المبحث الثاني: المشككون بالسنّة الشريفة في العالم العربي:
إنّ مما ابتُليَ به المسلمون في كلّ عصر، وخصوصاً في هذا العصر أنّ عدداً من الشخصيات المتفرّقة التي ينتسبُ بعضُها إلى العلم الشرعيّ ممن درسوه وتخصّصوا في بعض مجالاته، وينتسب بعضُها إلى علومٍ أُخرى تطفّلوا على العلوم الشرعية بالكلامِ فيها، فصرّحوا، وحرّضوا، وأفتَوا، بما حلا لهم، وبما راقَ لهم من أهواءِ، وعليهم يصدُقُ قول الشاعر:
يقولونَ: هذا عِندَنا غيرُ جائزٍ ومن أنتُمُ حتى يكونَ لكمْ عِندُ؟
وقد مُحِنَتِ الأمةُ المسلمة في عصرِها الحديث في بلادِ العرب ـ وفي أمّها مصر ـ بنكراتٍ تعرّفوا بالشذوذ، واشتُهِروا بتبنِّيهم من الآراء كلَّ منبوذ.
وقد نبغَ منهم في القرنَين الماضيَين أشخاصٌ هيَّئوا التربةَ المتقبّلةَ لظهور القرآنيين المعاصرين، ذلك بما أشاعوه من انتقاص كتب الحديث والفقه والتفسير المتقدمة، ورفعهم لواءَ الإصلاح والتجديد، والتنوير ومحاربة البدع ... وما إلى ذلك من شعارات برّاقة، زُبِرَت على راياتٍ خفّاقة، وكانت كلماتِ حقٍّ أُريد بها في كثيرٍ من الأحيان الباطلُ الصُّراح، والضلالُ البَواح.
ومن أبرز هذه الشخصيات التي تطاولت بطريقةٍ أو بأخرى على أخبار السنة المطهَّرة الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية (١).
стр. 37
وسار على دربِهِ الأستاذ أحمد أمين (١)، والمترفِّض محمود أبو رية (٢).
стр. 38
ولم يكُفَّ الزمانُ إلى هذه اللحظة عن أن يُطلِعَ على الأمّة رُويبضاتٍ بالعشرات بل المئات، نبتَت نوابتُهم في البلدان الإسلامية كافّةً سنةً بعد أُخرى.
من ذلك جماعة صغيرةٌ جداً تحمل تشابُهاً كبيراً جدّاً بينها وبين «القرآنيين» تُسمّى «جماعة الربانيين»، يرأسُها فلسطينيٌّ من مدينة نابلس اسمه «محمد راجح يوسف دويكات» (١)، وقد افتتحت موقعاً الكترونياً يُدعى موقع «كونوا ربانيين» (٢).
يقول رأس هذه الفرقة في مقال: «تعريف بمدرسة الربانيين»:
وترى مدرسة الربّانيّين أن "الخير" هو في كتاب الله تعالى الذي هو وحده «الحقُّ» معرفاً، لا يشاركه في ذلك سِفر ولا كتاب كما لا يشارك اللهَ تعالى في الألوهية شيءٌ ولا في الربوبية أحد» .... «ترى مدرسة الربانيين أن الالتزام بما ذُكر كما فعل الرسول النبي الكريم مع المؤمنين الأولين، واتباعَ "ملة إبراهيم" في التعليم والدعوة - كما أمر الله سبحانه رسوله الكريم أن يفعل ... ففعل».
ثم يقول: ولكن الرباني في سبيل فهم النص القرآني المقدس (وهو نص متشابه مثاني [كذا]) يدرس كل شيءٍ يُمكن أن يعينه على فهمه بدءاً بالسيرة النبوية العملية لا السنة التراثية التي لا لأصل لها» (٣).
ومن بدع المدعوّ دويكات الطريفة مقالُ «مفهوم سنة الله وسننه من كتابه العظيم فلا سنة لأحد إلا لله وحده».
وفيه يقول:
«تؤرخ الآية ٨٠/ آل عمران برقمها القرءاني (٣٧٣) لعام ٣٧٣ هـ (٩٨٣ - ٩٨٤ م) الذي تكرّس فيه الضلال تحت حكم البويهيين حين طغى زبد الأحاديث و (السنة المفتراة على الرسول والنبي معاً) على القرءان المنزل من السماء بعد أن اتخذه العرب وغير العرب مهجوراً، وفُرِضَ القول بالسنة على الناس حتى اليوم، مع أن أشهر كتب السنة عندهم (البخاري ومسلم حتى وفاة مسلم عام ٢٦١ هجري)
стр. 39
خلت من أيّ حديثٍ يدعو إلى السنة، بل العكس هو الصحيح، فقد اتفق البخاري ومسلم على أن النبيَّ لم يُوصِ بشيء سوى أنه أوصى بكتاب الله، وانفرد مسلم بحديث الاعتصام المشهور ولكنه لم يذكر السنة أبداً: «وقد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا: كتاب الله».
ولم يذكر السنة، فليرجع من يحرص على دينه إلى كتاب الحج باب خطبة الوداع في الكتاب المذكور ليعلم مدى التزوير الذي أحدثه المضلّون في دين الله.
ويؤكد هذا الفهم أن رقم كلمة «مهجوراً» في كلمات سورة الفرقان المكتوبة هو (٣٧٣) كذلك: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (٣٧٣)(٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [٢٥ الفرقان].
فعدوّ النبي من المجرمين هم الذين شغلوا الناس بالأحاديث المكذوبة والمرويات التراثية الخرافية ليصرفوهم عن القرءان حتى هجروه! بعد أنْ لم يستطيعوا تزويره بسبب حفظ الله له.
كما يؤكد هذا المفهوم الخطير الذي يجب أن ترتعد له فرائصُ كل من يظن نفسه مؤمناً ... تؤكده الآيتان ٢٩+٣٠ من سورة الأعراف اللتان تؤرخان لعودة الناس إلى الضلال الذي كانوا عليه قبل القرءان:
" .... وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ (٣٧٣) تَعُودُونَ (٢٩)(٩٨٣) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)(٩٨٤) " ٧/ الأعراف
فرقم كلمة (بَدَأكُم) تعودون في كلمات سورة الأعراف المكتوبة (٣٧٣) يشير إلى عام ٣٧٣ / هـ الموافق لسنتي ٩٨٣/ ٩٨٤/ م وهما الرقمان القرآنيّان للآيتين ٢٩+٣٠/ من سورة الأعراف. فتكون هاتان الآيتان قد أرَّختا لعودة (المسلمين التراثيين) إلى الضلال الذي دلّ عليه مفهوم الكلمات، وبرقم الكلمة التي أشار إليها العام الهجري (٣٧٣) الموافق للسنتين الميلاديّتين ٩٨٣/ ٩٨٤/م ... » (١).
стр. 40
المبحث الثالث: جماعة حزب التحرير مثالاً للتلاعب بالنصوص الشرعية .
تُعدُّ الأحزاب والجماعات السياسية الإسلاموية (١) من أمثلةِ الفئات المسلمة التي رأت في أشياءَ من السنة النبوية المطهَّرة عقباتٍ أمام مخطّطاتِها.
