← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ثم قال: وما في كتاب الدارمي من إثبات المكان والجهة والحد والنهاية والغاية ... وكفر ناقل من الملة حتى إخوان الصفا يقرون في قرارة أنفسهم أن ذلك كفر ناقل عن الملة فكيف أصدر الأزهر القرار بإباحة نشره وأنه لا شيء في تداوله - على ما فيه من الكفريات الفظيعة التي ذكرنا بعض نماذج منها. ثم قال: في كتاب الدارمي وسنة عبدالله بن أحمد من الكفريات والجاهلية الجهلاء والوثنية الخرقاء ودسائس الوثنية وصرائح الكفر الناقل من الملة (١).وقال: "ومن يَعُدُّ الله سبحانه متمكناً بمكان فهو عابدُ وثن خارجٌ عن جماعة المسلمين كما نص عليه غير واحد من أئمة أصول الدين، تعالى الله عن إفك الأفاكين" (٢). قلت: هكذا نرى الكوثري في عامة كتاباته الفتاكة المسمومة يجاهر بتلبيس الحق بالباطل، وتدليس في الدين وتحريف لصميم الإسلام وتكفير لسلف هذه الأئمة وأئمة السنة وجعلهم وثنية وطعنه في كتبهم وجعلها من كتب الوثنية. وقد قال مثل هذا الهذيان كبار أساطين الماتريدية. وقد حرف أبو الليث السمرقندي (٣٧٥هـ) قول الإمام أبي حنيفة: "من قال: لا أعرف ربي أفي السماء أم في الأرض فقد كفر".فقال: في توجيه كلام الإمام أبي حنيفة: "لأنه بهذا القول يوهم أن يكون له مكان فكان مشركاً" (٣).وتبعه في هذا التحريف رئيس قضاة الماتريدية لعساكرهم كمال الدين البياضي (١٠٩٨هـ) فقال في توجيه كلام الإمام أبي حنيفة: "لكونه قائلاً باختصاص الباري بجهة وحيز، وكل ما هو مختص بالجهة والحيز فإنه محتاج محدث بالضرورة ... " (٤). قلت: هذا كان بيانا تشبثهم بتلك الشبهات وتمسكهم بتلك الألفاظ المجملة البدعية الفلسفية الكلامية البراقة المدهشة المخوّفة المهولة لمن لا يعرف حقيقة قصدهم منهم، وبهذه الشبهة عطلوا "صفة العلو" لله تعالى، وحرفوا نصوصها بأنواع من التأويلات إلى شتى المعاني المجازية التي ذكرناها. الجواب عن هذه الشبهات: لأئمة السنة عن شبهاتهم جوابان: إجمالي، وتفصيلي: أما الجواب الإجمالي: فهو أن هذه الألفاظ المجملة المتشابهة المحدثة الفلسفية الكلامية لا تقبل مطلقاً ولا ترد مطلقاً قبل أن يعلم مراد قائلها. بل لابد أن يستفسر قائلها؛ فإن أراد معنًى حقاً موافقاً للكتاب والسنة - قيل قوله وإلا يرد قوله، وينبذ نبذ النواة. قال شيخ الإسلام (٧٢٨هـ) والإمام ابن القيم (٧٥١هـ) وابن أبي العز الحنفي (٧٩٢هـ) ونعمان الآلوسي الحنفي (١٣١٧هـ) واللفظ للثالث: "للناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال: فطائفة تنفيها، وطائفة تثبتها، وطائفة تفصل، وهم المتبعون للسلف ... لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية. فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي. ولهذا كانت النفاة ينفون بها حقاً وباطلاً ... وبعض المثبتين لها يدخل لها معنى باطلاً مخالفاً لقول السلف ...

стр. 947

وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصف به رسوله ﷺ نفياً وإثباتاً وإنما نحن متبعون لا مبتدعون، فالواجب أن ينظر في هذا الباب، أعني باب الصفات فما أثبته الله ورسوله ﷺ أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله ﷺ نفيناه ... وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها فلا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها. فإن كان معنى صحيحاً قبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة مع قرائن تبين المراد والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب به ونحو ذلك" (١). وقال ابن أبي العز أيضاً بعد ما أكد أن يجعل الكتاب والسنة أصلاً ودليلاً وبرهاناً: "ويجعل أقوال الناس التي توافقه أو تخالفه متشابهة مجملة، فيقال: لأصحابها هذه الألفاظ يحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر رسول الله ﷺ قبل، وإن أرادوا بها ما يخالفه رد، وهذا مثل لفظ المركب والجسم، والحيز، والجوهر والجهة، والحيز، والعرض، ونحو ذلك ... وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل".ثم ذكر ﵀ أننا لا نوافق هؤلاء على هذه التسميات ولا كرامة فإن سموا إثبات الصفات تركيباً مثلا، فنقول لهم: العبرة للمعاني لا للألفاظ سموه ما شئتم، ولا يترتب على التسمية بدون المعنى حكم، فلو اصطلح على تسمية اللبن خمراً لم يحرم بهذه التسمية (٢). قلت: بناء على ذلك نقول: للماتريدية سموا صفات الله تعالى من العلو والنزول والاستواء والوجه واليد، والقدم، والغضب، والرضا، والمحبة، والكراهية، ما شئتم فلا يجوز إبطال صفات الله تعالى بالتسميات المبتدعة والألقاب الشنيعة المدهشة من الحد، والحيز، والجهة، والمكان، والأفول، وحلول الأعراض، والتشبيه، والتجسيم ونحوها؛ فالعبرة للمعاني لا للمباني. وأما الجواب التفصيلي فهو ما يلي: ١ - "الحد". إننا قد بينا قاعدة مهمة من قواعد السلف في باب الصفات حول الألفاظ المجملة المتشابهة الكلامية آنفاً في الجواب الإجمالي. فنقول: في ضوء القاعدة:- إن لفظ "الحد" يطلق على معنيين: الأول: بمعنى الإحاطة بالله علماً فلا شك أن "الحد" بهذا المعنى منفي عن الله تعالى فلا منازعة بين أهل السنة، لأن الله تعالى غير مدرك بالإحاطة، وقد عجز الخلق عن الإحاطة به، وعلى هذا يحمل قول من نفى "الحد" من السلف. والثاني: بمعنى أن الله تعالى متميز عن خلقه منفصل عنهم مبائن لهم عال عليهم غير مخلوط بهم ولا حال فيهم فهذا المعنى حق فـ"الحد" بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر، فإنه ليس وراء نفيه إلا وجود الرب، ونفي حقيقته وعلى هذا يحمل قول من أثبت " الحد" لله تعالى من السلف (٣).لذا نرى كثيراً من السلف كسفيان الثوري وشعبه وحماد بن زيد وحماد بن سلمة، وشريك وأبو عوانه وأبو داود الطيالسي والطحاوي (٤)، وغيرهم نفوا "الحد".وفي رواية عن الإمام أحمد أيضاً (٥).

стр. 948

وبجانب ذلك نرى كثيراً من السلف يثبتون "الحد" لله تعالى. كعبد الله بن المبارك (١) - وهو حنفي عند الحنفية - ورواية عن الإمام أحمد (٢).والإمام عثمان الدارمي (٣) وغيرهم. فالذين نفوا "الحد" قصدوا المعنى الأول، وهو الباطل الذي يجب نفيه عن الله تعالى، والذين أثبتوا "الحد" قصدوا المعنى الثاني وهو الحق الذي يجب الإيمان به وهو "العلو" (٤).ولكن الطامة الكبرى أن طوائف المعطلة أدخلوا في معنى "الحد" حقاً وباطلاً فنفوها جميعاً فنفوا ضمن نفيهم "للحد" فوقية الله تعالى على عباده وعلوه على عرشه (٥). قال الإمام الذهبي (٧٤٨هـ): وقد سئل أبو القاسم التيمي ﵀: هل يجوز أن يقال: لله حدٌّ أو لا؟ وهل جرى هذا الخلاف في السلف؟ فأجاب: هذه مسألة أستعفي من الجواب عنها لغموضها، وقلة وقوفي على غرض السائل منها؛ لكني أشير إلى بعض ما بلغني، تكلم أهل الحقائق في تفسير الحد بعبارات مختلفة، محصولها أن حد كل شيء موضع بينونته عن غيره، فإن كان غرض القائل: ليس لله حد: لا يحيط علم الحقائق به، فهو مصيب، وإن كان غرضه بذلك: لا يحبط علمه تعالى بنفسه فهو ضال، أو كان غرضه أن الله بذاته في كل مكان فهو أيضاً ضال" (٦). وعلق عليه الذهبي قائلاً:"قلت: الصواب الكف عن إطلاق ذلك، إذ لم يأت فيه نص، ولو فرضنا أن المعنى صحيح فليس لنا أن نتفوه بشيء لم يأذن به الله خوفاً من أن يدخل القلب شيء من البدعة اللهم احفظ علينا إيماننا" (٧). ٢ - "الجهة":هذه اللفظة أيضاً من الألفاظ المبتدعة الكلامية المتشابهة المجملة التي يجب التفصيل فيها، حتى يتميز الحق من الباطل، فيقبل الحق ويرد الباطل، وقبل التفصيل لا يحكم عليها نفياً ولا إثباتاً لئلا ينفى الحق ضمن النفي العام، لأن أهل البدع من طوائف المعطلة ينفون "الجهة" ويريدون بذلك نفي "علو الله تعالى" على عرشه، وفوقيته على خلقه (٨). وإذا فصلنا في معنى الجهة، علمنا أن "الجهة" تطلق على معنيين: حقٍ، وباطلٍ. فنظراً إلى المعنى الباطل يجب نفي الجهة عن الله تعالى، ونظراً إلى المعنى الحق يجب إثباته لله تعالى. قال شيخ الإسلام، والإمام ابن أبي العز، والعلامة محمود الآلوسي، وابنه نعمان، وحفيده شكري، وكلهم حنفية غير الأول، واللفظ له: "فلفظ "الجهة" قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقاً كما إذا أريد بالجهة نفس العرش، أو نفس السموات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما أريد بالجهة ما فوق العالم. ومعلوم أنه ليس في نص إثبات لفظ "الجهة" ولا نفيه. كما فيه إثبات "العلو" و"الاستواء" و"الفوقية" و"العروج إليه" ونحو ذلك ... ، وقد علم أنه ما تم موجود إلا الخالق، والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. فيقال لمن نفى "الجهة": أتريد بالجهة أن شيء موجود مخلوق؟.

стр. 949

فالله ليس داخلاً في المخلوقات. أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟. فلا ريب أن الله فوق العالم بائن من المخلوقات. وكذلك يقال لمن قال: إن الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم؟ أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟.فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل" (١). قلت: لفظ "الجهة" بالمعنى الصحيح، أعني بمعنى "العلو" لله تعالى على خلقه، هو مقتضى الكتب السماوية والأحاديث النبوية، وعلى ذلك العقل الصريح والفطرة السليمة ولذلك يوجد في كلام أئمة السنة، لفظة "الجهة" بهذا المعنى، ولا غبار عليها، ومع ذلك الأفضل التقيد بالألفاظ المأثورة. وإثبات "الجهة" لله تعالى بهذا المعنى مما اعترف به كثير من كبار المتفلسفة، والمتكلمة. ١ - ٣ - القاضي عياض (٥٤٤هـ) والإمام النواوي (٦٧٦هـ) والزبيدي الحنفي (١٢٠٥هـ):فقد صرحوا بأن المحدثين والفقهاء والمتكلمين بإثبات "جهة" الفوق وأن معنى في السماء عندهم "على السماء" وأما دهماء المتكلمين فينفون الجهة (٢). ٤ - وقال أبو الوليد محمد بن أحمد المعروف بابن "رشد" الحفيد المتفلسف (٥٩٥هـ): "القول بالجهة: وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله حتى نفتها المعتزلة ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية ... وظواهر الشرع كلها تقتضى إثبات الجهة".ثم ذكر عدة أدلة على ذلك كما ضرب مثالاً مهما للمؤولين المحرفين (٣). ٥ - وقال القرطبي المفسر (٦٧١هـ) بعد ما ذكر مذهب المتكلمين النفاة لعلو الله تعالى: "وقد كان السلف الأول لا يقولون بنفي "الجهة" ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها، كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة ... وإما جهلوا كيفية الاستواء".ثم ذكر مقالة الإمام مالك المشهورة في الاستواء ثم قال: "وهذا القدر كاف ... ، والاستواء في كلام الرب: هو العلو والاستقرار ... " (٤).٦ - وقال القرطبي أيضاً "وأظهر الأقوال في ذلك ما تظاهرت عليه الآي والأخبار، وقاله الفضلاء الأخيار أن الله على عرشه كما أخبر في كتابه، وعلى لسان نبيه بلا كيف بائن من خلقه، هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات" (٥).

стр. 950

قلت: بعد هذا كله تبين بلا ريب للمسلمين طالبي الحق والإنصاف أن الكوثري كذاب بهات أفاك فيما يفتري على الله ورسوله وأئمة الإسلام وغيرهم حيث يقول متحدياً:"ولم يقع ذكر الجهة في حق الله سبحانه في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا في لفظ صحابي أو تابعي، ولا في كلام أحد ممن تكلم في ذات الله وصفاته من الفرق سوى أقحاح المجسمة، وأتحدى من يدعي خلاف ذلك أن يسند هذا اللفظ إلى أحد منهم بسند صحيح فلن يجد إلى ذلك سبيلاً فضلاً عن أن يتمكن من إسناده إلى الجمهور بأسانيد صحيحة ... " (١). ويقرر الكوثري قول السبكي ويسكت عليه بعد ما ذكر قول الإمام ابن القيم "إن الله فوق سماواته ... نقول ما قاله ربنا".فقال السبكي وأقره الكوثري: "أين قال: ربنا أنه بائن من خلقه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته؟ فقد نسبت إلى قول الله ما لم يقله" (٢). قلت: عار وشنار على الكوثري وبعض الديوبندية حيث يبالغون في الثناء على هذا الخائن الظنين الذي غالب كلامه ثرثرة وكذب وطنين، ثم يصفونه بالتثبت والاحتياط والأمانة وأنه لا فلة فيه دراية ورواية وأنه لا لجواده كبوة ولا لصارمه نبوة. مع أن نصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف هذه الأمة وأئمة السنة بل نصوص كثير من أئمة الكلام صريحة في "الفوقية". ٣ - "الحَيِزّ": وكذلك لفظة "الحيز" فالقول فيها كالقول في أخواتها من ألفاظهم الكلامية المجملة المدهشة التي يردون بها الحق أيضا ضمن ردهم للباطل. قال شيخ الإسلام: "وكذلك لفظ "المتحيز" إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر بل وسع كرسيه السموات والأرض .. ، وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها، منفصل عنها ليس حالاً فيها، فهو سبحانه كما قال أئمة السنة، فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه" (٣). ٤ - "المكان": وهكذا لفظ "المكان" لا ننفيه ولا نثبته حسب قاعدة السلف المذكورة بل نفصل فيه ونستفسر قائله فنقبل المعنى الحق ونرد المعنى الباطل، ولا نفعل كما يفعل طوائف المعطلة من نفيهم علو الله تعالى على خلقه ضمن نفيهم للمكان عن الله تعالى. قال شيخ الإسلام: " ... ومنهم من لا يفهم قول الجهمية بل يفهم من النفي معنى صحيحاً ... مثل أن يفهم من قولهم: "ليس في جهة" ولا له "مكان" ولا هو "في السماء".أنه ليس في جوف السماوات - وهذا معنى صحيح وإيمانه بذلك حق - ولكن يظن أن الذين قالوا هذا النفي اقتصروا على ذلك، وليس كذلك بل مرادهم، أنه ما فوق العرش شيء أصلاً ولا فوق السماوات إلا عدم محض، وليس هناك إله يعبد، ولا رب يدعى ويسأل، ولا خالق خلق الخلائق، ولا عرج بالنبي ﷺ إلى ربه أصلاً هذا مقصودهم" (٤).

