← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 32181

نظم علوم الحديث = أقصى الأمل والسول في علم حديث الرسول

شهاب الدين الخويي

Полный текст (421 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

جامعة الكويت كتاب: نَظْم علوم الحديث تأليف: شهاب الدين محمد بن أحمد الخُوَيِّي الشافعي (المتوفى ٦٩٣ هـ) المُسماة: "أقصى الأمل والسُّول في علم حديث الرسول ﷺ " دراسة وتحقيق: نواف عباس حبيب المناور أطروحة مقدمة لكلية الدراسات العُليا لاستيفاء جزء من متطلبات درجة الماجستير في: برنامج الحديث الشريف وعلومه تحت إشراف د. حامد حمد العلي الكويت يونيو ٢٠١٥

стр. 2

© ٢٠١٥ جميع الحقوق محفوظة

стр. 3

-[الملخص]- أقصد من خلال هذه الدراسة المساهمة في دراسة وتحقيق ونشر التراث الإسلامي الزاخر الذي لم يرَ كثيرٌ منه النورَ حتى الآن (١). ومن تلك المخطوطات المهمة ما ألّفه العلّامة محمد بن أحمد بن خليل بن سعادة بن جعفر، شهاب الدين أبو عبدالله الخُويي الشافعي، قاضي دمشق وابن قاضيها (توفي ٦٩٣ هـ) في مصطلح علوم الحديث؛ حيث نظم المقدمة الشهيرة في علوم الحديث لشيخه عثمان بن عبد الرحمن الكردي الشهرزوري الحافظ تقي الدين أبو عمرو المعروف بابن الصلاح الشافعي الدمشقي صاحب كتاب علوم الحديث (توفي ٦٤٣ هـ)، نظمها في ١٦١٠ أبيات على بحر الرَّجَز، ولا يُعرف أحد سبقه في نظمها -فيما أعلم-، ثم تتابع العلماء من بعده على نظم تلك المقدمة. وقيمة هذا النظم من قيمة مؤلفه، حيث قال عنه الذهبي: "كان من أعلم أهل زمانه وأكثرهم تفننا وأحسنهم تصنيفا وأحلاهم مجالسة". (٢) وقال ابن كثير: "كان من حسنات الزمان وأكابر الأعلام عفيفا نزيها بارعا محبا للحديث وعلمه وعلمائه". (٣) وقد انتظم هذا البحث في مقدمة وقسم لدراسة المخطوط ومقدمات علم مصطلح الحديث ونظمه حيث يشتمل على بابَيْنِ وفصول ومباحث ومطالب، وقسم للنص المحقق مع تصحيحه والتعليق عليه بما يلزم. (٤)

стр. 4

-[شكر وتقدير]- لا يفوتني في هذا المقام، أن أحمد الله على أن تمم هذا البحث، وأشكر جامعة الكويت عموماً وكلية الشريعة خصوصاً، والعاملين فيها، حيث أتاحوا لي فرصة الدراسة والبحث والتحصيل، فلهم مني خالص الشكر والتقدير. وأشكر كل من ساعدني في إتمام هذا البحث بالتحديد سواء بالنصيحة القولية أو بالجهد الفعلي من أساتذتي، وفي مقدمتهم أستاذي وشيخي الدكتور/ حامد بن حمد العلي، فجزاه الله خيراً لإشرافه على رسالتي وما بذل من وقته وأرشد ونصح وصبر، كذلك أشكر الدكتور طارق الطوراي والدكتور عادل الدمخي على تفضلهما بمناقشتي. وكذلك أتقدم بالشكر لكل من قدم مساهمة في هذا البحث من خارج أسرة الجامعة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5

المقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: ١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [سورة النساء الآية: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [سورة الأحزاب الآيتان: ٧٠ - ٧١] أما بعد .. فإن الله ﵎ أنزل كتابه الحكيم هداية ونوراً يضيء للناس سبل السعادة والسلام في دنياهم وآخرتهم، وجعله معجزةً لرسوله محمد ﷺ باقية إلى يوم الدين، ثم أعطاه السنة مفصِلة للكتاب وشارحة له، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل الآية: ٤٤]، أي: فتفصِّل لهم ما أجمل، وتبين لهم ما أشكل. (١) ولذلك قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، ﵀: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [سورة النساء الآية: ١٠٥]. (٢) فصار الكتاب والسنة ركيزتا هذه الملة، حيث العقائد توجد فيهما، والأحكام تستنبط منهما، والاعتماد عند كل نازلةٍ وخلاف عليهما، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء الآية: ٥٩] أي: فردوه إلى كتابه، وإلى الرسول مدة حياته، وبعد مماته إلى سنته. (٣) فمن فجر الإسلام والمسلمون يهتمون بالوحيين اهتماماً فائقاً؛ لِما مَرَّ من النصوص، وغيرها في القرآن الكريم، ولِما أمرَ به رسول الله ﷺ أُمَّتَهُ في سنته بذلك، فقال: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً". (٤) والمراد: بلغوا عني كل ما جئت به، آية مثلاً أو حديثاً. (٥)

стр. 6

فأما القرآن فقد تكفَّل الله بحفظه من التبديل والزيادة والنقصان؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة الحجر الآية: ٩]، فتولى سبحانه حفظه فلم يزل محفوظاً. (١) وأما الحديث فحفظه موكولٌ بهذه الأمة؛ "لذلك عنيت الأمة الإسلامية بالحديث النبوي، فأوعته حوافظها الفذة، وبذلت من أجله أعظم الجهد، وحاز حديث النبي ﷺ من الوقاية والمحافظة ما لم يكن قط لحديث نبي من الأنبياء، فقد نقل لنا الرواة أقوال الرسول ﷺ في الشؤون كلها العظيمة واليسيرة، بل في الجزئيات التي قد يتوهم أنها ليست موضع اهتمام، فنقلوا تفاصيل أحواله ﷺ في طعامه وشرابه ويقظته ومنامه وقيامه وقعوده، حتى ليدرك من يتتبع كتب السنة أنها ما تركت شيئا صدر عنه ﷺ إلا روته ونقلته". (٢) ثم وضع المسلمون للرواية قوانين تحقق ضبط الراوي للحديث، وتكلموا في الرجال، وذلك ليتميز المقبول فيعمل به، من غير المقبول، ومن هنا نشأ "علم مصطلح الحديث". (٣) وتطورت قواعد هذا العلم على مر السنين، فانتقل من كونه قواعد شفوية إلى مسائل ضمن المصنفات إلى كتبٍ مستقلة، إلى نضوج هذا العلم على زمن أبي عمرو ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ). فألف كتابه المشهور "علوم الحديث" المعروف بمقدمة ابن الصلاح، فصار هذا الكتاب قطب رحى علم المصطلح، والناس في فلكه يدورون؛ شرحاً واختصاراً ونظماً ونقداً. وممن أدلى بدلوه في هذا، تلميذ ابن الصلاح الإمام القاضي شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الخليل الخُوَيِّي الشافعي (ت ٦٩٣ هـ)، فقد نظم كتاب شيخه في ألفيَّة ليختصره (٤). ولا تزال الأمة الإسلامية تعتني بحديث النبي ﷺ من جميع جوانبه، إلى زماننا هذا؛ إضافةً وابتكاراً وشرحاً واختصاراً، ويدخل ضمن خدمة الحديث النبوي، إخراج التراث الإسلامي المخطوط القابع في ظلمات الخزائن التراثية تعلوه رمال السنين، لذلك حرصت بعض الجامعات على