فجماعات الغلوّ والتكفير سارت على نهج الخوارج شبراً بشبر، وذراعاً بذراع.
وجماعات التجديد (التبديد) شرَقَت بكثيرٍ من التشريعاتِ النبويّة، والأحاديثِ المصطفويّة، التي رأتها برأيِها الفاسِد، ورأتها برأيها الكاسد (٢)، عقباتٍ أمام النهوض الذي توهّموه، وسدوداًَ بين يدي كلّ مأربٍ أرادوه.
والطرفان اتفقا على إنكارِ شيءٍ من المأثور، ورميِ بعضٍ من الأحكام الفقهية وراء الظهور، بعد أن عسُرَ تطويعُ ما لم يرُقْ لهم وتأويلُه، ولم يجدوا إلى ابتداعِ تفسيراتٍ «تنويريةٍ» للنصوص الشرعية سبيلاً.
ومن أمثلة هذه الجماعات «حزب التحرير» (٣)، وهو حزبٌ جعل قِبلتَهُ المقصودَة، وأكبرَ أهدافِه المنشودَة، إعادةَ وهمِ «الخلافة» وتربُّعِ «خليفة» على عرش الأمة!
وإنّ جَعْلَ «الخلافة» غايةَ الغايات، وأمنيّةَ الأمنيات، يدُلُّ على اختلالٍ منهجيّ لدى هذا الحزب؛ حيثُ إنّ المتابعَ دعوةَ النبيِّ ﷺ يجدُ أنّ سنيْ هذه
стр. 41
الدعوة الأولى رُكِّزَ فيها ـ عبر قرآنها المكيّ، وسيرةِ رسول الله ﷺ فيها ـ على بناء عقيدة التوحيد الصافية في نفوس المسلمين، وحُرِصَ فيها على ترسيخ معاني الإيمان في القلوب، ثم بعدَما تأصّلت هذه الأصولُ في نفوس المؤمنين شُرِعت الشَّعائر، وقُنِّنَت الأحكام، وجاء الأمرُ والنهيُ بالفروع في المرحلة الثانية من الدعوة النبوية في المدينة المنوّرة.
وفي أواخر هذه المرحلة تمّ قيامُ دولة سياسيةٌ كان رسولُ الله ﷺ قائدَها ومُشرِّعَها.
وإن القارئَ لقصة الخلافة الإسلامية عبر العصور يجدُها قد انحرَفَتْ عن مقصِدِها الذي قامت لأجله منذ باكرِ تاريخ المسلمين، وإنّ الأمراضَ التي أصابت «الخلافةَ» شلّتها شللاً كاملاً في مراحلَ مختلفةٍ من تاريخنا، فلم يعُدْ منها إلا اسمُها ورسمُها بغير دورٍ حقيقيٍّ فاعلٍ على ساحة الأحداث.
ثم ها هي قد أُلغيَت بالكلية منذ عام ١٩٢٤ م، والأمة في كلّ تلك الحِقَبِ لم تمُتْ، بل لم تفقُدْ قُواها الدينية والعلمية والحضارية فُقداناً كاملاً البتّةَ، بل إنها مرّت بفترات قوّةٍ على صُعُدٍ مختلفةٍ في حين أنّ الخلافة كانت هاويةً إلى الهاوية.
فالنظرُ إلى حلّ مشاكل الأمة المختلفة عبرَ تنصيب خليفةٍ دون القيام بما يجب القيام به مما قام به النبي ﷺ من إعادة بناء العقيدة الصحيحة البعيدة عن البدع والخرافات، وإعادة رفع صرح الإيمان والأخلاق عالياً في النفوس، وإعادة سيطرة مبدأ السمع والطاعة لله ولرسوله على النفوس والعقول، وإعادة التزام الأمة الطوعيّ أفراداً وجماعاتٍ ثمّ دولاً بالأحكام الشرعية الثابتة الراسخة، ثم التقيُّد بالأرجح دليلاً مما هو مختلَفٌ فيه؛ الحال التي تؤدي إلى اصطباغ الأمة بالإسلام اصطباغاً حقيقياً يُفرِزُ قياداتٍ من هذه الأمة مؤمنةٍ بالحياة بهذا الدين، في سبيل هذا الدين.
وسواءٌ أسُميَت الواحدة من هذه القيادات «خليفة»، أو «أميراً»، أو «رئيساً»، أو «زعيماً أو? ? ملكاً» .... فإن العبرة ليست بالتسمية بل بالحقيقة التي يقوم عليها المسمّى، ويعيشُها ويتمثّلُها.
стр. 42
مع هذا الانحراف المنهجيّ لدى حزب التحرير، فإنّ مما يستغرب منه المطّلعُ أنّ هذا الحزب ضمّ إلى ذلك انحرافاتٍ عقَديّةً، وفقهيّة، وأخلاقية، وسلوكيةً خطيرة!
فهل السبيل إلى دولة الإسلام يكون عبر الانزلاق إلى مَهواةِ اعتبار العالم بأسره دار كفرٍ، بما فيه دول العالم الإسلاميّ؟ (١).
وهل الإيمان بالخلافة الإسلامية يتطلب إنكار القضاء والقدر؟ (٢).
فما دخلُ إعادة بناء الدولة الإسلامية العصماء بوجوب اعتقاد «التحريريّين» بحرمة الاعتقاد بعذاب القبر، وبإنكار المسيح الدجال؟ (٣).
وما الرابط بين الخلافة وترك الصلاة بدعوى عدم التمكين في الأرض؟ (٤).
стр. 43
وما علاقة عرش الخلافة بالفتاوى التي تُجيز مُصافحة المرأة الأجنبية (١) بل وتقبيلِها (٢)؟ .
стр. 44
وما شأنُ إباحةِ خروج المرأة بالبنطال دون حجابٍ شرعيٍّ ويكفيها أن تضعَ «باروكة» شعر مستعار تُخفي شعرها الحقيقيّ، هي ليست بناشزٍ حينئذٍ ولو عصت أمر زوجها؟ (١).
стр. 45
ناهيك عن قائمةٍ من الآراء الغريبة، والفتاوى المُريبة، التي لا تدلُّ إلا على قُصورٍ في التأصيل، وضحالةٍ في المستوى العلميّ، وقلةٍ في الزاد الشرعيّ (٣).
بل تدلّ على جهلٍ ببدهيّاتِ الإسلام، وتُشير إلى وجود داءٍ عُضالٍ في العقيدة، وانحرافٍ في بوصلة الإيمان، وضعفٍ في قابلية التلقّي عن سنة خير المرسلين وحبيب رب العالمين، وإعمالٍ للأهواء فيها تعطيلاً وتأويلاً، وإنكارٍ لشيءٍ مما صحّ منها، وهذه الإنكار بليّة عظيمة، وداهية جسيمة.
مع الإقرار بأنّ «التحريريين» لا يُنكِرون السنة جملةً، ولا يرفضونها كلّيةً ـ وهم بذلك ليسوا على منهج «القرآنيين» البتّةَ ـ ولكنّهم سلكوا معها سبيلَ الابتداع، ولم يلتزموا منهجَ الاتّباع، فحادوا عن السبيل بعضَ الحياد، هدانا الله وإياهم إلى الحقّ والرشاد.
