← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32193

تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول

يحيى بن موسى الرهوني

Полный текст (1 541 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أو يخبر يجد في نفسه قبل التلفظ معناها, ثم يعبر عنه بلفظ أو إشارة أو كتابة, فذلك المعنى هو كلام النفس, وما عبر عنه به من لفظ هو الكلام الحسي ومغايرتهما بينة, إذا المعبر قد يختلف باختلاف الأشخاص والبلاد والأزمان دون المعنى, وغير العلم, إذ الكلام النفسي مع قصد الخطاب دون العلم, وأيضًا: ليس في العلم اقتضاء ولا إخبار ولا نداء ولا استخبار, وغير الإرادة لأن الأمر قد يوجد بدون الإرادة كما سيأتي, والكلام بالحقيقة هو النفسي الذي لا يتغير, وأما اللفظي فيتغير, وقد أخبر الله عن مقالات الأمم بغير لغاتها. احتج المصنف: بأنه لو لم يتعلق الأمر بالمعدوم بالمعنى المذكور, لم يكن الأمر أزليًا, أما الملازمة: فلأن التعلق بالغير جزء حقيقة الأمر أو لازمه؛ لأنه طلب وهو يستدعي مطلوبًا عقلًا, فلو انتفى التعلق بالمعدوم انتفى الأمر أزلا لانتفاء الكل, أو الملزوم بانتفاء الجزء اللازم, وأما بطلان اللازم: فلما تقرر في علم الكلام من أزلية كلامه تعالى. ثم أورد للمعتزلة نقضًا على الاستثنائية بأن قول: لا نسلم أنه أزلي لاستحالة وجود الأمر والنهي والخبر بدون متعلق موجود, ويصح أن يورد معارضة, أي لو كان كل من الأمر والنهي والخبر أزليًا, لكانا له متعلق موجود, لاستحالة كل منهما بدون متعلق موجود, واللازم باطل, إذ لا موجود في الأزل إلا الله تعالى. ثم أجاب: بأنّا لا نسلم أن وجود كل منها بدون متعلق موجود خارجي

стр. 457

محال؛ لأن هذا محل النزاع, غاية ما في الباب أن ذلك مستبعد, والاستبعاد لا يدل على الاستحالة, ولئن سلمنا أن هذه الأشياء تقتضي متعلقا موجودًا في الأعيان, لم لا يكون المتعلق ذاته تعالى, وحينئذ يزول الاستبعاد. قولهم: إخباره تعالى لنفسه أزلًا عبث, على [أن] الحكم مبني على التحسين العقلي وقد أبطلناه, ولو سلم فأمر الله تعالى أزلا ليس عبارة عن التكلم بصيغة افعل حتى يعد الأمر بدون المأمور سفهًا, بل عن الطلب القائم بذاته تعالى كما هو مذهب أهل السنة, أي يكون طالبًا من العباد إذا صاروا موجودين بالغين عاقلين الإتيان بالمأمور به, وإذا كان كذلك لا يلزم من الأمر / عند عدم المأمور سفه, كما لا يلزم من طلب التعلم في نفس الوالد من ابن سيولد سفه, وتحقيقه: أنه قد تقرر في علم الكلام أنه تعالى منزه عن الزمان, فلا يكون له ماض ولا مستقبل ولا حال, بل نسبه سائر الأزمنة إليه على السواء, [فجميع الأزمنة] من الأزل إلى الأبد بالقياس إليه كامتداد واحد, وكل قوم في زمانهم بالنسبة إليه كالحاضر في زمانهم, وإن كان بعضهم إلى بعض سابقًا, ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس﴾ الآية, فأخبر عما سيوجد في القيامة بأنه موجود لما كان لا مستقبل بالنسبة إليه. والكلام النفسي إنما يكون مع مخاطب نفسي, وإذا صار المخاطب حسيًا

стр. 458

نزل الكلام حسيا, ولما كان الكلام النفسي ليس إلا المعاني المعقولة, لم يقع الخطاب بها إلا مع مخاطب معقول ضرورة, فجاز أن يكون الخطاب به مع مخاطب معقول يوجد في زمان آخر قبل أو بعد, ويكون ذلك الخطاب بحسب وقته وحاله, وإنما يستقبح ذلك في الكلام الحسي, إذ يجب فيه المخاطب الحسي. ثم قال المصنف: ومن ثم قال ابن سعيد: إنما يتصف بذلك فيما لا يزال, يعني ولأجل أنه مستبعد, أو لأجل لزومها من غير متعلق. قال عبد الله بن سعيد الكلابي من أهل السنة: كلام الله تعالى لا يتصف بأنه أمر أو نهي أو خبر إلا فيما لا يزال, وهو نقيض الأزل عند وجود المخاطبين واستجماعهم شرائط التكليف, فهي عنده من صفات الأفعال بمثابة اتصافه فيما لا يزال بكونه خالقًا ورازقًا, فهو في نفسه كلام لنفسه أمر ونهي وخير وخطاب وتكليم لا لنفسه, بل بالنسبة إلى المخاطب وحال تعلقه به. أورد عليه: لا يعقل من الكلام إلا المذكور, وإذا كان حادثًا لزم حدوث الكلام. أجاب ابن سعيد: بأن القديم هو المشترك بين هذه الأقسام. وأورد عليه: أن الجنس لا وجود له إلا في نوع, وإذا لم تكن الأنواع