стр. 7

إدخال "تحقيق المخطوطات" ضمن أطروحات الطلاب في الدراسات العليا، منها: كلية الدراسات العليا في جامعة الكويت، قسم الحديث الشريف وعلومه. وبعد مشاورة أهل العلم وأساتذتي، وقع اختياري على مخطوط شهاب الدين الخويي في نظم مقدمة ابن الصلاح، لدراسته وتحقيقه والتعليق عليه لنيل درجة الماجستير في قسم الحديث الشريف وعلومه في جامعة الكويت. ومن أسباب اختياري لهذا المخطوط: ١ - أن له الأسبقية؛ فهو أول نظمٍ لمقدمة ابن الصلاح، بل أول ألفية في علم المصطلح ككل فيما أعلم. ٢ - وأن المخطوط ما زال حبيس الخزائن التراثية، فلم يرَ نور التحقيق حتى الآن. ٣ - والمساهمة في إخراج التراث الإسلامي، وإضافة الكتاب إلى المكتبة الإسلامية الحديثة. أما أهمية المخطوط: ١ - فهو من نظم تلميذ مؤلف الأصل. ٢ - وأنه من نظم إمامٍ في العلوم الإسلامية والعقلية. ٣ - وأن هذا المخطوط يُبيِّن لنا المستوى العلمي الذي وصل إليه أهل القرن السابع في "علم المصطلح"، وما كانوا عليه من إبداع في إيصال هذا العلم بصور متعددة. ٤ - وأن هذا النظم هو نقطة انطلاق الألفيات بعده، وهذا يفيدنا في دراسة تطور مستوى المنظومات العلمية في مصطلح الحديث خصوصاً وباقي العلوم عموماً. وقد قسّمتُ هذا البحث إلى قسمينِ: القسم الأول: الدراسة، وفيها بابان: الباب الأول: التعريف بعلم المصطلح: وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: تعريف علم مصطلح الحديث ونشأته. الفصل الثاني: أطوار التأليف في علم مصطلح الحديث. الفصل الثالث: وفيه مبحثان: المبحث الأول: التعريف بابن الصلاح. المبحث الثاني: التعريف بمكانة وأهمية كتابه: "علوم الحديث". الفصل الرابع: وفيه مبحثان:

стр. 8

المبحث الأول: التعريف بالمنظومات العلمية ونشأتها. المبحث الثاني: التعريف بأهم المنظومات في مصطلح الحديث. الباب الثاني: وفيه فصلان: الفصل الأول: التعريف بصاحب النظم، وفيه مباحث: المبحث الأول: لقبه، وكنيته، واسمه، ونسبه، ومذهبه، ومكان ولادته. المبحث الثاني: عقيدته وصفاته الخلقية والخُلُقية. المبحث الثالث: طلبه للعلم ومشايخه. المبحث الرابع: أشهر تلاميذه. المبحث الخامس: أعماله التي تولاها ومكانته العلمية وثناء العلماء عليه. المبحث السادس: مؤلفاته. المبحث السابع: وفاته. الفصل الثاني: التعريف بالنظم: المبحث الأول: نسبة النظم إلى مؤلفه وتسميته له. المبحث الثاني: عدد أبياتها وتاريخ نظمها. المبحث الثالث: المقارنة بينها وبين غيرها من الألفيات: مطلب: المقارنة بينها وبين ألفية العراقي. مطلب: المقارنة بينها وبين ألفية السيوطي. المبحث الرابع: عناية العلماء بها. المبحث الخامس: طبعاتها السابقة ونسخها المخطوطة. المبحث السادس: منهج التحقيق. القسم الثاني: النص المحقق.

стр. 9

القسم الأول: الدراسة. الباب الأول: التعريف بعلم المصطلح: وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: تعريف علم مصطلح الحديث ونشأته. الفصل الثاني: أطوار التأليف في علم مصطلح الحديث. الفصل الثالث: وفيه مبحثان: المبحث الأول: التعريف بابن الصلاح. المبحث الثاني: التعريف بمكانة وأهمية كتابه: "علوم الحديث". الفصل الرابع: وفيه مبحثان: المبحث الأول: التعريف بالمنظومات العلمية ونشأتها. المبحث الثاني: التعريف بأهم المنظومات في مصطلح الحديث.

стр. 10

الفصل الأول: تعريف علم مصطلح الحديث ونشأته . أولا: تعريف علم مصطلح الحديث: ويسمى "أصول الحديث"، والكلام في تعريف هذا العلم يكون على وجهين: على الإفراد، وعلى الإضافة. تعريفه من جهة الإفراد: أ- العلم: إدراك الشيء بحقيقته. (١) ب- والاصطلاح: عبارةٌ عن اتفاق قوم على تسمية الشيء باسمٍ مَّا، ينقل عن موضعه الأول. (٢) ج- والأصل: أسْفَلُ الشيءِ. (٣) د- والحديث: ١ - في اللغة: الجديدُ، وكل ما يُتحدَّثُ به من كلامٍ وخَبَر. (٤) ٢ - وفي الاصطلاح: هو ما يضاف إلى النبي ﷺ ، من قوله وفعله وإقراره، وقيل: أو وصف خلْقِيٍّ أو خُلُقِيٍّ، وقيل: أو أضيف إلى الصحابي أو التابعي. (٥) أما تعريفه من جهة الإضافة بقولهم "علم مصطلح الحديث" أو "علم أصول الحديث" أو "علم المصطلح". قال ابن حجر: " أولى التعاريف لعلم الحديث: معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى معرفة حال الراوي والمروي". (٦)

стр. 11

ويقسم بعض العلماء علم الحديث إلى قسمين: علم رواية، وعلم دراية. ١ - : علم الحديث الخاص بالرواية: علم يشتمل على نقل أقوال النَّبي ﷺ وأفعاله, وروايتها, وضبطها, وتحرير ألفاظها. ٢ - علم الحديث الخاص بالدِّراية: علمٌ يعرف منه حقيقة الرِّواية, وشُروطها, وأنواعها, وأحْكَامها, وحال الرُّواة, وشُروطهم وأصْنَاف المرويات, وما يتعلق بها. (١) وموضوع هذا العلم: هو السند والمتن. وثمرته: تمييز الثابت من الأخبار من الضعيف. وفضله: امتثال أمر رسول الله ﷺ ، ونيل بركة دعوته، إذ قال ﵊: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً". (٢) وقال: "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ". (٣) نسبته إلى بقية العلوم: من علوم الآلة، ويحتاجه الطالب في كل علم من العلوم الشرعية. أول من جمعه في مصنف: أول من أفرده بالتصنيف هو أبو محمد الحسن بن عبدالرحمن الرَّامَهُرْمُزِي. (٤) استمداد هذا العلم: مسائله مستمدةٌ من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم. اسم هذا العلم: له عدة أسماء، مثل: علم مصطلح الحديث، علم أصول الحديث، وعلم أصول الرواية، ومصطلح أهل الأثر. حكم تعلم هذا العلم: فرض كفاية، إذ لا بد من معرفة ما صح عن النبي ﷺ من أخبار، فإن قام به مَن يكفي سقط الوجوب عن الباقي.

стр. 12

مسائله: هي المسائل المتعلقة بالسند والمتن من حيث القبول والرد، مثل: الاتصال والانقطاع والقلب والشذوذ ونحوها، وما يتعلق بحال الرُّواة: من العدالة والجرح، وشروطهم في التحمل وفي الأداء، إلى غير ذلك.

стр. 13

ثانياً: نشأة علم مصطلح الحديث: إن نشأة علم مصطلح الحديث كنشأة العلوم الإسلامية، تكون مبثوبةً في القرآن الكريم والسنة النبوية وفعل أصحاب النبي ﷺ ورضي عنهم، ثم بعد ذلك يتم استنباطها وتقعيدها على مر السنين حتى تتشكل ملامح ذلك العلم بأصوله وفروعه ومصنفاته. وبعض أصول المصطلح قد أرشد الله سبحانه إليه، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [سورة الحجرات: الآية ٦]. قال ابن كثير: " يأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له، لئلا يحكم بقوله فيكون -في نفس الأمر-كاذبا أو مخطئا، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه، وقد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون". (١) وكما بيَّن سبحانه في كتابه عدالة صحابة رسول الله ﷺ ، وهو نوعٌ من أنواع علم المصطلح مستقلٌ جعله أهل هذا العلم في مبحث خاص، قال الخطيب البغدادي: "عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم , واختياره لهم في نص القرآن , فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] , وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ". (٢) وفي باب اتصال السند وأهمية الإسناد، استنبط بعضهم أصلَ ذلك من كتاب الله تعالى، فقد أسند الخطيب في "شرف أصحاب الحديث" عن مَطَر الوراق في قوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤]، قال: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ يعني: إسناد الحديث. (٣) وفي باب آداب أهل الحديث، يذكر العلماء مسألة نفعِ طلبةِ العلمِ بعضهم بعضاً وإعارةِ الكُتُب لمن احتاجها وكان أميناً، ولهم في ذلك استنباط من كتاب الله تعالى، قال السيوطي: " قد ذم الله تعالى في كتابه مانع العارية بقوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]، وإعارة الكتب أهم من الماعون". (٤) وغير ذلك من قواعد علم المصطلح المستفادة من القرآن الكريم.

