← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

أولاً: يقول الشهرستاني: (صار أبو الحسن الاشعري - رحمه الله تعالى- إلى أن أخص وصف للإله هو القدرة على الاختراع، فلا يشاركه فيها غيره، ومن أثبت فيه شركه فقد أثبت إلهين) ولهذا أراد الأشاعرة أن يحافظوا على أخص وصف لله تعالى فلا ينسبوا لغيره صفة القادرية ولا الفاعلية ولا الإحداث لأن كل ذلك لا يليق إلا بالله ـ سبحانه ـ ولهذا يسوي الإمام أبو الحسن الأشعري بين هذه الألفاظ في المعنى، فالخلق، والفعل، والإحداث، والاختراع كلها بمعنى واحد وهي لا تليق إلا بالله وإذا أطلقت على الإنسان فإنه لا يراد بها إلا معنى الكسب لا حقيقة الفعل فهو يقول: (لا قادر عليه ـ أي على الفعل ـ أن يكون ما هو عليه من حقيقة أن يخترعه إلا الله) بمعنى لا أثر لقدرة الإنسان في فعله إلا الاكتساب ولهذا ذهب الأشاعرة إلى أن (القدرة الحادثة على رأينا، فإنها لا تؤثر، وليست مبدأ لأثر) إذن لا شغل لقدرة العبد إلا الاقتران أما أن يؤثر فلا (وعندنا لا فرق إلا ما يعود إلى جريان العادة) هذا المبدأ الذي اهتم به الأشاعرة ـ وهو لا فاعلية ولا خالقية ولا إحداث ولا اختراع ـ كان الأساس في القول بعقيدة العادة وأنه لا أثر لشيء في شيء البتة وإلا ثبت الشرك فالعادة هي الكسب وكلاهما معناه اقتران شيء بشيء ويستدل الأشاعرة على ذلك بكثير من الآيات القرآنية، وأن الله أسند لنفسه الخلق فقال: (ذالكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه) فاستحق العباد لاستحقاقه الخلق. ويلاحظ ابن رشد أن من جملة الدوافع التي دفعت الأشاعرة إلى القول بالتجويز: (الهروب من القول بفعل القوى الطبيعية، والخوف من أن يدخل عليهم في القول بالأسباب الطبيعية أن يكون العالم صادرًا عن سبب طبيعي). ولا شك فإن الأشاعرة ردوا على الطبائعيين اعتقادهم بأن الطبيعة خالقة أو أن لها أثرًا في الأشياء بل الخالق الفاعل المحدث هو الله سبحانه يقول البوطي: (الواقع أن هذا القول لا يعتمد إلا على وهم مجرد، ذلك لأن الطبيعة لا تعطيك من واقعها إلا هذا الاقتران وهو بحد ذاته ليس أكثر من الاقتران مهما كان ثابتًا ومستمرًا). فلا شيء له أثر في شيء من نفسه بل ما يراه الناس إنما هو اقتران وانسجام. ويقول آخر: ( .. ولا يقول لشيء من الأشياء في الكائنات بخاصة ناشئة من ذاته غير قابلة للانفكاك عنه إلا طبيعي منكر للإله بالمرة) وهذا يعني القول بعدم تأثير الطبائع أو السبب أو إلغاء عملها في الوجود. فلا سببية ولا طبيعية. ويقول الأشاعرة (إن الكائنات بأجمعها مستندة إلى الله من غير واسطة) أي لا مكانة لواسطة الأسباب والمسببات في خلق أو تأثير (فالاعتراف مثلاً بأن الشمس تعطي الحركة والحياة للأشياء يكون شركًا). ثانيًا: رتب الأشاعرة على القول بعقيدة العادة ثبوت المعجزات الخارقة للعادة وعدم القول بها إنكار للمعجزات فقال الغزالي في معرض الرد على المخالفين: (وحكمهم بأن هذا الاقتران المشاهد في الوجود بين الأسباب والمسببات اقتران تلازم بالضرورة، وليس في المقدور، ولا في الإمكان إيجاد السبب دون المسبب، ولا وجود المسبب دون السبب ترتب عليه عدم إثبات المعجزات الخارقة للعادة مثل قلب العصا ثعبانًا، وإحياء الموتى وشق القمر، ومن جعل مجاري العادات لازمة لزومًا ضروريًا أحال جميع ذلك .. ). ويناقش مصطفى صبري هذا الأمر وهو يرى أنه لا مانع لله أن يفعل ما شاء (فالله تعالى في عقيدة المؤمنين إذا شاء يسلب الأشياء ما جرت سنته فيها، ويكون هذا السلب خرقًا منه للعادة لا خرقًا للعقل حتى يكون محالاً .. وكذا الكلام في إحراق النار ما تحرقه أنه كما يكون بإذن الله تعالى يكون كف النار عن الإحراق بأمر الله، ولا خرق بين الحالين بالنسبة إلى قدرة الله). ومعناه يستوي بالنسبة إلى قدرة الله أن تكون الأسباب مقترنة بالجواز أو بالضرورة، فلا شيء يمنع قدرة الله من أن يسلب النار مثلاً عملها فلا تعود محرقة .. وهذا معنى ثبوت معجزة إبراهيم ﵇ بأن النار لم تؤثر عليه ولهذا (فإن الله الذي أوجد سلسلة الأسباب والعلل قادر على تعطيل عمل هذه السلسلة، فلا تكون المعجزة خارقة بهذا الاعتبار ولا يختل قانون السببية) وهذا القول كأنه جمع بين ثبوت المعجزات وقانون السببية الذي يرى الأشاعرة عدم ثبوته وبطلانه بعقيدة العادة ولهذا قال مصطفى صبري في تعليقه على النص السابق: (ومراده من عدم كون المعجزات خارقة أنها غير مخلة بقانون السببية وهو الناحية المهمة للمسألة لوجود سببها الذي هو إرادة الله وإلا فالمعجزة تخرق العادة لتعطيل عمل سلسلة الأسباب)

стр. 597

المطلب الثاني: الحكم المترتب على مخالفة عقيدة العادة لم يرَ الأشاعرة العذر لأحد خالف في إثبات هذه العقيدة رغم صعوبة فهمها بل لمخالفتها لما يراه الناس بعيونهم ويلمسونه في حياتهم أثناء إجراء تجاربهم وملاحظاتهم، فالمسألة جد دقيقة وتحتاج إلى بذل الجهد واستحضار الأفهام فضلاً على أن ظاهر القرآن والسنة ترجح كفة إثبات السببية وأن لا شيء يتحقق إلا بالسبب وأن من يخل بالأسباب يخالف الشرع. فكيف يقفز هذا الفاهم لهذه الأمور والمعتقد لها إلى عقيدة مخالفة كلية ألا وهي عقيدة العادة حيث يقال له إن التوحيد والإيمان لا يتم إلا على طائلة إنكار السببية وأنه بالإمكان الفصل بين النار وفعلها، وبين الموت وجز الرقبة إلى ما كان هنالك من أمور قد يحيل فهم العقيدة إلى المستحيلات غير أن الأشاعرة رأوا أن يحكموا على المخالف فيها بالكفر والفسق والضلال ويدعون الإجماع على ذلك يقول البوطي: ( .. وإذ قد ثبت الدليل القطعي على ما قلناه، فقد كان جحود ذلك كفرًا بإجماع المسلمين) والدليل القطعي الذي قاله هو ما ذكرناه من عدم نسبة التأثيرات إلى السببية وأن من يثبت السببية يترتب عليه الكفر بالمعجزات والنبوات .. إلخ. ويقول في مكان آخر: ( .. ولعلك تسأل بعد هذا استعمال المسلم ألفاظًا تعبر عن سببية بعض الأشياء وتأثيرها .. كقول القائل: لقد نفعني هذا الدواء وشفاني هذا الطبيب، وأينع الزرع بكثرة الأمطار .. فالجواب أن ذلك إذا صاحب اعتقادًا بتأثير واحد من هؤلاء فهو كفر بالاتفاق .. ) وهذا يعني أنه لا وسطية بين الله وهذه النتائج فالماء مثلاً وجوده كعدمه بالنسبة للإثبات ولكن هو موجود شكلاً وقس على ذلك في سائر الأسباب والمسببات. وذهب بعض الأشاعرة إلى التفصيل في الحكم وكأنهم رأوا أن المسألة فيها من الغموض ما يفرض على الحاكم أن يكون مستبصرًا بمسائل الخلاف وبمجاري البحث والتحدي، قال إبراهيم بن محمد البيجوري: ( .. فمن اعتقد أن الأسباب العادية كالنار والسكين والأكل والشرب تؤثر في مسبباتها كالحرق والقطع والشبع والري بطبعها وذاتها فهو كافر بالإجماع، أو لقوة خلقها الله فيها ففي كفره قولان، والأصح أنه ليس بكافر بل فاسق مبتدع .. ومن اعتقد أن المؤثر هو الله لكن جعل بين الأسباب ومسبباتها تلازمًا عقليًا بحيث لا يصح تخلفها فهو جاهل، وربما جره ذلك إلى الكفر، فإنه قد ينكر معجزات الأنبياء لكونها على خلاف العادة، ومن اعتقد أن المؤثر هو الله وجعل بين الأسباب والمسببات تلازمًا عاديًا بحيث يصح تخلفها الناجي إن شاء الله تعالى) فهذه أربعة فرق اختلفت وكل فرقة يحكم عليها بما تعتقده، فالفرقة الأولى تجعل الطبائع مستقلة ولعلها تنكر أي أثر لقدرة الله تعالى في المسببات فهؤلاء هم الطبائعيون الذين لا خلاف في كفرهم وهم الذين أشار إليهم الإمام الشاطبي في قوله: (فالالتفات إلى المسببات بالأسباب له ثلاث مراتب، إحداها، أن يدخل فيها على أنه فاعل للمسبب أو مولد له، فهذا شرك أو مضهاه له، والسبب غيرفاعل بنفسه (والله خالق كل شيء) ويؤكد ابن تيمية هذا المعنى بقوله: (وإن فسر التأثير بأن المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا عائق مانع، فليس شيء من المخلوقات مؤثرًا، بل الله وحده خالق كل شيء فلا شريك له ولا ند له) إذن الطبائع بنفسها لا تفعل إلا بإذن الله.

стр. 598

أما الفرقة الثانية فهي التي تقول بأن كل شيء فيه قوة كافية أودعها الله فيه، فذكر أنهم اختلفوا فيه فمنهم من يكفروه، ومنهم من يفسقه وكلا الحكمين يعني بأنه ليس في الأشياء طبائع ومعاني يميزها عن بعضها البعض، وهناك حكم آخر أطلقه الغزالي ويفهم منه جواز اعتقاد ذلك دون تخوف على العقيدة. يقول البوطي: (غير أن الإمام الغزالي ﵀ لا يرى تنافيًا بين أن تكون الأسباب الكونية جعلية وبين أن يكون فيها تأثير أودعه الله فيها يسلبه عنها عندما يشاء. وهو يرى أن هذا هو الحق أي فالمسألة ليست مسألة مقارنة مجردة) وهذا القول لا ينسجم البتة مع القول الذي يلغي طبائع الأشياء، فهو على نقيض مَنْ قال بالعادة فعقيدة العادة كما تبين هي مجرد مقارنة دون تأثير، وكلام الغزالي مقارنة مع التأثير، وهذا يدل على أن الغزالي متردد في قوله بعقيدة العادة وهو كما قال أبو ريان ( .. وقد عبر الغزالي في قوة المذهب الأشعري حينما انتقد مبدأ السببية، وذكر أن اعتقادنا بالسببية إنما يرجع إلى العادة .. ) ويؤمن الغزالي بأن الأسباب مسخرة بعلم الله يقول: (والأدوية أسباب مسخرة لعلم الله تعالى كسائر الأسباب، فكما أن الخبز دواء الجوع، والماء دواء العطش وكل ذلك بتدبير مسبب الأسباب). وأما الفرقة الثالثة، فهي الفرقة التي جعلت الاقتران ضروريًا بين الأسباب ومسبباتها وأن الأسباب لا تؤثر إلا بإذن الله تعالى وأنه متى صحت الأسباب ترتب عليها المسببات، ولا تتخلف المسببات إلا بنقص في الأسباب فهذه الفرقة جاهلة بهذا الاعتقاد وإن اعتقدت بناء على ضرورة الاقتران الحاصل من الأسباب امتناع المعجزات وعدم النبوات فهي كافرة؟ ولكن أليس بالإمكان أن يكسر الله سبحانه هذه الضرورة ويسلب هذا الاقتران بين الأسباب والمسببات وتكون الخارقة للعادة فلا يترتب على ذلك كفر ولا جهل. أما الفرقة الرابعة: فهي الفرقة المرضي عنها وهي القائلة بعقيدة العادة، وهي التي لا ترى في الأشياء طبائع ولا معاني لها أي أثر. ولهذا قال الإمام الشاطبي: (أن يدخل في السبب على أن المسبب من الله تعالى لأنه المُسبِّب فيكون الغالب على صاحب هذه المرتبة اعتقاد أنه مسبب عن قدرة الله وإرادته، من غير تحكم لكونه سببًا .. وحاصله يرجع إلى عدم اعتبار السبب في المسبب من جهة نفسه واعتباره فيه من جهة أن الله مسببه وذلك صحيح) وهذا الذي ذكره الشاطبي هو في حالة الاقتران العادي بين الأسباب ومسبباتها والنظر إليهما على أنهما من الله سبحانه ولم يستقل السبب بنفسه وإن كان لا بد من وجود السبب حتى يوجد المسبب، لوجود المطر بالنسبة للزرع. فالأشاعرة تثبت السبب العام ولا تعترف بالأسباب الفاعلة بإذن الله ولهذا قال سليمان دنيا, وهو يفرق بين فهم الأشاعرة للأسباب وفهم الوضعيين -أصحاب المذهب الوضعي الذي لا يوقن إلا بالمحسوس-: (فالأشاعرة إذا كانوا ينفون سببية الأشياء بعضها في بعض؛ فإنهم لا ينفون السببية العامة) وهي أن الله خالق الأسباب والمسببات. المصدر: عقيدة العادة عند الأشاعرة لجابر السميري – ص ١١

стр. 599

المطلب الثالث: نقد مفهوم العادة قال ابن رشد: (فهو لفظ مموه إذا حقق لم يكن تحته معنى إلا أنه فعل وضعي مثل ما نقول: جرت عادة فلان أن يفعل كذا وكذا يريد أنه يفعله في الأكثر، وإن كان هذا هكذا كانت الموجودات كلها وضعية ولم يكن هناك حكمة أصلاً من قبلها ينسب إلى الفاعل أنه حكيم)، ويبين ابن رشد استخدامات هذا اللفظ ما يجوز منها وما لا يجوز فيقول: ( .. ومحال أن يكون لله تعالى-عادة، فإن العادة ملكة يكتسبها الفاعل، توجب تكرر الفعل منه على الأكثر) ولكن يجوز بدلاً من كلمة العادة بالنسبة لله أن يستخدم كلمة (السنة) فيقول: ( .. والله يقول: (ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلاً) فهو يرى أن كلمة السنة بالنسبة لله لا تتبدل ولا تتحول أبدًا ودائمًا، أما (كلمة عادة) فإنها لم تطلق على الله في الكتاب ولا في السنة وهي لا تفيد إلا الأكثر وتدل على الملكة المكتسبة وكل ذلك لا يليق بالله سبحانه. ويؤيد ابن حزم هذا المعنى السابق بقوله: ( .. وهذا المذهب الفاسد حداهم على أن سموا ما تأتي به الأنبياء من الآيات المعجزات خرق العادة لأنهم جعلوا امتناع شق القمر، وشق البحر وسائر معجزاتهم إنما هي عادات فقط فمعاذ الله من هذا، ولو كان ذلك عادته لما كان فيها إعجاز أصلاً لأن العادة في لغة العرب الدأب والدين والديدن ألفاظ مترادفة على معنى واحد في أكثر استعمال الإنسان له مما لا يؤمن تركه إياه ولا ينكر زواله عنه بل هو ممكن وجود غيره ومثله بخلاف الطبيعة التي الخروج عنها ممتنع .. ) وعلى هذا لا يصح أن يطلق على خلق الله للأشياء والمسببات عادة، وكذلك على الأثر الطبائعي لأن أثرها يبقى مستمرًا ما بقيت هي ولهذا يتساءل ابن رشد عن معنى عقيدة العادة فيقول: ( .. فما أدري ما يريدون باسم العادة؟ هل يريدون أنها عادة الفاعل أو عادة الموجودات) ويخلص إلى نتيجة مفادها ( .. وإن أرادوا أنها عادة الموجودات فالعادة لا تكون إلا لذي النفس، وإن كانت في غير ذي النفس فهي في الحقيقة طبيعية) وهذا تفريق منه بين العادة والطبع فالعادة في كل ذي نفس، والطبع في كل ذي غير نفس وإن كان يلحق أيضًا بكل ذي نفس (وإما أن تكون عادة لنا في الحكم على الموجودات هذه العادة ليست شيئًا أكثر من فعل العقل الذي يقتضية طبعه وبه صار العقل عقلاً) فكأن عادة العقل هي طبعه وهو الفعل الصادر عنه وهو الذي أطلق عليه الأشاعرة العادة واعتبروه جائزًا لا ضروريًا واعتبره غيرهم ضروريًا واجبًا وهو الأثر الذي يتركه السبب في مسببه وهي السببية. ومن هنا يتضح لنا خطورة استخدام كلمات معينة لم تأت في الشريعة ومنحها مفهومًا عقديًا؛ ثم الحكم على مَنْ خالف في هذا المفهوم. وقد يقال: لا مشاحة في الاصطلاح. ولكن إذا فهم المعنى، تقلصت الفتنة وخاصة في مجال الدين والاعتقاد.