هذا مع أن للشيخ النبهاني كلاماً حسناً في «السنة والتأسي بالنبي ﷺ » في كتابه «نظام الإسلام» (١).
стр. 46
الفصل الثالث: فرقة «القرآنيون»
стр. 47
المبحث الأول: شخصية فرقة «القرآنيون»:
المطلب الأول: نشأتها:
استمراراً للفكر المعوجّ الذي اتخذ من التشكيك بالسنن ورواتها ومصادرها لواءاً يرفعه في العالم العربي تحت مسمّياتٍ مختلفة من التجديد والتنوير والتطوير والإصلاح، فقد ظهرت فرقة «أهل القرآن» من جديد على يد الدكتور الأزهريّ المصريّ أحمد صبحي منصور (١).
الذي «بدأ في حرب الإسلام والسنة المطهرة منذ سنة ١٩٧٧ م، بالبحث والمقال والكتاب والندوات، وصودرت بعض كتبه، وانكشف أمره من طلابه، واعترف في التحقيقات بضلاله الذي تمسك به، فأصدر الأزهر قراراً بفصله من الجامعة عام ١٩٨٧ م، بسبب إنكاره للسنة النبوية، وتطاوله على علماء الحديث النبوي مثل البخاري (٢)، الذي يتهمه بالعداوة للإسلام والقرآن، وقيامه بتأسيس مذهب الاكتفاء بالقرآن كمصدر للتشريع الإسلامي.
стр. 48
وقد التقى معه رشاد خليفة في مصر، ثم ذهب هو إليه في أمريكا، ورشاد خليفة هذا هو كبير زنادقة العصر الحديث؛ إذ ادعى النبوة فتلقفته أمريكا، وظل في أحضان الأمريكان حتى قتل هناك في أوائل التسعينيات (١).
وقد عاد صبحي منصور إلى القاهرة، ووضع قدميه على أحد المنابر بالقاهرة، يبشر بدعوته الجديدة التي تقوم على تسفيه كلِّ ما ورد في السنة النبوية من أحكام، إلا أن عوامّ المسلمين الذين لم يستوعبوا الدعوة الخبيثة، استشعَروا الكفرَ البَواحَ فيما يقول، فحملوه على أكتافهم إلى قسم الشرطة، حيث أُودع في السجن عدة أسابيع.
ثم خرج ليعمل محاضراً بالجامعة الأمريكية في القاهرة لعدة شهور - كالعادة تجاه كل من يعادي الإسلام وتتولاه أمريكا بالرعاية ـ إلى أن تفرغ للعمل في مركز ابن خلدون بالقاهرة لمدة خمس سنوات، مع مديره سعد الدين إبراهيم، وهو المركز المشبوه المعروف بتبعيته للأمريكان واليهود وعدائه الفجّ للإسلام، والذي داهمته الشرطة المصرية عام ٢٠٠٠ م، وقبضت على مديره بتهمة خيانة الوطن.
وبعد المشكلات القضائية التي واجهها المركز ومديره وانتهت بإغلاقه، لجأ صبحي منصور إلى الولايات المتحدة الأمريكية، خوفاً من اعتقاله في مصر، ليعمل
стр. 49
مدرساً في جامعة هارفارد، وبالوقفية الوطنية للديمقراطية، ثم لينشئ مركزه الخاص تحت اسم «المركز العالمي للقرآن الكريم»، كما أسس مع آخرين في واشنطن «مركز التنوع الإسلامي» سنة ٢٠٠٤ م، وأسس مع ناشطين أمريكيين في بوسطن «مركز مواطنون من أجل السلام والتسامح» سنة ٢٠٠٥ م، وشارك في إدارة مركز «التحالف الإسلامي ضد الإرهاب» في واشنطن منذ ٢٠٠٥ م.
وبعد أن استقرت أحواله نوعاً ما، بدأ حربه للسنة على ساحة الإنترنت، منذ أكتوبر ٢٠٠٤ م، إذ أنشأ موقعاً على الشبكة يدعى «أهل القرآن»، وهو ينشط الآن في نشر مقالاته وكتبه الضالة، على موقعه هذا وعلى بعض المواقع الأخرى (١)، وتَلقى صدىً واسعاً من قبل أعداء الإسلام، ويتم ترجمة بعضها للإنجليزية» (٢).
المطلب الثاني: أبرز أعلامها المعلنين انتماءهم إليها:
إنّ الناظر في كتّابِ موقع أهل القرآن ـ وعددُهم مئة وواحدٌ وستّون (٣) ـ يجدهم خليطاً من رجالٍ ونساءٍ أكثرُهم من دولٍ إسلامية عديدة، وأقلُّهم من دولٍ غير إسلامية (٤).
стр. 50
ولكن اللافتَ للنظر أن يكون بينهم عددٌ من غير المسلمين، فهل آمن أولئكم بالقرآن حتى ينبروا للدفاع عنه ضدّ فرية السنة كما يزعمون، أم إنّ هذا الموقع أصبح منبراً لكلّ من يُريد مهاجمة الإسلام والشريعة الإسلامية، والأمة الإسلامية؟
فإذا سلمنا بأنّ أكثرَ كتاب الموقع مسلمون أصلاً، فماذا يفعل بينهم مجدي خليل القبطي المصري (١)، والقبطيّ المصريّ الآخر كمال غبريال (٢)، وغيرهم الذين يصرّحون بعداوة الإسلام نفسه، ويتطاولون على الذات الإلهية، والقرآن الكريم (٣).
стр. 51
ناهيكَ عن نورا برثول، ونورمان كورلاند، وستيفن شوارتز، ومايك جويس الذين لا تُوحي أسماؤُهم بأنهم مسلمون أصلاً.
والسؤال المرّ: لماذا يقيم قرابة عشرونَ منهم في الولايات المتحدة؟ (١).
إذا ادّعوا أنهم لاجئون هاربون من اضطهاد الأنظمة الحاكمة في بلادهم، فلما لم يلجأ الباقون من إخوانهم الذين دوّنوا مكان إقامتهم في بلدانهم الأصلية؛ إذ إنّ العدد الأكبر من كتاب الموقع أثبتوا في خانة وطن الإقامة «مصر».
لا أظنّ أن الجواب سيكون إلا أنّ هؤلاء المقيمين في حضن أمريكا الدافئ ذوو رُتَبٍ عُليا في مخططات محاربة الأمة العربية والإسلامية، ومحاربة دولِهم، وهم عن ساروا على الدرب يصلون إلى عشّ الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان (٢).
ولماذا نجد كتابات أحمد صبحي منصور في مواقعِ ومنتديات أعداء الإسلام والعروبة، والأمتين العربية والإسلامية على حدّ سواء.
وكيف يقبل أحمد صبحي منصور بأن يكتب في «شبكة اللادينيين العرب» (٣)، و «شبكة الأقباط الأحرار» (٤)؟ .
стр. 52
ولماذا نجدُ اسمَهُ ضمن قائمة «أبطال الصحوة» (١)؟ .
