Полный текст (1 541 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
نقيض ما علم بموجب مع تذكر ذلك الموجب، بخلاف ما لو ذهل عن الموجب أو عن كونه موجبا، لكنه لا يستحيل ظن النقيض، لثبوت رجوع المجتهد إلى نقيض ما أداه إليه اجتهاده.
فإن قيل: ما ذكرتم مشترك الإلزام، إذ لزوم النقيضين وارد على المذهبين فيكون مردودا، فلا يكون منشأ الفساد خصوصية أحد المذهبين، فما هو جواب لكم يكون جوابا لنا.
بيان أنه مشترك: أن الإجماع منعقد على وجوب اتباع الظن، فإذا ظن الوجوب وجب الفعل قطعا، وإذا ظن الحرمة حرم الفعل قطعا، ثم شرط القطع بقاء الظن بما ذكرتم، فيلزم الظن والقطع معا ويجتمع النقيضان.
قلنا: إنما يلزم ذلك لو كان الظن والقطع تعلقا بشيء واحد، أما لو كان الظن متعلقا بأن الحكم المطلوب، والقطع متعلق بتحريم مخالفته لكونه مظنونا فلا تناقض لاختلاف المتعلق.
وقوله: (فإذا تبدل الظن زال شرط تحريم المخالفة) جواب عن سؤال مقدر تقديره: لما كان زوال العلم يتبع زوال الظن، لأنه إذا زال الظن بالحكم زال العلم به، دل على اتحاد متعلقهما.
الجواب: أن العلم متعلق بأن المطنون ما دام مظنونا يجب العمل به، فإذا زال الظن فقد زال شرط العمل به، فينتفي العلم بوجوب العمل في زمان زوال الظن، فليس زوةاله بزواله لأجل اتحاد متعلقهما، بل لزوال شرطه.
فإن قيل: هذا الجواب يعينه يجري في دليلكم، إذ يقال: لا نسلم اتحاد متعلق الظن والعلم، فإن الظن متعلق بكون الدليل دليلا، والعلم متعلق.
стр. 1472
بثبوت مدلوله، فإذا تبدل الظن زال شرط ثبوت الحكم الذي هو ظن الدلالة.
قلنا: هذا لا يدفع اجتماع النقيضين، فإن كونه دليلا أيضا حكما، فإذا ظنه فقد علمه، إذ لو لم يعلمه لجاز أن يكون المتعبد به غيره –أي الدليل الذي يجب العمل به غير ذلك الدليل- وإذا كان غيره فقد أخطأ في اعتقاد أن هذا دليل، فهذا حكم أخطأ فيه المجتهد، فلا يكون كل مجتهد مصيبا.
/ولنا أيضا: أن الصحابة أطلقوا الخطأ في الاجتهاد وشاع وتكرر من غير نكير، فكان إجماعا.
فمن ذلك ما روي عن علي وزيد وغيرهما: أنهم خطئوا ابن عباس حيث لم يقل بالعول في الفرائض، وخطأهم هو أيضا، حتى قال: "من باهلني باهلته، إن الله لم يجعل في مال واحد نصفا ونصفا وثلثا"، وإلى غير ذلك.
واعترض: بأن التخطئة إنما كانت فيما خالفوا فيه نصا، أو فيما قصر فيه المجتهد، إذ لو كان كذلك لأثموا المخالف.
واستدل: بأن المجتهدين إذا اختلفا في حكم واقعة بالنفي والإثبات، وصار كل منهما إلى مناقضة الآخر، فإما أن يكون الحكمان بدليلين أو لا؟ .
الأول: إما أن يكون أحدهما أرجح أو لا، فإن كانا أو أحدهما لا بدليل فواضح أنه لا يكون صوابا، وإن كانا بدليلين وترجح أحدهما تعين للصحة وتعين الآخر للخطأ، إذ لا يجوز العمل بالمرجوح، وإن تساويا تساقطا وكان الحكم الوقف أو التخيير، فيكونان في التعيين مخطئين، فلا يكون كل مجتهد مصيبا.
стр. 1473
الجواب: أن تقول: ثم قسم آخر هو أن تترجح كل منهما بالنسبة إلى مجتهد –إذ ليست أدلة في أنفسها- فأمارة كل مجتهد راجحة عنده، وذلك هو رجحانها في نفس الأمر.
واستدل أيضا: بانعقاد الإجماع على شرع المناظرة، فلولا أن الغرض منها تبيين الصواب لم يكن لها فائدة، إذ تصويب الجميع ينفي ذلك.
الجواب: لا نسلم أنه لا فائدة لها إلا ذلك، ومن فوائده: ترجيح إحدى الأمارتين في نظرهما ليرجعا إليها.
ومنها: تساويها ليتساقطا ويرجعا إلى دليل آخر.
ومنها: التمرين وحصول ملكة الوقوف على المآخذ ورد الشبه، ليعين ذلك على الاجتهاد.
واستدل أيضا: بأن المجتهد طالب فله مطلوب، لاستحالة طالب لا مطلوب له، فمن وجد ذلك المطلوب فهو مصيب، ومن أخطأه فهو مخطئ.
الجواب: أن مطلوب كل واحد من المجتهدين ما يغلب على ظنه أنه حكم الله في حقه من الأمارات المختلفة؛ فيحصل مطلوبه وإن كان مختلفا –أي غير معين عند الله-.
لا يقال: متعلق ظنه حكم الله، فكيف يمكن ذلك مع الجزم بأنه لا حكم لله في الواقعة، وبالجملة فمطلب "أي" بعد مطلب "هل"، فما لم يعلم أن ثم حكما كيف يطلب تعيينه أهو الحرمة أو الإباحة؟ .
لأنا نقول: بل متعلق ظنه أن أليق بالأصول، وأنسب بما عهد من الشارع اعتباره.
стр. 1474
واستل أيضا: بأن تصويب الكل مستلزم للمحال، فكان محالا.
بيان اللزوم: لو كان الزوج مجتهدا أداه اجتهاده إلى مذهب الشافعي والزوجة مجتهدة أداها اجتهادها إلى مذهب أبي حنيفة، فقال لها: "أنت بائن"، ثم قال: "راجعتك" –وهو يعتقد الحل وهي تعتقد الحرمة- لزم من صحة المذهبين حلها وحرمتها، وكذا لو نكح مجتهد-/ يرى مثل رأي أبي حنيفة- امرأة بغير ولي، ثم تزوجها بعد ذلك مجتهد يرى رأي الشافعي، لزم من صحة المذهبين حلها لهما.
الجواب: أنه مشترك الإلزام، إذ لا خلاف أنه يلزمه ابتاع ظنه مخطئا كان أو مصيبا، فيلزم على المذهبين، وقد يقال: المورد أورده على ما في الواقع، إذ التقدير تبعية الحكم لظن المجتهد بخلاف ما ذكر، فإنه بالنسبة إلى مجتهدين، ولا يبعد كون الشيء حلالا وحراما في ظني مجتهدين، فلا تناقض لعدم اتحاد الموضوع، بخلاف الآخر.
