← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32184

القرآنيون، نشأهم - عقائدهم - أدلتهم

علي محمد زينو

Полный текст (139 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المطلب الخامس: القرآنيون والأمة الإسلامية: النقطة الأولى: تكفير الأمة كلّها . إنّ المتابع لما يكتبه أحمد صبحي منصور من مقالاتٍ، يلمح ـ إن تفطّن ـ استعمالَ هذا الأخير تعبيراً فيه تلميحٌ إلى تكفير عموم المسلمين، وهو تعبير «الدين السني»، وكأنه يُشير إلى أنّ الإسلام شيء، وما عليه المسلمون جميعاً شيءٌ آخر، وما هذا إلا التكفيرُ ولو اختبَأ خلف ألف ستار؛ لأنّ الحقيقةَ أنّ القرآن الذي يدّعي أحمد صبحي منصور يأمر بِموقفٍ ممن هم على غير الإسلام مبنيٍّ على ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [سورة الكافرون ١٠٩: الآية ٦]، وعبارات هذا الرجل تفوحُ منها رائحةُ اعتبار من يتّبع السنةَ على غير دينِ الإسلام (إسلامه هو طبعاً). وها هي مقالات هذا الرجل شاهدةٌ بذلك، فمنها على سبيل المثال: «الإمام مالك مبتدع الدين السّنّي» (١)، «الدين السني وتضييع العبادات الإسلامية» (٢)، «الدين السني والتشريع بما لم يأذن به الله» (٣)، «معنى الصلاة الوسطى بين التدبر القرآني والدين السني» (٤). النقطة الثانية: التطاول على السلف الصالح: لا يقف الأمر بالقرآنيين عند هذا الحدّ بل يتمادَون في حقدِهم على الأمة بدءاً من صحابة نبيّها الكريم ﷺ ورضي عنهم (٥)؛ كما مرّ معنا في المطلب الماضي، ويتعدّاهم إلى مهاجمة فقهاء الأمة، والتندُّرِ بهم، والاستهانة بهم.

стр. 72

يقول المدعو علي عبد الجواد واختبَأَ خلف قناعٍ من الأدب المزعوم: «وأبدأ مقالى فأقول: فقه السلف للسلف ونحن فى انتظار فقه الخلف! معذرة فقهاء الامة يا من كتبتم الفقه منذ أكثرمن الف سنة او يزيد! معذرة علماء السنة الذين قدستم ما كتبه الفقهاء القدامى! معذرة أمة المسلمين الذين اتبعتم فقهاء السلف فتمذهبتم وتفرقتم! معذرة لإختلاف الفقهاء والحق واحد! معذرة لمن جعل الاختلاف رحمة! معذرة لمن ترك عقله وفضل حكم البشر على احكام الله» (١). ثم يتفنَّن أولئك القرآنيون في مهاجمة أعلام الأمة وعلى رأسهم الأئمةُ: الشافعي (٢)، ومالك (٣). النقطة الثالثة: التطاول على باقي الأمة: إذا لم يسلَم السلف الصالح الناصعُ علماً وتقىً من ألسنة منكري السنة «القرآنيين» فكيف بمن هم دونَهم كالخلفاء مثل عبد الملك بن مروان (٤)، أو المقتدر العباسي (٥)؟ .

стр. 73

ولا يقف التهجُّم والانتقاصُ من مَضَوا، بل يمتدّ إلى من هم الآن أحياءٌ يُرزَقون، ومما يُرزقون به النَّيلُ منهم، والطعنُ فيهم، والتفكُّهُ بهم وذلك سواءٌ أكانوا أفراداً أم مذاهبَ، أم دُولاً! وإنّي أُمثِّلُ على ما ذكرتُ بالتطاول على شيخ الأزهر (١)، وعلى حسن نصر الله (٢).

стр. 74

ولا يقف التطاولُ الحاقدُ عند حدود الرئيس المصري حسني مبارك (١)، ولا عند حركة حماس (٢)، أو المملكة العربية السعودية (٣)، بل يتعدّاه إلى أكثرَ من ذلك بكثير!

стр. 75

المبحث الرابع: فقه القرآنيين وفتاواهم . في هذا المبحث سأحاول أن أسوقَ بعضَ الدُّرَرِ المكنونة، والجواهر المصونة، من الاجتهادات الفقهيّة البديعة التي تفتّقت عنها أذهانُ بعض القرآنيين، ونَشَرَها موقعُهم. وإني على يقينٍ أنّ امرَأً ما منهم إذا اطّلعَ يوماً على هذه الصفحاتِ سيعترضُ بأنّ المقالات تُعبّرُ عن آراءِ أصحابِها، ولا تُعبّر بالضرورة عما تتبناه جماعة القرآنيين. وإنّي لا أُنكرُ هذا بدليل اختلافِهم أحياناً حول أمورٍ كثيرة، سأذكرُ منها مثالاً قريباً في المطلب الأول من هذا المبحث. ولكن أيها القرآنيون ... هذه الفوضى الدينيّة، والاضطراباتُ العقَديّة، والتخبُّطاتُ الفكريّة، والهلوساتُ التعبُّديّة، والمهازلُ في الأحكام الفقهيّة، والسخرية من أكثرَ من ٩٩.٩٩٩٩ % من الأمة الإسلاميّة (٢)، شيءٌ لا ضير فيه، وجوهرٌ لا غُبارَ عليه! وأن يقوم أيٌّ كان، فيهرفَ بما لا يعرف، ويُخرجَ قيءَ رأسه الذي هو أخبث من قيء بطنِه أمرٌ طبَعِيٌّ مقبولٌ، وحرية رأي، وديمقراطية فكرية، ووو .... ، وهو في ذلك يملك كلّ الحقّ، وهو من أهل الصدق! لكنّ الممنوعَ وحدَهُ أن يأتي أحدٌ ما بحديث نبويٍّ؛ لأنّ الحديث النبويّ والحديث القدسيّ، وما يسمى بالسنة النبوية كذبٌ في كذب، ودجلٌ في دجل، ولا يقبله إلا من تتهكّمون بهم صباحَ مساءَ على موقعكم المشؤوم!

стр. 76

أيها القرآنيون .... إن كنتم تؤمنون بالقرآن كما تزعمون: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [سورة لقمان ٣١: الآية ٣٣]. المطلب الأول: القرآنيون والصلاة: صلاة الصبحُ أربعُ ركعات، والصلاةُ الوسطى هي صلاة المغرب، وفي السجود يجب أن يسجد المصلي على ذقنه! هكذا يرى أحد القرآنيين؛ حيث يقول في مقال له اسمه: «الصلاة في القرآن» (١): «عدد الركعات من القرءان: صلاة القصر ركعتان للإمام وركعة واحدة للمأموم (عند الخوف فقط). كما فى الاية (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً) (النساء: ١٠١) ويؤخذ العدد من الاية () وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) (النساء: ١٠٢) اى ان الامام هنا فى الحرب يصلى جماعة قصر ركعتين والمأموم ركعة واحدة بالسجود ثم الطائفة الاخرى ركعة واحدة بالسجود فما هو التمام بعد معرفة القصر؟