وأما مؤتمر القرآنيين الذي سيُعقَدُ تحت شعار «الاحتفال بالكفر .. التكفير الناقد من أجل الإصلاح الإسلامي» والذي سيعقد ما بين ٢٨ و ٣٠ مارس الجاري (٢٠٠٩)(٢).
стр. 53
فإنّ «ما يثير الدهشة أن المؤتمر يشارك في تنظيمه البروفيسور عبد الله نعيم، أستاذ القانون في جامعة إيموري والسوداني الأصل والذي يعمل حالياً على بحث لاكتشاف طرق علمانية لفصل الإسلام عن الدولة في العالم الإسلامي.
والكاتبة الأمريكية الإيرانية الأصل ميلودي معزي، والتي ألفت كتابا عن حياة المسلمين الأمريكيين.
ويحضر المؤتمر المخرجة المصرية نادية كامل مخرجة فيلم «سلطة بلدي» الذي تحكي فيه عن قصص الإسلام في مصر، ويعتبر فيلمها التسجيلي الأول.
كما يشارك عددٌ من المفكرين العرب والمسلمين المثيرين للجدل منهم الكاتب المصري طارق حجي، عضو مجلس استشاري لمعهد دراسة الإرهاب والعنف السياسي في واشنطن من مصر.
وإرشاد مانجي، الكندية ذات الأصول الباكستانية التي اعترفت بشذوذها الجنسي علناً، وتطالب بإصلاح الإسلام في أمريكا الشمالية من أجل تقبل الشواذ» (١).
стр. 54
المبحث الثاني: عقائد القرآنيين
المطلب الأول: القرآنيون ورسول الله محمدٌ ﷺ :
لم يعُد يخفى أنّ مذهب القرآنيين يقوم على إنكار السنة النبوية وعدم الإيمان إلا بالقرآن، وهذا هو صريح قولهم، بل شعارُهم!
فمن شروط النشر التي وضعها زعيمُهم في موقعهم المعتمد ما يلي:
١ - موقع أهل القرآن تم إنشاؤه خصيصاً من أجل هدفٍ واحد، وهو توحيد كلمة كل من يؤمن بالقرآن الكريم كمصدر «أوحد» لتعاليم الإسلام وتوجيهاته وتفسير تشريعاته ومنهاجه، ومن ثم فلن يسمح الموقع لمن يتخذ من ما يطلق عليه «الحديث النبوي» أو «السنة النبوية» وسيلةً أو مرجعاً لإثبات وجهة نظر معينه أو تفسير آيات القرآن الكريم.
وفيه: ٦ ـ عدم التقوُّل على الله تعالى أو على رسوله بما يعرف بالحديث القدسي أو الحديث النبوي. (١).
وفي نفس الصفحة هناك ما سَمَّوه «منهج أهل القرآن»، وفيه:
«موقع أهل القرآن» يفتح أبوابه لكل فكر حرٍّ؛ بشرط ألاّ يسند الكاتب حديثاً لخاتم النبيين محمد ﵇ عبرَ ما يعرف بالسنة، أو أن ينسب قولاً لله تعالى خارج القرآن عبر الأكذوبة المسماة بالحديث القدسي.
إلى أن قال: الموقع البسيط قد يكون الوحيد الذي ينصر الله تعالى ورسوله وينفي الأكاذيب المسماة بالحديث النبوي والحديث القدسي. (٢).
وعلى الرغم من بعض محاولات تلطيف دعوتهم يقومون بها أحياناً بمخادعاتٍ لم تعد تنطلي على أحد؛ من مثل خروج المدعو علي عبد الجواد بمقال
ويقول في مقال «أنا قرآني»:
«أنا قرءاني لا أنكر السنة، وأنكر كل الروايات المخالفة للقرءان.
والله أنا قرءانى حتى ولو جعلوا القرءان سبّةً للمسلمين.
стр. 55
عنوانه: «أنا قرآني لا أنكر السنة»، ويصدّره بقوله: «أنا قرءاني لست منكراً لسنة النبي (١) ولكني منكر لرضاع الكبير وشرب الأبوال» (٢).
حيث صدق الله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [سورة الفرقان: الآية ٣٠]. أنا قرءاني كما أمرني رسول الله .... » (٣).
وذكر حديثَ «ألا إنها ستكون فتنة .... » وخرّجه بإسنادِه من الترمذي (٢٨٣١) والدارمي (٣١٩٧) و (٣١٩٧) [كذا].
ثم أخذَ يُشوّشُ ويُهوِّشُ بقوله: «فما هو رأي المسلمين في هذا الحديث؟ ؟
سيقول لك العقلاء: هذا حديث يوافق القرءان والعقل وليس فيه علة ولا شذوذ.
стр. 56
هذا حديث جامع يبين فضائل القرءان ولا يحتاج إلى شرح ولا تعليل ولا تبرير،
فيرد عليهم رجالُ النقل بلا عقل ويقولون: إن في سند هذه الرواية مجهول ومتشيّع (١).
أي: إنها رواية ضعيفة؟ ؟
فيتسائل (٢) المسلم العادي: يعنى نصدق الحديث أو نكذبه؟ ؟
يعنى نصدق أن القرءان فيه الصفات المذكورة أم نكذبها؟ ؟
يعني القرءان كويس ولا وحش؟ ؟ (٣).
فيقولون لك: السند (أي: فلان عن فلان) فيه رواة مجروحين (٤)، منهم ابي (٥) المختار الطائي مجهول؟ ؟ ومنهم بن (٦) أبي الحارث مجهول أيضاً.
أي: مشكوك فيهم ولكن المتن سليم لا شذوذ فيه ولا علة فيمكن الأخذ به.
وأنا اتسائل (٧)؟ ؟ اذا كان الرواة مجهولين فلماذا كتب الحديث أصلا؟ ؟ وكيف روى الرواة عن رجل لا يعرفه أحد» (٨).
وهذا يُبيّنُ مقدار علم هذا المتحذلق المتفيهق بعلم مصطلح الحديث الذي يسخر منه.
стр. 57
إضافةً إلى إنكار السُّنّة المطهَّرة فإنّه لدى القرآنيين سلبُ النبيّ ﷺ حقّ التشريع والحُكم.
وقد ردّدوا ذلك وأكّدوه مراراً وتكراراً، فمن ذلك على سبيل المثال:
يقول كبير الطائفة أحمد صبحي منصور في مقال له يعترض فيه على تحريم التدخين: «واكتمال الإسلام باكتمال القرآن ينفي أن باب التشريع بالتحريم والتحليل لا يزال مفتوحاً لأي بشر بعد موت النبي ﵇ الذي كان يوحى إليه.
بل إن النبي نفسه كان ممنوعاً من أن يحرم شيئاً برأيه الشخصي خارج المحرمات التي حددها الله تعالى في القرآن الكريم، وحين حرم النبي علي نفسه ـ في حياته ـ بعض الأشياء برأيه الشخصي خارج المحرمات التي حددها الله تعالي في القرآن الكريم نزل الوحي يقول له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [سورة التحريم ٦٦: الآية ١].