стр. 459

أزلًا لا يكون المشترك أزلًا. وكأن المصنف ما ارتضاه ولهذا قال: (وأورد). قيل في دفعه: لا نسلم حدوث المشترك؛ لجواز أن يوجد في ضمن فرد قديم لا يقتضي متعلقًا سوى ذاته. وفيه نظر؛ لأن الفرد القائم بذاته لا يخلو عن أحد المذكورات, إذ المطلق لا وجود له استقلالا, ثم هذا المعنى غير متصور؛ إذ لا يعقل معنى أزلي لا يكون من هذه الأقسام, وأيضًا: الكلام لا يمكن بدون الخطاب, ففيه خطاب المعدوم والشبهة باقية. قيل: يمنع ابن سعيد كونها أنواعه, بل عوارضه بحسب التعلق, ويجوز خلوه عن التعلق, ولا يحصل التعلق من حقيقته. وفيه نظر؛ لأنه لا يعقل إلا متعلقًا, فإن قال: من حقيقة الأمر التعلق, ولا يكون من حقيقة الكلام المشترك, حتى يكون موافقًا لما تقدم. قيل: المطلق لا وجود له استقلالًا. قال المعتزلة أيضًا: تعلق الأمر بالمعدوم فرع قدم الكلام بأقسامه وأنه محال, لاستلزامه تعدد القديم باعتبار أنواعه, وأنه باطل, إذ كلام الله تعالى واحد, كما أن علمه واحد. أجاب: بأن التعدد هنا بحسب المتعلقات, وهو تعدد اعتباري لا يوجب

стр. 460

تعددًا وجوديًا, كالإبصار وصف واحد لا يتعدد في الوجود بكثرة المبصرات, إنما يتعدد تعلقه والوصف واحد, فهو في نفسه خبر, إذ الأمر تعريف الغير أنه لو فعل استحق المدح ولو ترك استحق الذم, والنهي بالعكس, فالخبر إن تعلق بالشيء الذي وجب فعله سمي أمرا, وإن تعلق بما حرم فعله سمي نهيا, وإن تعلق بما لا طلب فيه سمي خبرا, فهي أسماء من جهة متعلقاته, كأسماء الرب من جهة أفعاله, فكما أنها لا توجب تعدد في ذاته, كذلك هذه لا توجب تعددا في كلامه. قلت: واعلم أن هذا الرأي وإن كان مختار الأشعري, حيث قال: الكلام صفة واحد, وكونه أمرًا أو نهيًا أو خبرًا خصائص لتلك الصفة, وأن حقيقة الكلام عنده أنه خبر عن المعلوم, فعندي فيه نظر؛ لأن اعتبار الكلام لغة وعرفا وعقلا بالنسبة إلى ما وضع له لا إلى ما يفضي [إليه] مدلوله باعتبار, ولو اعتبر مثل ذلك لجاز أن يقال: الخبر نهي عن الغفلة وأمر يفهم [معناه] , وحينئذ يرتفع الوقوف عن الوعد والوعيد, لاحتمال معنى آخر غير ما يفهم؛ ولأن الخبر يحتمل الصدق والكذب, ويقترن بأحد الأزمنة, وله متعلق في الخارج دون الأمر والنهي. وأيضًا: كون كلامه ليس واحدا منها, ثم يصير واحدًا منها أبعد؛ لأن الأمر مثلا الذي هو طلب الفعل, كيف يقال: إنه كان معنى آخر ثم انقلب

