Полный текст (1 541 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
وأجيب: بالمنع.
قالوا: لو كان لقضت العادة بالمخالطة، أو لزمته.
قلنا: المتواتر لا يحتاج وغيره لا فيد، وقد تمتنع المخالطة لموانع، فيحمل عليها جمعا بين الأدلة).
أقول: اختلفوا هل كان ﵇ قبل البعثة متعبدا بفروع شريعة متقدمة أم لا؟ .
مذهب مالك: أنه ﵇ قبل البعثة غير متعبد بشرع.
وقيل: كان متعبدا بشرع، واختاره المصنف.
وضبطه بعض المتأخرين بكسر الباء.
فإن كان/ كذلك، فالأصح ما اختاره المصنف، إذ تلك العبادات التي صدرت منه قبل البعثة مما ثبت في الشرائع السابقة.
وظاهر كلامهم أن الخلاف في أنه قبل البعثة مكلف أو لا؟ .
وعلى هذا: فالأصح ما روي عن مالك.
ثم القائلون بمختار المصنف اختلفوا:
فقيل: إنه كان على شرع نوح.
стр. 1437
قيل: على شريعة إبراهيم.
وقيل: على شرع موسى.
وقيل: على شريعة عيسى.
وقيل: على ما ثبت أنه شرع.
وتوقف الغزالي.
لنا: ما ورد في الأحاديث أنه "كان يتعبد"، "كان يتحنث" يعتزل للعبادة، "كان يصلي"، "كان يطوف"، وكل واحد -وإن كان آحادا فالقدر المشترك متواتر، وتلك أعمال شرعية يعلم بالضرورة ممن يمارسها قصد.
الطاعة وهي موافقة أمر الشارع، ولا يتصور من غير تعبد، فإن العقل لا يحسنه. وقد يقال: المعلوم قصد الثواب لا قصد الطاعة.
واستدل: بأن شرع من قبله عام لجميع المكلفين، وإلا لخلا المكلف عن التكليف، وأنه قبيح.
الجواب: منع عموم شرع من قبله، فإن عموم الرسالة من خصائصه، وما ذكر من قبيح الخلو ممنوع، ولو سلم ففرع تقبيح العقل.
قالوا: لو كان متعبدا به لقضت العادة بوقوع مخالطته لأهل ذلك الشرع
стр. 1438
أو لزمته مخالطتهم لأخذ الشرع منهم فوقع، ولو وقع لنقل ولافتخرت به تلك الطائفة، واللازم باطل.
الجواب: منع قضاء العادة بالمخالطة، ومنع لزومها له، والسند: أنه متعبد بما علم أنه شرع، وذلك يحصل بالمتواتر دون الآحاد، والمتواتر لا يحتاج إلى المخالطة، والآحاد لا تفيد العلم.
ولم سلم أن العادة قاضية بالمخالطة، لك ما لم يمنع مانع، فقد تمتنع المخالطة لموانع فيحمل عدم المخالطة على وجود المانع، جمعا بين ما ذكرنا وما ذكرتم من قضاء العادة، والجمع مهما أمكن أولى، وهذا التقرير أوفق لما في المنتهى.
وقرر على وجه آخر يرجع إلى الثانية: بأن يقال: قولكم لو كان كذلك لنقل، تعنون نقلا متواترا أو آحادا، أما تواترا [فلا يحتاج إلى نقله كذلك] إذ لم يتعبدنا الله بذلك، والآحاد لا تفيد، والأول أظهر.
وقال الغزالي: المذكور من المذاهب ممكن، والواقع منها غير معلوم بقاطع، والظن فيما لا يتعلق بالعمل لا معنى له.
قال: (المختار: أنه بعد البعثة متعبد بما لم ينسخ.
لنا: ما تقدم، والأصل البقاء.
وأيضا: الاتفاق على الاستدلال بقوله تعالى: ﴿النفس بالنفس﴾.
وأيضا: ثبت أنه قال ﵇: "من نام عن صلاة أو نسيها
стр. 1439
فليصليها إذا ذكرها، وتلا: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ "، وهي لموسى ﵇، وسياقه يدل /على الاستدلال به.
قالوا: لم يذكر في حديث معاذ، وصوبه.
وأجيب: بأنه تركه إما لأن الكتاب يشتمل أو لقتله جمعا بين الأدلة.
قالوا: لو كان لوجب نقلها والبحث عنها.
قلنا: المعتبر المتواتر فلا يحتاج.
قالوا: الإجماع على أن شريعته ناسخ.
قلنا: لما خالفها، وإلا وجب نسخ الإيمان، وتحريم الكفر).
أقول: اختلفوا هل كان ﵇ بعد البعثة متعبدا بشرع من قبله وكذا أمته إلا ما خصه الدليل أو لا؟ .
مذهب مالك وجمهور أصحابه، وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة: أنه متعبد بما لم ينسخ.
وقال القاضي، وأحمد في أحد قوليه: إنه غير متعبد به.
والخلاف فيما أوحي إليه أنه شرع من قبله، وفيما تواتر من شرع من قبله، لا أنه متعبد بما وجد في كتبهم المبدلة، ولا بما نقله الكفار آحادا.
стр. 1440
كما لم يختلفوا فيما هو من شرعهم وأمر به بدليل خاص؛ لأن ذلك من شرعه.
لنا: ما تقدم أنه كان متعبدا به قبل البعثة، والأصل لبقاء ما كان على ما كان.
وفيه من النظر ما تقدم، مع أنه دليل مبني على أصلين مختلف فيهما: الاستصحاب، وشرع ما قبلنا، مع أنه لا يصح في الفروع التي اختلفت الشرائع فيها.
ولنا أيضا: اتفاق العلماء على الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ على وجوب القصاص في ديننا، ولولا أنه متعبد بشرع من قبله، لما صح الاستدلال بكون القصاص واجبا في بني إسرائيل على وجوبه في ديننا.
ولنا أيضا: ما في الصحيح أنه ﵇ قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، وتلا: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ "، وهي مقولة لموسى، وسياقه يدل على الاستدلال بالآية دلالة إيماء، ولم لم يكن هو وأمته متعبدين بما كان موسى متعبد به، لما صح الاستدلال.
وقد يقال: أمرنا بذلك للحديث، وذكر الآية ليبين أن أمته في ذلك مساوية لمن قبلها، فكون أدعى إلى انقياد الأمة.
стр. 1441
قالوا: لو تعبدنا بشرع من قبلنا لذكره معاذ، ولو كان دليلا لم يصوب ﵇ قول معاذ حين تركه، واللازم باطل.
الجواب: إما تركه لأن الكتاب يشمله –لأن كتاب الله يتناول التوراة والإنجيل- وإما لقلة ما يكون شرع من قبلنا مدركا له، وإن كانا خلاف الظاهر، لكن يحمل عليه جميعا بين الأدلة.
