفعله البتة ولا يتركه، وإن جاز أن يتركه"، فليس كل من الفعل والترك لازما لذاته بحيث يستحيل الطرف الآخر.
وأجيب عن هذا القول من قبل الأشاعرة:"بأن الوجوب على هذا مجرد تسمية؛ إذ يكون محصله: أن الله تعالى لا يتركه على سبيل جري العادة، وذلك ليس من الوجوب في شيء، بل إطلاق الوجوب عليه مجرد اصطلاح" (٢).
وقال صاحب المسايرة في بيان مراد المعتزلة بالواجب على الله:"واعلم أنهم يريدون بالواجب ما يثبت بتركه نقص بسبب ترك مقتضى قيام الداعي، وهو هنا كمال القدرة والغني مع انتفاء الصارف فترك المذكورة – أي ترك رعاية الأصلح للعباد – مع ذلك بخل يجيب تنزيهه عنه فيجب، أي لا يمكن أن يقع غيره لتعاليه عما لا يليق" (٣).
الرأي الراجح:
لقد سلك كل من المعتزلة والأشاعرة في مسألة الوجوب على الله طريقين كلاهما خطأ، ولم يوفقوا لطريق الحق الذي هو الطريق الوسط، والذي دل عليه الكتاب والسنة، وتوضيح ذلك:
١ - أن المعتزلة أفرطوا في تمجيد العقل، حتى أوجبوا بمقتضاه على الله تعالى أمورا وحرموا عليه أمورا أخرى، ووضعوا لله شريعة التعديل والتجوير، فهم بذلك شبهوا الخالق بالمخلوق.
٢ - أما الأشاعرة فقد أخطأوا في إطلاقهم القول بنفي الوجوب في حقه تعالى؛ فلم ينزهوه عن فعل شيء، بناءً منهم على نفي التحسين والتقبيح العقليين. وقالوا: إن الوجوب لا يتصور في حقه؛ لأنه المالك المتصرف ولا يسأل عما يفعل، ونسوا أنه لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته.
٣ - وهنا يأتي دور الفريق الوسط، الذين منعوا أن يوجب العقل على الله تعالى شيئا، ولكن لم يمنعوا أن يوجب الله على نفسه بعض الأمور التي يقتضيها كماله، والتي أخبر أنه أوجبها على نفسه، كما قال تعالى: وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤].وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ((إن الله لما قضى الخلق كتب على نفسه كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش أن رحمتي تغلب غضبي)) (٤).
هذا، ولا يلزم من كونه تعالى أوجب على نفسه بعض الأمور أن يكون فاعلا بالإيجاب، أي لا اختيار له؛ لأنه سبحانه أوجبه على نفسه باختياره، فإذا شاء الحسن واختاره لم يكن ذلك نافيا للاختيار، فاختياره وإرادته اقتضت التعلق بما كان حسنا، على وجه اللزوم، فكيف لا يكون مختارا!
ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – موقف السلف في مسألة الوجوب على الله، حيث يقول:
"وأما الإيجاب عليه ، والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية – أي المعتزلة – وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول. وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئا. ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب قال: إنه كتب على نفسه الرحمة، وحرم الظلم على نفسه، لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئا كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير فهو الخالق لهم وهو المرسل إليهم الرسل، وهو الميسر لهم الإيمان والعمل الصالح" (٥).
المصدر: الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص ١٠٦
стр. 589
المطلب السابع: معنى الظلم
القول في معنى الظلم مبني على مسألة التحسين والتقبيح، وقد وقع الخلاف في معنى الظلم على ثلاثة أقوال:
١ - قول الجهمية والأشاعرة، وهؤلاء قالوا في تعريف الظلم: إما أنه التصرف في ملك الغير، أو أنه مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، وهؤلاء يقولون: الظلم بالنسبة لله غير ممكن الوجود، بل كل ممكن إذا قدر وجوده فإنه عدل، والظلم منه ممتنع غير مقدور، وهو محال لذاته كالجمع بين الضدين، وكون الشيء موجودا معدوما.
وهؤلاء يقولون لو عذب الله المطيعين ونعم العاصين لم يكن ظالما، لأن الظلم عندهم إنما هو التصرف في ملك الغير، والله تعالى مالك الملك، فأي فعل فعله ولو كان تعذيب أنبيائه وملائكته وأهل طاعته، وتكريم أعدائه من الكفار والشياطين لم يكن ظالما، لأنه لم يتصرف إلا في ملكه، وكذلك فليس هناك آمر فوقه حتى يخالفه. وهذا قول جمهور الأشاعرة، وهو قول كثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، كالقاضي أبي يعلى، وأتباعه، وأبي المعالي الجويني وأتباعه، وأبي الوليد الباجي وأتباعه وغيرهم (١).
