وإنما سمي ذلك كلاماً مجازاً لكونه حكايةً أو عبارةً عنه.
وحقيقة الكلام: معنى قائمُ بذات المتكلم.
فمنهم من اقتصر على هذا القدر.
ومنهم من احترز عما علم دخوله على هذا الحد فزاد فيه:
"ينافي السكوت والخرس والآفات المانعة فيه من الكلام".
ثم خرجوا من هذا إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلام الله تجسيم.
وإثبات اللغة فيه تشبيه، وتعلقوا بشبهٍ منها قول الأخطل.
إن البيان من الفؤاد إنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
فغيروه وقالوا: "إن الكلام من الفؤاد ... ".
فألجأهم الضيق مما دخل عليهم في مقالتهم إلى أن قالوا:
"الأخرس متكلم، وكذلك الساكت والنائم، ولهم في حال الخرس والسكوت والنوم كلام هم متكلمون به".
ثم أفصحوا بأن الخرس والسكوت والآفات المانعة من النطق ليست بأضداد الكلام.
وهذه المقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير رد عليه. ومن علم منه خرق إجماع الكافة ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله - لم يناظر بل يجانب ويقمع" (١).
٢ - وقال هذا الإمام السجزي الوائلي الحنفي أيضاً:
" ... فإن ارتكبوا العظمى وقالوا: "كلام الله شيء واحد على أصلنا لا يتجزأ، وليس بلغة، والله سبحانه من الأزل إلى الأبد متكلم بكلام واحدٍ لا أول له ولا آخر ... والتكثر - إنما يرجع إلى العبارة لا إلى المعبر عنه".
قيل له: قد بينا مراراً كثيرة - أن قولكم في هذا الباب فاسد، وأنه مخالف للعقليين، والشرعيين جميعاً (يعني أهل البدعة وأهل السنة)،
وأن نص الكتاب، والثابت من الأثر قد نطقا بفساده.
قال الله تعالى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [النحل: ٤٠]
فبين الله أنه يقول: للشيء "كن" إذا أراد كونه،
فعلم بذلك أنه لم يقل للقيامة بعد: "كوني" ...
فبين الله ﷻ : أنه قال لآدم بعد خلقه من تراب: "كن".وأنه إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون ... " (٢).
стр. 982
قلت: أما هؤلاء الجهمية الماتريدية المحرفة فلا يؤمنون بهذا الذي صرح الله تعالى به من قوله "كن".فقد صرح كبيرهم أبو منصور الماتريدي قائلاً: "ليس هو قول من الله أن "كن" بالكاف والنون، ولكنه عبارة بأوجز كلام يؤدي المعنى التام المفهوم .. " (١).وهكذا الماتريدية بعد أبي منصور الماتريدي صرحوا بأنه ليس هناك قول "كن" وإنما هو مجاز وتمثيل عن "سرعة التكوين" (٢).قلت: هذه المقالة والله - تعطيل بواح وتكذيب صراح لكتاب الله وخالفهم فخر الإسلام وقال: كلمة "كن" تكلّم الله بها حقيقة لا مجازا، فشفى واشتفى" (٣).وهذا هو أبو منصور الماتريدي الذي يلقبونه "بإمام الهدى، وعلم الهدى ومصحح عقائد المسلمين، ورئيس أهل السنة، وناصر السنة، وقامع البدعة، ومحيي الشريعة، وقدوة أهل السنة، ورافع أعلام السنة، وقالع أضاليل الفتنة والبدعة، ومهدي هذه الأمة وإمام أهل السنة"، كما تقدم في ترجمته. كما لقبوه "بشيخ الإسلام" (٤).وللإمام أبي الحسن الأشعري (٣٢٤هـ) كلام متقن وحجج عقلية وبراهين سمعية، تقطع دابر هؤلاء المنكرين لقول الله تعالى "كن" (٥).
٣ - وقال شيخ الإسلام:
"وفي الجملة: حيث ذكر الله في كتابه عن أحد من الخلق من الأنبياء أو أتباعهم أو مكذبيهم: "أنهم قالوا، ويقولون: وذلك قولهم، وأمثال ذلك -
فإنما يعني به "المعنى مع اللفظ،
فهذا اللفظ وما تصرف منه من فعل ماض ومضارع وأمر ومصدر واسم فاعل، من لفظ القول والكلام ونحوهما.
إنما يعرف في القرآن والسنة وسائر كلام العرب -
إذا كان لفظاً ومعنىً وكذلك أنواعه، كالتصديق والتكذيب، والأمر والنهي وغير ذلك.
وهذا مما لا يمكن أحداً جحده، فإنه أكثر من أن يحصى.
ولم يكن في مسمى "الكلام" نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وتابعيهم لا من أهل السنة، ولا من أهل البدعة.
بل أول من عرف في الإسلام أنه جعل مسمى الكلام المعنى فقط.
هو عبدالله بن سعيد بن كلاب.
وهو متأخر في زمن محنة أحمد بن حنبل.
وقد أنكر ذلك عليه علماء السنة وعلماء البدعة.
فيمتنع أن يكون الكلام الذي هو أظهر صفات بني آدم.
كما قال الله تعالى: فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُون [الذاريات: ٢٣]
ولفظه لا تحصى وجوهه كثرةً - ولم يعرفه أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم حتى جاء من قال فيه قولاً لم يسبقه أحداٌ من المسلمين" (٦).
٤ - وقال: "وإذا كان الله إنما أنزل القرآن بلغة العرب. فهي لا تعرف التصديق والتكذيب وغيرها من الأقوال إلا ما كان "معنى ولفظاً"، أو"لفظاً" يدل على معنى ... " (٧).
стр. 983
٥ - وقال شيخ الإسلام أيضاً: بعد ما ذكر هذيانهم في "الكلام النفسي" من "أنه معنى واحد إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن وإن عبر عنه بالعبرية فهو توراة:
"وجمهور الناس من أهل السنة والمعتزلة وغيرهم أنكروا ذلك، وقالوا: إن فساد هذا معلوم بصريح العقل.
فإن التوراة إذا عربت لم تكن القرآن. ولا معنى "قل هو الله أحد" هو معنى "تبت يدا أبي لهب ... " (١).
٦ - وقال بعد ما ذكر هذيانهم المذكور من "أن الكلام معنى واحد قائم بنفس الله إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية، كان إنجيلاً، وأن القرآن العربي لم يتكلم الله به، بل وليس هو كلام الله وإنما خلقه في بعض الأجسام":"جمهور الناس من أهل السنة وأهل البدعة يقولون: إن فساد هذا القول معلوم بالاضطرار وإن معاني "القرآن" ليست هي معاني "التوراة" وليست معاني "التوراة" المعربة هي "القرآن" ولا "القرآن" إذا ترجم بالعبرية هو "التوراة" ولا "حقيقة" الأمر هي حقيقة "الخبر ... " (٢).
٧ - وقال في إبطال قولهم: "إن الكلام معنى واحد":
"فقالوا القول الذي لزمته تلك اللوازم التي عظم فيها نكير جمهور المسلمين بل جمهور العقلاء عليهم، وأنكر الناس عليهم أموراً:
أ- إثبات معنى واحدٍ هو الأمر والخبر.
ب- وجعل القرآن العربي ليس من كلام الله الذي تكلم به.
ج- وأن الكلام المنزل ليس هو كلام الله.
د- وأن التوراة والإنجيل والقرآن إنما تختلف عبارتها، فإذا عبر عن "التوراة" بالعربية كان هو "القرآن".
هـ- وأن الله لا يقدر أن يتكلم.
وولا يتكلم بمشيئته واختياره.
ز- وتكليمه لمن كلمه من خلقه - كموسى وآدم - ليس إلا خلق إدراك ذلك المعنى لهم فالتكليم هو خلق الإدراك فقط.
ح- ومنهم من يقول: بل كلام الله لا يسمع بحال ....
وجمهور العقلاء يقولون: إن هذه الأقوال معلومة الفساد بالضرورة ....
ط- وكذلك من قال: لا يتكلم إلا بأصوات قديمة أزلية ليست متعاقبة ... ،
فجمهور العقلاء يقولون: إن قول هؤلاء أيضاً معلوم الفساد ... ،ي- من قال: إن الصوت المسموع من القارئ قديم، أو يسمع منه صوت قديم ومحدث فهذا أظهر فساداً من أن يحتاج إلى الكلام عليه ... " (٣).
٨ - وقال شيخ الإسلام أيضاً في صدد إبطاله للكلام النفسي:
" ... لأن إثبات كلام يقول بذات المتكلم بدون مشيئته وقدرته غير معقول ولا معلوم، والحكم على الشيء فرع عن تصوره.
فيقال للمحتج بها - (أي بالحجة العقلية) - لا أنت ولا أحد من العقلاء يتصور كلاماً يقوم بذات المتكلم بدون مشيئته وقدرته.
فكيف تثبت بالدليل المعقول شيئاً لا يعقل؟.
وأيضاً فقولك: لو لم يتصف بالكلام لا تصف بالخرس والسكوت".
إنما يعقل في الكلام بالحروف والأصوات.
فإن الحي إذا فقدها لم يكن متكلماً.
فإما أن يكون قادراً على الكلام ولم يتكلم وهو الساكت،
وإما أن لا يكون قادراً عليه وهو الأخرس.
وأما ما يدعونه من "الكلام النفسي".
فذاك لا يعقل أن من خلا عنه كان ساكتاً أو أخرس.
فلا يدل - بتقدير ثبوته - على أن الخالي عنه يجب أن يكون ساكتاً أو أخرس.
وأيضاً فالكلام القديم "النفساني" الذي أثبتموه.
لم تثبتوه ما هو؟ بل ولا تصورتموه.
وإثبات الشيء فرع تصوره.
فمن لم يتصور ما يثبته - كيف يجوز أن يثبته؟!.
ولهذا كان أبو سعيد بن كلاب - رأس هذه الطائفة وإمامها في هذه المسألة - لا يذكر في بيانها شيئاً يعقل.
بل يقول: هو معنى يناقض السكوت والخرس.
والسكوت والخرس إنما يتصوران إذا تصور الكلام.
стр. 984
فالساكت هو الساكت عن الكلام، والأخرس هو العاجز عنه.
أو الذي حصلت له آفة في محل النطق تمنعه عن الكلام.
وحينئذ فلا يعرف الساكت والأخرس حتى يعرف الكلام ولا يعرف الكلام حتى يعرف الساكت والأخرس، فتبين أنهم لم يتصوروا ما قالوه ولم يثبتوه.
بل هم في "الكلام" يشبهون النصارى في "الكلمة".
وما قالوه في "الأقاليم" و"التثليث" و"الاتحاد".
فإنهم يقولون: ما لا يتصورونه ولا يبينونه،
والرسل ﵈ إذا أخبروا بشيء ولم نتصوره وجب تصديقهم.
وأما ما يثبت بالعقل فلابد أن يتصوره العاقل به، وإلا كان قد تكلم بلا علم، فالنصارى تتكلم بلا علم، فكان كلامهم متناقضاً ولم يحصل لهم قول معقول. كذلك من تكلم في كلام الله بلا علم كان كلامه متناقضاً، ولم يحصل له قول يعقل، ولهذا كان مما يشنع به على هؤلاء أنهم احتجوا في أصل دينهم ومعرفة حقيقة الكلام - كلام الله وكلام جميع الخلق - بقول شاعر نصراني يقال له الأخطل ... " (١).قلتُ: لقد صدق شيخ الإسلام المطلع على أقوال المتكلمين - فقد اعترف الآمدي (٦٣١هـ) الذي لقبوه بسيف الدين: بأن الجواب عن الإشكالات الواردة على الكلام النفسي مشكل (٢).
وهكذا حال الماتريدية في تناقضهم واضطرابهم وعجزهم عن إقامة حجة صحيحة على "الكلام النفسي".
ويشهد لما ذكرناه ما يلي من الأمور:
الأول: أن الجرجاني (٨١٦هـ) قد فر من إثبات الكلام النفسي بالمعنى الذي تريده عامة الماتريدية واختار ما اختاره الإيجي (٧٥٦هـ) الأشعري الذي أحس أن إثبات الكلام النفسي صعبٌ دونه خرط القتاد فخالفهم في تفسير كلام الأشعري حول الكلام النفسي واعترف بالكلام اللفظي وقال: "هذا الذي فهموه من كلام الشيخ الأشعري باطل إذ له لوازم باطلة كثيرةٌ".
ثم ذكر عدة من تلك اللوازم الباطلة العاطلة منها:
أ- عدم إكفار من أنكر كلاميّة ما بين دفتي المصحف مع أنه علم من الدين بالضرورة كونه كلام الله حقيقة.
ب- عدم المعارضة والتحدي بكلام الله الحقيقي.
ج- ذم كون المقروء والمحفوظ كلامه حقيقة.
ثم قال الجرجاني: "إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطن فوجب حمل كلام الشيخ الأشعري على المعنى الثاني الشامل للفظ والمعنى".
ثم قال: "هذا الذي ذكرناه وإن كان مخالفاً لما عليه متأخروا أصحابنا إلا أنه بعد التأمل تعرف حقيقته".
ثم قال الجرجاني مقرراً لمقالة الإيجي ومجرجراً:
"وهذا المجمل لكلام الشيخ مما اختاره الشيخ محمد الشهرستاني (٥٤٨هـ) في كتابه المسمى بـ"نهاية الأقدام"،ولا شبهة في أنه أقرب إلى الأحكام الظاهرية المنسوبة إلى الملة" (٣).الثاني: أنه قد نقل عبارة الجرجاني هذه الشيخ عصام الدين الإسفراييني (٩٥١هـ) فقد أسفر عن الاضطراب وضعفهم عن إقامة الحجة على إثبات الكلام النفسي واعترف بما اعترف به الجرجاني، فقال: "ولا شبهة في كونه أقرب ... " (٤).
стр. 985
الثالث: أن المرعشي (١١٥٠هـ) أيضاً صنع مثل ما صنع أسلافه واعترف فذكر كلام الإيجي والتفتازاني بكامله ثم قال مرتعشا:"أقول: الحاصل أن كلامه تعالى هو العبارات المنظومة كما هو مذهب السلف" (١).الرابع: أن عبدالحكيم السيالكوتي (١٠٦٧هـ) اختار حكمة أخرى في التحير والاضطراب والرد على جماعته، لا أطيل المقام بذكرها من شاء الإطلاع عليها فليراجع كلامه (٢).
الخامس: أن الشيخ رمضان البهشتي شارح حاشية الخيالي اختار خيالاً آخر ولوناً من الاعتراف بالعجز حيث قال بِهَشٍّ وبَهْشٍ:"إن ثبوت القرآن النفسي دونه خرط القتاد" (٣).وهكذا نرى كثيراً منهم يضطربون في هذا الأمر وهذا دليل عجزهم عن إثبات الكلام النفسي (٤).٩ - ١٢ - وللإمام ابن الجوزي (٥٩٧هـ) ومؤرخ الإسلام ناقد الرجال الذهبي (٧٤٨هـ) والإمامين: ابن القيم (٧٥١هـ) وابن أبي العز الحنفي (٧٩٢هـ) كلام قيم - فراجعه - في بيان مخالفتهم للعقل والنقل وإجماع أهل السنة، وأهل البدعة في آن واحد (٥).
الوجه الثامن:
أننا نسأل الماتريدية أن الله تعالى لما كلم موسى تكليماً: هل فهم موسى جميع كلام الله أم بعضه؟
كما نسأل الأشعرية: هل سمع موسى ﵇ جميع كلام الله أم بعضه؟.
فإن قلتم: فهم موسى أو سمع جميع كلام الله تعالى، فقد ارتكبتم كفراً بواحاً آخر حيث ادعيتم أن موسى أحاط بجميع كلام الله وعلمه، وقلتم بأن لكلامه انتهاءً ولا تقولون به أبد الآبدين، ولا عوض العائضين.
وإن قلتم: فهم أو سمع بعضه، فقد أبطلتم "الكلام النفسي" حيث قلتم بتجزئة كلام الله تعالى، وأنتم تقولون: "الكلام النفسي" أمر واحد لا يتجزأ وهدمتم بنيانكم بيانكم، وأخربتم بيوتكم بلسانكم.
قال الإمام أبو نصر السجزي الوائلي الحنفي (٤٤٤هـ) ﵀.
"خاطبني بعض الأشعرية يوماً في هذا الفصل وقال: "التجزؤ على القديم غير جائز".
فقلتُ له: أتقر بأن الله اسمع موسى كلامه على الحقيقة بلا ترجمان؟.
فقال: "نعم".
وهم يطلقون ذلك ويموهون على من لم يخبر مذهبهم، وحقيقة سماع كلام الله من ذاته على أصل الأشعري محال.
لأن سماع الخلق على ما جبلوا عليه من البنية، وأجروا عليه من العادة - لا يكون البتة إلا لما هو صوت أو في معنى الصوت.
وإذا لم يكن كذلك كان الواصل إلى معرفته بضرب من العلم والفهم.
وهما يقومان في وقت مقام السماع لحصول العلم بهما كما يحصل بالسماع.
وربما سمى ذلك سماعاً على التجوز لقربه من معناه.
فأما حقيقة السماع لما يخالف الصوت فلا يتأتى للخلق في العرف الجاري.
فقلت لمخاطبي الأشعري: قد علمنا جميعاً أن حقيقة السماع لكلام الله منه على أصلكم محال.
وليس ههنا من تتقيه وتخشى تشنيعه.
وإنما مذهبك: أن الله يفهم من شاء كلامه بلطيفة منه، حتى يصير عالماً متيقناً بأن الذي فهمه "كلام الله".
والذي أريد أن ألزمك وأردٌ على الفهم وروده على السماع.
فَدَعِ التمويه ودع المصانعة.