والجواب الحق: أن يرفع إلى حاكم يحكم بينهما فيتبعان حكمه، لوجوب اتباع حكمه للموافق والمخالف.
قال: (المصوبة: لو كان المصيب واحدا، لوجب النقيضان إن كان المطلوب باقيا، أو وجب إن سقط الحكم المطلوب.
стр. 1475
وأجيب: بثبوت التالي، بدليل أنه لو كان فيها نص أو إجماع ولم يطلع عليه بعد الاجتهاد وجب مخالفته، وهو خطأ فهذا أجدر.
قالوا: قال: "بأيهم اقتديتم اهتديتم"، ولو كان أحدهما مخطئا لم يكن هدى. وأجيب: بأنه هدى لأنه فعل ما يجب عليه من مجتهد أو مقلد).
أقول: احتج القائلون بأن كل مجتهد مصيب بوجهين:
الأول: لو كان المصيب واحدا والمخطئ يجب عليه العمل بموجب ظنه، فإما أن نوجبه عليه مع بقاء الحكم الذي في نفس الأمر في حقه أو مع زواله، والأول يستلزم ثبوت الحكمين فيستلزم ثبوت النقيضين، والثاني يستلزم أن يكون العمل بالخطأ واجبا وبالصواب حراما.
الجواب: أن نختار الثاني وهو زوال الحكم الأول ولا استحالة، بل وقع فيما فيه نص أو إجماع ولم يطلع عليه بعد الاجتهاد، فإنه تجب عليه مخالفته واتباع ظنه مع الاتفاق على أنه خطأ، فهذا مع الاختلاف أجدر.
قالوا قال ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"، ولو كان بعضهم مخطئا في اجتهاده ما كان في متابعته هدى، فإن العمل بغير حكم الله ضلال.
الجواب: أن كونه ضلالا من وجه لا يمنع كونه هدى من وجه آخر، وهذا هدى لأنه فعل ما يجب عليه، سواء كان مجتهدا أو مقلدا، فإنه يجب العمل بالاجتهاد على المجتهد ومقلده.
стр. 1476
قال: (مسألة: تقابل الدليلين العقليين محال ، لاستلزمهما النقيضين.
وأما تقابل الأمارات الظنية وتعادلها.
فالجمهور: جائز، خلافا لأحمد والكرخي.
لنا: لو امتنع لكان لدليل، والأصل عدمه.
قالوا: لو تعادلا فإما أن يعمل بهما أو بأحدهما معينا أو مخيرا أو لا؟ .
والأول: باطل.
والثاني: تحكم.
والثالث: حلال/ لزيد حرام لعمرو من مجتهد واحد.
والرابع: كذب؛ لأنه يقول: لا حرام ولا حلال، وهو أحدهما.
وأجيب: يعمل بهما في أنهما وقفا فيقف، أو بأحدهما مخيرا، أو لا يعمل بهما، ولا تناقض إلا في اعتقاد نفي الأمرين لا في ترك العمل).
أقول: لما كانت الأمارة ما يحصل به الظن ولا يرتبط بها مدلولها ارتباطا عقليا بخلاف الدليل، لا جرم اتفق العقلاء على امتناع تقابل الدليلين، وإلا لزم حقية مقتضاهما، فيلزم وقوع المتنافيين، ولا يتصور الترجيح لأنه فرع التفاوت في احتمال النقيض، ولا يتصور في القطعي.
واختلفوا في تقابل الأمارات وتعادلها، فجوزه الجمهور، ومنعه أحمد والكرخي، ولا معنى لتقييد الأمارات بالظنية، إذ لا تكون إلا كذلك.
стр. 1477
لنا: لو امتنع لكان امتناعه لدليل –إذ القول بغير دليل باطل- والأصل عدم الدليل.
قالوا: لو تعادلت أمارتان، فإما أن يعمل بهما أو بأحدهما على التعيين أو على التخيير، أو لا يعمل بواحدة منهما.
والأول باطل، للزوم اجتماع التحليل والتحريم.
والثاني كذلك، للتحكم.
والثالث كذلك، لأنه قد يفتي زيدا بالحل وعمرا بالحرمة، فيكون الفعل الواحد حلالا لزيد حراما لعمرو من مجتهد واحد، وأنه محال.
والرابع كذب، لأنه قول بأنه ليس حلالا ولا حراما، مع أنه لا يخرج في الواقع عنهما، فيكون كذبا.
الجواب: نختار الأول، فيعمل بهما ولا تناقض، وإنما يلزم لو اقتضى كل عند الاجتماع العمل بمقتضاه عند الانفراد وأنه ممنوع، بل مقتضاهما عند الاجتماع الوقف، فلا تناقض.
وثانيا: نختار الثالث، ونمنع استحالة الحل لزيد والحرمة لعمرو من مجتهد واحد، فإنه ليس ضروريا ولم يقم عليه دليل.
[قلت: بعين ما قاله أحمد في تعادلهما في نظره أنه مخير، فقد يفتي زيدا بالحل وعمرا بالحرمة، ولا فرق بين تعادلهما في نظره أو في الواقع].
стр. 1478
وثالثا: أنا نختار الرابع، وهو أنه لا يعمل بهما كما لو لم يقم دليل، ولا تناقض في عدم العمل بهما ولا كذبه، إنما التناقض في اعتقاد نفي الأمرين لا في ترك العمل بهما.
قال: (مسألة: لا يستقيم لمجتهد قولان متناقضان في وقت واحد، بخلاف وقتين أو شخصين على قول التخيير.
فإن ترتبا، فالظاهر رجوع، وكذلك المتناظرتان ولم يظهر فرق.
وقول في سبع عشرة مسألة: فيها قولان، إما للعلماء، وإما فيهما ما يقتضي للعلماء قولين، لتعادل الدليلين عنده، وإما لي قولان على التخيير عند التعادل، وإما تقدم لي فيها قولان).
أقول: لا يجوز أن يكون لمجتهد قولان متناقضان في وقت واحد بالنسبة إلى شخص واحد، لأن دليلهما إن تعادلا توقف/، وإن رجح أحدهما فهو قوله، ويتعين إما في وقتين كما لو أفتى اليوم بشيء وغدا بنقيضه فجائز، لجواز تغير اجتهاده، وكذا في وقت لكن لشخصين كما لو أفتى لزيد بالحل ولعمرو بالحرمة، على القول بالتخيير عند تعادل الأمارات، لا على القول بالوقف.
فلو صدر منه القولان في وقتين، فالظاهر أن الآخر رجوع عن الأول أوجبه تغيير اجتهاده، وإن أطلق على الأول أنه قوله، فهو بمعنى أنه كان قوله، فإن جهل الأول لم يجز للمقلد العمل بواحد منهما.
стр. 1479
فلو كان القولان في مسألتين متناظرتين ولم يظهر فرق، كانت فتواه الأخيرة رجوعا عما أفتى به في نظيرتهما.
فلو صدر القولان معا عنه، فإن نص على الراجح أو فرع أحدهما، فذلك قوله دون الآخر.