стр. 590
٢ - قول المعتزلة، وهؤلاء يقولون: إن الظلم مقدور لله تعالى، ولكنه منزه عنه، وهذا حق، ولكنهم يجعلون الظلم الذي حرمه الله وتنزه عنه نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض، وشبهوه في الأفعال ما يحسن منها وما لا يحسن بعباده، فضربوا له من أنفسهم الأمثال، ولذلك فهم يسمون مشبهة الأفعال. وبناء على هذا قالوا: "إذا أمر العبد ولم يعنه بجميع ما يقدر عليه من وجوه الإعانة كان ظالما له، والتزموا أنه لا يقدر أنه يهدي ضالا كما قالوا: إنه لا يقدر أن يضل مهتديا، وقالوا عن هذا: إذا أمر اثنين بأمر واحد، وخص أحدهما بإعانته على فعل المأمور كان ظالما إلى أمثال ذلك من الأمور التي هي من باب الفضل والإحسان، جعلوا تركه لها ظلما، وكذلك ظنوا أن التعذيب لمن كان فعله مقدرا ظلم له، ولم يفرقوا بين التعذيب لمن قام به سبب استحقاق ذلك ومن لم يقم" (١).فالله عند المعتزلة عدل لا يظلم لأنه لم يرد وجود شيء من الذنوب، لا الكفر ولا الفسوق ولا العصيان، بل العباد يفعلون ذلك بغير مشيئته، والله لم يخلق شيئا من أفعال العباد لا خيرا ولا شرا، لأنه لو كان خالقا لها ثم عاقب العاصين لكان ظالما لهم (٢).٣ - قول أهل السنة، قالوا: الظلم وضع الشيء في غير موضعه وهذا معناه في اللغة، يقال: من أشبه أباه فما ظلم، ومن استرعى الذئب فقد ظلم (٣)، وعلى هذا المعنى بنى أهل السنة تعريفهم للظلم الذي نزه الله نفسه عنه فقالوا: إن الله تعالى حكم عدل يضع الأشياء مواضعها، فلا يضع شيئا إلا في موضعه الذي يناسبه، ولا يفرق بين متماثلين، ولا يسوي بين مختلفين (٤).وعلى هذا فالظلم الذي حرمه الله على نفسه، وتنزه عنه فعلا وإرادة هو ما فسره به سلف الأمة وأئمتها أنه لا يحمل المرء سيئات غيره، ولا يعذب بما لم تكسب يداه، وأنه لا ينقص من حسناته فلا يجازي بها أو ببعضها، وهذا هو الظلم الذي نفى الله خوفه عن العبد بقوله: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢]، قال المفسرون لا يخاف أن يحمل عليه من سيئات غيره ولا ينقص من حسناته، وقيل: يظلم بأن يؤاخذ بما لم يعمل (٥).والله تعالى قادر على الظلم، ولكنه تعالى نزه نفسه عنه، وحرمه على نفسه، كما ورد في ذلك الأدلة الكثيرة، وأشهرها حديث أبي ذر: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا)) (٦). وغيره.
стр. 591
ويلاحظ أن الأشاعرة جاء تفسيرهم للظلم مواكبا لمذهبهم في القدر، فهم لميلهم إلى مذهب الجبرية، إذا قيل لهم إن قولكم بأن للعبد قدرة غير مؤثرة، نتيجته الجبر، فكيف يعذب الله العباد على ما جبرهم عليه، هذا ظلم، قالوا ليس هذا ظلما لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير أو مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، وهذا منتف بالنسبة لله. ولا شك أن هذا التفسير للظلم مخالف للمعروف من لغة العرب، ولما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة التي ورد فيها هذا اللفظ، كما أن قولهم بأن الظلم ممتنع عليه ليس فيه مدح ولا كمال، وإنما المدح والكمال أن يقال: إن الله سبحانه منزه عنه، لا يفعله لعدله، والمدح إنما يكون بترك المقدور عليه، لا بترك الممتنع (١).
تكليف ما لا يطاق:
الطاقة هي الاستطاعة، والخلاف بين الطوائف قائم حول تحديد المقصود بما لا يطاق، هل هو الممتنع عادة، أم المستحيل كالجمع بين الضدين، أو هو كتكليف الكافر وهو لا يؤمن.
وشيخ الإسلام بين أن هذا الخلاف ناتج عن عدم التفريق بين أمرين متعلقين بالنزاع في هذه المسألة:
١ - ما يرجع إلى الفعل المأمور به، وهذا فيما يتعلق بالقضاء والقدر.
٢ - وما يرجع إلى جواز الأمر الشيء، وهذا فيما يتعلق بمسائل الأمر والنهي. والذين خلطوا بين هذين القسمين وقعوا في المحذور، مثل قياس بعضهم أمر الله الكافر بالإيمان مع علمه تعالى أنه لا يفعل، بمسألة العاجز الذي لو أراد الفعل لم يقدر عليه، وجعلهم القسمين قسما واحداً وأنه تكليف بمالا يطاق. فهذا جمع مخالف لما يعلم بالاضطرار من الفرق بينهما، وهو من مثارات الأهواء بين القدرية والجبرية (٢).ولذا يرى شيخ الإسلام أن إطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من البدع الحادثة في الإسلام (٣).
وقد وقع الخلاف في تكليف ما لا يطاق على أقوال:١ - جواز تكليف ما لا يطاق مطلقا، ومنه تكليف الأعمى البصر، والزمن أن يسير إلى مكة. وهذا قول جهم بين صفوان (٤).٢ - عدم جواز تكليف ما لا يطاق، وقد منعوه لقبحه عقلا، وهذا مبني على مذهبهم في أن القدرة تكون قبل الفعل فقط، حتى يتحقق التكليف، ومن ثم يترتب عليه الثواب والعقاب، ولذلك منعوا أن تكون القدرة مقارنة لمقدورها، لأن معنى ذلك أن يكون تكليف الكافر بالإيمان تكليفا بما لا يطاق؛ إذ لو أطاقه لوقع منه، فلما لم يقع منه دل على أنه غير قادر عليه، وتكليف ما لا يطاق قبيح، والله لا يفعل القبيح، وهذا قول المعتزلة ومن وافقهم (٥).
стр. 592
٣ - أن تكليف ما لا يطاق جائز، وهذا مذهب الأشاعرة، وبنوا ذلك على ما في مذهبهم من أنه لا يجب على الله شيء ولا يقبح منه شيء. لكن الأشاعرة يقولون، إن ما لا يطاق أقسام: أ- أن يمتنع الفعل لعلم الله بعدم وقوعه، كتكليف الكافر الإيمان في حالة كفره، وهذا جائز عند جميع الأشاعرة، وهذا النوع هو ما لا يستطيعه المكلف لاشتغاله بضده فقط وهو الذي منعه المعتزلة (١).ب- أن يمتنع الفعل لنفسه، بكونه محالا كالجمع بين الضدين، وهذا اختلف فيه الأشاعرة، منهم من أجازه كالرازي ومنهم من منعه (٢).ج- ألا تتعلق به القدرة الحادثة عادة، كحمل الجبل، والطيران، فهذا يجوزه بعض الأشاعرة وإن لم يقع من خلال الاستقراء، وبعض المجوزين يحتج لذلك بتكليف أبي لهب الإيمان مع ورود الخبر أنه لا يؤمن (٣).
٤ - مذهب السلف، التفصيل، وذلك أن يقال: تكليف مالا يطاق على وجهين:
أحدهما: ما لا يقدر على فعله لاستحالته، وهو نوعان:
أ- ما هو ممتنع عادة كالمشي على الوجه والطيران، وكالمقعد الذي لا يقدر على القيام، والأخرس الذي لا يقدر على الكلام.