стр. 461

إلى الأمر, وكون المشترك هو ذلك الشيء الذي يصير تارة هذا وتارة هذا يمتنع أن يوجد بدون واحد من أقسامه, فالأولى التزام التعدد, وهو قول جماعة من الأشاعرة, قالوا: هي خمس صفات: الخبر, والأمر, والنهي والاستخبار, والنداء. قال: (مسألة: يصح التكليف بما علم الآمر انتفاء شرطه عند وقته, فلذلك يعلم قبل الوقت. وخالف الإمام والمعتزلة, ويصح مع جهل الآمر تفاقًا. لنا: لو لم يصح لم يعص أحد أبدًا؛ لأنه لم يحصل شرط وقوعه من إرادة قديمة, أو أحادثة. وأيضًا: لو لم يصح لم يعلم تكليف؛ لأنه معه وبعده ينقطع, وقبله لا يعلم, فإن فرضه موسعًا فرضناه زمنًا زمنًا, فلا يعلم أبدا وذلك باطل. وأيضًا: لو لم يصح لم يعلم إبراهيم وجوب الذبح, والمنكر معاند. قال القاضي: والإجماع على تحقق الوجوب والتحريم قبل التمكن. المعتزلة: لو صح لم يكن الإمكان شرطًا فيه. وأجيب: بأن الإمكان المشروط أن يكون مما يتأتى فعله عادة عند وقته واستجماع شرائطه, والإمكان الذي هو شرط الوقوع محل النزاع, وبأنه يلزم أن لا يصح معه جهل الآمر. قالوا: لو صح لصح مع علم المأمور.

стр. 462

وأجيب: بانتفاء فائدة التكليف, وهذا يطيع ويعصي بالعزم, والبشر, والكراهة). أقول: إذا كان الآمر عالما بفوات شرط وقوع الفعل عند دخول وقته, كأمر الله تعالى لزيد بالصوم غدًا مع علمه أنه يموت في الغد, فالجمهور على صحة التكليف به خلافا للمعتزلة, هكذا حكى سيف الدين ولم يذكر موافقة الإمام للمعتزلة. وقول المصنف قبل هذا: والإجماع على صحة التكليف بما علم الله أنه لا يقع, ينفي هذا الخلاف فانظره. ويحقق مذهب الجمهور: أن التكليف يعلم قبل دخول الوقت, وإن لم يعلم وجود شرطه وتمكنه من الفعل في الوقت, ولو كان تحقق انتفاء الشرط مناف للتكليف, لم يعلم التكليف قبل وقته؛ لجواز أن يكون مما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه عند وقته, فلولا أنه يصح التكليف على ذلك التقدير, لما علم المكلف قبل الوقت أنه مكلف مع تجويزه ذلك. قيل في تقريره: ضرورة توقف العلم قبل الوقت بكونه مكلفًا به على

стр. 463

العلم بتحقق شرط وقوع الفعل عند الوقت, وفيه نظر؛ إذ لا يتوقف التكليف عليه, لجوازه مع جهل الأمر عند الكل, ومدار هذا الخلاف على أن فائدة التكليف الامتثال فقط فلا يصح, أو هو مع الابتلاء فيصح التكليف وينبني عليه: لو أفسد الصوم عمدًا ثم مات في يومه أو جن فعليه الكفارة على مذهب الجمهور, إذ ليس الغرض الامتثال فقط, وعلى مذهب المعتزلة لم يكن مأمورًا فلا كفارة, أما إن جهل الآمر تحقق الشرط عند الوقت صح اتفاقًا, وإن تحقق المأمور انتفاء عند الوقت امتنع اتفاقًا. واعلم أن المخالف يمنع علم المكلف بالتكليف قبل الوقت, وقد صرحوا بذلك, والوجه الذي أورد المسألة عليه في المنتهى أحسن, حيث قال: «يعلم التكليف قبل وقت الامتثال وإن لم يعلم تمكنه منه عنده, وحاصله صحة التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقته عند وقته». احتج لمختاره بثلاث أوجه: الأول: لو لم يصح التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه عند وقته, لم يعص أحد من المكلفين بترك فعلٍ أبدًا, والتالي باطل إجماعًا, بيان اللزوم: أن وقوع كل فعل مشروط بإرادة قديمة, وهي الإرادة العامة بذاته تعالى عند أهل الحق, أو بإرادة حادثة, وهي إرادة العبد عند المعتزلة, فإذا ترك الفاعل

стр. 464

الفعل إما لعدم إرادة الله تعالى له, أو لعدم إرادة العبد, فقد علم الله تعالى عدم إرادة وقوع ذلك الفعل منه, فيكون عالما بانتفاء شرط وقوع ذلك الفعل, فلا يكون مكلفا به, فلا يعص بتركه, مع أن علم الله تعالى بوقوعه منه من الشرائط, فتارك الفعل يكون غير مكلف به لانتفاء شرط وقوعه منه وهو علمه تعالى بوقوع منه. الثاني: لو لم يصح التكليف به, لم يعلم تكليف به, واللازم باطل اتفاقا, بيان اللزوم: أن التكليف ينقطع مع الفعل عند الإمام والمعتزلة, وينقطع بعده اتفاقًا, سواء فعل أو عصى, فلا يعلم [التكليف]؛ لأن العلم بالشيء الموجود يتوقف على وجوده. وقيل: الفعل لا يعلم لجواز أن يكون مما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه, فلا يكون مكلفًا به. قيل: لا يلزم من انقطاع التكليف بعد حدوث الفعل ألا يعلم تكليف؛ لجواز أن يعلم بعد الإتيان بالفعل أنه / كان مكلفًا به قبل. قلت: [وأيضًا] وجوب الشروع في العبادة بنية الفرض إجماعًا, ينفي عدم علمه بالتكليف إلا بعد الفراغ. قوله: (فإن فرضه متسعًا) اعتراض على الملازمة؛ أي يعلمه قبل الفعل