стр. 951

وقال العلامة نعمان الألوسي الحنفي: "وأما القائل الذي يقول: إن الله لا ينحصر في مكان إن أراد به أن الله لا ينحصر في جوف المخلوقات، وأنه لا يحتاج إلى شيء منها فقد أصاب، وإن أراد أن الله تعالى ليس فوق السماوات، ولا هو مستو على العرش استواء لائقاً بذاته وليس هناك إله يعبد، "ومحمد ﷺ " لم يعرج إلى ربه تعالى، فهذا جهمي فرعوني معطل".ثم ذكر قاعدة السلف في الألفاظ المجملة (١).قلت: إثبات "المكان" بالمعنى الصحيح - وهو العلو لله تعالى - لا يستلزم أي محذور ولا لوازم باطلةً (٢). قلت: لقد تبين بهذه النصوص. أنه لا يلزم من حمل نصوص "العلو والفوقية" على ظاهرها من المعاني الحقيقية المتبادرة إلى الأذهان السليمة أي محذور ما دمنا ملتزمين نفي التكييف والتمثيل. فلا يلزم من ذلك تشبيه يخالف التنزيه. ولا يلزم الحد والجهة، والحيز والمكان بالمعاني التي يقصدها هؤلاء المعطلة ولا يلزم كون الله محدوداً متبعضاً متجزياً متناهياً جوهراً وجسماً. ولا يلزم كون الله محلاً للحوادث ولا لزوم الانتقال ولا التجزي ولا الانقسام. كما لا يلزم أن يكون كل واحد من الحد والجهة، والحيز، والمكان، قديماً مع الله تعالى لأن الحيز والمكان عند هؤلاء المتكلمين يعد موهوم لا شيء محض كما تقدم. فلا يلزم تعدد القدماء، وقد تقدم أيضاً أن المراد من الجهة ما فوق العالم غير الله تعالى، وما فوق العالم غير الله تعالى هو أمر معدوم؛ لأن الموجود إما خالق، وإما مخلوق وفوق المخلوق ليس إلا الخالق، فلا يتصور كون الخالص في شيء موجود، إذاً لا يتصور كون موجود قديماً مع الله تعالى، فلا يلزم قدم الحد والجهة والحيز والمكان بالمعنى الذي يريد الماتريدية. قال شيخ الإسلام: "فقوله: يلزم قدم الجهة أو الانتقال، إنما يصح لو قيل: إنه موجود في سواه، وإما إذا أريد بذلك أنه فوق العالم، أو وراء العالم، وليس هناك غيره، وليس هناك شيء موجود آخر، حتى يقال: إنه قديم. وأما العدم فإن قيل: إنه قديم بهذا التفسير، فهو كعدم سائر المخلوقات، وقدم العدم بهذا التفسير ليس بممتنع ... " (٣). قلت: ما ذكرنا في هذه المباحث في هذا الفصل من إقامة الحجج الباهرة والبراهين القاهرة على علو الله تعالى على خلقه - من صحيح المنقول وصريح المعقول والإجماع المحقق والفطرة السليمة لنسف شبهات الماتريدية وبيان أنهم خالفوا النقل والعقل والإجماع والفطرة في آن واحد، وأنهم ليسوا من أهل السنة بل هم من الفرق الجهمية - فيه كفاية لطلاب الحق والإنصاف،، والله حسب عصبة التعصب والاعتساف،، فإنهم لا يدفعون حماقتهم بالندامة،، ولو أطلبت لهم الملامة،، فهم كما قيل: وشيخ عن الحمق لا ينتهي ... أطلتَ له اللومَ أم لم تطل المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ٢/ ٥٧٥

стр. 952

المبحث الخامس: الرد على الماتريدية في تعطيلهم لصفة استواء الله تعالى على عرشه لقد سبق أن عرضنا موقف الماتريدية من هذه الصفة. فقد تقدم أنهم عطلوها وحرفوا نصوصها إلى شتى المعاني المجازية كالاستيلاء والتمام، أو القصد، فأرجعوا صفة الاستواء "إلى" صفة "القدرة".وإما إلى صفة "الإرادة" (١). وكانت لهم حول هذه الصفة شبهات: فقد قالوا: لو حملنا نصوص "الاستواء على ظاهرها وحقيقتها يلزم منه لله "المكان" "والتغير" و"الانتقال" و"التحيز" وكونه "محدوداً" "محاطاً" وغير ذلك، وهذا كله من أمارات الحدوث والحاجة والنقصان، والله منزه عنها. فالله لا على العرش ولا على غيره، لأن ذلك من صفات الأجسام (٢). وأيدوا تحريفهم لنصوص الاستواء ببيت مكذوب مصنوع، مفتعل موضوع، منسوب كذباً وزوراً، إلى كافر نصراني مختل العقل مضطرب الكلام وهو "الأخطل". قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق (٣) ويقول: الكوثري: "وأنى لهم التمسك بآية "الاستواء" والاستواء له معان, وللعرش معان في اللغة" (٤). وقال: "وللاستواء في كلام العرب خمسة عشر معنى ما بين حقيقة ومجاز .... ". ثم قال الكوثري في تحريفه كلام الإمام مالكٍ: "وإما أن لا يفسر كما قال الإمام مالك وغيره "إن الاستواء معلوم" يعني مورده في اللغة، والكيفية التي أرادها الله مما يجوز عليه من معاني الاستواء مجهولة. فمن يقدر أن يعينها؟.فتحصل لك من كلام إمام المسلمين "مالك" أن الاستواء معلوم وأن ما يجوز على الله غير متعين وما يستحيل عليه هو منزه عنه" (٥). ويصرح الكوثري أن استواءه تعالى على العرش فعل من أفعاله وليس صفة من صفاته فيقول: "قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى صيغة فعل مقرونة بما يدل على التراخي، وذلك يدل على أن "الاستواء" فعل الله تعالى مقيد بالزمن وبالتراخي شأن سائر الأفعال وعدُّ ذلك "صفة" إخراج الكلام عن ظاهره ... وقد أجمعت الأمة على أن الله تعالى لا تحدث له صفة فلا مجال لعدّ ذلك صفة" (٦). قلت: هذا بناء على مذهبهم أن مرجع الصفات الفعلية هو "التكوين" وأن متعلقات "التكوين" من جميع أفعال الله تعالى ليست من صفات الله على الحقيقة، بل هي أمور اعتبارية إضافية، لئلا يلزم قيام الحوادث بالله. فآيات "الاستواء" ونحو ذلك، ليس من آيات "الصفات" عندهم، وهذا لون آخر من البدع وفي طي هذا الكلام انخراط في تعطيل مبين لا ينتبه له إلا من عرف حقيقة قولهم وقد سبق إبطاله. ولنا كلام مع الماتريدية في تعطيلهم لصفة "الاستواء" لله تعالى على عرشه من عدة نواح: الناحية الأولى: أن عامة شبهاتهم ترجع إلى شبهة "التشبيه". وقد فصلنا القول في إبطالها في فصل مستقل في الباب الثاني. الناحية الثانية:

стр. 953

أن ما يلوكونه بألسنتهم من وساوس فلسفية ودسائس كلامية من لزوم "المكان" و"الحيز" و"الجهة" و"التحيز" وكونه "محدوداً" "محاطاً" ونحوه - تقدم الجواب عن ذلك في المبحث الأخير من الفصل السابق. الناحية الثالثة: أن ما تشبثوا به من أن "الاستواء" فعل حادث وليس من صفات الله تعالى، لئلا يلزم حلول الحوادث بذات الله تعالى. فقد تقدم الرد عليه وبينا أن صفات الأفعال صفات الله تعالى قائمة به سبحانه، تتجدد آحادها، ونوعها قديم، على أن القول بحلول الحوادث لازم لهم يشعرون أم لا يشعرون؟ وقد اعترف بذلك بعض أساطينهم. وهذا مبني على أصلهم من نفي قيام الأفعال الاختيارية به تعالى وجعل أفعاله اللازمة كأفعاله المتعدية، فكل ذلك عند هؤلاء الماتريدية والأشعرية مفعول منفصل عن الله تعالى. الأول: جعل الفعل من المخلوقات: والثاني: نفيهم قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى التي هي صفاته الفعلية التي تتعلق بمشيئته وقدرته، وقولهم مخالف لمذهب أهل السنة (١).قلت: كان المفروض أن يكون الماتريدية موافقين لأهل السنة في هذا لقولهم بالتكوين وقولهم بأن المكون، غير التكوين (٢).وهذا القول موافق في الجملة لأهل السنة في قولهم: إن الخالق غير المخلوق كما صرح به شيخ الإسلام (٣) لكن الذي أوقعهم في البدعة الشنيعة ونفي قيام الصفات الاختيارية به تعالى قولهم: إن صفة "التكوين" صفة واحدة قديمة أزلية، وأن جميع ما يتعلق بما فهو متعلقات التكوين، وليست صفات حقيقية وإلا لزم قيام الحوادث به تعالى وكذا لزم منه تكثير القدماء جداً. وقد بينا أن الفريقين من الماتريدية والأشعرية كلاهما على الباطل المحض وكلامهم يتضمن التعطيل المبين. الناحية الرابعة: أن ما تمسكوا به من شهبة "التغيير"- نقول في الجواب عنها: إن هذه اللفظة "التغيير" من الألفاظ المجملة المتشابهة الكلامية التي تحتمل حقاً وباطلاً. وقد ذكرنا قاعدة أئمة السنة في مثل هذه الكلمات. وقد قال إمام أهل السنة في المتكلمين وكلماتهم المجملة المتشابهة المهولة المدهشة: "يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويلبسون على جهال الناس ما يشبهون عليهم" (٤). فنقول في ضوء هذه القاعدة ما قال شيخ الإسلام بعد ما ذكر اعتراف الرازي: "وإيضاح ذلك: أن لفظ "التغيير" لفظ مجمل. فالتغيير "في اللغة المعروفة لا يراد به مجرد كون محل قامت به الحوادث فإن الناس لا يقولون للشمس والقمر والكواكب - إذا تحركت - إنها قد تغيرت، ولا يقولون: للإنسان - إذا تكلم ومشى - إنه تغير. ولا يقولون: - إذا طاف وصلى وأمر ونهى وركب - إنه تغير إذا كان ذلك عادته. بل إنما يقولون: "تغير" لمن استحال من صفة إلى صفة. كالشمس إذا ما زال نورها ظاهراً - لا يقال: إنها تغيرت. فإذا اصفرت - قيل: قد تغيرت. وكذلك الإنسان إذا مرض، أو تغير بجوع أو تعب - قيل: قد تغير. وكذلك إذا تغير خلقه ودينه، مثل أن يكون فاجرا فيتوب ويصير براً، أو يكون براً فينقلب فاجراً - فإنه يقال: قد تغير .... وإذا كان هذا معنى "التغيير" فالرب تعالى لم يزل ولا يزال موصوفاً، بصفات الكمال منعوتاً بنعوت الجلال والإكرام، وكمالاته لوازم ذاته فيمتنع أن يزول عنه شيء من صفات كماله، ويمتنع أن يصير ناقصاً بعد كماله.

стр. 954

وهذا الأصل يدل عليه قول السلف وأهل السنة:"إنه لم يزل متكلماً إذا شاء ولم يزل قادراً ولم يزل موصوفاً بصفات الكمال ولا يزال كذلك فلا يكون متغيراً" .... " (١). الحاصل: أنه لا يستلزم من إثبات صفة "استواء" الله تعالى على عرشه كونه تعالى متغيراً. الناحية الخامسة: أن شبهتهم من لزوم "الانتقال" من مكان إلى مكان - شبهة قديمة لقدماء الجهمية. وأئمة السنة وسلف هذه الأمة قد أفحموهم وأسكتوهم وكسروا أسنانهم بالحجر فبهت الذي كفر. وستأتي إن شاء الله أجوبة أمثال الإمام الفضيل بن عياض (١٨٧هـ) الذي جعله الحنفية حنفياً، ويعظمونه تعظيماً بالغاً وهو أهل له. وإمام الجرح والتعديل يحيى بن معين (٢٣٣هـ) الذي يجعله الحنفية ولاسيما الكوثرية حنفياً صلبا متعصباً ويجلونه غاية الإجلال وهو أهل للإكرام. والإمام حماد بن زيد (١٧٩هـ). والإمام إسحاق بن راهويه (٢٣٨هـ). في إسكات هؤلاء الجهمية. الناحية السادسة: قولهم: "إن للاستواء خمسة عشر معنى، وللعرش معان فكيف يصح تمسكهم بآية "الاستواء"؟ فنقول: هذا تدليس واضح وتلبيس فاضح، وتشكيك في العقيدة. مَنْ هذا الذي قال من سلف هذه الأمة من أئمة السنة: إن معنى الاستواء ومعنى العرش في جميع تلك النصوص القرآنية الصريحة غير معلومين؟. كلا والذي استوى على عرشه! بل معنى "الاستواء"، ومعنى "العرش" في تلك الآيات الواضحات - معلومان بلا ريب. وأول من قال: هذه المقالة - فيما أعلم - هو الإمام أبو بكر بن العربي (٥٤٣هـ) (٢) سامحه الله وإيانا - وتبعه الكوثري. ولكن الإمام ابن القيم جعلها حصيداً كأن لم تغن بالأمس. والإمام أبو بكر بن العربي هو الذي لعبت به عقليته الكلامية - على جلالة قدره - حتى قال ما قال في وجوب النظر والاستدلال. وقد سبق أن ذكرنا جواباً شافياً كافياً عن هذه الشبهة فلا نعيده (٣). غير أننا نضيف ههنا أموراً: الأمر الأول: أن الله تعالى ذكر صفة "استوائه" على عرشه في سبعة مواضع من كتابه: ١ - ٢ - فقال: إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤]، [يونس: ٣] ٣ - وقال: اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الرعد:٢] ٤ - وقال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] ٥ - ٦ - وقال: الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الفرقان: ٥٩، السجدة: ٤] ٧ - وقال: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ... [الحديد: ٤] وهذه الآيات كلها تواطأت على لفظين إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥]