ب- وما هو ممتنع في نفسه كالجمع بين الضدين، وجعل المحدث قديما، والقديم محدثا، ونحو ذلك. فهذان النوعان قد اتفق حملة الشريعة على أن مثل هذا ليس بواقع، وأنه لا يجوز تكليفه (٤).والثاني: ما لا يقدر عليه لا لاستحالته، ولا للعجز عنه، لكن لتركه والاشتغال بضده، مثل تكليف الكافر الإيمان في حال كفره، فهذا جائز خلافا للمعتزلة، لأنه من التكليف الذي اتفق المسلمون على وقوعه في الشريعة. ولكن إطلاق تكليف ما لا يطاق على هذا مما منعه جمهور أهل العلم، وإن كان بعض المنتسبين إلى السنة قد أطلقه في ردهم على القدرية (٥).بقي الكلام في ما احتج به بعض الأشاعرة من جواز تكليف الممتنع عادة، بقصة أبي لهب (٦)، فشيخ الإسلام يرى أن هذا خطأ، لأن من أخبر الله أنه لا يؤمن وأنه يصلى النار، بعد دعاء النبي ﷺ له إلى الإيمان، فهذا قد حقت عليه كلمة العذاب، فهو كالذي يعاين الملائكة وقت الموت، فلم يبق هذا مخاطبا من جهة الرسول بالأمرين المتناقضين. وهو أيضا كقوم نوح حين أخبر الله نوحا – ﵇ – أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، فلم يكن بعد هذا يأمرهم بالإيمان بهذا الخطاب (٧)."بل إذا قدر أنه أخبر بصليه النار المستلزم لموته على الكفر وأنه سمع هذا الخطاب، ففي هذا الحال انقطع تكليفه، ولم ينفعه إيمانه حينئذ، كإيمان من يؤمن بعد معاينة العذاب، قال تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر: ٨٥] (٨).فأبو لهب قد حقت عليه كلمة العذاب، فلا ينفعه الإيمان (٩).وهكذا فالقول الراجح هو التفصيل فيها. ومن ذلك يتبين خطأ المعتزلة والجهمية وبعض الأشاعرة. علما أن من الأشاعرة من ذكر القول الحق بتفصيله في هذه المسألة (١٠).
هذه أهم المسائل المتعلقة بالقدر، وهي إن كانت مسائل فرعية إلا أنها ذات صلة قوية بموضوع القدر، أو هي جزء منه، ولاشك أن الأشاعرة لم يسلكوا فيها المسلك الصحيح الذي هو مسلك السلف – ﵏ – ولذلك جاء مذهبهم في القدر وفي أفعال العباد، منحرفا عن المذهب الحق.
المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – ٣/ ١٣٢٣
стр. 593
المطلب الأول: عقيدة العادة عند الأشاعرة
هذا الموضوع يتناول قضية من أهم القضايا المتصلة بالفلسفة الطبيعية والعقدية على السواء لدى مدرسة ذاع صيتها ألا وهي مدرسة الأشعري ﵀ وهذه القضية أسماها الأشاعرة (بالعادة) وهي تعني أنه لا شيء يؤثر في شيء ولا علة تؤثر في معلولها فالنار مثلاً ليس لها أثر في الإحراق، وما يراه الناس من إحراق إنما هو عادة وإلف فقط وليس ناشئًا عن علة في النار والله الخالق له بإطراد كلما التقت النار مع ما تحرقه دون أن يكون للنار أثر يُذكر وهكذا لا حقيقة لطبائع الأشياء وحكموا على أنها فارغة من القوى ومن ثم التأثير في غيرها أو التأثير بقدرة الله-سبحانه- باعتبارها وسائط وهذا معناه أيضًا إنكار لعلاقة الأسباب بمسبباتها وأن التلاقي بينهما ما هو إلا عادة فليس هناك أي علاقة ترابطية إلا ما يشاهده الإنسان بعينه والمشاهدة ليست حجة. بمعنى: أن اطراد الموجودات وتسلسلها ليس قائمًا على الترابط (العليِّ) بل إن العادة وجريانها هما السبيل في إحساسنا بالتعاقب بين ما يقال أنه سبب وما يقال أنه مسبب، وإن وجود أحدهما في الذهن يلزمه -بالتداعي - وجود الآخر دون أن يكون هناك في الواقع رابطة (عليه) حقيقة والذي دفع الأشاعرة إلى هذا القول، مجادلتهم للطبائعيين الذين ينسبون للطبيعة كل التأثير والاستقلال بالفعل فردوا عليهم هذا الاعتقاد بأن نزعوا من الطبائع صفة الفاعلية وغلوا حتى صادروا ما للطبائع من صفات جوهرية بها تتمايز وتتغاير كالفرق بين الخد والبصر، مع أن القول بأنها لا تفعل استقلالاً وإنما بإذن الله وهو القول الذي كان يجب أن يتوقفوا عنده دون الذهاب إلى آخر الشوط وإنكار حقائق الأشياء الأساسية مما أفسد عليهم طرقهم في إثبات التوحيد.
أهمية الموضوع
تكمن أهميته في بيان خطأ هذا الاجتهاد الحاصل بسبب ردود الفعل، وكان الأولى أن يبطل الأشاعرة حجج الطبائعيين القائلين باستقلال الطبيعة في إيجاد الأشياء دون الانسياق وراءهم وإبطال العلل والأسباب والقوى التي أودعها الله في هذه الطبائع ولا تعمل إلا بإذن الله، بمعنى عدم مجاوزة آيات القرآن الحكيم إلى آفاق بعيدة قد يثبت العلم التجريبي والمشاهدة بطلانها، وهذا ما حصل. والمهم هنا ألا نلوي أعناق آيات القرآن، وأن نركب الذلول والصعب في ذلك، لنوافق مذهبًا بعينه، أو فكرة ما تركزت في ذهن صاحبها، ويريد أن يوجد لها أساسًا شرعيًا في كتاب الله وقد رأينا هذا المنهج لدى بعض الذين أغراهم الفكر الوارد في بعض مظاهره، فحاولوا عقد صلة بينه وبين النصوص الدينية فجاء عملهم هذا بعيدًا عن روح النص المقدس كما رأينا له مظهرًا آخر لدى أصحاب العقائد الباطنية المنحرفة.