قالوا: لو كان متعبدا بشرع من قبلنا، لوجب البحث على المجتهدين عن تلك الشريعة، واللازم باطل.
الجواب: أن المعتبر في كون النبي والأمة متعبدين به من شرع من قبلنا، المتواتر وهو معلوم لا يحتاج إلى بحث وتعلم، لا ما نقل آحادا على لسان الكفار، إذ لسنا متعبدين/ به قطعا.
وقد يقال: لو كان كذلك لوجب علينا نحن نقلها والبحث عنها؛ لأنا مكلفون مثلهم، فينقل إلينا تواترا أو آحادا، ولا يلزم من كونه معلوما عندهم –بحيث لا يحتاج إلى بحث وتعلم- أن يكون عندنا نحن كذلك.
قالوا: الإجماع على أن شريعته ناسخة لما خالفها من الشرائع، وذلك ينافي تعبده بها.
стр. 1442
الجواب: أنها ناسخة لما خالفها، لا أنها ناسخة لجميع الأحكام، وإلا لنسخت وجوب الإيمان وتحريم الكفر، لثبوت ذلك في تلك الشرائع قطعا.
قال: (مذهب الصحابي ليس بحجة على صحابي آخر اتفاقا.
والمختار: ولا على غيرهم.
وللشافعي وأحمد قولان في أنه حجة مقدمة على القياس.
وقال قوم: إن خالف القياس.
وقيل: الحجة قول أبي بكر وعمر.
لنا: لا دليل عليه فوجب تركه.
وأيضا: لو كان حجة على غيرهم، لكان قول الأعم الأفضل حجة على غيره، إذ لا يقدر فيهم أكثر.
واستدل: لو كان حجة لتناقضت الحجج.
وأجيب: بأن لترجيح أو الوقف أالتخيير برفعه كغيره.
واستدل: لو كان حجة لوجب التقلد مع إمكان الاجتهاد.
وأجيب: إذا كان حجة فلا تقليد.
قالوا: "أصحابي كالنجوم"، "اقتدوا باللذين من بعدي".
أجيب: بأن المراد المقلدون؛ لأن خطابه للصحابة.
قالوا: ولى عبد الرحمن عليا بشرط الاقتداء بالشيخين فلم يقبل، وولى عثمان فقبل ولم ينكر، فدل على أنه إجماع.
قلنا: المراد متابعته في السيرة والسياسة، وإلا وجب على الصحابي التقليد.
стр. 1443
قالوا: إذا خالف القياس فلابد من حجة نقلية.
أجيب: بأن ذلك يلزم الصحابي، ويجري في التابعين مع غيرهم).
أقول: لا خلاف أن مذهب الصحابي ليس حجة على صحابي آخر مجتهد، فأما على غير الصحابة.
فعن مالك: أنه حجة.
وهو أحد قولي الشافعي وأحمد، قالوا: وهو مقدم على القياس.
وقيل: إن خالف القياس فهو حجة.
وقال بعض المالكية، وكثير من الشافعية، وبعض الحنفية: ليس بحجة مطلقا.
وقيل: الحجة قول أبي بكر وعمر.
стр. 1444
لنا: لا دليل على كونه حجة فوجب تركه، إذ لا يجوز إثبات حكم شرعي من غير دليل.
وأيضا: لو كان حجة على غيره، لكان قول الأعم الأفضل حجة على غيره، إذ لا يقدر فيهم أكثر من الصلاح والعلم.
وفيه نظر؛ إذ لا يجوز أن يكون للصحبة أثر في أن قوله حجة على غيره.
واستدل: لو كان حجة لزم تناقض الحجج، لاختلاف الصحابة ومناقضة بعضهم بعضا.
الجواب: لا نسلم لزوم التناقض؛ لأنه يندفع بالترجيح إن أمكن، وإلا فبالوقت أو التخيير، كما في تعارض الأخبار.
واستدل: لو كان قول الصحابة حجة على غيره، لوجب على التابعين فمن بعدهم تقليد الصحابي والأخذ بما أداه إليه اجتهاده، مع إمكان الاجتهاد والأخذ ما أخذ منه الصحابي من نص أو قياس، /لكنه لا يجوز للمجتهد تقليد غيره أصلا.
الجواب: إنما يلزم ذلك لو لم يكن قول الصحابي حجة، أما إذا كان حجة، صار هو أحد مآخذ الحكم، فلم يكن أخذ الحكم منه تقليدا، كالمأخوذ من النص.
احتج القائلون بكونه حجة: بقوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديت"، وكون الاقتداء بهم اهتداء هو المعنى بحجية
стр. 1445
قولهم.
واحتج القائلون بأن الحجة قول أبي بكر وعمر: بقوله ﵇: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر".
الجواب: أن المراد في الحديثين المقلدون من الصحابة؛ لأن خطابه للصحابة، وليس قول مجتهد منهم بحجة على مجتهد آخر إجماعا.
قالوا: ولى عبد الرحمن بن عوف عليا بشرط الاقتداء بالشيخين فلم يقبل وولى عثمان فقبل، وشاع وذاع ولم ينكر، فدل على أنه إجماع.
الجواب: معنى الاقتداء بهم المتابعة في السيرة والسياسة لا في المذهب، وإلا كان قول الصحابي المجتهد حجة على صحابي مجهد وأنه باطل إجماعا.
وأيضا: لو كان كذلك ما خالف علي وكان يقبل الشرط.
احتج القائلون بأنه حجة إذا خالف القياس: بأنه لابد له حينئذ من حجة نقلية فيقبل، وتكون الحجة بالحقيقة تلك، أما مع موافقة القياس فقد يكون قال ذلك عن ذلك القياس، فلا حجة فيه إذ ذلك.
стр. 1446
الجواب: لو صح ذلك اقتضى أن يلزم الصحابي العمل به.
وأيضا: كان يجب أن يكون قول التابعي مع من بعده كذلك لجريان الدليل فيه، واللازم باطل.
قال: (الاستحسان: قال به الحنفية والحنابلة.
وأنكره بعضهم؛ حتى قال الشافعي: من استحسن فقد شرع، ولا يتحقق استحسان مختلف فيه.
فقيل: دليل ينقدح في نفس المجتهد تعسر عبارته عنه.
قلنا: إن شك فيه فمردود، وإن تحقق فمعمول به اتفاقا.
وقيل: هو العدول عن القياس إلى قياس أقوى، ولا نزاع فيه.
وقيل: العدول إلى خلاف النظر لدليل أقوى، ولا نزاع فيه.
وقيل: العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس، كدخول الحمام، وشرب الماء من السقاء.
قلنا: مستنده جريانه في زمانه وزمانهم مع عملهم من غير إنكار، أو غير ذلك، وإلا فهو مردود.
فإن تحقق استحسان مختلف فيه.
قلنا: لا دليل يدل عليه فوجب تركه.
قالوا: ﴿واتبعوا أحسن﴾.