стр. 600

المطلب الرابع: عقيدة العادة مبطلة لعقيدة التوحيد يقول ابن رشد: (والقول بنفي الأسباب في الشاهد ليس له سبيل إلى إثبات سبب فاعل في الغائب، لأن الحكم على الغالب من ذلك إنما يكون من قبل الحكم بالشاهد فهؤلاء لا سبيل لهم إلى معرفة الله تعالى) ولا يخفى أن أقوى الأدلة التي استدلت بها الأشعرية على وجود الله وإثبات صفاته هو قياس الغائب على الشاهد يقول الإيجي: (احتج الأشاعرة بوجوه، الأول: ما اعتمد عليه القدماء، وهو قياس الغائب على الشاهد، فإن العلة والحد والشرط لا يختلف غائبًا وشاهدًا). فقولهم: لعقيدة العادة يبطل عليهم أدلتهم في معرفة الله ويقول ابن القيم: ( .. ثم من أعظم الجناية على الشرائع والنبوات والتوحيد إيهام الناس أن التوحيد ناقصة لا يتم إلا بإنكار الأسباب). فكيف إذا حكم على مثبت الأسباب بالكفر والضلال وهو موحد مؤمن!! ويقول ابن تيمية: ( .. ومن قال: إن قدرة العبد وغيرها من الأسباب التي خلق الله بها المخلوقات ليست أسبابًا، أو أن وجودها كعدمها، وليس هناك إلا مجرد اقتران عادي، كاقتران الدليل بالمدلول فقد جحد ما في خلق الله وشرعه من الأسباب والحكم والعلل، ولم يجعل في العين قوة تمتاز بها عن الخد تبصر بها) بل يعتبر ابن القيم وغيره عقيدة العادة عند الأشاعرة داعية لإساءة الظن بالتوحيد، وتسليطًا لأعداء الرسل على ما جاءوا به (إن ضعفاء العقول إذا سمعوا أن النار لا تحرق، والماء لا يغرق، والخبز لا يشبع، والسيف لا يقطع، ولا تأثير لشيء من ذلك البتة، ولا هو سبب لهذا الأثر، وليس فيه قوة وإنما الخالق المختار يشاء حصول كل أثر من هذه الآثار عند ملاقاة كذا بكذا وقالت: هذا هو التوحيد وإفراد الرب بالخلق والتأثير، ولم يدر هذا القائل أن هذا إساءة الظن بالتوحيد، وتسليط لأعداء الرسل على ما جاءوا به كما تراه عيانًا في كتبهم ينفرون به الناس عن الإيمان) وقد صدق ابن القيم فانظر إلى ما يقوله الدهريون الملحدون في زماننا في هذا النص الذي ينسبونه إلى الدين: (جميع الآراء الأخرى أو بالأحرى أي اتجاه فلسفي آخر، في مسألة السببية وإنكار القوانين الوضعية والسببية والضرورية في الطبيعة، تنتسب إلى الاتجاه الإيماني .. ذلك أن من الواضح حقًا أن الاتجاه الذاتي في مسألة السببية واستنباط نظام الطبيعة وقوانينها، ليس من العالم الموضوعي الخارجي، بل من الشعور والعقل والمنطق .. ). مع العلم أن الدين الإسلامي لا يخاصم العلوم ولا يمنع من البحث في الطبيعة والتعرف على سنن الله فيها، فهل يستطيع أحد أن يقول: إن القرآن ينكر الجاذبية الأرضية مثلاً أو سائر قوانين السببية التي ما هي إلا آيات تدل على منتهى الحكمة والدقة والنظام ولهذا رد ابن سينا على الطبائعيين الذين ينكرون السبب الأول، ويجعلون الطبائع هي الأولى والآخرة في الإبداع والخلق والتأثير ( .. إن المواد للأجسام العالمية صنفان، صنف يختص بالتهيؤ لقبول صورة واحدة لا ضد لها، فيكون حدوثها على سبيل الإبداع لا على سبيل التكوين من شيء آخر وفقدها على سبيل الفناء لا سبيل الفساد إلى شيء آخر وإلى هذا يرجع قول الحكيم في كتبه إن السماء غير مكونة من شيء ولا فاسدة إلى شيء لأنها لا ضد لها لكن العامة من المتفلسفة صرفوا هذا القول إلى غير معناه فأمعنوا في الإلحاد والقول بقدم العالم فهذا صنف، وخصوه باسم الأثير، والصنف الثاني صنف مهيأ لقبول الصورة المتضادة فيتكون تارة هذا بالفعل وذلك بالقوة وتارة بالعكس وسموه العنصر فجعلوا الأجسام أثيرية وعنصرية).

стр. 601

ويقول الدكتور حسام الألوسي: (ويلوم (ابن سينا) الجُهال من الطبيعيين لأنهم يفتشون عن أصل هذه الطبيعة، ويردونها إلى العناصر المكونة (للسقمونيا) مع أنها لا علة لها في العناصر ولو سئلوا عنه لقالوا: لأن النار حارة ثم السؤال لازم في أن الحار لم يفعل هذا فيكون منتهى الجواب الطبيعي أن يقال: إن الحرارة قوة من شأنها أن تفعل هذا الفعل، ثم إن سئلوا بعد هذا لِمَ كان هذا الجسم حارًا دون البارد لم يكن جوابهم إلا الجواب الإلهي إن إرادة الصانع هكذا اقتضت) وبهذا فإنه يتبين أنه لا حجة للطبائعيين في رد الشيء إلى نفسه بل لا بد له من مبدع أبدعه فصيره من العدم إلى الوجود وأن الآثار الظاهرة للعيان تتسلسل حتى تعود إلى المؤثر الأول كما يقول ابن القيم: ( .. وهذا كما نقوله في خلقه بالأسباب أنه يخلق كذا بسبب كذا، وكذا بسبب كذا، حتى ينتهي الأمر إلى أسباب لا سبب لها سوى مشيئة الرب) فالشيء لا يتحول بذاته إلى شيء آخر (وهي أن استمرار العادة مهما طال، لا يتحول بذاته، دون أي إضافة أخرى إليه، إلى قانون حتمي، وذلك هو الشأن فيما يتعلق بعلاقات أشياء الطبيعة بعضها ببعض) وأخيرًا: فإن القول بعقيدة العادة شأنه أن يخل بالنظام الكوني الذي يدل على وجود الخالق المبدع يقول ابن رشد: (وأما الذي قاد المتكلمين من الأشعرية إلى هذا القول فهو الهروب من القول بفعل الطبيعة التي ركبها الله تعالى في الموجودات التي ها هنا، كما ركب فيها النفوس وغير ذلك من الأسباب المؤثرة، فهربوا من القول بالأسباب لئلا يدخل عليهم القول بأن ها هنا أسبابًا فاعلة غير الله، وهيهات! إذا كان مخترع الأسباب! وكونها أسبابًا مؤثرة، هو بإذنه وحفظه وقال: ولو علموا أن الطبيعة مصنوعة، وأنه لا شيء أدل على الصانع من وجود موجود بهذه الصفة في الأحكام، لعلموا أن القائل بنفي الطبيعة قد أسقط جزءًا عظيمًا من موجودات الاستدلال على وجود الصانع بجحده جزءًا من موجودات الله .. ) وناقش ابن رشد الأشاعرة في القضية السابقة قائلاً (ولو علموا .. أنه يجب من جهة النظام الموجود في أفعال الطبيعة أن تكون موجودة عن صانع عالم وإلا كان النظام فيها بالاتفاق، لما احتاجوا أن ينكروا أفعال الطبيعة .. ) بمعنى (لو رفعنا الأسباب والمسببات لم يكن ها هنا شيء يُرد به على القائلين بالاتفاق، أعني الذين يقولون لا صانع ها هنا). عقيدة العادة مبطلة لظاهر القرآن يقول ابن القيم: (أنه -سبحانه- ربط الأسباب بمسبباتها شرعًا وقدرًا، وجعل الأسباب محل حكمته في أمره الديني الشرعي وأمره الكوني القدري، ومحل ملكه وتصرفه فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات، وقدح في العقول والفطر، ومكابرة للحس وجحد للشرع والجزاء والقرآن مملوء من إثبات الأسباب كقوله تعالى: بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة: ١٠٥] وقوله: بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ [الأعراف: ٣٩] وذكر آيات كثيرة إلى أن قال: وكل موضع مرتب فيه الحكم الشرعي أو الجزائي على الوصف أفاد كونه سببًا له كقوله سبحانه: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ [المائدة:٣٨] .. وذكر آيات كثيرة إلى أن قال: وهذا أكثر من أن يستوعب وكل موضع تضمن الشرط والجزاء أفاد سببية الشرط والجزاء وهو أكبر من أن يستوعب وكل موضع تقدم ذكرت فيه الباء تعليلاً لما قبلها بما بعدها أفاد التسبب ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغة بل حقيقة ويكفي شهادة الحس والعقل والفطرة)

стр. 602

وفي بيان واضح للذين منعوا من إجراء (باء) السببية في بابها وقالوا: (فقد تبين أن الوجود عند الشيء، لا يدل على أنه موجود به) فمنعوا أن يكون ماء السماء سببًَا في إنبات العشب كما بين القرآن في قوله تعالى: وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة:١٦٤] وقوله سبحانه: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ [التوبة:١٤] ومثل هذا في القرآن كثير، ومنعوا إجراء اللغة بإطلاق باء السببية ولهذا قال ابن تيمية: (تكلم قومٌ من الناس في إبطال الأسباب والقوى والطبائع فأضحكوا العقلاء على عقولهم) ويذكر ابن تيمية أيضًا ما يلزم القائلين بإنكار الأسباب والطبائع من شنائع أنهم يسوون بين المختلفات ويخالفون القرآن يقول: ( .. وكذلك أيضًا لزمت من لا يثبت في المخلوقات أسبابًا وقوى وطبائع ويقولون إن الله يفعل عندها لا بها فليلزم أن لا يكون فرق بين القادر والعاجز .. وأما أئمة السنة وجمهورهم فيقولون ما دل عليه الشرع والعقل، قال تعالى: (فسقناه إلى بلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات) سورة الأعراف: ٥٧، وقال: (فأحيا به الأرض بعد موتها) البقرة: ١٦٤، النحل: ٦٥، الجاثية: ٥) وقال تعالى: (يهدي به الله من اتبع رضوانه) المائدة: ١٦، وقال: (يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا) البقرة: ٢٦ إلى أن قال: ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة يخبر الله تعالى أنه يحدث الحوادث بالأسباب، وكذلك دل الكتاب والسنة على إثبات القوى والطبائع التي جعلها الله في الحيوان .. ) وهذا الإلغاء للسببية هو إلغاء للقوانين العلمية بل تعطيل لذاتية الأشياء بعد أن كان تعطيلاً لتوحيد الرب وهذه الجناية العظيمة تكبر وتتضخم حينما تنسب إلى القرآن والقرآن لا يقرها بل يقر خلافها. وهناك فرق كبير بين قولنا فعلت به وفعلت عنده كما يقول ابن تومرت (الأصل يثبت به الحكم والأمارة يثبت عندها الحكم، وبين يثبت به ويثبت عنده ما بين السماء والأرض)، ولهذا فإن القرآن الكريم عبر عن الباء في محلها وبـ (عند) في محلها. فكيف يجوز أن تلغي (الباء) عن عملها في محلها ونستبدل (عند) وهي ليست مثلها ولا تعمل عملها، وجرب بوضع (عند) في محل (الباء) في الآيات السابقة وانظر كيف سيكون الحال فلا شك أن بين (الباء) و (عند) ما بين السماء والأرض، وهكذا تُطوع اللغة لتتمشى مع الآراء وكان الأولى أن تصحح الآراء وتصقل بالرجوع إلى أصل اللغة. عقيدة العادة مخالفة لما كان عليه السلف الصالح

стр. 603

يقول السفاريني: ( .. وأما مذهب السلف الصالح المثبتون للقدر من جميع الطوائف فإنهم يقولون إن العبد فاعل لفعله حقيقة وإن له قدرة واستطاعة حقيقية ولا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعية بل يقرون بما دل عليه الشرع والعقل من أن الله تعالى ينبت النبات بالماء، وأن الله يخلق السحاب بالرياح وينزل الماء بالسحاب، ولا يقولون القوى والطبائع الموجودة في المخلوقات لا تأثير لها بل يقرون بأن لها تأثيرًا لفظًا ومعنى، ولكن يقولون هذا التأثير هو تأثير الأسباب في مسبباتها والله تعالى خالق السبب والمسبب) فالسلف يثبتون فاعلية لقدرة الإنسان، وأثرًا للأسباب الطبيعية ولكن يشترطون عدم استقلالية الفاعلية والأثر وهذا هو ظاهر القرآن الذي أثبت للإنسان فعلاً، وللماء أثرًا وهكذا والجميع في النهاية يكون بخلق الله، فالخلق يتم في بعض صوره بوسائط هي قوى أودعها الله في مخلوقاته، فهو يخلق الأسباب ببعضها. يقول ابن تيمية: (والله سبحانه خلق الأسباب والمسببات وجعل هذا سببًا لهذا، فإذا قال القائل: إن كان مقدورًا، حصل بدون السبب وإلا لم يحصل جوابه أنه مقدور بالسبب وليس مقدورًا بدون السبب .. ودلل على ذلك بالأدلة) ومعنى ذلك أنه لا غنى للأسباب عن المسببات ولا المسببات في غنى عن الأسباب، لكن الأسباب ليست علة تامة تستقل بإحداث المسببات ( .. ومعلوم أنه ليس في المخلوقات شيء وحده علة تامة وسببًا تامًا للحوادث بمعنى أن وجوده مستلزم لوجود الحوادث، بل ليس هذا إلا لمشيئة الله خاصة). وهذا هو الإنصاف الذي جاء به القرآن في نسبة الفعل والإحداث، فهو لم يغلُ في نسبته إلى الطبيعة بإنكار صنع الإله الحق كما أنه لم يقض على ما يشاهده الناس بعيونهم ويجربونه بأنفسهم بإلغاء أثر القوى الكامنة في الطبيعة فأثبت الجميع وقال للإنسان: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) الإنسان: ٣٠، أي لا يتحقق لك صنع وعمل باستقلال حتى أشاء أنا (وهو الذي قدر الأشياء وقضاها ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره وكتبه في اللوح المحفوظ).