стр. 986
ما تقول في موسى ﵇ حيث كلمه الله؟.
أفهم كلام الله مطلقاً أم مقيداً؟.
فتلكأ قليلاً، ثم قال: "ما تريد بهذا"؟.
فقلتُ: دع إرادتي، وأجب بما عندك، فأبى وقال: "ما تريد بهذا"؟.
فقلتُ: أريد أنك إن قلت: "إنه ﵇ فهم كلام الله مطلقاً".
اقتضى أن لا يكون لله كلام من الأزل إلى الأبد إلا وقد فهمه موسى - وهذا يؤول إلى الكفر ...
وإذا لم يجز إطلاقه وألجئت إلى أن تقول:
"أفهمه الله ما شاء من كلامه".
دخلت في التبعيض الذي هربت منه، وكَفَّرْتَ من قال به، ويكون مخالفك أسعد منك، لأنه قال بما اقتضاه النص الوارد من قبل الله ، وقبل رسول الله ﷺ ، وأنت أبيت أن تقبل ذلك وادعيت:
"أن الواجب المصيرٌ إلى حكم العقل في هذا الباب".
وقد ردك العقل إلى موافقة النص خاسئاً.
فقال: هذا يحتاج إلى تأمل".وقطع الكلام ... " (١).
وقال شيخ الإسلام: " ... فقيل لهم: عندكم هو معنى واحد لا يتبعض ولا يتعدد. فموسى فهم المعنى كله أو بعضه؟.إن قلتم كله فقد علم علم الله كله، وإن قلتم بعضه فقد تبعض وعندكم لا يتبعض!!! " (٢).
الوجه التاسع:
أنه يلزم من مقالتكم أن القرآن الكريم إن ترجم إلى العبرية كان توراةً وإن ترجم إلى السريانية كان إنجيلاً وكذا يلزم أن التوراة إن ترجمت إلى العربية كانت قرآناً، وكذا يلزم أن الإنجيل إن ترجم إلى العبرية كان توراة وإن ترجم إلى العربية كان قرآنا، فهل تقولون بهذه اللوازم الباطلة؟.
ولا محيد لكم من التزام هذه الخرافات والخزعبلات التي لزمتكم من قولكم الفاسد الباطل، إلا أن ترجعوا إلى مذهب أهل السنة المحضة وتوافقوا العقل والنقل والإجماع.
الوجه العاشر:
أنه يلزمكم أن يكون خبر الله تعالى عين الإنشاء وبالعكس وأمره عين النهي وبالعكس.
قال الإمام ابن أبي العز الحنفي:
" ... وهذا الكلام فاسد فإن لازمه أن معنى قوله: وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى [الإسراء: ٣٢]
هو معنى قوله: وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ [البقرة: ٤٣]
ومعنى آية الكرسي هو معنى "آية الدين".
ومعنى "سورة الإخلاص" هو معنى تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد: ١] وكلما تأمل الإنسان هذا القول تبين له فساده، وعلم أنه مخالف لكلام السلف ... " (٣).
الوجه الحادي عشر:
أن الماتريدية صرحوا بأن كلام الله تعالى صفة تنافي الخرس والسكوت والآفة كما تقدم نص كلامهم.
ومعلوم أن الخرس والسكوت والآفة تنافي الكلام اللفظي ولا تنافي الكلام النفسي. أما من وصل في الحماقة إلى حد قال: إن السكوت والخرس قد يكونان نفسيين فينافيان الكلام النفسيَّ - كما هذى بذلك فيلسوفهم التفتازاني (٧٩٢هـ) (٤) فقد كابر بداهة العقل الصريح، وعارض النقل الصحيح، وصار من السوفسطائية العنادية؛ لخروجه على النقليات والعقليات والبداهة في آن واحد معاً.
ويجب عليه أن يتهم نفسه ويترك وساوسه ويداوي عقله وينابذ هواجسه فمثله لا يكون من أولي الألباب بل ينبغي أن يربط بخيشومه في الاصطبل مع الدواب لئلا يتلاعب بكلام رب الأرباب، ولا يحرف نصوص السنة والكتاب، فهل مثل هؤلاء أهل الدراية؟ وبم يتطاولون على أهل الرواية.
الوجه الثاني عشر:
أن القرآن الكريم معجزٌ أعجز البشر عن أن يأتوا بمثله، وأن الله تعالى تحدى به الكفار بل الإنس والجن جميعاً، أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله أو بسورة بمثله أو بحديث مثله.
стр. 987
فقال الله تعالى: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:٨٨]
وقال سبحانه: قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ [هود:١٣]
وقال جل وعلا: فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ [البقرة:٢٣]
وقال : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ [يونس:٣٨]
وقال عز من قائل: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ [الطور:٣٤]
فالقرآن معجز ومتحدّىً به.
ومعلوم أن "الكلام النفسي" لا يتصور معارضته ولا يتحدى به؛ فلو لم يكن هذا القرآن العربي كلام الله تعالى على الحقيقة لما كان مُعجزاً أعجز الجن والإنس، ولم يكن متحدى به تحدى الله به الخلق؛ وهذا واضح لمن عرف قيمة كتاب الله وقدر كلام الله . وللإمام ابن أبي العز الحنفي (٧٩٢هـ) كلام قيم فارجع إليه (١).
الوجه الثالث عشر: أن المجاز يجوز نفيه، فإذا قلنا لرجلٍ شجاعٍ: هو أسدٌ، يجوز لنا أن نقول: هو ليس بأسدٍ حتى باعتراف الماتريدية (٢).
فلو لم يكن هذا القرآن العربُّي كلام الله تعالى على الحقيقة.
لجاز لنا أن نقول: إنه ليس كلام الله.
وما أظن أن أحداً ينتسب إلى الإسلام يتجرأ على هذا الكفر البواح والارتداد الصراح، لا الماتريديةَ، ولا أحداً غيرهم من الجهمية.
الوجه الرابع عشر:
أن الكلام النفسي شيء معدوم محض لا وجود له ولا عبرة له فلا تتعلق به الأحكام؛ لأنه من قبيل حديث النفس وخواطرها ووساوس القلب وهواجس الصدور. فلا يُحل حراماً ولا يُحرّم حلالاً ولا يَدْخلُ به المرءُ في الإسلام ولا يخرج به عنه إلى الكفر ولا يقع به الطلاق ولا العتاق ولا تفسد به الصلاة بالاتفاق (٣).
فهل تريد الماتريدية أن يجعلوا كلام الله تعالى معدوماً؟.
الوجه الخامس عشر:
أن ما يسمونه "الكلام النفسي" إن قد تصوره وتعقله - فهو ليس إلا قدرةً بالكلام، أو العلمَ به لا عين الكلام، لأنهما غيرُ الكلام، فهما صفتان
فيكون "كلام" الله عندكم قدرةً عليه، أو يكون "كلاماً" بالقوة، لا "كلاماً" بالفعل!. أو يكون "الكلام" عندكم "علماً"؛
فنسألكم: هل الله عندكم متكلم بالفعل أم بالقوة؟
فإن قلتم: هو متكلم بالفعل - فقد أبطلتم "الكلام النفسي" وهدمتم بنيانكم على أمهات رؤوسكم وأخربتموه بأيديكم؛ حيث بنيتموه على شفا جرف هار، فانهار عليكم بنيانكم المنهار،
وإن قلتم: هو متكلم بالقوة - فقد أبطلتم صفة "كلام" الله، ونفيتموها وحرفتموها إلى "العلم" أو "القدرة" وهذا عين التعطيل والتحريف.
وهذه حقيقة قد أسفر عنها عصامكم الإسفرايني (٩٥١هـ) حيث قال معترفاً مسفراً عن أسراركم، غير عاصم لأدباركم:
стр. 988
"إن صفة الكلام إما راجعة إلى صفة العلم بهذه المعاني كما قيل؛ أو إلى صفة قدرة التفسير عنها وإظهارها كما يمكن أن يقال".ثم قال مختاراً محتاراً: "إن صفة الكلام لا تنكشف بهذا البيان فينبغي أن يحال علمه إلى الله ويُعْتَرفَ بأن له كلاماً ... (١) بل صرح جرجانيكم (٨١٦هـ) مجرجراً بأن الكلام النفسي هو العزم والتخيل (٢) ولا شك أن القدرة على الكلام أو العلم به أو العزم عليه أو تخيله غير الكلام بلا ريب وكل هذا لا يسمى كلاماً حتى باعتراف من اعترف منكم.
إذن ليس هذا إلا تضليلاً وتعطيلاً لهذه الصفة، وتخريفاً وتحريفاً لنصوصها، فهذا التحريف كتحريفكم لصفة "اليد" إلى "القدرة".
وقد تقدم شهادة إمامكم الأعظم الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى (١٥٠هـ) مع شهادات ثمانيةٍ آخرين من كبراء أئمتكم أمثال البزدوي (٤٨٢هـ) والسرخسي (٤٩٠هـ) والنسفي (٧١٠هـ) والبخاري (٧٣٠هـ) والمغنيساوي (كان حيا ٩٣٩هـ) والقاري (١٠١٤هـ) وشيخ زاده (١٠٧٨هـ) والبياضي (١٠٩٨هـ) على أن تأويل صفة "اليد" بصفة "القدرة". إبطال لصفة "اليد" وهو مذهب أهل القدر والاعتزال.
فهل تتعظون بنصوص أئمتكم؟ أم تصرون على مخالفة أئمتكم؟ مع مخالفة العقل والنقل، واللغة والعرف والإجماع في آن واحدْ!!
الوجه السادس عشر:
أن القول بالكلام النفسي قولكم بأفواهكم، ولا نظن بكم أن قلوبكم تشهد له، لأنه خلاف المعقول الصريح والمنقول الصحيح والفطرة والإجماع واللغة والعرف جميعاً في آن واحد كما تقدم.
بل هو قول به تضاهئون قول الذين كفروا من قبل، وهم النصارى.
قال الإمام ابن أبي العز الحنفي (٧٩٢هـ):
"وهنا معنى عجيبٌ، وهو: أن هذا القول له شبهٌ قوىٌ بقول النصارى القائلين، باللاهوت والناسوت.
فإنهم يقولون: كلام الله هو المعنى القائم بذات الله الذي لا يمكن سماعه، وأما النظم المسموع فمخلوق؛
فإفهام المعنى القديم بالنظم المخلوق يشبه امتزاج اللاهوت بالناسوت الذي قالته النصارى في عيسى ﵇. فانظر إلى هذا الشبه ما أعجبه! " (٣).قلتُ: هكذا طريقة الجهمية الأولى وأهل الحلول المطلق والمقيد، والاتحاد (٤). ولسان حال هؤلاء الطوائف المتشابهة ينشد ما يلي:
رق الزجاج وراقت الخمر ... وتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر
فتشابها بما كلتاهما نجلاء ... بل أقول: لو سمحت لي الماتريدية لأبوح لهم: إن قولكم: "إن موسى لم يسمع كلام الله على الحقيقة بل سمع صوتاً مخلوقاً في الشجرة، هو عين كلام النصارى ولعلكم أخذتموه من النصارى إما بواسطة بشر المريسي الحنفي الجهمي إمام المرجئة المريسية (٢٢٨هـ) أو غيره. قال شيخ الإسلام: "كان المريسي قد صنف كتاباً في نفي الصفات وجعل يقرؤه بمكة في أواخر حياة ابن عيينة، فشاع بين علماء أهل مكة ذلك، وقالوا: "صنف كتاباً في التعطيل". فسعوا في عقوبته وحبسه وذلك قبل أن يتصل بالمأمون ويجري من المحنة ما جرى، وقول ابن عيينة" ما أشبه هذا الكلام بكلام النصارى" (٥).-
стр. 989
هو كما قال: كما قد بسط في غير هذا الموضع؛
فإن عيسى مخلوق وهم يجعلونه نفس الكلمة ولا يجعلونه المخلوق بالكلمة. وأيضاً فأئمة النصارى كـ (نشتكين) أحد فضلائهم الأكابر يقولون: "إن الله ظهر في سورة البشر مترائياً لنا كما ظهر كلامه لموسى في الشجرة، فالصوت المسموع هو كلام الله وإن كان خلقه في غيره وهذا المرئي هو الله وإن كان قد حل في غيره ... " (١).
الوجه السابع عشر إلى الوجه الخامس والعشرين:
أن من الحقائق الواقعية: أنه لم يكن نزاع بين المسلمين في كون القرآن الكريم كلام الله تعالى وأنه غير مخلوق.
حتى جاء دور الجهمية ووقعت الفتنة الكبرى، والقاصمة العظمى فصار الناس فريقين ولا ثالث للفرقدين.
وهذا أمرٌ لم يختلف فيه اثنان، ولم يتناطح فيه كبشان.
وإليك بيان ما عليه الفريقان؛ إن كان لك أذنان:
الفريق الأول: أتباع الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين سلف هذه الأمة وهم أهل السنة والجماعة أصحاب الحديث والفقه وأئمة السنة.
فكانوا يقولون: القرآن غير مخلوق.
الفريق الثاني: هم الجهمية أتباع اليهود والمجوس والصابئين.
فكانوا يقولون: القرآن غير مخلوق.
ولا يرتاب أحد أن هؤلاء الفريقين من أهل السنة وأهل البدعة جميعاً يقصدون هذا القرآن العربي المؤلف من السور والآيات التي كان هؤلاء الفريقان يتلونها آناء الليل وأطراف النهار، فكان النزاع في هذا القرآن الموجود بين أظهر المسلمين الذين يقرؤونه بكرة وأصيلاً سجداً وقياماً راكعين ساجدين ليس إلا.
ولم يقل أحد منهم أن "الكلام النفسي" مخلوق أو غير مخلوق، ولا أحد تصور ذلك فضلاً أن يقوله ويجعله مقالة يدعو إليها.
لأن بدعة "الكلام النفسي" قد ابتدعها ابن كلاب وتوفي بعد (٢٤٠هـ) كما تقدم تحقيقه في كلام شيخ الإسلام وغيره من أئمة السنة. واعترف بذلك التاج السبكي عبد الوهاب (٧٧١هـ) الأشعري وقبله إمامه الشهرستاني (٥٤٨هـ) اعترافاً واضحاً قاطعاً للنزاع (٢).كما اعترف به الزبيدي الحنفي الماتريدي (١٢٠٥هـ) (٣).بل اعترف بذلك رافع لواء الجهمية ومجدد الماتريدية الكوثري الجركسي أيضاً (٤).
بل اعترف بهذه الحقيقة قبل الكوثري والزبيدي كبار أئمة الماتريدية منهم فيلسوفهم التفتازاني (٧٩٢هـ) وغيره من أساطين الماتريدية.
فاستمع أيها المسلم طالب الحقيقة إلى كلامهم:-
قال التفتازاني: "وتحقيق الخلاف بيننا وبينهم - (أي المعتزلة) - يرجع إلى إثبات "الكلام النفسي" ونفيه. وإلا فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف - (أي بعدم كونها مخلوقة) - وهم - (أي المعتزلة) - لا يقولون بحدوث الكلام النفسي - أي بكونه مخلوقاً" (٥).
وقال متكلم الماتريدية الهندية الفريهاري (كان حياً ١٢٣٩هـ (:
"فلا نزاع - أي بين الماتريدية وبين المعتزلة - فإنا إذا قلنا: القرآن غير مخلوق أردنا النفسي".
وإذا قالوا: القرآن مخلوق أرادوا "اللفظي".
فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف بل بحدوثه كما قالت المعتزلة، وهم لا يقولون بحدوث النفسي بل ينكرون وجوده. ولو ثبت عندهم لقالوا بقدمه مثل ما قلنا ... " (٦).
стр. 990
وهكذا اعترف الشهرستاني (٥٤٨هـ) الأشعري بأن قول السلف والحنابلة بالاتفاق: إن ما بين الدفتين كلام الله وإن ما نقرأه ونسمعه ونكتبه عين كلام الله على الحروف وأنه غير مخلوق.
وكانت مقالة المعتزلة على خلاف مقالة السلف. ثم جاء الأشعري بأبدع مقالة ثالثة وخرق الإجماع وحكم بأن ما نقرأه، كلام الله مجازاً (١).ولصدق المرعشي الحنفي الماتريدي (١١٥٠هـ) بأن مذهب السلف أن كلامه تعالى هو العبارات المنظومة (٢).
وإذا اعترفت الماتريدية وخلطاؤهم الأشعرية بهذه الحقيقة من أن خلاف أهل السنة جميعاً وأهل البدعة كان في هذا القرآن العربي المؤلف من السور والآيات - تبين بإتقان وإيقان - لا يرتاب فيه اثنان.
ما يلي من الحقائق المبنّية على اعترافهم السابق:
الأولى: أن الماتريدية والأشعرية خرقوا بكلامهم النفسي إجماع أهل الحق وأهل الباطل جميعاً.
الثانية: أنهم أحدثوا مذهباً ثالثاً بعد مذهبين.
الثالثة: أنهم قائلون بخلق القرآن كسلفهم الجهمية دون أي فرق.
الرابعة: أنهم جمعوا بين بدعة الجهمية من القول بخلق القرآن وبين بدعة القول بالكلام النفسي.
الخامسة: أن الجهمية الأولى ابتدعوا بدعة واحدة وهي بدعة القول بخلق القرآن لكن هؤلاء زادوا بدعة أخرى وهي بدعة الكلام النفسي.
السادسة: أنهم أهل البدعة جهمية، أتباع الجهمية الأولى لِجَهْرِهم دون حياءٍ بالقول بخلق القرآن.
فأنَّى لهم أن يكونوا من أهل السنة؟ وقد ارتكبوا بدعة الجهمية من القول بخلق القرآن وزادوا بدعة الكلام النفسي، مع بدعهم الأخرى الكثيرة.