стр. 955

فالناظر السليم الفطرة، عن أرجاس الفلسفة وأنجاس الكلام - إلى هذه الآيات البينات والمتدبر بحق في هذه الكلمات المحكمات لا يفهم منها إلا علو الله ﵎ على عرشه، ولا يتبادر إلى ذهنه المعاني الخمسة عشر للاستواء، والخمسة للعرش أبداً وهذه حقيقة واقعة لا ينكرها إلا منكر مكابر، ومعاند مجاهر؛ لأن "الاستواء" المعدى بلفظه "على" نص صريح محكم في العلو والارتفاع ولشيخ الإسلام كلام مهم فراجعه (١). الأمر الثاني: أن المتشبث بهذه الشبهة الواهية يتدرج بقوله: "إن للاستواء معاني وللعرش معاني". إلى القول بالتفويض في صفة الاستواء. وقد أقمنا أدلة قاهرة باهرة على إبطال القول بالتفويض المطلق الكلامي المفتعل الموضوع المصنوع على السلف، وأبطلنا نسبته إلى السلف. كما أبطلنا شبهاتهم التي تشبثوا بها لدعم التفويض. وبينا الفرق بين التفويض الباطل الخلفي وبين التفويض الحق السلفي. الأمر الثالث: إن صفة "الاستواء" لله تعالى على عرشه في هذه الآيات وهذا السياق قد عرفه سلف هذه الأمة وفسروه بالعلو والارتفاع، كابن عباس وأبي العالية رفيع بن مهران الرياحي (٩٠هـ) ومجاهد ابن جبر (١٠١هـ) والربيع بن أنس البكري (١٤٠هـ). وعلى هذا بعدهم أئمةُ السنة والحديث والتفسير، أمثال: أبي عبيدة (٢١٠هـ). والبخاري (٢٥٦هـ) وابن قتيبة (٢٧٦هـ) وابن جرير (٣١٠هـ) وابن أي حاتم (٣٢٧هـ) وابن عبدالبر (٤٦٣هـ) والبغوي (٥١٦هـ) وغيرهم (٢).وهو قول: كبار أئمة اللغة أمثال: الخليل بن أحمد (١٧٥هـ) والفراء (٢٠٧هـ) والأخفش (٢١٥هـ) وأبي العباس ثعلب (٢٩١هـ) وابن الأعرابي (٢٣٠هـ) وابن عرفة المعروف بـ"نفطويه" (٣٢٣هـ) وغيرهم (٣).وهكذا كبار أساطين الكلام، كابن كلاب (٢٤٠هـ) والأشعري (٣٢٤هـ) والباقلاني (٤٠٣هـ) (٤). قال الإمام الحافظ الفقيه أبو محمد عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن شيرويه (٣٠٥هـ)."سمعت إسحاق بن راهويه - (الإمام أحد الأثبات الثقات الأعلام) (٢٣٨هـ) - أنبأنا بشر بن عمر الزهراني - (أحد ثقات أئمة الأعلام) (٢٠٧هـ) قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥]، "على العرش ارتفع" (٥). الأمر الرابع: أن واقع نصوص أئمة السنة وسلف هذه الأمة يدل دلالة قاطعة على أن للعرش ولاستواء الله تعالى عليه معنى واحداً معلوماً؛ وهو أن العرش هو عرش الرحمن المحيط على السموات والأرض. وأن استواء الله تعالى عليه هو علوه تعالى وارتفاعه عليه. وهو معلوم غير أن كيفيته مجهولة. وفيما يلي نصوص بعضهم:

стр. 956

١ - فقد سئل الإمام ربيعة بن عبدالرحمن فروخ أبو عثمان المدني المعروف بربيعة الرأي (١٣٦هـ) شيخ الإمام مالك إمام دار الهجرة - عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] كيف استوى؟.قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة وعلى الرسول ﷺ البلاغ، وعلينا التصديق" (١).وفي رواية: "الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، ويجب عَلَّى وعليك الإيمان بذلك كله" (٢). ٢ - وجاء رجل إلى مالك بن أنس إمام دار الهجرة (١٧٩هـ) فقال: يا أبا عبدالله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى -[طه: ٥]- كيف استوى؟. فقال له مالك: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالاً".٣ - وقال الإمام أبو حنيفة: "ونقر بأن الله تعالى على العرش استوى ... " (٣). مع كلام الإمام أبي حنيفة في تكفير من أنكر كون الله تعالى على العرش أو شك في ذلك أو شك في كون العرش في السماء. قلت: تدبر أيها المسلم طالب الحق والإنصاف نصوص هؤلاء الأئمة كيف صرحوا بأن استواء الله تعالى على عرشه معلوم المعنى كما أن عرشه أيضاً معلوم غير أن كيفية استوائه غير معلوم؟. بل صرح الإمام أبو حنيفة بتكفير من شك في كون العرش في السماء. فهل يمكن لأحد أن يقول: إن للاستواء خمسة عشر معنى وأن للعرش خمسةً معانٍ فلا ندري ما المراد من الاستواء وما المراد من العرش؟؟. الناحية السابعة: زعم الكوثري المحرف المخرف في تحريف كلام الإمام مالك: "الاستواء معلوم والكيف مجهول" - أن معناه: أن موارد لفظ "الاستواء" في اللغة معلومة وأن ما يجوز على الله غير معلوم. باطلٌ عاطلٌ وتخريفٌ وتحريفٌ لكلام إمام المسلمين الإمام مالك. يظهر ذلك لكل من تدبر كلامه بإنصاف، بعيداً عن الاعتساف؛ لأن السائل لم يسأل عن موارد لفظ "الاستواء" في اللغة بل سأله عن صفة "استواء" الله تعالى على عرضه الوارد في قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] فأجاب إمام المسلمين بأن الاستواء المعروف باللام المعهود المطلوب في السؤال الوارد في كتاب الله تعالى معلومٌ المعنى لكنه مجهول الكيف. وإلا لقال: "الاستواء والكيف كلاهما مجهول". وهذا أظهر من الشمس في رابعة النهار لمن له عينان ناظرتان وأذنان سامعتان؛ ولكن قد قيل: خفافيش أعشاها النهار بضوئه ... ووافقها قطع من الليل مظلم ولشيخ الإسلام وابن القيم مبحث قيم في إزالة نسج عناكب التحريف (٤).وقد تقدم شيء من ذلك (٥).

стр. 957

وهذه حقيقة واقعة إلى حد اعترف بها الإمام ابن العربي (٥٤٣هـ) مع غلوه في المباحث الكلامية، وصرح بأن معناه معلوم والكيفية مجهولة، قاله في تفسير مقالة الإمام مالك. والإمام ابن العربي هذا من أهم المصادر الكلامية للكوثري (١). الناحية الثامنة: أن تأويل الماتريدية لكثير من صفات الله تعالى ومنها "استوائه" على عرشه سبحانه - بدعة في الإسلام، وخروج على إجماع سلف هذه الأمة وأئمة السنة وأن مقالة التأويل مستلزمة لتعطيل صفات الله تعالى وتحريف نصوصها. بل هي في الأصل مقالة اليهود الكفار، ثم أدخلت على المسلمين بأيدي الجهمية الأولى والمعتزلة وفتحٌ لأبواب الزندقة والإلحاد وسائر الطامات. ولذلك نرى أن المعتزلة يعطلون صفة "الاستواء" ويحرفون نصوصها إلى الاستيلاء ويستدلون بذلك البيت الموضوع المصنوع (٢).بشهادة كبار أئمة الإسلام وأساطين الكلام (٣). وهذا دليل على أن الماتريدية في مثل هذه التحريفات وتعطيل الصفات أتباع للجهمية الأولى وليسوا من أهل السنة. الناحية التاسعة: أنه لم يأت في اللغة العربية الصحيحة كون "الاستواء" بمعنى "الاستيلاء". قاله إمام أئمة اللغة العربية محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي (٢٣٠هـ). فقد قاله الإمام أبو سليمان داود بن علي بن خلف إمام الظاهرية (٢٧٠هـ). "كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال: ما معنى قول الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥]. فقال: هو على عرشه كما أخبر . فقال: يا أبا عبدالله ليس هذا معناه إنما معناه "استولى". قال: اسكت ما أنت وهذا، لا يقال: استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاداً فإذا غلب أحدهما قيل: استولى، أما سمعت النابغة: ألا لمثلك أو من أنت سابقه ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد قلت: الرجل في قول الإمام داود: "كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل ... " لم أعرفه. ولكن قال شيخنا الألباني: "قلت: لعله أحمد بن أبي دؤاد الجهمي - الحنفي رأس الفتنة والاعتزال - المصرح بأنه السائل في الرواية التي قبل هذه" (٤). فقد سأل ابن أبي دُؤاد هذا ابن الأعرابي: "أتعرف في اللغة "استوى"؟ بمعنى (استولى) فقال: لا أعرف".ولفظ ما حكى الإمام ابن القيم عن ابن الأعرابي: "أرادني ابن أبي دؤاد أن أطلب له في بعض لغات العرب، ومعانيها .... "استوى" بمعنى "استولى" فقلت: له والله ما يكون هذا ولا وجدته" (٥).

стр. 958

وهذا يدل على خبث ما تنطوي عليه قلوب رؤوس الجهمية، والاعتزال فردهم الله بغيظهم ولم ينالوا خيراً، فهذا كلام إمام العربية ابن الأعرابي يصرخ أن الاستواء لم يأت في لغة العرب بمعنى الاستيلاء، وأن "الاستيلاء" لا يصح أن يكون تفسيراً لآيات الاستواء" لما في الاستيلاء من معنى المضادة، والمغالبة والتمانع والله منزه من ذلك كله. وقد قال: كثير من الأئمة مثل ما قاله إمام اللغة العربية ابن الأعرابي (١). قال الخطابي وابن عبدالبر، واللفظ له:"وهذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول المعتزلة، وأما إدعاؤهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل الاستواء "استولى" - فلا معنى له؛ لأنه غير ظاهر في اللغة، معنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة على أنه أريد به المجاز ... " (٢).وقال الأئمة أيضاً في إبطال تأويل الاستواء بالاستيلاء: إن الله تعالى لم يزل مستوياً غالباً قادراً محيطاً على خلقه كله على عرشه وغيره فأي فائدة في هذا؟ صرح بهذا الأشعري والخطابي والباقلاني (٣). الناحية العاشرة: أن هذا البيت: "قد استوى بشر ... " مصنوع موضوع على العرب. قال الإمام أبو سليمان الخطابي ((٣٨٨هـ): "وزعم بعضهم أن معنى الاستواء ها هنا الاستيلاء ونزع فيه ببيت مجهول لم يقله شاعر معروف يصح الاحتجاج بقوله ... ". قلت: واعجباً للماتريدية خاصة، والجهمية عامة؛ يستدلون ببيت مصنوع مختلق موضوع على العرب ولم يتجرأوا على نسبته إلا إلى الشاعر الكافر الأخطل النصراني!!!. وقد صنعوا مثل هذا الفعل الشنيع في باب صفة "كلام" الله تعالى أيضاً فاستدلوا ببيت: "إن الكلام لفي الفؤاد ... ".فقد بنوا بنيانهم المنهار على بيت مصنوع موضوع على العرب (٤) ونسبوه إلى هذا الشاعر الكافر الأخطل النصراني، وهذا البيت أيضاً لا يوجد في ديوانه (٥) وتجرأ بعضهم فنسبه إلى علي ﵁!! (٦).أما صرائح الكتاب والسنة المتواترة والإجماع والفطرة فيحرفونها ولا يطمئنون بها هذا من العجب العجاب!!! (٧).وأعجب من ذلك عدم رجوعهم إلى الأحاديث الصحيحة الصريحة وتمسكهم بخيالات الفلاسفة وخزعبلات الجهمية (٨). الناحية الحادية عشرة: أن تحريف الاستواء إلى الاستيلاء فراراً من التشبيه عينُ الوقوع في التشبيه فلا فائدة في هذا غير الوقوع في التحريف والتعطيل والتشبيه؛ فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين.

стр. 959

قال ابن جرير والألوسي وابنه نعمان الألوسي، واللفظ للثاني:"وأنت تعلم ... أن تفسير الاستواء بالاستيلاء تفسير مردود إذ القائل به لا يسعه أن يقول: كاستيلائنا بل لابد أن يقول: هو استيلاء لائق به ، وليقل من أول الأمر هو استواء لائق به جل وعلا" (١). الناحية الثانية عشرة: أن المحرفين لصفة "الاستواء" بالاستيلاء وغيره مع وقوعهم فيما سبق من المفاسد متناقضون مضطربون في مذهبهم؛ فإنهم لما حرفوا نصوص "الاستواء" وعطلوا هذه الصفة فراراً من التشبيه والتجسيم - هلا حرفوا نصوص الحياة والسمع والبصر وغيرها، فإثبات بعض الصفات وتعطيل بعضها ليس إلا إيماناً ببعض الكتاب وكفراً ببعضه مع التناقض الواضح والاضطراب الفاضح. قال الإمام أبو محمد عبدالله بن يوسف الجويني (٤٣٨هـ) والد إمام الحرمين أبي المعالي عبدالملك الجويني (٤٧٨هـ): "فإن قالوا لنا في الاستواء: شبَّهْتُمْ - نقول لهم: في السمع شَبَّهْتُمْ، ووصفتم ربكم بالعرض ... فجميع ما يلزموننا به في الاستواء والنزول، واليد، والوجه والقدم، والضحك، والتعجب، من التشبيه نلزمهم به في الحياة، والسمع والبصر والعلم ... ، وليس من الإنصاف أن يفهموا في الاستواء والنزول، والوجه، واليد، صفات المخلوقين. فيحتاجوا إلى التأويل والتحريف؛ فإن فهموا من هذه الصفات ذلك فيلزمهم أن يفهموا من الصفات السبع صفات المخلوقين" (٢).قلت: هذا الذي ذكرنا فيه كفاية لطلاب الحق والإنصاف والإخلاص ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتب أئمة السنة ولاسيما إلى مباحث الإمام ابن القيم، فإنه قد أبطل تأويل صفة "الاستواء" باثنين وأربعين وجهاً فأجاد وأفاد (٣). خلاصة مبحث الاستواء: لقد اشتمل هذا المبحث على ما يلي من النتائج المهمة: ١ - أن صفة "الاستواء" صفة لله سبحانه كغيرها من صفات الله تعالى. ٢ - أن مذهب السلف في إثباتها لله تعالى بلا كيف ولا تمثيل فلا يحرفون نصوصها ولا يعطلونها. ٣ - أن الماتريدية معطلة لهذه الصفة محرفة لنصوصها. ٤ - أن الماتريدية في مذهبهم في صفة الاستواء على مذهب الجهمية والمعتزلة. ٥ - أن الماتريدية مبتدعة في مذهبهم هذا خارجون على مذهب الإمام أبي حنيفة كما هم خارجون عن إجماع أئمة هذه الأمة. ٦ - أن الماتريدية كعادتهم حرفوا نصوص الاستواء الصريحة وتشبثوا ببيت مصنوع موضوع على العرب منسوب زوراً إلى شاعر كافر نصراني. ٧ - أنا الماتريدية حرفوا معنى الاستواء بالاستيلاء الذي لا تساعده اللغة العربية بل أئمة اللغة أنكروا مجيء الاستواء بمعنى الاستيلاء. ٨ - أن الماتريدية مع تحريفهم وتعطيلهم لصفة الاستواء لم ينجوا من التشبيه بل وقعوا فيه، ولنعم ما قيل: أقام يعمل أياما رويته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء ٩ - أن هؤلاء لو ربحوا رأس المال لكنهم حرفوا وعطلوا فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين. التنبيه على تمويه التفتازاني تبعاً للقزويني والسكاكي الساحر الحنفي: قالوا: "استوى" محمول على الإيهام والتورية المجردة، "وهي التي لا تجامع شيئاً مما يلائم المعنى القريب نحو "الرحمن على العرش استوى" فإنه أراد بـ"استوى" معناه البعيد وهو "استولى" ولم يقرن به شيء مما يلائم المعنى القريب الذي هو "الاستقرار" (٤). أقول: تعجبوا يا قوم! من إلحاد هؤلاء الجهيمة؛ تعالى الله سبحانه وكلامه عن إلغاز الملغزين وتمويه المموهين وتورية الساحرين. المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ٣/ ٧