وتكمن الأهمية في خطأ المسارعة بالحكم على كل من خالف في جانب من جوانب الفكر القابل للاجتهاد بالكفر والضلال وما شاكل ذلك، بل لا بد من المناقشة الموضوعية، والحوار الهادف، للوصول إلى غاية الهدف.
ومن الأهمية بيان أنه (من أنكر وجود المسببات مرتبة على الأسباب في الأمور الصناعية أو لم يدركها فهمه، فليس عنده علم بالصناعة ولا بالصانع كذلك في جحد وجود ترتيب المسببات على الأسباب في هذا العالم، فقد جحد الصانع الحكيم تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا وأبطل الحكمة وأبطل العلم، وذلك أن العلم هو معرفة الأشياء بأسبابها، والحكمة هي معرفة بالأسباب الغائبة) ولهذا عبر الدكتور أبو العلا عفيفي عن قانون السببية بأنه عقيدة وعبر غيره ممن خالف قانون السببية وقال بالعادة بعقيدة العادة في مواجهة عقيدة (قانون السببية).
مفهوم العادة عند الأشاعرة
стр. 594
ليس هناك تلازم ضروري بين الأسباب والمسببات أو العلة والمعلول، يقول الغزالي: (الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببًا، وبين ما يعتقد مسببًا، ليس ضروريًا عندنا) بل ليس هناك علاقة تسببية بين السبب والنتيجة (بل كل شيئين ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمنًا لإثبات الآخر ولا نفيه متضمنًا لنفي الآخر).
وإذا احتج عليهم إنسان بأنه يرى دائمًا الاحتراق يعقب النار، والإسكار يعقب الخمر، تعللوا في ذلك بأنه لا يرجع إلى تلازم بين الأسباب الطبيعية، وإنما هو نتيجة الاعتياد من رؤيتهما معًا وفي ذلك يقول الباقلاني: (إن ما هو مشاهد في الحس لا يوجد ضرورة ولا وجوبًا وإنما هو يجري مجرى العادة، بمعنى وجوده وتكراره على طريقة واحدة)، ثم يأتي بعده الغزالي ويتوسع في إرجاع التلازم بين الأسباب الطبيعية ومسبباتها إلى حكم العادة ويرى أن (اللازمات .. يجوز أن تنفك عن الاقتران بما هو لازم لها، بل لزومه لحكم العادة).
وقال البغدادي: ( .. وأجازوا ـ أي الأشاعرة أن يجمع الإنسان بين النار والقطن والحلفاء فلا تحرقها على نقض العادة .. ) فليس لأية ظاهرة طبيعية فعل خاص يصدر عنها فليس في الخمر إسكار مثلاً وأنه لا مقوم داخلي لأي جسم يجعل منه فاعلاً إذ أن الأجسام منفصلة إلى أجزاء فهي جواهر فردة لا يربط بينها إلا بالقدرة الإلهية والسبب في الحقيقة لا أثر لها البتة بدليل إمكان انفكاك المسببات عن أسبابها ولكن اعتاد الناس وألفوا هذا الاقتران بينهما فحكموا بالضرورة وليس لديهم من حجة إلا المشاهدة يقول الغزالي (فإن اقترانها بما سبق من تقدير الله ـ سبحانه، يخلقها على التساوق لا لكونه ضروريًا في نفسه .. بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون جز الرقبة، وإدامة الحياة مع جز الرقبة) وإن كان الناس لم يألفوا هذه الأمور أو ألفوا بعضها، ولم يألفوا جز الرقبة مع بقاء الحياة (فأما النار وهي جماد، فلا فعل لها، فما الدليل على أنها الفاعل، وليس لهم دليل إلا مشاهدة حصول الاحتراق) فهي العادة لا أكثر وإلا فلا شيء يفعل في شيء.
стр. 595
ويشرح الدكتور البوطي عقيدة العادة عند الأشاعرة بالانقضاض على علاقة الأسباب بمسبباتها فيقول: (وإذًا فما معنى كون هذه الأمور أسبابًا؟ .. إن معنى ذلك محصور في أن الله ربط بينهما وبين أمور أخرى بمحض إرادته وقدرته فقط، فظهر استمرار هذا الارتباط أمامنا بمظهر السببية والتأثير فاستعرنا له كلا من هاتين الكلمتين على سبيل المجاز) وهذا معناه أنه لا يوجد سبب حقيقي ولا علة حقيقية لها تأثير في مسببها ومعلولها، ونفي السببية والعلية سمة واضحة في المذهب الأشعري بل يذهب البغدادي إلى القول بأن أهل السنة أجمعوا على أنه لا أثر البتة للطبائع (وضللوا من قال باختلاف الأجسام لاختلاف الطبائع) حتى بلغ الأمر بالأشاعرة تحقيقًا لعقيدة العادة، وردًا للسببية أن منعوا أن يقال للشيء احترق بالنار وإنما احترق عندها يقول الغزالي: (فقد تبين أن الوجود عند الشيء، لا يدل على أنه موجود به) فالأدلة الحسية المشاهدة لا تكفي عندهم في إثبات باء السببية وهكذا تم التعامل مع آيات الذكر الحكيم الواردة بباء السببية كما سيأتي. وكذلك الآيات التي رتبت النتائج على الأسباب. بل التجارب العلمية والأدلة العقلية لا تستقيم كأدلة عند الأشاعرة في رد عقيدة العادة ولهذا يقول الغزالي في معرض رده على المخالفين: (فما الدليل على أنها الفاعل؟ وليس لهم دليل، إلا مشاهدة حصول الاحتراق منذ ملاقاة النار والمشاهدة تدل على الحصول عندها، ولا تدل على الحصول بها .. ) وكذلك التجارب العلمية لا تنهض كدليل على إثبات السببية يقول مصطفى صبري: (ولا تقل أيها القارئ أن التردد في كون علة الاحتراق الفاعلية هي النار بعد مشاهدة النار مع كل حادثات الاحتراق، مكابرة ظاهرة، لأني أقول: على أي دليل قطعي الدلالة ينبني حكمك هذا؟ فإن بنيته على التجربة المشاهدة فالتجربة لا تشاهد العلية لأن العلية أمر معنوي لا يرى، وإنما مدلول التجارب ومشهودها
كون النار مجتمعة مع حادثة الاحتراق والجسم المحترق ودائرة حيثما دار، وإن بنيته على الدليل المنطقي فالمنطق لا يعترف بدلالة دوران شيء مع شيء ودوام اقترانه به على كون صلة أحدهما بالآخر صلة العلة بمعلولها) أي لا بالمشاهدة ولا بالعقل ويزيد البوطي هذا الكلام وضوحًا حيثما يقول: (والعلم لا شأن له في الأشياء إلا أنه يصفها على ما هي عليه في أدق مظاهرها، ثم يمارس هذا الوصف بالتجربة في مجالات متكررة وهيهات أن يتوصل العلم إلى أن مقارنة الأسباب بمسبباتها أمر حتمي لا مناص من تلازمها ولا حيلة لانفكاكها) وهكذا فإن الأشاعرة ينفون أن يكون هناك دليل من المشاهدة والعلم أو المنطق على ضرورة التسبب أو أن هذه الأدلة لا تنهض على أن تكون لضرورة التلازم بين الأسباب والمسببات وهذا يعني انتقاء نوع الأدلة كلية في إثبات العلاقة بين الأسباب الطبيعية وهم بهذا يغلقون باب البحث عن دليل حسي أو عقلي أو علمي.