السابعة، والثامنة: أن هؤلاء معطلة لصفة "كلام" الله تعالى، ومحرفة لنصوصها بدليل ما يأتي:
التاسعة: أن حمل نصوص الكتاب والسنة وتصريحات سلف الأمة وأئمة السنة على "الكلام النفسي" تحريفٌ وتحريفٌ وضلال وإضلالٌ.
كما أن حملها على "الكلام" الذي تقصده الماتريدية إفساد وإبطال.
لأن هذه اصطلاحات مبتدعة محدثة بعد لغة القرآن والسنة وسلف الأمة؛
فيكون حمل نصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة وتصريحات أئمة السنة-
مع تلك الكثرة الكاثرة التي تزيد على آلاف الآلاف - على تلك المصطلحات الكلامية المبتدعة تحريفاً محضاً بحتاً، فقد صرح مجددهم الكوثري (١٣٧١هـ) بأن حمل النصوص من الآيات والآثار على المصطلحات التي وجدت بعد عهد التنزيل بدهور-
بُعْدٌ عن تخاطب العرب وتفاهم السلف، واللسان العربي،
ومن زعم ذلك زاغ عن منهج الكتاب والسنة وتنكب سبيل السلف الصالح.
قلت: لقد أنطق الله هذا الكوثري ببعض الحق فاعترف كما ترى ولكن هذا الاعتراف ليس في صالحه ولا في صالح أمته الماتريدية بل وبال عليهم جميعاً فالكوثري والماتريدية جميعاً قد خالفوا اعترافهم وحملوا نصوص الكتاب والسنة وآثار سلف هذه الأمة وأقوال أئمة السنة على اصطلاحاتهم المبتدعة بعد عهد التنزيل بدهور.
فقد حملوا نصوص أمثال الأئمة: أبي حنيفة وأبي يوسف وابن المبارك على الكلام النفسي كما سبق وما سيأتي إن شاء الله.
فهم - باعترافهم- قد نابذوا تخاطب العرب وعاكسوا تفاهم السلف وحرفوا اللسان العربي، وزاغوا عن منهج السلف وتنكبوا سبيل السلف الصالح.
حيث حملوا نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف على "الكلام" النفسي" الذي لم يخطر بخواطرهم، فكيف تحمل نصوصهم عليه؟.
وفيما يلي بعض النماذج:-
أ- استدل الإمام أبو منصور الماتريدي (٣٣٣هـ).
لإثبات صفة "الكلام" لله تعالى بقوله : وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] وقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ [البقرة: ١١٨]
стр. 991
وقوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:٧٥]
ثم قال الماتريدي بعد ما ذكر الحجج السمعية:-
"وأما العقل: إن كل عالم قادرٍ لا يتكلم فعن آفة يكون من عجز أو منع، والله عنه متعال، ثبت أنه متكلم.
على أن الذي لا يتكلم في الشاهد، إنما لا يتكلم - بالمعنى الذي لا يسمع ولا يبصر - من الآفة والله منزه عن المعنى الذي يقتضي الصمم والعمى، وكذلك البكم. وهو أولى (به) إذ هو أجل ما يحمد به في الشاهد، وبه ينفصل البشر عن سائر الحيوان مع ما كان كل محتمل الكلام فعن عجز لا يتكلم أو عن السكوت" (١).
قلت: يا ترى هذه الحجج السمعية والنقلية التي ذكرها الإمام الماتريدي هل تُثْبِتُ "الكلام النفسي" أم تجعله نسفاً هباء منثوراً كأمس الدابر؟؟.
وهل كان هؤلاء الكفار يطالبون رسول الله ﷺ ، أن يكلمهم الله كلاماً لفظياً يسمعونه أم كلاماً نفسياً لا يسمعونه؟؟.
وهل الآفة والخرس والسكوت تنافي الكلام اللفظي أم النفسي و.
سبحان قاسم العقول!!!؟ ب- وهكذا بقية الماتريدية بعد الماتريدي يحتجون بحجج سمعية من الكتاب والسنة وأقوال السلف وإجماعهم لإثبات الكلام النفسي (٢).
مع أن حججهم جميعاً حججٌ عليهم وترتد في نحورهم؛ لأنها تدل على الكلام اللفظي المضاد للكلام النفسي فدلت هذه الحجج على ضد مطلوبهم فحملهم على "الكلام النفسي" تحريف محض وتخريف بحت.
ج-د- قال الإمام أبو يوسف القاضي (١٨٢هـ) أحد أئمة الحنفية الثلاثة: "ناظرت أبا حنيفة ستة أشهر فاتفق رأينا على أن من قال: القرآن مخلوق فهو كافر".قال الإمام فخر الإسلام البزدوي (٤٨٢هـ): "وقد صح عن أبي يوسف أنه قال: ... "، فذكره. ثم قال: "وصح هذا القول عن محمد" (٣).
هـ-ح- وقال الطحاوي عن الأئمة الثلاثة: (إن القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولا ... بالحقيقة) (الطحاوية بشرحها ١٧٩).
قلتُ: هل كان أبو حنيفة وأبو يوسف يتناظران في خلق الكلام النفسي أم في خلق هذا القرآن؟ العربي المؤلف من السور والآيات؟. النفسي أم في خلق هذا القرآن؟ العربي المؤلف من السور والآيات؟.
حتى أستقر رأيهما على أن من قال: القرآن مخلوق فهو كافر.
وأقول: أليس نصهم "قولاً بالحقيقة" محكماً في القرآن العربي؟
فهل كانوا يريدون: أن من قال: الكلام النفسي مخلوق فهو كافر؟!.
أم يقصدون: أن من قال: هذا القرآن العربي المؤلف مخلوق فهو كافر؟.
стр. 992
فالآن نتحاكم إلى حكم الإنصاف والعقل الصحيح الصريح ليحكما بيننا ليعلم من الأفاك البهات المحرف والمخرف لكلام الأئمة! مع العلم أن فكرة "الكلام النفسي" لم تكن موجودة ولم تخطر بالبال في ذلك الوقت. لكن لما جاء دور الكوثري حمل هذه المناظرة على الكلام النفسي (١).فكابر العقل الصريح والنقل الصحيح وارتكب الحمق الجلي وقلب الحقائق ولذلك وقف له شيخنا المحدث الألباني بالمرصاد فكشف الأستار عن أسراره (٢).
ط- قال الإمام ابن المبارك إمام المحدثين والفقهاء (١٨١هـ).الذي جعلته الكوثرية حنفياً (٣).
من قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:١٤]
مخلوق فهو كافر".ي- ذُكِرَ للإمام يحيى بن سعيد القطان (١٩٨هـ) سيد الحفاظ الذي تجعله الكوثرية حنفياً (٤)، أن قوماً يقولون: القرآن مخلوق.
فقال: "كيف يصنعون بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١]
كيف يصنعون بقوله: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا "يكون مخلوقاً"؟.
المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ٣/ ٧٣
إبطال زعم الماتريدية أن كلام الله ليس بحرف ولا صوت
ولا مسموع
تقدم أن بَيَّنا في عرض مذهب الماتريدية في (كلام الله) تعالى: أنهم عطلوا كلامه تعالى، وحرفوا نصوصه إلى "الكلام النفسي" وقالوا:
إن كلام الله تعالى، نفسي لا بحرف ولا صوت،
فلا يمكن سماع كلام الله تعالى، وأن موسى ﵇ لم يسمع كلام الله وإنما سمع صوتاً مخلوقاً وحروفاً مخلوقة في الشجرة.
وإن هذا القرآن العربي ليس كلام الله تعالى، على الحقيقة وإنما هو دال على كلام الله النفسي وعبارة عنه.
وإنه مخلوق.
ولأهل السنة وأئمتها أنواع من النقض عليهم أذكر منها ما يلي:
النقض الأول:
لقد سبق أن ذكرنا وجوهاً متعددة عقلية وسمعية ولغوية وإجماعية مشتملة على براهين ساطعة وحجج ناصعة.
على إبطال "الكلام النفسي" وأنه لا يسمى كلاماً عند الإطلاق؛ فبإبطال "الكلام النفسي" ثبت الكلام اللفظي؛ لأنه لا قائل بالفصل، فثبت أن كلامه ، بحرف وصوت يُسْمِعهُ من شاء من خلقه وأن صوته تعالى لا يشبه أصوات خلقه كما أن كلامه لا يشبه كلامهم (٥).
فإذا تكلم العباد بالقرآن لا يكون القرآن لأجل ذلك مخلوقاً. بل أصواتهم مخلوقة والقرآن المقروء المتلو كلام الله غير مخلوق (٦).فالعباد بأفعالهم مخلوقين والله بصفاته وأفعاله غير مخلوق (٧).
стр. 993
فإذا قرأ القارئ القرآن - فصوته مخلوق والمقروء غير مخلوق. فالصوت المسموع من العبد صوت القارئ والكلام الذي يقرؤه القارئ كلام الباري (١).فتكلم العباد بكلام رب العباد،، لا يجعل كلام رب العباد ككلام العباد (٢)،،؛لأن كل كلام ينسب إلى الله قائله الأول، إن كان نثراً فإلى ناثره، أو شعراً فإلى شاعره (٣).أما القائل الثاني فهو مُبَلِّغٌ ومؤدٍ كلام القائل الأول وناقلًَ له (٤).وهذه حقيقة اعترف بها الماتريدية أيضاً (٥).فالقرآن نفسه في الكتاب المكنون، وهو نفسه في المصاحف، وهو نفس ما نقرؤه بألسنتنا (٦). فلا يخرج القرآن بهذه الاعتبارات عن أن يكون كلام الله على الحقيقة وعن أنه غير مخلوق. وليس هذا كذكر الأعيان باللسان كما زعمته الماتريدية (٧)، فإن الفرق بين ذكر الأعيان باللسان وبين التكلم بالقرآن شاسع والبون واسعٌ (٨) لأن من تلفظ بكلمة "النار" لا يحترق لسانه؛ لأنه لم يتناول "جمرة النار" بمجرد ذكره النار، بخلاف من تلفظ بكلام الله تعالى، فإنه قد أدّى كلام الله على الحقيقة.
стр. 994
وليس هذا قول بحلول النصارى أيضاً كما زعم ذلك دهما المتكلمين. ومنهم الماتريدية حيث زعموا: أن هذا حلول وزعموا أن تلاوة القرآن كذكر "الله" تعالى، وذكره "النار" باللسان (١).قُلْتُ: ومن هنا عرفنا أن الماتريدية - الذين يجاهرون بأن القرآن على ألسنة الناس بل على لسان رسول الله ﷺ ، بل على لسان جبريل وفي اللوح المحفوظ مخلوق (٢) - جهميةٌ محضة والله المستعان على ما يصفون.
النقض الثاني:
بنصوص "صوت" الله تعالى.
لقد وردت نصوص صريحة في إثبات "الصوت" لله تعالى؛ فكما أن كلامه تعالى لا يشبه كلام خلقه، كذلك صوته تعالى لا يشبه أصوات خلقه سبحانه، تدل عليه نصوص كثيرة.
النقض الثالث:
بنصوص مناداة الله تعالى وندائه.
لقد استفاضت نصوص الكتاب والسنة على أن الله تعالى نادى وينادي.
قال تعالى: وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ... [الأعراف:٢٢]
وقال : وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥]
وقال جل وعلا: إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [النازعات: ١٦]
وقال : وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص:٤٧]
قال شيخ الإسلام: بعدما استدل بنصوص "النداء" على إثبات "صوت" الله تعالى:
"النداء في لغة العرب هو صوت رفيع لا يطلق النداء على ما ليس بصوت لا حقيقة ولا مجازاً ... ".ثم ذكر سماع موسى ﵇ لكلام الله تعالى (٣).قلتُ: ولقد صدق شيخ الإسلام فقد صرح أهل اللغة بأن "النداء" صوت بل رفيع بل أرفع (٤).
قال شيخ الإسلام: بعد ما ذكر نصوص "النداء"
"واستفاضت الآثار عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة السنة، أنه ينادي بصوت، نادى موسى، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بالوحي بصوت.
ولم ينقل عن أحد من السلف أنه قال: إن الله يتكلم بلا صوت أو بلا حرف، ولا أنه أنكر أن يتكلم الله بصوت أو حرف.
كما لم يقل أحد منهم أن الصوت الذي سمعه موسى قديم، ولا أن ذلك النداء قديم، ولا قال أحد منهم: إن هذه الأصوات المسموعة من القراء هي الصوت الذي تكلم الله به، بل الآثار مستفيضة عنهم بالفرق بين الصوت الذي يتكلم الله به وبين أصوات العباد، وكان أئمة السنة يعدون من أنكر تكلمه بصوت - من الجهمية".ثم نقل ذلك عن الإمام أحمد والبخاري (٥).
قلتُ: بناء على العقيدة السلفية التي نقلت من السلف في صوت الله تعالى عرفنا أن الماتريدية من الجهمية وليسوا من أهل السنة المحضة.
النقض الرابع:
بنصوص تكلم الله تعالى بالوحي ولاسيما القرآن.
النقض الخامس:
بنصوص تكليم الله تعالى ملائكته ورسله وغيرهم من عباده.
وهذا النوع من النصوص حجج قاطعة وبراهين ساطعة على أن كلام الله تعالى بحرف وصوت مسموع.
стр. 995
وهذا النوع من النصوص كثيرة أكتفي منها بما هو أصرح وأدمغ لأدمغة المعطلة الزائغة أصحاب العقيدة الزائفة:
١ - قال الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ [البقرة:١١٨]
فهذه الآية حجة قاطعة على أن كلام الله تعالى بحرف وصوت يسمع، لأنهم لم يطلبوا "الكلام النفسي" وإلا كيف يمكن للكفار هذه المطالبة؟ مع العلم بأن "الكلام النفسي" لا يسمع.
فهذا دليل دامغ لكل زائغ على أن هذا أمر ممكن كإتيان آية.
لأن الله تعالى لم ينكر عليهم بأنهم طلبوا أمراً محالاً.
بل أنَّبَهُمْ بعدم اكتفائهم سماع كلام الله تعالى على لسان رسول الله ﷺ فأرادوا أن يسمعوه من الله تعالى مباشرة تعنتاً وعناداً.
وهذه حقيقة اعترف بها الإمام أبو منصور الماتريدي حيث يقول:" ... ولا أنكر على الذين قالوا: "لولا يكلمنا الله" إلا بوصف التكبر والجهل بمنزلة أنفسهم" (١).
فيكون هذا الاعتراف واضح من هذا الإمام الماتريدي فاضحاً للماتريدية وقاطعاً لدابرهم ومطالبة الكفار هذه بمنزلة مطالبتهم بإنزال الملائكة ورؤية الله وكل هذه الأمور ممكنةٌ عقلاً وليس شيءٌ منها مستحيلا.
وإنما المستحيل ومن حماقات الكلام هو الكلام النفسي.
فهل كان هؤلاء يطالبون بأن يكلمهم الله كلاماً نفسياً لا يسمعونه؟؟!!
ب- قال جل وعلا: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤]
قلتُ: ههنا عجائب وغرائب من حماقات الجهمية التي ارتكبها الماتريدية حول هذه الآية المحكمة الواضحة الصريحة المؤكدة؛ فحرفوها؛
فقالوا: "إن موسى ﵇ لم يسمع كلام الله!!!.
وإنما سمع صوتاً مخلوقاً دالاً على كلام الله،
وسمى موسى كليم الله؛ لأنه سمع صوتاً مخلوقاً في الشجرة بدون واسطة الملك، كما تقدم في عرض مذهبهم.
وبهذه الحماقات والخزعبلات خرجوا على المنقول والمعقول وإجماع سلف هذه الأمة وأئمة السنة.
بل خرجوا على صريح نص الإمام أبي حنيفة ﵀، إمامهم الأعظم، كما سيأتي نص كلامه قريباً.
وكفى به خزياً مبيناً!!، لأن هذا تحريف محض بل تكذيب بحت؛
فأنت ترى أن الله أكد كلامه بالمصدر فانقطع احتمال أيّ تأويل ومجاز. لو قدر وجود المجاز فلا يحتمل إلا الكلام الحقيقي المسموع من المتكلم مباشرة - وهذا مما اعترف الماتريدية به اعترافاً واضحاً فاضحاً (٢).
وهذه كلها ألوان شتى لتناقضهم واضطرابهم ومخالفتهم لإمامهم.
وفيما يلي بعض نصوص أئمة اللغة والسنة حول هذه الآية وتحقيق سماع موسى ﵇ كلام ربه.
١ - قال أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء (٢٠٧هـ).
"العرب تسمى ما يوصل إلى الإنسان كلاماً بأي طريق وصل، ولكن لا تحققه بالمصدر، فإذا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام ... " (٣).
قلتُ: لكن الماتريدية تزعم أن موسى ﵇ سمع ما يدل على الله، لا كلام الله حقيقة فخالفوا اللغة والنقل والعقل جميعاً.
٢ - وقال أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب الكوفي (٢٩١هـ):
"لولا أن الله تعالى أكد الفعل بالمصدر - لجاز أن يكون كما يقال أحدنا للآخر: "قد كلمت لك فلاناً".
стр. 996
بمعنى: كتبت إليه رقعة، أو بعثت إليه رسولاً. فلما قال: "تكليماً" لم يكن إلا كلاماً مسموعاً من الله" (١).
قلتُ: تزعم الماتريدية أن كلام الله غير مسموع لأحد.
٣ - وقال أبو إسحاق إبراهيم الزجاج (٣١١هـ):"وأخبر الله بتخصيص نبي ممن ذكر فأعلم أن موسى كُلّمَ بغير وحي، وأكد ذلك بقوله "تكليماً" فهو كلاما كما يعقل الكلام لا شك في ذلك" (٢).