стр. 960

المبحث السادس: الرد على الماتريدية في تعطيلهم لصفة "نزول" الله إلى السماء الدنيا لقد سبق أن ذكرنا أن الباعث للماتريدية ولغيرهم من المعطلة أنهم فهموا من نصوص "النزول" و"الإثبات" و"المجيء" ما يفهم من صفات المخلوق. فقالوا: لو تركنا هذه النصوص على ظاهرها لزم الله انتقال الأعراض والأجسام وهذا يستلزم التغير والزوال له تعالى فيكون الله من الآفلين. فيجب صرف ذلك إلى ما يستحق بالربوبية (١). وبناء على هذا الأساس الباطل المنهار عطلوا صفات الله تعالى "النزول" و"الإتيان" و"المجيء". وحرفوا نصوصها. فقالوا: المراد نزول اللطف، والرحمة على سبيل التمثيل (٢).أو نزول بره وعطائه (٣).أو نزول الملك (٤).أو المراد الاطلاع، والإقبال على العباد بالرحمة (٥). وهكذا عطلوا صفة "الإتيان" لله تعالى، وحرفوا نصوصها. فقالوا: المراد إتيان عذابه، أو إتيان ملائكته، أو مجاز عن التجلي، أو معناه: أن يأتي الله بأمره، وبأسه، فحذف المفعول به، وغيرها (٦). وكذا عطلوا صفة "المجيء" وحرفوا نصوصها إلى أنواع من المجازات بشتى التأويلات. فقالوا: المراد المجيء حكمه، وعطائه، وأمره، وقضائه، أو ظهور آثار قهره، وسلطانه، وغيرها (٧). وقد رأيت للإمام أبي منصور الماتريدي تحريفاً عجيباً وتخريفاً غريباً لم أجده عند غيره من المعطلة - فيما أعلم - يندهش المسلم منه وترعد فرائصه وهو: أن "الواو" في قوله تعالى وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:٢٢].بمعنى "الباء" وتكون الباء لتعدية "جاء" ويكون "الملك" مفعولاً به، فيكون المعنى: وجاء ربك بالملك صفاً صفاً (٨) تعالى الله عما يصفون. كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً. تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً. هذه كانت نماذج من تأويلاتهم التي يدعون أنها موافقة للغة العربية!. وبعد هذا العرض نناقش الماتريدية في تعطيلهم لصفة "النزول" وتحريفهم لنصوصها، ونكتفي بذلك لئلا يطول بنا الكلام. ويكون كلامنا مع الماتريدية في مقامين: المقام الأول: في بيان فساد مذهب الماتريدية في صفة "النزول". وفيه أمور:-

стр. 961

الأمر الأول: أن الماتريدية في تأويلاتهم لصفة "النزول" أتباع الجهمية الأولى فإنهم كانوا يؤولون بمثل تأويلات الماتريدية (١). وقد تقدم أن جميع هذه التأويلات الموجودة اليوم في كتب الماتريدية والأشعرية مأخوذ عن هؤلاء الجهمية الأولى. ولنعم ما قيل: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فإن القرين بالمقارن يقتدي وقد ذكر الإمام الترمذي (٢٧٩هـ) ﵀ حديث (النزول) ثم ذكر إجماع أئمة الإسلام على ما يدل عليه وقال:"وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا التشبيه! " (٢). وقد سئل الإمام شريك بن عبدالله ((١٧٧هـ) أن المعتزلة تنكر أحاديث النزول، فحدث بنحو عشرة أحاديث وقال:"أما نحن فقد أخذنا ديننا عن التابعين عن أصحاب رسول الله ﷺ ، فهم عمن أخذوا؟! " (٣).ولذلك قال الإمام عبدالله بن المبارك (١٨١) هـ) الذي جعلته الكوثرية من كبار أئمة الحنفية (٤)."من قال لك: "يا مشبه" فاعلم أنه جهمي" (٥). الأمر الثاني: في بيان خروج الماتريدية على أحاديث النزول الصحيحة المحكمة المتواترة الصريحة. فأقول: استدل أئمة هذه الأمة على إثبات صفة "النزول" لله تعالى. بأحاديث كثيرة، أكتفي هنا بذكر ما في الصحيحين:

стр. 962

فعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: "من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له)) (١).قلت: وهذا الحديث قطعي الدلالة على معناه لا يحتمل التأويل والمجاز، لأن قول النبي ﷺ : ((ينزل ربنا ﵎ إلى السماء الدنيا)) إلى آخر الحديث صريح في معناه الحقيقي لا يحتمل التأويل إلا بالتحريف؛ لاشتماله على ما يؤكد الحقيقة وينفي المجاز (٢).كما أنه قطعي الثبوت فإنه حديث متواتر تلقته الأمة بالقبول لفظه ومعناه، فقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀ تسعة وعشرين (٣) من الصحابة الذين رووا هذا الحديث، ثم ذكر من أخرج (٤) حديثهم من المحدثين كما ذكر أبو عبدالله محمد بن جعفر الكتاني ثلاثة عشر صحابياً من رواة هذا الحديث (٥). وفيما يلي نصوص بعض الأئمة حول أحاديث النزول:

стр. 963

١ - قال حافظ المغرب ابن عبدالبر (٤٦٣هـ):"وهو حديث منقول من طرق متواترة، ووجوه كثيرة من أخبار العدول عن النبي ﷺ " (١).٢ - وقال شيخ الإسلام: "فإن هذا القول الذي قاله قد استفاضت به السنة عن النبي ﷺ ، واتفق سلف الأمة وأئمتها، وأهل العلم بالسنة والحديث على تصديق ذلك، وتلقيه بالقبول ... والنبي ﷺ قال هذا الكلام وأمثاله علانية وبلغه الأمة تبليغاً عاماً لم يخص به أحداً دون أحد ولا كتمه عن أحد وكان الصحابة والتابعون تذكره وتأثره وتبلغه، وترويه في المجالس الخاصة والعامة، واشتملت عليه كتب الإسلام التي تقرأ في المجالس الخاصة والعامة ... " (٢).٣ - وقال الذهبي: "وأحاديث نزول الباري متواترة قد سقتُ طرقها وتكلمتُ عليها بما أُسئل عنه يوم القيامة" (٣).وقال: "وقد ألفت أحاديث النزول في جزء وذلك متواتر أقطع به" (٤). ٤ - وقال الإمام ابن القيم: "إن نزول الرب ﵎ إلى السماء الدنيا قد تواترت الأخبار به عن رسول الله ﷺ رواه عنه نحو ثمانية وعشرين نفساً من الصحابة، وهذا يدل على أنه كان يبلغه في كل موطن ومجمع، فكيف تكون حقيقته محالاً وباطلاً؟! وهو ﷺ ، يتكلم بها دائماً ويعيدها ويبديها مرة بعد مرة، ولا يفرق باللفظ ما يدل على مجازه بوجه ما، بل يأتي بما يدل على إرادة الحقيقة ... " (٥).وقال: " ... قد تواترت به الأحاديث والآثار .... " (٦).فأحاديث النزول هذه كما عرفتم قطعية الثبوت وقطعية الدلالة وليست من الوحدان، المفاريد، والمناكير بل من قبيل المتواتر والمشاهير ومفيدة للعلم القطعي اليقيني حتى باعتراف الكوثري فقد اعترف الكوثري: "أن الأخبار المحتج بها في الصفات إنما هي الصحاح المشاهير، دون الوحدان والمفاريد، والمناكير، والمنقطعات، والضعاف، والموضوعات ... " (٧). وقد ذكرنا اعتراف كثير من الحنفية الماتريدية والكوثرية بأن خبر الواحد المحتف بالقرائن ومنه أحاديث (الصحيحين) ومنه ما تلقته الأمة بالقبول مفيد للعلم القطعي اليقيني. الأمر الثالث: في خروج الماتريدية على إجماع سلف هذه الأمة وأئمة السنة ولاسيما الإمام أبو حنيفة وأصحابه القدماء. نصوص أئمة السنة في تحقيق صفة النزول خارجةٌ عن نطاق الحصر ولكن نورد ههنا بعض نصوص الإمام أبي حنيفة لتعتبر منه الماتريدية، كما نورد نصوص بعض الأئمة الآخرين لبيان أن عقيدة السلف عقيدة واحدة لم يختلف منهم اثنان وفيما يلي بعض النصوص. ١ - الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى (١٥٠هـ).سئل الإمام أبو حنيفة عنه - يعني النزول - فقال: "ينزل بلا كيف" (٨).

стр. 964

فهذا نص صريح من الإمام أبي حنيفة فهو أثبت صفة النزول بلا تكييف ولا تمثيل، ولم يقل: إن أحاديث النزول أخبار الآحاد ولم يقل: إن المراد الملك أو نزوله أو الرحمة أو الأمر أو غير ذلك، فلم يفوض ولم يؤول ولم يشبه ولم يحرف ولم يعطل. ٢ - حماد ابن الإمام أبي حنيفة (١٧٦هـ). قال الإمام أبو عثمان بن عبدالرحمن المعروف بشيخ الإسلام الصابوني (٤٤٩هـ): "قرأت لأبي عبدالله بن أبي حفص البخاري - وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافعة، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني - قال أبو عبدالله- أعني ابن أبي حفص هذا -: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة قلنا لهؤلاء - (يعني الجهمية): أرأيتم قول الله : وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفاً صفاً، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عني بذلك؟ ولا ندري كيف مجيئه؟ فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته؟.ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيتم من أنكر أن الملك يجيء صفاً صفاً ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب، قلت: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه يجيء فهو كافر مكذب" (١).

стр. 965

قلت: وهذا إسناد في غاية من الصحة والإتقان والإيقان ورجاله جبال شامخات والأئمة الأعلام للحنفية. سبحان الله!!! أئمة الحنفية القدامى يكفرون من أنكر صفة المجيء لله تعالى والاعتراف بصفة المجيء يستلزم الاعتراف بصفة النزول فالقائل بالأولى قائل بالثانية؛ لأنه لا قائل بالفصل، ولكن الماتريدية قالوا: "لا يجوز أن يوصف الله بالمجيء والذهاب لأنها من صفات المخلوقين" (١).٣ - إمام المحدثين عبدالله بن المبارك (١٨١هـ) الذي تجعله الحنفية من أئمة الحنفية (٢) وجعله الكوثري والكوثرية من كبار الحفاظ والمحدثين من الحنفية ومن أخص أصحاب أبي حنيفة (٣)، مع أن الأمر ليس كذلك بل هو إمام من أئمة المسلمين محدث فقيه مجتهد وليس بحنفي البتة ولكن كلامه في النزول مهم جداً فنذكره حجةً على الحنفية الماتريدية ولاسيما الكوثرية. فقد سئل عبدالله بن المبارك: "يا أبا عبدالرحمن كيف ينزل؟ " فقال ابن المبارك: "ينزل كيف يشاء" (٤).٤ - وقال الإمام محمد بن الحسن الشيباني (١٨٩هـ) أحد الأئمة الثلاثة للحنفية حول أحاديث النزول ونحوها: "إن هذه الآحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها، ولا نفسرها" (٥). ٥ - وقال أيضاً: "اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على أن الإيمان بالقرآن والآحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ ، في صفة الرب من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ ، وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا فمن قال بقول الجهم فقد فارق الجماعة لأنه قد وصفه بصفة لا شيء". وعلق عليه شيخ الإسلام قائلاً: "وثبت عن محمد بن الحسن ... فانظر رحمك الله إلى هذا الإمام كيف حكى الإجماع في هذه المسألة، ولا خير فيما خرج عن إجماعهم، ولو لزم التجسيم من السكوت عن تأويلها لفروا منه وأولوا، فإنهم أعرف الأمة بما يجوز على الله وما يمتنع عليه" ().٦ - الإمام الزاهد الفضيل بن عياض (١٨٧هـ) الذي يعده الحنفية من كبار الأئمة الحنفية، ويقولون: أخذ عن الإمام أبي حنيفة وأخذ عنه الإمام الشافعي روي له البخاري ومسلم (٦). فقد قال الفضيل بن عياض: "إذا قال لك الجهمي: "أنا أكفر برب ينزل.

стр. 966

فقل أنت: أنا أومن برب يفعل ما يشاء".٧ - إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين (٢٣٣هـ) الذي تجعله الكوثرية من كبار أئمة الحنفية بل تجعله حنفياً متعصباً وتبجله وتعظمه (١) مع أن عدّه حنفياً خطأ، بل هو مجتهد من أئمة أهل الحديث (٢) ومع ذلك كله كلام هذا الإمام حجة على الماتريدية والكوثرية - فقد قال هذا الإمام: "إذا سمعت الجهمي يقول: أنا كفرت برب ينزل. فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يريد". ٨ - ورواية أخرى عن يحيى بن معين تؤيد هذه: "إذا قال لك الجهمي": وكيف ينزل؟ فقل: كيف يصعد؟ ".وعلق عليها الذهبي: "الكيف في الحالين منفي عن الله تعالى" (٣).٩ - الإمام حماد بن زيد (١٧٩هـ) وهو للعراقيين نظير مالك للحجازيين في الجلالة والعلم (٤). فقد سئل: "يا أبا إسماعيل: الحديث الذي جاء، ينزل الله إلى السماء الدنيا، يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء". ١٠ - الإمام إسحاق بن راهويه عالم خراسان (٣٣٨هـ): فقد قال جمعني وهذا المبتدع - يعني إبراهيم بن أبي صالح - مجلس عبدالله بن طاهر فسألني الأمير عن أخبار النزول فسردتها، فقال إبراهيم: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء، فقلت: آمنت برب يفعل ما يشاء". ١١ - وقد ذكر الإمام أبو الحسين محمد بن أحمد الملطي (٣٧٧هـ) عن الإمام أبي عاصم خشيش بن أصرم (٢٥٣هـ) ما فيه عبرة للماتريدية وقمع شبهات الجهمية. تنبيه: نصوص هؤلاء الأئمة تبطل شبهة المعطلة القديمة والحديثة وهي: أنه يلزم من النزول الانتقال، والزوال، والأقوال لله تعالى والله منزه عنها. فأنت ترى نصوص هؤلاء الأئمة ترد كيد الجهمية في نحورهم حيث صرحوا بأن الله يفعل ما يشاء فلا يجوز إبطال صفات الله تعالى بتهولات الجهمية ولا بتسمياتهم المدهشة. ١٢ - الإمام أبو الحسن الأشعري إمام الأشعرية (٣٢٤هـ) الذي جعله كثير من الحنفية، والكوثري في عداد الحنفية. فقد أقر أحاديث النزول وجعلها من الأدلة على علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه وصنيعه هذا يقطع دابر المحرفين لأحاديث النزول (٥). ١٣ - الإمام ابن عبدالبر (٤٦٣هـ) فقد قال هذا الإمام بعد ذكر حديث النزول: "هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، رواه أكثر الرواة عن مالك وهكذا .. ، وهو حديث منقول من طرق متواترة، ووجوه كثيرة، من أخبار العدول عن النبي ﷺ ... وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة: وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم:"إن الله في كل مكان، وليس على العرش ... " (٦). ١٤ - وقال الحافظ ابن حجر (٨٥٢هـ): في حديث النزول:"ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة وهم الخوارج والمعتزلة، وهو مكابرة، والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك، وأنكروا ما في الحديث إما جهلاً وإما عناداً ... " (٧).