قلنا: الأظهر والأولى، و "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن"، يعني الإجماع وإلا لزم العوام).
стр. 1447
أقول: الاستحسان: قال الحنابلة والحنفية: إنه دليل، ووقع عند المالكية/ ما يدل على ذلك، فمن ذلك مسألة كتاب الخيار، وهي مسألة النظر والاستحسان.
وأنكره الشافعي حتى قال: "من استحسن فقد شرع"، أي فقد أثبت حكما من غير دليل، فكان عاصيا أو كافرا.
قال المصنف: والحق أنه لا يتحقق استحسان مختلف فيه؛ لأنهم ذكروا في تفسيره أمورا لا تصلح محلا للخلاف؛ لأن بعضها مقبول اتفاقا، وبعضها متردد بين ما هو مقبول اتفاقا وبين ما هو مردود اتفاقا.
فمن جملة ما قيل في تفسيره: أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد يعسر تعبيره عنه، وهذا متردد بين القبول أو الرد؛ لأن "ما انقدح في نفس المجتهد" إن كان تحقق ثبوته وجب عليه العمل به اتفاقا، ولا يضر عجزه عن التعبير عنه، وإن كان يشك فيه فمردود اتفاقا، إذ لا تثبت الأحكام بمجرد الاحتمال.
стр. 1448
وقيل: هو العدول عن قياس إلى قياس أقوى منه، ولا نزاع في قبوله بهذا المعنى.
وقيل: تخصيص قياس بدليل أقوى منه، ولا نزاع أيضا فيه.
وقيل: العدول إلى خلاف النظير لدليل أقوى منه، ولا نزاع أيضا فيه.
وفي بعض النسخ خلاف النظير، أي العدول في مسألة إلى خلاف ما حكم به في نظائرها.
وقيل: العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس، كدخول الحمام من غير تعيين زمان المكث، وشراب الماء من السقاء من غير تعيين مقدار الماء ومقدار الأجرة.
وها أيضا مما هو متردد؛ لأن مستند مثله إن كان العادة المعتبرة من جريانه في زمانه ﵇، فقد ثبت بالسنة.
وإن كان جريانه في زمن الصحابة مع عدم إنكارهم، فقد ثبت بالإجماع.
стр. 1449
وإن كان غيرها، فإن كان نصا وقياسا مما ثبتت حجيته فقد ثبت به، وإن كان غير ذلك مما لم تثبت حجيته فهو مردود قطعا.
فإذا أظهر الخصم استحسانا يصلح محلا للخلاف، قلنا في نفيه: لا دليل يدل عليه فوجب نفيه، لما علم أن عدم الدليل في نفي الأحكام الشرعية مدرك شرعي.
قالوا: قال تعالى: ﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾، والأمر للوجوب، فدل على أن تر بعض واتباع بعض هو أحسن، وهو معنى الاستحسان.
الجواب: أن المراد بـ "الأحسن" الأظهر والأولى، مع أنه أمر باتباع الأحسن من القول.
قالوا: قال ﵇: "ما رآه المسلمون حسنا فهم عند الله حسن" يدل على أن ما استحسنه العلماء فهو حق في الواقع.
الجواب: "المسلمون" صيغة العموم، والمعنى: ما رآه جميع المسلمين حسنا لا ما رآه كل واحد حسنا، وإلا لزم حسن ما رآه أحد العوام حسنا، وما أجمع عليه فهو حسن عند الله، إذ لا إجماع إلا عن دليل شرعي.
/قال: (المصالح المرسلة: تقدمت.
لنا: لا دليل فوجب الرد.
стр. 1450
قالوا: لو لم يعتبر لأدى إلى خلو وقائع.
قلنا: بعد تسليم أنها لا تخلو، العمومات والأقيسة مأخذها).
أقول: المصالح المرسلة: مصالح لا يشهد لها أصل بالاعتبار في الشرع، ولا يشهد أصل –أيضا- بإلغائها، لكنها على سنن المصالح وتتلقاها العقول بالقبول.
قال بحجيتها مالك ﵁، وقد تقدمت في القياس.
لنا: لا دليل على حجيتها فوجب الرد.
قالوا: لو لم يعتبر لأدى إلى خلو وقائع عن الحكم، لعدم شمول النصوص والأقيسة جميعها، وأنه باطل.
الجواب: لا نسلم بطلانه، وإن سلم، فلا يلزم الخلو؛ لأن العمومات والأقيسة مأخذ الجميع.
وإن سلم، فعدم المدرك بعد ورود الشرع –بأن ما لا مدرك فيه بعينه فحكمه التخيير- مدرك شرعي.
стр. 1451
قال: (الاجتهاد: استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي.
والفقيه: تقدم، وقد علم المجتهد، والمجتهد فيه).
أقول: لما فرغ من المبادئ والأدلة السمعية، شرع الآن في الاجتهاد.
وهو لغة: تحمل الجهد، وهو المشقة، يقال: اجتهد في حمل حجر الرحى، ولا يقال: اجتهد في حمل نارنجة.
وفي الاصطلاح: استفراغ الفقيه الوسع، أي بحيث يحس من نفسه العجز عن المزيد عليه.
وقوله: (لتحصيل ظن) إذ لا اجتهاد في القطعيات.
وقوله: (بحكم شرعي) ليخرج العقلي والحسي.
والفقيه: تقدم معناه في صدر الكتاب ضمنا، لأنك قد علمت الفقه، فيكون الموصوف هو الفقيه، وقد علم بذلك ركنا الاجتهاد وهو المجتهد، والمجتهد فيه.
فالمجتهد: من اتصف بصفة الاجتهاد على التفسير المذكور.
والمجتهد فيه: حكم ظني شرعي عليه دليل فلا يرد اجتهاد المتكلم في تحصيل ظن بتوحيده تعالى، إذا كان المجتهد فقيها وهو بين من تعريف الفقه.
قال: (مسألة: اختلفوا في تجزئ الاجتهاد .
المثبت: لو لم يتجزأ لعلم الجميع، وقد سئل مالك في أربعين مسألة،
стр. 1452
وقال في ست وثلاثين منها: لا أدري.
وأجيب: بتعارض الأدلة، وبالعجز عن المبالغة في الحال.
قالوا: إذا اطلع على أمارة مسألة فهو وغيره سواء.
أجيب: بأنه قد يكون ما لم يعلمه متعلقا.
النافي: كل ما يقدر جهله يجوز تعلقه بالحكم المفروض.
أجيب: الفرض حصول الجميع في ظنه عن مجتهد، أبعد تحرير الأئمة للأمارات).
أقول: اختلفوا في تجزئ الاجتهاد على معنى أنه هل يجتهد في بعض المسائل دون بعض، بناء على أنه قد يحصل له في بعض المسائل ما هو مناط الاجتهاد من الأدلة دون غيرها، فإذا حصل له ذلك فهل له أن يجتهد فيها/ أو لابد وأن يكون مجتهدا مطلقا، بحيث يكون عنده ما يحتاج إليه في جميع المسائل من الأدلة؟ .