стр. 14

وكذلك السنة النبوية؛ قد حوت كثيراً من أصول مصطلح الحديث التي استقى منها أهل هذا الشأن مسائل عديدة وجعلوها أنواعاً في مصنفاتهم. ومن ذلك، أنهم يستدلون لصحة تحمل الكافر للحديث حال كفره وأدائه بعد إسلامه (١) بحديث مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ : يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ، وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا وَقَرَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِي". (٢) واستدلوا على جواز تعديل الرواة بقوله ﷺ : "إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ" (٣)، وفي جرحهم بقوله ﵊: "بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ". (٤) وقد يرد عن رسول الله ﷺ حديثٌ يدخل في عدة أبواب في علم المصطلح، كما استدل بعضهم على ضبط الحديث وحفظه (٥) بقول رسول الله ﷺ : " نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ". (٦) واستُدل به أيضاً على قبول خبر الواحد (٧)، وعلى عدم جواز الرواية بالمعنى (٨). فكان الصحابة ﵃ بسليقتهم العربية وسلامة فطرتهم ولزومهم النبيَّ ﷺ ، يفهمون هذه الأمور من الكتاب والسنة من غير الحاجة إلى تدوينها بقواعد، فانعكس ذلك على طريقتهم في تلقي الروايات عن النبي ﷺ في حياته وبعد وفاته.

стр. 15

فمثال ذلك في حياته: ما أخرجه الشيخان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ". (١) قال الحافظ ابن حجر: "فيه قبول خبر الواحد ووجوب العمل به ونسخ ما تقرر بطريق العلم به". (٢) ومثال تطبيقهم لتلك القواعد بعد وفاته: ما قَالَه ابْنُ عَبَّاسٍ: "إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ، وَالذَّلُولَ، لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا نَعْرِفُ". (٣) قال أبو العباس القرطبي: " قوله: (لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا نَعْرِفُ) أي: ما نعرف ثقة نقلته وصحة مخرجه". (٤) وعلى مثل سير الصحابة سار التابعون لهم بإحسان، فطبقوا قواعد الحديث على روايات أهل البدع كما قال ابن سيرين (توفي ١١٠ هـ): "لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ". (٥) أي: لم يكن التابعون يسألون عن الإسناد حتى وقعت فتنة مقتل عثمان أو فتنة الخوارج. (٦) واستمر الأمر على تناقل تلك القواعد شفوياً عشرات السنين، ثم بدأت مرحلة تدوين بعض مسائل المصطلح مفرقة في بعض التصانيف، وأول من دونها -فيما يُعلم- الإمام محمد بن إدريس الشافعي في كتابه "الرسالة". (٧) فتعرض لجملة مسائل هامة مما يتصل بعلم الحديث، كذكر خبر الآحاد والإحتجاج به (٨)، والناسخ والمنسوخ (٩) وشرط حفظ الراوي، والرواية بالمعنى (١٠)، وقبول خبر المدلِّس (١١)، وتكلم عن الحديث المرسل (١٢).

стр. 16

وفي "الجامع الصحيح" للإمام البخاري ذكرٌ لبعض أنواع علوم الحديث ومسائله، كالتي في تراجم الأبواب، كقوله: "بابٌ: قول المحدث حدثنا وأخبرنا" (١)، وقوله: "باب ما يذكر في المناولة" (٢)، وقوله: "باب: متى يصح سماع الصغير؟ " (٣)، وقول: "باب: كتابة العلم" (٤). وكذلك فعل الإمام مسلم بن الحجاج، فقد ذكر مسائل عديدة من مسائل المصطلح في مقدمة (٥) صحيحه، فذكر: زيادة الثقة، وآداب الرواية، والحديث المعنعن وصحة الاحتجاج به، وجواز الجرح وأنه ليس من الغيبة. وأيضا الإمام أبو داود السجستاني ذكر جملةً من المسائل في رسالته لأهل مكة في وصف سننه. وزاد عليهم الإمام أبو عيسى الترمذي إذ ختم جامعه بجزء نفيس ألحقه به، عُرف فيما بعد بـ"العلل الصغير" (٦)، أودع فيه مسائل كثيرة من مسائل مصطلح الحديث، فذكر: أنواع التحمل، والرواية باللفظ، ودرجات إتقان المحدثين، وتكلم عن الحديث الحسن، والحديث المرسل، وزيادة الثقات، والغريب، والمنكر. لكن لم يوجد في هذا الدور أبحاث تضم قواعد هذه العلوم وتذكر ضوابط تلك الاصطلاحات، اعتمادا منهم على حفظهم لها وإحاطتهم بها. (٧) ثم استمر الأمر على ذلك، -أعني: لم يكن هناك مُصنَّفاً مستقلاً في مصطلح الحديث؛ إنما هي مسائل متفرقة- حتى انقضت القرون الثلاثة الأولى، قال الدكتور محمد بن مطر الزهراني -وهو يتحدث عن نشأة تدوين المصطلح-: " كانت قواعده تتناقل إما مشافهة وإما منثورة في مصنفات شتَّى، وذلك

стр. 17

طيلة القرون الثلاثة الأولى، إذ لم يوجد - فيما أعلم - مصنف واحد يجمع تلك القواعد في هذه القرون الثلاثة، وإنما وجد بعضها منثوراً في مثل: "الرسالة" للإمام الشافعي، وكتاب "التمييز" للإمام مسلم، وكذلك في مقدمة "صحيحه"، وفي كتب معرفة الرجال والعلل، وكتب الجرح والتعديل المختلفة وغيرها". (١) وهكذا في بقية العلوم الشرعية؛ تكون قواعده شفوية ثم تُدَوَّنُ بعضُ مسائل ثم يُفردُ بالتصنيف استقلالاً، وكان أول مَن أفردَ علمَ مصطلحِ الحديث بمُصنَّفٍ مستقل الحافظُ أبو محمد الحسن ابن عبدالرحمن الرَّامَهُرْمُزِي في كتابه "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي"، ثم تتابع التصنيف بعده.

стр. 18

الفصل الثاني أطوار التأليف في علم مصطلح الحديث محاولةُ جمعِ هذه القواعد في كتاب واحد أو في كتب، مرحلةٌ امتدت من أوائل القرن الرابع إلى نهاية القرن الخامس تقريباً، وتميزت هذه المؤلفات بسرد الراويات والأسانيد ثم استخلاص القواعد منها، وذكر من قال بها أو ذهب إليها من السلف. (١) قال ابن حجر ﵀: "أول من صنف في ذلك: القاضي أبو محمد الرامهرمزي في كتابه: "المحدث الفاصل" (٢)، لكنه لم يستوعب، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري (٣)، لكنه لم يهذب، ولم يرتب، وتلاه أبو نعيم الأصبهاني فعمل على كتابه مستخرجا وأبقى أشياء للمتعقب، ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي فصنف في قوانين الرواية كتابا سماه: "الكفاية" (٤)، وفي آدابها كتابا سماه: "الجامع لآداب الشيخ والسامع" (٥)، وقَلَّ فنٌ من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتابا مفردا؛ فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: كل مَن أنصفَ عَلِمَ أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه. ثم جاء بعض من تأخر عن الخطيب، فأخذ من هذا العلم بنصيب: فجمع القاضي عياض كتابا لطيفا سماه: "الإلماع"، وأبو حفص الميانجي جزءا سماه: "ما لا يسع المحدث جهله" (٦). وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتهرت، وبسطت؛ ليتوفر علمها، واختصرت؛ ليتيسر فهمها". (٧)