قلتُ: لكن مزعوم الماتريدية من الكلام النفسي غير معقول ولا منقول فلا يقره نقل ولا عقل ولا إجماع ولا لغة ولا عرف.
٤ - وقال أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس (٣٣٨هـ):
"تكليماً" مصدر مؤكد.
وأجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازاً.
وأنه لا يجوز في قول الشاعر:
،، امتلا الحوض وقال قِطِني،،
أن يقول: قال: قولاً. فكذا لما قال: "تكليماً" وجب أن يكون كلاماً على الحقيقة من الكلام الذي يعقل" (٣).
قلتُ: مزعوم الماتريدية من الكلام النفسي موضوع مصنوع لا منقول ولا معقول ولا مسموع بل هو أمر نفسي وسواسي خيالي ضلالي.
٥ - وقال القرطبي (٦٧١هـ): "تكليماً" مصدر معناه، التأكيد، يدل على بطلان من يقول: خلق لنفسه كلاماً في الشجرة فسمعه موسى،
بل هو الكلام الحقيقي الذي يكون به المتكلمُ متكلماً".ثم ذكر كلام النحاس المتقدم آنفاً (٤).
قلتُ: أما الجهمية القديمة والحديثة من الماتريدية فيقولون: إن موسى ﵇ سمع صوتاً مخلوقاً في الشجرة ولم يسمع كلام الله من الله.
وقد كنت في أودية ضلالهم برهة فأخرجني الله تعالى من ظلمات بدعهم إلى نور السنة مع أنه من الصعب الخروج من تشكيكاتهم وشبهاتهم إلا لمن يسره الله.
وقليل ما هم؛ فمثلي مثل ذلك الشاعر الذي نجا من أنياب السبا عوخرج من واديها سالماً ثم أنشد:
مررت على وادي السباع ولا أرى ... كوادي السباع حين يظلم وادياً
أقل به ركب أتوه تئية ... وأخوف إلا ما وقى الله سارياً
تنبيه:
هذا أيضاً من الفروق بين الماتريدية وبين الأشعرية:
فكم من كبار الأشعرية رجعوا عن العقيدة الكلامية، أما الماتريدية فلم يرجع منهم إلى العقيدة السلفية إلا نزر قليل.
٦ - وقال الإمام أبو حنيفة ﵀ (١٥٠هـ):"وسمع موسى ﵇ كلام الله تعالى كما قال الله تعالى: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:١٦٤] (٥)
٧ - وقال العلامة القاري في شرحه:
"أتى المصدر المؤكد لدفع حمل الكلام على المجاز،
أي "كلمة الله تكليماً محققاً، وأوقع له سماعاً مصدقاً. والمعنى: أن موسى ﵊ سمع كلام رب الأرباب بلا واسطة إلا أنه من وراء الحجاب" (٦).قلتُ: أما عامة الماتريدية فقد خرجوا على الإمام أبي حنيفة وهدموا استدلاله فصرحوا بأن موسى ﵇ لم يسمع كلام الله، وإنما سمع صوتاً مخلوقاً من الشجرة، وقالوا أيضاً: ليس في القرآن: أن موسى سمع كلام الله (٧).
،، فأبطلوا استدلال إمامهم الأعظم،، فصاروا الأعق والأظلم،،
وجاء محرف آخر وهو البياضي أحد رؤساء قضاة عساكرهم (١٠٩٨هـ) فحرف كلام الإمام أبي حنيفة فقال في شرح كلامه:
" ... (وسمع موسى) صوتاً غير مكتسب للعباد إكراماً له دالاً على ما يصح تعلقه به (كلام الله) لقائم به".
стр. 997
ثم قال: "الثانية: أن التكليم لا يتوقف على السماع من الله بالذات، وليس في النظم الجليل أنه سمع موسى من الله.
بل أنه تعالى كلمه ... فإنه أقرب المجازات في المقام، فهو بواسطة الحروف والأصوات المخلوقة في الشجرة في تكليم موسى" (١).وجاء أحمق آخر وهو أبو المنتهى (كان حياً سنة: ٩٣٩هـ) الذي انتهى بعقله إلى أن قال في شرح كلام الإمام أبي حنيفة ﵀: "بأن قال لموسى في الأزل بلا صوت ولا حرف: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه:١٢] (٢)
قلت: هذه الأساطير عين خزعبلات الجهمية الأولى وورثتها عنهم أفراخهم الماتريدية.٨ - ١٢ - بشهادة أئمة الإسلام: أحمد بن حنبل، والدارمي، والأشعري، والبيهقي، والحافظ ابن حجر العسقلاني (٣).
١٣ - وقد ذكر الإمام البيهقي عدة من الآيات التي كلم الله بها موسى ﵇ ثم قال: "فهذا كلام سمعه موسى ﵇ بإسماع الحق إياه بلا ترجمان بينه وبينه".
الحاصل:
أن مزاعم الماتريدية عين مزاعم الجهمية الأولى وهي باطلة عقلاً ونقلاً وإجماعاً ولغة وعرفاً وسمعاً.
وأن الله متصف بصفة الكلام، ويجب الإيمان بذلك كما هو الأمر في سائر صفاته بلا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل ولا تحريف، وأن كلامه تعالى بحرف وصوت مسموع، وأن كلامه، وصوته تعالى لا يشبهان كلام خلقه وأصواتهم.
وعلى هذا مضى الأنبياء والمرسلون والصحابة والتابعون والأئمة الفقهاء والمحدثون حتى الإمام أبو حنيفة، وفيه عبرة للماتريدية.
قال ابن القيم الإمام: قال شيخ الإسلام: أول ما ظهر إنكار أن الله تعالى يتكلم بصوت في أثناء المئة الثالثة؛ فإنه لما ظهر مذهب الجهمية وتبين للناس نفاقهم المشتق من أقوال المشركين والصابئين وثَبَّتَ الله خلفاء الرسل وورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام -
ظهر ابن كلاب البصري (٢٤٠هـ) فوافق أهل السنة في إثبات الصفات من ناحية وخالفهم من ناحية فأحدث القول بالكلام النفسي المستلزم لنفي الحرف والصوت.
فأنكر قوله الإمام أحمد وأصحابه كلهم، والبخاري وغيرهم. ورجع الحارث المحاسبي (٢٤٣هـ) عن قوله الكلابي إلى إثبات الحرف والصوت في كلام الله تعالى (٤).
المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ٣/ ٧٣
إبطالهم شبهات الماتريدية حول كلام الله
الشبهة الأولى:
شبهة "التشبيه":
أصل الدافع للجهمية جميعاً على تعطيل صفة "كلام" الله تعالى - هو أنهم ظنوا أنه لابد في حقيقة الكلام من فم وشفتين ولسان وحنجرة وحلقوم ونحوها من الجوارح والآلات والمخارج.
وسبق إبطال شبهة التشبيه بصورة عامة في فصل مستقل.
أما هذه الشبهة بخصوصها -
فقد أبطلها سلف هذه الأمة وأئمة السنة:
فقد تصدّى لإبطالها إمام أهل السنة أحمد بن حنبل.
وحاصل ما قاله: أنه لا يلزم من حقيقة الكلام وجود تلك الآلات والأعضاء والجوارح والمخارج فالله قادر على أن ينطق بما يشاء كيف يشاء،
стр. 998
فالسماوات والأرض والجبال تنطق بإنطاق الله تعالى إياها، وجوارح الكافر تشهد عليه كما قال الله تعالى: قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت: ٢١]
ثم قال الإمام أحمد: "أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان؟
ولكن الله أنطقها كيف شاء. وكذلك الله تكلم كيف شاء من غير أن يقول بجوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان" (١).
الشبهة الثانية:
شبهة الحوادث والأعراض:
قالوا: لو أثبتنا الكلام الحقيقي الذي هو بحرف وصوت لزم حلول الحوادث والأعراض بذاته تعالى.
والجواب: أن لفظتي "الحوادث والأعراض" من المصطلحات الكلامية الفلسفية المبتدعة المجملة التي تحتمل حقاً وباطلاً.
وقد سبق أن ذكرنا قاعدة أئمة السنة في مثل هذه الكلمات.
وهي: أنه لا يجوز الحكم على مثلها نفياً أو إثباتاً قبل استبانة مراد قائلها؛ وبعد الاستبانة ينظر فإن كان مراده حقاً قبل وإلا رد عليه مع أن التعبير بالألفاظ المأثورة هو الطريق المتبع.
فنقول في ضوء هذه القاعدة:
أولاً: إن لفظي "الأعراض والحوادث" لفظان مجملان،
فإن أريد بهما ما يعرفه أهل اللغة: من أن الأعراض والحوادث هي الأمراض والآفات - فهذه نقائص وعيوب يجب تنزيه الله عنها (ولكن لا يلزم من كون الله لم يزل متكلماً ولا يزال متكلماً - حلول الحوادث به).وإن أريد بهما اصطلاح خاص وهو اصطلاح أهل الكلام من المعطلة ليعطلوا بذلك صفات الله تعالى ويحرفوا نصوصها فهذا اصطلاح باطل لا يعرفه أهل اللغة ولا أهل العرف (٢) ولا يقره نقل ولا عقل.
ثانياً: نقول لهم إن عطلتم صفة "كلام" الله تعالى بحجة الأعراض والحوادث فلم أثبتم لله تعالى علماً وقدرة وإرادة؟.
وإذاً لا تكون هذه أعراضاً وحوادث -
فلا تكون صفةُ "كلام الله"، تعالى بحرف وصوت عرضاً من الأعراض وحادثة من الحوادث.
ثالثاً: نقول لهم: إن كنتم تريدون بنفي حلول الحوادث والأعراض أن الله تعالى لا يحل في ذاته شيء من مخلوقاته كما لا يحل هو في مخلوقاته.
فهذا النفي حق وواجب. وإن كنتم تريدون بهذا نفي صفات الله الاختيارية التي تحت مشيئته واختياره، وتقولون: إنه تعالى لا يفعل ما يريد ولا يتكلم بما شاء متى شاء ولا يغضب ولا يرضى، فهذا النفي باطل لأنه عين التعطيل والتحريف (٣).
الشبهة الثالثة: بيتُ الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلاً
تقدم أن ذكرنا أن الماتريدية استدلوا ببيت منسوب إلى الكافر النصراني لإثبات "الكلام النفسي" كما سبق في ص ٨٢.
ولأئمة السنة عنه أجوبة: الأول: أنه مكذوب مصنوع مختلق موضوع على العرب، ولا يوجد في ديوان الأخطل ولا غيره (٤).
الثاني: أنه لو قدر ثبوته لكان نص البيت:
إن البيان من الفؤاد، وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلاً
فقد قال أبو البيان هكذا رأيته في ديوانه فحرفه بعض النفاة إلى:"إن الكلام لفي .... " (٥).
الثالث: أنه لو قدر صحته - فهو أنزل منزلةً من خبر الواحد الصحيح بدركات، قال شيخ الإسلام وغيره:
стр. 999
ولو احتج محتجٌ في مسألة بحديث أخرجاه في الصحيحين عن النبي ﷺ ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول - لقالوا: هذا خبر الواحد (١).
أفلا يستحي هؤلاء المتكلمون ينابذون صحيح المنقول وصريح المعقول والفطرة والإجماع واللغة والعرف، ويتشبثون بمثل هذا؟!!
وهذا تناقض واضح واضطراب فاضح وخزي مبين ومنهج ظنين!.
الرابع: أن الأخطل كان مختلَّ العقلِ مضطربَ الكلامِ وكان غالب أوقاته في سكر الخمور ولهذا سمي بالأخطل.
على أن الخطل في اللغة هو الخطأ في الكلام وكان من المولدين فلا يكون مثله حجة على اللغة.
ولذلك أنشد في مثل هؤلاء المتكلمين مُنْشدٌ:
قبحاً لمن نبذ القرآن وراءه ... فإذا استدل يقول: قال الأخطل
قلتُ: هذه فاضحة أخرى أشنع عن أختها الأولى!.
الخامس: أن هذا الأخطل الكافر النصراني كان متعصباً لنصرانيته تعصباً لا يخطر بالبال طاعناً في دين الإسلام جهاراً دون إسرارٍ.
وقد حاول ملوك بني أمية إسلامه ولكنهم فشلوا في هذا الخبيث مع أنه كان رهيناً عليهم شاعراً خاصاً لهم مقرباً لديهم.
ومعلوم أن النصارى ضلوا ضلالاً بعيداً في كلام الله تعالى حتى جعلوا كلمة الله تعالى عينَ عيسى ﵇، والمسيحَ عينَ كلمةِ الله؛ فكيف يجوز لمسلم أن يحتج في أصل دينه ومعرفة صفات ربه ولاسيما "الكلام" بقول الأخطل الكافر النصراني المتعصب الضال؟! (٢).
،، وهذا والله ضلال وإضلال،، وعينُ الداء العضال!!،،
السادس: أنه لو نتغاضى عن جميع ما ذكرنا -
لم نتغاض عن أن نقول: إن الحقائق العقلية كمسمى "الكلام" الذى يتكلم به جميع بني آدم لا يُرجَعُ فيه إلى قول شاعر ولا إلى ألف شاعرٍ فاضلٍ يعول عليه ويحتج بقوله وشعره فضلاً عن نصراني مختطل العقل والكلام متعصب لكفره متصلب في مكره،، فاجر في أمره ماكر في شعره؛ بل يرجع في ذ
стр. 1000
المبحث التاسع: الرد على قولهم بخلق أسماء الله الحسنى
لقد سبق أن ذكرنا مذهب الماتريدية في أسماء الله الحسنى وما كان عندهم من حق يشكرون به وباطل يذمون به.
وكان من جملة ما عندهم من الباطل القول ببدعة خلق أسماء الله الحسنى.
ولنا في المقام كلمات ثلاث:
الكلمة الأولى:
أن هذه البدعة مبنية على بدعة خلق القرآن؛ لأن أسماء الله تعالى من كلام الله تعالى والقرآن كلام الله سبحانه.
وضرر هذه البدعة لا تقل عن ضرر بدعة خلق القرآن.
ولذلك ترى سلف هذه الأمة وأئمة السنة قد كفروا من قال: بخلق أسماء الله الحسنى، كما كفروا من قال: بخلق القرآن.
وسبب ذلك:
أنهم لما قالوا: "الاسم هو المسمى".
حجوا بتعدد أسماء الله تعالى.
فقالوا فراراً عن هذا المضيق: إن هذه الأسماء تسميات وهي ألفاظ وحروف غير الله تعالى فهي مخلوقة.
فصار قولهم بخلق أسماء الله الحسنى كقولهم بخلق القرآن.
هكذا تطورت البدع من الجعد (١٢٦هـ) إلى الجهم (١٢٨هـ) ثم إلى بشر المريسي الحنفي (٢٢٨هـ) ثم إلى بقية المعتزلة ثم إلى الكلابية فالماتريدية وزملائهم الأشعرية فالبدع تكون في البداية نقطةً ثم تكون بحاراً لا ساحل لها ولا أرجاء. كما قال شيخ الإسلام: "فالبدع تكون في أولها شبراً ثم تكثر في الأتباع حتى تصير أذرعاً وأميالاً وفراسخ" (١).
فوقعوا في خرق وحمق من وجهين:
الأول: جعلهم الاسم عين المسمى.
الثاني: قولهم بأنها مخلوقة.
فخالفوا ما دل عليه الكتاب والسنة،، ولغة العرب وإجماع الأمة. قال شيخ الإسلام: "ولهذا أنكر قولهم جمهورُ الناس من أهل السنة وغيرهم" (٢).وقال: "وكلاهما باطل مخالف لما يعلمه جميع الناس من جميع الأمم ولما يقولونه ... " (٣).وقال: "والتسمية نطق بالاسم وتكلم به، وليست هي الاسم بنفسه، وأسماء الأشياء هي الألفاظ الدالة عليها، وليست هي عين الأشياء" (٤).
فهؤلاء أصابوا في جعلهم التسمية غير الاسم.
ولكن أخطأوا في جعل الاسم عيناً للمسمى، كما أخطأوا في جعلها مخلوقةً.
وهؤلاء إذا قالوا: الاسم غير مخلوق يقصدون المسمى وهو الله.
وإذا قالوا: الاسم مخلوق يقصدون لفظ "الله" ولفظ "الرحمان" ولفظ "الرحيم" ومن لم يمارس اصطلاحات هؤلاء قد لا يتفطن لما يريدون، فيظن أنهم على طريقة أهل السنة.
ولذلك قال شيخ الإسلام.
"فهم تكلفوا هذا التكليف ليقولوا: "إن اسم الله غير مخلوق".
ومرادهم، أن الله غير مخلوق.
وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة.
فإن أولئك ما قالوا: الأسماء مخلوقة.
إلا لما قال هؤلاء: "هي التسميات".
فوافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى. ووافقوا أهل السنة في اللفظ" (٥).
الكلمة الثانية:
هل الاسم للمسمى أم عينه أم غيره؟ ".
قلتُ: هذه صورٌ ثلاثٌ.
فالصورة الأولى: هي المقالة الصحيحة فالاسم للمسمىً، قال الله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:١٨٠]
وقال سبحانه: قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى [الإسراء: ١١٠] قال شيخ الإسلام: وهذا هو القول بأن "الاسم للمسمى" وهذا الإطلاق، اختيار كثير من المنتسبين إلى السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيره (٦).
стр. 1001
والصورة الثالثة: مقالة الجهمية الأولى. وكان قصدهم بها التدرج إلى أن يقولوا أسماء الله مخلوقة؛ لأنها غير الله وكل ما هو غير الله فهو مخلوق (١)، فأسماء الله مخلوقة. أما الصورة الثانية: وهي أن الاسم عين المسمى - فهي مقالة الماتريدية كما سبق، وهكذا قالت: الأشعرية (٢).