المصدر: عقيدة العادة عند الأشاعرة لجابر السميري – ص ٨
دوافع القول بعقيدة العادة
стр. 596
أولاً: يقول الشهرستاني: (صار أبو الحسن الاشعري - رحمه الله تعالى- إلى أن أخص وصف للإله هو القدرة على الاختراع، فلا يشاركه فيها غيره، ومن أثبت فيه شركه فقد أثبت إلهين) ولهذا أراد الأشاعرة أن يحافظوا على أخص وصف لله تعالى فلا ينسبوا لغيره صفة القادرية ولا الفاعلية ولا الإحداث لأن كل ذلك لا يليق إلا بالله ـ سبحانه ـ ولهذا يسوي الإمام أبو الحسن الأشعري بين هذه الألفاظ في المعنى، فالخلق، والفعل، والإحداث، والاختراع كلها بمعنى واحد وهي لا تليق إلا بالله وإذا أطلقت على الإنسان فإنه لا يراد بها إلا معنى الكسب لا حقيقة الفعل فهو يقول: (لا قادر عليه ـ أي على الفعل ـ أن يكون ما هو عليه من حقيقة أن يخترعه إلا الله) بمعنى لا أثر لقدرة الإنسان في فعله إلا الاكتساب ولهذا ذهب الأشاعرة إلى أن (القدرة الحادثة على رأينا، فإنها لا تؤثر، وليست مبدأ لأثر) إذن لا شغل لقدرة العبد إلا الاقتران أما أن يؤثر فلا (وعندنا لا فرق إلا ما يعود إلى جريان العادة) هذا المبدأ الذي اهتم به الأشاعرة ـ وهو لا فاعلية ولا خالقية ولا إحداث ولا اختراع ـ كان الأساس في القول بعقيدة العادة وأنه لا أثر لشيء في شيء البتة وإلا ثبت الشرك فالعادة هي الكسب وكلاهما معناه اقتران شيء بشيء ويستدل الأشاعرة على ذلك بكثير من الآيات القرآنية، وأن الله أسند لنفسه الخلق فقال: (ذالكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه) فاستحق العباد لاستحقاقه الخلق.
ويلاحظ ابن رشد أن من جملة الدوافع التي دفعت الأشاعرة إلى القول بالتجويز: (الهروب من القول بفعل القوى الطبيعية، والخوف من أن يدخل عليهم في القول بالأسباب الطبيعية أن يكون العالم صادرًا عن سبب طبيعي).
ولا شك فإن الأشاعرة ردوا على الطبائعيين اعتقادهم بأن الطبيعة خالقة أو أن لها أثرًا في الأشياء بل الخالق الفاعل المحدث هو الله سبحانه يقول البوطي: (الواقع أن هذا القول لا يعتمد إلا على وهم مجرد، ذلك لأن الطبيعة لا تعطيك من واقعها إلا هذا الاقتران وهو بحد ذاته ليس أكثر من الاقتران مهما كان ثابتًا ومستمرًا). فلا شيء له أثر في شيء من نفسه بل ما يراه الناس إنما هو اقتران وانسجام.
ويقول آخر: ( .. ولا يقول لشيء من الأشياء في الكائنات بخاصة ناشئة من ذاته غير قابلة للانفكاك عنه إلا طبيعي منكر للإله بالمرة) وهذا يعني القول بعدم تأثير الطبائع أو السبب أو إلغاء عملها في الوجود. فلا سببية ولا طبيعية. ويقول الأشاعرة (إن الكائنات بأجمعها مستندة إلى الله من غير واسطة) أي لا مكانة لواسطة الأسباب والمسببات في خلق أو تأثير (فالاعتراف مثلاً بأن الشمس تعطي الحركة والحياة للأشياء يكون شركًا).
ثانيًا: رتب الأشاعرة على القول بعقيدة العادة ثبوت المعجزات الخارقة للعادة وعدم القول بها إنكار للمعجزات فقال الغزالي في معرض الرد على المخالفين: (وحكمهم بأن هذا الاقتران المشاهد في الوجود بين الأسباب والمسببات اقتران تلازم بالضرورة، وليس في المقدور، ولا في الإمكان إيجاد السبب دون المسبب، ولا وجود المسبب دون السبب ترتب عليه عدم إثبات المعجزات الخارقة للعادة مثل قلب العصا ثعبانًا، وإحياء الموتى وشق القمر، ومن جعل مجاري العادات لازمة لزومًا ضروريًا أحال جميع ذلك .. ).