стр. 77

• اذا كان القصر ركعتان وكان المتوسط الحسابى الاقرب للعدد اتنين هو الثلاثة فيكون التمام هو العدد اربعة اى ان العدد (٣) وهو المتوسط الحسابى = (٢) عدد ركعات القصر+ (٤) عدد ركعات التمام ليكون مجموعهم = ٦ ÷ ٢ (القصر والتمام) = ٣ فإذا كان العدد ٢ موجودا (القصر) والمتوسط بعد الاثنين هو العدد ٣ عرف فيكون التمام هو ٤ وتؤخذ الصلاة الوسطى من الآية (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (البقرة: ٢٣٨) والصلاة الوسطى هنا هى صلاة المغرب وهى ثلاث ركعات أى المتوسط الحسابى بين القصر (ركعتين) والتمام (أربعة) فى الصلاة أما صلاة الصبح فمن العجيب أن كل الفقهاء قالوا إن ركعتين فبل الفجر هى سنة آكدة وهى واجب لم يتركها رسول الله ابدا! ! ! فمن الذى قسمها الى ركعتين فرض وركعتين سنة إذا كان الرسول لم يتركها أبدا (١)؟ فيكون عدد الركعات فى الفجر أربع ركعات اثنين عند وقت الخيط الاسود واثنين عند وقت الخيط الأبيض كما نصليها نحن الان (٢ سنة و ٢ فرض) والظهر أربع والعصر أربع والمغرب وهى المتوسط بين التمام والقصر ثلاث ركعات ثم العشاء أربع ركعات وهى التمام أى أن كل الصلوات تمام الأربعة والقصر ركعتين والصلاة الوسطى بين التمام والقصر ثلاثة وهى صلاة المغرب» ا. هـ (٢). ويرى كبير الطائفة أحمد صبحي منصور أنّ من حق المرأة المؤهلة أن تؤم الرجال في صلاة الجماعة؛ كما ذكر في مقال صريح على موقعه البائس (٣).

стр. 78

المطلب الثاني: القرآنيون والزكاة . من بدع بعض القرآنيين إنكار أحكام فريضة الزكاة، والافتراء أنها فوائدُ تزكيةِ النفس المتحصّلة منَ الصلاة، والادّعاءُ فيه أنّ الحولَ أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ، وهذا مقتطفٌ من مقالٍ على الموقع الهدّام (٣): «وهذا يعني أن الزكاة تأتي من الصلاة فالصلاة هي التي تزكينا وتقومنا وكذلك يقول المولى أنه من يحاول أن يزكي نفسه بغير القرآن لن يجد سبيلاً: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ٤٩ النساء حتى أن الرسول كان يزكي قومه بالقرآن رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ١٢٩ البقرة لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ١٦٤ ال عمران وكذلك فأن الصلاة تنهينا عن الفحشاء والمنكر وانتهاءنا يعتير زكاة وتقويم لنا اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ٤٥ العنكبوت .... ». إلى أن هذى: «حدد لنا السلف مقدار الزكاة وسموها زكاة المال وربطوها بالحول وما الحول الا اربع شهور وعشرا وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ .... ٢٣٣ البقرة

стр. 79

هل يعقل أن ترضع امرأة ابنها سنتين؟ ؟ ؟ ولكن من الواضح ان الحول هو اربع شهور وعشر أيام ويتضح ذلك بالأيات من الذكر الحكيم وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٤٠ البقرة فكم هو الحول طالما بعد الوفاة متاع الى الحول؟ ؟ ؟ نرى التفصيل وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ٢٣٤ البقرة». المطلب الثالث: منوعات من فقه القرآنيين: فقه القرآنيين قائمٌ على مناقضة الفقه الإسلامي الذي استقرّت عليه الأمة الإسلامية أربعةَ عشرَ قرناً وزيادة. فهم يُحلِّلون ما حرّمه المسلمون، ويحرّمون ما حلّلوه، والمخالفة مقصودةٌ لديهم لِذاتِها، رافعين شعار «خالف تُعرَف»! والمتجوّلُ في أنحاء «موقع أهل القرآن» يجد الأدلة الدامغة على دعوايَ هذه، وهذا بعضٌ من أمثلةِ فقههم العجيب: فقد أفتى علامتُهم أحمد صبحي منصور بعدمِ مشروعيةِ غطاءِ رأس المرأة فقال في مقالةٍ له كتبَها على عجَل: «سننشر التفاصيل في الزيّ للمرأة والزينة، ولكن بسرعة نقول: أن (١) النقاب حرام ومزايدة على شرع الله تعالى وتضييع له، وأن الحجاب في القرآن يعنى الستارة، وأن الخمار يعنى تغطية الصدر، وأنه ليس حراماً كشفُ شعر رأس المرأة .. الأدلة ستأتي بالتفصيل فيما بعد فى المقالات، بعونه جل وعلا» (٢).

стр. 80

ويُفتي شيخُهم المدعو علي عبد الجواد عدمَ تحريم الذهب والحرير على الرجال (٣). ويرى كبير الطائفة أحمد صبحي منصور استحلالَ المخدرات حيث يقول: «أما الحكم على المخدرات والتدخين وغيرها فلا يجوز تحريمها على أساس أنها من الطعام والشراب؛ لأن الله تعالى قد حدد المحرم في الطعام والشراب ومنع تحريم الحلال. الحكم على المخدرات والتدخين يدخل ضمن سلطة ولي الأمر بمنع تداولها ومنع زراعتها ومنع الاتجار فيها، وعقوبة مالية على من يفعل ذلك، دون المساس بجسده وحريته، وإذا ارتكب جريمة متأثراً بهذه المخدرات فالعقوبة جاهزة على جريمته التي ارتكبها» (٢). ويرى رأسُ الفرقة تحليل الزواج المؤقت ولو لنصف ساعة، حيث يقول بصيغة أسئلةٍ يطرحُها على نفسِه ويُجيب عنها: «وهل يجوز في الزواج الشرعي أن يتفق الطرفان على تحديد مدة للزواج؟ ج) نعم؛ لأن الأصل في الزواج التراضي والاتفاق» إلى أن قال: «أذن على هذا فإنني أستطيع أن أتفق مع أي امرأة على أن أتزوجها لمدة نصف ساعة ثم أطلقها بعد ذلك ويكون زواجاً شرعياً؟ ج) لكي يكون ذلك زواجاً شرعياً لا بد من مراعاة الشرع في كل شيء ... »، ثم ساق ما رآه من شروط الزواج لم يكن فيها ما يمنع من هذا التوقيت (٣).

стр. 81

وهو بذلك يُفتي بحلّ هذا الزواج من القرآن كما يزعم، مخالفاً السنّةَ والشيعةَ معاً؛ إذ هو يردُّ عليهم، ويتهم الطرفين باختراع الأحاديث في هذه القضية. والقرآنيون يهاجمون أيضاً نظام الطلاق في الإسلام زاعمين أن التطليقَ بعبارة أنت طالق لا أثرَ له على الزوجيةِ لا جداً ولا هزلاً حتى يأتيَ المرءُ بشروطٍ أخرى (١). وها هو أحدُ فقهائهم المدعو علي عبد الجواد يستحلُّ فوائد المصارف الربوية، ويدعي أنها ليست من الربا في شيء، يقول: «لقد ابتلى الإسلام بفقهاء يتبعون الروايات التي ما أنزل الله بها من سلطان ونتيجة لذلك فقد تعثر واختلف رجال الدين فى تعريف الربا، فمنهم من يقول ان جميع انواع الكسب غير المشروع ربا! ومنهم من يخصص ويحدد الربا على انه فى بعض المواد ولا يقع على المواد الاخرى. ومنهم من يرفع راية الربا فى المعاملات! ! فيجعل منها اسلامية وغير الاسلامية وخصوصا التى يتحدد فيها الربح مقدما! ! ويتكلم فى انواع المعاملات من مضاربة الى مزابنة الى بيع البادى للحاضر معتمدا على مرجعية الروايات الموجودة فى كتب البخارى ومسلم واخوانهم جامعى روايات الناس عن السنة! ! وكان نتيجة فتاوى تحريم الفوائد المعلنة للبنوك ان ترك بعض المسلمين فى الخارج ملايين الدولارات الى غير المسلمين بحجة انها ربا من بنوك ربوية! ! » (٢).