ومقاصدهم باطلة تتضمن الضلال من القول بخلق أسماء الله الحسنى.
ولكن هذا القول قاله كثير من المنتسبين إلى السنة أيضاً لكن مقاصدهم طيبة.
قال شيخ الإسلام: "الذين قالوا: الاسم هو المسمى كثير من المنتسبين إلى السنة مثل أبي بكر عبدالعزيز وأبي القاسم الطبري اللالكائي، وأبي محمد البغوي صاحب (شرح السنة) وغيرهم ... ".ثم ذكر محملاً حسناً لكلامهم كما بين خطأ الناس عليهم (٣).
قلتُ: هذا من الألفاظ الكلامية البدعية المجملة وقد تقدم قاعدة أئمة السلف فيها من أنه يجب التفصيل في ذلك ليتبين الحق من الباطل.
قال شيخنا عبدالله بن محمد الغنيمان حفظه الله: "فلا يطلقون - (أهل السنة) - بأنه المسمى ولا غيره بل يفصلون حتى يزول اللبس فإذا قيل لهم: أهو مسمى أم غيره؟ قالوا: ليس هو نفس المسمى ولكن يراد به المسمى. وإن أريد بأنه غيره: كونه بائناً عنه - فهو باطل لأن أسماء الله من كلامه وكلامه صفة له قائمة به لا تكون غيره" (٤).
قلت: قد يكون لقول القائل: "الاسم عين المسمى" وقول الآخر: "الاسم غير المسمى" توجيه صحيح آخر.
بشرط أن لا يقصد معنى باطلاً.
وبيانه أنه إذا قال القائل: ما معبودكم؟.
فقلنا: "الله".
فالمراد ههنا: "المسمى" فيكون الاسمُ "عين المسمى"؛ لأنه ليس القصد أن المعبود هو لفظ "الله" أو هذا القول"، بل القصد: أن المعبود هو ما سمي بالله.
وإذا قال ما اسم معبودكم؟.
فقلنا: "الله".
فالمراد ههنا: أن اسم معبودنا هو هذا القول: "الله" ولفظه.
وليس المراد: أن اسمه هو عين ذاته.
فإن السائل لم يسأل عن ذاته وإنما سأل عن اسمه.
فههنا يكون الاسم غير المسمى. لاختلاف السؤال فلكل مقام مقال (٥). والجواب حسب السؤال.
لكن الجهمية الأولى وأفراخهم من الماتريدية والأشعرية قصدوا بذلك باطلاً لما في طيه ضلال، وتعطيل وقول بخلق أسماء الله تعالى. فاشتد نكير أئمة السنة عليهم (٦).ولم يكن السلف خاضوا في ذلك لا نفياً ولا إثباتاً (٧).
بل شنوا الغارة على من خاض في ذلك.
حتى يروى عن الإمام الشافعي (٢٠٤هـ) والإمام عبدالملك بن قريب الأصمعي (٢١٦هـ) وغيرهما:
"إذا سمعت الرجل يقول "الاسم غير المسمى".فاشهد عليه بالزندقة" (٨).
وقال الإمام ابن جرير الطبري (٣١٠هـ) "وأما القول في الاسم أهو المسمى أم غير المسمى" فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع، ولا قول من إمام فيستمع، فالخوض فيه شين، والصمت عنه زين.
стр. 1002
وحسب امرئ من العلم به والقول فيه أن ينتهي إلى قول الله ثناؤه الصادق، وهو قوله: قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى [الإسراء: ١١٠] وقوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:١٨٠]
ويعلم أن ربه هو الذي "على العرش استوى له ما في السموات وما في الأرض، وما بينهما وما تحت الثرى"؛فمن تجاوز ذلك، فقد خاب وخسر وضل وهلك" (١).
الكلمة الثالثة:
في فساد القول بخلق أسماء الله الحسنى:
ضرر هذه المقالة لا تقل عن خطر مقالة خلق القرآن.
فقد اشتد نكير سلف هذه الأمة وأئمة السنة على هاتين المقالتين وكفروا أصحابهما، وفيما يلي نماذج من نصوص أئمة السنة:
١ - قال ناصر السنة الإمام الشافعي (٢٠٤هـ) ﵀: "من حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة لأن اسم الله غير مخلوق، ومن حلف بالكعبة أو بالصفا والمروة، فليس عليه الكفارة، لأنه مخلوق وذاك غير مخلوق.
٢ - وقال إمام المحدثين والفقهاء سفيان الثوري (١٦١هـ).
"من قال: إن قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ مخلوق - فهو كافر".
٣ - وقال سيد المحدثين والفقهاء عبدالله بن المبارك (١٨١هـ):
الذي تعظمه الحنفية ومنهم الكوثرية وعدوه في كبار أئمة الحنفية: "من قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:١٤] مخلوق - فهو كافر".
٤ - وقد ذُكر لإمام الجرح والتعديل يحيى بن سعيد القطان (١٩٨هـ) وسيد الحافظ الذي تبجله الكوثرية وذكروه في عداد كبار الحنفية.
"أن قوماً يقولون: القرآن مخلوق، فقال: كيف يصنعون بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:١] كيف يصنعون بقوله: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:١٤] يكون مخلوقاً؟ ".
٥ - وقال إمام أهل الحديث إسحاق بن راهويه (١٣٨هـ):
"أفضوا - (الجهمية) - إلى أن قالوا: "أسماء الله مخلوقة ... " وهذا الكفر المحض ... ".
٦ - وقال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١هـ):
"من زعم أن أسماء الله مخلوقه فهو كافر".
٧ - وقال "من قال: "القرآن مخلوق".
فهو عندنا كافر؛ لأن القرآن من علم الله ، وفيه أسماء الله ".
٨ - وقال: "وأسماء الله في القرآن، والقرآن من علم الله، فمن زعم أن القرآن مخلوق" فهو كافر،
ومن زعم: "أن أسماء الله مخلوقة" -فقد كفر".
٩ - وذكر له رجل: أن رجلا قال: إن أسماء الله مخلوقة والقرآن مخلوق"؛ فقال أحمد: "كُفْرٌ بَيِّنٌ".
١٠ - وقال الإمام البخاري أمير المؤمنين في الحديث (٢٥٦هـ):
"الجهمية ... قالوا: "إن اسم الله مخلوق".
ويلزمهم أن يقولوا إذا أذّن المؤذن:
لا إله إلا الذي اسمه "الله"؟.
وأشهد أن محمداً رسول الذي اسمه "الله".لأنهم قالوا: "إن اسم الله مخلوق ... " (٢).١١ - وللإمام أبي القاسم هبة الله الطبري اللالكائي (٤١٨هـ) مبحث قيم ذكر فيه أدلةً من الكتاب والسنة وأقوال سلف هذه الأمة وأئمة السنة في التشديد على من قال بخلق أسماء الله الحسنى (٣).
١٢ - وقال شيخ الإسلام (٧٢٨هـ): "وهؤلاء هم الذين ذمهم السلف وغلظوا فيهم القول؛ لأن أسماء الله من كلامه، وكلام الله غير مخلوق؛ بل هو المتكلم به، وهو المسمى لنفسه بما فيه من الأسماء ... " (٤).
قلتُ: الحاصل، أن القول ببدعة خلق أسماء الله الحسنى ذيل للقول ببدعة خلق القرآن، وأن الماتريدية قائلون بهذه البدعة الظلماء جهاراً، كما هم قائلون بخلق القرآن، وأن سلف هذه الأمة وأئمة السنة قد كفروا القائلين بخلق أسماء الله تعالى، كما كفروا القائلين بخلق القرآن.
وأن الماتريدية في ذلك كلهم جهمية محضة مع ما زادوه من البدع وأنهم مخالفون للعقل والنقل وإجماع السلف في آن واحد، فمذهب الماتريدية في القرآن وأسماء الله - في غاية الفساد والضلال والإلحاد والإضلال.
المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ٣/ ١٥٠
стр. 1003
المبحث العاشر: الرد على الماتريدية في تفسيرهم لصفة "الألوهية" "بصفة" "الربوبية "
سبق آنفاً أن الماتريدية فسروا صفة "الألوهية" بصفة "الربوبية".
فعطلوا هذه الصفة العظيمة وحرفوا نصوصها.
ولنا عدة مؤاخذات على مذهبهم هنا نذكر منها ما يلي:
المؤاخذة الأولى: أننا ذكرنا شهادة الإمام أبي حنيفة وشهادة ثمانية من كبار الماتريدية على أن تفسير صفة بأخرى - كتفسير "اليد" بالقدرة، أو النعمة مثلاً تعطيل وإبطال لها وأن هذا مذهب الجهمية.
وهذه الشهادات من هؤلاء الأئمة للحنفية تكفي لإبطال مذهبهم في صفة "الألوهية" لما في طيه تعطيل وتحريف وإبطال وضلال وتخريف.
المؤاخذة الثانية: أن تفسير "الألوهية" بالربوبية أو الخالفية المالكية وكذا تفسير "الإله" بالصانع المخترع الخالق المالك -
باطل لغة واصطلاحاً، فلغة العرب واصطلاحهم يقضيان على ذلك.
ولغة القرآن الكريم ترده رداً صريحاً. فحمل نصوص صفة "الألوهية" مع تلك الكثرة الكاثرة على صفة "الربوبية" تحريف واضح وتخريف فاضح، حتى باعتراف الكوثري مجدد الماتريدية؛ فقد صرح الكوثري بأن حمل النصوص والآثار على المصطلحات المستحدثة بعد عهد التنزيل بدهور بعيدٌ من تخاطب العرب وتفاهم السلف، واللسان العربي المبين، ومن زعم ذلك فقد زاغ من منهج الكتاب والسنة، وتنكب سبيل السلف الصالح، ونابذ لغة التخاطب، وهجر طريقة أهل النقد ... " (١).
قلتُ: لقد صدق الكوثري - والكذوب قد يصدق -
ولكن قد يكون صدق الكذوب له.
ولكن صدق الكوثري ههنا عليه وعلى جماعته الماتريدية حيث فسروا "الألوهية" بالربوبية والخالقية والمالكية.
فوقعوا في التعطيل والتحريف، وزاغوا عن منهج الكتاب والسنة وتنكبوا سبيل السلف الصالح ونابذوا تخاطب العرب، وتفاهم السلف واللسان، العربي المبين.
حتى بشهادة هذا الكوثري الذي يبالغون ويغالون فيه بما لا يخطر بالبال ليقلبوا الحقائق بهذا الغلو والضلال والإضلال.
وبعد هذا نقدم نماذج من لغة العرب واصطلاحهم ولاسيما لغة القرآن في مفهوم "الألوهية" ليعلم القراء صدق ما قلنا من أن "الألوهية" و"الربوبية" مفهومان متغايران لغة واصطلاحاً.
أما لغة: فالإله: فعال، بمعنى مألوه، أي: معبود، كإمام بمعنى مؤتم به وأله إلهة عبد عبادة، والتأليه: التعبيد، والآلهة: المعبودون، من الأصنام وغيرها، والاله: التعبّد؛ قال رؤبة بن العجاج:
لله در الغانيات المدة ... سبحن واسترجعن من تألهي (٢)
وأما اصطلاحاً: فمعنى "الألوهية" و"الإله" لا يختلف عن معناهما في اللغة: فالإله عند العرب الأولين: اسم لكل معبود يشمل الإله الحق وهو الله تعالى، والآلهة الباطلة، كالأصنام والأوثان، وكل ما عبد من دون الله، بشراً كان أو ملكاً أو جناً، شمساً أو قمراً، حجراً أو شجراً، نوراً أو ناراً، قبراً أو غاراً، حياً، أو ميتاً عيناً أو معنىً وغير ذلك.
стр. 1004
فيما يلي نصوص علماء اللغة:١ - قال الراغب الأصفهاني (٥٠٢هـ): "وإله" جعلوه اسماً لكل معبود لهم" (١).٢ - وقال ابن منظور الأفريقي المصري (٧١١هـ) "الإله "الله" وكل ما اتخذ من دون الله معبوداً "إله" عند متخذه، والجمع "آلهة" ... " (٢).٣ - وقال المجد الفيروز آبادي (٨١٧هـ) " ... إله" كفعال، بمعنى: مألوه، وكل ما اتخذ معبوداً "إله" عند متخذه" (٣).
٤ - وقال محمد المرتضى الزبيدي الحنفي (١٢٠٥هـ) " ... فإذا قيل: "الإله" أطلق على الله سبحانه، وعلى ما يعبد من الأصنام. وإذا قلت: "الله" لم ينطلق إلا عليه ... " (٤).
لغة القرآن واصطلاحه، وما حكاه عن العرب:
معنى "الألوهية" و"الإله" في لغة القرآن واصطلاحه وما حكى الله عن مشركي العرب -
لم يختلف عن معناهما الذي ذكرناه، عن معاجم اللغة.
فالإله، يطلق على كل معبود حقاً كان أو باطلاً.
فالله سمى معبودات المشركين "آلهة" وأبطل كونها آلهة حقاً.
قال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا [الفرقان: ٣]
وهكذا كان مشركوا العرب يسمون معبوداتهم "آلهة".
مع اعتقادهم أنها ليست خالقة لهذا الكون ولا مالكة؛
كما حكى الله عنهم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:٥]
وقال عنهم: إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا [الفرقان: ٤٢]
وقال : وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ [الصافات:٣٦]
فأنت ترى في هذه الآيات أن المشركين سموا معبوداتهم "آلهة".
مع أن المشركين لم يعتقدوا فيها أنها خالقةٌ لهذا الكون وأربابٌ للعالم.
وهذا ما سنتحدث عنه في المؤاخذة الآتية.
فنثبت أن تفسير "الألوهية" و"الإله" "بالربوبية" والمالكية والصانع تحريف وتعطيل وإبطال وضلال وإضلال.
المؤاخذة الثالثة: لقد بينا أن مشركي العرب سموا معبوداتهم "آلهة" ولكنهم مع ذلك لا يعتقدون فيها أنها خالقةٌ للكون أو شريكةٌ مع الله تعالى في الخلق والربوبية والتدبير أو مالكة بل يعتقدون أنها مملوكة.
وذلك لوجوه:
الوجه الأول: اعتراف المشركين بأن آلهتهم من دون الله ليست خالقة لهذا الكون ولا مدبرة ولا رازقة ولا مالكة.
قال الله تعالى: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ [يونس: ٣١]
الوجه الثاني: أن المشركين إذا أصابهم ضرُّ عظيم وخطب جسيم تركوا دعاء آلهتهم من دون الله وتضرعوا إلى الله تعالى وحده؛ لعلمهم أنها لا تنفع ولا تنجي.
قال الله تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء:٦٧]
وقال : وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... [لقمان: ٣٢]
قلت: لو تدبر القارئ في هاتين الآيتين وأمثالهما لبان له أن المشركين لم يعتقدوا في آلهتهم أنها خالقة، رازقة، مدبرة لهذا الكون ومالكه.
فكيف تفسير "الألوهية" بالربوبية؟ و"المالكية"؟.
وكيف يصح جعل "الإله" بمعنى الخالق الصانع المالك؟.
стр. 1005
الوجه الثالث: وهذا أصل الوجهين الأولين.
وهو أن المشركين من العرب قد صرحوا واعترفوا بأنهم قد اتخذوا آلهة من دون الله تعالى، شفعاء لهم عند الله سبحانه، وأنهم لا يعبدون آلهتهم إلا ليقربوهم من الله تعالى ومعلوم أن الشفيع غير مالك، وأن الوسيلة ليست هي المقصودة، فالخالق، الرازق، المالك، المدبر عندهم هو "الله" وسبحانه وحده. أما آلهته من دون الله من ملك مقرب أو نبي مرسل أو ولي صالح وغيرهم - فهي للشفاعة لهم عند الله تعالى، وللتوسل إلى الله سبحانه والتقرب إليه ؛
فقد كان أصل شركهم الوسيلة الشركية.
فقد قال الله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ [يونس: ١٨]
وقال الله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣]
قلت: هذه النصوص صريحة في أنهم كانوا يعبدون آلهتهم لا لأجل أنها خالقة رازقة، صانعة، مالكة، مدبرة للعالم، أو أنها أرباب بهذا المعنى، بل كانوا يعبدون الملائكة والأنبياء والأولياء ليشفعوا لهم عند الله تعالى.
الوجه الرابع: أن كثيرا من كبار أئمة الإسلام وكبار أساطين الكلام من الحنفية الماتريدية، والأشعرية الكلابية -
قد صرحوا - في تصوير عقائد مشركي العرب - بأن أصل إشراكهم بالله تعالى إنما هو التوسل الشركي، وأنهم لم يعبدوا آلهة باطلة من دون الله تعالى إلا رجاء أن يكونوا شفعاء لهم عند الله.
وأنهم لم يعتقدوا في آلهتهم الباطلة أنها خالقة رازقة، صانعة، مدبرة لهذا الكون ومالكه؛
فكيف يصح جعل "الإله" بمعنى "الرب" الصانع، الرازق، الخالق، المالك" لهذا الكون، والمدبر له؟.
وهذا دليل قاطع وبرهان ساطع على أن تفسير "الألوهية" بالمالكية - تعطيل وتحريف، وفيما يلي نماذج من نصوص هؤلاء الأعلام من أئمة الإسلام وأساطين الكلام - على أن أصل شرك مشركي العرب إنما هو التوسل الشركي وأنهم كانوا يعبدون آلهتهم الباطلة ليشفعوا لهم عند الله.
حيث قاسوا الله تعالى على ملك من الملوك الذين لا يتوصل إليهم إلا بواسطة وزرائه وأمرائه:-
١ - الإمام الرازي فيلسوف الأشعرية (٦٠٦هـ).الذي أحب الكوثري التحاكم والفزع إليه وإلى أمثاله في أصول الدين ومعرفة التوحيد والشرك (١).والذي عظمه الحنفية الماتريدية غاية التعظيم وأثنوا عليه بما لا يخطر بالبال ومن ذلك قولهم في الثناء عليه: "ملك المتكلمين سلطان المحققين" (٢).