احتج المثبتون بوجهين:
الأول: لو لم يتجزأ الاجتهاد لزم علم المجتهد جميع المآخذ، ويلزم العلم بجميع الأحكام، واللازم باطل؛ لأن مالكا من كبار المجتهدين قطعا، وقد سئل في أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها: "لا أدري".
الجواب: أن العلم بجميع المآخذ لا يوجب العلم بجميع الأحكام، لجواز
стр. 1453
عدم العلم ببعضها لتعارض الأدلة، أو للعجز في الحال عن المبالغة، أو لمانع يشوش الفكر.
قالوا ثانيا: إذا اطلع على أمارات بعض المسائل فهو وغيره سواء فيها، وكونه لا يعلم أمارات غيرها لا مدخل لجهله بذلك فيما علم أمارته، فيجوز له الاجتهاد فيها كغيره.
الجواب: لا نسلم مساواته لغيره، إذ يجوز أن يكون ما لم يعلمه متعلقا بالمسألة المجتهد فيها.
احتج النافي: بأن كل ما يقدر جهله به يجوز تعلقه بالحكم المفروض، فلا يحصل له ظن المانع من مقتضى ما يعلمه من الدليل.
الجواب: أن المفروض حصول جميع ما هو أمارة لتلك المسألة في ظنه
الجواب: أن المفروض حصول جميع ما هو أمارة لتلك المسألة في ظنه نفيا وإثباتا، إما بأخذه عن مجتهد، وإما بعد تحرير الأئمة الأمارات وضم كل نوع إلى جنسه، وإذا كان كذلك فقيام ما ذكرتم من الاحتمال بعيد، فلا يقدح في ظن الحكم فيجب العمل به.
قال: (المختار: أنه ﷺ كان متعبدا بالاجتهاد.
لنا: مثل: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾، و "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي"، ولا يستقيم ذلك فيما كان بالوحي.
واستدل أبو يوسف بقوله تعالى: ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾.
وقرره الفارسي، واستدل بأنه أكثر ثوابا للمشقة فيه، فكان أولى.
وأجيب: بأن سقوطه لدرجة أعلى.
стр. 1454
قالوا: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾.
وأجيب: بأن الظاهر رد قولهم ﴿افتراه﴾.
ولو سلم، فإذا تعبد بالاجتهاد بالوحي لم ينطق إلا عن وحي.
قالوا: لو كان لجازت مخالفته، لأنها من أحكام الاجتهاد.
وأجيب: بالمنع، كالإجماع عن اجتهاد.
قالوا: لو كان لما تأخر في جواب.
قلنا: لجواز الوحي، أو لاستفراغ الوسع.
قالوا: القادر على اليقين يحرم عليه الظن.
قلنا: لا يعلم إلا بعد الوحي، فكان كالحكم بالشهادة).
أقول: اختلفوا هل كان ﵇ متعبدا بالاجتهاد فيما لم يوح إليه فيه؟ ، فذهب أحمد، وأبو يوسف إلى أنه متعبد.
واختاره المصنف.
وذهب الجبائي وابنه إلى منعه.
стр. 1455
لنا: قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾، ولا يستقيم مثل ذلك فيما فعل عن وجي.
وقد يقال: إن ذلك في أمر الآراء والحروب، لا في الحكم الشرعي.
وقال –أيضا- ﵇: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت/ ما سقت الهدي"، ولا يستقيم ذلك –أيضا- إلا فيما فعل بالرأي.
قال القاضي عياض: يجوز أن يكون خير فاختار الأدنى، فنبه على ترك الأولى، فالخطاب بما ذكر لتركه الأعلى بعد التخيير.
واستدل أبو يوسف بقوله تعالى: ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ وقرره الفارسي وبين وجه دلالته، فقال: الرؤية تقال للإبصار كقولك: "رأيت زيدا"، وللعلم مثل: "رأيت زيدا قائما"، وللرأي مثل: "رأى فيه الحل والحرمة"، و"أراك" لا يستقيم لرؤية العين لاستحالتها في الأحكام، ولا للإعلام لوجوب ذكر المفعول لوجوب ذكر المفعول الثالث عند ذكر الثاني، والعائد على الموصول كالمذكر لتتم الصلة، كأنه قال: بما أراك الله، ولا يجوز حذف الثالث فتعين أن المراد: بما جعله لك رأيا.
والجواب: أنه بمعنى الإعلام، و "ما" مصدرية فلا ضمير، وحذف
стр. 1456
المفعولان، فيكون المعنى: بإراءتك، أو أن المقدر ليس كالملفوظ، فكأن المفعولين حذفا، أو أن المعنى: بما أوحى الله إليك، ويدل عليه السياق، واختاره الزمخشري.
ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أراك الله﴾.
واستدل أيضا: بأن الاجتهاد أكثر ثوابا، لما فيه من المشقة، قال ﵇: "أفضل العبادات أحمزها" أي أشقها، وقال: "ثوابك على قدر نصبك".
والأكثر ثوابا أولى، وعلو درجته يقتضي ألا يسقط عنه، تحصيلا لمزيد الثواب، ولئلا يكون غيره مختصا بفضيلة ليست له.
الجواب: لا نسلم أن علو درجته يقتضي عدم سقوطه، بل يقتضي سقوطه، إذ الشيء قد يسقط لدرجة أعلى، ولا يكون فيه نقص لأجره، ولا يكون غيره مختصا بفضيلة ليست له، وذلك كمن يحرم ثواب الشهادة لكونه حاكما، وثواب التقليد لكونه مجتهدا، وثواب القضاء لكونه إماما.
стр. 1457
احتج المانعون بوجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ نفي أن يكون الحكم الصادر عنه ﵇ بالاجتهاد.
الجواب: أن الظاهر من سياق الآية أنها إنما سيقت ردا على الكفار فيما يقولونه في القرآن، أنه ﵇ افتراه، فيختص بما بلغه.
سلمنا أن خصوص السبب يوجب تخصيصه، لكن إذا تعبد بالاجتهاد بالوحي لم يكن نطقه إلا عن وحي.
وما قيل: إن اجتهاده من فعله لا من نطقه، فضعيف.
قالوا: لو كان متعبدا بالاجتهاد لكان في الأحكام الصادرة عنه ما يكون عن اجتهاده، ولو كان كذلك لجازت مخالفته من تكفير ولا عصيان؛ لأن جواز المخالفة من أحكام الاجتهاد، إذ لا قطع حينئذ أنه حكم الله لاحتمال الإصابة.
الجواب: منع لزوم جواز المخالفة للاجتهاد مطلقا، بل/ إذا لم يقترن بها القاطع، كاجتهاد يكون عند إجماع، إذ كل منهما اقترن به القاطع.