مع ملاحظة أن النبي حرم ذلك الشيء على نفسه ولم يحرمه على غيره كما يفعل الفقهاء السنيون الذين يحرمون ما لم يرد في القرآن تحريمه ويُلزمون بذلك المسلمين، ويرفعون أنفُسهم فوق مكانة النبي ﵇ الذي لم يكن له حق التشريع، بل كان فقط مُبلِّغاً للتشريع الإسلامي، حيث إن التشريع الإسلامي حقٌّ لله تعالى وحده، وحيث إن الدين كله لله تعالى وحده» (١).
وقال المدعوّ علي عبد الجواد أحد نشطاء موقع القرآنيين في مطلع مقال له:
«الرسول (٢) لا يحرم؛ لقول الله (٣): ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التحريم ٦٦: الآية ١].
стр. 58
الرسول لا يحلل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [سورة الأحزاب ٣٣: الآية ٥٠]» (١).
وأكّد في تعقيبٍ حواريٍّ له مع بعض أضرابه حول مقاله المشؤوم:
«والقاعدة هي أن رسول الله لا يحرم ولا يحلل».
وفاضحةُ موقف القرآنيين الحاقد على رسول الله ﷺ شخصيّاً تتكشف في قول كبيرهم أحمد صبحي منصور:
«أمُّ المشاكل لدى المسلمين تتجلى أنهم في تقديسهم للنبي محمد (٢) ورفعه فوق الأنبياء فقد ترسب لديهم إيمان خاطئ (٣) بأنه جاء برسالة جديدة، وأنه ـ وحده ـ رسول الإسلام. وتناسوا أن الإسلام ـ وبكل اللغات السابقة على العربية ـ هو دين الله تعالى الذي نزلت به كل الرسالات السابقة بمعنى الإستسلام (٤) لله تعالى وحده والسلام مع البشر. وتناسوا ما كرره القرآن الكريم من أوامر للنبي محمد ﵇ ولنا ولأهل الكتاب في أن نتبع ملة إبراهيم حنيفاً» (٥).
ثمّ إنّ صفاقته لم تقف عند هذا الحدّ بل تعدّت إلى الامتعاض من انتسابِ الأمة إلى رسول الرحمة سيدنا محمد ﷺ فبدت من فيه عبارةٌ عنونَ بها مقالاً هو: «أمر الله المسلمين بأن يقولوا: لا نفرق بين أحد من رسله، فقال المحمديون: سمعنا وعصينا» (٦).
وصدق الله العظيم القائل: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [سورة آل عمران ٣: الآية ١١٨].
стр. 59
المطلب الثاني: القرآنيون والشريعة الإسلامية:
أما مهاجمة القرآنيين للفقه السنيّ (١)، فحدّث عنه ولا حرج، فالكثير الكثير من أطروحاتهم تندرج تحت هذه المهاجمة التي لا تتورع عن الانتقاص والسخرية والتهكم إلى آخر في جعبة العربية من مترادفات.
ويكفي أن تعلم أنّ عدداً كبيراً لمقالات القرآنيين ـ وعلى رأسهم أحمد صبحي منصور ـ قد ذُكِرَ الفقه السُّنّي في مجموعةٍ من عناوينه، ومنها: «الفقه السني وتشجيع الزنا» (٢)، «التناقض في تشريع الطلاق بين القرآن والفقه السني» (٣)، «صيام رمضان بين القرآن والفقه السني» (٤)، وغير ذلك.
ومن ضلالات القرآنيين إنكار الأصول التشريعية كالإجماع، والقياس، وأقوال الصحابة ...
فها هو رأس الطائفة يُنكِرُ القياس بكلّ صراحة، فيقول في مقالٍ له اسمه «لا قياس في التحريم»:
«هل تعتقد أن هنالك مجالاً للقياس في تشريعات الإسلام. يعني كقياس تحريم المخدرات على تحريم الخمر؛ لأن لكل منهما أضراراً متشابهة؟
لا يصح القياس في المحرمات؛ لأن المحرم محدد وهي استثناء، وما ليس محرماً فهو حلال مباح.
فإذا استعملت القياس فقد وقعت في جريمة كبرى هي تحريم الحلال.
الله تعالى عندما حرم أشياء في الطعام لم يقل بأن السبب هو الضرر. بل حرمها بدون ذكر سبب فيها يكون علة في التحريم. وعلينا الطاعة.
стр. 60
ولا يخلو طعام أو دواء من آثار جانبية ضارة، والضرر ليس علة لتحريم شيء، وإلا فلن نأكل شيئاً مما نحب من الطيبات من الرزق» (١).
ثم بعد أن تحدّاهُ أحد المعقّبين بأن يأتيَ بآيةٍ تُحرِّمُ المخدرات، وأنه لا سبيلَ إلى منع هذه السموم إلا بالقياس ردّ عليه بقوله ـ وكذب بادعائه أنه يرى تحريم المخدرات ـ:
«لا داعي للغة التحدي فنحن هنا للتناقش للوصول إلى الحقيقة.
أما ما ذكرته فإنه محرم لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [سورة البقرة ٢: الآية ١٩٥].
فكل أمرٍ أو حدث من شأنه أن يضر الإنسان في نفسه أو ماله أو بدنه فهو محرم بنص الآية ... وليس بالقياس أيها المتحدي العظيم سامي شالنجر» (٢).
ولا أدري أيعرف هذا الدكتور العالم الأزهري كما وصف نفسه (٣) ما هو القياس أم هو لا يعرفُهُ؛ فهذى بهذا الهذيان؟ !
وقد سُئلَ هذا المتعالم سؤالاً صريحاً حول القياس:
«قرأتُ فتوى لكم بخصوص التدخين وكانت الفتوى بأنه من المباح؛ لأنه لم ينزل فيه نصٌّ يُحرّمه. وقد فهمتُ من الفتوى أنك لا تقبلُ القياسَ كمصدر للتشريع.
والسؤال هو: كيف يمكن الحكم علي أشياء مثل المخدرات والتدخين بأنها مباحة بالرغم من ضررها الشديد علي صحة متعاطيها ومن حوله».
стр. 61
فأجاب بعبقريته المعهودة ـ مُحللاً ما حرّمه في ردّه المذعور على من تحداه، كما مرّ قبل أسطُر ـ:
«القياس المرفوض هو ما يترتب عليه تحريم حلال أو تحليل حرام.
أما القياس الذي يدور في إطار المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية القرآنية والذي لا يترتب عليه تحريم حلال أو تحليل حرام فلا بأس به» ثم أتى بأمثلة عجيبة (١).
وحتى الإجماع لم يسلم من تطاول القرآنيين، فها هو أحدهم يتهكم ببعض الأحكام الفقهية الثابتة فيقول: «الأيام التي يحرم صومها ــ هذا هو العنوان الموجود في كتاب الفقه المقرر على طلاب الصف الثاني الثانوي الأزهري ص ٢١ - ٢٢ - ٢٣:
يحرم صوم خمسة أيام أي: مع بطلان صيامها هي: العيدان الفطر والأضحى؛ بالإجماع المستند إلى نهي الشارع (ص) (٢) ... »
ثم يقول: «هل يعقل أن يخالف النبي ﵊ كلام الله ويحرم صيام بعض الأيام كما يقولون ويفترون عليه» (٣).