стр. 465

إذا كان الوقت متسعًا, فإنه إذا انقضى من الوقت المقدر الذي يتمكن المكلف من الإتيان بالفعل الواجب ولم يأت به, فقد علم المكلف التكليف بالفعل؛ لأن ذلك كاف في تحقق التكليف. أجاب: بأنا نردد في كل جزء, فمع الفعل في ذلك الجزء أو بعد الفعل ينقطع التكليف قبل الفعل أيضًا؛ لجواز ألا يبقى بصفة التكليف في الجزء الآخر, فلا يأثم بالترك, فلا تكليف. وقرر أيضًا على وجه يكون إبطال الحجة مطلقًا, لا بالنسبة إلى الواجب الموسع بأن نقول: لا نسلم أنه إذا لم يعلم التكليف مع الفعل وقبله وبعده لا يعلم؛ لجواز أن يعلم في الجملة غير مقيد بالقبل والبعد والمع, وهو معنى قوله: (فإن فرضه متسعًا) يعني تكليفًا في الجملة. أجاب: بأنه محال؛ لامتناع التكليف في شيء من الأزمنة المعينة, ويستحيل وجود المطلق في الخارج بدون معين من المعينات, والأول أقرب إلى لفظه, وإن كان الثاني أولا؛ إذ لا يضر المستدل لبطلان مذهبهم في المضيق. الثالث: لو لم يصح التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه عند وقته, لم يعلم إبراهيم ﵇ وجوب الذبح, أما الملازمة: فلانتفاء شرط وقوعه, وهو علم الله تعالى بوقوعه وعدم النسخ, والله تعالى علم انتفاء شرط وقوع الذبح من إبراهيم لولده, فلو لم يكن مكلفًا بالذبح لم يكن عالمًا به؛ لأن العلم لا يكون على خلاف الواقع, وقد علم قطعا, وإلا لم يقدر على الذبح, ولم يحتج إلى فداء, ومن أنكر علم إبراهيم بوجوب ذبح ولده فهو معاند.

стр. 466

ويقرر بوجه آخر وهو: [أنه] لو لم يصح لم يقع, ولو لم يقع, لم يعلم إبراهيم وجوب الذبح. احتج القاضي على المختار: بأن الإجماع منعقد قبل ظهور المخالف على تحقق الوجوب والتحريم قبل التمكن من الفعل؛ لأنهم أجمعوا أن كل عاقل بالغ مأمور بالطاعة منهي عن المعصية, قبل التمكن بما أمر به ونهى عنه, وأنه متقرب بالعزم على فعل الطاعة, وأنه يجب عليه الشروع في العبادات الخمس بنية الفرض, وأن الصاد له عن ذلك [الفرض] عاص, وهذا كله مع عدم الأمر والنهي محال, فلو لم يصح التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه, لم يتحقق الوجوب والتحريم قبل التمكن من الفعل؛ لجواز ظهور انتفاء شرط الوقوع. وقولهم: لم لا يجوز أن يكون الإجماع إنما هو بتقدير بقاء المكلف إلى وقت الوقوع خلاف الظاهر, وكذا قول الإمام: يجوز أن يكون الإجماع على ظن الآمر, بناء على أن الغالب بقاء المكلف وتمكنه, لا على تيقن الأمر, بل هو أبعد. قلت: واعلم أن مذهب المعتزلة يستلزم تكليف ما لا يطاق؛ لأن التكليف عندهم قبل الفعل, وهم صرحوا أنه لا يعلم التكليف إلا بعد الفعل, فيكون تكليفًا للغافل وهم منعوه, ويلزمهم عدم الدخول في العبادة