стр. 19

ثم بدأ التصنيف يأخذ شكلاً آخر غير ما تقدمه من مصنفات، وذلك بعد القرن الخامس الهجري، قال الزهراني: " وهي مرحلةُ جمعِ القواعد من كتب مَن تقدم من الأئمة بدون ذكر الأسانيد أو الروايات، ثم محاولة إعادة ترتيبها وتهذيبها، ومن أبرز المؤلفات في ذلك كتاب "مقدمةٌ في علوم الحديث" للحافظ أبي عمرو ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) " (١). قال ابن حجر: "إلى أن جاء: الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح بن عبد الرحمن الشهرزوري نزيل دمشق فجمع -لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية- كتابه المشهور، فهذب فنونه، وأملاه شيئا بعد شيء؛ فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب، واعتنى بتصانيف الخطيب المفرقة، فجمع شتات مقاصدها، وضم إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره؛ فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر". (٢) فصار كتاب ابن الصلاح عمدة المتأخرين وإماما يحتذى به ومرجعا يقتدى به، فعوَّل عليه كل من جاء بعده في مصطلح الحديث، والكل في فلكه يدور، ولا يعيبه ما انتقد عليه في بعض مسائل المصطلح، إذ الكمال والعصمة لكتاب الله ، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [سورة النساء: الآية ٨٢] قال الحافظ العراقي: " فإن أحسن ما صنَّفَ أهلُ الحديث في معرفة الاصطلاح كتاب علوم الحديث لابن الصلاح، جمع فيه غرر الفوائد فأوعى، ودعا له زمر الشوارد فأجابت طوعا، إلا أن فيه غير موضع قد خولف فيه، وأماكن أُخَر تحتاج إلى تقييد وتنبيه". (٣) ومن أهم المؤلفات في هذا الدور بعد كتاب "علوم الحديث": (٤) ١ - "الإرشاد" للإمام يحيى بن شرف النووي (توفي سنة ٦٧٦ هـ) لخص فيه كتاب ابن الصلاح ثم لخصه في كتاب "التقريب والتيسير لأحاديث البشير النذير". ٢ - "التبصرة والتذكرة" منظومة عدد أبياتها (١٠٠٢) للإمام الحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي (المتوفى سنة ٨٠٦ هـ) ضمنها كتاب ابن الصلاح وتعقبه، وزاد عليه مسائل نافعة، ثم شرحها شرحا قيما، اسمه: "شرح التبصرة والتذكرة".

стр. 20

٣ - شرح للحافظ العراقي أيضا وضعه على كتاب ابن الصلاح: "التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح" ويسمى أيضا "النكت". ٤ - "النكت"، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (المتوفى سنة ٨٥٢ هـ). ٥ - "نخبة الفكر" وشرحه "نزهة النظر" كلاهما للحافظ ابن حجر. ٦ - "فتح المغيث شرح ألفية العراقي في علم الحديث"، للحافظ شمس الدين محمد السخاوي (المتوفى سنة ٩٠٢ هـ)، امتاز بتحقيق وتتبع للمسائل في كتب السنة وعلوم الحديث. ٧ - "تدريب الراوي شرح تقريب النواوي" للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (المتوفى سنة ٩١١ هـ). ثم جاء بعد ذلك عصر الركود العلمي في علم مصطلح الحديث، وقد امتد ذلك من القرن العاشر إلى مطلع القرن الهجري الحالي. في هذه الفترة توقف الاجتهاد في مسائل العلم والابتكار في التصنيف، وكثرت المختصرات في علوم الحديث شعرا ونثرا، وشُغِلَ الكاتبون بمناقشاتٍ لفظية لعبارات المؤلفين دون الدخول في عمق الموضوع تحقيقا أو اجتهادا. (١) ثم جاء دور اليقظة والتنبه في العصر الحديث من مطلع القرن الهجري الحالي إلى وقتنا هذا، وفيه تنبهت الأمة للأخطار المحدقة نتيجة اتصال العالم الإسلامي بالشرق والغرب، ثم نتيجة الصدام العسكري العنيف والاستعمار الفكري الذي يفوق في خبثه وخطره كل الأخطار، فقد ظهرت دسائس وشبهات حول السنة أثارها المستشرقون وتلقفها ضعفاء النفوس، فصاروا يدندنون بها ويلهجون، مما اقتضى تأليف أبحاث حولها والرد على أغاليطهم وافتراءاتهم، كما اقتضى الحال تجديد طريقة التأليف في علوم الحديث، فوفى العلماء بهذه المطالب وأخرجت المطابع الكثير من المؤلفات المبتكرة النافعة، ومن أبرز المصنفات في تلك الحقبة: ١ - "قواعد التحديث" للشيخ جمال الدين القاسمي (٢). ٢ - "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي"، للدكتور مصطفى السباعي (٣)، وهو كتاب جليل القدر تحدث عن المستشرقين ومواقفهم العدائية للسنة والإسلام.

стр. 21

٣ - "الحديث والمحدثون" ألفه الشيخ الدكتور محمد محمد أبو زهو، بحث فيه جهود العلماء لخدمة الحديث. (١) ٤ - مؤلفات العلامة عبدالرحمن المُعلمي، طبعت مؤخراً كاملة. ٥ - مؤلفات العلامة ناصر الدين الألباني، وهي مطبوعة. وإلى غير ذلك من رسائل وبحوث جامعية محكمة نالت مرتبة الشرف، والبحوث والكتب المستقلة في علم الحديث، وتتبع ذلك وإحصاؤه يعسر ويطول.

стр. 22

الفصل الثالث المبحث الأول: التعريف بابن الصلاح (١) مولده ونَسَبه: هو: الإمام، الحافظ، العلامة، شيخ الإسلام، تقي الدين، أبو عمرو عثمان ابن المفتي صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكردي، الشهرزوري، الموصلي، الشافعي، ولد سنة سبع وسبعين وخمس مائة. رحلاته وشيوخه: وتفقه على والده (٢) بشهرزور وكان من جلة مشايخ الأكراد المشار إليهم، ثم اشتغل بالموصل مدة، وسمع من: عبيد الله ابن السمين (٣)، ونصر بن سلامة الهيتي (٤)، ومحمود بن علي الموصلي، وأبي المظفر بن البرني، وعبد المحسن ابن الطوسي (٥)، وعِدَّةٌ بالموصل.

стр. 23

ومن: أبي أحمد بن سكينة (١)، وأبي حفص بن طبرزذ (٢)، وطبقتهما ببغداد، ومن أبي الفضل بن المعزم (٣) بهمذان. ومن: أبي الفتح منصور بن عبد المنعم ابن الفراوي (٤) "صحيح البخاري" و"السنن الكبرى لأبي بكر البيهقي"، وسمع أيضاً من المؤيد بن محمد بن علي الطوسي (٥) "صحيح البخاري" كذلك، وزينب بنت أبي القاسم الشعرية (٦)، والقاسم بن أبي سعد الصفار (٧)، ومحمد بن الحسن الصرام، وأبي المعالي بن ناصر الأنصاري، وأبي النجيب إسماعيل القارئ (٨)، وطائفة بنيسابور. ومن أبي المظفر ابن السمعاني (٩) بمرو، ومن أبي محمد ابن الأستاذ (١٠) وغيره بحلب. ومن الإمامين فخر الدين ابن عساكر (١١) وموفق الدين ابن قدامة (١٢)، ومن القاضي أبي القاسم عبد الصمد بن محمد بن الحرستاني (١٣) وعدة بدمشق، ومن الحافظ عبد القادر الرهاوي (١٤) بحران. الأعمال التي قام بها:

стр. 24

درَّس بالمدرسة الصلاحية (١) ببيت المقدس، فلما أمر الملك المعظم (٢) بهدم سور المدينة (٣)، نزح إلى دمشق، فدرس بالرواحية (٤) مدة عندما أنشأها الواقف، فلما أنشئت الدار الأشرفية (٥) صار شيخها، ثم ولي تدريس الشامية الصغرى (٦). وأشتغل، وأفتى، وجمع وألف، تخرج به الشافعية، وكان من كبار الأئمة. تلاميذه: ١ - الإمام شمس الدين عبد الرحمن بن نوح المقدسي (٧). ٢ - والإمام كمال الدين سلار بن الحسن الإربلي (٨).