وسيأتي في المطلب الرابع من هذا المبحث موقف القرآنيين من الصحابة الكرام، وهم نتيجةً لذلك الموقف لا عبرةَ لديهم بأقوال الصحابة.
المطلب الثالث: القرآنيون والإيمانيات والغيبيات:
المثال الأول: مهاجمة الاعتقاد بعذاب القبر (٤).
تزعّم التكذيب بالاعتقاد بعذاب القبر زعيم الطائفة أحمد صبحي منصور بكتابٍ له سماه «عذاب القبر والثعبان الأقرع» أصدره سنة ١٩٩٤.
стр. 62
ثم كتب حوله مقالاتٍ عديدة منها مقال «أكذوبة عذاب القبر» (١).؟
كما تهكّم بعض القرآنيين به بمقالٍ على موقعهم اسمه «أكذوبة عذاب القبر» (٢) قال فيه ـ بعد أن ساق عدداً من الأحاديث التي ذكَرَت عذابَ القبر ـ:
«فهذه الروايات وُضِعت لإرهاب الناس وإذلالهم للخضوع لرجال الدين الخاضعين للحكام، فيستغلوا هذه الروايات لإخضاع أعناق المسلمين وترهيبهم فقط دون أن يكون هناك ترغيب وهداية وتذكير وبشرى لِمآرب يرجونها».
ثم تابعه عددٌ منهم بتعليقاتٍ فيها السخرية من الاعتقاد بعذاب القبر (٣).
وكتبت قرآنيٌّة ثالثة (٤) مقالاً اسمُهُ «فيلم رعب» أكثر فيه من التهكُّم بهذا الاعتقاد الإسلاميِّ الأصيل، وكان مما قالته راوياً حواراً بينها وبين من سمتها «ليلى» عقب جنازة من سمته «عبد الحميد»:
«قالت جارتي ليلى لزوجتة في نهاية اللقاء: ربنا ينور قبره ويجعله روضه من رياض الجنة.
فقالت لها زوجة الأستاذ عبد الحميد: تعرفي يا ليلى، الجنازة كانت أمم وكان النعش بيجري جري.
خرجتُ أنا وليلى وسألتُ ليلى: ليه النعش بيجرى؟ ؟ وهو القبر روضة؟
ردت وقالت: شكلك هتكوني وجبة شهية للثعبان الأقرع.
стр. 63
ضحكتُ وقلتُ لها: سمعت عنه زمان لكنى أعتقد غير ذلك كلها خرافات.
صعدت شقتي وبعد قليل جاءت ليلى ومعها كتاب اسمه (عذاب القبر ونعيمه) قرأت فيه.
والله، أنه أحسن من أفلام الرعب لـ الفريد هتشكوك.
وحضر زوجي من العمل ورويتُ له الحوار الذي دار بيني وبين جيراني، وسألته:
هل يوجد عذاب قبر وما حكاية الثعبان الأقرع؟ ولماذا أقرع؟
وهل يوجد ثعبان له شعر؟
أو ثعبان عامل شعره كابوريا، وللي يمكن عامل شعره سترايك ... » (١).
المثال الثاني: إنكار روايات الإسراء والمعراج:
كتب أحد القرآنيين، وهو سوريٌّ يُدعى أحمد بغدادي (٢)، مقالاً ساقطَ الأسلوب، دنيءَ العبارات والألفاظ، يتهكّم بالأخبار الواردة حول الإسراء والمعراج، ويسخر منها ومن رواتها، والمصدقين بها.
ثم بدأ بعد استهلاله غير البارع يتحذلق بذكر ألفاظ ومصطلحات فلسفية ولغوية تُثير القرَف، وتُحدِثُ في النفس الغُثيان!
فتراهُ يدخلُ من هنا ولا يخرج، ويلجُ هناكَ في أفكارٍ لا يُتمُّها، ويتنقل من فكرةٍ إلى أخرى في سطورٍ مليئةٍ بالهلوسة.
وهذا ما بدأ المذكور مقاله به:
«موضوع هذا المقال الإسراء المحكم ومتشابهه من الإسراء بالنبي ص (٣) في القرآن الكريم (سورة الإسراء) والتي تعد من الآيات المتشابهات والتي كتب فيها
стр. 64
الكثير من في قلوبهم زيغ من مختلف المشارب المذهبية والقومية الذين أرادوا ابتغاء التأويل عبر الخرافات والخزعبلات التي دونوها تراثاً لتثبيت قلوبهم الزائغة إيمانياً الذي أطاحت به وهزته حادثة آية الإسراء، وورثه السنيون عبر شيوخهم العلماء ورثة الأنبياء (١)! ! الذين يسردون في المساجد نفس الحكاية والرواية عن صاحبنا أبو ... ، كلما قربت المناسبة، في خطب الجمعة المملة، في ٤٠ دقيقة من العذاب المتواصل، والناس يهللون ويكبرون لحكايات ألف ليلة وليلة، والبراق الذي يشبه الحمار، ويشبه حمار تفكيرهم، وحمير من كتب ذلك الزمان، وحمير هذا الزمن حتى يسكت شهريار خطبة الجمعة ويعتقني لأذهب إلى البيت وأطهر نفسي من شوك كلامه، والمؤلم أنهم جعلوه عيداً يحتفلون به كل عام».
إلى أن قال عن الله تعالى:
«أخفى حقيقة مجريات أحداث هذا الفعل الذي أشار إليه بالستر بقوله تعالى: ليلاً. وذلك لما تحمله من إخفاء عما ظهر من القول لأهل العقول، وستر ما بطن من الفعل لأهل القلوب، فأهل العقول لا يؤمنون إلا بما ظهر من القول وكان مقبولاً عقلاً، بينما أهل القلوب والذين ينظرون ببصيرتهم فإنهم يكفرون بكل ما زاد عما قاله الله تعالى ظاهراً بالقول، ويؤمنون بما بطن من القول رغبة منهم بالترقي في معارج المعرفة» (٢).
المثال الثالث: تجويز الردة عن الإسلام:
حيث كتب زعيمُ الفرقة أحمد صبحي منصور مقالاً بعنوان «أيها الأفغاني المتنصّر ... يجب احترام حريتك في الاختيار» قال فيه:
стр. 65
«إنني مسلم أفخر بديني وأتمسك به حتى الموت، وأعلن فى نفس الوقت ـ طبقاً لإسلامي ـ أنني أحترم حق الأخ الأفغاني فيما شاء لنفسه من عقيدة، سواء اتفقت أو خالفت عقيدتي، بل أعلن إعجابي الشديد بشخصه؛ لأنه ثبت على ما يعتقده حقاً برغم الاضطهاد والتهديد بالموت.
وباعتباري عالماً أزهرياً متخصصاً في الإسلام أقول: إن الذين سجنوا عبد الرحمن الأفغاني المتنصر أساؤوا إلى الإسلام وخالفوه، وأثبتوا أن الفجوة لا تزال هائلة بينهم وبين حقائق الإسلام. أنا هنا أحكم على أفعالهم فقط وليس على قلوبهم وعقائدهم.