قال الرازي في تفسير قوله تعالى: وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ [يونس: ١٨]
"ورابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان، على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل -
فإن أولئك الأكابر يكونون شفعاء لهم عند الله. ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق لتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم - فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله" (٣).
قلت: تدبر أيها المسلم، في هذا النص للإمام الرازي - ملك المتكلمين وسلطان المحققين - فقد تضمن بنصه ما يلي:
أ- أن المشركين لم يعتقدوا في آلهتهم الباطلة أنها خالقةٌ، رازقةٌ، مكونةٌ، مالكةٌ لهذا الكون.
ب- بل جعلوا هذه الصفات لله وحده وأنه الرازق السيد المالك المدبر لهذا الكون.
ج- وإنما عبدوا الآلهة الباطلة رجاء أن يكونوا شفعاء لهم عند الله.
стр. 1006
د- هذا النوع من العقيدة هو التوسل الشركي المبني عليه إشراك المشركين.
هـ- أن الشرك الأكبر الذي كان موجوداً في مشركي العرب في الجاهلية موجود في كثير من عبَّاد القبور اليوم "القبورية".
فهل يمكن بعد تصريحات ملك المتكلمين وسلطان المحققين لأحد من رعية هذا الملك أو أحد من جنود هذا السلطان أن يفسر "الألوهية" و"الإله" بالربوبية والرب؟!! أو ينكر وجود الشرك في المنتسبين إلى الإسلام من عباد القبور وأهلها؟! أو يقول معنى الألوهية بعينه معنى المالكية.
٢ - ٦ - قال العلامة السيد سند الشريف الجرجاني (٨١٦هـ) وحسن "الشبلي" "الجلبي" الفناري (٨٨٦هـ) وعصام الدين الإسفراييني (٩٥١هـ) وساجقلي المرعشي (١١٥٠هـ) والمحقق محمد بن حميد الكفوي (١١٧٥هـ) وكلهم حنفية ماتريدية - واللفظ للأول:"دون الوثنية، فإنهم لا يقولون بوجود إلهين واجبي الوجود ولا يصفون "الأوثان" بصفات "الإلهية"، وإن أطلقوا عليه اسم "الإله"، بل اتخذوها على أنها تماثيل الأنبياء، أو الزهاد، أو الملائكة، أو الكواكب واشتغلوا بتعظيمها على وجه العبادة توصلاً بها إلى ما هو إله حقيقة" (١)
قلت: هذا النص المهم الواضح لهؤلاء الماتريدية مشتملٌ على حق وباطل:
أما الحق فهو أمور ثلاثة:
أ- أن المشركين لم يعتقدوا في آلهتهم الباطلة أنها خالقة مدبرة للكون.
ب- أنهم عبدوا الأنبياء والصلحاء والملائكة والكواكب ليشفعوا لهم عند الله ويتوصلوا بهم إلى الله.
ج- أن أصل إشراكهم هو هذا التوسل الشركي.
وأما الباطل، فهو أمر واحد وهو زعمهم:
أن هؤلاء المشركين أطلقوا على آلهتهم التي عبدوها من دون الله، اسم "الإله" مجازاً لا حقيقة.
قلتُ: هذا باطل محض، والحق أنهم سموها "آلهة" على الحقيقة لا على المجاز لأنهم قد عبدوها على الحقيقة دون المجاز؛
فكانوا يدعونهم لدفع الضرر وجلب النفع، وينذرون لهم، ويسجدون لهم، إلى غير ذلك من أنواع العبادات الحقيقية التي كانوا يصرفونها لآلهتهم الباطلة ولا شك أن هذه عبادات حقيقية لا مجازية؛
فمن صرف له شيء من هذه العبادات الحقيقية - فلا شك أنه معبود حقيقة لا مجازاً، وقد تقدم أن "الإله" كل ما عبد سواء كان حقاً أم باطلاً.
فهذه المقدمات الأربع تنتج نتيجة حتمية واقعية،
وهي أن المشركين كانوا يطلقون اسم "الإله" على معبوداتهم إطلاقاً حقيقة لا مجازاً.
غير أن كل معبود سوى الله تعالى باطل لأنه لا يستحق العبادة أحد غير الله تعالى، فالله سبحانه وحده لا شريك له هو المستحق للعبادة.
وهو وحده تعالى منفرد بالألوهية.
والذي أوقع هؤلاء المتكلمين في هذا الباطل العاطل -
هو تفسيرهم للألوهية والإله، بالمالكيّة والرب والصانع.
فبنوا الفاسد على الفاسد والكاسد على الكاسد.
وزعموا: أن المشركين سموا من عبدوه من دون الله - آلهة مجازاً لا حقيقة. فلما انهار أساسهم الذي أسسوه على شفا جرفٍ هارٍ -
انهار بنيانهم الذي بنوه على هذا الأساس المنهار.
الحاصل: أن الماتريدية اعترفوا بأن المشركين لم يعتقدوا في آلهتهم من دون الله أنها خالقةٌ، مالكةٌ، صانعةٌ، مدبرةٌ، لهذا الكون، وأربابٌ لهذا العالم.
فبطل تفسيرهم للألوهية والإله، بالخالقية، والربوبية، والخالق والصانع كما فسد زعم الرستمي الفنجفيري أن معنى الألوهية معنى المالكية.
وثبت أن تفسيرهم هذا تعطيل لصفة "الألوهية لله تعالى، وتحريف لنصوصها.
стр. 1007
وبطل زعم الشيخ محمد بن علوي المالكي: أن المشركين لم يكونوا جادين في اعترافهم بأن الله هو الخالق الرازق المدبر لهذا الكون.
٨ - وقال الإمام ولي الله الدهلوي الحنفي ﵀ (١١٧٦هـ) في تصوير عقائد مشركي العرب وبيان أن أصل إشراكهم بالله تعالى هو التوسل الشركي.
"والمشركون وافقوا المسلمين في تدبير الأمور العظام وفيما أبرم وجزم، ولم يترك لغيره خيرة، ولم يوافقوهم في سائر الأمور.
ذهبوا إلى أن الصالحين من قبلهم عبدوا الله وتقربوا إليه.
فأعطاهم الله "الألوهية".
فاستحقوا العبادة من سائر خلق الله.
كما أن ملك الملوك يخدمه عبده فيحسن خدمته.
فيعطه خلعة الملك ويفوض إليه تدبير بلدٍ من بلاده،
فيستحق السمع والطاعة من أهل ذلك البلد.
وقالوا: لا تقبل عبادة الله إلا مضمومة بعبادتهم.
بل الحق في غاية التعالي فلا تفيد عبادته تقرباً منه،
بل لابد من عبادة هؤلاء ليقربونا إلى الله زلفى، وقالوا: هؤلاء يسمعون ويبصرون، ويشفعون، لعُبَّادِهم، ويدبرون أمورهم وينصرونهم.
فنحتوا على أسمائهم أحجاراً، وجعلوها قبلةً عند توجههم إلى هؤلاء.
فخلف من بعدهم خلف فلم يفطنوا للفرق بين الأصنام وبين من هي على صورته، فظنوها معبودات بأعيانها، ولذلك رد الله تعالى عليهم تارة بالتنبيه على أن الحكم والملك له خاصة وتارة ببيان أنها جمادات ... " (١).٨ - وله ﵀ أيضاً كلامٌ طويلٌ آخر قال في آخره: "وهذا مرض جمهور اليهود والنصارى والمشركين وبعض الغلاة من منافقي دين محمد ﷺ يومَنا هذا" (٢).
٩ - وقد صوّر الشاه ولي الله أيضاً عقائد المشركين بمثل هذا النوع في مقام آخر من أن أصل إشراكهم كان مبنياً على التوسل الشركي وأنهم لم يعتقدوا في آلهتهم أنها خالقة صانعة لهذا الكون أو أنها مدبرة، مالكة على الاستقلال.
بل كانوا يقولون: إن نسبة الآلهة إلى الله تعالى كنسبة الوزراء والأمراء إلى الملوك والسلاطين.
حيث لا يتوصل إلى الملك إلى بوزرائه وأمرائه.
ثم قال: "وإن كنت متوفقاً في تصوير حال المشركين وعقائدهم وأعمالهم -
فانظر إلى حال العوام والجهلة من أهل الزمان.
خصوصاً من سكن منهم بأطراف دار الإسلام.
كيف يظنون "الولاية" وماذا يُخَيَّلُ إليهم منها ... ؟
ويذهبون إلى القبور والآثار، ويرتكبون أنواعاً من الشرك،
وكيف تطرق إليهم التشبيه والتحريف؟.ففي الحديث الصحيح: ((لتتبعن سنن من قبلكم، حذو النعل بالنعل)) (٣).وما من آفة من هذه الآفات إلا وقوم من أهل الزمان واقعون في ارتكابها معتقدون مثلها عافانا الله سبحانه من ذلك" (٤).
قلت: نصوص هذا الإمام صريحة بما يلي:
أ- أن مشركي العرب لم يكونوا معتقدين في آلهتهم من دون الله، أنها خالقة رازقة مدبرة مالكة لهذا الكون.
ب- أصل شركهم هو التوسل الشركي من قياس الخالق تعالى على ملك من الملوك الذين لا يتوصل إليهم إلا بواسطة وزرائهم وأمرائهم وقد أتوا من قياس الغائب على الشاهد وقياس الغني على الفقير، وقياس عالم الغيب على من لا يعلم الغيب، وقياس الحي القيوم القادر القائم على كل نفس السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية على مخلوق عاجز جاهل.
ج- أن المشركين لم يعبدوا الأحجار والأصنام لذاتها.
وإنما عبدوها لجعلها قبلة لأرواح الأنبياء والأولياء عندهم،
стр. 1008
وكان قصدهم عبادة هؤلاء الأنبياء والصلحاء دون الأحجار.
د- أنه لم يكن قصدهم بالذات عبادة هؤلاء الأنبياء والصلحاء بالذات أيضاً وإنما كانوا يعبدونهم ليقربوهم إلى الله ويشفعوا لهم عند الله سبحانه.
هـ- أن إشراك المشركين العرب موجود في كثير من المنتسبين إلى الإسلام، فنراهم يرتكبون أنواعاً من الشرك الأكبر من عبادة القبور وأهلها، كما هو مشاهدٌ محسوسٌ، وحقيقةٌ واقعيةٌ لا تهمة خيالية.
فهل يمكن لهؤلاء المتكلمين بعد تصريح هذا الإمام أن يفسروا "الألوهية" و"الإله" بالخالقية، والخالق، والربوبية والرب؟ والمالكية.
أو هل يمكن لأمثال محمد بن علوي المالكي: أن يقول: إن المشركين لم يكونوا جادين بل كانوا هازلين في اعترافاتهم بالربوبية!.
أو هل يمكن لهم أن ينكروا وجود الشرك الأكبر في كثير من المسلمين من عبادة القبور وأهلها؟.
أو هل يمكن لأحد أن يقول: إن مشركي العرب كانوا يعبدون الأحجار والأصنام؟.
أما نحن فنعظم الأنبياء والأولياء ونتوسل بهم إلى الله تعالى ونحو ذلك؟
أو هل يمكن لأحد أن يقول: إن المشركين كانوا يعتقدون في الأحجار والأصنام أنها أرباب؟.
أما نحن فلا نعتقد ذلك في الأنبياء والأولياء، وإنما نتوسل بهم إلى الله؟ كما يقوله كثير من أدعياء العلم من أئمة العبودية؛
فيرتكبون تحت ستار التوسل - أنواعاً من الشرك،
ويثبتون للأولياء - تحت ستار الكرامة - كثيراً من صفات الربوبية؛
١٠ - وقال العلامة المفسر محمود الآلوسي (١٢٧٠هـ) مفتي الحنفية ببغداد في تفسير قوله تعالى: وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ [يونس:١٨]:"ونسبة الشفاعة للأصنام قيل باعتبار السببية، وذلك لأنهم - كما هو المشهور - وضعوها على صور رجال صالحين ذوي خطر عندهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادتها فإن أولئك الرجال يشفعون لهم ... " (١).
قلتُ: هذا النص واضح لا يحتاج إلى تعليق وكأنه نقله عن الإمام الرازي، فإن هذا النص مثل نص الرازي كما تقدم قريباً.
١١ - وقال الآلوسي ﵀ أيضاً في تفسير قوله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف:١٠٦] "قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة، والشعبي، وقتادة: "هم أهل مكة، آمنوا وأشركوا، كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكاً تملكه وما ملك ... " (٢).
ثم قال: " .... يندرج فيهم كل من أقر بالله تعالى وخالقيته مثلاً، وكان مرتكباً ما يُعَدُّ شركاً كيفما كان. ومن أولئك عبدة القبور الناذرون لها المعتقدون للنفع والضر ممن الله أعلم بحاله فيها، وهم اليوم أكثر من الدود" (٣).
قلتُ: نص الآلوسي هذا لا يحتاج إلى تعليق فهو واضح، غير أنه صريح في أمرين مهمين.
الأول: أن المشركين كانوا يصرحون وقت التلبية بأن آلهتهم لا تملك شيئاً فهم ومعبودهم كلهم جميعاً ملك لله تعالى.
والثاني: أن عبدة القبور اليوم - على كثرتهم الكاثرة كالدود - من هؤلاء الذين يؤمنون بالله وخالقيته وربوبيته، وهم مع ذلك يرتكبون أنواعاً من الشرك الأكبر من عبادة القبور وأهلها.
فهل يمكن - بعد هذه التصريحات واعتراف المشركين بأن آلهتهم لا تملك - لأحد من الماتريدية أن يفسروا "الألوهية" بالربوبية، و"الإله" بالرب الصانع المالك المدبر لهذا الكون؟ أو بالمالكية؟.
أو هل يمكن لأحد أن يقول: إن الاعتراف بتوحيد الربوبية اعتراف بتوحيد الألوهية؟ والقائل بربي الله قائل بلا إله إلا الله؟.
стр. 1009
أو هل يمكن لأمثال العلوي المالكي أن يزعم أن المشركين لم يكونوا جادين في أن الله تعالى هو الخالق الرازق المدبر لهذا الكون؟.
المؤاخذة الرابعة: أنه إن كان معنى "الألوهية" الربوبية، والصانعية ومعنى "الإله" "الخالق والرب أو معنى الألوهية المالكية -
يلزم أن تكون "كلمة التوحيد" غير مفيدة للتوحيد؛
لكن التالي باطل فالمقدم مثله.
أما بطلان التالي فأمر متفق عليه بين الفرق المنتسبة إلى الإسلام،
ولأنه قد علم بالضرورة والاضطرار من دين الإسلام:
أن كلمة "لا إله إلا الله" كلمة التوحيد، ومفيدةٌ للتوحيد،
ولأن المشركين لم يعارضوا الرسل - عليهم الصلاة والسلام في "لا خالق إلا الله" أو "لا رب إلا الله".
بل كانوا يعارضونهم في "لا إله إلا الله" المفيدة لتوحيد العبادة واختصاص العبادة بالله وحده لا شريك له، والمتضمنة لإبطال الآلهة الباطلة.
كما قال الله : قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [الأعراف:٧٠].
وقال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات:٣٥].
وقال جل وعلا عن المشركين: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:٥].
وقال عز من قائل: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر:٤٥].
وقال : ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:١٢].
وقال ﵎: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ [غافر:٨٤]
وقال : وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:٤]
وأما بطلان المقدم فقد ظهر من بطلان التالي.
المؤاخذة الخامسة: أن هناك فروقاً أخرى بين الربوبية وبين "الألوهية" نذكر منها ما يلي: أ- أن "الألوهية" هي الغاية العظمى من خلق الجن والإنس وإرسال الرسل وإنزال الكتب بخلاف "الربوبية" (١).ب- أن "الربوبية" دليل على "الألوهية" فالأولى دالة، والثانية مدلولة والأولى مستلزمة للثانية استلزم الدليل المدلول (٢).ج- "الألوهية" مستلزمة "للربوبية" استلزام العلة الغائية للفاعلية (٣) فالأولى "علة غائية" والثانية "علة فاعلية".
ولا شك أن الغائية والفاعلية شيئان متغايران لا مترادفان. د- "الألوهية" متضمنة للربوبية" دون عكس (٤).ومتضمنة لتوحيد الأسماء والصفات أيضاً (٥).
ولا شك أن المُتَضَمِّنَ والمُتَضَمَّنَ شيئان لا شيء واحد.
وصح لنا أن نقول: إن توحيد الألوهية كالكل، وإن توحيدي الربوبية والصفات كالجزئين له والربوبية والألوهية من الصفات أيضاً.
هـ- أن من أفنى عمره وأنهى قواه في تحقيق "الربوبية" لله تعالى لا يصير مسلماً بمجرد ذلك ما لم يحقق "الألوهية" لله .
стр. 1010
أما من حقق "الألوهية" لله تعالى، فقد حقق "الربوبية" له تعالى أيضاً بل حقق توحيد الصفات أيضاً. وأن توحيد "الألوهية" أخص من توحيد "الربوبية" فكل موحد بتوحيد "الألوهية" موحد بتوحيد "الربوبية" ولا عكس، لأن المشركين كانوا معترفين بتوحيد "الربوبية"، ومع ذلك كانوا مشركين في توحيد "الألوهية" (١).