стр. 967

قلت: هذه كانت نماذج من درر غرر أئمة الإسلام في صفة "النزول" ونصوصها. الحاصل: أنه قد تبين للقراء الكرام في ضوء ما عرضنا من نصوص الأئمة الحنفية وغيرهم من أئمة هذه الأمة ما يلي: ١ - أن تعطيل صفة النزول وتحريف نصوصها أو إنكارها من بدع الجهمية وأذيالهم. ٢ - أن السلف الصالح ولاسيما أئمة الحنفية أبو حنيفة وأصحابه القدامى قد أثبتوا لله تعالى صفة النزول، على منهج إثباتهم للصفات الأخرى بلا تكيف ولا تمثيل ولا تأويل، ولا تعطيل ... ٣ - أن الحنفية الماتريدية مخالفون لإمامهم أبي حنيفة وأصحابه الأوائل والسلف عامة وأنهم خارجون على إجماعهم وليس لهم أي صلة بعقيدتهم وأنهم أتباع الجهمية الأولى. المقام الثاني: في إبطال شبهاتهم حول نصوص صفة "النزول". لقد عطل طوائف من المعطلة من الجهمية الأولى إلى الماتريدية صفة نزول الله تعالى وحرفوا نصوصها بأنواع من التأويلات والمجاز فراراً عن التشبيه وتحقيقاً للتنزيه على زعمهم. فمن تلك التأويلات: أن المراد نزول الأمر، أو نزول الملك. وركز الكوثري في تحريفاته وتعطيله لصفة النزول على أمور أربعة: الأول: رواية النسائي عن أبي هريرة وأبي سعيد بلفظ: ((إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر منادياً ينادي يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يُعطى)) (١).قال الكوثري: " ... أو أن يحمل الحديث على المجاز في الطرف أو في الإسناد بل الأخير هو المتعين لحديث النسائي المذكور فيخرج حديث النزول من عداد أحاديث الصفات بالمرة عند من فكر وتدبر تعالى الله عن النقلة التي يقول بها المجسمة" (٢). الثاني: رواية عن الإمام مالك رواها حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك قال: "سئل مالك بن أنس عن قول النبي ﷺ ((ينزل ربنا ... )) قال ينزل أمره، كل سحر وأما هو فهو دائم لا يزول وهو بكل مكان".ودافع الكوثري عن "حبيب" هذا (٣).الثالث: رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى رواها عنه حنبل أنه قال "ينزل قدرته" (٤).الرابع: أي لفظ الحديث: "يُنْزِل" بضم أوله وكسر الزاي المعجمة من باب الإفعال على حذف المفعول: أي ينزل ملكاً، ويقويه حديث النسائي ((ثم يأمر منادياً)) (٥) (٦). قلت: هذه أربعة معاول للكوثري وقَبْلَه لطوائف المعطلة من الماتريدية وغيرهم هدموا بها نصوص صفة "النزول" وعطلوها بها. ولنا عن هذه الشُّبَهِ جوابان إجمالي وتفصيلي: أما الإجمالي: فنقول: لقد حققنا بالبراهين القاطعة الساطعة الناصعة أن تأويل الصفات أولاً: دخيل على المسلمين من الجهمية الأولى وليس ذلك من منهج السلف في شيء وأنه بدعة محضة في الإسلام ومخالف لإجماع أئمة هذه الأمة، ولاسيما نصوص الإمام أبي حنيفة وأصحابه الأوائل.

стр. 968

وثانيا: أن التأويل تحريف لنصوص الصفات والتحريف ميراث اليهود. وثالثاً: أن التأويل تعطيل لصفات الله العليا وإبطالها حتى بنص الإمام أبي حنيفة، إلى غيرها من الوجوه التي ذكرناها لإبطال التأويل. وقد ذكر شيخ الإسلام والإمام ابن القيم وجوها كثيرة لإبطال تأويل صفة النزول وأن أحاديث النزول نصوص صريحة لا تحتمل التأويل. وأما الجواب التفصيلي: فنجيب عن الشبهة الأولى: أولاً: أن رواية النسائي: ((يأمر منادياً ينادي ... )) رواية شاذة مخالفة لما استفاض وتواتر وتلقته الأمة بالقبول من أن القائل: ((من يدعوني .. من يسألني، من يستغفرني ... )) هو الله تعالى الذي استوى على عرشه فوق عباده العالي على خلقه وأن الذي ينزل هو الله تعالى ومن المقرر في علم مصطلح الحديث: "أن الضعيف لا يعل به (١) الصحيح. " فلا يصح كون رواية النسائي هذه حاكمة على اللفظ المتواتر المستفيض المتلقى بالقبول المسجل في أمهات دواوين الإسلام من الصحيحين والسنن والمسانيد وغيرها. ثانياً: أنه لو سلم صحة تلك الرواية فلا منافاة بينها وبين أحاديث نزول الله تعالى، فالله ينزل هو، كما يأمر ملكاً ينادي أيضاً. قال شيخ الإسلام: " ... فإن هذا إن كان ثابتاً عن النبي ﷺ ؛ فإن الرب يقول: ذلك ويأمر منادياً بذلك، لا أن المنادي يقول: ((من يدعوني فأستجيب له))، ومن روى عن النبي ﷺ : أن المنادي يقول ذلك فقد علمنا أنه يكذب على رسول الله ﷺ ، فإنه - مع أنه خلاف اللفظ المستفيض المتواتر الذي تلقته الأمة خلفاً عن سلف - فاسدٌ في المعقول فعلم أنه من كذب بعض المبتدعين ... " (٢). والجواب عن الشبهة الثانية: أن هذه الرواية عن مالك باطلة عاطلة موضوعة مصنوعة فراويها حبيب بن أبي حبيب (٢١٨هـ) قال فيه الإمام أحمد: "كان يكذب. وقال أبو داود: "كان يكذب. وقال أبو داود: "كان من أكذب الناس" وقال النسائي وأبو حاتم والأزدي: "متروك الحديث" وقال ابن حبان: "أحاديثه كلها موضوعة، عامة حديثة موضوع المتن مقلوب الإسناد لا يحتشم في وضع الحديث على الثقات، وأمره بين الكذب" وقال النسائي: "يضع الحديث، متروك، أحاديثه موضوعة عن مالك وغيره". وقال محمد بن سهل: "كتبنا عنه عشرين حديثاً وعرضناها على ابن المديني قال: كله كذب" وقال أبو حاتم: "روي عن ابن أخي الزهري أحاديث موضوعة"، وقال ابن عدي: "أحاديثه كلها موضوعة" (٣).قلت: والكلام فيه واسع الذيل فهل يعتمد الكوثري في تحريف نصوص الصفات وتعطيلها بمثل هؤلاء الكذابين الوضاعين؟؟!! وهذه حقيقة اعترف بها عبدالله الغماري صديق (٤) الكوثري ومشربيُّه في البدع. وقال الإمام ابن القيم: " ... ؛ فإن المشهور عنه - (أي مالك) - وعن أئمة السلف إقرار نصوص الصفات والمنع من تأويلها ... وهذه الرواية لها إسنادان أحدهما من طريق حبيب كاتبه، وحبيب هذا غير حبيب، بل هو كذاب وضاع باتفاق أهل الجرح والتعديل، ولم يعتمد أحد من العلماء على نقله، والإسناد الثاني فيه مجهول لا يعرف حاله ... " (٥). والجواب عن الشبهة الثالثة: أن الإمام ابن القيم ﵀ ذكر في الجواب عن هذا الرواية عن الإمام أحمد:

стр. 969

أولاً: أنها رواية شاذة مخالفة لجادة مذهبه وأنها غلط عليه فإن حنبلاً تفرد بها عنه، وهو كثير المفاريد المخالفة للمشهور من مذهبه هذا إذا كان في مسائل الفروع فكيف في أصول العقائد؟ وثانياً: أنه لو سلم صحتها تحمل على أن الإمام قد رجع عنها كما هو صريح منه في أكثر الروايات. وثالثا: أن الإمام قال ذلك على سبيل المعارضة للجهمية القائلين بخلق القرآن، فإنهم لما استدلوا بإتيان القرآن على أنه مخلوق فعارضهم الإمام أحمد إسكاتاً لهم وإلزاماً عليهم أن المراد إتيان ثوابه كما أنكم تقولون في إتيان الله "إتيان أمره" لا أنه يعتقد ذلك، والمعارضة لا تستلزم اعتقاد المعارض صحة ما عارض به (١). والله أعلم. والجواب عن الشبهة الرابعة: أن تحريف "يَنْزِل" إلى "يُنْزِل" ليس إلا من تحريفات اليهود الكذابين الأفاكين البهاتين على الأنبياء والمرسلين، إن لم نقل أنه شر من تحريفاتهم. فلم يوجد لفظ "يُنزِلُ" في شيء من كتب السنة ولم يروه أحد من أئمة السنة فليس هذا من حديث سيد المرسلين الذي لا يكون إلا وحياً من رب العالمين بل هو "يُنْزِلُ" من وحي الشيطان لا من وحي الرّحمن؛ فقد انقطع الوحي إلا وحي الشياطين شياطين الفلاسفة والمتكلمين. قال شيخ الإسلام: " ... يعلم أنه من كذب بعض المبتدعين كما روى بعضهم: "يُنْزِل" بالضم، وكما قرأ بعضهم وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] ونحو ذلك من تحريفهم اللفظ والمعنى" (٢). الحاصل: أن هذه التأويلات كلها من تأويلات الجهمية الأولى التي ورثتها أذيالهم من المعتزلة والماتريدية وغيرهم. قال شيخ الإسلام: "وهذا تأويل من تأويلاتهم القديمة فإنهم تأولوا تكليم الله لموسى، بأنه أمر ملكاً فكلمه .... " (٣).وقال: "والصواب أن جميع هذه التأويلات مبتَدَعَةٌ لم يقل أحد من الصحابة شيئاً منها، ولا أحد من التابعين لهم بإحسان، وهي خلاف المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث، أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة .... " (٤). قلت: وفيما ذكرنا كفاية ... لمن يطلب الحق ويريد الهداية أما أهل العناد والتخريف ... والمكابرة والهوى والتحريف فلا يُنّبهُهُمْ عن سباتهم إلا نفخةُ الصور ... لأنهم غريقون عريقون في الديجور المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ٣٠/ ٣

стр. 970

المبحث السابع: الرد على الماتريدية في تعطيلهم لصفة "اليدين" لله تعالى وتحريفهم لنصوصها بيان موقف الماتريدية من هذه الصفة: من صفات الله تعالى الثابتة له سبحانه بالكتاب والسنة الصحيحة صفة "اليدين" ومذهبُ الماتريدية فيها تبعاً للجهمية الأولى مذهبٌ تعطيلٍ وتحريفٍ. بشبهة "التشبيه" حيث إنهم فهموا من هذه الصفة ما يفهم من صفات المخلوق فزعموا أن "الوجه" و"العين" و"اليدين" و"اليمين" و"الأصابع" والساق و"القدم" ونحوها أعضاء وجوارح. فلو قلنا بإثبات ذلك يلزم كونه تعالى متبعضاً متجزياً مركباً، وغير ذلك من اللوازم الباطلة. وبناء على هذا الفهم عطلوا هذه الصفة وحرفوا نصوصها إلى أنواع من المعاني المجازية بشتى طرق التأويل. فأما صفة "اليدين"فقد قال الإمام أبو منصور الماتريدي في تأويل "اليدين" في تفسير قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٤] "نعمه مبسوطة" (١). ومن أشنع تحريفاتهم قوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ [ص: ٧٥]. قولهم: "أي خلقته بالذات من غير توسط أب وأم. والتثنية - (تثنية اليد بذكر اليدين) - لإبراز كمال الاعتناء بخلقه ﵊" (٢).وقالوا: المراد من "اليدين" غاية الجود والسخاء (٣).أو المراد: منحه تعالى لنعمتي الدنيا والآخرة (٤).أو كمال القدرة (٥). وأما صفة "اليد":فقالوا: المراد من "اليد" النعمة والقدرة (٦).أو الملك (٧).أو التصرف (٨). وأما صفة "اليمين":فحرفوها إلى "القدرة التامة" (٩).أو "عظمة الله تعالى" (١٠). وأما صفة "الكف":فيحرفونها إلى "التدبير" (١١). وأما صفة الأصابع: فيحرفونها إلى "القدرة" (١٢). وأما صفة "القبضة":فيزعمون أن هذا "مجرد تصوير عظمة الله والتوقف على كنه جلاله لا غير من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقيةٍ أو جهةِ مجاز" (١٣).أو أن هذا تمثيل وتخيل لتخريب العالم من غير اعتبار القبضة، واليمين لا حقيقةً ولا مجازاً" (١٤). هذا هو بيانٌ إجماليٌ لمذهب الماتريدية في هذه الصفات ونصوصها والذي يهمنا هو مناقشتنا إياهم في تعطيلهم لصفة "اليدين" وتحريفهم لنصوصها وبإبطال مذهبهم فيها يظهر بطلان مذهبهم في تلك الصفات الأخرى. فنقول وبالله التوفيق: مناقشتنا للماتريدية من طريقين: إجمالية، وتفصيلية. أما المناقشة الإجمالية: فأولاً: نقول: لقد سبق أن أبطلنا شبهة "التشبيه" في فصل مستقل.

стр. 971

وهي شبهة قديمة للجهمية الأولى واستمرت في أذهان المعطلة إلى يومنا هذا. وهذا هو الدافع للمعطلة على تعطيل صفات الله تعالى وتحريف ونصوصها. ثانياً: نقول: إن ما تشبثوا به - من شبهة أن "اليدين" و"اليد" و"الأصابع" ونحوها جوارح وأعضاء. فلو أثبتنا ذلك لله تعالى يلزم كونه متجزياً متبعضاً متركباً ذا أبعاض وجوارح وأعضاء - باطلٌ قطعاً. لما ذكرنا أن كل صفة إذا أضيفت إلى موصوفٍ فهي على ما تناسبه وتستحقه وتلائمه حتى باعترافهم. ومن المعلوم أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام وهي أبعاض لنا، كالوجه، واليدين والرجلين، ونحوها. ومنها ما هي معانٍ وأعراضٌ لنا. كالسمع والبصر والكلام ونحوها. ونحن وأنتم متفقون على أن "علم الله تعالى" و"بصره" و"سمعه" و"كلامه" ونحوها صفاتٌ لله تعالى وليست أعراضاً له تعالى. فكذلك قولوا: في "الوجه" و"اليدين" و"الأصابع" ونحوها: إنها صفاتٌ لله تعالى وليست أجساماً ولا جوارح ولا أبعاضاً وأعضاء له . وإلا يلزمكم أن تقولوا: إن "سمع الله تعالى"، و"بصره" و"علمه" و"قدرته" ونحوها أعراضٌ قائمةٌ بالله تعالى. فإذا كنتم لا تعطلون تلك - فلم تعطلون هذه؟. وإذا عطلتم هذه - يلزمكم أن تعطلوا تلك أيضاً. لأن الشبهة المذكورة قائمة من النوعين على السواء: ثالثاً: نقول: لقد بينا تفصيلاً في فصل التأويل أن مقالة تأويل الصفات بدعة في الإسلام وخروج على إجماع سلف هذه الأمة وأئمة السنة، وأنها في الأصل مقالة الكفار راجت على بعض المسلمين من طريق الجهمية الأولى، وأنها تستلزم تعطيل صفات الله تعالى وتحريف نصوصها، وأنها باب إلى زندقة القرامطة الباطنية وإلحادهم، مع كون تعطيل صفات الله تعالى وتحريف نصوصها زندقةً وإلحاداً أيضاً. وأما المناقشة التفصيلية: فنقف فيها مع الماتريدية وقفات: الوقفة الأولى: أننا قد ذكرنا نصوص الإمام أبي حنيفة (١٥٠هـ) وكبار أئمة الماتريدية، كفخر الإسلام البزدوي (٤٨٢هـ) وشمس الأئمة السرخسي (٤٩٠هـ) وحافظ الدين النسفي (٧١٠هـ) وعلاء الدين البخاري (٧٣٠هـ) وأبو المنتهى المغنيساوى (كان حيا سنة (٩٣٩هـ) والملا على القاري (١٠١٤هـ) وشيخ زاده (١٠٧٨هـ) والعلامة الكشميري (١٣٥٢هـ) على أن تأويل "اليد" بالقدرة أو بالنعمة، يستلزم محذورين: أحدهما: أنه قول أهل القدر والاعتزال، وليس من قول أهل السنة في شيء. ثانيهما: أنه إبطال لصفة الله تعالى "اليد" وهو تعطيل وتحريف. فلا حاجة إلى إعادتها. وفي ذلك عبرة بالغة للماتريدية لو كانوا يعلمون. فإن نصوص الأئمة الحنفية وعلى رأسهم الإمام أبو حنيفة صريحة بأن من أول صفةً بصفةٍ أخرى فقط عطل وحرف وخرج من أهل السنة والجماعة والتحق بالجهمية. فهل يمكن لأحد أن يعد الماتريدية وخلطائهم في عداد أهل السنة والجماعة؟؟. الوقفة الثانية: أن الماتريدية وزملاءهم الأشعرية اشترطوا في صحة التأويل أن يكون موافقاً للغة العربية وإلا يكون تحريفاً قرمطياً محضاً. فنقول لهم: في ضوء اعترافهم أن تأويلاتكم لصفة "اليدين" ونحوها، وتحريفها إلى النعمة والقدرة ونحوها، من قبيل تأويلات الباطنية، ولا تساعدها اللغةُ البتة. بل ورود الكف، والأصابع، والقبضة، واليمين، ولفظ اليدين بصيغة التثنية، ولفظة "بيدي" بعد لفظة "خلقت" يمنع إرادة التأويل ويدفع المجاز ويعين إرادة الحقيقة بلا شك. ولأجل هذه النكتة استدل أئمة السنة بعدة أحاديث على إثبات اليدين حقيقةً لله تعالى ()، فإنه لم يرد لفظه "اليد" فقط بل ورد معها ما يتعلق باليد من الكف، والقبضة، والأصابع، واليمين، كما ورد "اليدان" بصيغة التثنية. ولا يقال في اللغة العربية: "علمته بيديّ" إلا إذا باشر ذلك العمل بيديه.