وإن لم يجد ما يدل على شيء من ذلك، كقول الشافعي في سبع عشرة مسألة: "فيها قولان"، فلا يحمل على اعتقاده للقولين لتناقضهما، بل يحمل إما على أن فيها قولين للعلماء، وعلى هذا لا تكون من أقواله، وإما على أن فيها ما يقتضي للعلماء قولين لتعادل الدليلين عنده، وإما أن فيها قولين على التخيير عند التعادل، وكأنه قال: تعادلت الأدلة فلي تخيير في القولين، أقول بهذا مرة وبذاك أخرى، وإما تقدم لي فيها قولان، فيحكي قوليه المتقدمين.
قال: (مسألة: لا ينقض الحكم في الاجتهادات منه ولا من غيره باتفاق للتسلسل، فتفوت مصلحة نصب الحاكم.
وينقض إذا خالف قاطعا، فلو حكم على خلاف اجتهاده كان باطلا.
وإن قلد غيره اتفاقا، فلو تزوج امرأة بغير ولي، ثم تغير اجتهاده، فالمختار التحريم.
وقيل: إن لم يتصل به حكم.
وكذلك المقلد، يتغير اجتهاد مقلده، فلو حكم مقلد بخلاف إمامه جرى على جواز تقليد غيره).
أقول: لا يجوز للمجتهد نقض الحكم في المسائل الاجتهادية، لا حكم نفسه إذا تغير اجتهاده، ولا حكم غيره إذا خالف اجتهاده، وعلل بأنه يؤدي
стр. 1480
إلى نقض النقض من مجتهد آخر يخالفه ويتسلسل، فتفوت مصلحة نصب الحاكم، وهي فصل الخصومات، ولأنهما اجتهادان فليس صواب هذا بأولى من الآخر حتى ينقض به.
وحكى المصنف الاتفاق، وعندنا خلاف مشهور، والعجب منه حكى الخلاف في كتابه في الفقه وذهل عنه هنا.
أما ما لو خالف الحاكم قاطعا، نقض حكمه اتفاقا، فلو حكم مجتهد بخلاف اجتهاده كان حكمه باطلا، وإن قلد فيه مجتهدا آخر، لأنه يجب عليه العمل بظنه ويحرم عليه التقليد مع اجتهاده اتفاقا، إنما النزاع قبل اجتهاده.
فلو تزوج امرأة بغير ولي عند اعتقاد صحته، ثم تغير/ اجتهاده فرآه حراما، فالمختار تحريمها.
وقيل: إنما تحرم إذا لم يتصل به حكم حاكم، وإلا لزم نقض الحكم الاجتهادي للاجتهاد.
فإن تعاطاه مقلد ثم علم تغير اجتهاد مقلده، فالمختار أنه كذلك، وذلك كما لو تغير اجتهاد المجتهد في أثناء صلاته بالنسبة إليه وإلى مقلده، فإن حكم مقلده بخلاف مذهب إمامه، فمبني على جواز تقليد غير إمامه، وسيأتي.
стр. 1481
قال: (مسالة: المجتهد قبل أن يجتهد ممنوع من التقليد .
وقيل: فيما لا يخصه. وقيل: فيما لا يفوت وقته.
وقيل: إلا أن يكون أعلم منه.
وقال الشافعي: إلا أن يكون صحابيا أرجح، فإن استووا تخير.
وقيل: أو تابعيا.
وقيل: غير ممنوع، وبعد الاجتهاد اتفاق.
لنا: حكم شرعي فلابد له من دليل والأصل عدمه، بخلاف النفي وأنه يكفي فيه انتفاء دليل الثبوت.
وأيضا: متمكن من الأصل، فلا يجوز البدل كغيره.
واستدل: لو جاز قبله، لجاز بعده.
وأجيب: بأنه بعده حصل الظن الأقوى المجوز، ﴿فاسألوا أهل الذكر﴾.
قلنا: للمقلدين بدليل ﴿إن كنتم﴾، ولأن المجتهد من أهل الذكر.
الصحابة: "أصحابي كالنجوم"، وقد سبق.
قالوا: المعتبر الظن وهو حاصل.
أجيب: بأن ظن اجتهاده قوى).
أقول: المجتهد إذا اجتهد فأداه اجتهاده إلى حكم، لم يجز له الانتقال عنه وتقليد مجتهد غيره اتفاقا.
стр. 1482
وأما قبل أن يجتهد، فالمختار أنه ممنوع من التقليد لتمكنه من الاجتهاد، وإليه ذهب مالك والقاضي وأكثر الفقهاء، كان أعلم منه أو لا، صحابيا كان أو غيره، كان الاجتهاد فيما يخصه أم لا، كان فيما يفوت وقته أم لا.
وقيل: إنه ممنوع فيما لا يخصه –أي فيما يفتي به- أما ما يختص به فإنه يسوغ له فيه التقليد.
وقيل: بشرط فوات وقته لو اشتغل بالنظر والاجتهاد فيه.
وقيل: يجوز أن يقلد من هو أعلم منه فقط، وإليه ذهب محمد بن الحسن.
وقال الشافعي: الأولى له الاجتهاد مطلقا، فإن ترك الاجتهاد جاز له تقليد مجتهد هو صحابي إذا كان مترجحا في نظره على غيره، فإن استووا عنده تخير، هكذا في المنتهى.
والذي هنا: أن الشافعي أجاز له تقليد الصحابي مطلقا.
стр. 1483
وقيل: يجوز له تقليد الصحابي والتابعي دون غيرهما.
وذهب أحمد إلى جواز التقليد له مطلقا.
لنا: أن جواز تقليد لغيره حكم شرعي، فلابد له من دليل والأصل عدمه، فإن قيل: معارض بمثله، قلنا: النفي لا يحتاج إلى دليل زائد على انتفاء دليل الثبوت.
وفيه نظر؛ لأن التحريم الشرعي حكم شرعي لابد له من دليل، ولا يكفي فيه انتفاء دليل الثبوت.
قيل: وهو مبطل لكثير مما مر في بيان الجواز من قوله: (لو امتنع لكان لذاته أو لغيره)، وقد اعتمد عليه في التي بعد هذه/ وسيأتي جوابه.
ولنا أيضا: أن التقليد بدل الاجتهاد، ولا يجوز الأخذ بالبدل مع التمكن من المبدل كالوضوء والتيمم، وكالاجتهاد في القبلة مع القدرة على المعاينة.
والخصم يمنع أنه بدل إذ ذاك، بل مخير فيهما عنده.
واستدل: لو جاز التقليد قبل الاجتهاد لجاز بعده، أما الملازمة؛ فلأنه لا مانع إلا تمكنه من معرفة الحكم بالاجتهاد، وأنه موجود في الحالين.
الجواب: لا نسلم انحصار المانع في كونه مجتهدا، بل إذا اجتهد حصل له ظن الحكم باجتهاده، وظن خلافه بفتوى الغير.
والحاصل له بالاجتهاد أقوى الظنين، فيكون العمل به عملا بالأرجح
стр. 1484
فيجب، بخلاف ما قبل اجتهاده.