стр. 82

الفصل الرابع: الكَرَّةُ على القرآنيّين:

стр. 83

المبحث الأول: بعضُ أدلة القرآنيين وتفنيدها: إنّ المطّلع على فكر جماعة أهل القرآن المعاصرين يجد أنهم يُردّدون شُبَهاً عفى عليها الزمن، وهكذا هم أهلُ البدع، وأصحابُ الأهواء، وأربابُ الضلالات، يُكرّرون أشياءَ هتفَ بها أسلافُهُم منذُ مئاتِ السنين! وهذا ديدن أهل الباطل دائماً يُعيدون ما فُرِغَ منه لعلّهم يصطادون ضحايا جديدة من الغافلين. وصدق الله العظيم الذي حكى منهج الضالّين المضلّين في كتابه العزيز فقال: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [سورة فصلت ٤١: الآية ٤٣]. وقال سبحانه: ﴿قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [سورة البقرة ٢: الآية ١١٨]. ومنكرو السنّة الغرّاء ـ أراح اللهُ الأمةَ من بلائهم ـ ليسوا مختلفين عن الغواةِ الآخرين، وهم لو قصدوا الحقَّ، ولو استَحيَوا من ربِّهم ﵎، ثم من خلقه؛ لَبَحثوا عن الأجوبة التي أُجيبَ بها مَنِ اقتَدَوا بهم ممّن تقدّمهمُ من المبتدعة السابقين. وها هي كتبُ أهل العلم المختلفة ملأى بالردود على تلك التشغيبات التي شغّبَ بها الأولون، ولكنهم يلوكون الأقوال العفِنَةَ، ويَجترّون الآراءَ المُنتِنَة، ويُغمضون أعيُنَهم عن الأدوية الناجعة التي فيها علاجُ أسقام قلوبِهم، ويتجاهلون البلاسم الشافية التي بها يُداوى بها زيغُ عقولِهم. والدليل على ما أقول: أن أطروحاتِهم تُغفِلُ عموماً الردودَ على شُبَهِهم، وتطوي ذكرَ مواضِعِ بيان ما يستشكلون. أوليس من العجيب أنهم يقولون ويُعيدون، ويروحون ويجيئون، في طرح أسئلةٍ وقضايا الجوابُ عنها أجلى من الجليّ؟ إن هؤلاء الناس يرومون الجدل للجدل، شأنُهم شأنُ من ذكروا في القرآن العزيز فقال: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [سورة الزخرف ٤٣: الآية ٥٨].

стр. 84

وقال عزّ من قائل: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [سورة الأنعام ٦: الآية ١٢١]. إنّ من يُطالعَ أدبياتِ أعداءِ السنة من القرآنيين يَجدُهم يأتون في لَجَجِهم بأدلة نقليةٍ جُلُّها ما ساقه أسلافهم من قبلُ من آياتٍ قرآنية انتزعوها من سياقِها، وأوّلوها على غير وجهِها، وحسبوا أنّهم حسموا بذلك النزاع من المسلمين. أما الآيات القرآنية التي يسوقُها القرآنيون، فإنّي مُورِدٌ طائفةٌ منها مبيِّناً ـ بحول الله تعالى ـ فسادَ استنادهم إليها، وبُطلانَ اتكالِهم عليها. والعجيبُ أنهم قد يستشهدون بشيءٍ من الأحاديث النبوية، والأخبار المرويّة، وهدفُهُم التشكيك والتشتيت. والعجبُ كلّ العجب من هؤلاء كيف يُريدون أن ينقُضوا مبدأ السنةِ ببعضِ المرويِّ فيها، وكيف يُريدون إثبات الكذب في الروايات المنسوبة إلى النبيِّ ﷺ بشيءٍ من هذه المرويّات! وإنّ لي عودةً إلى هذا التعجُّبِ عما قريب بإذن الله. وهم عصابةٌ هدفُها إشغال الأمة عن قضاياها المصيرية، وإلهاؤها عن سبيل نهضتها الحقيقية، وأنّى للأمة ذلك والطابور الخامس يفُتُّ في عضُدِها، ويطعنُها في ظهرِها؟ وصدق الشاعر: أرى ألْفَ بانٍ لا يقومُ لهادِمٍ ... فكيف ببانٍ خلفَه ألفُ هادمِ وصدق قبلَه ربُّ العالمين الذي وصفَ هؤلاء بقوله: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [سورة المنافقون ٦٣: الآية ٤]. ولكن هل نتركُ هؤلاء يُفتّتون في الأمة، وينهشون في لحمها، ويُهلكون من أبنائها من كان يجب أن يكونوا عواملَ قوةٍ وبناء؟ لقد قرَّر كثيرٌ من أهل العلم لزومَ التّصدّي لأهل البدع؛ صيانةً للأمة من شرورهم؛ «إذ حدثت البدعة الصارفة عن مقتضى القرآن والسنة، ونبتَ جماعةٌ

стр. 85

لفّقوا لها شبهاً، ورتّبوا فيها كلاماً مؤلّفاً؛ فصار ذلك المحذور (١) بحكم الضرورة مأذوناً فيه بل صار من فروض الكفايات، وهو القدر الذي يقابَلُ به المبتدع إذا قصد الدعوة إلى البدعة» (٢). وروي أنه قيل للإمام أحمد ابن حنبل: الرجلُ يصوم ويصلي ويعتكف أحبُّ إليك أو يتكلّم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل (٣). ورأى ابن تيميةَ ﵀ أنّ الإمام أحمدَ ـ عليه رحمات الله ـ قد بيَّنَ بجوابِهِ ذلك «أنَّ نفعَ هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله؛ إذ تطهيرُ سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفعُ بغي هؤلاء وعدوانِهم على ذلك واجبٌ على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يُقيمه الله لدفع ضررِ هؤلاء لفسد الدين، وكان فسادُه أعظمَ من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإنَّ هؤلاء إذا استولَوا لم يُفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك فهم يُفسدون القلوب ابتداءً» (٤). وإنّي ـ بفضل الله تعالى أولاً وآخراً ـ جنديٌّ صغيرٌ شرّفني الله ﵎ بشيءٍ يسيرٍ من الذبّ عن دينه القويم، والدفاع عن سنّة نبيّه الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتمُّ التسليم. فإن بلغَ كلامي هذا مسلماً فحصًّنه من غوائلِ أولئك القرآنيين، وعصمه من الهلاك في هرطقتهم، فذلك المنى، وهو المراد. وإن بلغَ مسطوري هذا أحداً ممن غُرِّرَ بهم من المنضوين تحت لواء طائفة القرآنيين، فهداه الله بسبب هذه السطور، فارعوى أحدٌ عن غيّه، وأفاق بعد سُكره، فحيّهلا، وبها ونعمت، وقد قال رسول الله ﷺ لسيدنا عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁: «فوالله لَأَنْ يهديَ اللهُ رجلاً بك خير لك من أن يكون لك حمر النعم» (٥).

стр. 86

وإلا فالحال كما قال ربّ العزّة على لسان مَن أدّى ما وجبَ عليه من فريضة الأمر بالمعروف: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة الأعراف ٧: الآيتان ١٦٤ - ١٦٥].اللهم أنجني بنهيي عن سوء القرآنيين من سوء الدنيا، وَاؤجُرْني عليه في الأخُرى؛ إنك أهل المغفرة والتقوى. المطلب الأول: «القرآن وكفى» (١): يُكثرُ القرآنيون لأجل اكتفائهم المزعوم بالقرآن من الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة النحل ١٦: الآية ٨٩]. وبقوله سبحانه: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة يوسف ١٢: الآية ١١١]. بقوله تعالى: : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام ٦: الآية ٣٨] زاعمينَ أنّ القرآن الكريم يُصرِّحُ بأنه يُغْني بنفسِهِ غناءً كاملاً عن أيِّ شيءٍ هو غيره، ولا حاجة معه إلى شيءٍ من دونه. والجوابُ على هذا الزعم من وجهين: الأول: إننا لا نُسلّمُ أنّ المرادَ في هذه الأخيرة على الراجح الذي لم يكَدْ يرَ المفسّرون غيرهُ (٢) ـ لِما يُوحي به سياقُها (٣) وتماثُلُ معناها مع غيرِها ـ هو اللوح المحفوظ.