стр. 25

٣ - والإمام كمال الدين إِسحاق بْن أحمد المعري، كَانَ معيدًا عند ابن الصّلاح بالمدرسة الرواحية (١). ٤ - والقاضي تقي الدين محمد بن الحسين بن رزين العامري، لازم الشَّيْخ تقيّ الدّين ابن الصلاح، وشرح عليه وعلّق عَنْهُ (٢). ٥ - العلامة تاج الدين عَبْد الرَّحْمَن بْن إِبْرَاهِيم بْن سباع الفَزَاريّ، الفِرْكَاح (٣). ٦ - وأخوه الخطيب: شرف الدين أحمد بن ابراهيم بن سباع، سمع على ابن الصلاح من أول كتاب السنن الكبير للبيهقي الى آخر المجلد السادس من تجزئة عشرة وبعض المجلد السابع من هذه التجزئة، وأيضاً سمع منه كتابه في علوم الحديث (٤). ٧ - مجد الدين يوسف بن محمد المهتار (٥). ٨ - فخر الدين عمر بن يحيى الكرجي، لزم الشيخ تقي الدين ابن الصلاح وخدمه وتفقه عليه (٦). ٩ - القاضي شهاب الدين محمد بن أحمد الخُويي. ١٠ - المحدث عبد الله بن يحيى الجزائري (٧). ١١ - المفتي جمال الدين محمد بن أحمد الشَّريشيّ (٨). ١٢ - المفتي فخر الدين عبد الرحمن بن يوسف البَعلَبَكّيّ، حفظ كتاب "علوم الحديث" لابن الصّلاح وعرضه حِفْظًا عليه (٩). ١٣ - ناصر الدين مُحَمَّد بْن عَرَبْشاه الهمذاني (١٠). ١٤ - الشيخ أحمد بن عبد الرحمن الشهرزوري، سمع على الحافظ تقي الدين ابن الصلاح كتابه في علوم الحديث (١١).

стр. 26

١٥ - صدر الدين محمد بن حسن الأرموي (١). ١٦ - ناصر الدين محمد بن يوسف المعروف بابن المهتار، سمع من ابن الصلاح كتابه في علوم الحديث، وجَزأ من حديثه قبل المسلسل بالأولية والمجلدة الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة (٢). ١٧ - القاضي أحمد بن علي بن الزبير الجيلي، سمع على ابن الصلاح من السنن الكبير للبيهقي مجلدا وهو الأول (٣). ١٨ - الشهاب أحمد بن العفيف الحنفي، سمع على ابن الصلاح بعضاً من السنن الكبير للبيهقي (٤). ثناء العلماء عليه: قال ابن خلكان: بلغني أنه كرر على جميع "المهذب" (٥) قبل أن يطر شاربه، ثم أنه صار معيدا عند العلامة عماد الدين بن يونس، وكان تقي الدين أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه، وله مشاركة في عدة فنون، وكانت فتاويه مسددة، وهو أحد شيوخي الذين انتفعت بهم، أقمت عنده للاشتغال، ولازمته سنة، وهي سنة اثنتين وثلاثين وستمائة (٦). وذكره المحدث عمر بن الحاجب، فقال: إمام ورع، وافر العقل، حسن السمت، متبحر في الأصول والفروع، بالغ في الطلب حتى صار يضرب به المثل، وأجهد نفسه في الطاعة والعبادة (٧). قال الذهبي: كان ذا جلالة عجيبة، ووقار وهيبة، وفصاحة، وعلم نافع، وكان متين الديانة، سلفي الجملة، صحيح النحلة، كافا عن الخوض في مزلات الأقدام، مؤمنا بالله، وبما جاء عن الله من أسمائه ونعوته، حسن البزة، وافر الحرمة، معظما عند السلطان (٨). وكان مع تبحره في الفقه مجودا لما ينقله، قوي المادة من اللغة والعربية، متفننا في الحديث، متصونا، مكبا على العلم، عديم النظير في زمانه.

стр. 27

قال ابن كثير: يكره طرائق الفلسفة والمنطق يغض منها ولا يمكن من قراءتها بالبلد، والملوك تطيعه في ذلك (١). وفاته: لم يزل أمره جارياً على سداد وصلاح حال واجتهاد في الاشتغال والنفع إلى أن توفي الشيخ تقي الدين ﵀ في سحر يوم الأربعاء، الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث وأربعين وست مائة، وحمل على الرؤوس، وازدحم الخلق على سريره، وكان على جنازته هيبة وخشوع، فصلي عليه بجامع دمشق، ودفنوه بمقابر الصوفية. مؤلفاته: ١ - معرفة أنواع علوم الحديث (٢). ٢ - الأمالي (٣). ٣ - الفتاوى، جمعه بعض أصحابه (٤). ٤ - شرح مشكل الوسيط، في الفقه الشافعي (٥). ٥ - صلة الناسك في صفة المناسك (٦). ٦ - فوائد الرحلة (٧). ٧ - أدب المفتي والمستفتي (٨). ٨ - طبقات الفقهاء الشافعية (٩). ٩ - المؤتلف والمختلف في أسماء الرجال (١٠). ١٠ - صيانة صحيح مسلم (١١).

стр. 28

المبحث الثاني: التعريف بمكانة وأهمية كتابه: "علوم الحديث " تقدم طرفٌ من ثناء أهل العلم على كتاب: "علوم الحديث"، وقد أحسن ابن حجر الوصف حين قال: " فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره؛ فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر". (١) وامتاز هذا الكتاب بعدة مزايا، منها: ١ - امتاز بالاستنباط الدقيق لمذاهب العلماء وقواعدهم من أقوالهم المأثورة عنهم. ٢ - أنه ضبط التعاريف التي سبق بها وحررها، وأوضح تعاريف لم يصرح بها من قبله. ٣ - أنه عقب على أقوال العلماء بتحقيقاته واجتهاداته. (٢) وسبب هذا الإتقان أنه وضعه وقد تقدمت سنه، واكتمل وقد بلغ أشده في العلم، وراعى في تصنيفه الأناة والتبصر، فأملاه في مجالس كثيرة، فقد جاء في بعض النسخ المخطوطة: "فرغ مصنفه من تصنيفه وإملائه آخر المحرم من سنة أربع وثلاثين وستمائة"، أي: كان عمره سبع وخمسون عاماً؛ قبل وفاته بتسع سنين تقريباً. ومن الملاحظات حول هذا الكتاب: أنه لم يرتبه على نظام معين؛ فتراه يذكر نوعاً يتعلق بالإسناد مثلاً ثم ينتقل إلى نوع يتعلق بالمتن، أو بهما معاً. (٣) والسبب في ذلك ما ذكره برهان الدين البقاعي، قال: " قيل: إنَّ ابنَ الصلاحِ أملى كتابه إملاءً، فكتبه في حالِ الإملاء جمع جمّ، فلم يقع مرتَّباً على ما في نفسه، وصارَ إذا ظهر له أنّ غير ما وقعَ له أحسن ترتيباً، يراعي ما كتب منَ النَّسخ، ويحفظ قلوبَ أصحابها، فلا يغيرها، وربّما غابَ بعضُها، فلو غير ترتيبَ غيرِهِ تخالفت النُّسخُ، فتركها". (٤) لكن العلماء في تآليفهم تابعوه على هذا الترتيب، كما فعل النووي في "التقريب" والعراقي والسيوطي في ألفيتيهما، وغيرهم، لأن الكتاب أصبح القدوة في هذا الفن. (٥) وهذا بعض ثناء أهل الحديث على هذا المصنَّف:

стр. 29

١ - قال الإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ): "هو كتاب كثير الفوائد، عظيم العوائد، قد نبَّه المصنِّف ﵀ في مواضع من الكتاب وغيره، عَلَى عظم شأنه، وزيادة حسنه وبيانه، وكفى بالمشاهدة دليلاً قاطعاً، وبرهاناً صادعاً". (١) ٢ - وقال الخويي (ت ٦٩٣ هـ) في منظومته: وخيرُ ما صُنِّفَ فيها واشتهر كتابُ شيخِنا الإمامِ المعتبر وهو الذي بابنِ الصلاحِ يُعرَفُ فليسَ فيه مثلُه مُصَنَّفُ ٣ - وقال ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ): "واقتفى آثارهم الشَّيْخ الإمام الحافظ تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح بكتابه الذي أوعى فيه الفوائد وجمع، وأتقن في حسن تأليفه ما صنع". (٢) ٤ - قال ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ): "ولما كان الكتاب الذي اعتنى بتهذيبه الشَّيْخ الإمام العلَاّمة أبو عمرو بن الصلاح - تغمَّده الله برحمته - من مشاهير المصنفات في ذلك بَيْنَ الطلبة لهذا الشأن وربَّما عني بحفظه بعض المهرة من الشبَّان، سلكت وراءه واحتذيت حذاءه". (٣) ٥ - وقال الزركشي (ت ٧٩٤ هـ): "وجاء بعدهم الإمام أبو عَمْرو بن الصَّلَاح فجمع مفرّقهم، وحقّق طرقهم، وأجلب بكتابه بدائع العجب، وأتى بالنكت والنخب، حَتَّى استوجب أن يكتب بذوب الذهب". (٤) ٦ - وقال الأبناسي (ت ٨٠٢ هـ): "وأحسن تصنيف فِيْهِ وأبدع، وأكثر فائدة وأنفع: علوم الْحَدِيْث للشيخ العلاّمة الحافظ تقي الدين أبي عمرو بن الصلاح فإنّه فتح مغلق كنوزه، وحلّ مشكل رموزه". (٥) ٧ - وقال ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ): "ومن أجمعها: كتاب العلامة الحافظ تقي الدين أبي عمرو بن الصلاح -سقى الله ثراه، وجعل الجنة مأواه - فإنه جامع لعيونها ومستوعب لفنونها". (٦)

стр. 30

٨ - وقال السيوطي (ت ٩١١ هـ): "عكف الناس عليه، واتخذوه أصلاً يرجع إليه". (١) ولم يُخدم كتابٌ في مصطلح الحديث كما خُدم كتاب ابن الصلاح إذ كان هو المحرك الفعلي الذي تولدت عنه عشرات بل مئات المؤلفات التي أغنت المكتبة الإسلامية، وساهمت بمجموعها في إكمال حلقات هذا العلم المبارك. (٢) ومن أبرز المختصرات لكتاب ابن الصلاح: ١ - إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق (٣)، للإمام النووي. وله أيضاً التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير (٤)، وهو اختصار لكتابه السابق. ٣ - الاقتراح (٥)، للإمام ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) ٤ - المنهل الروي (٦)، لبدر الدين بن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) ٥ - اختصار علوم الحديث (٧)، للحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) ٦ - التذكرة في علوم الحديث (٨)، لسراج الدين ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) ومن أبرز مَن نظمه: ١ - شمس الدين الخُوَيي (ت ٦٩٣ هـ) (٩)، وسمّى منظومته باسم "أقصى الأمل والسول في نظم علوم حديث الرسول" (١٠). ٢ - زين الدين العراقي (ت ٨٠٦ هـ) المسمّى: التبصرة والتذكرة (١١).

стр. 31

٣ - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت ٩١١ هـ) ومنظومته مشهورة (١). الشروحات والتنكيت عليه: أما شرحه، فلم يتصدَّ أحدٌ لشرح الكتاب نفسِه، وإنما انعكس هذا الجانب على شرح مختصراته ومنظوماته (٢)، فمن ذلك: ١ - فتح المغيث بشرح ألفية العراقي للحافظ السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) (٣). ٢ - تدريب الراوي بشرح تقريب النواوي للسيوطي (ت ٩١١ هـ) (٤). ٣ - البحر الذي زخر في شرح ألفية أهل الأثر، للسيوطي، شرح فيه ألفيته (٥). وأما النكت عليه: ١ - النكت عَلَى مقدمة ابن الصَّلَاح، للإمام بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) (٦). ٢ - الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح، للشيخ برهان الدين الأبناسي (ت ٨٠٢ هـ) (٧). ٣ - محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح، لسراج الدين البلقيني (ت ٨٠٥ هـ) (٨). ٤ - التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح، للحافظ زين الدين العراقي (ت ٨٠٦ هـ) (٩). ٥ - النكت عَلَى كتاب ابن الصلاح، للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) (١٠).

стр. 32

الفصل الرابع المبحث الأول: التعريف بالمنظومات العلمية ونشأتها أولاً: تعريف النظم: أ- النظم لغة: التأليفُ، وضَمُّ شيء إلى شيءٍ آخَرَ، ونَظَمَ اللُّؤْلُؤَ: جَمَعَهُ فِي السِّلْكِ، وَمِنْهُ نَظَمَ ... الشِّعْرَ. (١) ب- واصطلاحاً: المنظوم: هو الكلام المقفَّى الموزون بأوزان مخصوصة. (٢) ج- الفرق بين الشِّعر والنظم: الشِّعرُ عادةً يطفح بالشعور الحيّ، والعاطفة الصادقة، فيؤثر في مشاعرنا، أما النظم فرُكِّبَ بطريقةٍ لا يُقصد بها إلا المحافظة على الوزن والإيقاع، والمقياس في التفريق بينهما يعود بالدرجة الأولى إلى الذوق الأدبي، ويمكننا التمييز بينهما أيضاً بأن المنظوم غالباً يكون من قول الفقهاء والنحاة ويكون في الشعر التعليمي. ومعظم النُّقَّاد يجعل النظمَ دون مرتبة الشعر في الجودة من حيث المضمون والخيال والعاطفة. (٣) ثانياً: المنظومات العلمية: لا شكّ أن كثيراً من العلوم الرئيسة -العربية والإسلامية- قد جرى تسجيلُها وتدوينُها نثراً ونظماً على مرّ العصور، وصحيحٌ أن النثرَ قد لعب الدور الأعظم في حفظ تُراث الحضارة العربية الإسلامية، إلا أنَّ المنظومات كانت تُشكِّل جانباً للحيوية في النواحي التعليمية، سواء كان ذلك في مجال العلوم العقلية أو في مجال العلوم النقليَّة. إنَّ المنظومات- بحكم تراكيبها وأوزانها - لم تُشكِّل أداةً مؤثّرة في مجال الذاكرة والاستذكار فحسب، بل إنَّها حافظت أيضاً على سلامة النصوص ذاتها، ذلك بفضل ما تخضع له - حَسْب معايير الشعر- من ميزان العرُوض، والالتزام بالروِيّ أو القافية، ولعلَّه من المُسلَّم به أن المنظومات التعليمية قد أسهمت إلى حدٍّ بعيد في سرعة وكفاءة التكوين التعليمي لعلماء العرب والمسلمين، وهي ظاهرةٌ قد تفسِّرُ

стр. 33

النبوغَ المبكِّر والمَنْحى الموسوعي لكثيرٍ من علماء العرب والمسلمين وأئمتهم، والقصائد والأراجيز التعليمية العربية لم تكد تترك فرعاً من فروع المعرفة طيلة الحضارة الإسلامية إلاّ وأسهمت فيه إسهاماً عظيماً. ولكنَّ صنْعَةَ المنظومات العلمية تتطلبُ بلا شك قاعدة معلومات مُتمكِّنة في الفن نفسه فضلاً عن مقدرة أدبية طيبة تُمكِّن من صَوْغ المعارف في قوالب شعرية رصينة ودقيقة. (١) ولم يقتصر النظم التعليمي على بحور معينة، وإنما توجد منظومات من كل بحور الشعر، بيد أن النظم التعليمي بطبيعته وأهدافه التي تستلزم البساطة قد اتخذ من بحر الرَّجَز أداةً طيِّعةً له، فصار أكثر بحور الشعر انتشاراً في المنظومات التعليمية. (٢)