ز- أن أركان "توحيد الألوهية" هي عبادة الله تعالى بغاية الذل والخضوع له ، وغاية الحب له تعالى، وغاية الرغبة في ثوابه ، وغاية الرهبة من عقابه جل وعلا، مع الإخلاص واتباع السنة. فمن عبد الله بالحب وحده فهو "زنديق" ومن عبده بالرجاء وحده فهو "مرجئ" ومن عبده بالخوف وحده في "حروري" ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو "مؤمن موحد" (٢).ومن عبده بدون الإخلاص فهو "المرائي المنافق" ومن عبده بدون اتباع السنة فهو "مبتدع راهب ضال" (٣).
قلتُ: لقد تبين لنا من هذه الدراسة ما يلي:
أ- مفهوم "الألوهية" ومفهوم "الربوبية" مفهومان متغايران، وليسا مترادفين، كما بينا ذلك من وجوه متعددة بفروق كثيرة وكذا الحال بين: مفهوم "الإله" وبين مفهوم "الرب" والألوهية والمالكية. ب- فالألوهية، هي العبودية، فتوحيد الألوهية: هو العلم والاعتراف بأن الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، وإفراده تعالى بالعبادة كلها وإخلاص الدين له وحده (٤).
ج- والربوبية "هي السيادة والخالقية والمالكية".فتوحيد الربوبية: هو الإقرار بأن الله تعالى - رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه وأنه المحيي والمميت النافع الضار الذي له الأمر كله وبيده الخير كله القادر ليس له شريك في ذلك كله (٥).
د- تفسير "الألوهية" و"الإله" بالربوبية والمالكية، وبالرب والخالق - تفسير باطل لغة واصطلاحاً فبطل زعم الرستمي الفنجفيري.
هـ-ز- تفسير "الألوهية" بالمالكية والربوبية، وتفسير "الإله" بالخالق والرب - تعطيل لصفة "ألوهية" الله تعالى، وتحريف لنصوصها، وإلحاد في اسمه، "الإله" ، حتى بشهادة الإمام أبي حنيفة ﵀ وشهادة ثمانية من كبار أئمة الحنفية الماتريدية.
ح- أن تفسير "الألوهية" بالمالكية من قبيل حمل نصوص الكتاب والسنة على المصطلحات البدعية، وهو زيغ وتنكب لسبيل السلف ومنابذة لتخاطب العرب وتفاهم السلف، واللسان العربي حتى باعتراف الكوثري وشهادته.
ط- أن المعنى الصحيح لكلمة "لا إله إلا الله".
هو: "لا معبود بحق إلا الله".ي- أن قول القائل في معناها: "لا مطاع بحق إلا الله "باطل؛ لوجوب طاعة رسول الله " ﷺ " وكذا قوله: لا رب إلا الله" كما يزعمه المتكلمون باطل أيضاً، لأنه مما اعترف به المشركون، وهكذا قول: "لا إله موجود إلا الله" كما زعمه النحاة؛ لوجود الآلهة الباطلة، وكذا قوله: "لا إله في الوجود إلا الله - باطل (٦).
وكذا قول من قال: "لا موجود إلا الله"
فهذا أشد بطلاناً من الأقوال السابقة.
المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ٣/ ١٧٠ - ١٩١
стр. 1011
مراجع للتوسع
أـ كتب المذهب:
ـ كتاب (التوحيد)، أبو منصور الماتريدي.
ـ (تأويلات أهل السنة)، أبو منصور الماتريدي.
ـ (تبصرة الأدلة)، أبو المعين النسفي.
ـ (بحر الكلام في علم التوحيد)، أبو المعين النسفي.
ـ (شرح العقائد النسفية)، لنجم الدين عمر النسفي / التفتازاني.
ـ (المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة)، ابن الهمام مع (شرحه المسامرة) لابن أبي شريف، شرح قاسم بن قطلوبغا.
ـ (رسالة التوحيد)، الشيخ محمد عبده.
ـ (رسالة في الخلافات بين الأشعرية والماتريدية والمعتزلة)، مستحي زاده عبد الله بن عثمان.
ـ (مقالات الكوثري) ومعها (مقدمة البنوري الديوبندي)، لأحمد خيري.
ـ (تاريخ الدعوة الإسلامية وتطورها في شبه القارة الهندية)، د. محيى الدين الألوائي.
ـ (العلماء العُزاب)، الشيخ عبد الفتاح أبو غدة.
ـ (الأجوبة الفاضلة)، للكنوي، تعليقات الشيخ عبد الفتاح أبي غدة.
ـ (عقيدة الإسلام والإمام الماتريدي)، د. أبو الخير محمد أيوب البنغلاديشي.
ـ (الفتاوى الرشيدية)، للشيخ رشيد أحمد الكنكوهي الديوبندي.
ب ـ كتب ومراجع لغير المذاهب:
ـ (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)، أبو القاسم هبة الله بن الحسن ابن منصور الطبري اللالكائي.
ـ (الأسماء والصفات)، البيهقي.
ـ (الإيمان)، (مجموع الفتاوى: ٧/ ٤ ـ ٤٢١) شيخ الإسلام ابن تيمية.
ـ (الإكليل في المتشابه والتأويل) (مجموع الفتاوى: ١٣/ ٢٧٠ ـ ٣١٤) شيخ الإسلام ابن تيمية.
ـ (درء تعارض العقل والنقل)، شيخ الإسلام ابن تيمية ـ تحقيق د. رشاد محمد سالم.
ـ (اجتماع الجيوش الإسلامية) على غزو المعطلة والجهمية، ابن قيم الجوزية، تحقيق د. عبد الله المعتق.
ـ (ذم التأويل)، ابن قدامة المقدسي.
ـ (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل)، عبد الرحمن بن يحيى اليماني المعلمي.
ـ (البريلوية عقائد وتاريخ)، إحسان إلهي ظهير.
ـ (الماتريدية)، رسالة ماجستير، أحمد بن عوض الله اللهيبي الحربي.
ـ (الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات)، رسالة ماجستير، لشمس الأفغاني السلفي.
ـ (منهج الماتريدية في العقيدة)، د. محمد بن عبد الرحمن الخميس.
ـ (مناهج الأدلة في عقائد الملة)، ابن رشد الحفيد (أبو الوليد الأصفر محمد ابن أحمد الفلسفي).
ـ (براءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة)، د. أبو زيد بكر بن عبد الله أبو زيد.
ـ (مقدمة شرح العقيدة الطحاوية) لابن أبي العز الحنفي ـ محمد ناصر الدين الألباني.
ـ (الاستقامة)، شيخ الإسلام ابن تيمية.
ـ (الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه) ـ محمد أمان بن علي الجامي.
стр. 1012
المبحث الأول: تعريف المرجئة المرجئة لغة: من الإرجاء: وهو التأخير والإمهال (١)، قال تعالى: قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء: ٣٦]. أي أمهله، ومن الرجاء، ضد اليأس وهو الأمل (٢). قال تعالى: يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة: ٢١٨].
المرجئة اصطلاحاً:
وفي الاصطلاح كانت المرجئة في آخر القرن الأول تطلق على فئتين، كما قال الإمام ابن عيينة:
١ - قوم أرجأوا أمر علي وعثمان فقد مضى أولئك.٢ - فأما المرجئة اليوم فهم يقولون: الإيمان قول بلا عمل (٣).واستقر المعنى الاصطلاحي للمرجئة عند السلف على المعنى الثاني "إرجاء الفقهاء"، وهو القول بأن: الإيمان هو التصديق أو التصديق والقول، أو الإيمان قول بلا عمل، "أي إخراج الأعمال من مسمى الإيمان"، وعليه فإن: من قال الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأنه لا يجوز الاستثناء في الإيمان من قال بهذه الأمور أو بعضها فهو مرجئ (٤).
ثم أطلق الإرجاء على أصناف أخرى كالجهمية القائلين بأن الإيمان هو المعرفة فقط، والكرامية القائلين بأن الإيمان هو قول اللسان فقط.
المصدر: القدرية والمرجئة لناصر العقل - ص٧٧
стр. 1013
المبحث الثاني: نشأة الإرجاء
الفتنة الأولى
روى الإمام مسلم في "صحيحه" عن حذيفة بن اليمان- ﵁ قال: (كنا عند عمر فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة كما قال؟
قال: فقلت: أنا!
قال: إنك لجريء، وكيف قال؟
قال: قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)).
فقال عمر: ليس هذا أريد. إنما أريد التي تموج كموج البحر!
قال: فقلت: مالك ولها يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها باباً مغلقاً!
قال: أفيكسر الباب أم يفتح؟
قال: لا. بل يكسر!
قال: ذلك أحرى ألا يغلق أبداً.
قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟
قال: نعم, كما يعلم أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط. قال- أي الراوي عن حذيفة وهو شقيق -: فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب، فقلنا لمسروق فسأله، فقال: عمر) (١).
أما كيف كسر الباب فقد استفاض في كتب التواريخ وروي بأسانيد متضافرة أن "الهرمزان" الفارسي المجوسي وجفينة النصراني الصليبي قد تآمرا على حياة الفاروق، ونفذ أبو لؤلؤة- عليه من الله ما يستحق- تلك المؤامرة الدهياء. وانكسر الباب. ولم يقف التآمر الصليبي المجوسي عند هذا الحد، فقد انضم إليهما شر الثلاثة "المكر اليهودي" ممثلاً في عبد الله بن سبأ وخلاياه السرية، فأضرمت نار فتنة هوجاء ذهب ضحيتها الخليفة المظلوم ذو النورين عثمان ﵁ ثم تتابعت الفتن كقطع الليل المظلم وما تزال (٢).
كان مقتل ذي النورين فاجعة كبرى، ليس لأن الأمة فقدت خليفتها وأفضلها بعد النبي ﷺ والصاحبين فحسب، ولكن - أيضاً- لأن هذه الأمة المباركة المصطفاة كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:١١٠] بدأت تتزحزح عن قمتها الشاهقة التي لم تبلغها قبلها أمة من الأمم.
لقد كان ذلك إيذانا بانقضاء عصر ما كان التاريخ ليحلم بمثله ولا في خيال الحكماء , عصر الجماعة الإنسانية الفذة التي تعيش كالملائكة المطمئنين في الأرض.
ولا شك أن لله تعالى حكماً بالغة جرت بها مقاديره - له الحمد عليها علمناها أم جهلناها- تحولت هذه الجماعة بمقتضاها من بركان إيماني يعصف بدول الكفر ذات اليمين وذات الشمال إلى أطراف في فتنة داخلية عمياء.
ومع أن الاصطفاء الرباني لهذه الأمة تجلى حتى في هذا الموقف الحالك فأثبتت أنها أفضل الأمم خصومة- كما هي أسماها وفاقاً - فقد كانت دسائس الحاقدين ومعاول الهدامين توسع الشقة وتنكأ الجراح وتتلاعب بمشاعر الدهماء مستغلة ما أحدثته الفاجعة من اضطراب وارتباك.
وانفض المأتم العظيم عن آراء متضاربة ووجهات متباينة:
стр. 1014
١ - فقد رأت طائفة أن أول واجب على الأمة هو الثأر لخليفتها الشهيد والقصاص من الخونة السفاحين!
٢ - ور أي آخرون أن أول ما ينبغي هو اجتماع الكلمة واستتباب الأمور والتجلد حتى تتكشف ذيول المؤامرة ثم يكون استئصال شأفتها وقطع دابر دواعيها.
٣ - ورأت طائفة ثالثة أن الخليفة المظلوم لم يتحمل ذلك الحصار الآثم وينه أتباعه المؤمنين عن فكه إلا حرصاً على ألاتراق قطرة دم أو تثور أدنى فتنة بين أمة الإسلام، فالأولى بمن بعده جميعاً ألا يحركوا ساكناً وألا يكونوا طرفاً في أي نزاع - مهما بدت وجاهته - بل إن بعض من يرى هذا الرأي قد خرج من المدينة منذ أن أطلت الفتنة برأسها، وآثروا الابتعاد حتى تسكن العاصفة.
وكان في ثغور الجهاد وأطراف البلاد فئات لم تعلم عن سير الأمور شيئاً، فلما صدمتها الفاجعة أذهلها الألم عن التفكير، ووقاها بعد الشقة شر الخوض في الفتنة.
٤ - ونبتت فئة أخرى من أحداث الأسنان وضيقي الأفق الذين ترعرعوا في البداوة وولدوا من سلالة الأعراب ونشأوا على الجلافة فقالوا: إن نزول عثمان عن مرتبة الشيخين مبرر كاف لقتله، وإنه ما من إمام إلى قيام الساعة لا يسير سيرتهما إلا استوجب الخلع أو القتل. أما الفئة الآثمة المتآمرة فقد عادت إلى أوكارها واندست في صفوف الأمة تستجمع قوتها وتخطط للمرحلة التالية مدفوعة بيقينها أن أي اجتماع للأمة فإنه سيتقاضى رؤوسها الفاجرة. (١) وأدرك بعض من شارك في الفتنة وخدع بمطلب المتآمرين صدق ما روي في الحديث:" عليكم بالجماعة، فإن ما تكرهونه في الجماعة خير مما تحمدونه في الفرقة" (٢).فقد كان غاية ما نقموا على أمير المؤمنين عثمان أنه حمى الحمى, وأتم الصلاة في السفر بمكة, وآثر أقرباءه, وتوسع في الإنفاق من بيت المال والفيء (٣).
فماذا كانت نتيجة الفتنة ومآل الأمة بعدها في الآجل والعاجل؟
لقد ثلم حمى الإسلام نفسه، وهدمت مساجد وثغور، وتولى الأمور من لا يساوي بالنسبة لأولئك الأقرباء شيئاً، وأصبح بيت المال بيت مال الملوك والسلاطين.
وكان ما كان من أمور لا نملك معها إلا أن نقول: قدر الله وما شاء فعل.
ولما كان الجانب الذي يهمنا الآن من هذه الفتنة هو ما يتعلق بظهور فكر المرجئة، فسوف نستعرض موقف الفئات التي كان لها أثر في نشأة الإرجاء إما على الحقيقة وإما على الادعاء.
إن الإرجاء من حيث هو موقف نفسي يمكن أن يوجد في الفتنة العمياء وما تلاها، كما يمكن أن ينشأ في أي قضية مماثلة، فإن من سنن الاجتماع أن أي نزاع يشجر بين طائفتين قد يفرز فئة ثالثة محايدة - لأي سبب من أسباب الحياد- وهكذا وجد في عصر الفتنة الأولى وما تلاها أناس اتخذوا هذا الموقف "الحياد" في الجملة، ولكن شتان بين قوم وقوم، وإن كان موقفهما في الظاهر سواء.
стр. 1015
فقد كانت الفئة المحايدة حينئذ تنقسم في حقيقتها أقساماً، بعضها وافق عين الصواب، وبعضها حاد عن الجادة ووضع قدمه على طريق أوله الحياد وآخره الضلال، وذلك بحسب الدوافع الاعتقادية لموقف كل منهم.
وأصل هذا التفاوت أن الموقف العام نفسه يعد فريداً في التاريخ، فليس هناك ما يمكن أن يشبهه من الخلافات الدينية أو السياسية في غير هذا الجيل المصطفى المختار.
وذلك أن العادة في مثل هذه الخلافات أن الحياد ليس إلا موقفاً سلبياً يمليه توازن المصالح أو التردد والشك، ولكننا هنا أمام صورة فذة يكون فيها الحياد - إن أسميناه كذلك - هو الموقف الإيجابي الذي يحتل مركز "الأفضلية" بحكم النصوص، في حين يتقاسم الطرفان المتنازعان مركزي " الفاضل والمفضول".وإذا كان طرفا النزاع هما أهل الشام وأهل العراق- وكلاً آتاه الله فضلاً- فإن الطائفة "الفضلى" هي تلك المجموعة من كبار الصحابة ﵃ الذين أمسكوا عن الفتنة ولم يكونوا يرون السيف بين المسلمين أصلاً (١).
وليس إمساكهم مجرد حياد سلبي (وهو ما ينطبق على موقف المرجئة فيما بعد) بل هو موقف إيجابي شرعي يستند على النصوص الثابتة.
وهذه الحقيقة غابت عن أذهان بعض العلماء - لا سيما من فقهاء العراق ومن تبعهم، وكذا بعض أصحاب الأهواء قديماً- ثم تلاهم من تلاهم من الحاقدين وجهلة الباحثين المحدثين، الذين زادوا بأن نسبوا الصحابة للإرجاء أو نسبوا المرجئة للصحابة.
ولكن- للإنصاف- لا بد أن نذكر سبب خطأ أولئك العلماء- وهو سبب كثيراً ما يقع فيه الباحثون ألا وهو "التعميم"، ولو استخدمنا الاصطلاحات المنطقية لقلنا إن هؤلاء جعلوا "المحمول موضوعاً والموضوع محمولاً" فانقلبت القضية وكذبت.
فإن قضية: إن "المرجئة ممسكون عن الفتنة" صادقة، فإذا أصبحت القضية "كل الممسكين عن الفتنة مرجئة" صارت كاذبة.
ولذلك كان لزاماً علينا أن نفصل أقسام المحايدين لنرى أن هذا الحكم إنما ينصب على بعضهم لا على الجميع:
١ - الفئة الأولى:
بعض كبار الصحابة وأجلائهم ﵃ مثل: سعد بن أبي وقاص, وعبد الله بن عمر, وأبي هريرة, وزيد بن ثابت, وأسامة بن زيد, ومحمد بن مسلمة، وغيرهم.
وقد آثرنا- إجلالاً منا لصحابة رسول الله ﷺ واحتساباً في الذب عنهم- أن نفردهم بمبحث مستقل تال.