стр. 87

فالآية بتمامها: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [سورة الأنعام ٦: الآية ٣٨]. وعلى مثالِ هذه الآية نجد قوله سبحانه في نفس السورة: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الأنعام ٦: الآية ٥٩]. وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود ١١: الآية ٦]. وقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [سورة النبأ ٧٨: الآية ٢٩]. وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [سورة يس ٣٦: الآية ١٢] (١). وقوله: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [سورة طه ٢٠: الآية ٥٢] ... وآياتٍ عديدة أخرى. ثم إنّ الآياتِ كلَّها هي مكية ولم يكن نزل كثيرٌ من القرآن ـ مما فيه الأحكام التشريعية ـ فكيف يكون القرآنُ حينئذٍ تبياناً لكل شيء؟ ووالله لو كان كذلك لَوجدَ فيه المشركون مَطعناً للتكذيب، ومَنعىً على رسول الله ﷺ بالافتراء. ومع التسليم بأنّ المقصودَ في الآية القرآن الكريم!

стр. 88

فإنّ هذا العامَّ في الآية هو «من العام الذي أريد به الخاص فيكون المعنى: ما فرطنا في شيء بكم إليه حاجة إلا وبينّاه في الكتاب إما نصّاً، وإما مُجمَلاً، وإما دلالة» (١). وذكر الإمام القرطبي (٢) هذا القول بقوله: «وقيل: أي: في القرآن. أي: ما تركنا شيئًا من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن، إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يُتلقى بيانها من الرسول ﵊، أو من الإجماع، أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النحل ١٦: الآية ٨٩]، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل ١٦: الآية ٤٥]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر ٥٩: الآية ٧]. فأجمل في هذه الآية وآية النحل ما لم ينصّ عليه مما لم يذكره، فصدق خبر الله بأنه ما فرّط في الكتاب من شيء إلا ذكره، إما تفصيلاً وإما تأصيلاً؛ وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾» (٣). وأما الوجه الثاني: فإنّ الدلالةُ اللغويةُ المفهومةُ من لفظةِ «كلّ» في الآيتَين الأولَيَين بمعنى العموم المُطلَق الذي لا يخرُجُ عنه شيءٌ غيرُ مقصودةٍ؛ بدليلين: - أولهما: أنّ العرب تستعمل لفظة «كل» وتُريدُ بها خُصوصاً تقصده.

стр. 89

والاحتجاج ليس بشيءٍ قد يُشكك به القرآنيون بل بالقرآن نفسِه، فها هو الله يحكي لنا عن ريح قوم عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [سورة الأحقاف ٤٦: الآية ٢٥]. فهل دمّرت هذه الريحُ كلّ شيءٍ على الإطلاق؟ وهل دمّرت الجبالَ والوديان، والسماوات والأرض، .... ؟ إنها لم تُدمّر إلا قومَ عادٍ وما يتعلّق بهم، ولم تتعدّهم إلى شيءٍ غيرهم؛ ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [سورة الأحقاف ٤٦: الآية ٢٥]. - وثانيهما: الواقع المرئيّ المحسوس المشاهَدُ في كلّ زمانٍ ومكان، من أنّ ثمةَ أشياءَ لا تُعدُّ ولا تُحصى لم يُبيِّنها القرآن، من مثل كيفيةِ تنفيذِ أوامرِهِ بالصلاة على سبيل المثال. ودعونا من اختلافِ فقهاء الأمة الإسلامية حول «جزئياتٍ» في الصلاة، فإننا لن نحتجّ به، بل سنحتجّ باختلافِكم ـ معاشر القرآنيين ـ حول الصلاة: إن بعض القرآنيين يرى أنّ القرآن الكريم يفرض على المسلم أن يصلي في كل وقت من أوقات الصلاة أكثر من ركعة، ولم يحدد له عدداً مخصوصاً وتركه يتصرف كما يشاء، وإن الإنسان يجب عليه أن يصلي ركعتين على الأقل، وله أن يزيد على ذلك ما شاء أن يزيد بحيث لا يخرج عن الاعتدال والقصد ... وبعد ذلك فللمسلم الاختيار فيما يفعل على حسب ما يجده من نفسه ومن قوته، أما الصلاة المعروفة اليوم بمواقيتها وهيئاتها، فما كان يعرفها الرسول نفسه ولا أصحابه، وهي غير واجبة على الأمة الإسلامية في جميع الأزمنة والأمكنة، أو فهي لا تدل على وجوب ما فوق الركعتين (١). ويزعم أنه إذا كنا وليس عندنا دليل قطعي على وجوب هذه الأعداد من الصلوات والركعات، والله لا يتعبّدُنا بالظن، وحيث أن (٢) هذا الأمر لم يصل إلينا

стр. 90

بالتواتر القولي دلّ ذلك على أن الله لا يريد منا المحافظةَ على هذه الأعداد، والاستماتةَ عليها (١). بالمقابل نجد أحدَ القرآنيين يرفضُ كلّ ما سبق، ويُلزِمُ بأن الصلواتِ كلَّها تؤدّى ركعتين ركعتين (٢). وهو يرى أنها في طرفي النهار أي: في أوله (صلاة الصبح)، وآخر النهار (صلاة المغرب)، وفي طرفي الليل أي: في أوله (صلاة الفجر)، وفي آخره (صلاة العشاء). أما صلاة الظهر فهي من الفروض التي لا ذكر لها في القرآن، وهي من الفروض التي زادها أعداءُ الإسلام (٣). بل يجعلها بعض القرآنيين ستّاً؛ حيث يزيد على الصلوات الأربع السابقة صلاتَيِ الظهر والليل! أما الظهر؛ فهي تبدأ عنده من ساعة توسط الشمس كبد السماء، وإلى أن يصير ظل كلّ شيء مثله! وأما صلاة الليل؛ فهي عنده اثنتين: صلاة الليل الأولى من دلوك الشمس إلى الغسق باستمرار غير منقطع، والثانية من غياب الشفق إلى منتصف الليل، وأما صلاة قيام الليل فهى مندوبة عنده (٤). وهذا يُناقضُ ما تؤكده الطائفة الآن على موقعها «أهل القرآن»، وهي تكفي بنقلها بالتواتر العمليّ؛ حيث يقول الدكتور أحمد صبحي منصور: «التواتر هو المتوارث الذي تتمسك به الأغلبية من عبادات وثقافات، وفيه الصحيح والفاسد، لذا يكون مرجع الحكم فيه لله تعالى في القرآن الكريم ... وفي نظرة سريعة إلى التدين العملي للمسلمين نجد فيه المتوارث الصحيح مثل وجود القرآن الكريم بيننا محفوظاً من لدن الله تعالى بكتابته وقراءته والذي يقف ضد محاولات الإلحاد فيما يسمى بعلوم القرآن التراثية (المتواترة أيضاً).

стр. 91

ونجد تواتراً في أداء الصلاة تبلغ صحته فوق التسعين في المائة، ونجد ملامح أخرى من التواتر الصحيح في جوانب أخرى تراثية، كما نجد أخطاء فادحة وابتداعات في الدين لا سبيل إلى حصرها» (١). فيا أيها القرآنيون ... اتّفقوا فيما بينكم ثم جادِلونا. المطلب الثاني: السلطة التشريعية لله وحده: يُردّدُ القرآنيون ناعين على المسلمين تحكيمَ رسول الله ﷺ ، واتخاذ سنته شرعاً (٢) قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [سورة الأنعام ٦: الآية ٥٧ وسورة يوسف ١٢: الآية ٤٠ والآية ٦٧]. وينفون عنه أنهُ يُحرّمُ شيئاً أو يُحلِّله، وأنه ﷺ كان لا يزيد عن الالتزام بما في القرآن الكريم مما حُلّلَ أو حُرّم، ويستشهدون بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التحريم ٦٦: الآية ١]. وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [سورة الأحزاب ٣٣: الآية ٥٠] (٣). ويروق لهم أن يذكروا قوله تعالى عن المشركين: ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ [سورة الأنعام ٦: الآية ١٤٠]. وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [سورة النحل ١٦: الآية ١١٦].