قالوا: لو كان متعبدا بالاجتهاد لما تأخر في جواب، بل كان يجتهد ويجيب لوجوب ذلك عليه، واللازم باطل؛ لأنه روي أنه تأخر في مسائل كثيرة لانتظار الوحي.
стр. 1458
الجواب: لا نسلم الملازمة، فإنه ربما تأخر لجواز الوحي الذي عدمه شرط في الاجتهاد؛ لأنه إنما تعبد به فيما نص فيه، فلابد من تحقق عدم النص بعدم الوحي.
وأيضا: فربما تأخر للاجتهاد، فإن استفراغ الوسع يستدعي زمانا.
قالوا: هو قادر على اليقين في الحكم بالوحي، فلا يجوز له الاجتهاد لأنه لا يفيد إلا ظنا، والقادر على اليقين يحرم عليه الظن إجماعا، كالقادر على معاينة القبلة عليه الاجتهاد فيها.
الجواب: لا نسلم أنه قادر على يقين، فإنه لا يعلم الحكم إلا بإنزال الوحي عليه، وأنه غير مقدور له، نعم هو قادر عليه بعد الوحي، وأنه إذ ذاك لا يجوز له الاجتهاد، وذلك كحكمه ﵇ بالشهادة، مع أنها لا تفيد إلا الظن.
ولا يقال: يمكنه معرفة الحكم يقينا بالوحي، فيحرم عليه الظن، وقد يفرق بينه وبين الشهادة.
قال: (مسألة: المختار: وقوع الاجتهاد ممن عاصره ظنا .
ثالثها: الوقف.
ورابعها: الوقف فيمن حضره.
لنا: قول أبي بكر: "لاها الله إذا، لا نعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فنعطيك سلبه، فقال ﵇: صدق.
وحكم ﵇ سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكم بقتلهم وسبي ذراريهم، فقال ﵇: لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبعة
стр. 1459
أرقعة".
قالوا: القدرة على العلم تمنع الاجتهاد.
قلنا: تثبت الخيرة بالدليل.
قالوا: كانوا يرجعون إليه.
قلنا: صحيح، فأين منعهم؟ ).
أقول: اختلفوا في جواز الاجتهاد في عصره ﵇، واختلف المجوزون في وقوعه، فقيل: وقع ظنا، وقيل: لم يقع، وثالثها: الوقف، ورابعها: وقع ممن غاب عنه، والوقف فيمن حضره.
لنا: قول أبي بكر: "لاها الله إذا، لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه، فقال ﵇: صدق".
والظاهر أنه عن رأي لا عن وحي، ولفظه في المنتهى: "لاها الله ذا"، كما في صحيح مسلم.
стр. 1460
والظاهر أن "إذا" تصحيف، قال الخليل: "ذا" خبر مبتدأ، أي الأمر ذا، وقال الفراء: "ذا" وما بعده مقسم عليه.
ولنا أيضا: ما ذكره أهل المغازي أنه ﵇ حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكم بقتلهم وسبي ذراريهم، فقال ﵇: "لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة"، والرقيع السماء/ وجمعه أرقعة.
والظاهر أن حكمه كان بالاجتهاد، وقضية معاذ أوضح، لكن فيمن غاب عن حضرته.
احتج المانعون بوجهين:
الأول: أن المعاصرين قادرون على العلم بالرجوع إليه ﵇،
стр. 1461
والقدرة على العلم تمنع من الاجتهاد الذي غايته الظن.
الجواب: لا نسلم أنها تمنعه، إذ المفروض أنه قد ثبت التخيير بين العلم بالرجوع إلى الاجتهاد بالدليل، يعني الحديثين السابقين.
قال في المنتهى: "ولو سلم، فالحاضر يظن أنه لو كان وحي لبلغه، والغائب لا يقدر عليه، فيرجع إلى المنع أنه له قدرة على العلم".
الثاني: ثبت أن الصحابة كانوا يرجعون إليه في الوقائع، وهو دليل منع الاجتهاد، وإلا رجعوا إلى الاجتهاد.
الجواب: لا دلالة له على منعهم من الاجتهاد، لجواز أن يكون الرجوع فيما لا يظهر لهم فيه وجه الاجتهاد، أو بجواز الأمرين.
قال: (مسألة: الإجماع على أن المصيب في العقليات واحد ، وأن النافي ملة الإسلام مخطئ آثم كافر، اجتهد أو لم يجتهد.
وقال الجاحظ: لا إثم على المجتهد، بخلاف المعاند.
وزاد العنبري: كل مجتهد في العقليات مصيب.
لنا: إجماع المسلمين على أنهم من أهل النار، ولو كانوا غير آثمين لما ساغ ذلك، واستدل: بالظواهر. وأجيب: باحتمال التخصيص.
قالوا: تكليفهم نقيض اجتهادهم ممتنع عقلا وسمعا، لأنه مما لا يطاق.
وأجيب: بأنه كلفهم الإسلام، وهو من المتأتى المعتاد، فليس من المستحيل في شيء).
أقول: اختلفوا هل كل مجتهد مصيب أم لا؟ وهل حكم العقليات
стр. 1462
والشرعيات واحد أو لا؟ ، وجعلهما المصنف مسألتين:
الأولى في العقليات: وذكر الإجماع على أن المصيب في العقليات واحد وأن الآخر مخطئ، وأن من كان منهم نافيا لملة الإسلام فهو مخطئ آثم كافر، اجتهد أو لم يجتهد.
خلافا للجاحظ فإنه قال: "لا إثم على المجتهد مع أنه مخطئ، وتجري عليه في الدنيا أحكام الكفار، بخلاف المعاند فإنه آثم".
وزاد عليه العنبري بأن قال: "كل مجتهد في العقليات فهو مصيب".
فإن أراد وقوع معتقده حتى يلزم من اعتقاده قدم العالم وحدوثه اجتماع القدم والحدوث، فخروج عن المعقول، وإن أراد عدم الإثم فمحتمل عقلا ممتنع سمعا، ويكون مذهب الجاحظ بعينه، وإلى قريب من هذا ذهب ناصر الدين البيضاوي، قال في الطوالع:
ويرجى العفو للكافر البالغ في اجتهاده في تحصيل الحق الطالب للهدى، وذلك الرجاء من فضل الله ولطفه، إذ لا تقصير منه. هذا معناه لا لفظه.
стр. 1463
وزعم أن هذا مخصوصات عن العمومات التي تأتي، وقد تكلمنا معه في ذلك وأشبعنا الكلام عليه في شرحنا للطوالع، فليطالع هناك.
لنا: إجماع المسلمين –قبل ظهور المخالف- على قتل نافي ملة الإسلام، وأنه من أهل النار، ولا يفرقون بين معاند ومجتهد، بل يقطعون أنهم لا يعاندون الحق بعد ظهوره لهم، ويعتقدون الباطل عن نظر واجتهاد، ولو كان المجتهد غير آثم لما ساغ حكم بأنه من أهل النار لعصمتهم.