стр. 972

والكلام يحمل على الحقيقة على ما هو الأصل ولو لم يكن قرائن الحقيقة، فكيف إذا تظافرت القرائن الموجبة لحمله على الحقيقة. وإلا لكان هذا مستلزماً لإفساد نظام اللغة وإبطال التفاهم بين الناس وقلب الحقائق وتبديل الشرائع وهذا هو هدف الباطنية. وإليك أيها القارئ الكريم نصوصاً لبعض كبار الأئمة الذين يعترف الماتريدية بفضلهم لتكون شاهدةً لما قلنا وحجةً قاهرة باهرةً على الماتريدية: ١ - قال الإمام أبو الحسن الأشعري (٣٢٤هـ) بعد ما ذكر أدلة كثيرة على إثبات اليدين لله تعالى: " ... ولا يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: "عملت كذا بيدي" ويعنى به النعمة، وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوما في كلامها، ومعقولاً في خطابها وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: "فعلت بيدي" ويعني به النعمة - بطل أن يكون معنى قوله تعالى: بِيَدَيَّ النعمة. وذلك أنه لا يجوز أن يقول: القائل: "لي عليه يدي" بمعنى لي عليه نعمتي"، ومن دفاعنا عن استعمال اللغة، ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها - دوفع عن أن تكون "اليد" بمعنى "النعمة"، إذ كان لا يمكن أن يتعلق في أن "اليد" "النعمة" إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت "اليد" "نعمة" من قبلها، لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: بِيَدَيَّ بنعمتي؛ فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: "بيديّ" "نعمتيّ"، وإن لجأ إلى وجه ثالث وسألناه عنه، ولن يجد له سبيلاً ... " (١). قلت: قد تقدم مراراً أن الحنفية ومنهم الكوثرية ذكروا الإمام الأشعري في عداد الحنفية فلا أدري ماذا يصنعون به على يرمونه بالوثنية والتجسيم والتشبيه؟؟!!.٢ - الإمام القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (٤٠٣هـ) الذي يعظمه الكوثري بأنه لسان الأمة وسيف السنة، وأنه لا يوجد في كلامه مجازاةٌ للحشوية وإيهام التجسيم والتشبيه، بل هو من الصرحاء في التنزيه البات (٢). فقد ذكر تأويلات الجهمية وتحريفاتهم لصفة "اليدين" ثم قال: "يقال لهم: هذا باطل لأن قوله "بيدي" يقتضي إثبات اليدين هما صفة له فلو كان المراد بها القدرة لوجب أن يكون له قدرتان. وأنتم لا تزعمون أن لله سبحانه قدرة واحدة فكيف يجوز أن تثبتوا له قدرتين؟؟ وقد أجمع المسلمون من مثبتي الصفات والنافين لها على أنه لا يجوز أن يكون له تعالى قدرتان فبطل ما قلتم. وكذلك لا يجوز أن يكون الله تعالى خلق آدم بنعمتين، لأن نعم الله تعالى على آدم وعلى غيره لا تحصى. ولأن القائل: لا يجوز له - أن يقول: رفعت الشيء بيدي أو وضعته بيدي أو توليته بيدي وهو يعني "نعمته". وكذلك لا يجوز أن يقال: "لي عند فلان يدان" يعني "النعمتين" وإنما يقال: "لي عنده يدان بيضاوان"، لأن القول: "يد" لا يستعمل إلا في اليد التي هي صفة للذات. ويدل على فساد تأويلهم أيضاً أنه لو كان الأمر على ما قالوه، لم يغفل عن ذلك إبليس وعن أن يقول: "وأي فضل لآدم عليّ يقتضي أن أسجد له؟ وأنا أيضاً بيدك خلقتني التي هي قدرتك، وبنعمتك خلقتني. وفي العلم بأن الله تعالى فضل آدم عليه بخلقه بيديه دليل على فساد ما قالوه" (٣).

стр. 973

قلتُ: هذا هو كلام الباقلاني الذي ليس عنده مجاراة للحشوية وهو صريح في التنزيه البات عند الكوثري، وقد عرفت أنه صريح في إثبات "اليدين" لله تعالى.٣ - ومثله كلام مهم للإمام أبي الحسن علي بن خلف الكبري المعروف بابن بطال (٤٤٩هـ) ذكر نص كلامه الحافظ ابن حجر وأقره (١). ٤ - وقال الإمام أبو محمد عبدالواحد السفاقسي المالكي المعروف بابن التين (٦١١هـ):"قوله: "وبيده الأخرى الميزان" يدفع تأويل اليد هنا بالقدرة، وكذا قوله في حديث ابن عباس رفعه: ((أول ما خلق الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين)) الحديث (٢).وقريب من كلام هؤلاء كلام ابن فورك والبيهقي (٣) ولعل كلامهم مأخوذ من كلام ابن خزيمة (٤). فهؤلاء كلهم يثبتون صفة اليدين له تعالى بدون تأويل، فهل هؤلاء مشبهة وثنية؟. الوقفة الثالثة: في ذكر بعض النصوص القرآنية والحديثية الدالة على تحقيق صفة "اليدين" التي لا تحتمل المجاز إطلاقاً. والتي استدل بها كبار أئمة الإسلام وأساطين الكلام الذين يعظمهم الماتريدية ولا يمكن لهم أن يرموهم بالوثنية والتجسيم والتشبيه، على أقل التقدير. أمثال البخاري (٢٥٦هـ) والأشعري (٣٢٤هـ) والباقلاني (٤٠٣هـ) وابن فورك (٤٠٦هـ) والبيهقي (٤٥٨هـ) لتتم الحجة على الماتريدية ولا يبقى لهم عذر. أ- فمن كتاب الله تعالى: ١ - قوله في الرد على اليهود: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء [المائدة: ٦٤]. فهذه الآية الكريمة صريحة في إثبات "اليدين" له تعالى، كما تدل على أن اليهود كانوا معترفين بإثبات اليد لله تعالى غير أن الله تعالى رد عليهم في نسبتهم النقص إلى يد الله تعالى بأنها مغلولة فقال: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:٦٤] فكذبهم في مقالتهم. قال الإمام ابن خزيمة (٣١١هـ) "وافهم ما أقول من جهة اللغة تفهم وتستيقن أن الجهمية مبدلة لكتاب الله، لا متأولة قوله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:٦٤] لو كان معنى "اليد" النعمة - كما ادعت الجهمية - لقرئت: (بل يداه مبسوطة)، أو منبسطة، لأن نعم الله أكثر من أن تحصى، ومحال أن تكون نعمة نعمتين لا أكثر - فلما قال : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:٦٤] كان العلم محيطاً أنه أثبت لنفسه يدين لا أكثر منها ... بيقين يعلمُ كل مؤمن أن الله لم يرد بقوله: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ أي غلت نعمهم لا ولا اليهود أن نعم الله مغلولة، وإنما رد الله عليهم مقالتهم وكذبهم في قولهم: يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ وأعلم المؤمنين أن يديه مبسوطتان" (٥). ٢ - قوله تعالى: يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ [ص: ٧].

стр. 974

فهذه الآية صريحة في إثبات اليدين لله على الحقيقة وتمنع احتمال كل تأويل ومجاز قال الإمام ابن خزيمة: "وزعم بعض الجهمية أن معنى قوله: "خلق الله آدم بيديه": أي بقوته فزعم أن "اليد" هي القوة، وهذا من التبديل أيضاً، وهو جهل بلغة العرب، والقوة إنما تسمى "الأيد" في لغة العرب، لا "اليد" فمن لا يفرق بين "الأيد" و"اليد" فهو إلى التعليم والتسليم إلى الكتاتيب أحوج منه إلى الترؤس والمناظرة. قد أعلمنا الله أنه خلق السماء بأيد، و"اليد واليدان" غير "الأيد" إذ لو كان الله خلق آدم بأيد كخلقه السماء دون أن يكون الله خص خلق آدم بيديه لما قال: لإبليس مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ. ولا شك ولا ريب أن الله قد خلق إبليس - عليه لعنة الله - أيضاً بقوته، أي إذا كان قوياً على خلقه فما معنى قوله: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:٧٥]؟.عند هؤلاء المعطلة، والبعوض، والنمل، وكل مخلوق فالله خلقهم عنده بأيد وقوة" (١). ٣ - قوله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: ٦٧]. فهذه الآية تدل دلالة واضحة على إثبات اليمين لله تعالى كما تدل على إثبات يده الأخرى بطريق الإشارة وكلتا يدي ربنا يمين وسياق هذه الآية أيضاً لا يحتمل التأويل والمجاز، ونكتفي بذكر هذه الآيات الثلاثة وإلا فالآيات في الباب كثيرة. قال الإمام ابن خزيمة: "وزعمت الجهمية المعطلة، أن معنى قوله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:٦٤] أي النعمتان، وهذا تبديل لا تأويل. والدليل على نقض دعواهم هذه أن نعم الله كثيرة لا يحصيها إلا الخالق الباري، ولله يدان لا أكثر منهما ... فمن زعم أنه خلق آدم بنعمته كان مبدلاً لكلام الله تعالى. وقال الله : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:٦٧]. أفلا يعقل أهل الإيمان: أن الأرض جميعاً لا تكون قبضةَ إحدى نعمتيه يوم القيامة، ولا أن السموات مطويات بالنعمة الأخرى؟.ألا يعقل ذوو الحجا من المؤمنين، أن هذه الدعوى التي يدعيها الجهمية جهل أو شر من الجهل؟!! بل الأرض جميعاً قبضة ربنا جل وعلا بإحدى يديه يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، وهي اليد الأخرى وكلتا يديه يمين" (٢). هذه كانت نماذج من النصوص القرآنية الصريحة في إثبات صفة "اليدين لله تعالى التي لا تقبل التأويل. ب- من السنة الصحيحة المحكمة الصريحة:١ - قوله ﷺ من حديث أنس في الشفاعة الكبرى: ((يا آدم أما ترى الناس خلقك الله بيديه، وأسجد لك ملائكته)) (٣). الحديث.٢ - وقوله ﷺ في تحاجّ آدم وموسى ﵉: ((قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده)) (٤).٣ - وقوله ﷺ : ((يد الله ملأى)) (٥) وفي رواية ((يمين الله)) ((لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ... وبيده الأخرى الميزان، يخفض ويرفع)) (٦).٤ - وقوله ﷺ : ((يقبض الله الأرض، ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟)) (٧). ٥ - ومثله من حديث ابن عمر ﵄.٦ - وقوله ﷺ : ((ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فُولُوُّه أو فصيله)) (٨).٧ - وقوله ﷺ : ((تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر، نزلاً لأهل الجنة)) (٩). الحديث. المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ٣/ ٥١

стр. 975

المبحث الثامن: الرد على الماتريدية في تعطيلهم لصفة الكلام لقد سبق أن ذكرنا أن الدافع للماتريدية وغيرهم من فرق المعطلة على تعطيل صفات الله تعالى ومنها صفة "الكلام". وهو أنهم فهموا منا ما يُفْهَمُ من صفات الخلق. ١ - فظنوا أن الكلام لا يكن إلا بآلة وجارحة من لسان وشفتين وفم والأسنان والحلق، وهذه الشبهة هي بعينها التي عرضت للجهم إمام الجهمية، بشهادة الإمام أحمد. ٢ - وتبعهم في ذلك الماتريدية، فقالوا: لو ثبت لله تعالى الكلام اللفظي لزم كون الله محلاً للحوادث والأعراض. ولا يخلو أن يكون المسموع عرضاً (١).وهذه الحروف مخلوقة لأنها أصوات وهي أعراض لا دوام لها وهي قائمة بمحالها التي هي اللسان واللهوات والحلق (٢).٣ - الحلق هذا الوهم الفاسد عطلوا صفة "الكلام" وحرفوا نصوصها بأن المراد من الكلام "الكلام النفسي" لا "الكلام اللفظي" (٣). ٤ - وتعريف الكلام النفسي عندهم:"ما هو قائم بالله بشيء واحد ليس له بعض ولا عدد ولا له نهاية ولا بداءة" (٤).وهو المعنى القائم بذات المتكلم، وهو المعنى الذي يدبره المتكلم في نفسه ويعبر عنه بهذه الألفاظ المتركبة عن الحروف ... وهذه العبارات ليست بكلام وإجراؤها على اللسان ليس بتكلم، بل هي عبارات عن الكلام والكلام ... هو المعنى القائم بالنفس غير أن هذه العبارات تسمى كلاماً لدلالتها على الكلام ... (٥). "إن الله تعالى متكلم بكلام واحد وهو صفة له أزلية ليست من جنس الحروف والأصوات، وهي صفة منافية للسكوت والآفة. والله متكلم بها آمر، ناه مخبر، وهذه العبارات دالة عليها. وتسمى العبارات كلام الله تعالى على معنى أنها عبارات عن كلامه الأزلي القائم بذاته وهو المعنى بقولنا القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق (٦) وقالوا: إن الله لم يتكلم بكلمة "كن" بل المراد سرعة التكوين. وقالوا: "صانع العالم متكلم بكلام واحد أزلي قائم بذاته ليس من جنس الحروف والأصوات غير متجزئ مناف للسكوت والآفة والخرس. وهو به آمرناه مخبرٌ ... ، وهذه العبارات مخلوقة لأنها أصوات وهي أعراض، وسميت كلام الله لدلالتها عليه.

стр. 976

-والكلام النفسي- إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن، وإن عبر عنه بالعبرية فهو توراة، وإن عبر عنه بالسريانية فهو إنجيل. فاختلفت العبارات لا الكلام، كما نسمي الله بعبارات مختلفة، مع أن ذاته واحدة" (١).٥ - وأن القرآن الكريم العربي مخلوق بل مخلوق (٢) لفظه ومعناه (٣). ٦ - ويقولون: لا يجوز أن يقال: القرآن غير مخلوق. لئلا يتبادر الذهن إلى الألفاظ والحروف. بل يقال: القرآن كلام الله غير مخلوق. فيكون الحكم بكونه غير مخلوق على "كلام الله" لا على "القرآن". قال أبو المعين النسفي (٥٠٨هـ): " ... وهذه الألفاظ تسمى قرآناً، وكلام الله ليُؤدَّى كلام الله تعالى بها، وهي في أنفسها مخلوقة، والكلام الذي هو صفة الله تعالى ليس بمخلوق. ومشايخنا من أئمة سمرقند - الذين جمعوا بين علم الأصول والفروع - كانت عبارتهم في هذا أن يقولوا: "القرآن كلام الله وصفته، وكلام الله غير مخلوق، وكذا وصفه "ولا يقولون على الإطلاق: "إن القرآن ليس بمخلوق".لئلا يسبق إلى وهم السامع أن هذه العبارات المتركبة من الحروف والأصوات ليست بمخلوقة، كما يقوله الحنابلة ... (٤).قلت: فالقرآن عندهم قرآنان قرآن بمعنى الكلام النفسي، وهو غير مخلوق، وقرآن موجود عند الناس وهو الحروف فهو حادث مخلوق (٥). وقال التفتازاني فيلسوف الماتريدية (٢٧٩هـ) بدون حياء جهاراً دون إسرارٍ في شرح كلام عمر النسفي: "والقرآن كلام الله تعالى غير مخلوق". "وعقب القرآن بكلام الله تعالى لما ذكر المشايخ (أي الماتريدية) - من أنه يقال: "القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق" ولا يقال: "القرآن غير مخلوق".