стр. 604

وقال العلامة محمد بن علي بن سلوم: (ومذهب سلف الأمة وأئمتها من جمهور أهل السنة يقولون: إن العبد فاعل لفعله حقيقة، وأن له قدرة حقيقية واستطاعة حقيقية ولا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعية بل يقرون بما دل عليه الشرع والعقل ولا يقولون القوى والطبائع الموجودة في المخلوقات لا تأثير لها بل يقرون بأن لها تأثيرًا .. ) وينقل لنا السفاريني أدلة من القرآن يشرح ما فيها من المعاني (فالحوادث تضاف إلى خالقها باعتبار وإلى أسبابها باعتبار كما قال الله تعالى: (هذا من عمل الشيطان) وقال (وما أنسانيه إلا الشيطان) مع قوله: (كل من عند الله) وأخبر أن العباد يفعلون ويصنعون ويعملون ويؤمنون ويكفرون ويفسقون وأن العبد فاعل لفعله حقيقة فقولهم: في خلق فعل العبد بإرادته وقدرته كقولهم في خلق سائر الحوادث بأسبابها، وقد دلت الدلائل اليقينية على أن كل حادث فالله خالقه وفعل العبد من جملة الحوادث والحاصل أن مذهب السلف ومحققي أهل السنة إن الله تعالى خلق قدرة الإنسان وإرادته وفعله، وأن العبد فاعل لفعله حقيقة ومحدث لفعله والله سبحانه جعله فاعلاً له محدثًا له) وقوله إن محققي السنة يقولون بما يقول به السلف فهذا حق ولهذا جاء في كتب الأشاعرة المحققة قول العلامة الشيخ إبراهيم المذاري: ( .. ما يدل على أن الأشعري إنما نفى الاستقلال لا أصل التأثير بإذن الله تعالى .. ما هو المعتمد في معتقده الموافق للكتاب والسنة وأن إمام الحرمين فيما ذكره في النظامية موافق للأشعري في التحقيق المعتمد عنده في (الإبانة) .. وقال أيضًا: فإن هذا الكلام من الشيخ الأشعري صريح في وقوع الفعل بقدرة محدثة والوقوع فرع التأثير غاية الأمر أنه لم يطلق على العبد أنه خالق أدبًا فهو كما قال إمام الحرمين واستحال إطلاق القول بأن العبد خالق لأعماله فإن فيه الخروج عما درج عليه السلف) وقد قال الجويني تصريحًا لا تلميحًا بأثر قدرة العبد فقال: (ففي المصير إلى أنه لا أثر لقدرة العبد في فعله قطع طلبات الشرائع والتكذيب بما جاء به المرسلون .. ) فهل هذا الحكم من الجويني يلزم كل من أنكر أثر الأسباب وقد نقل السفاريني عن محققي أهل السنة الاتفاق في هذه المسألة فقال: ( .. وإنما ذكرت لك أقاويل هؤلاء-أي المحققون من علماء الأشاعرة- مع أن عمدة المعتقد عندنا الغير المنتقد في عقدنا مذهب السلف المقرر على الوجه المرضي المحرر لتعلم أن محققي الأشاعرة لهم موافقة على حقيقة مذهب السلف والإغضاء عما ينمقه الخلف) والذي يرجع إلى التحقيق في هذه المسألة يجد أن لمحققي الأشاعرة قولين أو فهمين، فالجويني له رأي في (الإرشاد) متقدم يقول فيه بعدم تأثير قدرة الإنسان وخالفه في آخر كُتبه وقال بأن لها تأثيرًا ونصه: ( .. قدرة العبد مخلوقة لله ﵎ باتفاق العالمين بالصانع، والفعل المقدور بالقدرة الحادثة واقع بها قطعًا ولكنه مضاف إلى الله ﵎ تقديرًا وخلقًا) وما ذهب إليه الإمام الجويني لم يرق للشهرستاني فادعى أنه ليس مذهبًا للإسلاميين بل جاء به من عند الفلاسفة (وهذا الرأي إنما أخذه من الحكماء الإلهيين وأبرزه في معرض الكلام .. إلى أن قال: ومن العجب أن مأخذ كلام الإمام أبي المعالي إذا كان بهذه المثابة فكيف يمن إضافة الفعل إلى الأسباب حقيقة). والحق أن ما ذهب إليه الجويني ليس بدعًا من القول ولا جيء به من مصدر بعيد، بل هو ما قال به السلف والمحققون من أهل السنة وهو ظاهر القرآن ومعناه. وبهذا يتبين خطأ البغدادي حينما زعم أن الإجماع قام على أن الأجسام لا تختلف بالطبائع وخطأ حكمه الذي رتبه على ذلك وهو الضلال. بل العكس هو الصحيح أن السلف ومحققي أهل السنة كأبي الحسن الأشعري والإمام الجويني اتفقوا على ما نص عليه ظاهر القرآن وإن اختلف النقل عنهم أحيانًا كما بيناه وهو ما توصل إليه البوطي وهو يعلق على كلام الغزالي في نص له يُسلم بوجود قوى كامنة في الأشياء (وتحليل الغزالي هذا أقرب إلى الانسجام مع التعليلات العلمية لظواهر الأشياء وتكويناتها .. وختمه بقوله: إلا أنه أبعد عن مسلك الجمهور وما اتفق عليه)

стр. 605

المطلب الخامس: عقيدة العادة مبطلة لمبادئ العلوم ولما كان هذا النظام قائمًا على قانون السببية أو القوانين الطبيعية فإن إبطال الأسباب وإنكار الطبائع قتل لهذا النظام، وتجهيل له، وقلب للنظام العلمي فيه، يقول ابن رشد: ( .. وأن المعرفة بتلك المسببات لا تكون على التمام إلا بمعرفة أسبابها، فرفع هذه الأشياء هو مبطل للعلم ورفع له، فإنه يلزم أن لا يكون ههنا شيء معلوم أصلاً) ويشرح ابن رشد قوله السابق ويقول: ( .. والعقل ليس هو شيء أكثر من إدراكه الموجودات بأسباب وبه يفترق عن سائر القوى المدركة فمن دفع الأسباب فقد رفع العقل) ويحكم ابن رشد على من أنكر الأسباب والطبائع بأنه ألغى الفوارق بين الأشياء وجعلها شيئًا واحدًا ومن ثم لا حدود ولا فواصل بين الأشياء وكفى بهذا إبطالاً للوجود وللعلم يقول: ( .. فماذا يقولون في الأسباب الذاتية التي لا يفهم الموجودات إلا بفهمها، فإنه من المعروف بنفسه أن للأشياء ذوات وصفات هي التي اقتضت الأفعال الخاصة بوجود موجود وهي التي من قبلها اختلفت ذوات الأشياء وأسماؤها وحدودها فلو لم تكن لوجود موجود فعل يخصه، لم يكن له طبيعة تخصه، ولو لم تكن له طبيعة تخصه لما كان له اسم يخصه ولا حد وكانت الأشياء كلها شيئًا واحدًا، ولا شيئًا واحدًا ارتفعت طبيعة الموجود، إذا ارتفعت طبيعة الموجود لزم العدم) وفي هذا الكلام رد على الأشعرية القائلين بأن لا طبائع ولا أسباب بل يذكر بعضهم أن أهل السنة مجمعون على تضليل من قال أن الموجودات تختلف بالطبائع فإذا لم يكن كذلك فبماذا تختلف؟ ويقول العامري: (والذي حمل هذه الفرقة المختلفة على ارتكاب هذه الأقوال المخترعة هو عجزهم عن الروية في واحد من المعاني الطبيعية، وضعفهم عن التفكير في جبلته والتعرف بخصائص قواه، فأقدموا على جحد الحقائق كلها) ويقول المفكر سليمان دنيا في تعليقه على إنكار الأشعرية لقوانين السببية وحتميتها: ( .. ولكن إلغاء السبب معناه القضاء على العلم والقوانين العلمية، وإغلاق باب التكهن بالمستقبل وترتيب المسببات على أسبابها، وتلك إحدى النتائج الخطيرة التي انتهى إليها (هيوم) في نقده وتحليله) وتتركز هذه الخطورة حينما تنسب إلى الدين أو تجعل أساسًا صالحاً للبرهنة على صحة التوحيد، والأمر خلاف ذلك. المصدر: عقيدة العادة عند الأشاعرة لجابر السميري – ص ٢٨

стр. 606

المطلب السادس: الأسباب والمسببات عند الأشاعرة وعلاقتها بأفعال الله الأشاعرة يثبتون وجود تلازم عادي بين الأسباب والمسببات، بمعنى أن المسببات تحدث عند الأسباب لا بها، فمثلاً إذا لاقت النار شيئاً قابلاً للاحتراق فاحترق، فيقولون إن الاحتراق لم يكن بسبب النار، فهي لم تؤثر شيئاً، وإنما المؤثر هو الله وحده!، وقالوا هذا القول لأمرين: الأول: إثبات تأثير الأسباب في مسبباتها يفضي إلى القول بوجود شريك مع الله يؤثر في الأفعال، والله هو المؤثر وحده (١)! الثاني: إن إثبات التلازم بين الأسباب والمسببات يفضي إلى إنكار النبوات الثابتة بمعجزات الرسل، وهي خوارق مخالفة للعادة، فلو وجد التلازم بين الأسباب والمسببات لما صح تخلف هذا التلازم، وهذا يؤدي إلى إنكار النبوات (٢). فالجواب: إن القرآن مملوء بذكر الأسباب وربطها بمسبباتها، وقد تقدمت الأدلة على ذلك في الفصل الخاص بأهل السنة والجماعة. وأما الجواب عن الأمر الأول الذي ذكروه فإنه لا يلزم ذلك، لأن أهل السنة عندما قالوا ذلك، شرطوا وجود المعاون المشارك، وانتفاء الموانع، وربط ذلك بمشيئة الله، مع القول بأن الأسباب والمسببات مخلوقة لله تعالى فلا يتوجه إليهم هذا المحذور. وأما جواب الأمر الثاني، فإن أهل السنة ذكروا بأن الأسباب خلق لله تعالى تتعلق بها مشيئته وقدرته، فلو شاء ألا تؤثر ما أثرت، ولذلك فإن قول الأشاعرة: لو وجد التلازم بين الأسباب والمسببات لما صح تخلف هذا التلازم، قول ليس بلازم ولا صحيح، وقد مضى ذكر الأدلة الدالة على وجود هذا التختلف إذا شاء الله، وإنه ليشاؤها عند إثبات النبوات وغير ذلك، فلا ينسد طريق إثبات النبوات. ولو قلب شخص عليهم استدلالهم لكان أقرب من إيرادهم وهو: لو كان التلازم عادياً فما وجه إفادة آيات الأنبياء للتعجيز.؟! المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف – ١/ ٣٤٤ قالوا كلهم: من قال إن النار تحرق أو تلفح وإن الأرض تهتز أو تنبت شيئا وإن الخمر يسكر أو أن الخبز يشبع، أو أن الماء يروي، أو أن الله تعالى ينبت الزرع والشجر بالماء فقد ألحد وافترى. وقال الباقلاني من آخر السفر الرابع من كتابه المعروف بـ (الانتصار في القرآن): نحن ننكر فعل النار للتسخين والاحتراق وننكر فعل الثلج للتبريد وفعل الطعام والشراب للشبع والري والخمر للإسكار: كل هذا عندنا باطل محال ننكره أشد الإنكار، وكذلك فعل الحجر لجذب الشيء أو رده أو حبسه أو إطلاقه من حديد أو غيره. قال أبو محمد: وهذا تكذيب منهم لله إذ يقول تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ [المؤمنون: ١٠٤] ولقوله تعالى وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ [ق: ٩] وقوله تعالى أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ [السجدة: ٢٧] .. وقوله تعالى فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: ٥].وقد صككت بهذا وجه بعض مقدميهم في المناظرة فدهش وبلد، وهو أيضا تكذيب لقول رسول الله ﷺ ((كل مسكر حرام)) (٣) ((وكل شراب أسكر حرام)) (٤) مع مخالفتهم لكل لغة ولكل ذي حس من مسلم وكافر، ومكابرة العيان وإبطال المشاهدة.

стр. 607

ثم أظرف شيئ احتجاجهم في هذه الطامة بأن الله هو الذي خلق ذلك كله. فقلنا لهم: أوليس فعل كل حي مختار واختياره خلقا لله ؟ فلابد من قولهم نعم. فيقال لهم فمن أين نسبتم الفعل إلى الأحياء وهي خلق الله تعالى ومنعتم من نسبة الفعل إلى الجمادات لأنه خلق الله تعالى ولا فرق، ولكنهم قوم لا يعقلون (الفصل ٤/ ٢١٨). قال أبو محمد: وسمعت بعض مقدميهم يقول: إن من كان على معاصي خمسة من زني وسرقة وترك صلاة وتضييع زكاة وغير ذلك ثم تاب عن بعضها دون بعض فإن توبته تلك لا تقبل. وقد نص السمناني على أن هذا قول الباقلاني هو قول أبي هاشم الجبائي، ثم قال السمناني هذا قول خارق للإجماع جملة وخلاف لدين الأمة. هذا نص قول السمناني في شيخه وشهدوا على أنفسهم وأقبل بعضهم على بعض يتلازمون "الفصل ٤/ ٢١٨". قال أبو محمد: هذا القول مخالف للقرآن والسنن لأن الله تعالى يقول فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧ - ٨] وقال تعالى وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [الأنبياء: ٤٧] وقال تعالى: أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى [آل عمران: ١٩٥] وبالضرورة يدري كل ذي مسكة من عقل أن التوبة من الزنا خير كثير فهذا الجاهل يقول إنه لا يراه صاحبه وأنه عمل ضائع عند الله من مسلم مؤمن. ومعاذ الله من هذا. وسر هذا القول المعلون وحقيقته التي لابد لقائله منه أنه لا معنى لمن أصر على الزنا أو شرب الخمر في أن يصلي ولا أن يزكي فقد صار يؤمر بترك الصلاة الخمس والزكاة وصوم رمضان والحج. فعلى هذا القول وقائله لعائن الله تتري مادار الليل والنهار ونص السمناني عن الباقلاني شيخه أنه كان يقول أن الله تعالى لا يغفر الصغائر باجتناب الكبائر. المصدر: موقف ابن حزم من المذهب الأشعري لعبد الرحمن دمشقية - ص ٧٣

стр. 608

المبحث الثامن: نقد موقف الأشاعرة من الخوارق والمعجزات ذهب قوم إلى أن السحر قلب للأعيان وإحالة للطبائع وأنهم يرون أعين الناس ما لا يرى، وأجازوا للصالحين على سبيل كرامة الله لهم اختراع الأجسام وقلب الأعيان وجميع إحالة الطبائع وكل معجز للأنبياء ﵈. ورأيت لمحمد بن الطيب الباقلاني: أن الساحر يمشي على الماء على الحقيقة وفي الهواء ويقلب الإنسان حماراً على الحقيقة. وأن كل هذا موجود من الصالحين على سبيل الكرامة. وأنه لا فرق بين آيات الأنبياء وبين ما يظهر من الإنسان الفاضل ومن الساحر أصلا إلا بالتحدي، فإن النبي يتحدى الناس بأن يأتوا بمثل ما جاء هو به فلا يقدر أحد على ذلك قط. وأن كل ما لم يتحد به النبي ﷺ الناس فليست آية له. وقطع بأن الله تعالى لا يقدر على إظهار آية على لسان متنبئ كاذب. وذهب أهل الحق إلى أنه لا يقلب أحد عيناً ولا يحيل طبيعة إلا الله لأنبيائه فقط، سواء تحدوا بذلك أو لم يتحدوا ... وهذا هو الحق الذي لا يجوز غيره "الفصل ٥/ ٢". فلا يجوز البتة وجود ذلك لا من ساحر ولا من صالح بوجه من الوجوه، لأنه لم يقم برهان بوجود ذلك، ولا صح به نقل، وهو ممتنع في العقل كما قدمنا، ولو كان ذلك ممكناً لاستوى الممتنع والممكن والواجب وبطلت الحقائق كلها، وأمكن كل ممتنع ومن لحق هاهنا بالسوفسطائية على الحقيقة. ونسأل من جوز ذلك للساحر والفاضل هل يجوز لكل أحد غير هذين، أم لا يجوز إلا لهذين فقط؟ فإن قال: إن ذلك للساحر والفاضل فقط، وهذا هو قولهم سألناهم عن الفرق بين هذين وبين سائر الناس. ولا سبيل لهم إلى الفرق بين هؤلاء وبين غيرهم إلا بالدعوى التي لا يعجز عنها أحد. وإن قالوا إن ذلك جائز أيضاً لغير الساحر والفاضل لحقوا بالسوفسطائية حقاً، ولم يثبتوا حقيقة، وجاز تصديق من يدعي أنه يصعد إلى السماء ويرى الملائكة وأنه يكلم الطير ويجتبي من شجر الخروب التمر والعناب. وإن رجالا حملوا وولدوا، وسائر التخليط الذي من صار إليه وجب أن يعمل بها هو أهله إن أمكن، أو أن يعرض عنه لجنونه وقلة حياته. قال أبو محمد: لا فرق بين من ادعى شيئاً مما ذكرنا لفاضل وبين دعوى الرافضة رد الشمس على علي بن أبي طالب مرتين حتى ادعى بعضهم أن حبيب بن أوس قال: فردت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع نضا ضوءها صبغ الدجنة وانطوى ... لهجتها فوق السماء المرجع فو الله ما أدري على بدالنا ... فردت له أم كان في القوم يوشع وكذلك دعوى النصارى لرهبانهم وقدمائهم: فإنهم يدعون لهم من قلب الأعيان أضعاف ما يدعيه. وكذلك دعوى اليهود لأحبارهم ورؤوس المثايب عندهم أن رجلا منهم رحل من بغداد إلى قرطبة في يوم واحد وأنه أثبت قرنين في رأس رجل مسلم من بني الإسكندراني كانوا أقواماً أشرافاً معروفين لم يعرف لأحد منهم شيء من هذا والحماقة لا حد لها وهذا برهان كاف لمن نصح نفسه "الفصل ٥/ ٣". ما ذكره الباقلاني من التحدي باطل من وجوه أحدها أن اشتراط التحدي في كون آية النبي آية، دعوى كاذبة سخيفة لا دليل على صحتها لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة ولا من إجماع ولا من قول صاحب ولا من حجة عقل ولا قال بهذا أحد قط قبل هذه الفرقة الضعيفة وما كان هكذا فهو في غاية السقوط والهجنة، قال الله قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: ١١١] "الفصل ٥/ ٧". المصدر: موقف ابن حزم من المذهب الأشعري لعبد الرحمن دمشقية - ص ٨٨

стр. 609

المطلب الأول: نشأة مصطلح "أهل السنة" وتاريخ إطلاقه: يرجع تاريخ إطلاق هذا اللفظ إلى صدر الإسلام، إلى عصر النبوة، والقرون المفضلة. فقد أخرج اللالكائي بسنده عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: ١٠٦]؛ "فأما الذين ابيضت وجوههم: فأهل السنة والجماعة وأولوا العلم، وأما الذين اسودت وجوههم: فأهل البدع والضلالة" (١). ثم تتابع ورود استعمال هذا اللفظ وإطلاقه عن كثير من أئمة السلف رحمة الله عليهم، أذكر طائفة منهم حسب التسلسل التاريخي: فمن ورد عنه ذلك: - أيوب السختياني (٦٨ - ١٣١هـ):فقد أخرج اللالكائي عنه أنه قال: "إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة وكأني أفقد بعض أعضائي" وقال أيضاً: "إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة" (٢). - سفيان الثوري "ت ١٦١هـ":قال: "استوصوا بأهل السنة خيراً فإنهم غرباء". وقال: "ما أقل أهل السنة والجماعة" (٣). - الفضيل بن عياض "ت ١٨٧هـ":قال: "أهل الإرجاء يقولون: الإيمان قول بلا عمل، وتقول الجهمية: الإيمان المعرفة بلا قول ولا عمل، ويقول أهل السنة: الإيمان المعرفة والقول والعمل" (٤). - أبو عبيد القاسم بن سلام "١٥٧ - ٢٢٤هـ":قال في مقدمة كتاب (الإيمان) له: " ... فإنك كنت تسألني عن الإيمان واختلاف الأمة في استكماله، وزيادته، ونقصانه، وتذكر أنك أحببت معرفة ما عليه أهل السنة من ذلك ... " (٥). - الإمام أحمد بن حنبل "١٦٤ – ٢٤١هـ":قال في مقدمة كتاب (السنة) له: " ... هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروتها، المعروفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا ... " (٦). - الإمام ابن جرير الطبري "ت ٣١٠هـ":قال: "وأما الصواب من القول في رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة وهو ديننا الذي ندين الله به، وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة فهو أن أهل الجنة يرونه على ما صحت به الأخبار عن رسول الله ﷺ " (٧). - أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي "٢٣٩ – ٣٢١هـ":قال في مقدمة عقيدته المشهورة: " ... هذا ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة ... " (٨).