ويناقش مصطفى صبري هذا الأمر وهو يرى أنه لا مانع لله أن يفعل ما شاء (فالله تعالى في عقيدة المؤمنين إذا شاء يسلب الأشياء ما جرت سنته فيها، ويكون هذا السلب خرقًا منه للعادة لا خرقًا للعقل حتى يكون محالاً .. وكذا الكلام في إحراق النار ما تحرقه أنه كما يكون بإذن الله تعالى يكون كف النار عن الإحراق بأمر الله، ولا خرق بين الحالين بالنسبة إلى قدرة الله). ومعناه يستوي بالنسبة إلى قدرة الله أن تكون الأسباب مقترنة بالجواز أو بالضرورة، فلا شيء يمنع قدرة الله من أن يسلب النار مثلاً عملها فلا تعود محرقة .. وهذا معنى ثبوت معجزة إبراهيم ﵇ بأن النار لم تؤثر عليه ولهذا (فإن الله الذي أوجد سلسلة الأسباب والعلل قادر على تعطيل عمل هذه السلسلة، فلا تكون المعجزة خارقة بهذا الاعتبار ولا يختل قانون السببية) وهذا القول كأنه جمع بين ثبوت المعجزات وقانون السببية الذي يرى الأشاعرة عدم ثبوته وبطلانه بعقيدة العادة ولهذا قال مصطفى صبري في تعليقه على النص السابق: (ومراده من عدم كون المعجزات خارقة أنها غير مخلة بقانون السببية وهو الناحية المهمة للمسألة لوجود سببها الذي هو إرادة الله وإلا فالمعجزة تخرق العادة لتعطيل عمل سلسلة الأسباب)
стр. 597
المطلب الثاني: الحكم المترتب على مخالفة عقيدة العادة
لم يرَ الأشاعرة العذر لأحد خالف في إثبات هذه العقيدة رغم صعوبة فهمها بل لمخالفتها لما يراه الناس بعيونهم ويلمسونه في حياتهم أثناء إجراء تجاربهم وملاحظاتهم، فالمسألة جد دقيقة وتحتاج إلى بذل الجهد واستحضار الأفهام فضلاً على أن ظاهر القرآن والسنة ترجح كفة إثبات السببية وأن لا شيء يتحقق إلا بالسبب وأن من يخل بالأسباب يخالف الشرع.
فكيف يقفز هذا الفاهم لهذه الأمور والمعتقد لها إلى عقيدة مخالفة كلية ألا وهي عقيدة العادة حيث يقال له إن التوحيد والإيمان لا يتم إلا على طائلة إنكار السببية وأنه بالإمكان الفصل بين النار وفعلها، وبين الموت وجز الرقبة إلى ما كان هنالك من أمور قد يحيل فهم العقيدة إلى المستحيلات غير أن الأشاعرة رأوا أن يحكموا على المخالف فيها بالكفر والفسق والضلال ويدعون الإجماع على ذلك يقول البوطي: ( .. وإذ قد ثبت الدليل القطعي على ما قلناه، فقد كان جحود ذلك كفرًا بإجماع المسلمين) والدليل القطعي الذي قاله هو ما ذكرناه من عدم نسبة التأثيرات إلى السببية وأن من يثبت السببية يترتب عليه الكفر بالمعجزات والنبوات .. إلخ. ويقول في مكان آخر: ( .. ولعلك تسأل بعد هذا استعمال المسلم ألفاظًا تعبر عن سببية بعض الأشياء وتأثيرها .. كقول القائل: لقد نفعني هذا الدواء وشفاني هذا الطبيب، وأينع الزرع بكثرة الأمطار .. فالجواب أن ذلك إذا صاحب اعتقادًا بتأثير واحد من هؤلاء فهو كفر بالاتفاق .. ) وهذا يعني أنه لا وسطية بين الله وهذه النتائج فالماء مثلاً وجوده كعدمه بالنسبة للإثبات ولكن هو موجود شكلاً وقس على ذلك في سائر الأسباب والمسببات.
وذهب بعض الأشاعرة إلى التفصيل في الحكم وكأنهم رأوا أن المسألة فيها من الغموض ما يفرض على الحاكم أن يكون مستبصرًا بمسائل الخلاف وبمجاري البحث والتحدي، قال إبراهيم بن محمد البيجوري: ( .. فمن اعتقد أن الأسباب العادية كالنار والسكين والأكل والشرب تؤثر في مسبباتها كالحرق والقطع والشبع والري بطبعها وذاتها فهو كافر بالإجماع، أو لقوة خلقها الله فيها ففي كفره قولان، والأصح أنه ليس بكافر بل فاسق مبتدع .. ومن اعتقد أن المؤثر هو الله لكن جعل بين الأسباب ومسبباتها تلازمًا عقليًا بحيث لا يصح تخلفها فهو جاهل، وربما جره ذلك إلى الكفر، فإنه قد ينكر معجزات الأنبياء لكونها على خلاف العادة، ومن اعتقد أن المؤثر هو الله وجعل بين الأسباب والمسببات تلازمًا عاديًا بحيث يصح تخلفها الناجي إن شاء الله تعالى) فهذه أربعة فرق اختلفت وكل فرقة يحكم عليها بما تعتقده، فالفرقة الأولى تجعل الطبائع مستقلة ولعلها تنكر أي أثر لقدرة الله تعالى في المسببات فهؤلاء هم الطبائعيون الذين لا خلاف في كفرهم وهم الذين أشار إليهم الإمام الشاطبي في قوله: (فالالتفات إلى المسببات بالأسباب له ثلاث مراتب، إحداها، أن يدخل فيها على أنه فاعل للمسبب أو مولد له، فهذا شرك أو مضهاه له، والسبب غيرفاعل بنفسه (والله خالق كل شيء) ويؤكد ابن تيمية هذا المعنى بقوله: (وإن فسر التأثير بأن المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا عائق مانع، فليس شيء من المخلوقات مؤثرًا، بل الله وحده خالق كل شيء فلا شريك له ولا ند له) إذن الطبائع بنفسها لا تفعل إلا بإذن الله.