стр. 467

بنية الفرض, إذ لا يعلم التكليف حينئذ / وهو خلاف الإجماع, على أن السهروردي حكى في وجوب نية الفرض في الصلاة خلافًا. احتج المعتزلة بوجهين: الأول: لو صح التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه, لم يكن إمكان المكلف شرطًا في التكليف, أما الملازمة: فلأن الفعل الذي علم الآمر انتفاء شرط وقوعه ليس بممكن؛ لأن العلم بعدم الشرط يستلزم العلم بعدم المشروط, فما علم عدم شرط وقوعه غير ممكن الوقوع, وشرط المطلوب إمكانه لما مرّ. ثم أجاب عنه بجواب تفصيلي بالنقض, تقرير الجواب: أن الإمكان الذي هو شرط في التكليف, أن يكون الفعل مما يتأتى عادة عند حضور وقته واستجماع شرائطه, وهو الإمكان الذاتي, وهو غير الإمكان الذي هو شرط الامتثال, وهو استجماع شرائط المكلف به بالفعل, فإن ذلك شرط في الامتثال لا في التكليف, وليس الغرض من هذا التكليف الامتثال بل الابتلاء, فأن عنيت بقولك: لم يكن الإمكان شرطًا فيه الإمكان الأول, منعنا الملازمة, وعدم الشرط لا ينافي الإمكان الذاتي, وإن أردت الإمكان الثاني سلمنا الملازمة, ونمنع بطلان التالي, فإنه غير محل النزاع, فإن الإمكان الذي هو شرط الوقوع أي الامتثال ليس شرطا في التكليف عندنا.

стр. 468

وأما النقض فتوجيهه: لو صح ما ذكرتم, يلزم ألا يصح التكليف مع جهل الآمر بانتفاء الشرط عند الوقت, والتالي باطل إجماعًا, أما الملازمة: فلأن الفعل إذا كان شرط وقوعه منتفيًا عند وقته يكون ممتنعًا, لوقوع علم الآمر انتفاء الشرط أو جهله, وإذا كان ممتنع الوقوع لا يكلف به. وفيه نظر؛ لأنه مع جهل الأمر قد يصد الآمر امتثال المكلف بالمكلف به, بخلاف ما إذا علم انتفاء شرط الوقوع, فإنه لا يقصد ذلك فافترقا. أو يقول الخصم: هذه خصت بالإجماع, فيبقى الدليل متناولًا سواها. احتجوا ثانيا: بأنه لو صح مع علم الآمر بعدم الشرط, لصح مع علم المأمور بذلك, واللازم باطل إجماعًا, أما الملازمة: فلأنه لا مانع إلا كونه غير متصور حصوله منه, ولا يصلح مانعًا كما في صورة النزاع. أجاب: بالفرق, وهو انتفاء فائدة التكليف في محل الوفاق, إذ فائدة التكليف إما الامتثال أو الابتلاء, وإذا علم المأمور انتفاء الشرط يمتنع الفعل ولا يصح منه العزم, فلا يطيع ولا يعصي, بخلاف ما إذا جهل صور علم الآمر فإنه يمكنه الفعل لو وجد الشرط, فيصير مطيعًا بالعزم على الفعل, وعاصيًا بالعزم على الترك, ومطيعًا بالبشر, وعاصيا بالكراهة. لا يقال: يجوز أن يشتغل العالم بالممتنع قصد امتثال الأمر فقط, لا إلى إيجاد المأمور به فلا فرق؛ لأنّا نقول: وإن جاز فهو من الممكن الأقلي, فلذلك هجر, [واتفق على عدم الصحة].

стр. 469

قال: (الأدلة الشرعية: الكتاب, والسنة, والإجماع, والقياس, والاستدلال, وهي راجعة إلى الكلام النفسي, وهو نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلم, والعلم بالنسبة ضروري. ولو لم يقم به, لكانت / النسبة الخارجية؛ إذ لا غيرهما. والخارجية لا يتوقف حصولها على تعقل المفردين, وهذه متوافقة). أقول: لأما فرغ من المبادئ, شرع في الأدلة الشرعية, وقدّمها على الاجتهاد والترجيح؛ لأنه ما لم تعرف الأدلة وأقسامها وأحكامها, لا يعرف كيفية استثمارها, ولا معرفة ترجيح بعضها على بعض, والمراد بالشرعية ما استفيد معرفة دلالتها من الشرع, وقَيّد الأدلة بالسمعية في صدر الكتاب وهنا بالشرعية, ولا تظهر فائدة لتغيير العبارة, على أنهما مترادفان عند الفقهاء والأصوليين, وإن كان السمعي أخص عند