لن أكرر ما قلته سابقاً في كتابي «حد الردة» المنشور على الانترنت (١)،
والذي يثبت أن هذه العقوبة تخالف الإسلام، وأنها صناعة عباسية سياسية امتطَت حديثَين كاذبَين منسوبَين ظلماً وافتراءاً للنبي محمد ﵇» (٢).
وأما أنحاء الموقع فتغَصُّ بمقالاتٍ تتناول هذا الموضوع تناوُلاً من طرفِ الإنكار والاستهزاء، من مثل مقال «مفهوم حد الردة يقتل عقل الأمة» (٣)، وفيه يقول كاتبه:
стр. 66
«مع العلم أن هذا الحد يتناقض وصريح نص القرآن في قوله عز من قائل: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [سورة البقرة ٢: الآية ٢٥٦]، وإن اختلفت الآراء حول حد الردة، فإن هذا الموضوع مازال ضبابياً وغير واضح.
فالبعض يخلط مابين تبديل الدين والخيانة العظمى أي خيانة الوطن.
فقولهم: "مفارق الجماعة" أي ما معناه وعلى لسان أحد علماء الأزهر: كونه قد ينقل الأسرار إلى الطرف المعادي.
وهنا لا افهم أية أسرار هذه؟ ؟ ؟ ؟ هل هي أسرار الدولة أم أسرار الدين؟
فإن كان المقصود أسرار الدين، فلا أعتقد أن ديناً مثل هذا الدين الذي نزل للناس أجمعين فيه أسرار لا يمكن أن يضطلع عليها أصحاب الديانات الأخرى، وإذا كان قصده أسرار الدولة فهذا يدخل تحت بند الخيانة، ويحاسب عليه قانونياً، وليس بفتوى دينية».
وثمةَ مقال «حد الردة والتحريض على العنف» (١)، يقول فيه صاحبه:
«إن الكلام عن حد الردة وقتل من يرتد عن دينه اعتماداً على حديث أحاد .. أيا كان هذا الدين (الإسلام أو غيره) هو تحريض علي العنف، ومخالف لكل القوانين الدولية بل والمحلية في مصر. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والدستور المصري وجميع دساتير العالم الحر تؤكد علي حرية العقيدة .. حرية الاعتقاد وتغيير الاعتقاد بل والدعوة السلمية لأي عقيدة.
ولكل من لا زالوا يعيشون في العصور الوسطى: .. أقول لهم: أن (٢) الدعوة لقتل إنسان لمجرد أنه يغير عقيدته هو تحريض علني على العنف يجب أن يصنف من يقوله أنه إرهابي. ويعامل علي هذا الأساس؛ لأن الحقيقة تقول أن هذه الدعوة الخبيثة هي سبب ما يعانيه العالم الآن من إرهاب مقيت وخاصة ما يعانيه العالم العربي والإسلامي».
стр. 67
ومن يقرأ مقال «حرية الكفر» (١)، سيجد فيه:
«إن من يكفر انسان أنما (٢) هو يكفر بالله ويشرك به بل واستغفر الله العظيم يضع نفسه مكان الله تعالى فيدخل من يشاء الجنة ويدخل من يشاء النار.
اتركوا يوم الحساب لله تعالى فهو أعلم بما في قلوبنا وعقولنا فهو الرحيم الغفور، ولا تقولوا على الرسول (ص) الكذب، فأنكم بذلك تسيؤون للرسول وللإسلام بإظهار الرسول كأنه انسان متعطشا (٣) للدماء، وأن لا رحمة بالإسلام، وكأن دين الإسلام دين ضعيف لا يحميه إلا حد الردة ولولاه لترك المسلمون دينهم».
المثال الرابع: الجنة ليست للمسلمين فقط:
عصَرَ رأسَهُ القرآنيُّ المدعوُّ علي عبد الجواد، فخرج منه السؤال التالي ـ وعذراً على الركاكة والأخطاء التي أحببت أن أُبقيَها لبيان مستويات أولئك القوم ـ:
«هل يوجد اوامر من الله واضحة بعدم دخول الجنة إلا الأاتباع محمد (ص) فقط؟ »
ووصل بعد ذلك إلى نتيجةِ هي: «اكد الله على ان الذين امنوا وعملوا الصالحات فقط من المسلمين سيدخلون الجنة» ثم وصل إلى:
«الخلاصة: أن اتباع كل دين سماوي من إسلام ومسيحية ويهودية والصابئة (اتباع يحيى) إذا اتبعوا كتبهم التي تأمرهم بالوحدانية لله بدون اشراك أحد معه والإيمان باليوم الآخر والملائكة والنبيين والكتب المنزلة والعمل الصالح لكل الناس فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة البقرة ٢: الآية ٦٢]» (٤).
стр. 68
المطلب الرابع: القرآنيون والصحابة ﵃:
تعرّض الصحابةُ الكرام رضوان الله عليهم لِمهاجمةٍ شعواءَ من القرآنيين في كثير من مقالاتِهم، ورمَوهُم بالعظائم، وكذّبوهم، وسخروا منهم.
وتولّى كبر التهجُّم على الصحابة ﵃ رأسُ الطائفة أحمد صبحي منصور بمقالاتٍ له عديدة منها: «هل رضي الله عن الصحابة» (١)، «الصحابة هل كانوا خير امةٍ أُخرجت للناس» (٢)، «الصحابة في القرآن الكريم» (٣)، «الصحابة في القرآن الكريم ـ المقال الثاني» (٤).
وقد قال أحدهم ـ وهو المدعوّ علي عبد الجواد ـ في أحد مقالاته:
«والله لما يجيبوا كل الصحابة يشهدوا زوراً وتلفيقاً لا أصدقهم».
ثم قال في خاتمة مقاله: «ولا تنسوا قول الله:
﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ [سورة النساء ٤: الآية ٨١] هذه الآية دليل على أن من أصحاب الرسول من يكذب عليه ويقولون روايات من عندهم فما بالكم بعد قرنين» (٥).
стр. 69
والمتصفّح لهذا الموقع المقيت يجد أنّ الطعن في الصحابة رضوان الله عليهم تجاوز جملتهم إلى الطعن في أبي بكر الصديق (١)، عمر بن الخطاب (٢)، وأبي هريرة (٣) ...
وقد كتب علي عبد الجواد في مقال له على الموقع المذكور:
«طالعتنا جريدة أخبار اليوم الغراء يوم السبت ٥/ ٥/٢٠٠٧ في صفحة نور الإيمان تحت إشراف الصحفي محمد الزرقاني بمقال للصحفية أميرة إبراهيم تحت عنوان "جريمة لا يجب السكوت عليها ... التطاول على الصحابة عداء صريح للرسول وللإسلام".
وهذا أعتبره رداً على مقالي في اللواء الإسلامي هل كل الصحابة ﵃؟
واستشهدت أميرة بشيوخ الأزهر الكرام الذين ما زالوا إلى الآن لا يستطيعون أن يفرقوا بين معنى الصحابي وبين معنى التقوى الذي يؤدى إلى أن يرضى الله عنهم» (٤).
ثمّ أخذ يُشغِّبُ بتشغيباتٍ تستند إلى آياتٍ وأحاديث (٥) ردّدها الرافضةُ منذ قرون!