стр. 34

ثالثاً: نشأة المنظومات العلمية: إن النظم التعليمي ضاربٌ في القِدم، حيث نجد في حضارة الإغريق وفي حضارة أهل الهند كثيراً من المعارف المنظومة، فيُعزى مثلاً للعالم الإغريقي اللغوي والرياضي "مترودورس" (حوالي ٥٠٠ بعد الميلاد) أنه اهتم بجمع الجانب الرياضي من المنظومات الإغريقية، كذلك نجد أن حضارة الهند قد اهتمت اهتماماً كبيراً بنظم العلوم، ولا أدلَّ على ذلك مما جاء على لسان العالم العربي أبي الريحان محمد بن أحمد البيروتي (توفي ٤٤٣ هـ) في كتابه: "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" حيث قال: " وكتبهم في العلوم مع ذلك منظومة بأنواع من الوزن في ذوقهم قد قصدوا بذلك انحفاظها على حالها وتقديرها وسرعة ظهور الفساد فيها عند وقوع الزيادة والنقصان ليسهل حفظها فإنّ تعويلهم عليه دون المكتوب". (١) ومن هذا يتبين لنا سبق كلٍّ من الحضارتين الإغريقية والهندية إلى نظم العلوم والمعارف، بغية تيسير استظهارها وضبط ألفاظها ومعانيها، إذ النظم -بحكم التزامه بموازين دقيقة- يكون أبعد من التحريف من النص المنثور، لكنَّ المسلمين فاقوا الحضارتين بعطائهم في هذا المضمار. لأن الإنسان العربي فُطِرَ على حب الشِّعر وتذوقه والتغني به، ولا غرابة في ذلك إذ الإنسان العربي مرهف الحس، ثاقب النظر، صادق التعبير، وكان الشِّعرُ ديوانهم وأنيسهم، يتبادلونه في مجالسهم ونواديهم ويتفاخرون به فيما بينهم، ويعقدون له المسابقات والمناظرات، وسطروا به مآثر الأجداد والآباء، ومثالب الخصوم والأعداء. ثم تعدَّى الشِّعر بعد ذلك حدود الأحاسيس والمشاعر والانفعالات الإنسانية إلى آفاق أرحب، تكاد تغطي مجمل المعارف الإنسانية برمتها، فخرج القصيد عن موضوعاته التقليدية كالمديح والغزل والعتاب والهجاء والفخر والرثاء، واتجه إلى صياغة شعرية لألوان المعرفة كافة، ولعل كثيراً من هذا قد قُصد به تيسير الحفظ للأغراض التعليمية، حيث إنها تخلو من عنصري العاطفة والخيال، وهما ركيزتان من الركائز الأساسية التي يقوم عليها الشعر. فنجد عبر هذا التحول والتطور في ميدان الشعر منظوماتٍ نُظمت في العلوم العقلية كالطب والفلك والرياضيات وغيرها، ومنظومات نُظمت في العلوم الإنسانية كالتاريخ والجغرافيا والملاحة وغيرها، وكذلك علوم اللغة العربية قد نُظمت كالبلاغة والمثلثات اللغوية والنحو والصرف وغيرها، ولكن المنظومات التي نُظمت في العلوم الشرعية قد حازت النصيب الأوفر من النظم العلمي.

стр. 35

والمنظومات العلمية عموماً -بجميع أنواعها- قد ظهرت في وقت مبكرٍ في الحضارة الإسلامية، فقد ظهرت منذ القرن الأول الهجري، وأول نظمٍ علميٍّ في التاريخ الإسلامي في علم الكيمياء (١)، للأمير خالد بن يزيد بن معاوية (٢) يشتمل على أكثر من ٢٣٠٠ بيت من قواف مختلفة. لكن قال الذهبي: " وهذا لم يصح". (٣) ومن أوائل المنظومات العلمية، منظومة في "الأشهر المسيحية" نظمها أبو عمر عبد الله بن المقفع (٤)، وبعده جاء نظم للخليل بن أحمد الفراهيدي (٥) "قصيدة في النحو".

стр. 36

ثم تتابعت المنظومات شيئاً فشيئاً، وكلما أمتدت السنين زادت عجلة المنظومات وكثرت حتى وصل النظم إلى ذروته في القرن السابع الهجري، فغطت جميع العلوم المعرفية -الشرعية والعقلية-. (١)

стр. 37

المبحث الثاني: التعريف بأهم المنظومات في مصطلح الحديث لم يُعرف لعلم المصطلح نظمٌ قبل منتصف القرن السابع الهجري، وكانت أول منظومة في هذا العلم لا تتعدى عشرين بيتاً، نظمها أبو العباس أحمد بن فَرْح اللَّخمى الإشبيلى (٦٢٥ - ٦٩٩ هـ)، نزيل دمشق، ثم جاء بعده أبو عبد الله محمد بن أحمد الخُوَيّي الشافعي (٦٢٦ - ٦٩٣ هـ) فنظم كتاب ابن الصلاح بأكثر من ألفٍ وستمائة بيت، ثم تتبابع النظم بعد ذلك، حتى جاوز السبعين نظماً إلى منتصف القرن الرابع عشر الهجري. (١) وإنما ذكرت الأولية لنظم الإشبيلي -مع أنهما متعاصران- لأن الخُوَيّي قال في آخر نظمه: وإذْ نظَمْتُ ما أردتُ نَظْمَهُ ... ويَسَّرَ الله تعالى خَتْمَهُ في الأولِ الأشهُرِ مبدا سَنَةِ ... إحدى وتسعين وستِمائَةِ وقال الإمام الذهبي -في ترجمة أحمد بن فَرْح الإشبيلي-: " وله قصيدة مليحة غَزَليّة فِي صفات الحديث، سمعتها منه، أوّلها: غَرَامِي صَحِيْحٌ وَالرَّجَا فِيْكَ مُعْضَلُ .. وَحُزْنِي وَدَمْعِي مُرْسَلٌ وَمُسَلْسَلُ وهي عشرون بيتًا سمعها منه شيخانا: الدّمياطي واليونيني سنة بضع وستين". (٢) وبهذا تتضح الأسبقية للأشبيلي بأكثر من اثنتين وعشرين سنة -على الأقل-. وفيما يلي أشهر وأهم المنظومات في المصطلح على حسب الترتيب الزمني: ١ - "غرامي صحيح" أو " الغرامية" (٣)، نظمها: الإِمَام الحافظ الزَّاهد بقيّة السَّلَف شهاب الدِّين، أبو الْعَبَّاس أَحْمَد بن فَرْح بن أَحْمَد، اللَّخْميّ، الإشبيليّ الشّافعيّ (٦٢٥ - ٦٩٩ هـ). ترجمته (٤): ولد بإشبيلية فِي ثالث ربيع الأوّل سنة خمس وعشرين وستّمائة، وأُسِرَ فِي أخذ الفرنج إشبيلية سنة ست وأربعين، وخلصه اللَّه، وقدِم الدّيار المصريّة سنة بضعٍ وخمسين، فتفقه بها عَلَى الشّيْخ عزّ الدّين ابن عَبْد السّلام قليلًا وسمع منه ومن غيره، وبدمشق سمع من شيخ الوقت ابن عَبْد الدّائم وغيره، وعُني