стр. 470

المتكلمين, ووجه الحصر في الخمسة استقرائي. وقيل في بيان الحصر: إن الدليل الشرعي إما أن يكون واردًا من جهة الرسول أوْ لا. والأول: إما أن يكون متلوًا وهو القرآن, أو لا وهو السنة, فعلًا, أو قولًا, أو تقريرًا. والثاني: إما أن يشترط فيه عصمة من صدر عنه أو لا. والأول: الإجماع. والثاني: إما أن يكون مشاركة فرع لأصل في علة حكمه أو لا. والأول: القياس. والثاني: الاستدلال. وفيه نظر؛ إذا لم يقم برهان على انحصار الآخر في الاستدلال. ثم الخمسة راجعة إلى الكلام النفسي, إذ لولا دلالتها عليه ما كان فيها حجة, أما الكتاب فظاهر, وأما السنة؛ فلأنها مخبرة عن قوله تعالى, وعن حكمه بدليل: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ , وأما الإجماع؛ فلأن مستنده الكتاب أو السنة, وأما القياس؛ فلأنه راجع إلى معقول النص أو الإجماع, وأما الاستدلال فكذلك؛ لأنه أيضًا راجع إلى معقول النص أو الإجماع, ولا

стр. 471

يضر عدم تعيين العلة في النوع الأول منه, ويصعب رجوع أحد نوعي الاستصحاب إليه. ثم قال: (إن الكلام النفسي نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلم) وادعى في الأول الضرورة, واحتج على الثاني. واعلم أن جماعة من المتكلمين قالوا: كلام النفس هو الكلام الذي يدور في الخلد. وقال المنبجي: «متعلق العلم إما أن يكون قائمًا بذاته أوْ لا, والأول الجواهر, والثاني إما أن يكون مبدأ للتأثير في الغير أو لا, والأول الفعل - وفيه ما قدمناه أول الكتاب -. والثاني إما أن يكون مقتضيًا لنسبة مفيدة أوْ لا, والأول الحكم, والثاني الصفة الحقيقية, فخرج من هذا أن الحكم يقتضي نسبة, لا أنه نفس النسبة, على أن الحكم أخص من الكلام».

стр. 472

وفيه نظر؛ لأن متعلق العلم وإن اقتضى نسبة, [لا يلزم أن يكون حكما في أن] قيام زيد في الخارج يقتضي جزم الذهن به عند من علمه, لكن قيام زيد في الخارج ليس حكمًا بوجه, على أن المقتضي في الحقيقة لجزم النفس بالثبوت العلمُ بقيامه, لا نفس قيامه الذي هو المتعلق. وقد كنت بحثت مع بعض فضلاء المغرب في كلام المصنف, فقلت: لا يصح أن يكون نسبة بين مفردين؛ لأن النسبة متأخرة عن المنتسبين, وأحد المنتسبين الذي هو المحكوم عليه حادث, والمتأخر عن الحادث أولى بالحدوث, هذا إن كانت النسبة موجودة في الخارج, وإن قلنا بمذهب الأشاعرة إنها معدومة فكذلك؛ لأن الكلام النفسي موجود في الأعيان, وهو صفة من صفاته تعالى, ولا شيء من النسب بموجود في الأعيان, فلا شيء من الكلام النفسي نسبة. ثم أجيب عنه: بأن النسبة المتأخرة عن المنتسبين بالذات لا بالزمان, والصفة متأخرة بالذات, فهي متأخرة عن تعقل الحادث, وتعقله قديم تأخرا ذاتيًا لا زمانيًا, كتأخر العلم عن الحياة, وكون النسب لا وجود لها / في الخارج قد لا يسلمه المصنف, ويشعر بذلك قوله: (قائمة بالمتكلم). أو نقول: لم يرد المصنف بكونه نسبة أنه من الأعراض النسبية التي يقول الأشاعرة إنها عدمية, بل أطلق عليه نسبة, كما يقال: العلم نسبة بين العالم والمعلوم, لما كان لا وجود له قائما بنفسه, وإن كان له وجود في الخارج

стр. 473

قائما بالعالم, ثم كتب إليّ: السؤال حق [إذا كان] الكلام ليس نفس النسبة حسب ما ثبت في علمه, بل هو صفة تتبع العلم, ولذلك يقولون: كل من علم شيئًا فهو مخبر عنه في نفسه خبرًا صدقًا, فالعلم والكلام صفتان مختلفتان في الماهية متحدتان في المتعلق, ومتعلقهما هو النسبة, وهي موجودة في العلم, وإن كانت معروضة في الخارج, لكن قد يطلق الوجود على مطابقة ما في الذهن لما في الخارج, وقد يطلق لمطابقة ما في الذهن لما في نفس الأمر, وفيما قال نظر. أما أنه صفة تتبع العلم فحق, وأما أن كل من علم شيئا فهو مخبر عنه في نفسه خبرًا صدقًا فنمنعه؛ إذ فصل الخبر قصر الخطاب مع النفس أو الغير, ولا يلزم من حصول العلم حصول قصر الخطاب, مع أن العلم انفعال, والكلام فعل النفس, [فلا يلزم من حصول أحدهما حصول الآخر]. وقوله: «مختلفتان في الماهية» حق, وقوله «متحدتان في المتعلق» لا يصح؛ لأن متعلق علم الله تعالى عدم إيمان أبي لهب, ومتعلق طلبه إيمانه, وأحدهما غير الآخر ضرورة, وقوله: «متعلقهما هو [نفس] النسبة» حق في العلم, وأما الكلام فنسبة النسبة. واعلم أن قولهم: الحكم إيقاع النسبة أو انتزاعها, لا يقتضي أن الكلام ليس بنسبة؛ إذ الكلام نسبة بين المحكوم عليه بثبوت المحكوم به أو بسلبه,