واستدل: بظواهر مثل: ﴿فويل للذين كفروا من النار﴾، ﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم فأرداكم﴾، ﴿ويحسبون أنهم على شيء﴾، ذمهم على معتقدهم وتوعدهم بالعقاب عليه، ولو كانوا معذورين لما ذمهم.
الجواب: أنه لا يفيد القطع، لجواز التخصيص بغير المجتهد منهم.
قالوا: فيه تكليفهم نقيض اجتهادهم وهو ممتنع سمعا وعقلا؛ لأنه مما لا يطاق، إذ المقدور بالذات هو الاجتهاد والنظر لكونهما من قبيل الأفعال، والاعتقاد من قبيل الانفعال، وما يؤدي إليه الاجتهاد حصوله بعد الاجتهاد ضروري واعتقاد خلافه ممتنع، لما تقدم من دليل العقل والسمع على منع التكليف بما لا يطاق.
الجواب: لا نسلم أن نقيض اجتهادهم غير مقدور، بل ذلك امتناع
стр. 1464
بشرط المحمول- أي ما داموا معتقدين لذلك يمتنعوا أن يعتقدوا خلافه- وذلك لا يوجب كون الفعل ممتنعا منهم غير مقدور لهم، فإن الممتنع الذي لا يجوز التكليف به ما لا يتأتى عادة كالطيران، وأما ما كلفوا هم به –وهو الإسلام- فهو متأت منهم ومعتاد حصوله من غيرهم، ومثله لا يكون مستحيلا، وقد تقدم في صدر الكتاب أو الإجماع على صحة التكليف بما علم الله أنه لا يقع.
قال: (مسألة: القطع: لا إثم على المجتهد في حكم شرعي اجتهادي .
وذهب بشر المريسي والأصم إلى تأثيم المخطئ.
لنا: العلم بالتواتر باختلاف الصحابة المتكرر والشائع من غير نكير، ولا تأثيم لمعين ولا مبهم، والقطع أنه لو كان آثما لقضت العادة بذكره.
واعترض كالقياس).
أقول: تقدم حكم الاجتهاد في العقليات، وأما في الأحكام الفرعية الاجتهادية فإنا نقطع بعدم الإثم عن المجتهد إذا أخطأ فيها.
ونقل عن بشر المريسي من المعتزلة، وعن أبي بكر الأصم: أن
стр. 1465
المخطئ آثم، ولا يعتد بخلافهما لأنه بعد انعقاد الإجماع.
لنا: القطع بأنه تواتر أن الصحابة قد اختلفوا في المسائل الاجتهادية وتكرر وشاع ولم ينكر، ولا تأثيم من بعضهم لبعض معين، بأن يقول أحد المخالفين إن الآخر آثم، مع القطع بأنه لو كان آثما لقضت/ العادة بذكره، ولخافوا الاجتهاد وتجنبوه وخوفوا منه، ولما لم يتكلموا فيه بتأثيم، علم قطعا عدم الإثم.
واعترض: بما مر من الأسئلة على دليل كون القياس حجة.
والجواب: هو الجواب ثم.
قال: (مسألة: المسألة التي لا قطع فيها، قال القاضي والجباني: كل مجتهد فيها مصيب، وحكم الله فيها تابع لظن المجتهد.
وقيل: المصيب فيها واحد.
ثم منهم من قال: لا دليل عليه كدفين يصاب.
وقال الأستاذ: دليله ظني، فمن ظفر به فهو المصيب.
وقال المريسي والأصم: دليله قطعي، والمخطئ آثم.
ونقل عن الأئمة الأربعة التخطئة والتصويب، فإن كان فيها قاطع فقصر فمخطئ آثم، وإن لم يقصر فالمختار مخطئ غير آثم.
لنا: لا دليل على التصويب والأصل عدمه.
стр. 1466
وصوب غير معين للإجماع.
وأيضا: لو كان كل مصيبا لاجتمع النقيضان؛ لأن استمرار قطعه مشروط ببقاء ظنه، للإجماع على أنه لو ظن غيره وجب الرجوع، فيكون ظانا عالما بشيء واحد.
لا يقال: الظن ينتفي بالعلم.
لأنا نقطع ببقائه، ولأنه كان يستحيل ظن النقيض مع ذكره للعلم.
فإن قيل: مشترك الإلزام؛ لأن الإجماع على وجوب اتباع الظن، فوجب الفعل أو يحرم قطعا.
قلنا: الظن متعلق بأنه حكم المطلوب، والعلم بتحريم المخالفة فاختلف المتعلقان، فإذا تبدل الظن زال شرط تحريم المخالفة.
فإن قيل: فالظن يتعلق بكونه دليلا والعلم بثبوت مدلوله، فإن تبدل الظن زال شرط ثبوت الحكم.
قلنا: كونه دليلا حكم أيضا، فإذا ظن علمه، وإلا جاز أن يكون المتعبد به غيره، فلا يكون كل مجتهد مصيبا، على أنه لا يستقيم العلم بالمدلول مع احتمال الدليل.
وأيضا: أطلق الصحابة الخطأ في الاجتهاد كثيرا وشاع ولم ينكر، عن علي وزيد وغيره أنهم خطئوا ابن عباس في ترك العول، وخطأهم وقال: من باهلني باهلته، إن الله لم يجعل في مال واحد نصفا وثلثا.
واستدل: إن كانا بدليلين، فإن كان أحدهما راجحا تعين، وإلا تساقطا.
стр. 1467
وأجيب: بأن الأمارات تترجح بالنسب، وكل راجح.
واستدل: بالإجماع على شرع المناظرة، فلولا تبين الصواب لم تكن فائدة.
وأجيب: بتبيين التساوي، أو الترجيح، أو التمرين.
واستدل: بأن المجتهد طالب، فطالب ولا مطلوب محال، فمن أخطأ فهو مخطئ قطعا.
وأجيب: مطلوبه ما يغلب على ظنه، فيحصل وإن كان مختلفا.
واستدل: بأنه يلزم حل الشيء وتحريمه، لو قال مجتهد شافعي لمجتهدة.
حنفية: أنت بائن، ثم قال: راجعت، وكذا /لو تزوج مجتهد امرأة بغير ولي، ثم زوجها بعده مجتهد بولي.
وأجيب: بأنه مشترك الإلزام، إذ لا خلاف في لزوم اتباع ظنه.
وجوابه: أن يرفع إلى الحاكم فيتبع حكمه).
أقول: المسألة الظنية من الفقهيات، وهي مرادة بالتي لا قاطع فيها.
قال القاضي، والجبائي وابنه، وحكاه الإمام فخر الدين عن الأشعري وكثير من المتكلمين: كل مجتهد مصيب، ولا حكم معين لله تعالى فيها، بل حكم الله تابع لظن المجتهد، فما ظنه فيها كل مجتهد فهو حكم الله فيها في حقه وحق مقلده.