стр. 598
أما الفرقة الثانية فهي التي تقول بأن كل شيء فيه قوة كافية أودعها الله فيه، فذكر أنهم اختلفوا فيه فمنهم من يكفروه، ومنهم من يفسقه وكلا الحكمين يعني بأنه ليس في الأشياء طبائع ومعاني يميزها عن بعضها البعض، وهناك حكم آخر أطلقه الغزالي ويفهم منه جواز اعتقاد ذلك دون تخوف على العقيدة. يقول البوطي: (غير أن الإمام الغزالي ﵀ لا يرى تنافيًا بين أن تكون الأسباب الكونية جعلية وبين أن يكون فيها تأثير أودعه الله فيها يسلبه عنها عندما يشاء. وهو يرى أن هذا هو الحق أي فالمسألة ليست مسألة مقارنة مجردة) وهذا القول لا ينسجم البتة مع القول الذي يلغي طبائع الأشياء، فهو على نقيض مَنْ قال بالعادة فعقيدة العادة كما تبين هي مجرد مقارنة دون تأثير، وكلام الغزالي مقارنة مع التأثير، وهذا يدل على أن الغزالي متردد في قوله بعقيدة العادة وهو كما قال أبو ريان ( .. وقد عبر الغزالي في قوة المذهب الأشعري حينما انتقد مبدأ السببية، وذكر أن اعتقادنا بالسببية إنما يرجع إلى العادة .. ) ويؤمن الغزالي بأن الأسباب مسخرة بعلم الله يقول: (والأدوية أسباب مسخرة لعلم الله تعالى كسائر الأسباب، فكما أن الخبز دواء الجوع، والماء دواء العطش وكل ذلك بتدبير مسبب الأسباب).
وأما الفرقة الثالثة، فهي الفرقة التي جعلت الاقتران ضروريًا بين الأسباب ومسبباتها وأن الأسباب لا تؤثر إلا بإذن الله تعالى وأنه متى صحت الأسباب ترتب عليها المسببات، ولا تتخلف المسببات إلا بنقص في الأسباب فهذه الفرقة جاهلة بهذا الاعتقاد وإن اعتقدت بناء على ضرورة الاقتران الحاصل من الأسباب امتناع المعجزات وعدم النبوات فهي كافرة؟ ولكن أليس بالإمكان أن يكسر الله سبحانه هذه الضرورة ويسلب هذا الاقتران بين الأسباب والمسببات وتكون الخارقة للعادة فلا يترتب على ذلك كفر ولا جهل.
أما الفرقة الرابعة: فهي الفرقة المرضي عنها وهي القائلة بعقيدة العادة، وهي التي لا ترى في الأشياء طبائع ولا معاني لها أي أثر. ولهذا قال الإمام الشاطبي: (أن يدخل في السبب على أن المسبب من الله تعالى لأنه المُسبِّب فيكون الغالب على صاحب هذه المرتبة اعتقاد أنه مسبب عن قدرة الله وإرادته، من غير تحكم لكونه سببًا .. وحاصله يرجع إلى عدم اعتبار السبب في المسبب من جهة نفسه واعتباره فيه من جهة أن الله مسببه وذلك صحيح) وهذا الذي ذكره الشاطبي هو في حالة الاقتران العادي بين الأسباب ومسبباتها والنظر إليهما على أنهما من الله سبحانه ولم يستقل السبب بنفسه وإن كان لا بد من وجود السبب حتى يوجد المسبب، لوجود المطر بالنسبة للزرع. فالأشاعرة تثبت السبب العام ولا تعترف بالأسباب الفاعلة بإذن الله ولهذا قال سليمان دنيا, وهو يفرق بين فهم الأشاعرة للأسباب وفهم الوضعيين -أصحاب المذهب الوضعي الذي لا يوقن إلا بالمحسوس-: (فالأشاعرة إذا كانوا ينفون سببية الأشياء بعضها في بعض؛ فإنهم لا ينفون السببية العامة) وهي أن الله خالق الأسباب والمسببات.
المصدر: عقيدة العادة عند الأشاعرة لجابر السميري – ص ١١
стр. 599
المطلب الثالث: نقد مفهوم العادة
قال ابن رشد: (فهو لفظ مموه إذا حقق لم يكن تحته معنى إلا أنه فعل وضعي مثل ما نقول: جرت عادة فلان أن يفعل كذا وكذا يريد أنه يفعله في الأكثر، وإن كان هذا هكذا كانت الموجودات كلها وضعية ولم يكن هناك حكمة أصلاً من قبلها ينسب إلى الفاعل أنه حكيم)، ويبين ابن رشد استخدامات هذا اللفظ ما يجوز منها وما لا يجوز فيقول: ( .. ومحال أن يكون لله تعالى-عادة، فإن العادة ملكة يكتسبها الفاعل، توجب تكرر الفعل منه على الأكثر) ولكن يجوز بدلاً من كلمة العادة بالنسبة لله أن يستخدم كلمة (السنة) فيقول: ( .. والله يقول: (ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلاً) فهو يرى أن كلمة السنة بالنسبة لله لا تتبدل ولا تتحول أبدًا ودائمًا، أما (كلمة عادة) فإنها لم تطلق على الله في الكتاب ولا في السنة وهي لا تفيد إلا الأكثر وتدل على الملكة المكتسبة وكل ذلك لا يليق بالله سبحانه.