стр. 474

فهما نسبتان بهذا الاعتبار, يقال: إنه نسبة, ويقال: إنه يقتضي نسبة. فقول المصنف: (والعلم بانه نسبة ضروري (حق, نعم قد يتوهم على قول من قال: التصديق مجموع تصورات, أن الكلام ليس نفس النسبة, بل يقتضي نسبة, بمعنى أنه يستلزم نسبة, ضرورة استلزام المجموع لجزئه. لا يقال: قوله: (بين مفردين) لا ينعكس للشرطية؛ لأنّا نقول: صيرتهما الأداة في حكم المفردين. واحتج المصنف على قيامها بالمتكلم: بأن النسبة بين المفردين لو لم تكن قائمة بالمتكلم, لكانت النسبة بينهما خارجة عن المتكلم, أما الملازمة: فلأنه لا ثالث لهما, فإن الثابت إما في النفس وإما في الخارج, فإذا انتفى أحدهما تعين الآخر, وأما بطلان التالي: فلأن الخارجية لا يتوقف حصولها على تعقل المفردين, فإن نسبة القيام إلى زيد إذا حصل في الخارج حصل, سواء غفل عن زيد والقيام أو لا, وهذا يتوقف حصولها على تعقلها. لا يقال: النسبة لا تقوم بغير المنتسبين, فكيف جعلها قائمة بالمتكلم؟ . لأنّا نقول: المنتسبان في النسبة العقلية هما الصورتان العقليتان, وهما قائمتان بالمتكلم, والنسبة قائمة بهما, والقائم بالقائم بالشيء قائم بذلك الشيء, وإن كان على توسع. قال: (الكتاب: القرآن, وهو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه. وقولهم: ما نقل بين دفتي المصحف تواترا, حدُّ للشيء بما يتوقف عليه؛ لأن وجود المصحف ونقله فرع تصور القرآن). أقول: الكتاب اسم للقرآن / غلب عليه من بين سائر الكتب في عرف

стр. 475

الشرع, ورسم القرآن: بأنه الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه. واعلم أن الكلام يطلق على الألفاظ الدالة على ما في النفس, ومنه ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ , ﴿يسمعون كلام الله ثم يحرفونه﴾ , ويطلق على مدلول الألفاظ, وهي المعاني التي في النفس, ومنه: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا فقيل: مشترك, وقيل: حقيقة في الأول دون الثاني, وقيل: بالعكس, وهو الحق.

стр. 476

والأصولي يبحث في الكلام بالمعنى الأول, والمتكلم يبحث فيه بالمعنى الثاني, ولذلك أعرض المصنف عن النفساني, فخرج الكلام الذي لم ينزل, والمنزل لا للإعجاز, كسائر الكتب السماوية والسنة. والمراد بالسورة: البعض المترجم أوله وآخره توقيفًا. فقوله: (بسورة منه) يخرج بعض القرآن, ويخرج الكتب المنزلة إن قلنا: إن فيها معجزًا, وإن قلنا: إن بعض القرآن قرآن حقيقة, حملنا بسورة منه على قدر مخصوص من جنسه في البلاغة والعلو, فتخرج بعض الآية, أما الآية فيطلق عليها اسم القرآن, ولهذا يمنع الجنب من قراءة آية, إلا أن يكون متعوذًا, ولا يمنع من بعض آية. والمصنف ما صرح بواحد منهما, حيث قال: وأنزلناه ضمير السورة ... إلى آخره, وحمل السورة على قطعة منه أولى؛ لأن معرفة السورة بالمعنى الأول يتوقف على معرفة القرآن, فيلزم الدور, على أن كونه للإعجاز ليس لازمًا بينًا, فلا يعرف به. وقال قوم منهم الغزالي: «ما نقل بين دفتي المصحف تواترًا». قال المصنف: وهو حدّ للشيء بما يتوقف معرفته على معرفته؛ لأن المصحف ليس إلا ما كتب فيه القرآن, ولا يتميز عن سائر الصحف إلا بما يكتب فيه, فالعلم بأن هذا مصحف, وبأن هذا نقل بين دفتيه تواترًا فرع