стр. 610

وبهذه النقول يتضح لنا جلياً أن لفظ "أهل السنة" معروف عند السلف متداول بينهم، أطلقوه في مقابل "أهل البدع" وألّفوا في بيان عقيدة أهل السنة، وميزوا بينهم وبين أهل البدع، كما فعل الإمام أحمد والإمام الطحاوي وغيرهم. وفي هذا رد على من زعم أن لقب "أهل السنة" أول ما أطلق على الأشاعرة، كما زعم ذلك الأستاذ مصطفى الشكعة إذ يقول في كتابه (إسلام بلا مذاهب): " ... وهكذا نجد أن لقب "أهل السنة" أطلق أول ما أطلق على جماعة الأشاعرة ومن نحا نحوهم، ثم اتسعت دائرته فشملت أصحاب المذاهب والفقهاء من أمثال الشافعي ومالك وأبي حنيفة وابن حنبل والأوزاعي وأهل الرأي والقياس ... " (١). ولا أدري كيف يستقيم هذا القول، وهؤلاء أئمة قد توفوا قبل زمن الأشعري؟ ثم زعم في موضع آخر من كتابه أن هذه التسمية لم تعرف إلا في القرن السابع الهجري قال: " ... وذلك أن تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنة تسمية متأخرة يرجع تاريخها إلى حوالي القرن السابع الهجري؛ أي: بعد عصر آخر الأئمة المشهورين وهو ابن حنبل بحوالي أربعة قرون" (٢). على أنه يتناقض فيعترف في نفس كتابه هذا، بوجود من يعرف بـ"أهل السنة" قبل أن يخلق الله الأشعري والأشاعرة، إذ يقول: "إن المأمون وهو على أهبة الخروج إلى طرسوس على حدود بلاد الروم سنة ٢١٨هـ. بعث إلى إسحاق بن إبراهيم عامله على بغداد كتاباً يأمره فيه أن يستحضر علماء بغداد وقضائها، وأن يمتحنهم في موضع خلق القرآن. قال: وكتاب المأمون هذا من أشنع الكتب التي حوت سباً وتطاولاً على علماء المسلمين من أهل السنة ... " (٣) اهـ. إذن كان هناك أهل سنة يدافعون عن عقيدتهم في القرآن، ويردون على من قال بخلقه، يعرفون بأنهم "أهل السنة". فكيف يقال: أن هذا اللقب أطلق أول ما أطلق على جماعة الأشاعرة؟ أم كيف يقال: أن هذه التسمية لم تعرف إلا في القرن السابع الهجري؟ على أن الأشاعرة السابق منهم واللاحق لم يدعوا لأنفسهم ما ادعاه لهم الأستاذ الشكعة. فهذا الإمام البيهقي "٥٧١هـ" يقول عن الإمام الأشعري: "فهذا سبب رجوعه عن مذاهب المعتزلة إلى مذاهب أهل السنة والجماعة" (٤)، فإذاً أهل السنة والجماعة موجودون معروفون بهذا اللقب والأشعري بعد أن ترك الاعتزال رجع إلى مذهبهم، على تفصيل في أحوال الأشعري ليس هذا مكان ذكره. ويقول د. علي سامي النشار من الأشاعرة المعاصرين:" ... لقد شهد القرن الثالث حركة كلامية كبرى حمل لواءها "أهل الحديث" ... ثم ذكر كتب: خلق أفعال العباد، والاختلاف في اللفظ، وكتب الدارمي، قال: وتبين هذه الكتب ظهور الاتجاه الكلامي لدى أصحاب الحديث، وأن أصحاب الحديث وجدوا كفرقة مقابلة للجهمية وللمعتزلة، وللخوارج، وأنهم سموا باسم "أهل الحديث وأهل السنة" (٥). ويقول الأستاذ أحمد أمين: "واسم أهل السنة كان يطلق على جماعة من قبل الأشعري والماتريدي، وقد حكى لنا أن جماعة كان يطلق عليها أهل السنة، وكانت تناهض المعتزلة قبل الأشعري. ولما جاء الأشعري وتعلم على المعتزلة اطلع أيضاً على مذاهب أهل السنة، وتردد كثيراً في أي الفريقين أصح، ثم أعلن انضمامه إلى أهل السنة وخروجه على المعتزلة" (٦).

стр. 611

المطلب الثاني: معنى أهل السنة أهل الشيء هم أخص الناس به، يقال في اللغة: أهل الرجل: أخص الناس به وأهل البيت سكانه، وأهل الإسلام من يدين به، وأهل المذهب من يدين به (١). فمعنى أهل السنة؛ أي: أخص الناس بها وأكثرهم تمسكاً بها واتباعاً لها قولاً وعملاً واعتقاداً. وهذا اللفظ أصبح مصطلحاً يطلق ويراد به أحد معنيين: المعنى الأول: معنى عام يدخل فيه جميع المنتسبين إلى الإسلام عدى الرافضة، فيقال: هذا رافضي، وهذا سني، وهذا هو اصطلاح العامة؛ "لأن الرافضة هم المشهورين عندهم بمخالفة السنة فجمهور العامة لا تعرف ضد السني إلا الرافضي، فإذا قال أحدهم: أنا سني فإنما؛ معناه: لست رافضياً" (٢).وقد ورد عن بعض السلف ما يشير إلى هذا المعنى فقد قيل لسفيان الثوري: يا أبا عبدالله! وما موافقة السنة؟ قال: تقدمة الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ (٣)، فالسني عنده من قدمهما على غيرهما في الخلافة والفضل، ومن لم يقدمهما فليس بسني، ولم يؤخرهما عن مرتبتهما إلا الرافضة. المعنى الثاني: معنى أخص وأضيق من المعنى العام، ويراد به أهل السنة المحضة الخالصة من البدع، ويخرج به سائر أهل الأهواء والبدع، كالخوارج والجهمية والمرجئة، والشيعة وغيرهم من أهل البدع. يبين شيخ الإسلام ابن تيمية معنى لفظ "أهل السنة" فيقول: "فلفظ "أهل السنة" يراد به من أثبت خلافة الثلاثة، فيدخل في ذلك – أي: "في لفظ أهل السنة – جميع الطوائف إلا الرافضة، وقد يراد به: أهل الحديث والسنة المحضة فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ويقول: القرآن غير مخلوق وأن الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر، وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل الحديث والسنة" (٤).ومن خالف شيئاً من ذلك عد من أصحاب البدع، ولم يكن سنياً، بذا حكم إمام أهل السنة دون منازع الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، حيث قال في مقدمة كتاب (السنة): "هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بعروتها المعروفين بها المقتدي بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت عليها من علماء الحجاز والشام وغيرهما عليها فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة زايل عن منهج السنة وسبيل الحق" (٥). ثم ذكر اعتقاد أهل السنة الذي ساق شيخ الإسلام ابن تيمية فيما تقدم طرفاً منه. فأهل السنة إذن هم: ١) أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأنهم تلقوا عنه مباشرة، أمور الاعتقاد كما تلقوا أمور العبادة، فهم أعرف الخلق بسنة نبيهم واتبع لها ممن جاء بعدهم. ٢) التابعون لهم بإحسان، المقتفون آثارهم في كل عصر ومصر، وعلى رأسهم أهل الحديث والأثر، الذين نقلوا إلينا سنة رسول الله ﷺ وميزوا صحيحها من سقيمها، وعملوا بها واعتقدوا ما دلت عليه. يقول الإمام ابن حزم في بيان من هم أهل السنة:"وأهل السنة الذين نذكرهم أهل الحق ومن عداهم فأهل البدعة فإنهم: الصحابة ﵃، وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين رحمة الله عليهم، ثم أصحاب الحديث ومن تبعهم من الفقهاء جيلاً فجيلاً إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها رحمة الله عليهم" (٦).

стр. 612

المطلب الثالث: تنازع الطوائف هذا اللقب لما كان أهل السنة، هم أصحاب رسول الله ﷺ ومن اتبعهم على ما كانوا عليه من الهدى. ووجد كثير من الطوائف أن النجاة لا تكون إلا لمن كان على ما كانوا عليه لقوله ﷺ في حديث افتراق الأمة: (( ... وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)) (١). لما كان الأمر كذلك ادعى كثير من الطوائف والفرق أنهم هم الفرقة الناجية وأنهم أهل الحق، وتسمى بعضهم باسم "أهل السنة".يقول شيخ الإسلام رحمة الله عليه – في معرض كلامه عن الفرق المشار إليها في الحديث-: "فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم الظن والهوى، فيجعل طائفته والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له، هم أهل السنة والجماعة، ويجعل من خالفها هم أهل البدع،- قال-: وهذا ضلال مبين، فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله ﷺ ، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة بل كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، فمن جعل شخصاً غير رسول الله ﷺ من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدع، كما يوجد ذلك في الطوائف من أتباع أئمة الكلام في الدين وغير ذلك، كان من أهل البدع والضلالة والتفرق" (٢). فكل طائفة تدعي أنها الفرقة الناجية، وأن الحق معها. فالشيعة الإمامية الرافضة:

стр. 613

تجعل نفسها الفرقة الناجية دون غيرها، وأنها هي المشار إليها في حديث الافتراق. فقد نقل ابن المطهر الحلي عن شيخه النصير الطوسي أنه سئل عن المذاهب فقال: "بحثنا عنها وعن قول رسول الله ﷺ : ((ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة منها ناجية والباقي في النار)). وقد عين ﵇ الفرقة الناجية والهالكة في حديث آخر حديث متفق عليه، وهو قوله: ((مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف غرق)) (١). فوجدنا الفرقة الناجية هي: الفرقة الإمامية؛ لأنهم باينوا جميع المذاهب، وجميع المذاهب قد اشتركت في أصول العقائد" (٢).وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رداً متيناً مطولاً من ثمانية أوجه (٣) فأفاد وأجاد رحمة الله عليه. وقد بين في "الوجه الخامس" أن قوله ﷺ في حديث الافتراق عن الفرقة الناجية وهي ((من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)) (٤). وفي رواية: ((هم الجماعة)) (٥) , يناقض قول الإمامية ويقضي أنهم خارجون عن الفرقة الناجية، خارجون عن جماعة المسلمين يكفرون أو يفسقون أئمة الجماعة؛ كأبي بكر وعمر، وكذلك يكفرون أو يفسقون علماء وعباد الجماعة. وبين ﵀ أن الإمامية أبعد الناس عن سير الصحابة، وأجهلهم بحديث رسول الله وأعداهم لأهله من أصحاب رسول الله ﷺ وأئمة المسلمين. ثم بين أن الوصف الوارد في الحديث لا ينطبق إلا على أهل السنة؛ لأنهم هم الذين على ما كان عليه الرسول ﷺ وهم أهل الجماعة الذين ما فرقوا دينهم وكانوا شيعاً. ثم بين في "الوجه السادس" (٦) أن الحجة التي احتج بها الطوسي على أن الإمامية هي الفرقة الناجية وهي قوله: "لأنهم باينوا جميع المذاهب"، بين ﵀ أن هذه الحجة كذب في وصفها، كما هي باطلة في دلالتها.

стр. 614

وبين أن كثيراً من الفرق قد باينت جميع الفرق الأخرى فيما اختصت به من أقوال فالخوارج باينوا جميع المذاهب فيما اختصوا به من التكفير بالذنوب ومن تكفير علي ﵁ ... وغير ذلك مما انفردوا به من أقوال. وكذلك المعتزلة باينوا جميع الطوائف فيما اختصوا به من "المنزلة بين المنزلتين" وقولهم أن أهل الكبائر يخلدون في النار، وليسوا بمؤمنين ولا كفار، وهكذا جميع الفرق، فلا اختصاص للرافضة بذلك. ثم قال في "الوجه السابع": "إن مباينتهم لجميع المذاهب هو على فساد قولهم أدل منه على صحة قولهم، فإن مجرد انفراد طائفة عن جميع الطوائف لا يدل على أن – قولها – هو الصواب، واشتراك أولئك في قول لا يدل على أنه باطل" (١).وكيف يتخذ الاختلاف والإغراق في الابتعاد عن الآخرين أساساً لنجاة؟ ولو اتبعنا هذا الأساس لكان الإغراق في الإلحاد أساساً للنجاة، بل لكان التخريف أو تخيلات المجانين أكثر قرباً للنجاة؛ لأنها أكثر ابتعادا عن أراء الأخرين (٢).وأما استدلاله بحديث "سفينة نوح" فهو يتوقف على صحة الحديث، والحديث ضعيف كما ذكر ذلك الذهبي، والألباني (٣)، ولا عبرة بقول الطوسي: "أنه حديث صحيح متفق عليه" فليس هو من أهل هذا الشأن. والمعروف أنه من قول الإمام بلفظ "السنة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخالف عنها هلك".قال شيخ الإسلام في إيضاح معناه: "وهذا حق فإن سفينة نوح إما ركبها من صدق المرسلين واتبعهم، وأن من لم يركبها فقد كذب المرسلين، وأتباع السنة هم أتباع الرسالة التي جاءت من عند الله فتابعها بمنزلة من ركب مع نوح في السفينة باطناً وظاهراً، والمتخلف عن أتباع الرسالة بمنزلة المتخلف عن أتباع نوح ﵇ وركوب السفينة" (٤). والمعتزلة: يزعمون أنهم أهل الحق وأنهم الفرقة الناجية، يقول مقدمهم وكبيرهم عمرو بن عبيد للخليفة المنصور – وقد سأله أن يعينه بأصحابه -: "أظهر الحق يتبعك أهله" (٥) يريد المعتزلة. فما على المنصور إذا أراد معونتهم إلا أن يرفع رايتهم ويظهر مذهبهم. ويستدلون على أنهم الفرقة الناجية برواية محرفة لحديث الافتراق فقالوا: روى سفيان الثوري عن ابن الزبير عن جابر بن عبدالله عن النبي ﷺ : ((ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أبرها وأتقاها الفئة المعتزلة))، ولعلهم شعروا بتفردهم بهذه الرواية فاتهموا سفيان بأنه قال لأصحابه: "تسموا بهذا الاسم لأنكم اعتزلتم الظلمة، فقالوا: سبقك بها عمرو بن عبيد وأصحابه – قالوا -: فكان سفيان بعد ذلك يروي: واحدة ناجية" (٦).