стр. 92

ويحلو لهم أن يرددوا قوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [سورة الأنعام ٦: الآية ٥٠ وسورة يونس ١٠: الآية ١٥ وسورة الأحقاف ٤٦: الآية ٩]. والجواب على هذا من وجوه: الأول: أما قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ فهو مُنتزَعٌ من ثلاث آيات: أما الآية الأولى فهي ردٌّ على طلبِ الكفارِ الآياتِ منه ﷺ ، فذكر لهم أنّ الأمرَ بيد الله وحدَه، وليس المرادَ بحالٍ التحريمُ والتحليل. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنعام ٦: الآية ٥٧ - ٥٨]. وأما الآية الثانية فهي نصيحةٌ من سيدنا يوسف ﵊ للسجينَين معه بتركِ عبادة الأوثان، ولا ذكرَ فيها لِحلالٍ أو حرام. قال : ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة يوسف ١٢: الآيتان: ٣٩ - ٤٠]. وأما الآية الثالثة فهي بيانٌ من سيدنا يعقوبٍ ﵇ لبنيه أنه لا يملك لهم شيئاً، ولا إيحاء فيها بحُرمة أو حلٍّ لشيءٍ أبداً. قال جلّ وعلا: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [سورة يوسف ١٢: الآية ٦٧].

стр. 93

ثمّ إننا نجد أنّ الله تعالى قد نفى الإيمان عمن لم يُحكم الرسول ﷺ ، فقال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٤: الآية ٦٥]. وقال: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [سورة النور ٢٤: الآيات: ٤٨ - ٥٢]. فالاحتكام إلى من لا يحكُمُ عبثُ وهراءٌ يُنزّهُ القرآن الكريم عنه، وهو يُثبِتُ لرسول الله ﷺ خاصّيّة الحكم. فإن قال القرآنيون: المراد مجرّد القضاء والفصل في الخصومات دون استقلالٍ بالتشريع؛ كما هو حال القاضي العاديّ من الناس لا يحكم من عند نفسِه، بل بما بين يديه من الموادّ القانونية، بدليل قوله تعالى: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء ٤: الآية ٦٥]. قلنا لهم: هل منصب القضاء الدنيوي يتطلّب أن لا يجد المرءُ في نفسه تضايُقاً ما من حكم القاضي عليه بشيءٍ ما، وأن يُسلّم له تسليماً كاملاً (١)؟ وأين وجهُ الإيمان في الرضوخ لحُكم قاضٍ أيّاً كان في أمرٍ من أمور الدنيا، ومشكلاتِ الخلائق، وهل إذا قبل إنسان بحُكمِ قاضٍ في محكمةٍ ما يُؤجَرُ عليه. فإن كان ذلك لمجرّد القضاء ولم يكن خصوصيةً للنبيّ ﷺ ؛ لشاركه فيها كلُّ قاضٍ تصدّى للحُكم في قضايا العباد.

стр. 94

وأية خُصوصية ستكون لرسول الله ﷺ وهو مُجرَّد ناقلٍ لحُكمٍ في القرآن؛ حتى يُؤكّدَ أمرُ الالتزام بقوله، والانقياد لِحُكمه بكلّ هذه المؤكدات في الآية الكريمة. الوجه الثاني: أما الاستشهاد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التحريم ٦٦: الآية ١]. فدلالتُهُ واضحةٌ في أنّه ﷺ حرّمَ ما حرّمَهُ ليُرضيَ بعضَ نسائه، وأنّ لم يُحرّمه تشريعاً. ومَعاذَ الله أن يكونَ فيما نزل على رسول الله ﷺ في المشركين ما تذكرون من قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ [سورة الأنعام ٦: الآية ١٤٠]. وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [سورة النحل ١٦: الآية ١١٦] ثم يسلُكَ سبيلهم، ولعلكم لا تنسَون أنّ سورتَي الأنعام والنحل مكّيتان، والنبيُّ ﷺ لم يكن عنده أزواج، بل زوجةٌ واحدة فحسب، وصارتِ الأزواج لديه في المدينة إذ نزلت سورة التحريم. وإنّه ﷺ حين حرّمَ على نفسِه لم يُحرّم ذلك تشريعاً لنفسِه. بل إنه أقسمَ أن لا يأكل عسل المغافير، أو أن لا يدخل على إحدى زوجاته؛ فعوتِبَ على قسَمِهِ الذي فيه بَونٌ من القِسطِ المطلوب منه، فعل ذلك اجتهاداً بهدَفِ إرضاء بعضِ حلائله؛ فلا شاهِدَ لكم بهذه الآيات. والذي ينسِفُ ما يراه أولئك من سلب رسول الله ﷺ سلطة التحريم والتحليل أنّ الله تعالى قد نسبَ في صريح القرآن التحليلَ التحريمَ إلى رسوله ﷺ . قال الله ﵎ يصف المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأعراف ٧: الآية ١٥٧].

стр. 95

ويقول آمِراً هؤلاء المؤمنين: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [سورة التوبة ٩: الآية ٢٩]. فأخبرونا أيها القرآنيون: ما المراد من الآيتين؟ إن زعمتُم أنه يُخبِرُ المؤمنين بما شرعه الله حلالاً وحراماً؛ فلا يصحُّ ـ لغةً ولا عقلاً ـ أن يُنسَبَ التحليل والتحريم إليه على سبيل الإفراد في الآية الأولى. أو أن يُنسَبَ على سبيل الإشراك مع الله تعالى في الآية الثانية. المطلب الثالث: اتباع الوحي: يزعم القرآنيون من أنّ محمداً ﷺ كان لا يملك شيئاً إلا أن يتقيّدَ بما في القرآن الكريم من الحلال والحرام، دون أن يكون له شيءٌ من التشريع. وذلك حقٌّ أُريدَ به باطلٌ، فهو ﷺ كان يتبع ما يُوحى إليه في القرآن، ومنه أنّه أُعطيَ سُلطَة أن يُحرِّمَ ويُحلِّلَ بما يُوحي إليه من الوحي غير المقروء أو الإلهام. وأما الآيات الثلاث ففيهما أنّ النبيَّ ﵊ ينفي عن نفسه علم الغيب، كونَهُ من الملائكة، والتصرُّفَ في القرآن بالزيادة والنقص، أو أن يأتي بقرآن من تلقاء نفسه، وقراءتُها بتمامِ كلٍّ منها يُوضِحُ ذلك. قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الأنعام ٦: الآية ٥٠]. وقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة يونس ١٠: الآية ١٥]. وقال: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [سورة الأحقاف ٤٦: الآية ٩].