احتج المجوز مطلقا: بقوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ وهو قبل الاجتهاد لم يعلم، الذي اجتهد من أهل الذكر فيجب عليه سؤاله ليعمل به.
الجواب: الخطاب مع المقلدين بدليل: ﴿إن كنتم لا تعلمون﴾ وهو صيغة عموم يفهم من سياقه أن من يعلم لا يجب عليه السؤال، وأن السؤال إنما هو لمن لا يقدر على العلم بنفسه، والمجتهد ليس كذلك، ولأن المجتهد من أهل الذكر، والأمر دل على رجوع غير أهل الذكر إلى أهل الذكر، إذ من له الأهلية وهو له أهلية قطعا، وأيضا يقتضي وجوب ذلك عليه ولا قائل به.
قالوا: قال ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فدل على جواز تقليد الصحابي.
الجواب: ما سبق أنه للمقلد.
قالوا: المعتبر الظن وهو حاصل بفتوى الغير، فيجب العمل به.
الجواب: ما مر أن ظنه الذي يحصل –لو اجتهد- أقوى من الظن الذي يحصل بفتوى الغير، ومع القدرة لا يصار إلى الأضعف.
قال: (يجوز أن يقال للمجتهد: احكم بما شئت فإنه صواب.
وتردد الشافعي.
ثم المختار: لم يقع.
стр. 1485
لنا: لو امتنع لكان لغيره، والأصل عدمه.
قالوا: يؤدي إلى انتفاع المصالح لجهل العبد.
وأجيب: بأن الكلام في الجواز.
ولو سلم، لزمت المصالح –وإن جهلها- الوقوع.
قالوا: ﴿إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾.
وأجيب: بأنه يجوز أن يكون بدليل ظني.
قالوا: قال: "لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها"، وقال العباس: إلا الإذخر، فقال: "إلا الإذخر".
وأجيب: بأن الإذخر ليس من الخلا، فدليله الاستصحاب، أو منه ولم يرده، وصح استثناؤه بتقدير تكريره لفهم ذلك، أو منه وأريد، ونسخ بتقدير تكريره بوحي سريع.
قالوا: قال: "لولا أن أشق"، أحجنا هذا/ ألعامنا أو للأبد؟ فقال: الأبد، ولو قلت نعم لوجبت"، ولما قتل النضر بن الحارث ثم أنشدته ابنته شعرا:
ما كان ضربك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق
وقال ﵇: "لو سمعته ما قتلته".
وأجيب: بجواز أن يكون خير فيه معينا، أو يجوز أن يكون بوحي).
أقول: هذه المسألة تعرف بمسألة التفويض، وهو أن يفوض الحاكم إلى المجتهد بأن يقال له: احكم بما شئت، فما حكمت به كان صوابا،
стр. 1486
واختلفوا في جوازه ووقوعه.
ومختار المصنف: جوازه، وأنه لم يقع، وهو قول موسى بن عمران.
واحتج في الجواز: بأنه غير ممتنع لذاته، فلو امتنع لكان لغيره والأصل عدمه.
قيل: كلامه ان انتفاء دليل الامتناع دليل الجواز، وقد علم من كلامه قبل هذا أن انتفاء دليل الامتناع لا يكفي في الجواز.
وجوابه: أن انتفاء دليل الامتناع العقلي يكون كافيا في الجواز العقلي، بخلاف الجواز الشرعي لا يكفي فيه انتفاء الامتناع الشرعي.
قالوا: التفويض إلى العبد مع جهله بما في الأحكام من المصالح يؤدي إلى انتفاء المصالح، لجواز أن يختار ما لا مصلحة فيه.
الجواب: الكلام في الجواز لا في الوقوع، وغايته أن يؤدي على جواز انتفاء المصالح، لا إلى انتفائها، ونحن نقول به.
ولو سلم أن الكلام في الوقوع، فإنما أمر حيث علم أنه لا يختار إلا ما
стр. 1487
فيه المصلحة، فتكون المصلحة لازمة لما يختاره، وإن جهل المصلحة.
احتج القائلون بالوقوع: بقوله تعالى: ﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾، ولا يتصور تحريمه على نفسه إلا بتفويض التحريم إليه، وإلا كان المحرم هو الله.
الجواب: لا نسلم أن لا يتصور إلا بالتفويض، بل قد يحرم على نفسه بدليل ظني، ولو سلم فأين وقوعه من غير المعصوم؟ .
احتجوا بما في الصحيح من قوله ﵇ في مكة: "لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، فقال العباس: إلا الإذخر، فقال ﵇: إلا الإذخر" فدل على تفويض الحكم إلى رأيه؛ لأنه عمم ابتداء حتى التمس منه العباس فاستثنى، وظاهر أنه لم ينزل الوحي في تلك اللحظة لعدم علامته.
الجواب: إما بأن الإذخر ليس من الخلا، فيكون الاستثناء منقطعا، كأنه قال: لكن الإذخر، فدليل اختلاه أو دليل العباس الاستصحاب لا التفويض.
وإما بأن الإذخر من الخلا، لكن لم يرد من العموم تخصيصا له، وفهم
стр. 1488
العباس أنه لم يرد، فصرح ﵇ بالمراد تحقيقا لما فهم العباس بانضمام التقرير إليه.
وقوله: (وصح استثناؤه بتقدير تكريره) جواب عن سؤال؛ لأنه قدم في تقرير الأدلة أنه المستثنى مراد منه، فكيف يقول: لم يرده؟ .
فقال: ليس استثناؤه منه/ بل يقدر تكريره لقوله: "لا يختلى خلاها"، كأنه قال: لا يختلى خلاها إلا الإذخر، وسوغ له ذلك اتحاد معناها، وإما بأنه من الخلا وأريد بالأول ونسخ.
فإن قيل: الاستثناء يأبى ثبوت الحكم له، فلا نسخ.
قلنا: ليس الاستثناء من الأول، بل بتقدير تكريره فعمم أولا ثم نسخ، فكرر واستثنى وكان النسخ بوحي سريع.
وقد يجاب عنه: بجواز نسخه بوحي سابق شرطي، كقوله: إن استثنى أحد فاستثن، أو بوحي سابق بألا يستثني الإذخر إلا عند استثناء العباس، أو بالاجتهاد، أو خير فيه معينا لا على معنى التفويض، فلما ذكره عمه رجع إلى إباحته، لتطيب نفس عمه بإسغافه بما سأل.
احتجوا: بقوله ﵇: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك"، هو صريح أن الأمر وعدمه إليه ﵇.
احتجوا أيضا: بما خرجه مسلم، من أن سراقة بن جعشم قال في
стр. 1489
حجة الوداع: أحجنا هذا لعامنا أو للأبد؟ فقال ﵇: "للأبد".
وفي رواية لمسلم، أو رجلا قال: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت ﵇ حتى قالها ثلاثا، فقال ﵇: "لو قلت نعم لوجبت"، وهو صريح في أن قوله المجرد من غير وحي موجب.