ويؤيد ابن حزم هذا المعنى السابق بقوله: ( .. وهذا المذهب الفاسد حداهم على أن سموا ما تأتي به الأنبياء من الآيات المعجزات خرق العادة لأنهم جعلوا امتناع شق القمر، وشق البحر وسائر معجزاتهم إنما هي عادات فقط فمعاذ الله من هذا، ولو كان ذلك عادته لما كان فيها إعجاز أصلاً لأن العادة في لغة العرب الدأب والدين والديدن ألفاظ مترادفة على معنى واحد في أكثر استعمال الإنسان له مما لا يؤمن تركه إياه ولا ينكر زواله عنه بل هو ممكن وجود غيره ومثله بخلاف الطبيعة التي الخروج عنها ممتنع .. )
وعلى هذا لا يصح أن يطلق على خلق الله للأشياء والمسببات عادة، وكذلك على الأثر الطبائعي لأن أثرها يبقى مستمرًا ما بقيت هي ولهذا يتساءل ابن رشد عن معنى عقيدة العادة فيقول: ( .. فما أدري ما يريدون باسم العادة؟ هل يريدون أنها عادة الفاعل أو عادة الموجودات) ويخلص إلى نتيجة مفادها ( .. وإن أرادوا أنها عادة الموجودات فالعادة لا تكون إلا لذي النفس، وإن كانت في غير ذي النفس فهي في الحقيقة طبيعية) وهذا تفريق منه بين العادة والطبع فالعادة في كل ذي نفس، والطبع في كل ذي غير نفس وإن كان يلحق أيضًا بكل ذي نفس (وإما أن تكون عادة لنا في الحكم على الموجودات هذه العادة ليست شيئًا أكثر من فعل العقل الذي يقتضية طبعه وبه صار العقل عقلاً) فكأن عادة العقل هي طبعه وهو الفعل الصادر عنه وهو الذي أطلق عليه الأشاعرة العادة واعتبروه جائزًا لا ضروريًا واعتبره غيرهم ضروريًا واجبًا وهو الأثر الذي يتركه السبب في مسببه وهي السببية.
ومن هنا يتضح لنا خطورة استخدام كلمات معينة لم تأت في الشريعة ومنحها مفهومًا عقديًا؛ ثم الحكم على مَنْ خالف في هذا المفهوم. وقد يقال: لا مشاحة في الاصطلاح. ولكن إذا فهم المعنى، تقلصت الفتنة وخاصة في مجال الدين والاعتقاد.
стр. 600
المطلب الرابع: عقيدة العادة مبطلة لعقيدة التوحيد
يقول ابن رشد: (والقول بنفي الأسباب في الشاهد ليس له سبيل إلى إثبات سبب فاعل في الغائب، لأن الحكم على الغالب من ذلك إنما يكون من قبل الحكم بالشاهد فهؤلاء لا سبيل لهم إلى معرفة الله تعالى)
ولا يخفى أن أقوى الأدلة التي استدلت بها الأشعرية على وجود الله وإثبات صفاته هو قياس الغائب على الشاهد يقول الإيجي: (احتج الأشاعرة بوجوه، الأول: ما اعتمد عليه القدماء، وهو قياس الغائب على الشاهد، فإن العلة والحد والشرط لا يختلف غائبًا وشاهدًا). فقولهم: لعقيدة العادة يبطل عليهم أدلتهم في معرفة الله ويقول ابن القيم: ( .. ثم من أعظم الجناية على الشرائع والنبوات والتوحيد إيهام الناس أن التوحيد ناقصة لا يتم إلا بإنكار الأسباب).
فكيف إذا حكم على مثبت الأسباب بالكفر والضلال وهو موحد مؤمن!! ويقول ابن تيمية: ( .. ومن قال: إن قدرة العبد وغيرها من الأسباب التي خلق الله بها المخلوقات ليست أسبابًا، أو أن وجودها كعدمها، وليس هناك إلا مجرد اقتران عادي، كاقتران الدليل بالمدلول فقد جحد ما في خلق الله وشرعه من الأسباب والحكم والعلل، ولم يجعل في العين قوة تمتاز بها عن الخد تبصر بها) بل يعتبر ابن القيم وغيره عقيدة العادة عند الأشاعرة داعية لإساءة الظن بالتوحيد، وتسليطًا لأعداء الرسل على ما جاءوا به (إن ضعفاء العقول إذا سمعوا أن النار لا تحرق، والماء لا يغرق، والخبز لا يشبع، والسيف لا يقطع، ولا تأثير لشيء من ذلك البتة، ولا هو سبب لهذا الأثر، وليس فيه قوة وإنما الخالق المختار يشاء حصول كل أثر من هذه الآثار عند ملاقاة كذا بكذا وقالت: هذا هو التوحيد وإفراد الرب بالخلق والتأثير، ولم يدر هذا القائل أن هذا إساءة الظن بالتوحيد، وتسليط لأعداء الرسل على ما جاءوا به كما تراه عيانًا في كتبهم ينفرون به الناس عن الإيمان) وقد صدق ابن القيم فانظر إلى ما يقوله الدهريون الملحدون في زماننا في هذا النص الذي ينسبونه إلى الدين: (جميع الآراء الأخرى أو بالأحرى أي اتجاه فلسفي آخر، في مسألة السببية وإنكار القوانين الوضعية والسببية والضرورية في الطبيعة، تنتسب إلى الاتجاه الإيماني .. ذلك أن من الواضح حقًا أن الاتجاه الذاتي في مسألة السببية واستنباط نظام الطبيعة وقوانينها، ليس من العالم الموضوعي الخارجي، بل من الشعور والعقل والمنطق .. ).
مع العلم أن الدين الإسلامي لا يخاصم العلوم ولا يمنع من البحث في الطبيعة والتعرف على سنن الله فيها، فهل يستطيع أحد أن يقول: إن القرآن ينكر الجاذبية الأرضية مثلاً أو سائر قوانين السببية التي ما هي إلا آيات تدل على منتهى الحكمة والدقة والنظام ولهذا رد ابن سينا على الطبائعيين الذين ينكرون السبب الأول، ويجعلون الطبائع هي الأولى والآخرة في الإبداع والخلق والتأثير ( .. إن المواد للأجسام العالمية صنفان، صنف يختص بالتهيؤ لقبول صورة واحدة لا ضد لها، فيكون حدوثها على سبيل الإبداع لا على سبيل التكوين من شيء آخر وفقدها على سبيل الفناء لا سبيل الفساد إلى شيء آخر وإلى هذا يرجع قول الحكيم في كتبه إن السماء غير مكونة من شيء ولا فاسدة إلى شيء لأنها لا ضد لها لكن العامة من المتفلسفة صرفوا هذا القول إلى غير معناه فأمعنوا في الإلحاد والقول بقدم العالم فهذا صنف، وخصوه باسم الأثير، والصنف الثاني صنف مهيأ لقبول الصورة المتضادة فيتكون تارة هذا بالفعل وذلك بالقوة وتارة بالعكس وسموه العنصر فجعلوا الأجسام أثيرية وعنصرية).