стр. 96

المطلب الرابع: أحاديثُ ومرويات: من العجائب أن مُنكري السنة يستشهدون من السنة نفسِها على إنكارهم لها، وذلك بذكر رواياتٍ يُحاولون الاستفادة منها من أجل دعاواهم! وإننا نقول لهم: إما أن تؤمنوا بالسنة كلِّها، أو تدعوها كلَّها. فإذا كنتم ترونها أكذوبةً فما الذي يضمن لكم أن ما توردونه علينا ليس مكذوباً كذلك؟ وما الميزان لإثبات الصحيح من المكذوب؟ وأذكّركم أنكم كذّبتُم بالسنةِ كلِّها؛ لأنكم ترون أنه ما من سبيل إلى تمييز الصحيح من المفترى على رسول الله ﷺ . فهل ترون من العقل الاحتجاج بما ترونه كذباً؟ وإما إن قال قائلُكم: نحن نحتجُّ عليكم معاشر مُثبِتي السنة بهذه الروايات؛ لأنها في كُتُبِكم التي تعتبرونها، وتؤمنون بما فيها! فإننا نُجيبُ: نحنُ نؤمن بما فيها كلِّها ـ على تفاوُتِ درجاتِ المرويّات من الصحة ـ فلا يُقبَلُ أن تحتجّوا علينا بحديثٍ ما ولدينا ما يحُلُّ عقدةً فيه في حديثٍ آخَرَ، ثم تقولوا لنا: إن الثانيَ مكذوبٌ لا نؤمن به. وما مثلُكم كذلك إلا كما قال الشاعر: ألقاهُ في اليمّ مكتوفاً وقال له: إياكَ إياك أن تبتلّ بالماءِ فإما أن نتجادَل ضمن دائرة كلِّ ما نُصحِّحُه بوصفه مادةَ بحثٍ علميّ، وجدالٍ منطقيّ، وبغضّ النظر عن الإيمان بهذه المادة أو عدمِه. وإما أن نُلقيَ كلّ ذلك جانباً ولا نتكلّم إلا بالقرآن والعقليّات فحسبُ! ورغم ذلك فهذه إجاباتٌ سريعةٌ على بعضِ ما هو حُجَجُ مُنكري سنةِ النبي ﷺ والمشككين فيه.

стр. 97

أـ رواياتُ عرض الحديث على السنة: منذ القِدم أوردَ مُنكرو السنة أحاديثَ لفّقوها أرادوا بها إبطالَ الاحتجاج بالسنة، وهم بذلك يفضحون أنفُسَهم، ويكشفون قلّة عقولِهم، فكيف يُرادُ إبطالُ شيءٍ ببعضِه؟ من تلك المرويّات حديثُ «ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله؛ فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فلم أقله» (١). وحديثٌ آخر فيه «إن الحديث سيفشو عني؛ فما أتاكم يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس عني» (٢) وقد رُويَ الحديث من أوجه أُخَرَ كلُّها ضعيفة (٣)، بل قيل: هو من وضع الزنادقة (٤). وروَوا كذلك حديثَ «إذا حدثتم عني بحديث يوافق الحقَّ فصدقوه، وخذوا به حدثت به أو لم أحدث» (٥). ب ـ نهي النبي ﷺ عن كتابة حديثه: مثل حديث «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليَمْحُه» (٦). والرد على الاستشهاد بهذا الحديث:

стр. 98

أ - أن ذلك من منسوخ السنة بالسنة. أي: إن المنع جاء أولاً، ثم نسخ بالإذن في الكتابة بعد ذلك. وإلى ذلك ذهب جمهرة العلماء. وقد قالوا: إن النهي جاء أولاً خشية التباس القرآن بالسنة، فلما أمن الالتباس جاء الإذن. ب- أن النهي لم يكن مطلقاً، بل كان عن كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة. أما في صحيفتين فمأذون به. ج- أن الإذن جاء لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون لأنفسهم، ويؤمن عليهم الخلط بين القرآن والسنة. وهناك آراء غير ذلك، لكن الذي يتضح من روايات المنع وروايات الإذن أن الإذن جاء آخراً، فإن كان نسخ فهو الناسخ للمنع. وهذا الذي رواه الجمهور (١). وقد أُحصيَ الصحابة الذين كانوا يكتبون أو كانت لهم صحف فبلغ عددهم اثنين وخمسين صحابياً (٢). وقد ذكر أهل العلم أن الخلاف حول قضية تدوين السنة كان في العصر الأول، ثم أجمعت الأمة على تسويغ كتابة الحديث والعلم، واستقر الأمر على ذلك (٣). ج ـ ما أُثرِ عن الصحابة من النهي عن الرواية عن رسول الله ﷺ : كنهي عمرَ ﵁: «أقلّوا الرواية عن رسول الله ﷺ وأنا شريككم» (٤). وبيانُ الأمر أنهم كانوا يخشون روايتها ويهابون من ذلك؛ لعظم المسؤولية، ووعيد رسول الله ﷺ على من يكذب عليه.

стр. 99

ومن أدلة ذلك موقف عبد الله بن مسعود ﵁ الذي جاء حدّث يوماً عن رسول الله ﷺ ، فنكس. قال (١): فنظرت إليه فهو قائم محللة أزرار قميصه قد اغرورقت عيناه وانتفخت أوداجه. قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريبا من ذلك، أو شبيهاً بذلك (٢). ومن أجلى ما يُستدَلُّ به ما أخرج البخاري في «صحيحه» عن عبد الله بن الزبير (٣) ﵁ أنه قال لأبيه: إني لا أسمعُكَ تحدّثُ عن رسول الله ﷺ كما يُحدّث فلانٌ وفلانٌ، قال: أمَا إني لم أكن أفارقُهُ، ولكن سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّا مقعدَه من النار» (٤). قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح هذا الحديث في «فتح الباري»: «وفي تمسُّك الزبير ﵁ (٥) بهذا الحديث على خلاف ما ذهب إليه من اختيار قلة التحديث دليلٌ للأصحِّ في أن الكذب هو: الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه سواءٌ كان عمداً أم خطأً، والمخطئ وإن كان غير مأثومٍ بالإجماع، لكن الزبير خشيَ من الإكثار أن يقع في الخطأ وهو لا يشعر؛ لأنه وإن لم يأثم بالخطأ لكن قد يأثم بالإكثار؛ إذ إن الإكثار مظنة الخطأ.

стр. 100

والثقة إذا حدّث بالخطأ فحُمِلَ عنه وهو لا يشعر أنه خطأ ٌ يُعمَلُ به على الدوام للوثوق بنقله، فيكون سبباً للعمل بما لم يقله الشارع، فمن خشي من إكثار الوقوع في الخطأ لا يُؤمن عليه الإثم إذا تعمّد الإكثار، فمن ثمّ توقّف الزبير وغيره من الصحابة عن الإكثار من التحديث. وأما من أكثرَ منهم فمحمولٌ على أهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبُّت، أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم فسُئلوا فلم يُمكِنهم الكتمان» (٣). ء ـ ما أُثرِ عن عمر من قوله: «حسبنا كتاب الله»: وذلك في واقعةٍ حصلت في مرض وفاة حبيبنا محمدٍ أخرج خبرَها البخاري في مواضعَ من «صحيحه» وغيرُهُ عن ابن عباس ﵁ قال: لما اشتد بالنبيِّ ﷺ وجعُهُ قال: «اتئوني بكتابٍ أكتُبْ لكم كتاباً لا تَضلُّوا من بعده». قال عمر ﵁: إن النبي ﷺ غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط قال: «قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع». فخرج ابن عباس ﵁ يقول: إن الرزيّةَ كلَّ الرزيّةِ ما حال بين رسول الله ﷺ وبين كتابه (١). وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ في باب كتابة العلم من كتاب العلم من «صحيحه»! وهذا من فقهه العظيم؛ والشاهدُ همُّ النبيِّ أن يكتبَ لأمته كتاباً يحصل معه الأمن من الاختلاف وهو لا يهمّ إلا بحقّ (٢). وقد بيّن العلماءُ توجيه قول عمر ﵁، وقد جمعَ من دُرَرِهم الحافظ ابن حجر العسقلانيّ باقةً عطرةً فقال: قال القرطبي وغيره: «ائتوني» أمر، وكان حق المأمور أن يبادر للامتثال، لكن ظهر لعمر ﵁ مع طائفةٍ أنه ليس على الوجوب، وأنه من باب الإرشاد إلى الأصلح، فكرهوا أن يكلّفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة؛ مع استحضارهم قوله تعالى:

стр. 101

﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [سورة الأنعام ٦: الآية ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿تبيانا لكل شيء﴾ [سورة النحل ١٦: الآية ٨٩]، ولهذا قال عمر ﵁: «حسبُنا كتاب الله». وظهر لطائفة أخرى أن الأَولى أن يكتب لِمَا فيه من امتثالِ أمرِهِ، وما يتضمنه من زيادة الإيضاح. ودل أمرُهُ لهم بالقيام على أن أمرَهُ الأولَ كان على الاختيار، ولهذا عاش ﷺ بعد ذلك أياماً ولم يعاود أمْرَهم بذلك، ولو كان واجباً لم يتركه لاختلافهم؛ لأنه لم يترُكِ التبليغَ لِمُخالفة من خالَفَ! وقد كان الصحابة يُراجعونه في بعض الأمور ما لم يَجزِم بالأمر، فإذا عزم امتثلوا (١). وقال الحافظ ابن حجر في موضعٍ آخر من كتابه: وقال النووي: اتفق قولُ العلماء على أن قولَ عمرَ ﵁: «حسبنا كتاب الله» من قوة فقهه ودقيق نظره؛ لأنه خشي أن يكتب أموراً ربما عجَزوا عنها فاستحقوا العقوبة لكونها منصوصة (٢)، وأراد أن لا ينسدّ بابُ الاجتهاد على العلماء. وفي تركه ﷺ الإنكار على عمر ﵁ إشارة إلى تصويبه رأيَه. وأشار بقوله: حسبنا كتاب الله إلى قوله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [سورة الأنعام ٦: الآية ٣٨]. ويحتمل أن يكون قصد التخفيف عن رسول الله ﷺ لِمَا رأى ما هو فيه من شدة الكرب، وقامت عنده قرينةٌ بأن الذي أراد كتابته ليس مِمّا لا يستغنون عنه؛ إذ لو كان من هذا القَبيل لم يتركْهُ ﷺ لأجل اختلافهم.

стр. 102

ولا يعارض ذلك قولُ ابن عباس: إن الرزية ... إلخ؛ لأن عمر ﵁ كان أفقَهَ منه قطعا. وقال الخطابي: لم يتوهم عمرُ ﵁ الغلطَ فيما كان النبي ﷺ يريد كتابته، بل امتناعُهُ مَحمولٌ على أنه لما رأى ما هو فيه من الكرب وحضور الموت خشي أن يجد المنافقون سبيلاً إلى الطعن فيما يكتبه وإلى حمله على تلك الحالة التي جرت العادة فيها بوقوع بعض ما يخالف الاتفاق؛ فكان ذلك سبب توقُّف عمر ﵁ لا أنه تعمَّدَ مُخالَفةَ قول النبي ﷺ ولا جواز وقوع الغلط عليه حاشا وكلا (١).

стр. 103

المبحث الثاني: آياتٌ قرآنية وأسئلة موجهة إلى القرآنيين . أحاول في هذا المبحث أن أحارِبَ القرآنيين بسلاحَيهم الوحيدين: (القرآن، وما يدندنون به من العقل)، ولن ألجأ إلى الاحتجاج بشيءٍ آخرَ، وخصوصاً السنةَ المشرفة؛ لئلا أحتجَّ بالدعوى وأدخُل في الدور (١)! وإنّ هذه المواقف التي سأقف مع القرآنيين فيها أُسائلُهم عن آياتٍ من القرآن، وأتقدم إليهم بالجدال عبر أسئلةٍ منطقيةٍ تحتاج أجوبةً واضحةً منهم، لا لفّ فيها ولا دوران. وإني سأقتصر على خمسةِ مطالب؛ لمناسبة هذا البحث الضئيل، وإلا فإنّ في جعبة العبدِ الضعيف وجُعَبِ غير من الغيارى على سنة المصطفى ﷺ أسئلةً كثيرة. وإنّني أحمد الله على أنّ عدداً من هذه الأسئلة التي أطرحُها في هذه الورقات لم أطّلع عليها عند غيري، وقد أكون مسبوقاً إليها دون أدري و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا﴾ [سورة الطلاق ٦٥: الآية ٧]. فإن أصبتُ فمن الله وحدَه، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله ﷺ وصالحُ المؤمنين منه بَراءٌ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، وحسبي الله ونعم الوكيل. المطلب الأول: كيف جاءَنا القرآن ؟ يزعم القرآنيون أن القرآن جاء بالتواتر، وهي كلمة حقٍّ أريد بها باطل، فالتواتر الذي يعنونه هو حفظ القرآن جيلاً بعدَ جيلٍ، وإيصال القرن السابقِ هذا القرآن للقرنِ اللاحق. يقول كبيرُهم أحمد صبحي منصور: «التواتر هو المتوارث الذي تتمسك به الأغلبية من عبادات وثقافات، وفيه الصحيح والفاسد، لذا يكون مرجع الحكم فيه لله تعالى في القرآن الكريم ...

стр. 104

وفي نظرة سريعة إلى التدين العملي للمسلمين نجد فيه المتوارث الصحيح مثل وجود القرآن الكريم بيننا محفوظاً من لدن الله تعالى بكتابته وقراءته والذي يقف ضد محاولات الإلحاد فيما يسمى بعلوم القرآن التراثية (المتواترة أيضاً). ونجد تواتراً في أداء الصلاة تبلغ صحته فوق التسعين في المائة، ونجد ملامح أخرى من التواتر الصحيح في جوانب أخرى تراثية، كما نجد أخطاء فادحة وابتداعات في الدين لا سبيل إلى حصرها» (١). ويقول المدعو علي عبد الجواد: «وأما السنة العملية، وهى البيان العملي للقرآن مثل الصلاة والزكاة والحج والصوم فقد تواترت والحمد لله إلى الآن. ولا يوجد أحد من المسلمين يصلي الظهر خمس ركعات مثلاً، أو يصوم إلى نصف النهار مثلاً، أو لا يدفع زكاة ماله وهكذا حفظت السنة العملية تواتراً» (٢). وها هي إحدى القرآنيات تُحاور مسلماً ـ كما يروي من حواره معها ـ مظهرةً مفهوم القرآنيين للتواتر: «فسألتني: أنت الآن تصلي؟ ؟ فقلت لها: نعم. فسألتني: وقبل ذلك تصلي؟ ؟ فقلت لها: نعم. فسألتني: ولما كنت طفلا صغيراً كنت تصلي أيضاً؟ ؟ فقلت لها: نعم فسألتني: ومن علمك الصلاة؟ قلت لها: والدي. قالت وبريقٌ في عينيها ونشوةُ انتصار في صوتِها: وكذلك كل من يصلي من المسلمين عامتهم وخاصتهم إنما عرفوا الصلاة وكيفية أداءها من آباءهم بتوارث