стр. 1468
قلت: وفيه نظر؛ إذ الأشعري والقاضي يقولان بقدم الحكم، فكيف يقولان إن المسألة الاجتهادية لا يكون فيها لله قبل اجتهاد المجهد حكم؟ .
وقيل: فيها لله تعالى حكم معين، والمصيب واحد؛ لأن الطالب يستدعي مطلوبا.
ثم منهم من قال: لم ينصب الله عليه دليلا، بل كدفين يصاب، فمن عثر عليه فهو المصيب وله أجران، ومن أخطأه فهو المخطئ وله أجر واحد، لتعبه لا لخيبته، وحكاه الإمام فخر الدين عن بعض الفقهاء.
وقيل: بل عليه دليل، ثم اختلف هؤلاء، فقال الأستاذ وابن فورك: من ظفر به فهو المصيب وله أجران، ومن أخطأه فهو المخطئ وله أجر واحد.
وقال بشر المريسي والأصم: من أخطأه فهو مخطئ آثم.
وقيل: من أخطأه فلا أجر له، ويسقط عنه الإثم لخفاء الدليل وغموضه فكان معذورا.
ونقل عن الأئمة الأربعة التخطئة والتصويب.
стр. 1469
والأصح من مذهب مالك والشافعي: أن المصيب واحد.
هذا أسعد بما في المحصول وأقرب إلى الإحكام، إذ فرض المسألة ما لا قاطع فيه، فكيف يقول عن المريسي: إن دليله قطعي، إلا أن يحمل قوله أولا على الشرعي والذي عن المريسبي على العقلي لأنه معتزلي، والعقل عندهم يكون مدركا للحكم، أما لو كان فيه قاطع، فإن قصر في طلبه كان آثما، وإن لم يقصر لم يأثم، وفي خطئه خلاف.
والمختار: أنه مخطئ، فظهر أن مختاره أن المصيب واحد، وأن عليه دليلا ظنيا، وأن المخطئ غير آثم، وأن ما فيه قاطع وقصر عنه فآثم، وإلا فمخطئ غير آثم.
لنا: لا دليل على تصويب كل مجتهد، وكل ما لا دليل عليه لا يجوز القول به، أما الأولى: فلعدم الدليل عليه ظاهرا والأصل عدمه، أو الأصل عدم التصويب، ولا يتمكن الخصم من قلبه.
فإن قيل: فكذا نقول في تصويب كل مجتهد، فيجب نفيه عن كل واحد وذلك لم يقل به احد.
قلت: الدليل يقتضي ذلك لولا الإجماع على تصويب واحد غير معين، المنافي لعدم تصويب كل واحد.
ولا يخفى أن إثبات مثل هذا الأصل بمثل هذا الدليل لا يحسن.
стр. 1470
ولنا: لو كان كل مجتهد مصيبا لزم اجتماع النقيضين، أما الملازمة؛ فلأنه إذا ظن حكما قطع بأنه حكم الله في حقه، بناء على أن كل مجتهد مصيب، ولا شك أن استمرار قطعه بأن حكم الله في حقه مشروط ببقاء ظنه ذلك الحكم، للإجماع على أنه لو ظن غيره وجب عليه الرجوع عنه إلى ذلك الغير، فيكون عالما به ظانا له، فيكون ظانا عالما بشيء واحد في زمان واحد فيلزم القطع به وعدم القطع به، وهما نقيضان.
لا يقال: لا نسلم أن شرط القطع بقاء الظن، قوله: (للإجماع على أنه لو ظن غيره وجب الرجوع).
قلنا: الإجماع إنما دل على أن استمرار قطعه بما أداه إليه اجتهاده مشروط بعدم ظن غير ما أداه إليه اجتهاده، ولا يلزم منه أن يكون استمرار قطعه بما أداه إليه/ اجتهاده مشروطا ببقاء ظنه به، وعدم ظن غيره لا يستلزم ظن هذا إذ قد يكون هذا معلوما ولا يظن شيئا، ومن أين يلزم من زوال حكم الظن عند زوال الظن بالشيء إلى الظن بخلاف متعلقه زوال حكمه عند زواله إلى العلم بمتعلقه، فإن القطع أولى بذلك الحكم من ظنه، فإذا حصل القطع زال الظن، وإليه أشار بقوله: "لا يقال).
ثم أجاب فقال: لأنا نقول: إنا نقطع ببقاء الظن حال بقاء الإصابة الموجبة لاستمرار القطع؛ لأن الإصابة إنما حصلت من الظن فيكون الظن موجبا للإصابة، ويلزم من بقاء المعلول بقاء علته.
وأيضا: لو انتفى ظن الحكم مع العلم به لاستحالته ظن نقيض ذلك الحكم مع ذكره للعلم، أي مع العلم بذلك الحكم، أو أنه يستحيل ظن
стр. 1471
نقيض ما علم بموجب مع تذكر ذلك الموجب، بخلاف ما لو ذهل عن الموجب أو عن كونه موجبا، لكنه لا يستحيل ظن النقيض، لثبوت رجوع المجتهد إلى نقيض ما أداه إليه اجتهاده.
فإن قيل: ما ذكرتم مشترك الإلزام، إذ لزوم النقيضين وارد على المذهبين فيكون مردودا، فلا يكون منشأ الفساد خصوصية أحد المذهبين، فما هو جواب لكم يكون جوابا لنا.
بيان أنه مشترك: أن الإجماع منعقد على وجوب اتباع الظن، فإذا ظن الوجوب وجب الفعل قطعا، وإذا ظن الحرمة حرم الفعل قطعا، ثم شرط القطع بقاء الظن بما ذكرتم، فيلزم الظن والقطع معا ويجتمع النقيضان.
قلنا: إنما يلزم ذلك لو كان الظن والقطع تعلقا بشيء واحد، أما لو كان الظن متعلقا بأن الحكم المطلوب، والقطع متعلق بتحريم مخالفته لكونه مظنونا فلا تناقض لاختلاف المتعلق.
وقوله: (فإذا تبدل الظن زال شرط تحريم المخالفة) جواب عن سؤال مقدر تقديره: لما كان زوال العلم يتبع زوال الظن، لأنه إذا زال الظن بالحكم زال العلم به، دل على اتحاد متعلقهما.
الجواب: أن العلم متعلق بأن المطنون ما دام مظنونا يجب العمل به، فإذا زال الظن فقد زال شرط العمل به، فينتفي العلم بوجوب العمل في زمان زوال الظن، فليس زوةاله بزواله لأجل اتحاد متعلقهما، بل لزوال شرطه.
فإن قيل: هذا الجواب يعينه يجري في دليلكم، إذ يقال: لا نسلم اتحاد متعلق الظن والعلم، فإن الظن متعلق بكون الدليل دليلا، والعلم متعلق.
стр. 1472
بثبوت مدلوله، فإذا تبدل الظن زال شرط ثبوت الحكم الذي هو ظن الدلالة.