٢ - الفئة الثانية:
بعض سكان الأطراف والمرابطين على ثغور الجهاد، وهؤلاء كانوا يجالدون الأعداء ويفتحون الأمصار فما شعروا إلا والنبأ ينزل عليهم بمقتل أمير المؤمنين عثمان كالصاعقة، ثم فوجئوا بما تلاه من أحداث فما استطاعوا أن يستبينوا رأياً فيتبعوه أو يرجحوا طرفاً فيوالوه، فآثروا مسالمة الفريقين المتقاتلين والركون إلى حياد لا حيلة لهم في قبوله.
وعن هؤلاء يقول الحافظ ابن عساكر: إنهم هم الشكاك الذين شكوا، وكانوا في المغازي، فلما قدموا المدينة بعد مقتل عثمان- وكان عهدهم بالناس وأمرهم واحد ليس بينهم اختلاف، فقالوا: تركناكم وأمركم واحد ليس بينكم اختلاف، وقدمنا عليكم وأنتم مختلفون.
فبعضكم يقول: قتل عثمان مظلوماً وكان أولى بالعدل وأصحابه.
стр. 1016
وبعضكم يقول: كان علي أولى بالحق وأصحابه. كلهم ثقة وكلهم عندنا مصدق، فنحن لا نتبرأ منهما ولا نلعنهما ولا نشهد عليهما، ونرجئ أمرهما إلى الله حتى يكون هو الذي يحكم بينهما (١).فهؤلاء إن صح إطلاق الإرجاء على موقفهم فهو إرجاء حيرة لا إرجاء فكرة، وهذه الحيرة خاصة بقضية الحكم على المختلفين بالخطأ أو الصواب، أما موالاتهم والإقرار بفضلهم وسابقتهم فلم يكن موضوع شك عندهم (٢).
٣ - الفئة الثالثة:
وهي فئة من ذلك الصنف البشري المحدود الإدراك الذي يضيق أفقه أو علمه عن تفهم الخلاف فتثور نفسه ساخطة على طرفيه حانقة عليهما دون تبصر في الدوافع أو تريث في الحكم، فمنهم فرقة أعلنت نقمتها وسخطها على كل الأطراف، وربما كان أصل ضجرها وحنقها أن المختلفين هم أصحاب محمد ﷺ فلم تكن صحبتهم دافعاً لالتماس العذر بل كانت- حسب فهمهم- مبرراً للعداء والبراء، إذ قالوا: كيف يختلفون ويتقاتلون وهم أصحاب رسول الله وأعلم الناس بالدين، والأصل أن يكونوا أكثر الأمة تمسكاً ووفاقاً ودعوة وجهاداً؟! إذن لقد انحرفوا عما كانوا عليه زمن النبي ﷺ بلا شك ولا ريب، ومن ثم فلا حرمة لمن نكص على عقبيه ولا اعتبار لسابقته في الإسلام ما دامت هذه خاتمته!!!
هذه الفكرة تبناها الفكر الخارجي الذي بلغ به حنقه على الأطراف جميعها إلى تدبير مؤامرة لاغتيال زعمائها "علي ومعاوية وعمر بن العاص" - رضي الله عن الجميع- على ما هو مشهور في التاريخ.
وعلى رأي الملطي ﵀ هذه الفئة هي أصل المعتزلة ولا يخفى ما بين المعتزلة والخوارج من تشابه لا سيما في حكم مرتكب الكبيرة.
كما أن هذا هو أصل المذهب الذي يرى تخطئة وتفسيق أو تكفير كلا الطائفتين، وهو مذهب كثير من أهل الأهواء من المعتزلة والخوارج وبعض المتكلمين والمتفلسفين.
وكان من هذه الفئة فرقة أقل غلواً وشططاً، فقالوا: ما حدث من الصحابة ما حدث وهم على الدرجة العليا من الفضل والعلم- إلا وفي الأمر ما لا نستطيع إدراكه ولا نأمن مغبة الحكم عليه، وإذا كنا عاجزين عن تصور حقيقة القضية ولم يكن بالإمكان ترجيح أحد طرفيها، فلنقف موقفاً وسطاً بين القول بأنهم على الحق- الذي يتنافى مع ما بدر منهم من خلاف واقتتال وبين القول بأنهم على الباطل- وهو ما يتنافى مع فضلهم وسابقتهم.
وهذا الموقف- في رأيهم- هو أن نبرئ أنفسنا من الوقوف مع أحد منهم أو عليه، فنكل أمر الجميع إلى الله وهو الذي يتولى حسابهم أما نحن فلا نوالي أحداً منهم ولا نعاديه ولا نشهد له بحق ولا باطل.
ولم تستطع هذه الفرقة الأخيرة أن تتجرأ على تكفير الصحابة كحال نظيرتها الأولى، ورأوا أن الذي يتفق مع موقفهم، هو اعتقاد أن ما ارتكبوه - أي الصحابة - هو دون الشرك بالله تعالى، ومن ثم فهم داخلون تحت المشيئة.
وهذه هي الطائفة التي يصح أن توصف بأنها أصل الإرجاء، سواء منه ما نشأ في أحضان الخوارج وهو الأعم الأغلب، أو ما كان آراء فردية ومواقف نفسية، مثلما ينسب إلى الحسن بن محمد.
المصدر: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي - ١/ ٢٣٩
стр. 1017
المبحث الثالث: أول نزاع وقع في الأمة وهو في مسألة الإيمان والإسلام يعد النزاع في الحقيقة الإيمان والإسلام أول اختلاف وقع في الأمة، وافترقت لأجله، وصاروا مختلفين في الكتاب والسنة، وكفر بعضهم بعضا، وقاتل بعضهم بعضا (١).وذلك أنهم اختلفوا فيمن له طاعات ومعاص، وحسنات وسيئات، ومعه من الإيمان ما لا يخلد معه في النار، وله من الكبائر ما يستوجب دخول النار، وهو من يسمى الفاسق الملي، فالخلاف فيه أول خلاف ظهر في الإسلام في مسائل أصول الدين (٢)، ومسألة الفاسق الملي أول مسألة فرقت بين الأمة (٣).وأول من أظهر النزاع فيها هم الخوارج، حيث كفروا أهل القبلة بالذنوب، بل بما يرونه من الذنوب، وقالوا ما الناس إلا مؤمن وكافر (٤).ثم جاء بعدهم المعتزلة، فقالوا: إن أهل الكبائر مخلدون في النار كما قالت الخوارج، ولا نسميهم لا مؤمنين ولا كفار، بل فساق ننزلهم بين المنزلتين، ولم يوافقوا الخوارج في تسميتهم كفارا (٥).وأمام هذا الغلو المفرط ظهرت مقالة مرجئة الفقهاء (٦)، فقابلوا الخوارج والمعتزلة وصاروا طرفا آخر (٧)، فحكموا على الفاسق الملي بالإيمان الكامل، وقد ظهرت مقالة هؤلاء الفقهاء في أواخر المائة الأولى للهجرة. وبسبب خلاف فقهاء المرجئة انفتح الباب للجهمية (٨)، "وكان ظهور جهم ومقالته في تعطيل الصفات، وفي الجبر، والإرجاء، في أواخر دولة بني أمية" (٩)، أي في النصف الأول من المائة الثانية للهجرة. ثم حدث بعد هؤلاء قول الكرامية (١٠)، وانتشرت مقالتهم في المائة الثالثة للهجرة. ثم قال الصالحي مقالته في الإيمان (١١)، فجاء الأشعري وأشهر أصحابه فتلقفوها عنه (١٢) في النصف الأول من المائة الرابعة للهجرة، وهي امتداد لمقالة الجهمية، كما سيأتي بيانه بعون الله تعالى.
المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ٩٣
стр. 1018
المبحث الرابع: في ترتيب الفرق ظهورا وظلمة، وتحديد الزمن الذي ظهرت فيه بدعة الإرجاء
يقرر شيخ الإسلام أن نور النبوة كلما ظهر انطفت البدع، وأن قبح البدعة وظلمتها ونكارتها مرتبط - من حيث الجملة - بزمن ظهورها، فكلما انت أشد، فإن وقت ظهورها يتأخر عن عصر الرسالة، فأول فرق الضلال ظهورا الخوارج واليعة، ثم القدرية والمرجئة، ثم الجهمية. يقول شيخ الإسلام: "والبدعة كلما كانت أظهر مخالفة للرسول يتأخر ظهورها، وإنما يحدث أولا ما كان أخفى مخالفة للكتاب والسنة" (١).ويقول: "وكان ظهور البدع والنفاق بحسب البعد عن السنن والإيمان، وكلما كانت البدع أشد تأخر ظهورها، وكلما كانت أخف كانت إلى الحدوث أقرب، فلهذا حدث أولا بدعة الخوارج والشيعة، ثم بدعة القدرية والمرجئة، وكان آخر ما حدث بدعة الجهمية" (٢).ويقول أيضا: "فإن البدع إنما يظهر منها أولا فأول الأخف فالأخف، كما حدث في آخر عصر الخلفاء الراشدين بدعة الخوارج والشيعة، ثم في آخر عصر الصحابة بدعة المرجئة والقدرية، ثم في آخر عصر التابعين بدعة الجهمية معطلة الصفات" (٣).ويقول: "ومعلوم أن أهل الكتاب أقرب إلى المسلمين من المجوس والصابئين والمشركين، فكان أول ما ظهر من البدع فيه شبه من اليهود والنصارى، والنبوة كلما ظهر نورها انطفت البدع، وهي في أول الأمر كانت أعظم ظهورا، فكان إنما يظهر من البدع ما كان أخف من غيره، كما ظهر في أواخر عصر الخلفاء الراشدين بدعة الخوارج والتشيع، ثم في أواخر عصر الصحابة ظهرت القدرية والمرجئة، ثم بعد انقراض أكابر التابعين ظهرت الجهمية، ثم لما عربت كتب الفرس والروم ظهر التشبه بفارس والروم، وكتب الهند انتقلت بتوسط الفرس إلى المسلمين، وكتب اليونان انتقلت بتوسط الروم. إلى المسلمين، فظهرت الملاحدة الباطنية الذين ركبوا مذهبهم من قول المجوس واليونان مع ما أظهروه من التشيع" (٤).ومما تقدم يعلم أن بدعة المرجئة ظهرت في أواخر عصر الصحابة، وتأكيدا لذلك يقول شيخ الإسلام: "ثم في أواخر عصر الصحابة حدثت القدرية في آخر عصرابن عمر وابن عباس وجابر وأمثالهم من الصحابة، وحدثت المرجئة قريبا من ذلك، وأما الجهمية فإنما حدثوا في عصر التابعين بعد موت عمر ابن عبدالعزيز" (٥).
ويقول: "ثم في آخر عصر الصحابة حدثت القدرية، وتكلم فيها من بقي من الصحابة كابن عمر، وابن عباس، وواثلة بن الأسقع، وغيرهم. وحدثت أيضا بدعة المرجئة في الإيمان، والآثار عن الصحابة ثابتة بمخالفتهم، وأنهم قالوا الإيمان يزيد وينقص كما ثبت ذلك عن الصحابة" (٦).
فبدعة الإرجاء ظهرت في أواخر عصر الصحابة، وقد بين شيخ الإسلام في موضع آخر متى كان عصر أواخر الصحابة، إذ يقول: "فإن الاعتبار في القرون الثلاثة بجمهور أهل القرن، وهم وسطه.
وجمهور الصحابة انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء الأربعة، حتى إنه لم يكن بقي من أهل بدر إلا نفر قليل.
стр. 1019
وجمهور التابعين بإحسان انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصحابة في إمارة ابن الزبير وعبدالملك. وجمهور تابعي التابعين انقرضوا في أواخر الدولة الأموية، وأوائل الدولة العباسية" (١).
فهذا النقل يحدد:١ - زمن جمهور الصحابة: وأنه انتهى بانتهاء خلافة الخلفاء الأربعة ﵃ أجميعن - وآخرهم موتا هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقد استشهد ﵁ سنة أربعين للهجرة (٢).
٢ - زمن جمهور التابعين: وانقرض في أواخر عصر صغار الصحابة الذي انتهى في إمارة ابن الزبير وعبدالملك بن مروان. وابن الزبير ﵁ قتل سنة ٧٣هـ (٣)، وعبدالملك مات سنة ٨٦هـ (٤)، فتكون هذه المدة الزمنية هي أواخر عصر صغار الصحابة.
٣ - جمهور تابعي التابعين: انقرض في أواخر الدولة الأموية، وأوائل الدولة العباسية. والدولة الأموية انتهت بمقتل آخر خلفائهم مروان الحمار، وهو الزمن الذي قامت فيه الدولة العباسية، وذلك سنة ١٣٢هـ (٥).ويهمنا من هذه الأزمنة عصر صغار الصحابة، فهو الذي ظهرت فيه المرجئة، وقد نص شيخ الإسلام أن المرجئة ظهرت في إماراة عبدالله بن الزبير وعبدالملك بن مروان، إذ يقول: "ثم لما كان في آخر عصر الصحابة، في إمارة ابن الزبير، وعبدالملك: حدثت بدعتا المرجئة، والقدرية" (٦).ونقل في تحديد أدق لوقت ظهور بدعة الإرجاء قول قتادة: "إنما حدث الإرجاء بعد فتنة فرقة ابن الأشعث" (٧).ومراد قتادة بالفتنة خروج ابن الأشعث ومن ناصره لقتال الحجاج بن يوسف، أمير العراق لعبدالملك بن مروان، وكانت أحداث تلك الفتنة ما بين سنة ٨١ - ٨٣هـ (٨).
فعلى هذا تكون المرجئة ظهرت بعد انقراض كبار الصحابة، وبعد ذهاب جمهور التابعين، فلم يبق حينئذ إلا صغار الصحابة، وتابعي التابعين، وذلك في إمارة ابن الزبير، وعبدالملك بن مروان، ثم حصول فتنة ابن الأشعث.
فإذا جمع ما بين هذه الأوقات أمكن تحديد ظهور بدعة الإرجاء بأنه في أواخر العقد السابع وأوائل العقد الثامن من المائة الأولى للهجرة، والله أعلم.
المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ٩٥
стр. 1020
المبحث الخامس: براءة الصحابة ﵃ من الإرجاء
إن البحث في نشأة الفكر الإرجائي يستلزم منا بالضرورة أن ندحض بالحجج الصريحة ما ذهب إليه بعض الناس، من القول بأن أصل المرجئة هو تلك الطائفة من أصحاب رسول الله ﷺ التي لم تخض فيما خاض فيه غيرها من الفتن، وفضلت الاعتزال والإمساك عن الدخول في تلك المأساة الكبرى.
وهذا الزعم تبناه قديماً بعض رؤوس الضلالة من المتكلمين وأعداء الصحابة, كالرافضة والخوارج، ولكنه ظل قولاً مهلهلاً مندثرا، حتى بعثه المستشرقون وأتباعهم من المستغربين، فدرج على ألسنة المؤرخين والدارسين للفرق وتداولوه حتى أصبح كأنه حقيقة مسلمة، وأرجعوا الفضل في اكتشافها إلى "المنهج العلمي" الذي انتهجه المستشرقون!! والمسألة بالنسبة لنا بدهية معلومة من الدين بالضرورة؛ فالكلام في أصحاب محمد ﷺ دين، والدين لا يؤخذ عن المسلم الفاسق، ولا اعتبار لرأيه فيه، فضلاً عن المبتدع الضال؛ كالكعبي (١)، والجاحظ (٢)، فضلاً عن الكافر الحاقد كعامة المستشرقين.
والله تعالى قد قال في الفاسقين: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا [النور:٤]، والحكم على أصحاب محمد ﷺ أعظم من مجرد الشهادة، لأنه دين واعتقاد، وإذا كان من شريعتنا رد شهادة المسلم الفاسق في دعاوى الحقوق الدنيوية, فما بالك بمن يتجرأ على خيار الأمة وأفضل البشر بعد الأنبياء من الصليبيين واليهود!
لقد مقت سلف الأمة عمرو بن عبيد، وضللوه وبدعوه من أجل طعنه في المقتتلين من الصحابة، هذا مع ما هو مشهور عنه من الزهد والتعبد ومجانبة السلاطين، فكيف يلتفت المسلم إلى آراء أهل الكتاب الذين تغلي مراجل قلوبهم بالحقد على الإسلام، وتنفث ألسنتهم السم الزعاف عليه، وما تخفي صدورهم أعظم؟! فماذا نتوقع من "جولد زيهر" اليهودي إلا مثلما ذهب إليه سلفه عبد الله بن سبأ أو أعظم، وماذا نظن بـ "فان فلوتن، وكريمر وويلهاوسن (٣)، ونيكلسون ... " وأضرابهم أن يقولوا، والحرب الصليبية لم تتوقف لحظة واحدة، ولن تتوقف حتى تكون الملحمة مع الروم بأرض الشام بين يدي الساعة كما صح عن الصادق المصدوق؟
وإن من يقبل كلام هؤلاء - بل يجله ويعظمه- يلزمه أن يقبل كلام عبدالله بن سبأ، وحمدان قرمط، وابن الراوندي، وميمون القداح، وابن النغريلة، وإلا فإنه متناقض، أو مخدوع بالمسحة العلمية الحيادية التي يزعمها هؤلاء المستشرقون.
وما كان لنا أن نأبه بآراء المستشرقين ونشغل بردها لا في هذه القضية ولا في ما هو دونها، فنحن لا نتوقع منهم إلا هذا ومثله، فقد تبين لي من قراءة كافية في كتبهم أنهم قوم بهت- كما وصف عبد الله بن سلام ﵁ أجدادهم اليهود- وأنهم لو كان الافتراء على الإسلام في السماء لاتخذوا إليه سلما، ولو كان في الأرض لابتغوا إليه نفقاً.
ولكن اقتداء كثير من الكتاب المنتسبين إلى الإسلام بهم ومتابعتهم لرأيهم، واستناد هؤلاء وأولئك إلى آراء مخطئة أو أقاويل بدعية جعل تبيان هذه القضية أمراً ضرورياً.