احتجوا أيضا: بما ذكره ابن إسحاق في المغازي، في أن قتيله بنت الحارث لما قتل أخوها، أنشدت أبياتا من جملتها:
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق
стр. 1490
فلما سمع النبي ﷺ الشعر قال: "لو سمعته ما قتلته"، ولو قتلته بالوحي لم يقل ذلك، والمصنف ذكر أنها ابنته، وكذا ذكر ابن عبد البر، وظاهر كلام المصنف أنه سمعه منها، وليس كذلك، وإنما قاله ﵇ حين بلغته الأبيات.
الجواب: يجوز أن يكون خير في كل واحد من الأمور الثلاثة معينا، بأن يقال له: لك أن تأمر بالسواك وألا تأمر به، ولك أن تفرض الحج في غير هذه السنة، ولك أن تقتله وألا تقتله، لا على معنى احكم بما شئت، ويجوز أن يكون بوحي، أي اقتل النضر وألا تقتله.
قال: (مسألة: المختار أنه ﵇ لا يقر على خطأ في اجتهاده .
وقيل: بنفي الخطأ.
لنا: لو امتنع لكان المنع، والأصل عدمه.
وأيضا: ﴿لم أذنت﴾، ﴿ما كان لنبي﴾، حتى قال: "لو أنزل من السماء عذاب ما نجا من غير عمر"؛ لأنه أشار بقتلهم.
وأيضا: "إنكم تختصمون إلي، ولعل أحدكم ألحن بحجته، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار"، وقال: "أنا أحكم بالظاهر".
وأجيب: بأن الكلام في الأحكام لا في فصل الخصومات.
رد: بأنه مستلزم الحكم/ الشرعي المحتمل.
قالوا: لو جاز لجاز أمرنا بالخطأ.
وأجيب: بثبوته للعوام.
стр. 1491
قالوا: الإجماع معصوم، فالرسول أولى.
قلنا: اختصاصه بالمرتبة واتباع الإجماع له يرفع الأولوية فيتبع الدليل.
قالوا: الشك في حكمه يخل بمقصود البعثة.
أجيب: بأن احتمال في الاجتهاد لا يخل بخلاف الرسالة والوحي).
أقول: القائلون بأن النبي ﵇ يجوز له الاجتهاد، اختلفوا في جواز الخطأ عليه، فقيل: لا يجوز عليه.
وقيل: يجوز لكن لا يقر عليه، بل ينبه عليه.
احتج: بأنه لو امتنع عليه الخطأ لكان لمانع؛ لأنه ممكن لذاته، والأصل عدم المانع.
وفيه نظر؛ والمانع علو رتبته، وكمال عقله، وتأييده.
واحتج أيضا: بقوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾، فدل على أن الإذن كان خطأ.
والحق: أنه من ترك الأولى، وترك الأولى لا يكون خطأ.
احتج أيضا: بمفاداة أسرى بدر في قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾، حتى قال ﵇: "لو نزل من السماء عذاب ما نجا
стр. 1492
منه غير عمر"؛ لأنه أشار بقتلهم، وأشار غيره إلى الفداء، فدل على أن المفاداة خطأ.
وهذا –أيضا- من ترك الأولى، وقوله: "لو نزل من السماء عذاب ... إلى آخره"، لم يصح.
احتج أيضا: بما في الصحيح من قوله ﵇: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار".
стр. 1493
فدل على أنه يقضي بما لا يكون حقا، وأنه قد يختفي عليه الحق.
ويدل عليه أيضا: "أنا أحكم بالظاهر".
واعترض على هذا الاحتجاج: بأنه إنما يدل على خطئه في فصل الخصومات، والنزاع إنما هو في الخطأ في الأحكام.
ورد: بأن فصل الخصومات مستلزم للحكم الشرعي بأن كذا حرام على فلان حلال لفلان، وأنه يحتمل الصواب والخطأ، فيكون الخطأ في الحكم الشرعي جائزا عليه. والحق: أن الخطأ في الحكم الشرعي لمعين قد اندرج في عموم قد أصيب في حكمه لا يكون خطأ في الاجتهاد.
احتج الآخرون: بأنه لو جاز عليه لجاز أمرنا بالخطأ لأنا مأمورن باتباعه.
الجواب: منع بطلان اللازم، لثبوته في العوام حيث أمروا باتباع المجتهد وإن كان خطأ في الواقع.
قالوا: الإجماع معصوم عن الخطأ، فالرسول أولى أن يحصل له هذا الشرف.
الجواب: أن اختصاصه بالرتبة العليا وهي رتبة النبوة التي هي أعلى مراتب المخلوقين، وكون أهل الإجماع متبعين له، يدفع أولويته فلا يلزم من ذلك كونهم أعلى رتبة منه، كرتبة القضاء لا تكون للإمام، ورتبة الإمارة لا
стр. 1494
تكون للسلطان، ثم لا يعود ذلك بنقص، / وإذا جاز أن يكون وألا يكون، فالدليل هو المتبع، وقد دل على جواز الخطأ عليه.
قالوا: تجويز الخطأ عليه يوجب الشك في قوله أهو صواب أم خطأ؟
وذلك يخل بمقصود البعثة، وهو الوثوق بما يقول إنه حكم الله.
الجواب: أن جواز الخطأ في الاجتهاد لا يوجب ذلك، وإنما يخل بالبعثة جواز الخطأ في الرسالة وما ينقله من الوحي، بأن يغير ويبدل، وانتفاؤه معلوم بدلالة تصديق المعجزة له.
قال: (مسألة: المختار: أن النافي مطالب بالدليل .
وقيل: في العقلي لا الشرعي.
لنا: لو لم يكن لكان ضروريا نظريا، وهو محال.
وأيضا: الإجماع على ذلك في دعوى الوحدانية والقدم، وهو نفي الشريك، ونفي الحدوث.
النافي: لو لزم للزم منكر مدعي النبوة، وصلاة سادسة، ومنكر الدعوى.
وأجيب: بأن الدليل يكون استصحابا مع عدم الرافع، وقد يكون انتفاء لازم.
ويستدل بالقياس الشرعي بالمانع، وانتفاء الشرط على النفي، بخلاف من لا يخصص العلة).
أقول: النافي للحكم عليه أن يقيم الدليل على انتفائه، وهو المختار.
стр. 1495
وقيل: عليه ذلك في الحكم العقلي لا الشرعي.
لنا: أنه ادعى نفي أمر غير ضروري، فإن لم يحتج إلى أمر يفضي إليه كان ضروريا والمفروض خلافه، فيكون ضروريا نظريا وهو محال.
ولنا أيضا: الإجماع على ذلك في دعوى وجدانية الله وهي نفي الشريك، وفي دعوى قدمه وهي نفي الحدوث، فبطل السلب الكلي ويثبت الإيجاب الكلي، إذ لا قائل بالفصل.
قيل: قوله هنا: (النافي مطالب بالدليل) يناقض ما تقدم له من أن النفي يكفي فيه انتفاء دليل ثبوته، ولا تناقض لأنه إذا لم ينتهض دليل للثبوت بقى دليل النافي –وهو الاستصحاب- سالما، وقد تقدم أنه حجة، كان بقاء أصليا أو حكما شرعيا، فإن أشار النافي إلى ذلك انتهض على خصمه.