стр. 38

بالحديث وأتقن ألفاظه ومعانيه وفقْهه، حَتَّى من كبار الأئمّة، وذلك مُضافٌ إلى ما فِيهِ من الورع والصّدق والنُّسُك والدّيانة والسَّمْت الْحَسَن والتّعفّف وملازمة الاشتغال والإفادة، وكان فقيهًا بالشاميّة وبها يسكن، وله حلقة للإشغال بُكْرةً بجامع دمشق، عُرضت عليه مشيخة دار الحديث النّوريّة (١) فامتنع. نسبة النظم إليه: قال الذهبي: " وله قصيدة مليحة غَزَليّة فِي صفات الحديث، سمعتها منه، أوّلها: غَرَامِي صَحِيْحٌ وَالرَّجَا فِيْكَ مُعْضَلُ ... وَحُزْنِي وَدَمْعِي مُرْسَلٌ وَمُسَلْسَلُ". عدد أبياتها وبحرها: عشرون بيتاً فقط، على البحر الطويل. عناية العلماء بها: قال الكتَّاني: وعليها عدةُ شروح: للحافظ قاسم بن قطلوبغا الحنفي، ولبدر الدين محمد بن أبي بكر بن جماعة سماه: "زوال الترح بشرح منظومة ابن فرح" وفي بغية الرواة أن له عليها شروحا ثلاثة، ولأبي العباس أحمد بن حسين بن علي بن الخطيب بن قنفذ القسمطيني المتوفى: ٨١٠ هـ، ولشمس الدين أبي الفضل محمد بن محمد بن محمد الدلجي العثماني الشافعي المتوفى: سنة خمسين أو سبع وأربعين وتسعمائة، ولمحمد بن إبراهيم بن خليل التتائي المالكي المتوفى: سنة سبع وثلاثين وتسعمائة ولغيرهم. (٢) قال ابن العماد الحنبلي: " ولقد حفظها جماعة، وعلى فهمها عوَّلوا". (٣) ٢ - "التبصرة والتذكرة" لحافظ العصر أبي الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي الشافعي (٧٢٥ - ٨٠٦ هـ). ترجمته (٤): مهرانيّ المولد عراقي الأصل من الأكراد، ولد في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين، تحوّل صغيراً مع أبيه إلى مصر، فتعلم ونبغ فيها، وحفظ التنبيه في الفقه، واشتغل بالفقه والقراءات، ولازم المشايخ في الرواية، وسمع من ابن عبد الهادي وعلاء الدين التركماني وغيرهما، ورحل مرّاتٍ إلى دمشق وحلب والحجاز وفلسطين فسمع من علمائها، وصار المنظور إليه في هذا الفن، وصنّف: "تخريج أحاديث الإحياء" و"نظم الدرر السنية" منظومة في السيرة النبويّة، و"الألفية في غريب القرآن" و"تقريب

стр. 39

الأسانيد وترتيب المسانيد"، وأشياء كباراً وصغاراً، وعليه تخرّج غالب أهل عصره، ومن أخصهم به صهره الشيخ نور الدين الهيثمي، ومن أعلمهم الحافظ ابن حجر العسقلاني، مات العراقي في ثامن شعبان وله إحدى وثمانون سنة. نسبة النظم إليه: قال تلميذه ابن حجر: "ونظم علوم الحديث لابن الصلاح ألفيّة" (١). عدد أبياتها وبحرها: بلغ عدد أبياتها ألفاً وبيتينِ، على بحر الرَّجَز. عناية العلماء بها: شرحها جماعة من أهل العلم منهم: الناظم نفسه، وله عليها شرحان شرح مطول لم يكمله، وشرح متوسط طبع باسم شرح ألفية العراقي المسماه بالتبصرة والتذكرة، كما شرحها الشيخ أبو الخير شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي الشافعي المتوفي سنة (٩٠٣ هـ) رحمه الله تعالى، وسمى شرحه: "فتح المغيث بشرح ألفية الحديث" وهو أحسن شروح الألفية، وشرحها الشيخ زين الدين زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري الشافعي المتوفي سنة (٩٢٦ هـ) رحمه الله تعالى، واسم شرحه "فتح الباقي على ألفية العراقي". (٢) ٣ - "نظم الدرر في علم الأثر" لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (٨٤٩ - ٩١١ هـ). ترجمته (٣): الإمام الحافظ المؤرخ الأديب، جلال الدين السيوطي، مات والده وعمره خمس سنوات، فنشأ في القاهرة يتيما، وقد أسند أبوه وصايته إلى جماعة، فختم القرآن العظيم، وله من العمر دون ثمان سنين، ثم حفظ "عمدة الأحكام"، و"منهاج النووي"، و"ألفية ابن مالك"، و"منهاج البيضاوي"، وعرض ذلك على علماء عصره وأجازوه، وأخذ عن الجلال المحليّ، وأحضره والده مجلس الحافظ ابن حجر، وأخذ عن قرأ على الشّمس المرزباني الحنفي ولزمه حتى مات سنة سبع وستين وثمانمائة، ولزم أيضا الشّرف المناوي إلى أن مات، وقرأ عليه ما لا يحصى، وكان السيوطي من أذكياء العالم؛ قال تلميذه الداوودي: "عاينت الشيخ وقد كتب في يوم واحد ثلاثة كراريس تأليفا وتحريرا، وكان مع ذلك يملي الحديث ويجيب عن المتعارض منه بأجوبة حسنة". وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه رجالا وغريبا ومتنا وسندا واستنباطا للأحكام منه، وأخبر عن نفسه أنه يحفظ مائتي ألف حديث. قال: "ولو وجدت أكثر لحفظته". قال: "ولعله لا يوجد على وجه الأرض الآن أكثر من ذلك". ولما بلغ أربعين سنة أخذ في التجرد للعبادة والانقطاع إلى الله تعالى والاشتغال به صرفا والإعراض عن الدنيا وأهلها كأنه لم يعرف أحدا منهم، وشرع في تحرير مؤلفاته، فألف أكثر كتبه، وترك الإفتاء

стр. 40

والتدريس، وأقام في روضة المقياس على النيل فلم يتحوّل منها إلى أن مات، وكان الأغنياء والأمراء يزورونه ويعرضون عليه الأموال والهدايا فيردها، وطلبه السلطان مرارا فلم يحضر إليه، وأرسل إليه هدايا فردها. نسبة النظم إليه: ذكرها حاجي خليفة في "كشف الظنون" قال: "نظم الدرر في علم الأثر"، ألفية في الحديث، لجلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، أولها: (لله حمدي، وإليه أستند ... الخ). (١) عدد أبياتها وبحرها: بلغ عدد أبياتها ٩٩٤ بيتاً (٢)، على بحر الرَّجَز. نظمها السيوطي قاصداً الزيادة على ألفية العراقي، والاختصار، وحسن التناسب، فقال في مقدمتها: وهذهِ أَلْفيَّةٌ تَحكِى الدُّرَرْ ... منظومةٌ ضَمَّنْتُها عِلْمَ الأَثَرْ فائِقةٌ أَلْفيَّةَ العِرَاقِي ... فِي الجَمْعِ والإِيجازِ وَاتِّسَاقِ عناية العلماء بها: شرحها السيوطي نفسه، وسمى شرحه: "البحر الذي زخر" (٣)، وشرحها الشيخ محيي الدين عبد الحميد في مجلدين، وشرحها الشيخ محمد ابن العلامة علي بن آدم ابن موسى الأثيوبي الولوي، وسماه: "إسعاف ذوي الوَطَر بشرح نظم الدُّرَر في علم الأثر". ٤ - "المنظومة البيقونية" نظمها عمر (أو: طه) بن محمد بن فتوح البيقوني (توفي نحو ١٠٨٠ هـ) عالم بمصطلح الحديث، دمشقي شافعيّ، اشتهر بمنظومته المعروفة باسمه. (٤) نسبة النظم إليه: وأثبت نسبتها إليه: الكتاني (٥)، وسركيس (٦). عدد أبياتها وبحرُها: نُظمت على بحر الرَّجَز، وتقع في (٣٤) بيتاً كما ذكر المؤلف ذلك في آخرها بقوله: فَوْقَ الثَّلاثِينَ بأَرْبَعٍ أَتَتْ ... أَبْيَاتُها ثُمَّ بِخَيْرٍ خُتِمَتْ عناية العلماء بها: وضع الناس عليها شروحاً عديدة منها: شرْحٌ للشيخ محمد بن عبد الباقي الزرقاني المالكي المتوفي سنة (١١٢٢ هـ)، وشرح للشيخ محمد بن صعدان الشهير بجاد المولى الشافعي الحاجري (المتوفى ١٢٢٩ هـ)، وشرح الشيخ محمود بن محمد بن عبد الدائم الشهير بنشابة المتوفي سنة (١٣٠٨ هـ) رحمه الله تعالى المسمى "البهجة الوضية شرح متن البيقونية"، وشرح الشيخ عثمان بن المكي التوزي الزبيدي المتوفي بعد سنة (١٣٣٠ هـ) رحمه الله تعالى سماه "القلائد العنبرية علي المنظومة البيقونية"، وشرح
следующие страницы →