стр. 615

ولهؤلاء نقول: من مذهبكم عدم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في باب الاعتقاد، فكيف سوغتم لأنفسكم الاحتجاج بهذا الحديث مع اتهامكم راوية سفيان بأنه تصرف في الحديث بوضع عبارة مكان أخرى؟ ولكن، لا غرابة فإن إحدى علامات أهل البدع: أنهم يأخذون من السنة ما وافق أهواءهم، صحيحاً كان أو ضعيفاً، ويتركون ما لم يوافق أهواءهم من الأحاديث وإن صح وأخرجه الشيخان! (١) ". ويزعم المعتزلة أنهم هم المتمسكون بالسنة والجماعة دون غيرهم مع قولهم بعدم حجية حديث الآحاد. فقد جاء في كتاب (فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة) (٢) قولهم: " ... ومعنى السنة إذا أضيفت إليه ﷺ ؛ هو ما أمر به ليدام عليه، أو فعله ليدام الاقتداء به، فما هذا حاله يعد سنة الرسول ﷺ ، وإنما يقع هذا الاسم على ما ثبت أنه قاله أو فعله، فأما ما ينقل من أخبار الآحاد فإن صح فيه شروط القبول، يقال فيه: أنه سنة على وجه التعارف؛ لأنا إذا لم نعلم ذلك القول أو ذلك الفعل فالقول بأنه سنة يقبح؛ لأنا لا نأمن أن نكون كاذبين في ذلك، وعلى هذا الوجه لا يجوز في العقل أن يقول في خبر الواحد، قال رسول الله ﷺ قطعاً، وإنما يجوز أن يقال: روي عنه ﷺ . وأما الجماعة: فالمراد به ما أجمعت عليه الأمة، وثبت ذلك من إجماعها، فأما ما لم يثبت مما لم يجز التمسك به فهو بمنزلة أخبار الآحاد، وإذا صح ما ذكرناه فالمتمسك بالسنة والجماعة هم أصحابنا والحمد لله دون هؤلاء المشنعين". وهكذا سائر الطوائف والفرق، فما من طائفة إلا وتدعي أنها الناجية، وأن الحق معها، وتستكره النصوص على تأييد مذهبها، كما فعلت الشيعة والمعتزلة، كما أوضحنا ذلك. الأشاعرة: لا يفتأ أئمة الأشاعرة يذكرون في كتبهم أنهم أهل السنة وأهل الحق، وأنهم هم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية ... وهذا أمر لا يخفى على من قرأ كتبهم، وأنا أذكر فقط نماذج من كلامهم في ذلك على مر العصور: - كلام أبي بكر الباقلاني "ت ٤٠٣هـ"، وهو من تلاميذ أبي الحسن الأشعري: قال مثلاً في صفة الكلام التي خالفوا فيها السلف من أهل الحديث والسنة: "اعلم أن الله تعالى متكلم، له كلام عند أهل السنة والجماعة، وأن كلامه قديم ليس بمخلوق ولا مجعول ولا محدث بل كلامه قديم صفة من صفات ذاته، كعلمه وقدرته وإرادته ونحو ذلك" (٣). ثم قال في موطن آخر: "فإن قالوا: أليس تقولون إن كلام الله مسموع بحاسة الآذان على الحقيقة؟ قلنا: بلى، فإن قالوا: فليس يجوز أن يكون مسموعاً على الحقيقة؛ إلا ما كان صوتاً وحرفاً. فالجواب: أن هذا جهل عظيم، وذلك أن أهل السنة والجماعة قد أجمعوا على أن الله تعالى يرى بالأبصار على الحقيقة، ولا يجوز أن يرى على الحقيقة إلا ما كان جسماً وجوهراً وعرضاً، أفتقولون إن الله تعالى، جسم وجوهر وعرض، فإن قالوا: نعم فقد أقروا بصريح الكفر والتشبيه، وإن قالوا: يرى وليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، ولا يشبه شيئاً من المرئيات، قلنا: فكذلك كلامه قديم ليس بمخلوق ومسموع على الحقيقة، وليس بحرف ولا صوت" (٤).

стр. 616

فانظر كيف جعل هذا القول الذي هو من خصائص المذهب الكلابي، هو قول أهل السنة والجماعة، مع أن إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد ابن حنبل رحمة الله عليه، وسائر أئمة أهل الحديث المعروفين بالإمامة في السنة، قالوا بإثبات الحرف والصوت في كلام الله. وهذا يدل على أن الباقلاني يطلق اسم "أهل السنة والجماعة" على طائفة الأشعرية الكلابية، وهكذا كرر هذا الإطلاق في صفحات "١٤٤، ١٦١، ١٦٢، ١٦٨" من كتاب (الإنصاف). - كلام البغدادي "ت ٤٢٩":قال: "فأما الفرقة الثالثة والسبعون، فهي: أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث، دون من يشري لهو الحديث، وفقهاء الفريقين وقراؤهم ومحدثوهم، ومتكلموا أهل الحديث منهم، كلهم متفقون على مقالة واحدة في توحيد الصانع وصفاته، وعدله ... مع قبول ما صح من سنة رسول الله ﷺ " (١).وقال في بيان أنهم الفرقة الناجية: "ولسنا نجد اليوم من فرق الأمة من هم على موافقة الصحابة ﵃ غير أهل السنة والجماعة من فقهاء الأمة ومتكلميهم الصفاتية، دون الرافضة، والقدرية ... " (٢).ثم لما بين الأصول التي اجتمعوا عليها ذكرها على منهج الأشاعرة الكلابية وفيها الكثير من المخالفة لمنهج السلف (٣).كقوله إن حديث الآحاد يوجب العلم دون العلم، وكقوله في نفي الحركة عن الله ، واقتصاره على إثبات سبع صفات لله (٤)، وكل ذلك على مذهب الأشاعرة والكلابية، أما أهل السنة من سلف الأمة فقولهم في كل ذلك على خلاف ما ذكر. - كلام أبي المظفر الإسفرائيني "ت ٤٧١هـ":قال: "والفرقة الثالثة والسبعون هي الناجية، وهم: أهل السنة والجماعة من أصحاب الحديث والرأي وجملة فرق الفقهاء ... " (٥).ثم لما ذكر اعتقادهم ذكر ما عليه الأشاعرة من نفي الاستواء، والحروف والصوت عن كلام الله ، وتأويل صفة الرحمة وغيرها من الصفات الفعلية وغير ذلك مما هو مخالف لعقيدة السلف ومصادم للكثير من النصوص الصحيحة الصريحة (٦). - كلام الجويني "ت ٤٧٨هـ":قال في مقدمة كتابه (لمع الأدلة): "هذا وقد استدعيتم أرشدكم الله ذكر لمع من الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة ... "، ثم ذكر عقيدة الأشاعرة، كقولهم في كلام الله أنه كلام نفسي ليس بحروف ولا صوت (٧).

стр. 617

- كلام الغزالي "ت ٥٠٥هـ".قال في كتابه (قواعد العقائد) بعد أن سرد مسائل الاعتقاد على منهج الأشاعرة – كقولهم بالنفي المفصل في صفات الله -، فقال: "وإنه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر ... وأنه ليس بجوهر ولا بعرض ... فكل ذلك مما وردت به الأخبار وشهدت به الآثار، فمن اعتقد جميع ذلك موقناً به كان من أهل الحق وعصابة السنة، وفارق رهط الضلال وحزب البدعة" (١).وقال في "الاقتصاد في الاعتقاد": "الحمد لله الذي اجتبى من صفوة عباده عصابة الحق وأهل السنة" (٢). - كلام الرازي "ت ٦٠٦هـ":قال في كتابه (معالم أصول الدين): "قال الأكثرون من أهل السنة: كلام الله واحد ... " (٣). وهذا قول الكلابية والأشاعرة وليس بقول أهل السنة والحديث. - كلام أحمد بن موسى الخيالي "ت ٨٦٢هـ": قال في "حاشيته على العقائد النسفية": "الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة. هذا هو المشهور في ديار خراسان والعراق والشام، وأكثر الأقطار، وفي ديار ما وراء النهر يطلق ذلك على الماتريدية أصحاب الإمام أبي منصور ... " (٤). - كلام إبراهيم بن محمد البيجوري "ت ١٢٧٧هـ":قال في (شرح جوهرة التوحيد) (٥): " ... وأما عند أهل السنة فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع". وهذا قول الأشاعرة وليس هو قول السلف من أهل السنة. - كلام الدكتور محمد سعيد رمضان "من الأشاعرة المعاصرين": قال في معرض كلامه على مسألة كلام الله : "ثم إن المعتزلة فسروا هذا الذي أجمع المسلمون على إثباته لله تعالى، بأنه أصوات وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ وجبريل، ومن المعلوم أنه حادث وليس بقديم، ثم إنهم لم يثبتوا لله تعالى شيئاً آخر من وراء هذه الأصوات والحروف تحت اسم: الكلام.- قال-: أما جماهير المسلمين، أهل السنة والجماعة، فقالوا: إننا لا ننكر هذا الذي تقوله المعتزلة، بل نقول به ونسميه كلاماً لفظياً ونحن جميعاً متفقون على حدوثه وأنه غير قائم بذاته تعالى، من أجل أنه حادث، ولكنا نثبت أمراً وراء ذلك وهو الصفة القائمة بالنفس ... " (٦). وهذا القول من خصائص المذهب الكلابي الذي عليه الأشاعرة، ولم يوافقهم عليه أحد من أئمة الحديث وأهل السنة من سلف هذه الأمة. فجعل الدكتور البوطي أصحاب هذا المعتقد في كلام الله هم أهل السنة. - كلام وهبي سليمان غاوجي الألباني "من الأشاعرة المعاصرين": قال: "الفرق في شأن صفات الله تعالى ثلاث: أهل السنة والجماعة، وهم المثبتون لله تعالى على صفة الكمال ورد بها الدليل القطعي ... " (٧). ثم ذكر أقسام الصفات على منهج الأشاعرة. وهكذا نرى الأشاعرة يعلنون منذ نشأتهم وإلى اليوم أنهم هم أهل السنة، وأنهم الفرقة الناجية دون غيرهم. ونراهم ينصون على سبب استحقاقهم هذا اللقب، وكونهم الفرقة الناجية. وهو: أتباعهم لسنة الرسول ﷺ وسنة أصحابه من بعده. فيقول البغدادي: "ولسنا نجد اليوم من فرق الأمة من هم على موافقة الصحابة ﵃ غير أهل السنة والجماعة، من فقهاء الأمة ومتكلميهم الصفاتية ... " (٨).وقال قبل ذلك عندما ذكر الفرقة الثالثة والسبعين وأنهم أهل السنة والجماعة وذكر مما يجمع هذه الفرقة: "والإقرار بتوحيد الصانع، ... مع قبول ما صح من سنة رسول الله ﷺ " (٩).ويقول الإسفراييني: في سبب نجاة أهل السنة وهو متابعتهم للرسول ﷺ : "وليس في فرق الأمة أكثر متابعة لأخبار الرسول ﷺ ، وأكثر تبعاً لسنته من هؤلاء، ولهذا سموا: أصحاب الحديث: وسموا بأهل السنة والجماعة ... " (١٠). إذن أتباع ما كان عليه ﷺ وأصحابه، هو الضابط لاستحقاق لقب "أهل السنة" والفوز بالنجاة. وهذا ضابط مهم لمعرفة أهل السنة من غيرهم. فهل التزم الأشاعرة بذلك وحققوا الاتباع كما ادعوا؟ أم أنهم قدموا على السنة غيرها، وحكموا فيها العقل، وصرفوها عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات ومستنكرات التأويلات؟ ذلك ما سيتضح لنا فيما بعد إن شاء الله. وقبل ذلك علينا أن نعرف ما هو الطريق لمعرفة السنة، وبأي شيء تدرك؟

стр. 618

المطلب الرابع: طريق معرفة السنة وإدراكها إذا كانت السنة هي ما كان عليه النبي ﷺ فلا شك أنه لا سبيل إلى معرفتها إلا بالنقل لا غير. بالنقل الصحيح نعرف ما كان عليه رسول الله ﷺ ، ولا سبيل للعقل إلى ذلك البتة. وبالاتباع لما جاء به النقل من ذلك تدرك السنة. يقول إمام أهل السنة من غير منازع الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه "ت ٢٤١هـ": "وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، والأهواء، إنما هي الاتباع، وترك الهوى" (١).ويقول الإمام أبو عبدالله محمد بن أبي زمنين "٣٢٤ – ٣٩٩هـ": "اعلم رحمك الله أن السنة دليل القرآن، وأنها لا تدرك بالقياس، ولا تؤخذ بالعقول، وإنما هي في الاتباع للأئمة، ولما مشى عليه جمهور هذه الأمة" (٢).ويقول الإمام أبو نصر السجزي "ت ٤٤٤هـ": "ولا خلاف بين العقلاء في أن سنة رسول الله ﷺ لا تعلم بالعقل، وإنما تعلم بالنقل" (٣).وقال: " ... فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله فإن أتى بذلك علم صدقه، وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، علم أنه محدث زائغ" (٤).وقال أبو المظفر السمعاني "٤٨٩هـ": " ... فلابد من تعرف ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وليس طريق معرفتنا إلا النقل، فيجب الرجوع إلى ذلك ... " (٥).أما شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه يقول في هذا الصدد: " ... إن السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها، ويذم من خالفها، هي سنة رسول الله ﷺ في أمور الاعتقاد، وأمور العبادات، وسائر أمور الديانات، وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي ﷺ الثابتة عنه في أقواله وأفعاله، وما تركه من قول، وعمل، ثم ما كان عليه السابقون والتابعون لهم بإحسان، وذلك في دواوين الإسلام المعروفة" (٦). هذا كلام أهل العلم من أئمة أهل السنة يبين في جلاء أن السنة لا سبيل لمعرفتها وإدراكها إلا بالنقل الثابت الصحيح، والاتباع المحض لما ثبت منها. فما هو موقف الأشاعرة، من النقل؟ الذي هو السبيل الوحيد. لمعرفة ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، ذلك ما سنقف عليه في الفقرة التالية.

стр. 619

المطلب الخامس: موقف الأشاعرة من النقل عموماً والسنة خصوصاً إذا تأملنا كتب القوم، نجدهم يجعلون العقل هو الأساس، والنقل تبعاً له، ولا يخلو النقل مع العقل من إحدى الحالات الآتية: ١) إما أن يكون النقل قطعي الثبوت كالمتواتر مثلاً، موافقاً للعقل، فهذا يقبلونه، لموافقته مقتضى العقل وكونه موجباً للعمل. ٢) وإما أن يكون قطعياً، مخالفاً للعقل. وله حالتان: ١ - أن يمكن تأويله بما يوافق العقل فيجب تأويله، ويقبل النقل ويؤول. ٢ - أن لا يمكن تأويله. وهذا يرد لمخالفته العقل، والعقل مقدم على النقل عندهم. ٣) وإما أن يكون النقل ليس بقطعي – عندهم – كخبر الآحاد وله ثلاث حالات: ١ - أن يكون موافقاً لمقتضى العقل: فهذا يقبل لموافقته العقل لا لذاته. ٢ - أن يكون مخالفاً لمقتضى العقل، لكن يمكن تأويله بما يوافق مقتضى العقل. فهذا يشتغل بتأويله على سبيل التبرع، وإلا فليسوا ملزمين بتأويله؛ لأنه ليس يجب تأويل إلا ما كان موجباً للعلم وهو المتواتر، أما الآحاد فليس كذلك. ٣ - أن يكون مخالفاً لمقتضى العقل ولا يمكن تأويله، فهذا حكمه الرد بعدم إيجابه للعلم أصلاً، وعدم إمكان تأويله. هذه خلاصة موقف القوم من النقل، وإليك كلامهم من كتبهم في بيان موقفهم من النقل، مراعياً الترتيب الزمني لنقف على تطور موقفهم: ١) كلام ابن فورك "ت ٤٠٦هـ":قال: " ... وأما ما كان من نوع الآحاد، مما صحت الحجة به، من طريق وثاقة النقلة وعدالة الرواة، واتصال نقلهم، فإن ذلك وإن لم يوجب العلم والقطع فإنه يقتضي غالب الظن وتجويز حكم ... " (١). ٢) كلام البغدادي "ت ٤٢٩هـ": قال: "والأخبار عندنا ثلاثة أقسام: متواتر، وآحاد، ومتوسط، بينهما مستفيض جارٍ مجرى التواتر بعض أحكامه. فالمتواتر: هو الذي يستحيل التواطؤ على وضعه وهو موجب للعلم الضروري بصحة مخبره. وأخبار الآحاد: متى صح إسنادها، وكانت متونها غير مستحيلة، في العقل، كانت موجبة للعمل بها دون العلم، وكانت بمنزلة شهادة العدول عند الحاكم، يلزم الحكم بها في الظاهر وإن لم يعلم صدقهم في الشهادة ... " (٢). وقال في شروط قبول خبر الآحاد: "والشرط الثالث: أن يكون متن الخبر مما يجوز في العقل كونه. فإن روى الراوي ما يحيله العقل، ولم يحتمل تأويلاً صحيحا فخبره مردود ... وإن كان ما رواه الراوي الثقة يروع ظاهره في العقول ولكنه يحتمل تأويلاً يوافق قضايا العقول قبلنا روايته وتأولناه على موافقة العقول ... " (٣). ٣) كلام الجويني "٤٧٨ هـ": قال في باب القول في "السمعيات": "اعلموا: وفقكم الله تعالى أن أصول العقائد تنقسم إلى ما يدرك عقلاً، ولا يسوغ تقدير إدراكه سمعاً، وإلى ما يدرك سمعاً، ولا يتقدر إدراكه عقلاً، وإلى ما يجوز إدراكه سمعاً وعقلاً ... فإذا ثبتت هذه المقدمة، فيتعين بعدها على كل معتن بالدين واثق بعقله أن ينظر فيما تعلقت به الأدلة السمعية. فإن صادفه غير مستحيل في العقل، وكانت الأدلة السمعية قاطعة في طرقها، لا مجال للاحتمال في ثبوت أصولها ولا في تأويلها، فما هذا سبيله فلا وجه إلا القطع به.