стр. 105

الأجيال أباً عن جد ويندر جدا أن يكون أحدهم قد تعلمها أول أمره من قراءة كتاب فقه أو تتبع أحاديث في البخاري أو مسلم أو بسؤال شيخ. بل الحاصل أنها من المنقولات المورثة بالفعل الاجتماعي الجمعي يتوارثها كلُّ جيل عن الآخر وصولاً إلى زماننا. فنحن نصلي كما وجدنا آباءنا يصلون وهم كما وجدوا آباءهم يصلون، وهم أيضاً عن آباءهم وهكذا وصولاً إلى زمن الصحابة الذين علموا الناس في الأمصار الصلاة بالفعل لا بالتلقين القولي والفذلكة الفقهية، وعنهم أخذها الناس بالمباشرة الفعلية وهم عن رسول الله، فسندنا بالصلاة متصل إلى رسول الله بهذا الطريق القطعي، لا بكلمات وجدناها في كتاب حديثٍ أو كتاب فقهٍ يقع التناقض الكثير بين أوصافها أحياناً مما يجعل كلَّ صاحب مذهب يخطّئ صلاة الآخر استناداً إلى حديثٍ يرى حجيته على حديث الآخر» (١). هنا وبعد أن فهمنا معنى تواتر القرآنيين لنا أن نسأل الأسئلة التالية: القرآن الكريم نزل بقراءةٍ واحدةٍ أم بقراءات مختلفة؟ إن قلتم: بقراءةٍ واحدة؛ لزمكم إقامة دليلٍ على تحديدها خارجٍ عن التواتر الذي قنّنتُم له؛ لأنّه من المرئيّ المشاهدَ في أقطار المسلمين أنّ طرائقّ قراءاتٍ مختلفةً لا تزال باقيةً إلى يومنا هذا (٢)؟

стр. 106

وإن قلتُم: بعدة قراءاتٍ؛ لزمكم إقامة أدلةٍ على عددها! فإن قُلتم: هي الباقيةُ إلى يومنا هذا بدليل بقائها بنقل القرون قرناً عن قرنٍ (١)؛ أشكل عليكم أنّ لدينا أدلةً تاريخيةً مُعتبرةً من مخطوطاتٍ موثَّقةٍ لكتُبٍ سابقةٍ (٢) ـ إنكارُها لمجرّد الإنكار ليس إلا رعونةً فكريةٍ على مذهب «عنزة ولو طارت» ـ أنّ قراءاتٍ قرآنيةً نسميها نحن «متواترةً» بشروط التواتر لدينا كانت مما يُقرأ به في عصورٍ سابقة، وهي مما لا يُقرَأ به اليومَ في أيٍّ من بلاد المسلمين، فكيف يستقيم مفهومكم لتعريف التواتر مع هذا؟ فإنّ هذه القراءات التي كانت متواترةً مقروءاً بها قدماً لم يستمرّ نقلُ الأجيال لها بالدليل الملموس الذي ذكرناه، أفلا يقدَحُ هذا في مقياس التواتر الذي طرحتُموه؟

стр. 107

فإن كان مقياسُكم هو الصواب للزم أن لا يضيع من المتواتر شيء؟ ولنا أن نسأل: هذا الذي أضاعه تواتُركم وكان موجوداً ألا يُعدُّ ضياعُهُ انتقاصاً من القرآن؟ أن تضيع بعضُ طرائقِ قراءته؟ ولنا وقفةٌ ثانيةٌ عند مفهوم التواتر الذي يدعيه القرآنيون، وهو أن يُوكَلَ حفظ الدين والقرآن إلى التوارث جيلاً بعد جيل. ذلك أننا وجدنا القرآن الكريم ينقض هذه المفهوم نقضاً ذريعاً، ويهتكه هتكاً مُريعاً. يدل على ذلك: إنّ الكتب السابقةَ لَمّا استُحفِظَ أهلُها إياها أضاعوها، والأديان المتقدمة لما اؤتُمن عليها الناسُ حرّفوها؛ وهذا دليلٌ على أنّ البشر غير قادرين بأنفسهم على الحفظ المزعوم، والصون الموهوم. قال الله ﵎: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ فالحفظُ ربّانيٌّ، وهو فوقَ قدرة البشر وطبيعتهم فإن زُعِمَ أنّ الأمة المسلمة حفظت وأحب الاستدلال بنحو قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ لَكان الجواب: وكذلك فُضِّلَ بنو إسرائيل ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧]. وأذكّر بقول كبير القوم أحمد صبحي منصور: «ونجد تواتراً في أداء الصلاة تبلغ صحته فوق التسعين في المائة، ونجد ملامح أخرى من التواتر الصحيح في جوانب أخرى تراثية، كما نجد أخطاء فادحة وابتداعات في الدين لا سبيل إلى حصرها» (١).

стр. 108

ولنا أن نسأله ما ميزان التمييز بين المتواتر الصحيح، والأخطاء الفادحة والابتداعات في الدين التي لا سبيلَ إلى حصرِها؟ وكيف نفرّقُ هذا من هذا؟ فلو قال زيدٌ: الأمرُ الفلانيُّ من المتواتر الصحيح! لقال له عمرٌو: بل هو من جملةِ أخطاء فادحة وابتداعات في الدين لا سبيل إلى حصرها! والعكس صحيح. فما الذي يجعل هذه الأمة تحفظ كتابها، وتصون دينها، وتكلأ شريعتها إلا الحفظُ الإلهيُّ؟ وهذه الأمة عينُها عندما وُكِلَت إلى نفسِها افترقت وابتدعت واخترعت وفعلت كما فعل من سبقها. المطلب الثاني: طاعة النبيِّ ﷺ : لن ينفيَ القرآنيون أنّ في القرآن كثيراً من الآياتِ التي تذكر ـ أو تأمر ـ بطاعة النبيّ ﷺ ؛ وإنني سأخرجُ عن السياقِ بسردِ الآياتِ القرآنية الكريمة الكثيرة الآمرة بطاعة سيدنا رسول الله ﷺ ؛ إنارة للعقول، وترقيقاً للقلوب! قال الله ﵎: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة آل عمران ٣: الآية ٣٢]. وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة آل عمران ٣: الآية ١٣٢] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء ٤: الآية ٥٩]. وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [سورة المائدة ٥: الآية ٩٢].

стр. 109

وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنفال ٨: الآية ١]. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [سورة الأنفال ٨: الآية ٢٠]. وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة الأنفال ٨: الآية ٤٦]. وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [سورة النور ٢٤: الآية ٥٤]. وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [سورة النور ٢٤: الآية ٥٦]. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [سورة محمد ٤٧: الآية ٣٣]. وقال: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة المجادلة ٥٨: الآية ١٣]. وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [سورة التغابن ٦٤: الآية ١٢] وهنا لنا أن نسأل: في أي شيءٍ يُطاعُ رسول الله ﷺ ؟ وهل طاعةُ الرسول ﷺ في الدخول في الإسلام والإيمان بدينه الحنيف، والتصديق بالقرآن الكريم؟ أم هي طاعةٌ عامة في كلّ ما يأمر به؟

стр. 110

إن كانت الأولى؛ فإنّ الآيات الآمرة بالطاعة الموجَّهَةَ إلى المؤمنين تنقُضُ هذا الاحتمال! وإن كانت الأخرى ـ أي: إن طاعتَهُ ﷺ في غيرِ ذلك ـ سألنا: أهي طاعةٌ فيما هو مأمورٌ به في نصّ القرآن أم لا؟ فإن قال منكرو السنة: هي في الذي أُمرَ به في القرآن. قلنا لهم: وما الفائدة من إثباتِ طاعةٍ لرسول الله ﷺ في ما أمرَ به الله عيناً ونصّاً؟ فإنّ قالوا: تأكيداً على وجوب طاعة الله. قلنا: لا يؤكّد على الكبير بالصغير، والله أعظم من أن يؤكِّدَ على طاعتِهِ بطاعة عبده ومخلوقه. وإنّ لله تعالى أوامرَ كثيرةً وكثيرةً في القرآن الكريم لم يؤكِّدها بما تزعمون من طاعة مخلوقه وحبيبه ﷺ . فلم أكّد بعضَها ـ كما تزعمون ـ وسلَبَ البعضَ الآخرَ هذا التأكيد؟ ثمّ إننا نلحظُ أنّ الله تعالى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء ٤: الآية ٥٩] يُشيرُ إلى طاعةِ أولي الأمر، وهم ـ حسب تفسيرنا إما الأمراء وإما العلماء (١) ـ وكلا الفريقين غير
следующие страницы →