стр. 977

لئلا يسبق إلى الفهم أن المؤلف من الأصوات والحروف قديم، كما ذهبت إليه الحنابلة جهلاً وعناداً؛ وأقام - (النسفي) - غير المخلوق "مقام" غير الحاديث "تنبيهاً على اتحادهما ... " (١).٧ - ويقولون بدون حياء ولا حشمة: إنه لا خلاف بينهم وبين المعتزلة في كون القرآن مخلوقاً، وإنهم جميعاً متفقون على القول بخلق القرآن (٢).٨ - غير أن المعتزلة لا يعترفون بالكلام النفسي (٣). قال التفتازاني (٧٩٢هـ) فيلسوف الماتريدية، والكوثري مجددهم."وتحقيق الخلاف بيننا وبينهم - (أي المعتزلة) - يرجع إلى إثبات الكلام النفسي، ونفيه، وإلا فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف – (ولا بعدم كونها مخلوقة) - وهم لا يقولون بحدوث الكلام النفسي" (٤). وقال متكلم الماتريدية الهندية عبدالعزيز الفريهاري كان حياً (١٢٣٩هـ) لتحقيق الأخوة بين الماتريدية وبين المعتزلة: "وإن لم يختلف الفريقان في إثبات النفسي ونفيه فلا نزاع، فإنا إذا قلنا: "القرآن غير مخلوق" أردنا النفسي. وإذا قلنا: "القرآن مخلوق" أردنا اللفظي. فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف. بل بحدوثه كما قالت المعتزلة. وهم لا يقولون بحدوث النفسي. بل ينكرون وجوده، ولو ثبت عندهم لقالوا بقدمه مثل ما قلنا. فصار محل البحث، هو أن النفسي ثابت أم لا؟ " (٥).٩ - وقالوا بدون حياءٍ جهاراً دون إسرارٍ: "إن الكلام يطلق على الكلام النفسي فمعنى كونه كلام الله أنه صفته، ويطلق على اللفظي الحادث المؤلف من السور والآيات ومعنى إضافته إلى الله: أنه مخلوق لله ليس من تأليفات المخلوقين" (٦). وقال الفريهاري: في توجيه إضافة القرآن إلى الله تعالى ومعنى كونه كلام الله، مفسراً لكلام التفتازاني."أراد - (يعني التفتازاني) - أنه - (أي القرآن) - مخلوقٌ لله تعالى، بلا توسط كاسب من المخلوقين إما بإيجاد الصوت حتى يسمعه الملك أو الرسول، وإما بإيجاد النقوش في اللوح، وإما بخلق إدراك الحروف في قلب الملك أو الرسول وإما بخلق الحروف في لسانه بلا اختياره" (٧). بل صرح أبو المعين النسفي (٥٠٨هـ) بأن الله تعالى خلق صوتاً وحروفاً فأسمع جبريل كلامه بذلك الصوت والحروف فحفظه جبرائيل ونقله إلى النبي ﷺ . وكلام الله قديم لا بحرف ولا صوت (٨).

стр. 978

وقال الكوثري مجدد الماتريدية ورافع لواء الجهمية والقبورية:"والواقع أن القرآن في اللوح المحفوظ وفي لسان جبريل ﵇ وفي لسان النبي ﷺ وألسنة سائر التالين وقلوبهم وألواحهم مخلوق ... " (١).وهكذا سايرهم الشيخ محمد عبده ماتريدي الأزهر (٢). قلت: هذا شبيه بكلام الكفار للنبي ﷺ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر:٢٥].وقالوا: إن القرآن الكريم ليس كلام الله على الحقيقة وإنما هو كلام مجازيٌ؛ لأنه دال على كلام الله النفسي، فالكلام الحقيقي هو ذلك النفسي وأما اللفظي هو عبارة عنه (٣). وقال أبو اليسر البزدوي (٤٩٣هـ). "كلام الله تعالى قائم به وكذا كلام كل متكلم. وهذه السور التي لها نهاية وبداية وعدد وأبعاض. ليس بكلام الله تعالى على الحقيقة. بل هو منظوم نظمه الله تعالى وهو دال على كلام الله تعالى. كمنظوم "امرئ القيس". قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل منظوم امرئ القيس "دال على كلامه، وليس هو كلامه، وكذا خطبة كل خطيب ورسالة كل مرسل منظوم دال على كلامه وليس نفس كلامه كذا هذا" ثم صرح بأن القرآن مخلوق في اللوح أو في ملك وهو كلام الله مجازاً لا حقيقة (٤). ١٠ - واستدلوا لتحقيق الكلام النفسي ببيت مصنوع موضوع على العرب والعربية - منسوب إلى الأخطل النصراني الكافر المختل العقل المضطرب الكلام. إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا (٥) وقبله: لا يعجبنك من أمير خطبة ... حتى يكون مع الكلام أصيلا (٦) ١١ - وإذا قرروا القول بأن كلام الله هو الكلام النفسي الذي ليس بحرف ولا صوت - قالوا باستحالة سماع كلام الله تعالى. وصرحوا بأن موسى ﵇ لم يسمع كلام الله تعالى. وإنما سمع صوتاً مخلوقاً في الشجرة.

стр. 979

وقالوا: إنما سِمّى موسى ﵇ "كليم الله" لأنه سمع صوتاً دلاً على كلام الله بدون واسطة الملك. وتقدم الكلام على هذا.١٢ - وبهذا تبين فساد زعم العلامة الآلوسي أن الماتريدي يرى أن موسى ﵇ سمع كلام الله بحرف وصوت (١) لأن الماتريدي والماتريدية لا يجوزون حرفاً، ولا صوتاً في كلام الله ولا سماعه. ولذا ذكر الإمام ابن أبي العز: أن أبا منصور الماتريدي يرى أن كلامه تعالى يتضمن معنى قائماً بذاته هو ما خلقه في غيره (٢). ١٣ - وإذا قرروا القول بخلق القرآن. قالوا بخلق أسماء الله الحسنى بطبيعة الحال. وتقدم ذلك أيضاً. ١٤ - وإذا قرروا ما سبق. فطبيعة الحال لا يثبتون لله تعالى صفة "التكليم" ولا صفة "التكلّم" ولا صفة "النداء" ولا صفة "الصوت" بالمعاني المتعارفة الحقيقية المتبادرة إلى الإذهان السليمة بل لابد لهم من أن يحرفوا نصوصها إلى "الكلام النفسي". ١٥ - الحاصل: أن موقف الماتريدية من صفة "كلام" الله تعالى مركب من إلحاد على إلحاد وبدعة على بدعة، وتعطيل على تعطيل. وكانت الجهمية الأولى اكتفوا ببدعة واحدة وهي بدعة القول بخلق القرآن. ١٦ - ولكن الماتريدية جمعوا بينها وبين بدعة أخرى وهو القول بالكلام النفسي. ١٧ - وارتكبوا مع جمعهم بين هاتين البدعتين الشنيعتين شناعة وفظاعة أخرى وهي تحريف نصوص الكتاب والسنة بل تصريحات سلف هذه الأمة وأئمة السنة إلى بدعة "الكلام النفسي". ١٨ - وامتازت الماتريدية عن خلطائهم الأشعرية ببدعة رابعة وهي بدعة القول بعدم جواز سماع كلام الله تعالى. ١٩ - ولهم ميزة أخرى لا توجد عند عامة زملائهم الأشعرية وهي أنهم أصرح وأجهر بالقول بخلق القرآن، فقد تقدم أن القرآن عندهم قرآنان: قرآن بمعنى الكلام النفسي، فهذه صفة لله تعالى غير مخلوقة. وقرآن بمعنى الكلام اللفظي فمعنى كونه كلام الله أنه تصنيف لله ومخلوق له مباشرة بدون واسطة. ومعنى كون موسى كليم الله أنه سمع صوتاً مخلوقاً بلا واسطة الملك أما بقية الأنبياء فهم سمعوا الأصوات المخلوقة بالواسطة. أما الأشعرية، فربما تعلوهم الحشمة وتأخذهم التقية ويمنعهم الحياء من الجهر بالقول بخلق القرآن فاكتفوا بالقول بخلق القرآن في مقام التعليم ليجعلوا أطفالهم وتلاميذهم أشعرية جهمية (٣). أما الماتريدية فلا يبالون بمقام التعليم ليجعلوا أطفالهم وطلابهم ماتريدية جهمية بلا حشمة ولا تقية ولا حياء. ٢٠ - فهم أولى بالجهمية الأولى وأبعد من الإمام أبي حنيفة وأصحابه القدامى وغيرهم من أهل السنة في هذا الباب. كيف لا وغالب أئمة الجهمية كانوا من الحنفية بشهادة الإمام أحمد واعتراف الكوثري، وفيهم أمثال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة (٢١٢هـ) الكذاب البهات على أبيه وجده وبشر المريسي (٢٢٨هـ) رافع لواء الجهم بعده، وإمام المريسية. وابن شجاع البلخي (٢٦٦هـ) الوضاع الأفاك الذي فعل الأفاعيل وارتكب الأباطيل. وابن سينا القرمطي (٤٢٨هـ) وعلى آخرهم الكوثري (١٣٧١هـ). ومن سايره من الكوثرية وبعض الديوبندية. وبعد أن عرفنا مذهب الماتريدية في "كلام الله" تعالى ننتقل إلى المقامات الآتية لبيان بطلان مذهبهم هذا والله المستعان على ما يصفون. المقام الثاني: في إبطال الكلام النفسي:

стр. 980

القول بالكلام النفسي من إحدى حماقات أهل الكلام ومحاولاته كالقول بالأحوال والقول بنفي علو الله تعالى، والقول بأن ما وراء العالم لا خلاء ولا ملاء وغيرها مما صدر عن هؤلاء السفهاء مجانين العقلاء وهي خزعبلات لا تصدر عن عقلاء المجانين فضلاً عن العقلاء ولا يقرها عقل ولا نقل، ولا إجماع، ولا عرف ولا لغة ولا فطرة. ومن تلك الأباطيل قولهم ببدعة "الكلام النفسي" وهو باطل من وجوه متعددة نذكر منها ما يلي: الوجه الأول إلى الوجه السابع: أن "الكلام النفسي" الذي ذكروه ووصفوه شيء لا يقره عقل صريح ولا نقل صحيح، ولا فطرة سليمة، ولا إجماع بني آدم، ولا عرف، ولا لغة مع كونه قولاً متناقضاً في نفسه ومذهباً مضطرباً من أصله وهو أمر لم يتصوره أصحابه فضلاً عن أن يثبتوه فهذه ستة وجوه. ولم يعرفه أحد من بني آدم: لا عربهم، ولا عجمهم، ولا مسلمهم، ولا كافرهم، ولا علماؤهم، ولا جهالهم، ولا رجالهم، ولا نساؤهم، ولا الأنبياء والمرسلون، ولا الصحابة والتابعون، ولا الفقهاء والمحدثون، بل ولا الفلاسفة اليونانية، ولا المعتزلة، ولا الجهمية؛ فلم يعرفه أحد عبر القرون والأعصار ولا قاله أحد من أهل القرى والأمصار. وأول من عرف عنه القول بالكلام النفسي هو ابن كلاب (بعد ٢٤٠هـ). وأنكر عليه أهل السنة وأهل البدعة جميعاً لكونه قولاً ثالثاً بين قولين، خارقاً لإجماع الفريقين. ثم دبت هذه البدعة الدهماء الظلماء الشنعاء إلى الماتريدية والأشعرية لأن بني آدم جميعاً قبل هؤلاء وبعدهم كانوا يفهمون أن الكلام هو اللفظ الدال على المعنى وأن يكون بحرف وصوت يسمع، وهذا بمجموعه وجه سابع، فهذه وجوه سبعة. وفيما يلي بعض نصوص أئمة السنة لتفصيل هذه الوجوه السبعة الدالة على إبطال هذه البدعة: ١ - قال الحافظ أبو نصر السجزي الوائلي الحنفي (٤٤٤هـ). "اعلموا - أرشدنا الله وإياكم - أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب (٢٤٠هـ) والقلانسي والأشعري (٣٢٤هـ) وأقرانهم. - الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة وهم معهم بل أخس حالاً منهم في الباطن - (في) - أن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً ذا تأليف واتساق. وإن اختلفت به اللغات. وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلموا في العقليات. وقالوا: "الكلام حروف متنسقة وأصوات مقطعة. وقالت: (يعني علماء العربية) - "الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ... ، فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفاً وصوتاً. فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه، وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل - وهم لا يخبرون أصول السنة ولا ما كان السلف عليه. ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعماً منهم أنها أخبار آحاد وهي لا توجب علماً - وألزمتهم المعتزلة الاتفاق على أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف وصوت، ويدخله التعاقب والتأليف وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون. ولابد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض. وما كان بهذه المثابة لا يجوز أن يكون من صفات ذات الله تعالى؛ لأن ذات الله تعالى لا توصف بالاجتماع والافتراق، والكل والبعض والحركة والسكون، وحكم الصفة الذاتية حكم الذات. وقالوا: فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف إلى الله تعالى خلق له أحدثه وأضافه إلى نفسه، كما نقول: "خلق الله، وعبدالله، وفعل الله ... ". فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإلزام، لقلة معرفتهم بالسنن وتركهم قبولها وتسليمهم العنان إلى مجرد العقل. فالتزموا ما قالته المعتزلة، وركبوا مكابرة العيان، وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة: المسلم والكافر. وقالوا للمعتزلة: "الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام.

стр. 981

وإنما سمي ذلك كلاماً مجازاً لكونه حكايةً أو عبارةً عنه. وحقيقة الكلام: معنى قائمُ بذات المتكلم. فمنهم من اقتصر على هذا القدر. ومنهم من احترز عما علم دخوله على هذا الحد فزاد فيه: "ينافي السكوت والخرس والآفات المانعة فيه من الكلام". ثم خرجوا من هذا إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلام الله تجسيم. وإثبات اللغة فيه تشبيه، وتعلقوا بشبهٍ منها قول الأخطل. إن البيان من الفؤاد إنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا فغيروه وقالوا: "إن الكلام من الفؤاد ... ". فألجأهم الضيق مما دخل عليهم في مقالتهم إلى أن قالوا: "الأخرس متكلم، وكذلك الساكت والنائم، ولهم في حال الخرس والسكوت والنوم كلام هم متكلمون به". ثم أفصحوا بأن الخرس والسكوت والآفات المانعة من النطق ليست بأضداد الكلام. وهذه المقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير رد عليه. ومن علم منه خرق إجماع الكافة ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله - لم يناظر بل يجانب ويقمع" (١). ٢ - وقال هذا الإمام السجزي الوائلي الحنفي أيضاً: " ... فإن ارتكبوا العظمى وقالوا: "كلام الله شيء واحد على أصلنا لا يتجزأ، وليس بلغة، والله سبحانه من الأزل إلى الأبد متكلم بكلام واحدٍ لا أول له ولا آخر ... والتكثر - إنما يرجع إلى العبارة لا إلى المعبر عنه". قيل له: قد بينا مراراً كثيرة - أن قولكم في هذا الباب فاسد، وأنه مخالف للعقليين، والشرعيين جميعاً (يعني أهل البدعة وأهل السنة)، وأن نص الكتاب، والثابت من الأثر قد نطقا بفساده. قال الله تعالى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [النحل: ٤٠] فبين الله أنه يقول: للشيء "كن" إذا أراد كونه، فعلم بذلك أنه لم يقل للقيامة بعد: "كوني" ... فبين الله ﷻ : أنه قال لآدم بعد خلقه من تراب: "كن".وأنه إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون ... " (٢).