стр. 620

وإن لم تثبت الأدلة السمعية بطرق قاطعة، ولم يكن مضمونها مستحيلاً في العقل، وثبتت أصولها قطعاً، ولكن طريق التأويل يجول فيها، فلا سبيل إلى القطع، ولكن المتدين يغلب على ظنه ثبوت ما دل الدليل السمعي على ثبوته وإن لم يكن قاطعاً. وإن كان مضمون الشرع المتصل بنا مخالفاً العقل، فهو مردود قطعاً بأن الشرع لا يخالف العقل، ولا يتصور في هذا القسم ثبوت سمع قاطع ... " (١).فبين ﵀ ما يقبل من النقل والسمع وما يرد، وما يتأول، وبين في كتاب (لمع الأدلة) أن النقل يقبل إذا كان مضمونه مما يجوز في العقل فقال: "كل ما جوزه العقل، وورد به الشرع، وجب القضاء بثبوته ... " (٢). كما أوضح في (الشامل) أنه لا يتحتم عليهم تأويل كل حديث ورد مخالفاً للعقل، وإنما يجب عليهم تأويل الأحاديث التي توجب العلم وهي المتواترة. بخلاف الآحاد. قال: " ... وليس يتحتم علينا أن نتأول كل حديث مختلف، كيف وقد بينا أن ما يصح في الصحاح من الآحاد لا يلزم تأويله، إلا أن نخوض فيه مسامحين، فإنه إنما يجب تأويل ما لو كان نصاً لأوجب العلم" (٣). ٤) كلام الغزالي "ت ٥٠٥هـ": قال بعد أن قسم ما لا يعلم بالضرورة إلى: ما يعلم بدليل العقل دون الشرع. وإلى ما يعلم بالشرع دون العقل، وإلى ما يعلم بهما ... " ... ثم كلما ورد السمع به ينظر: فإن كان العقل مجوزاً له، وجب التصديق به قطعاً، إن كانت الأدلة السمعية قاطعة في متنها ومستندها لا يتطرق إليها احتمال ... وأما ما قضى العقل باستحالته، فيجب تأويل ما ورد السمع به، ولا يتصور أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول. وظواهر أحاديث التشبيه أكثرها غير صحيحة، والصحيح منها ليس بقاطع، بل هو قابل للتأويل. فإن توقف العقل في شيء من ذلك فلم يقض فيه باستحالة ولا جواز، وجب التصديق أيضاً لأدلة السمع، فيكفي في وجوب التصديق انفكاك العقل عن القضاء بالإحالة، وليس يشترط اشتماله على القضاء بالجواز" (٤). ثم بين أن هذا القسم غير جائز اعتقاد ما جاء به في حق الله تعالى لتوقف العقل فيه، وإنما يجوز في حق الله ما دل العقل على جوازه فقال: "وبين الرتبتين فرق ربما يزل ذهن البليد حتى لا يدرك الفرق بين قول القائل: اعلم أن الأمر جائز، وبين قوله: لا أدري أنه محال أم جائز، وبينهما ما بين السماء والأرض، إذا الأول جائز على الله تعالى، والثاني غير جائز، فإن الأول: معرفة بالجواز. والثاني: عدم معرفة بالإحالة، ووجوب التصديق جائز في القسمين جميعاً" (٥). ٥) كلام فخر الدين الرازي "ت ٦٠٦هـ": وضع الرازي ما يسمى بالقانون الكلي، الذي يرجع إليه عند تعارض العقل والنقل – بزعمهم، وإلا فإن النقل الصحيح لا يعارض العقل الصريح – فقال في كتابه الموسوم بـ (أساس التقديس): "الفصل الثاني والثلاثون: في أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظواهر النقلية فكيف يكون الحال فيها؟ اعلم أن الدلائل القطعية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة: ١) إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل. فيلزم تصديق النقيضين وهو محال. ٢) وإما أن يبطل، فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال.

стр. 621

٣) وإما أن يصدق الظواهر النقلية، ويكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل؛ لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية، إلا إذا عرفنا بدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته. وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول ﷺ ، وظهور المعجزات على محمد ﷺ ، ولو جوزنا القدح في الدلائل العقلية، صار العقل متهماً غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل، يفضي إلى القدح في العقل والنقل معاً، وأنه باطل. ولما بطلت الأقسام الأربعة، لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال: ١ - إنها غير صحيحة. ٢ - أو يقال: إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها. ثم إن جوزنا التأويل واشتغلنا به على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم يجز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى. فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات ... " (١). وقال أيضاً في شروط إفادة الدليل اللفظي اليقين: "مسألة: الدليل اللفظي لا يفيد اليقين إلا عند تيقن أمور عشرة: ١) عصمة رواة مفردات الألفاظ. ٢) وإعرابها. ٣) وتصريفها. ٤) وعدم الاشتراك. ٥) والمجاز. ٦) والنقل. ٧) والتخصيص بالأشخاص والأزمنة. ٨) وعدم الإضمار والتأخير والتقديم. ٩) والنسخ.١٠) وعدم المعارض العقلي الذي لو كان لرجح عليه، إذ ترجيح النقل على العقل يقتضي القدح في العقل المستلزم للقدح في النقل؛ لافتقاره إليه، وإذا كان المنتج ظنياً فما ظنك بالنتيجة؟ " (٢).وبنحو هذا قال الإيجي "٧٥٠ هـ" أيضاً (٣). ومن الأشاعرة المعاصرين يقول د. محمد سعيد رمضان البوطي: "ولكن الصحيح نفسه يرقى في درجات متفاوته، تبدأ من الظن القوي إلى الإدراك اليقيني ... فإذا كانت السلسلة التي توفرت فيها مقومات الصحة مكونة من آحاد الرواة الذين ينتقل الخبر بينهم فهو لا يعدو أن يكون خبراً ظنياً في حكم العقل ... فأما الظني من الخبر الصحيح فلا يعتد به الحكم الإسلامي في بناء العقيدة؛ لأنه يفيد الظن، ولقد نهى القرآن – في مجال البحث في العقيدة – عن أتباع الظن ... " (٤). وهكذا نرى الأشاعرة في ماضيهم، وحاضرهم، يقفون من النقل والسمع موقفاً ليس لهم سلف فيه إلا المعتزلة. فقد جعلوا العقل أصلاً يرجع إليه، وجعلوا ما جاءت به الأنبياء تبعاً له، فما وافق عقولهم قبلوه، وما خالفها ردوه، أو تأولوه على مقتضى عقولهم. فهل هذا الموقف الذي اتخذه الأشاعرة من النقل بصفة عامة، ومن السنة بصفة خاصة، يؤهلهم لأن يكونوا هم أهل السنة؟ كيف وقد عد أهل العلم بالسنة من أهم ما يميز أهل السنة من أهل البدعة تقديم النقل والأثر والإحكام إليهما؛ كما يقول أبو المظفر السمعاني:

стр. 622

"واعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو: مسألة العقل. فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعاً للمعقول. وأما أهل السنة قالوا: الأصل في الدين الاتباع، والعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول، لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء ... " (١).وعدوا من أهم علامات أهل السنة، أنهم عند التنازع يدعون إلى التحاكم إليها دون آراء الرجال وعقولها، بينما أهل البدع يدعون إلى التحاكم إلى آراء الرجال ومعقولاتها (٢). وهؤلاء – الأشاعرة – يقضي قانونهم الكلي الذي وضعوه، بالرجوع عند الاختلاف إلى العقل كما تقدم. فما جوزه قبل، وما اعتبره مستحيلاً وجب تأويله إن كان قطعي الثبوت، وإن كان ظنياً اشتغل بتأويله على سبيل التبرع، أو رد لعدم حجيته. وبذلك ردوا، وأولوا كثيراً من نصوص الشرع، مما أفضى بهم إلى القول بقول الجهمية تارة، كما في مسألة الإيمان مثلاً، والقدر، وبقول المعتزلة تارة في نفي وتأويل بعض الصفات التي جاء بها السمع الصحيح. ولا نشتغل بذكر ذلك هنا. إذ سنبين موضعهم عند الكلام على وسطية أهل السنة بين طرفي الإفراط والتفريط، في كل باب إن شاء الله تعالى. وإنما أكتفي هنا بالإشارة إلى أن موافقتهم للمعتزلة في قضية العقل والنقل جرتهم إلى موافقتهم في كثير مما خالفوا فيه السلف من أهل السنة والحديث والأثر. وبعد هذا العرض لموقف الأشاعرة من قضية النقل، وما ترتب عليه من مخالفة السلف، وموافقة أهل البدع. يتبين لنا أن دعوى الأشاعرة أنهم أهل السنة دعوى عريضة لم يستطيعوا أن يدللوا عليها، فهم لم يلتزموا بما برروا به اعتبار أنفسهم أهل السنة والفرقة الناجية وهو زعمهم أنهم هم من بين فرق الأمة الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه (٣).وأنهم يقبلون ما صح من سنته ﷺ (٤). فإنهم وإن قبلوا شيئاً من سنته ﷺ ، لم يقبلوه لكونه سنة يجب التسليم لها، وإنما قبلوه لكون العقل دل على ما جاءت به السنة، بدليل أنه إذا كان النص وإن صح معارضاً للعقل – في نظرهم – لم يقبل، فإما أن يرد أو يؤول كما تقدم. ومن كان هذا حاله لا يكون من أهل السنة، وإن أصاب السنة كما جاء عن الإمام أحمد، إن صاحب الكلام لا يكون من أهل السنة وإن أصابها (٥). لأنه لم يستمد من السنة أو يتلقى منها ويسلم لها، فمن تلقى من السنة واستمد منها فهو من أهلها وإن أخطأ – أي: في فهمها -، ومن تلقى من غيرها، فقد أخطأ وإن وافقها في النتيجة.

стр. 623

المطلب السادس: سلف الأشاعرة وموقف أهل السنة منهم سلف الأشاعرة: قبل أن أذكر مواقف أهل العلم من ادعاء الأشاعرة أنهم أهل السنة، أرى أن نتعرف على سلف الأشاعرة، وموقف علماء أهل السنة من السلف منهم. تشير المصادر التي بين أيدينا بما فيها كتب الأشاعرة أنفسهم – إلى أن سلفهم في مقالتهم هو عبدالله بن سعيد بن كلاب، وأبو العباس القلانسي، والحارث المحاسبي. يقول الشهرستاني "٤٧٩ - ٥٤٨هـ" – بعد أن بين أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون صفات الله من غير تفرقة بين الصفات الذاتية منها والصفات الفعلية ... -: "حتى انتهى الزمان إلى عبدالله بن سعيد الكلابي، وأبي العباس القلانسي، والحارث بن أسد المحاسبي. وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام، وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية، وبراهين أصوليه، وصنف بعضهم، ودرس بعضهم، حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه مناظرة في مسائل من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما، وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالتهم بمناهج كلامية، وصار ذلك مذهباً لأهل السنة والجماعة، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية" (١).وكلام الشهرستاني يفيد صراحة؛ أن مذهب الأشعرية إنما تلتمس أصوله لدى جماعة من الصفاتية باشروا الكلام وأثبتوا الصفات من أمثال الكلابي، والقلانسي والمحاسبي (٢).ويعتبر الأشاعرة ابن كلاب، إمام أهل السنة في عصره، ويعدونه شيخهم الأول فيقولون: "ذهب شيخنا الكلابي عبدالله بن سعيد إلى ... " (٣).كما يذكرونه وكذا القلانسي في كتبهم مشيرين إلى أنهما من أصحابهم (٤). فهؤلاء هم سلف الأشعرية، وقد كانوا من جملة السلف، ثم باشروا علم الكلام، فجرهم ذلك إلى مخالفة السلف في بعض ما يقولون وموافقة المعتزلة في بعض أصولهم، وأشهر ما خالفوا فيه السلف ووافقوا فيه المعتزلة مسألة قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين: فأهل السنة والجماعة: يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها. والجهمية من المعتزلة وغيرهم: تنكر هذا، وهذا. فأثبت ابن كلاب: قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي وأبو الحسن الأشعري وغيرهما" (٥). فوافق السلف والأئمة من أهل السنة في إثبات الصفات، ووافق الجهمية في نفي قيام الأفعال الاختيارية وما يتعلق بمشيئته وقدرته. فكان في مسلكهم ميل إلى البدع ومخالفة للسنة ومقارفة للكلام مما جعل علماء السلف من أهل السنة يحذرون منهم. وقد كان الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة "١٦٤ - ٢٤١هـ" من أشدهم في ذلك، فقد هجر الحارث بن أسد المحاسبي لأجل ذلك. كما يقول: أبو القاسم النصر أباذي: "بلغني أن الحارث المحاسبي تكلم في شيء من الكلام فهجره أحمد بن حنبل فاختفى، فلما مات لم يصل عليه؛ إلا أربعة نفر" (٦).وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه ... " (٧).

стр. 624

وقال: "والإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة كانوا يحذرون عن هذا الأصل الذي أحدثه ابن كلاب ويحذرون من أصحابه. وهذا هو سبب تحذير الإمام أحمد عن الحارث المحاسبي ونحوه من الكلابية" (١). وقال الإمام أبو بكر ابن خزيمة "ت ٣١١هـ" لما قال له أبو علي الثقفي: "ما الذي أنكرت أيها الأستاذ من مذاهبنا حتى نرجع عنه؟ قال: ميلكم إلى مذهب الكلابية، فقد كان أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبدالله بن سعيد بن كلاب، وعلى أصحابه مثل الحارث وغيره" (٢). وكان ابن خزيمة ﵀ شيخ الإسلام وإمام الأئمة في زمنه، شديداً على الكلابية، منابذاً لهم. فإذا كان هذا موقف إمام أهل السنة أحمد بن حنبل من الكلابية الذين هم سلف الأشاعرة، مع موافقتهم لأهل السنة في أكثر أقوالهم كما يدل عليه قول أبي الحسن الأشعري: "فأما أصحاب عبدالله بن سعيد القطان، فإنهم يقولون بأكثر ما ذكرناه عن أهل السنة ... " (٣).وكان ابن كلاب والمحاسبي يثبتون لله صفة العلو، والاستواء على العرش، كما يثبتون الصفات الخبرية كالوجه واليدين وغيرهما (٤). فكيف بمتأخري الأشاعرة الذين يؤولون ذلك كله، ويوافقون المعتزلة والجهمية في كثير من أقوالهم، مخالفين بذلك أئمة السلف من أهل السنة بل مخالفين سلفهم ابن كلاب وأصحابه. فما هو موقف علماء أهل السنة منهم؟ وهل أقروهم على دعواهم أنهم أهل السنة؟ ذلك ما ستقف عليه في الصفحات التالية:

стр. 625

المبحث الثاني: موقف علماء أهل السنة من دعوى الأشاعرة أنهم أهل السنة بتتبع كلام أهل العلم من علماء أهل السنة نجد أقوالهم في ذلك متفاوتة ما بين متشدد، دعاه لذلك ما وقف عليه من مخالفة القوم للسنة، وموافقتهم للجهمية والمعتزلة في بعض أقوالهم، فبدعهم وحذر منهم ولم ير استحقاقهم للقب "أهل السنة" الذي يدعونه. وبين متساهل يعدهم من أهل السنة، لما رأى من موافقتهم للسنة في بعض المسائل. وبين هؤلاء وهؤلاء حاول بعض من أهل العلم التدقيق في المسألة، والقول فيها بشيء من التفصيل. وفرق بعض أهل العلم بين متقدميهم ومتأخريهم، فعد المتقدمين منهم أقرب إلى أهل الحديث والسنة، والمتأخرين أقرب إلى الجهمية والمعتزلة. وإليك تفصيل أقوالهم مرتبة حسب التصنيف الذي ألمحنا إليه: القول الأول: قول بعض أهل العلم: أن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة وإنما هم أهل كلام، عدادهم في أهل البدعة. وممن ذهب إلى ذلك: الإمام أبو نصر السجزي "ت ٤٤٤ هـ". حيث يرى أنهم محدثة وليسوا أهل سنة، فيقول في فصل عقده لبيان السنة ما هي؟ وبم يصير المرء من أهلها؟