احتج النافي: بأنه لو لزم النافي مطلقا إقامة الدليل، للزم منكر دعوى الرسالة أن يقيم الدليل على عدم رسالة مدعيها، وكذلك منكر وجود صلاة سادسة، وكذلك من ادعى عليه فأنكر ما ادعى عليه به، واللوازم بأسرها باطلة.
الجواب: أن الدليل قد يكون استصحاب الأصل مع عدم الرافع، وذلك محقق في منكر الدعوى، وقد يكون انتفاء لازم، وذلك متحقق في الصلاة السادسة إذ الاشتهار من لوازمها شرعا، وكذا في دعوى الرسالة إذ المعجزة
стр. 1496
من لوازم دعواها عادة.
والحاصل: بطلان اللوازم، وأن الثلاثة مطالبون بالدليل، لكنه/ معلوم عند الجمهور، فلم يحتج إلى التصريح به.
وإذا عرفت أن النافي مطالب بالدليل، فالنافي للحكم الشرعي هل يجوز له الاستدلال بالقياس الشرعي؟ .
اختلفوا فيه، ومختار المصنف أنه يستدل به إذا كان الجامع وجود المانع أو عدم الشرط، إذ عدم الحكم لا يكون لباعث، وهذا إنما يصح عند من يجوز تخلف الحكم عن العلة لمانع أو عدم شرط، ولا يجعله قادحا في عليتها، وإما من جعله قادحا، فتخلف الحكم عنده إنما هو لتخلف العلة فلا جامع، ولا قياس شرعي بغير جامع.
وقد يقال: الجامع عدم علة الحكم، فيكون علة لعدم الحكم، وبعض فضلاء الشارحين حمل النفي في كلام المصنف على النفي الأصلي.
وفيه نظر؛ إذ لا يقاس النفي الأصلي على النفي الطارئ.
وأيضا: من شروط الفرع ألا يكون متقدما على حكم الأصل.
قال: (التقليد، والمفتي، والمستفتي ، وما يستفتى فيه.
فالتقليد: العمل بقول غيرك من غير حجة، وليس الرجوع إلى الرسول وإلى الإجماع، والعامي إلى المفتي، والقاضي إلى العدول بتقليد لقيام الحجة، ولا مشاحة في التسمية.
والمفتي: الفقيه، وقد تقدم.
والمستفتي: خلافه.
стр. 1497
فإن قلنا بالتجزئ، فواضح.
والمستفتى فيه: المسائل الاجتهادية، لا العقلية على الصحيح).
أقول: لما فرغ من الاجتهاد، شرع في مقابلة وهو الاستفتاء، والبحث عن التقليد، والمستفتى، وما يستفتى فيه.
أما التقليد: فهو العمل بقول غيرك من غير حجة، كأخذ العامي بقول مثله، والمجتهد بقول مثله، فلا يكون الرجوع إلى الرسول تقليدا، لقيام الحجة وهي المعجزة، ولا إلى الإجماع لما مر من الحجية.
وقول الشاهد والمفتي: [حجية الرجوع الإجماع]، ولو سمي بعض ذلك تقليدا، كما يسمى في العرف أخذ المقلد العامي بقول المفتي تقليدا، فلا مشاحة في التسمية والاصطلاح.
والمفتي: الفقيه، وقد تقدم تعريف الفقيه ضمنا، وتعريف الشيء تعريف لمرادف ذلك الشيء.
والمستفتي: خلافه، فإن لم نقل بتجزئ الاجتهاد، فكل من ليس مجتهدا في الكل فهو مستفت في الكل، وإن قلنا به فهو مفت فيما هو مجتهد فيه مستفت في غيره.
والمستفتى فيه: المسائل الاجتهادية لا العقلية على الصحيح، لوجوب النظر فيها.
стр. 1498
قال: (مسألة: لا تقليد في العقليات كوجود الباري.
وقال العنبري بجوازه.
وقيل: النظر فيه حرام.
لنا: الإجماع على وجوب المعرفة، والتقليد لا يحصل لجواز الكذب، ولأنه كان يحصل بحدوث العالم، ولأنه لو حصل لكان نظرا ولا دليل.
/قالوا: لو كان واجبا، لكانت الصحابة أولى، ولو كان لنقل كالفروع.
أجيب: بأنه كذلك، وإلا لزم نسبتهم إلى الجهل بالله، وهو باطل.
وإنما لم ينقل لوضوحه، وعدم المحوج إلى الإكثار.
قالوا: لو كان لألزم الصحابة العوام بذلك.
قلنا: نعم، وليس المراد تحرير الأولية والجواب عن الشبه، والدليل يحصل بأدنى نظر.
قالوا: وجوب النظر دور عقلي، وقد تقدم.
قالوا: مظنة الوقوع في الشبه والضلالة.
قلنا: فيحرم على المقلد ويتسلسل).
أقول: لا يصح التقليد في العقليات.
قال الإمام في الشامل: "لم يقل أحد بالتقليد في الأصول إلا الحنابلة".
стр. 1499
وقال الأستاذ: "من اعتقد ما يجب عليه من دينه بغير دليل، لا يستحق اسم الإيمان". وقال قوم: الواجب على المكلف التقليد وأما النظر فحرام، وحكاه ابن العربي في الأحوذي عن الأئمة الأربعة، ولا يصح عنهم، إلا أن يريدوا التعمق فيه واستيفاء مذهب المخالفين وحججهم.
على أن الطرطوشي قال: "يجوز تعلم مذهب المخالفين ليرد عليهم"، واحتج بقوله تعالى: ﴿نبؤني بعلم إن كنتم صادقين﴾.
لنا: أن الأمة أجمعت على وجوب معرفة الله، ولا تحصل المعرفة بالتقليد لوجوه ثلاثة:
الأول: أنه يجوز أن يكون كذب في إخباره، فلا يحصل العلم بخبره.
وأيضا: لو أفاده تقليده العلم، لحصل لمقلد الفيلسوف العلم بقدم العالم ولمقلد المسلم العلم بحدوثه، فكانا عالمين بهما، فيلزم حقيقتهما، فيكون حادثا قديما.
стр. 1500
وثالثا: أن التقليد لو حصل العلم فالعلم بأنه صادق فيما أخبر به إما أن يكون ضروريا أو نظريا، لا سبيل إلى الأول بالضرورة فتعين الثاني، وحينئذ لابد له من دليل –والفرض ألا دليل- إذ لو علم صدقه بالدليل لم يبق تقليدا.
القائلون بجواز التقليد قالوا: لو وجب النظر لكان الصحابة أولى بالمحافظة على ذلك، ولو كان لنقل نظرهم في ذلك كما نقل نظرهم في الاجتهادات، فلما لم ينقل علم أنه لم يقع.
الجواب: منع بطلان التالي، وإلا لزم نسبتهم إلى الجهل بالله وأنه باطل وإنما لم ينقل لوضوحه عندهم، وعدم من يحوجهم إلى إكثار النظر من كثرة الشبه التي حدثت، بخلاف الاجتهاديات فإنها خفية تتعارض فيها الأمارات فاحتاجت إلى إكثار النظر.