قلنا: هذا لا يدفع اجتماع النقيضين، فإن كونه دليلا أيضا حكما، فإذا ظنه فقد علمه، إذ لو لم يعلمه لجاز أن يكون المتعبد به غيره –أي الدليل الذي يجب العمل به غير ذلك الدليل- وإذا كان غيره فقد أخطأ في اعتقاد أن هذا دليل، فهذا حكم أخطأ فيه المجتهد، فلا يكون كل مجتهد مصيبا.
/ولنا أيضا: أن الصحابة أطلقوا الخطأ في الاجتهاد وشاع وتكرر من غير نكير، فكان إجماعا.
فمن ذلك ما روي عن علي وزيد وغيرهما: أنهم خطئوا ابن عباس حيث لم يقل بالعول في الفرائض، وخطأهم هو أيضا، حتى قال: "من باهلني باهلته، إن الله لم يجعل في مال واحد نصفا ونصفا وثلثا"، وإلى غير ذلك.
واعترض: بأن التخطئة إنما كانت فيما خالفوا فيه نصا، أو فيما قصر فيه المجتهد، إذ لو كان كذلك لأثموا المخالف.
واستدل: بأن المجتهدين إذا اختلفا في حكم واقعة بالنفي والإثبات، وصار كل منهما إلى مناقضة الآخر، فإما أن يكون الحكمان بدليلين أو لا؟ .
الأول: إما أن يكون أحدهما أرجح أو لا، فإن كانا أو أحدهما لا بدليل فواضح أنه لا يكون صوابا، وإن كانا بدليلين وترجح أحدهما تعين للصحة وتعين الآخر للخطأ، إذ لا يجوز العمل بالمرجوح، وإن تساويا تساقطا وكان الحكم الوقف أو التخيير، فيكونان في التعيين مخطئين، فلا يكون كل مجتهد مصيبا.
стр. 1473
الجواب: أن تقول: ثم قسم آخر هو أن تترجح كل منهما بالنسبة إلى مجتهد –إذ ليست أدلة في أنفسها- فأمارة كل مجتهد راجحة عنده، وذلك هو رجحانها في نفس الأمر.
واستدل أيضا: بانعقاد الإجماع على شرع المناظرة، فلولا أن الغرض منها تبيين الصواب لم يكن لها فائدة، إذ تصويب الجميع ينفي ذلك.
الجواب: لا نسلم أنه لا فائدة لها إلا ذلك، ومن فوائده: ترجيح إحدى الأمارتين في نظرهما ليرجعا إليها.
ومنها: تساويها ليتساقطا ويرجعا إلى دليل آخر.
ومنها: التمرين وحصول ملكة الوقوف على المآخذ ورد الشبه، ليعين ذلك على الاجتهاد.
واستدل أيضا: بأن المجتهد طالب فله مطلوب، لاستحالة طالب لا مطلوب له، فمن وجد ذلك المطلوب فهو مصيب، ومن أخطأه فهو مخطئ.
الجواب: أن مطلوب كل واحد من المجتهدين ما يغلب على ظنه أنه حكم الله في حقه من الأمارات المختلفة؛ فيحصل مطلوبه وإن كان مختلفا –أي غير معين عند الله-.
لا يقال: متعلق ظنه حكم الله، فكيف يمكن ذلك مع الجزم بأنه لا حكم لله في الواقعة، وبالجملة فمطلب "أي" بعد مطلب "هل"، فما لم يعلم أن ثم حكما كيف يطلب تعيينه أهو الحرمة أو الإباحة؟ .
لأنا نقول: بل متعلق ظنه أن أليق بالأصول، وأنسب بما عهد من الشارع اعتباره.
стр. 1474
واستل أيضا: بأن تصويب الكل مستلزم للمحال، فكان محالا.
بيان اللزوم: لو كان الزوج مجتهدا أداه اجتهاده إلى مذهب الشافعي والزوجة مجتهدة أداها اجتهادها إلى مذهب أبي حنيفة، فقال لها: "أنت بائن"، ثم قال: "راجعتك" –وهو يعتقد الحل وهي تعتقد الحرمة- لزم من صحة المذهبين حلها وحرمتها، وكذا لو نكح مجتهد-/ يرى مثل رأي أبي حنيفة- امرأة بغير ولي، ثم تزوجها بعد ذلك مجتهد يرى رأي الشافعي، لزم من صحة المذهبين حلها لهما.
الجواب: أنه مشترك الإلزام، إذ لا خلاف أنه يلزمه ابتاع ظنه مخطئا كان أو مصيبا، فيلزم على المذهبين، وقد يقال: المورد أورده على ما في الواقع، إذ التقدير تبعية الحكم لظن المجتهد بخلاف ما ذكر، فإنه بالنسبة إلى مجتهدين، ولا يبعد كون الشيء حلالا وحراما في ظني مجتهدين، فلا تناقض لعدم اتحاد الموضوع، بخلاف الآخر.
والجواب الحق: أن يرفع إلى حاكم يحكم بينهما فيتبعان حكمه، لوجوب اتباع حكمه للموافق والمخالف.
قال: (المصوبة: لو كان المصيب واحدا، لوجب النقيضان إن كان المطلوب باقيا، أو وجب إن سقط الحكم المطلوب.
стр. 1475
وأجيب: بثبوت التالي، بدليل أنه لو كان فيها نص أو إجماع ولم يطلع عليه بعد الاجتهاد وجب مخالفته، وهو خطأ فهذا أجدر.
قالوا: قال: "بأيهم اقتديتم اهتديتم"، ولو كان أحدهما مخطئا لم يكن هدى. وأجيب: بأنه هدى لأنه فعل ما يجب عليه من مجتهد أو مقلد).
أقول: احتج القائلون بأن كل مجتهد مصيب بوجهين:
الأول: لو كان المصيب واحدا والمخطئ يجب عليه العمل بموجب ظنه، فإما أن نوجبه عليه مع بقاء الحكم الذي في نفس الأمر في حقه أو مع زواله، والأول يستلزم ثبوت الحكمين فيستلزم ثبوت النقيضين، والثاني يستلزم أن يكون العمل بالخطأ واجبا وبالصواب حراما.
الجواب: أن نختار الثاني وهو زوال الحكم الأول ولا استحالة، بل وقع فيما فيه نص أو إجماع ولم يطلع عليه بعد الاجتهاد، فإنه تجب عليه مخالفته واتباع ظنه مع الاتفاق على أنه خطأ، فهذا مع الاختلاف أجدر.
قالوا قال ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"، ولو كان بعضهم مخطئا في اجتهاده ما كان في متابعته هدى، فإن العمل بغير حكم الله ضلال.
الجواب: أن كونه ضلالا من وجه لا يمنع كونه هدى من وجه آخر، وهذا هدى لأنه فعل ما يجب عليه، سواء كان مجتهدا أو مقلدا، فإنه يجب العمل بالاجتهاد على المجتهد ومقلده.
следующие страницы →