стр. 626

" ... فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله، فإن أتى بذلك علم صدقه، وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، علم أنه محدث زائغ، وأنه لا يستحق أن يصغى إليه أو ينظر في قوله، وخصومنا المتكلمون معلوم منهم أجمع اجتناب النقل والقول به بل تمحينهم لأهله ظاهر، ونفورهم عنهم بين، وكتبهم عارية عن إسناد بل يقولون: قال الأشعري، وقال ابن كلاب، وقال القلانسي، وقال الجبائي ... ومعلوم أن القائل بما ثبت من طريق النقل الصحيح عن الرسول ﷺ لا يسمى محدثاً بل يسمى سنياً متبعاً، وأن من قال في نفسه قولاً وزعم أنه مقتضى عقله، وأن الحديث المخالف لا ينبغي أن يلتفت إليه، لكونه من أخبار الآحاد، وهي لا توجب علماً، وعقله موجب للعلم يستحق أن يسمى محدثاً مبتدعاً، مخالفاً، ومن كان له أدنى تحصيل أمكنه أن يفرق بيننا وبين مخالفينا بتأمل هذا الفصل في أول وهلة، ويعلم أن أهل السنة نحن دونهم، وأن المبتدعة خصومنا دوننا" (١).بل يذهب ﵀ أبعد من ذلك فيرى أن ضررهم أكثر من ضرر المعتزلة، فيقول: "ثم بلي أهل السنة بعد هؤلاء؛- أي: المعتزلة – بقوم يدعون أنهم من أهل الاتباع، وضررهم أكثر من ضرر المعتزلة وغيرهم وهم أبو محمد بن كلاب وأبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري ... " (٢).معللاً رأيه هذا بقوله: "فهؤلاء يردون على المعتزلة بعض أقاويلهم ويردون على أهل الأثر أكثر مما ردوه على المعتزلة" (٣). وقوله: " ... لأن المعتزلة قد أظهرت مذهبها ولم تستقف (٤) ولم تموه. بل قالت: إن الله بذاته في كل مكان وإنه غير مرئي، وإنه لا سمع له ولا بصر ... فعرف أكثر المسلمين مذهبهم وتجنبوهم وعدوهم أعداء. والكلابية، والأشعرية قد أظهروا الرد على المعتزلة، والذب عن السنة وأهلها، وقالوا في القرآن وسائر الصفات ما ذكرنا بعضه" (٥).وممن عدهم من أهل البدع محمد بن أحمد بن خويز منداد المصري المالكي، فقد روى عنه ابن عبدالبر: أنه قال في كتاب (الشهادات) من كتابه (الخلاف)، في تأويل قول مالك، لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء قال: "أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعرياً كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبداً، ويهجر ويؤدب على بدعته ... " (٦). ومن المتأخرين: الشيخ ابن سحمان، والشيخ عبدالله أبو بطين كما سيأتي ذكر قولهما في ذلك في معرض ردهما على السفاريني في اعتباره الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة. القول الثاني: قول من عدهم من أهل السنة، ومن هؤلاء. السفاريني "١١١٤ - ١١٨٨"؛ حيث قسم أهل السنة إلى ثلاث فرق فقال: "أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: ١) الأثرية: وإمامهم أحمد بن حنبل ....

стр. 627

٢) والأشعرية: وإمامهم أبو الحسن الأشعري.٣) والماتريدية: وإمامهم أبو منصور الماتريدي" (١).ولم يسلم ذلك له فقد تعقبه في الحاشية بعض أهل العلم ولعله الشيخ ابن سحمان فقال: "هذا مصانعة من المصنف رحمه الله تعالى في إدخاله الأشعرية والماتريدية في أهل السنة والجماعة، فكيف يكون من أهل السنة والجماعة من لا يثبت علو الرب سبحانه فوق سماواته، واستواءه على عرشه ويقول: حروف القرآن مخلوقة، وإن الله لا يتكلم بحرف وصوت، ولا يثبت رؤية المؤمنين ربهم في الجنة بأبصارهم، فهم يقرون بالرؤية ويفسرونها بزيادة علم يخلقه الله في قلب الرائي. ويقول: الإيمان مجرد التصديق وغير ذلك من أقوالهم المعروفة المخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة" (٢).كما علق على ذلك أيضاً الشيخ عبدالله بابطين "ت ١٢٨٢هـ" بقوله: "تقسيم أهل السنة إلى ثلاث فرق فيه نظر، فالحق الذي لا ريب فيه أن أهل السنة فرقة واحدة، وهي الفرقة الناجية التي بينها النبي ﷺ حين سئل عنها بقوله: ((هي الجماعة)) (٣)، وفي رواية: ((من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)) (٤)، ... قال: وبهذا عرف أنهم المجتمعون على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ولا يكونون سوى فرقة واحدة. – قال -: والمؤلف نفسه يرحمه الله لما ذكر في المقدمة هذا الحديث، قال في النظم: وليس هذا النص جزماً يعتبر ... في فرقة إلا على أهل الأثر يعني بذلك: الأثرية. وبهذا عرف أن أهل السنة والجماعة هم فرقة واحدة الأثرية والله أعلم" (٥).وممن ذهب مذهب السفاريني. الأستاذ: أحمد عصام الكاتب، فقال في بيان أهل السنة من هم: "وبالجملة فهم: أهل الحديث، والأشاعرة، والماتريدية؛ لأنهم جميعاً التزموا أسس العقيدة وأصولها ... " (٦). ولا يخفى ما في هذا الكلام من تجوز وتساهل، فإن الخلاف بينهم ولا سيما بين أهل الحديث، وبين الأشعرية والماتريدية، هو في أسس العقيدة وأصولها، ومن أهم هذه الأسس مسألة النقل التي تقدم الحديث عنها. ومن هؤلاء: الدكتور/ أحمد محمود صبحي. حيث قال في كتابه (في علم الكلام): " ... ولكن ليس للأشعرية حق الادعاء أنها تعبر عن فرقة أهل السنة والجماعة، وإنما تجاذب هذه الفرقة فريقان:

стр. 628

١) مذهب السلف من أهل السنة منذ الإمام أحمد بن حنبل إلى أن بلغ به ابن تيمية ذروة التبلور والتماسك.٢) مذهب الخلف من أهل السنة وتشارك الصفاتية والأشعرية فيه مذاهب أخرى أهمها الماتريدية" (١). فعد الأشعرية من أهل السنة، وإن كان لا يرى انفرادها بذلك. القول الثالث: قول من يرى أنهم من أهل السنة فيما وافقوا فيه أهل السنة من أبواب الاعتقاد. وممن قال بذلك: الشيخ عبدالعزيز بن باز حيث قال جواباً على قول الصابوني: "أن التأويل لبعض الصفات لا يخرج المسلم عن جماعة أهل السنة". قال: "صحيح في الجملة فالمتأول لبعض الصفات كالأشعرية لا يخرج بذلك عن جماعة المسلمين ولا عن جماعة أهل السنة في غير باب الصفات، ولكنه لا يدخل في جماعة أهل السنة عند ذكر إثباتهم للصفات وإنكارهم للتأويل. فالأشاعرة وأشباههم لا يدخلون في أهل السنة في إثبات الصفات لكونهم قد خالفوهم في ذلك وسلكوا غير منهجهم، وذلك يقتضي الإنكار عليهم وبيان خطئهم في التأويل، وأن ذلك خلاف منهج الجماعة ... كما أنه لا مانع أن يقال: إن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة في باب الأسماء والصفات، وإن كانوا منهم في الأبواب الأخرى، حتى يعلم الناظر في مذهبهم أنهم قد أخطأوا في تأويل بعض الصفات وخالفوا أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان في هذه المسألة، تحقيقاً للحق وإنكاراً للباطل وإنزالاً لكل من أهل السنة والأشاعرة في منزلته التي هو عليها ... " (٢).وممن ذهب إلى ذلك الدكتور/ صالح الفوزان، حيث قال في تعقيبه على مقالات الصابوني: "نعم هم – يعني: الأشاعرة من أهل السنة والجماعة في بقية أبواب الإيمان والعقيدة التي لم يخالفوهم فيها، وليسوا منهم في باب الصفات وما خالفوا فيه، لاختلاف مذهب الفريقين في ذلك" (٣). القول الرابع: اعتبارهم من أهل الإثبات والتفريق بين أئمتهم المتقدمين ومتأخريهم. وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يرى: أنهم يعدون من أهل الإثبات؛ لكونهم يثبتون بعض الصفات، وأنهم أقرب إلى أهل السنة من باقي الطوائف، على أنه يفرق بين أئمتهم المتقدمين وبين متأخريهم فعد المتقدمين أقرب إلى السلف وأهل السنة، وجعل المتأخرين أقرب إلى الجهمية والمعتزلة، لعظم موافقتهم لهم في كثير من أقوالهم.

стр. 629

يقول ﵀ في معرض كلامه عن درجات الجهمية: "وأما الدرجة الثالثة فهم: الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية لكن فيهم نوع من التجهم كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة، لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية، أو غير الخبرية ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها، ومن هؤلاء من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث كما عليه كثير من أهل الكلام. ومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار أيضاً في الجملة لكن مع نفي وتعطيل لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول وذلك كأبي محمد بن كلاب، ومن اتبعه وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري، وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى أهل السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة، فإن هؤلاء ينازعون المعتزلة نزاعاً عظيماً فيما يثبتونه من الصفات ... ، وأما المتأخرون فإنهم والوا المعتزلة وقاربوهم وقدموهم على أهل السنة والإثبات وخالفوا أوليهم ... " (١).وقال في (شرح الأصفهانية): "وأن الأشعرية أقرب إلى السلف والأئمة وأهل الحديث. – وقال -: عن متأخري الأشاعرة: فإن كثيراً من متأخري أصحاب الأشعري خرجوا عن قوله إلى قول المعتزلة أو الجهمية أو الفلاسفة ... " (٢). والذي أراه أنه لابد من التفصيل التالي في اعتبار الأشاعرة من أهل السنة أو إخراجهم عنهم، ولا يطلق عليهم أنهم أهل السنة أو من أهل السنة بإطلاق؛ لأنهم ليسوا على السنة المحضة في كثير من أمور السنة في الاعتقاد، ولا يطلق أنهم ليسوا من أهل السنة؛ لأنهم يدخلون في مسمى أهل السنة بالاعتبارات الآتية: ١) هم من أهل السنة: بالمعنى العام لمصطلح أهل السنة، والذي يدخل فيه جميع المنتسبين إلى الإسلام عدى الرافضة. كما تقدم لنا في مبحث تعريف أهل السنة. ٢) وهم من أهل السنة: في أمور العبادات والعمليات؛ لأن السنة تشمل أمور الاعتقاد والعبادة والأعمال. كما تقدم نقل قول شيخ الإسلام ابن تيمية وفيه: "ولفظ السنة في كلام السلف يتناول السنة في العبادات، وفي الاعتقادات ... ". والأشاعرة في أمور العبادات ليس لهم من الأقوال ما يخرجهم عن أهل السنة في الجملة. فبهذه الاعتبارات يعد: الأشاعرة من أهل السنة. ولكن لما كان اسم "أهل السنة" إذا أطلق فهم منه أمور العبادات والاعتقادات جميعاً، بل هو بأمور الاعتقاد أخص، كما قال شيخ الإسلام في معنى "أهل السنة": "وقد يراد به: أهل الحديث والسنة المحضة، فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله، تعالى، ويقول القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل الحديث والسنة" (٣). ورأينا الأشاعرة ليسوا على السنة المحضة في كل أبواب الاعتقاد، ومسائله التي ذكرها الإمام أحمد طرفاً منها وبين أن من خالف فيها لا يعد من أهل السنة كما سيأتي فهل نقول: هم من أهل السنة؛ لأنهم وافقوا السنة في بعض أبواب ومسائل العقيدة، أم نسحب عنهم هذا الاسم لمخالفتهم للسنة في بعض المسائل والأبواب؟ هذا مناط الخلاف في كونهم من أهل السنة أو ليسوا من أهلها.

стр. 630

فمن تغاضى عن المسائل التي خالفوا فيها أهل السنة، قال هم من أهل السنة؛ لأنهم من أهل السنة في أبواب العبادات ولم يخرجوا عن اعتقاد أهل السنة في كل أبواب الاعتقاد. وعلى هذا يخرج عد السفاريني وغيره إياهم من أهل السنة. ومن رأى أنه لا يستحق اسم "أهل السنة" إلا من وافق السنة في أمور العبادات والاعتقادات، ومن خالف مذاهب أهل السنة وسلف الأمة في شيء من ذلك ولا سيما في أبواب الاعتقاد، فإنه لا يستحق اسم "أهل السنة". قال: ليس الأشاعرة من أهل السنة، وعلى هذا يخرج قول من قال: ليسوا من أهل السنة كالإمام السجزي والشيخ بابطين وغيرهما. وربما وجد ما يؤيد هذا الاتجاه في كلام أئمة السلف، حيث عدد كثير منهم مسائل الاعتقاد التي يكون المرء إذا استكملها من أهل السنة، وإن أخل بشيء منها فليس هو من أهل السنة، وذلك مثل: قول الإمام أحمد: "هذه مذاهب أهل العلم، وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروتها المعروفين بها، المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت من علماء الحجاز، والشام وغيرهما عليها، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طعن فيها، أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة زايل عن منهج السنة وسبيل الحق، فكان قولهم: أن الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسنة، والإيمان يزيد وينقص ... " (١). ثم ذكر جملة اعتقاد أهل السنة. وقول علي بن المديني: " .. السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها، أو يؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره ثم تصديق الأحاديث والإيمان بها ... إلى آخر الاعتقاد" (٢). وقول عبدالله بن المبارك: "أصل اثنين وسبعين هوى: أربعة أهواء فمن هذه الأربعة الأهواء تشعبت الاثنان وسبعون هوى القدرية، والمرجئة والشيعة والخوارج. فمن قدم أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً على أصحاب رسول الله ﷺ ولم يتكلم في الباقين إلا بخير ودعا لهم، فقد خرج من التشيع أوله وآخره. ومن قال: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فقد خرج من الأرجاء أوله وآخره. ومن قال الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد مع كل خليفة، ولم ير الخروج على السلطان بالسيف ودعا لهم بالصلاح فقد خرج من قول الخوارج أوله وآخره. ومن قال: المقادير كلها من الله خيرها وشرها يضل من يشاء ويهدي من يشاء؛ فقد خرج من قول القدرية أوله وآخره، وهو صاحب سنة ... " (٣).وقول: عبيدالله بن بطة العكبري: "ونحن ذاكرون شرح السنة ووصفها، وما هي في نفسها، وما الذي إذا تمسك به العبد ودان الله به سمى بها واستحق الدخول في جملة أهلها، وما إن خالفه أو شيئاً منه دخل في جملة من عبناه وذكرناه وحذر منه من أهل البدع والزيع فما أجمع على شرحنا له أهل الإسلام وسائر الأمة منذ بعث الله نبيه ﷺ إلى وقتنا هذا. – ثم ذكر الإيمان والصفات والقدر وغيرها من أمور الاعتقاد- ... " (٤). فكلام هؤلاء الأئمة المعتبرين المقتدى بهم صريح في أن أحداً لا يرقى ولا يتأهل لحمل لقب "صاحب سنة" أو أنه "من أهل السنة"؛ إلا إذا تحققت فيه خصال السنة التي أجمعوا عليها.