стр. 70
ولو أنّ هذا العبقريّ يروم الحقّ لَعاد إلى كتب العقيدة الإسلامية السُّنّية، وإلى كتب تفاسير القرآن، وكتب شُروح الحديث الشريف التي تُخرجُهُ من الضلالات إلى الهدى، ومن الظلمات إلى النور.
وهو الذي ينعى على مشايخ النقل أنهم لا يُعملون عقولهم فيقول:
«وأنتم يا رجال النقل لا تريدون أن تعملوا عقولكم» (١).
فهل من العقل والمنطق والحكمة أن تُجترَّ اتّهاماتٌ متقَيَّأةٌ من مئات السنين؟ وُجِدَت لفضح عُوارِها ردودٌ مفصَّلةٌ لا يحتاجُ الوصول إليها إلى كبيرِ جهد.
ولكن صدقَ الحافظ أبو زرعة الرازي ﵀ (٢) حين قال:
«إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ حقّ والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، وهؤلاء (وهم) (٣) وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة» (٤).
وصدق الإمام أحمد إذ قال: «إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ (أي: بسوء) فاتّهِمْهُ على الإسلام» (٥).
стр. 71
المطلب الخامس: القرآنيون والأمة الإسلامية:
النقطة الأولى: تكفير الأمة كلّها .
إنّ المتابع لما يكتبه أحمد صبحي منصور من مقالاتٍ، يلمح ـ إن تفطّن ـ استعمالَ هذا الأخير تعبيراً فيه تلميحٌ إلى تكفير عموم المسلمين، وهو تعبير «الدين السني»، وكأنه يُشير إلى أنّ الإسلام شيء، وما عليه المسلمون جميعاً شيءٌ آخر، وما هذا إلا التكفيرُ ولو اختبَأ خلف ألف ستار؛ لأنّ الحقيقةَ أنّ القرآن الذي يدّعي أحمد صبحي منصور يأمر بِموقفٍ ممن هم على غير الإسلام مبنيٍّ على ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [سورة الكافرون ١٠٩: الآية ٦]، وعبارات هذا الرجل تفوحُ منها رائحةُ اعتبار من يتّبع السنةَ على غير دينِ الإسلام (إسلامه هو طبعاً).
وها هي مقالات هذا الرجل شاهدةٌ بذلك، فمنها على سبيل المثال:
«الإمام مالك مبتدع الدين السّنّي» (١)، «الدين السني وتضييع العبادات الإسلامية» (٢)، «الدين السني والتشريع بما لم يأذن به الله» (٣)، «معنى الصلاة الوسطى بين التدبر القرآني والدين السني» (٤).
النقطة الثانية: التطاول على السلف الصالح:
لا يقف الأمر بالقرآنيين عند هذا الحدّ بل يتمادَون في حقدِهم على الأمة بدءاً من صحابة نبيّها الكريم ﷺ ورضي عنهم (٥)؛ كما مرّ معنا في المطلب الماضي، ويتعدّاهم إلى مهاجمة فقهاء الأمة، والتندُّرِ بهم، والاستهانة بهم.
стр. 72
يقول المدعو علي عبد الجواد واختبَأَ خلف قناعٍ من الأدب المزعوم:
«وأبدأ مقالى فأقول: فقه السلف للسلف ونحن فى انتظار فقه الخلف!
معذرة فقهاء الامة يا من كتبتم الفقه منذ أكثرمن الف سنة او يزيد!
معذرة علماء السنة الذين قدستم ما كتبه الفقهاء القدامى!
معذرة أمة المسلمين الذين اتبعتم فقهاء السلف فتمذهبتم وتفرقتم!
معذرة لإختلاف الفقهاء والحق واحد! معذرة لمن جعل الاختلاف رحمة!
معذرة لمن ترك عقله وفضل حكم البشر على احكام الله» (١).
ثم يتفنَّن أولئك القرآنيون في مهاجمة أعلام الأمة وعلى رأسهم الأئمةُ: الشافعي (٢)، ومالك (٣).
النقطة الثالثة: التطاول على باقي الأمة:
إذا لم يسلَم السلف الصالح الناصعُ علماً وتقىً من ألسنة منكري السنة «القرآنيين» فكيف بمن هم دونَهم كالخلفاء مثل عبد الملك بن مروان (٤)، أو المقتدر العباسي (٥)؟ .
стр. 73
ولا يقف التهجُّم والانتقاصُ من مَضَوا، بل يمتدّ إلى من هم الآن أحياءٌ يُرزَقون، ومما يُرزقون به النَّيلُ منهم، والطعنُ فيهم، والتفكُّهُ بهم وذلك سواءٌ أكانوا أفراداً أم مذاهبَ، أم دُولاً!
وإنّي أُمثِّلُ على ما ذكرتُ بالتطاول على شيخ الأزهر (١)، وعلى حسن نصر الله (٢).
стр. 74
ولا يقف التطاولُ الحاقدُ عند حدود الرئيس المصري حسني مبارك (١)، ولا عند حركة حماس (٢)، أو المملكة العربية السعودية (٣)، بل يتعدّاه إلى أكثرَ من ذلك بكثير!
стр. 75
المبحث الرابع: فقه القرآنيين وفتاواهم .
في هذا المبحث سأحاول أن أسوقَ بعضَ الدُّرَرِ المكنونة، والجواهر المصونة، من الاجتهادات الفقهيّة البديعة التي تفتّقت عنها أذهانُ بعض القرآنيين، ونَشَرَها موقعُهم.
وإني على يقينٍ أنّ امرَأً ما منهم إذا اطّلعَ يوماً على هذه الصفحاتِ سيعترضُ بأنّ المقالات تُعبّرُ عن آراءِ أصحابِها، ولا تُعبّر بالضرورة عما تتبناه جماعة القرآنيين.
وإنّي لا أُنكرُ هذا بدليل اختلافِهم أحياناً حول أمورٍ كثيرة، سأذكرُ منها مثالاً قريباً في المطلب الأول من هذا المبحث.
ولكن أيها القرآنيون ... هذه الفوضى الدينيّة، والاضطراباتُ العقَديّة، والتخبُّطاتُ الفكريّة، والهلوساتُ التعبُّديّة، والمهازلُ في الأحكام الفقهيّة، والسخرية من أكثرَ من ٩٩.٩٩٩٩ % من الأمة الإسلاميّة (٢)، شيءٌ لا ضير فيه، وجوهرٌ لا غُبارَ عليه!
وأن يقوم أيٌّ كان، فيهرفَ بما لا يعرف، ويُخرجَ قيءَ رأسه الذي هو أخبث من قيء بطنِه أمرٌ طبَعِيٌّ مقبولٌ، وحرية رأي، وديمقراطية فكرية، ووو .... ، وهو في ذلك يملك كلّ الحقّ، وهو من أهل الصدق!
لكنّ الممنوعَ وحدَهُ أن يأتي أحدٌ ما بحديث نبويٍّ؛ لأنّ الحديث النبويّ والحديث القدسيّ، وما يسمى بالسنة النبوية كذبٌ في كذب، ودجلٌ في دجل، ولا يقبله إلا من تتهكّمون بهم صباحَ مساءَ على موقعكم المشؤوم!