قالوا: لو كان النظر واجبا لألزم الصحابة العوام بذلك، لكنا نعلم أن أكثر الأعراب ما كانوا يعلمون/ الأدلة الكلامية، بل كانوا يحكمون بإسلام من نطق بالشهادتين وإن لم يعلم شيئا.
الجواب: أنهم ألزموهم ذلك، وليس المراد تحرير الدليل بالعبارات المصطلحية ودفع الشكوك الواردة، والمطلوب منهم الدليل الجملي بحيث يوجب طمأنينة القلب، وكانوا يعلمون منهم ذلك، كقول الأعرابي: "البعرة تدل على البعير، والأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدل عل اللطيف الخبير؟ ".
قالوا أيضا: لو وجب النظر، لزم الدور.
أما الملازمة؛ فلتوقف إيجاب الله المعرفة على النظر المتوقف على إيجابه.
стр. 1501
وجوابه: لا نسلم توقف النظر على إيجابه لجواز أن ينظر –وإن لم يجب- وقد تقدم مثله في مسألة الحسن والقبح.
قالوا: النظر مظنة الوقوع في الشبه والضلال، لاختلاف الأذهان والأنظار فيحرم، ولا كذلك التقليد، فإنه طريق آمن، فيجب احتياطا.
الجواب: أن ما ذكرتم يوجب أن يحرم النظر على المقلد أيضا؛ لأنه مظنتهما، فتقليده فيما يحتملها أجدر بأن يحرم، فإن نظر فممتنع، وإن قلد فيه والكلام عائد في مقلده، ويلزم التسلسل.
قال: (مسألة: غير المجتهد يلزمه التقليد ، وإن كان عالما.
وقيل: بشرط أن يتبين له صحة اجتهاده بدليله.
لنا: ﴿فاسألوا﴾، وهو عام فيمن لا يعلم.
وأيضا: لم يزل المستفتون يتبعون من غير إبداء المستند لهم من غير نكير.
قالوا: يؤدي إلى وجوب اتباع الخطأ.
قلنا: وكذلك لو أبدى له مستنده، وكذلك المفتي نفسه).
أقول: من لم يبلغ درجة الاجتهاد يلزمه التقليد، سواء كان عاميا صرفا أو عالما ببعض علوم الاجتهاد، وقيل: إنما يلزم العالم التقليد بشرط أن يتبين له صحة اجتهاد المجتهد بدليله.
لنا: قوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾،
стр. 1502
وهو عام في جميع من لا يعلم، للعلم بأن علة السؤال الجهل، والأمر المقيد بعلة يتكرر بتكررها، وهذا غير عالم بهذه المسألة فيجب عليه فيها السؤال.
ولنا أيضا: لم تزل العلماء يستفتون فيفتون، ويتبعون من غير أن يبدوا للسائل المستند، وشاع وذاع ولم ينكر، فكان إجماعا على وجوب التقليد على غير المجتهد، وإن كان عالما، وإن لم يتبين له صحة اجتهاد مقلده، وإلا كانوا مخطئين في عدم إبداء المستند للسائلين.
ويصح ضبط "المستفتون" بضم التاء وفتحها.
والاحتجاج بإجماع المسؤولين لا بإجماع السائلين على الاتباع؛ إذ ليس بحجة لأنهم عوام، أو غير مجتهدين.
قالوا: القول بذلك يؤدي إلى وجوب اتباع الخطأ لجوازه من المجتهد.
الجواب: /أنه مشترك الإلزام، لجواز الخطأ وإن أبدى له المستند، وكذلك المفتي نفسه يجب عليه اتباع اجتهاده مع أنه يجوز أن يكون خطأ.
والحق: أن اتباع الظن في الاجتهاديات واجب وإن كان خطأ؛ لأنه اتباع للظن، وإنما الممتنع اتباع الخطأ لأنه خطأ.
قال: (مسألة: الاتفاق على استفتاء من عرف بالعلم والعدالة ، أو رآه منتصبا والناس مستفتون معظمون، وعلى امتناعه في ضده.
والمختار: امتناعه في المجهول.
لنا: أن الأصل عدم العلم.
وأيضا: الأكثر الجهال.
والظاهر: أنه من الغالب، كالشاهد والراوي.
стр. 1503
قالوا: لو امتنع لذلك، لامتنع فيمن علم علمه دون عدالته.
قلنا: يمتنع.
ولو سلم، فالفرق أن الغالب في المجتهدين العدالة بخلاف الاجتهاد).
أقول: المفتي إن ظن المستفتي علمه وعدالته إما بالخبرة، أو بأن رآه منتصبا للفتوى والناس متفقون وتعظيمه، فالاتفاق على جواز استفتائه، وإن ظن عدم علمه، أو عدم عدالته أو كليهما، فلا يستفته.
وأما مجهول العلم، فالمختار امتناع استفتائه.
وإن كان معلوم العلم مجهول العدالة، فالمختار جواز استفتائه.
لنا في الأول: أن العلم شرط في الاستفتاء، والأصل عدمه.
وأيضا: الغالب الجهال فيلحق بالغالب، كالشاهد والراوي إذا لم تعلم عدالتهما يلحقان بالغالب، وهم غير العدول.
قالوا: لو امتنع فيمن جهل علمه دون عدالته، لامتنع فيمن علم علمه دون عدالته.
وأجيب: بالتزامه وبالفرق، فإن الغالب في المجتهدين العدالة، وليس الغالب في العلماء الاجتهاد.
قال: (مسألة: إذا تكررت الواقعة لم يلزم تكرر النظر.
وقيل: يلزم.
لنا: اجتهد، والأصل عدم غيره.
стр. 1504
قالوا: يحتمل أن يتغير اجتهاده.
قلنا: فيجب تكريره أبدا).
أقول: المجتهد إذا اجتهد في واقعة ثم تكررت، فهل يلزمه تكرير النظر والاجتهاد؟ .
قيل: يلزمه لاحتمال تغير اجتهاده باطلاعه على ما لم يكن اطلع عليه.
وألزمهم المصنف وجوب تكرير النظر أبدا؛ لأن تغير اجتهاده محتمل في كل وقت، ولا يتقيد بتكرير الواقعة، وأنه باطل.
وفيه نظر؛ إذ لا يجب في غير وقت الحادثة.
احتج المصنف: بأنه اجتهد وحصل ما يحتاج إليه فيها، والأصل عدم شيء آخر، وفرع ابن القصار عليه فقال: "إذا تكررت الواقعة، احتمل أن يعتمد المستفتي على ما أفتاه به المفتي أولا لأنه حق، واحتمل أن يعيد الاستفتاء لاحتمال تغير الاجتهاد".
/قال: (مسألة: يجوز خلو الزمان عن مجتهد ، خلافا للحنابلة.
لنا: لو امتنع لكان لغيره والأصل عدمه، وقال ﵇: "إن الله
стр. 1505
لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا".
قالوا: قال: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله، وحتى يظهر الدجال". قال: فأين نفي الجواز؟ .