стр. 631

أما من رأى من أهل العلم أن من خالف السنة في باب من أبواب الاعتقاد ووافقها في باب آخر فهو من أهل السنة فيما وافق فيه السنة، وليس منهم فيما خالفهم فيه، وذلك من باب أن المرء يمدح بقدر ما فيه من موافقة السنة، ويذم بقدر ما فيه من مخالفتها، وأن إخراج قوم من مسمى "أهل السنة"؛ لأنهم خالفوا السنة في باب دون باب، فيه مجانبة للعدل والإنصاف، من رأى هذا الرأي قال مثلاً: الأشاعرة من أهل السنة في أبواب الإيمان والعقيدة التي لم يخالفوهم فيها، وليسوا منهم في باب الصفات وما خالفوا فيه. والذي أميل إليه: أن لا يقال: "الأشاعرة من أهل السنة" إلا بقيد، فيقال: هم من أهل السنة في كذا، في الأبواب التي لم يخالفوا فيها مذهب أهل السنة. لأننا إذا أطلقنا القول بأنهم من "أهل السنة" التبس الأمر وظن من لا دراية له بحالهم أنهم على مذهب أهل السنة والسلف في كل خصال السنة، والواقع أنهم ليسوا كذلك. بل في أقوالهم ما يخالف السنة في كثير من أبواب الاعتقاد. فليسوا على السنة المحضة في كل اعتقاداتهم. وإذا أطلقنا القول بأنهم ليسوا من أهل السنة، كان ذلك حكماً بأنهم خالفوا السنة في كل أبواب الاعتقاد، والأمر ليس كذلك فقد وافقوا أهل السنة في أبواب الصحابة والإمامة وبعض السمعيات. فالعدل والإنصاف يقتضي أن يحكم على كل بما يستحق على ضوء ما رضي لنفسه من قول واختط من نهج. المصدر: وسطية أهل السنة بين الفرق لمحمد باكريم - ص ٤١ هنالك لبس كبير يقع فيه بعض الناس قديما وحديثا, ذلكم هو دعوى الأشاعرة بأنهم أهل السنة, ووصفهم بذلك من غيرهم – أحيانا – وهذه دعوى عريضة فيها الكثير من الإيهام والخلط. أولا: أن أهل السنة والجماعة: سموا بذلك لأنهم هم الذين على سنة رسول الله ﷺ , وهم الجماعة الذين ذكرهم رسول الله, ﷺ . وعليه فأهل السنة: الصحابة والتابعون ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. ولم يبتدع ولم يغير, ومن غير أو بدل أو أحدث في الدين ما ليس منه وما لم يكونوا عليه في الاعتقاد والسنة فليس منهم فيما غير أو بدل. ثانيا: أما الأشاعرة: فإنهم فرقة كلامية طارئة, نشأت بعد القرون الفاضلة فهي تنتسب إلى الإمام أبي الحسن علي ابن إسماعيل الأشعري المتوفى سنة (٣٢٤هـ) ﵀ وكان معتزليا, ثم تحول عن المعتزلة عام (٣٠٠هـ) تقريبا, وصار يرد عليهم بأساليبهم الكلامية من جانب, وبنصوص الكتاب والسنة من جانب آخر, وبهذا وقف للمعتزلة وتصدى لهم وهو ومن نهج منهجه حتى أفحمهم وهذا عمل جليل يحمد له. وفي هذا الجو نشأ مذهب عقدي تلفيقي مخضرم, لا هو سني خالص ولا كلامي عقلاني خالص, حتى هدأت العاصفة وانجلى غبار المعركة ضد المعتزلة, وقد أبلى فيها الإمام أبو الحسن الأشعري بلاء حسنا, وخرج منتصرا على المعتزلة والجهمية, ومن سلك سبيلهم, وهنا استبصر الأشعري الحق وعرف أنه إنما انتصر بتعويله على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ , ونصره للسنة وأهلها, وقوفه مع أئمة السلف الآخرين.

стр. 632

ثم تراجع عن مقولاته في الصفات وغيرها التي سلك فيها مسلك التأويل والتعويل على العقل, والكلام في أمور الغيب والصفات والقدر فقرر أن يلحق بركب أهل السنة والجماعة فأبان عن ذلك في كتابه (الإبانة) ووفقه الله للتخلص من التلفيق العقدي فقال:" ..... وقولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا وبسنة نبينا محمد ﷺ وما روي عن الصحابة والتابعين, وأئمة الحديث, ونحن بذلك معتصمون وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل – نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته – قائلون, ولمن خالف قوله مجانبون ..... " (١). لكن مذهبه الثاني: النقلة من الاعتزال إلى طريقة ابن كلاب الكلامية – بقي مذهبا يحتذى إلى اليوم, لأنه يشبع رغبات الفلاسفة والمتكلمين, وأهل التأويل. فالأشاعرة تنتسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري قبل عودته إلى أهل السنة, وبعد فراره من الاعتزال, وبالرغم من أنه تخلى عن هذا المذهب, وكتب خلافه في (الإبانة) والمقالات, إلا أن الشاعرة لا يزالون يحملونه تبعته ... فالأشاعرة مذهب طارئ ملفق بين أهل السنة وأهل الكلام, لذلك صاروا أقرب الفرق الكلامية إلى أهل السنة. ومن جانب آخر فالأشعرية مرت بأطوار تاريخية في كل طور تزداد الشقة بينهم وبين أهل السنة ولا سيما بعد ما أدخل فيها زعماؤهم اللاحقون تلك الأسس والمعتقدات الدخيلة من: الفلسفة, والتصوف, والمنطق, والكلام, والجدل, حتى صارت عقيدة الأشاعرة مزيجا من تلك الأخلاط. ومن أبرز أولئك: الباقلاني, المتوفى سنة (٤٠٣هـ) والقشيري المتوفى سنة (٤٦٥هـ) وأبو المعالي الجويني, المتوفى سنة (٤٧٨هـ) , وابن العربي المتوفى سنة (٥٤٣هـ) , والغزالي, المتوفى سنة (٥٠٥) , والفخر الرازي, المتوفى سنة (٦٠٦هـ) , والآمدي المتوفى سنة (٦٨٢هـ) , ونحوهم. غفر الله لنا ولهم فأصبحت الأشاعرة اليوم مزيجا من المشارب والمعتقدات بين أهل السنة والفلسفة والتصوف, وعلم الكلام, لذلك نجدهم أكثر من ينتسبون للسنة وقوعا في المخالفات العقدية والعبادية (أي بدع العقائد والعبادات) وهذا بخلاف أهل السنة في كل زمان, كما نجد أن كثيرا من الأشاعرة (حاليا) منضوون تحت الطرق الصوفية البدعية. وتكثر فيهم بدع القبور والتبرك البدعي بالأشخاص والأشياء, وبدع العبادات والأذكار والموالد ونحوها. وهذه البدع هي التي تميزهم – حاليا – عن أهل السنة بوضوح. فمن خلال الواقع اليوم, يندر أن ترى أحدا من الأشاعرة إلا ولديه شيء من البدع أو الميل إلى ذلك, أو التساهل وعدم الاكتراث بهذه المسألة الخطيرة, بينما العكس فيمن ينتسبون – حقا – لأهل السنة, فإنه يندر أن تجد فيهم من يتعرق بشيء من البدع, إلا عن جهل وهذا قليل جدا بحمد الله. لذا يطلق الأشاعرة المعاصرون تبعا للرافضة وسائر الطوائف غير السنية على أهل السنة في سائر بلاد المسلمين اليوم (وهابية) نسبة إلى الداعي المصلح محمد بن عبد الوهاب – ﵀ – كما أنهم قديما كانوا يطلقون على أهل السنة (الحنابلة) نسبة لإمام السنة الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وما علموا أن نبذهم باسم هذين الإمامين أحمد بن حنبل ومحمد بن عبد الوهاب تزكية لهم وهو شرف وشهادة لهم بأنهم مقتدون بأئمة الهدى. المصدر: مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة وموقف الحركات الإسلامية المعاصرة منها لناصر العقل – ص٥٤

стр. 633

إن مصطلح أهل السنة والجماعة يطلق ويراد به معنيان: أ- المعنى الأعم: وهو ما يقابل الشيعة فيقال: المنتسبون للإسلام قسمان: أهل السنة والشيعة، مثلما عنون شيخ الإسلام كتابه في الرد على الرافضي (منهاج السنة) وفيه بين هذين المعنيين (١)، وصرح أن ما ذهبت إليه الطوائف المبتدعة من أهل السنة بالمعنى الأخص. وهذا المعنى يدخل فيه كل من سوى الشيعة كالأشاعرة، لاسيما والأشاعرة فيما يتعلق بموضوع الصحابة والخلفاء متفقون مع أهل السنة وهي نقطة الاتفاق المنهجية الوحيدة كما سيأتي. ب- المعنى الأخص: وهو ما يقابل المبتدعة وأهل الأهواء، وهو الأكثر استعمالاً في كتب الجرح والتعديل، فإذا قالوا عن الرجل أنه صاحب سنة أو كان سنياً أو من أهل السنة ونحوها، فالمراد أنه ليس من إحدى الطوائف البدعية كالخوارج والمعتزلة والشيعة، وليس صاحب كلام وهوى. وهذا المعنى لا يدخل فيه الأشاعرة أبداً، بل هم خارجون عنه وقد نص الإمام أحمد وابن المديني على أن من خاض في شيء من علم الكلام لا يعتبر من أهل السنة وإن أصاب بكلامه السنة حتى يدع الجدل ويسلم للنصوص، فلم يشترطوا موافقة السنة فحسب، بل التلقي والاستمداد منها (٢)، فمن تلقى من السنة فهو من أهلها وإن أخطأ، ومن تلقى من غيرها فقد أخطأ وإن وافقها في النتيجة. والأشاعرة – كما سترى – تلقوا واستمدوا من غير السنة ولم يوافقوها في النتائج فكيف يكونون من أهلها. وسنأتي بحكمهم عند أئمة المذاهب الأربعة من الفقهاء فما بالك بأئمة الجرح والتعديل من أصحاب الحديث: ١ - عند المالكية: روى حافظ المغرب وعلمها الفذ ابن عبد البر بسنده عن فقيه المالكية بالمشرق ابن خويز منداد أنه قال في كتاب (الشهادات) شرحاً لقول مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء، وقال: " أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعرياً كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبداً، ويهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها (٣). وروى ابن عبد البر نفسه في الانتقاء عن الأئمة الثلاثة " مالك وأبي حنيفة والشافعي " نهيهم عن الكلام وزجر أصحابه وتبديعهم وتعزيرهم، ومثله ابن القيم في (اجتماع الجيوش الإسلامية) فماذا يكون الأشاعرة إن لم يكونوا أصحاب كلام؟ ٢ - عند الشافعية: قال الإمام أبو العباس بن سريج الملقب بالشافعي الثاني، وقد كان معاصراً للأشعري: " لا نقول بتأويل المعتزلة والأشعرية والجهمية والملحدة والمجسمة والمشبهة والكرامية والمكيفة بل نقبلها بلا تأويل ونؤمن بها بلا تمثيل "

стр. 634

قال الإمام أبو الحسن الكرجي من علماء القرن الخامس الشافعية ما نصه: " لم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري ويتبرأون مما بنى الأشعري مذهبه عليه وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه على ما سمعت من عدة من المشايخ والأئمة "، وضرب مثالاً بشيخ الشافعية في عصره الإمام أبو حامد الإسفرائيني الملقب "الشافعي الثالث" قائلاً: " ومعلوم شدة الشيخ على أصحاب الكلام حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول الأشعري، وعلق عنه أبو بكر الراذقاني وهو عندي، وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابيه (اللمع) و (التبصرة) حتى لو وافق قول الأشعري وجهاً لأصحابنا ميزه وقال: " هو قول بعض أصحابنا وبه قالت الأشعرية ولم يعدهم من أصحاب الشافعي، استنكفوا منهم ومن مذهبهم في أصول الفقه فضلاً عن أصول الدين " (١) أ. هـ. وبنحو قوله بل أشد منه قال شيخ الإسلام الهروي الأنصاري (٢).٣ - الحنفية: معلوم أن واضع الطحاوية وشارحها كلاهما حنفيان، وكان الإمام الطحاوي معاصراً للأشعري وكتب هذه العقيدة لبيان معتقد الإمام أبي حنيفة وأصحابه، وهي مشابهة لما في الفقه الأكبر عنه وقد نقلوا عن الإمام أنه صرح بكفر من قال إن الله ليس على العرش أو توقف فيه، وتلميذه أبو يوسف كفر بشراً المريسي، ومعلوم أن الأشاعرة ينفون العلو وينكرون كونه تعالى على العرش ومعلوم أيضاً أن أصولهم مستمدة من بشر المريسي (٣).٤ - الحنابلة: موقف الحنابلة من الأشاعرة أشهر من أن يذكر فمنذ بدّع الإمام أحمد " ابن كلاب " وأمر بهجره – وهو المؤسس الحقيقي للمذهب الأشعري – لم يزل الحنابلة معهم في معركة طويلة، وحتى في أيام دولة نظام الملك – التي استطالوا فيها – وبعدها كان الحنابلة يخرجون من بغداد كل واعظ يخلط قصصه بشيء من مذهب الأشاعرة، ولم يكن ابن القشيري إلا واحداً ممن تعرض لذلك، وبسبب انتشار مذهبهم وإجماع علماء الدولة سيما الحنابلة على محاربته أصدر الخليفة القادر منشور " الاعتقاد القادري " أوضح فيه العقيدة الواجب على الأمة اعتقادها سنة ٤٣٣ هـ (٤) (٥). وكذلك يفعل أتباعهم في عصرنا هذا بملء خطبهم الحماسية ومواعظهم وقصصهم وما يسمونه بالكتب الفكرية لثقة قرائهم - من الشباب المتحمس - العمياء بهم ولجهل أكثر هؤلاء الشباب بعقيدتهم الصحيحة التي كان عليها سلفهم الصالح من الصحابة ومن تبعهم بإحسان.

стр. 635

هذا وليس ذم الأشاعرة وتبديعهم خاصة بأئمة المذاهب المعتبرين، بل هو منقول أيضاً عن أئمة السلوك الذين كانوا أقرب إلى السنة واتباع السلف، فقد نقل شيخ الإسلام في الاستقامة كثيراً من أقوالهم في ذلك، وأنهم يعتبرون موافقة عقيدة الأشعرية منافياً لسلوك طريق الولاية والاستقامة حتى أن عبد القادر الجيلاني لما سئل: " هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل؟ قال: ما كان ولا يكون ". هذا موجز مختصر جداً لحكم الأشاعرة في المذاهب الأربعة، فما ظنك بحكم رجال الجرح والتعديل مما يعلم أن مذهب الأشاعرة هو رد خبر الآحاد جملة، وأن في الصحيحين أحاديث موضوعة أدخلها الزنادقة، وغيرها من العوام، وانظر إن شئت ترجمة إمامهم المتأخر الفخر الرازي في الميزان ولسان الميزان. فالحكم الصحيح في الأشاعرة أنهم من أهل القبلة لاشك في ذلك، أما أنهم من أهل السنة فلا، وسيأتي تفصيل ذلك في الموضوعات التالية: وهاهنا حقيقة كبرى أثبتها علماء الأشعرية الكبار بأنفسهم – كالجويني وابن أبي المعالي والرازي والغزالي وغيرهم – وهي حقيقة إعلان حيرتهم وتوبتهم ورجوعهم إلى مذهب السلف، وكتب الأشعرية المتعصبة مثل طبقات الشافعية أوردت ذلك في تراجمهم أو بعضه فما دلالة ذلك؟ إذا كانوا من أصلهم على عقيدة أهل السنة والجماعة فعن أي شيء رجعوا؟ ولماذا رجعوا؟ وإلى أي عقيدة رجعوا؟ رابعاً: دعوى الأشاعرة أن أكثر أئمة المسلمين على مذهبهم دعوى عارية عن الدليل يكذبها الواقع التاريخي، وكتب الأشاعرة نفسها عند تعريف مذهبي السلف والخلف تقول إن مذهب السلف هو مذهب القرون الثلاثة وبعضها يقول إنه مذهب القرون الخمسة (١)، فما بقي بعد هذه القرون؟ وصدقوا فالثابت تاريخياً أن مذهب الأشاعرة لم ينتشر إلا في القرن الخامس إثر انتشار كتب الباقلاني (٢). ولولا ضيق المجال لسردت قائمة متوازية أذكر فيها كبار الأشاعرة ومن عاصرهم من كبار أهل السنة والجماعة الذين يفوقون أولئك عدداً وعلماً وفضلاً، وحسبك ما جمعه ابن القيم في (اجتماع الجيوش الإسلامية) والذهبي في (العلو)، وقبلهما اللالكائي. أما عوام المسلمين فالأصل فيهم أنهم على عقيدة السلف؛ لأنها الفطرة التي يولد عليها الإنسان، وينشأ عليها المسلم، بلا تلقين ولا تعليم – من حيث الأصل – فكل من لم يلقنه المبتدعة بدعتهم ويدرسوه كتبهم، فليس من حق أي فرقة أن تدعيه إلا أهل السنة والجماعة. ومن الأدلة على ذلك الإنسان الذي يدخل في الإسلام حديثاً، فهل تستطيع أي فرقة أن تقول أنه معتزلي أو أشعري؟ أما نحن فبمجرد إسلامه يصبح واحداً منا. وإن شئت المثال على عقيدة العوام فاسأل الملايين من المسلمين شرقاً وغرباً هل فيهم من يعتقد أن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته كما تقول الأشاعرة. أم أنهم كلهم مفطورون على أنه تعالى فوق المخلوقات، وهذه الفطرة تظل ثابتة في قلوبهم حتى وإن وجدوا من يلقنهم في أذهانهم تلك المقولة الموروثة عن فلاسفة اليونان (٣).
следующие страницы →