стр. 982

قلت: أما هؤلاء الجهمية الماتريدية المحرفة فلا يؤمنون بهذا الذي صرح الله تعالى به من قوله "كن".فقد صرح كبيرهم أبو منصور الماتريدي قائلاً: "ليس هو قول من الله أن "كن" بالكاف والنون، ولكنه عبارة بأوجز كلام يؤدي المعنى التام المفهوم .. " (١).وهكذا الماتريدية بعد أبي منصور الماتريدي صرحوا بأنه ليس هناك قول "كن" وإنما هو مجاز وتمثيل عن "سرعة التكوين" (٢).قلت: هذه المقالة والله - تعطيل بواح وتكذيب صراح لكتاب الله وخالفهم فخر الإسلام وقال: كلمة "كن" تكلّم الله بها حقيقة لا مجازا، فشفى واشتفى" (٣).وهذا هو أبو منصور الماتريدي الذي يلقبونه "بإمام الهدى، وعلم الهدى ومصحح عقائد المسلمين، ورئيس أهل السنة، وناصر السنة، وقامع البدعة، ومحيي الشريعة، وقدوة أهل السنة، ورافع أعلام السنة، وقالع أضاليل الفتنة والبدعة، ومهدي هذه الأمة وإمام أهل السنة"، كما تقدم في ترجمته. كما لقبوه "بشيخ الإسلام" (٤).وللإمام أبي الحسن الأشعري (٣٢٤هـ) كلام متقن وحجج عقلية وبراهين سمعية، تقطع دابر هؤلاء المنكرين لقول الله تعالى "كن" (٥). ٣ - وقال شيخ الإسلام: "وفي الجملة: حيث ذكر الله في كتابه عن أحد من الخلق من الأنبياء أو أتباعهم أو مكذبيهم: "أنهم قالوا، ويقولون: وذلك قولهم، وأمثال ذلك - فإنما يعني به "المعنى مع اللفظ، فهذا اللفظ وما تصرف منه من فعل ماض ومضارع وأمر ومصدر واسم فاعل، من لفظ القول والكلام ونحوهما. إنما يعرف في القرآن والسنة وسائر كلام العرب - إذا كان لفظاً ومعنىً وكذلك أنواعه، كالتصديق والتكذيب، والأمر والنهي وغير ذلك. وهذا مما لا يمكن أحداً جحده، فإنه أكثر من أن يحصى. ولم يكن في مسمى "الكلام" نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وتابعيهم لا من أهل السنة، ولا من أهل البدعة. بل أول من عرف في الإسلام أنه جعل مسمى الكلام المعنى فقط. هو عبدالله بن سعيد بن كلاب. وهو متأخر في زمن محنة أحمد بن حنبل. وقد أنكر ذلك عليه علماء السنة وعلماء البدعة. فيمتنع أن يكون الكلام الذي هو أظهر صفات بني آدم. كما قال الله تعالى: فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُون [الذاريات: ٢٣] ولفظه لا تحصى وجوهه كثرةً - ولم يعرفه أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم حتى جاء من قال فيه قولاً لم يسبقه أحداٌ من المسلمين" (٦). ٤ - وقال: "وإذا كان الله إنما أنزل القرآن بلغة العرب. فهي لا تعرف التصديق والتكذيب وغيرها من الأقوال إلا ما كان "معنى ولفظاً"، أو"لفظاً" يدل على معنى ... " (٧).

стр. 983

٥ - وقال شيخ الإسلام أيضاً: بعد ما ذكر هذيانهم في "الكلام النفسي" من "أنه معنى واحد إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن وإن عبر عنه بالعبرية فهو توراة: "وجمهور الناس من أهل السنة والمعتزلة وغيرهم أنكروا ذلك، وقالوا: إن فساد هذا معلوم بصريح العقل. فإن التوراة إذا عربت لم تكن القرآن. ولا معنى "قل هو الله أحد" هو معنى "تبت يدا أبي لهب ... " (١). ٦ - وقال بعد ما ذكر هذيانهم المذكور من "أن الكلام معنى واحد قائم بنفس الله إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية، كان إنجيلاً، وأن القرآن العربي لم يتكلم الله به، بل وليس هو كلام الله وإنما خلقه في بعض الأجسام":"جمهور الناس من أهل السنة وأهل البدعة يقولون: إن فساد هذا القول معلوم بالاضطرار وإن معاني "القرآن" ليست هي معاني "التوراة" وليست معاني "التوراة" المعربة هي "القرآن" ولا "القرآن" إذا ترجم بالعبرية هو "التوراة" ولا "حقيقة" الأمر هي حقيقة "الخبر ... " (٢). ٧ - وقال في إبطال قولهم: "إن الكلام معنى واحد": "فقالوا القول الذي لزمته تلك اللوازم التي عظم فيها نكير جمهور المسلمين بل جمهور العقلاء عليهم، وأنكر الناس عليهم أموراً: أ- إثبات معنى واحدٍ هو الأمر والخبر. ب- وجعل القرآن العربي ليس من كلام الله الذي تكلم به. ج- وأن الكلام المنزل ليس هو كلام الله. د- وأن التوراة والإنجيل والقرآن إنما تختلف عبارتها، فإذا عبر عن "التوراة" بالعربية كان هو "القرآن". هـ- وأن الله لا يقدر أن يتكلم. وولا يتكلم بمشيئته واختياره. ز- وتكليمه لمن كلمه من خلقه - كموسى وآدم - ليس إلا خلق إدراك ذلك المعنى لهم فالتكليم هو خلق الإدراك فقط. ح- ومنهم من يقول: بل كلام الله لا يسمع بحال .... وجمهور العقلاء يقولون: إن هذه الأقوال معلومة الفساد بالضرورة .... ط- وكذلك من قال: لا يتكلم إلا بأصوات قديمة أزلية ليست متعاقبة ... ، فجمهور العقلاء يقولون: إن قول هؤلاء أيضاً معلوم الفساد ... ،ي- من قال: إن الصوت المسموع من القارئ قديم، أو يسمع منه صوت قديم ومحدث فهذا أظهر فساداً من أن يحتاج إلى الكلام عليه ... " (٣). ٨ - وقال شيخ الإسلام أيضاً في صدد إبطاله للكلام النفسي: " ... لأن إثبات كلام يقول بذات المتكلم بدون مشيئته وقدرته غير معقول ولا معلوم، والحكم على الشيء فرع عن تصوره. فيقال للمحتج بها - (أي بالحجة العقلية) - لا أنت ولا أحد من العقلاء يتصور كلاماً يقوم بذات المتكلم بدون مشيئته وقدرته. فكيف تثبت بالدليل المعقول شيئاً لا يعقل؟. وأيضاً فقولك: لو لم يتصف بالكلام لا تصف بالخرس والسكوت". إنما يعقل في الكلام بالحروف والأصوات. فإن الحي إذا فقدها لم يكن متكلماً. فإما أن يكون قادراً على الكلام ولم يتكلم وهو الساكت، وإما أن لا يكون قادراً عليه وهو الأخرس. وأما ما يدعونه من "الكلام النفسي". فذاك لا يعقل أن من خلا عنه كان ساكتاً أو أخرس. فلا يدل - بتقدير ثبوته - على أن الخالي عنه يجب أن يكون ساكتاً أو أخرس. وأيضاً فالكلام القديم "النفساني" الذي أثبتموه. لم تثبتوه ما هو؟ بل ولا تصورتموه. وإثبات الشيء فرع تصوره. فمن لم يتصور ما يثبته - كيف يجوز أن يثبته؟!. ولهذا كان أبو سعيد بن كلاب - رأس هذه الطائفة وإمامها في هذه المسألة - لا يذكر في بيانها شيئاً يعقل. بل يقول: هو معنى يناقض السكوت والخرس. والسكوت والخرس إنما يتصوران إذا تصور الكلام.

стр. 984

فالساكت هو الساكت عن الكلام، والأخرس هو العاجز عنه. أو الذي حصلت له آفة في محل النطق تمنعه عن الكلام. وحينئذ فلا يعرف الساكت والأخرس حتى يعرف الكلام ولا يعرف الكلام حتى يعرف الساكت والأخرس، فتبين أنهم لم يتصوروا ما قالوه ولم يثبتوه. بل هم في "الكلام" يشبهون النصارى في "الكلمة". وما قالوه في "الأقاليم" و"التثليث" و"الاتحاد". فإنهم يقولون: ما لا يتصورونه ولا يبينونه، والرسل ﵈ إذا أخبروا بشيء ولم نتصوره وجب تصديقهم. وأما ما يثبت بالعقل فلابد أن يتصوره العاقل به، وإلا كان قد تكلم بلا علم، فالنصارى تتكلم بلا علم، فكان كلامهم متناقضاً ولم يحصل لهم قول معقول. كذلك من تكلم في كلام الله بلا علم كان كلامه متناقضاً، ولم يحصل له قول يعقل، ولهذا كان مما يشنع به على هؤلاء أنهم احتجوا في أصل دينهم ومعرفة حقيقة الكلام - كلام الله وكلام جميع الخلق - بقول شاعر نصراني يقال له الأخطل ... " (١).قلتُ: لقد صدق شيخ الإسلام المطلع على أقوال المتكلمين - فقد اعترف الآمدي (٦٣١هـ) الذي لقبوه بسيف الدين: بأن الجواب عن الإشكالات الواردة على الكلام النفسي مشكل (٢). وهكذا حال الماتريدية في تناقضهم واضطرابهم وعجزهم عن إقامة حجة صحيحة على "الكلام النفسي". ويشهد لما ذكرناه ما يلي من الأمور: الأول: أن الجرجاني (٨١٦هـ) قد فر من إثبات الكلام النفسي بالمعنى الذي تريده عامة الماتريدية واختار ما اختاره الإيجي (٧٥٦هـ) الأشعري الذي أحس أن إثبات الكلام النفسي صعبٌ دونه خرط القتاد فخالفهم في تفسير كلام الأشعري حول الكلام النفسي واعترف بالكلام اللفظي وقال: "هذا الذي فهموه من كلام الشيخ الأشعري باطل إذ له لوازم باطلة كثيرةٌ". ثم ذكر عدة من تلك اللوازم الباطلة العاطلة منها: أ- عدم إكفار من أنكر كلاميّة ما بين دفتي المصحف مع أنه علم من الدين بالضرورة كونه كلام الله حقيقة. ب- عدم المعارضة والتحدي بكلام الله الحقيقي. ج- ذم كون المقروء والمحفوظ كلامه حقيقة. ثم قال الجرجاني: "إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطن فوجب حمل كلام الشيخ الأشعري على المعنى الثاني الشامل للفظ والمعنى". ثم قال: "هذا الذي ذكرناه وإن كان مخالفاً لما عليه متأخروا أصحابنا إلا أنه بعد التأمل تعرف حقيقته". ثم قال الجرجاني مقرراً لمقالة الإيجي ومجرجراً: "وهذا المجمل لكلام الشيخ مما اختاره الشيخ محمد الشهرستاني (٥٤٨هـ) في كتابه المسمى بـ"نهاية الأقدام"،ولا شبهة في أنه أقرب إلى الأحكام الظاهرية المنسوبة إلى الملة" (٣).الثاني: أنه قد نقل عبارة الجرجاني هذه الشيخ عصام الدين الإسفراييني (٩٥١هـ) فقد أسفر عن الاضطراب وضعفهم عن إقامة الحجة على إثبات الكلام النفسي واعترف بما اعترف به الجرجاني، فقال: "ولا شبهة في كونه أقرب ... " (٤).

стр. 985

الثالث: أن المرعشي (١١٥٠هـ) أيضاً صنع مثل ما صنع أسلافه واعترف فذكر كلام الإيجي والتفتازاني بكامله ثم قال مرتعشا:"أقول: الحاصل أن كلامه تعالى هو العبارات المنظومة كما هو مذهب السلف" (١).الرابع: أن عبدالحكيم السيالكوتي (١٠٦٧هـ) اختار حكمة أخرى في التحير والاضطراب والرد على جماعته، لا أطيل المقام بذكرها من شاء الإطلاع عليها فليراجع كلامه (٢). الخامس: أن الشيخ رمضان البهشتي شارح حاشية الخيالي اختار خيالاً آخر ولوناً من الاعتراف بالعجز حيث قال بِهَشٍّ وبَهْشٍ:"إن ثبوت القرآن النفسي دونه خرط القتاد" (٣).وهكذا نرى كثيراً منهم يضطربون في هذا الأمر وهذا دليل عجزهم عن إثبات الكلام النفسي (٤).٩ - ١٢ - وللإمام ابن الجوزي (٥٩٧هـ) ومؤرخ الإسلام ناقد الرجال الذهبي (٧٤٨هـ) والإمامين: ابن القيم (٧٥١هـ) وابن أبي العز الحنفي (٧٩٢هـ) كلام قيم - فراجعه - في بيان مخالفتهم للعقل والنقل وإجماع أهل السنة، وأهل البدعة في آن واحد (٥). الوجه الثامن: أننا نسأل الماتريدية أن الله تعالى لما كلم موسى تكليماً: هل فهم موسى جميع كلام الله أم بعضه؟ كما نسأل الأشعرية: هل سمع موسى ﵇ جميع كلام الله أم بعضه؟. فإن قلتم: فهم موسى أو سمع جميع كلام الله تعالى، فقد ارتكبتم كفراً بواحاً آخر حيث ادعيتم أن موسى أحاط بجميع كلام الله وعلمه، وقلتم بأن لكلامه انتهاءً ولا تقولون به أبد الآبدين، ولا عوض العائضين. وإن قلتم: فهم أو سمع بعضه، فقد أبطلتم "الكلام النفسي" حيث قلتم بتجزئة كلام الله تعالى، وأنتم تقولون: "الكلام النفسي" أمر واحد لا يتجزأ وهدمتم بنيانكم بيانكم، وأخربتم بيوتكم بلسانكم. قال الإمام أبو نصر السجزي الوائلي الحنفي (٤٤٤هـ) ﵀. "خاطبني بعض الأشعرية يوماً في هذا الفصل وقال: "التجزؤ على القديم غير جائز". فقلتُ له: أتقر بأن الله اسمع موسى كلامه على الحقيقة بلا ترجمان؟. فقال: "نعم". وهم يطلقون ذلك ويموهون على من لم يخبر مذهبهم، وحقيقة سماع كلام الله من ذاته على أصل الأشعري محال. لأن سماع الخلق على ما جبلوا عليه من البنية، وأجروا عليه من العادة - لا يكون البتة إلا لما هو صوت أو في معنى الصوت. وإذا لم يكن كذلك كان الواصل إلى معرفته بضرب من العلم والفهم. وهما يقومان في وقت مقام السماع لحصول العلم بهما كما يحصل بالسماع. وربما سمى ذلك سماعاً على التجوز لقربه من معناه. فأما حقيقة السماع لما يخالف الصوت فلا يتأتى للخلق في العرف الجاري. فقلت لمخاطبي الأشعري: قد علمنا جميعاً أن حقيقة السماع لكلام الله منه على أصلكم محال. وليس ههنا من تتقيه وتخشى تشنيعه. وإنما مذهبك: أن الله يفهم من شاء كلامه بلطيفة منه، حتى يصير عالماً متيقناً بأن الذي فهمه "كلام الله". والذي أريد أن ألزمك وأردٌ على الفهم وروده على السماع. فَدَعِ التمويه ودع المصانعة.
следующие страницы →