فلو سلم: فدليلينا أظهر، ولو سلم فيتعارضان، وسلم الأول.
قالوا: فرض كفاية فيستلزم انتفاؤه اتفاق المسلمين على الباطل.
قلنا: إذا فرض موت العلماء لم يكن).
أقول: المختار أنه يجوز خلو الزمان عن مجتهد، ومنعه الحنابلة.
لنا: أنه غير ممتنع لذاته، إذ لا يلزم من فرض وقوعه محال، فلو امتنع لكان لغيره، والأصل عدمه.
وأيضا: في الصحيح أنه ﵇ قال: "إن الله لا ينزع العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" وهو ظاهر في الوقوع المستلزم للجواز.
стр. 1506
قالوا: صح عنه ﵇ أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله، وحتى يظهر الدجال"، وهو ظاهر في عدم الخلو عن مجتهد إلى قيام الساعة، أو إتيان أشراطها.
الجواب: أنه يدل على عدم الوقوع، لا على عدم الجواز.
ولم سلم: فدليلنا أظهر؛ لأنه نفى العالم المستلزم نفي المجتهد، وأما الظهور على الحق، فإنما يدل على اعتقاد الحق، أو أنهم على كلمة الإسلام يجاهدون في سبيل الله، ولا يدل على الاجتهاد.
سلمنا، ويتعارض الحديثان، ويسلم الدليل العقلي.
قالوا: الاجتهاد فرض كفاية، فيكون انتفاؤه بخلو الزمان عن مجتهد اتفاقا من المسلمين على ترك واجب، ولا يجتمعون عليه.
الجواب: أنه فرض كفاية مع القدرة عليه، فإذا فرض موت العلماء لم يمكن الاجتهاد، إذ شرطه ممكنا مقدورا، وقد انتفى ذلك.
أو نقول: إذا فرض موت العلماء، لم يكن إجماعهم على الخطأ مستحيلا إذ المستحيل إجماع المجتهدين على الخطأ، لا اجتماع العوام عليه.
قال: (مسألة: إفتاء من ليس بمجتهد بمذهب مجتهد ، إن كان مطلعا على المآخذ أهلا للنظر، جائز.
وقيل: عند عدم المجتهد.
стр. 1507
وقيل: يجوز مطلقا.
وقيل: لا يجوز.
لنا: وقوع ذلك، وأنكر من غيره.
المجوز: ناقل كالأحاديث.
وأجيب: بأن الخلاف في غير النقل.
المانع: لو جاز، لجاز للعامي.
وأجيب: /بالدليل، وبالفرق).
أقول: إفتاء غير المجتهد بمذهب مجتهد ينبني على تقليد الميت، وحكى الطرطوشي عن المالكية جوازه.
أما مع حضوره فلا يجوز إلا على معنى النقل عنه.
وحكى المصنف أربعة أقوال:
الجواز مطلقا، كان مطلعا على المأخذ أم لا.
ومنع أبو الحسين مطلقا.
وقيل: يجوز إذا كان مطلعا على مأخذ ذلك الإمام، أهلا للنظر، وإلا
стр. 1508
فلا.
وقيل: يجوز عند عدم المجتهد، أما مع وجوده فلا.
لنا: وقع إفتاء العلماء -وإن كانوا غير مجتهدين- في جميع الأعصار، وتكرر ولم ينكر، فكان إجماعا.
وفي هذا التمسك نظر؛ إذ في زمان المجتهدين نمنع إنكار إفتاء من ليس بمجتهد، إلا أن يكون على معنى النقل، وفي زمان عدم وجودهم لا يكون إجماعهم حجة، أو تحمل فتواهم على النقل.
القائلون بالجواز قالوا: ناقل، فلا يفرق بين العالم وغيره، كناقل الأحاديث.
الجواب: ليس الكلام فيمن نقل لأنه متفق عليه، وإنما الخلاف فيما هو المعتاد في العصر، وهو أن يقول: كذا مذهب مالك، كذا مذهب الشافعي.
القائلون بالمنع قالوا: لو جاز، لجاز للعامي لأنهما سواء في النقل.
الجواب: الإجماع هو الدليل، وقد جوز للعالم دون العامي.
وبالفرق: بأن المطلع على المآخذ يبعد غلطه، بخلاف العامي.
قال: (مسألة: للمقلد أن يقلد المفضول .
وعن أحمد، وابن سريج: الأرجح متعين.
لنا: القطع بأنهم كانوا يفتون، مع الاشتهار والتكرر ولم ينكر.
وأيضا: قال: "أصحابي كالنجوم".
стр. 1509
واستدل: بأن العامي لا يمكنه الترجيح لقصوره.
وأجيب: بأنه يظهر بالتسامع ورجوع العلماء إليه، وغير ذلك.
قالوا: أقوالهم كالأدلة، فيجب الترجيح.
قلنا: لا يقاوم ما ذكرنا. ولو سلم، فلعسر ترجيح العوام.
قالوا: الظن بقول الأعلم أقوى.
قلنا: تقرير ما قدمتموه).
أقول: اختلفوا في تقليد المفضول مع وجود الأفضل، فجوزه الأكثر.
وقال أحمد، وابن سريج، والغزالي: يتعين عليه تقليد الأرجح.
ونحوه لابن القصار منا، قال: "يجب على العامي الاجتهاد في أعيان المجتهدين".
لنا: القطع أن المفضولين في زمان الصحابة وغيرهم كانوا يفتون، وقد اشتهر ذلك منهم ولم ينكر، فدل على أنه جائز.
وأيضا: قال ﵇: "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم
стр. 1510
اهتديتم"، خرج العوام لأنهم المقتدون، بقي معمولا به في المجتهدين منهم من غير تفضيل.
واستدل: بأن العامي لو كلفناه الترجيح لكان تكليفا بالمحال، لقصوره عن معرفة مراتبهم، وترجيح الراجح منهم.
الجواب: /أن معرفة ذلك غير مستحيل، بل يظهر له ذلك بالتسامع، وبرجوع العلماء إليه، عدم رجوعه إليهم.
قالوا: أقوال المجتهدين بالنسبة إليه كالأدلة بالنسبة إلى المجتهدين، فإذا تعارضت تعين الأرجح.
الجواب: أنه قياس ولا يقاوم ما ذكرنا من الإجماع.
ولو سلم، فترجيح المجتهد سهل، وترجيح العوام للمجتهدين -وإن أمكن- فهو عسر.
قالوا: الظن بقول الأعم أقوى، ويجب مغرفة أقوى الظنين للعمل به عند التعارض.
الجواب: أن هذا تقرير للدليل الأول في المعنى وإن تخالفا في العبارة، لأن إفادته للظن وكونه كالدليل للمجتهد أمر واحد، فالجواب الجواب.
قال: (مسألة: ولا يرجع عنه بعد تقليده اتفاقا .
وفي حكم آخر، المختار جوازه.
فلو ألزم مذهبا معينا كمالك والشافعي، فثالثها المختار كالأول).
أقول: العامي إذا اتبع بعض المجتهدين في حكم حادثة وعمل بقوله فيها
следующие страницы →