стр. 477

تصور القرآن, فتعريفه به دور, هذا إن حمل وجود المصحف على الوجود الذهني, والأقرب إلى لفظ المصنف أن نقول: النقل على الوجه المذكور لا يتصور إلا بعد وجود المصحف والنقل, ووجود المصحف ونقله فرع تصور القرآن؛ لأن وجود المصحف فرع إثبات السور والآيات بين الدفتين, وإثباتهما فرع تصورها, وكذا النقل المضاف إلى ما بين الدفتين, لا يتصور إلا بعد تصور القرآن, فتكون معرفة القرآن موقوفة على النقل المضاف, الموقوف على وجود المصحف ونقله, الموقوفين على تصور القرآن. قيل: النقل لا يتفرع على تصور القرآن من حيث هو قرآن, بل من حيث هو منقول, لتحقق النقل بين الدفتين بدون القرآن, والإثبات لا يستدعي تصور القرآن إلا بالنسبة إلى المثبت, وهو فاسد؛ لأن تفرع النقل على تصور القرآن بالنسبة إلى الناقل ظاهر؛ لأنه إنما نقله من حيث إنه قرآن لا من حيث إنه منقول, نعم بالنسبة إلى غيره هو غير متفرع عليه, لكن يلزم اختصاص صحة التعريف بالنسبة إلى غير الناقل والمثبت, وهو فاسد. قال بعض فضلاء الشارحين: «قد يقال في تصحيح الرسم: نحن بعدما علمنا أنها هنا ما نقل بين الدفتين, وما لم ينقل كالمنسوخ تلاوته, وما نقل ولم يتواتر نحو: ثلاثة أيام متتابعات, أردنا تخصيص الاسم بالقسم الأول دون الأخيرين, ليعلم أن ذلك هو الدليل, وعليه الأحكام من منع التلاوة

стр. 478

جنبًا والمس محدثًا, وإلا فهو اسم على شخصي, والتعريف لا يكون إلا للحقائق الكلية, بل قد نبهنا على أن ضابط معرفة التواتر في متون الصحف وصدور الحفاظ, دون التحديد والتعريف». قال: (مسألة: ما نقل آحادًا فليس بقرآن, للقطع بأن العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله, وقوة الشبهة في ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ منعت من التكفير من الجانبي, والقطع أنها لم تتواتر في أوائل السور قرآنًا, فليست قرآنًا فيها قطعا كغيرها, وتواترت بعض آية في النمل, فلا مخالف. قولهم: مكتوبة بخط المصحف, وقول ابن عباس ﵄: «سرق الشيطان من الناس آية» لا يفيد؛ لأن القاطع يقابله. قولهم: لا يشترط التواتر في المحل بعد ثبوت مثله, ضعيف يستلزم جواز سقوط كثير من القرآن المكرر, وجواز إثبات ما ليس منه, مثل: ﴿ويل﴾ , و ﴿فبأي﴾ , لا يقال: يجوز, ولكنه اتفق تواتر ذلك. لأنّا نقول: لو قطع النظر عن ذلك الأصل, لم يقطع بانتفاء ذلك السقوط, ونحن نقطع بأنه لا يجوز. والدليل ناهض؛ ولأنه يلزم جواز ذلك في المستقبل, وهو باطل). أقول: هذه المسألة الأولى مما يتعلق بالكتاب, وهي: أن ما نقل آحادًا فليس بقرآن؛ لأن القرآن مما تتوفر الدواعي على نقله, لما تضمنه من

стр. 479

التحدي والإعجاز؛ ولأنه أصل الأدلة التي هي أصول الأحكام, والعادة تقضي بالتواتر في تفاصيل ما هو كذلك أصلًا وترتيبًا, فما لم ينقل متواترًا علم أنه ليس قرآنًا قطعًا, وبهذا الطريق يعلم أن القرآن ما عورض. لا يقال: كانوا حين الجمع يأخذون بعض الآي من الآحاد. لأنّا نقول: إن سلم ذلك, فكان الآحاد يذكرونهم إياها, أو يكون المتلقى من الآحاد موضعها لا أصلها. وقوله: (وقوة الشبهة في ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾) , جواب عن سؤال مقدر, توجيهه: لو وجب تواتره والقطع بنفي ما لم يتواتر, لكفّر أحد الفريقين الآخر في ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. أما الملازمة: فلأنه إن تواترت فإنكارها نفي لما هو من القرآن ضرورة, وإلا فإثبات لما ليس من القرآن ضرورة, كمن زاد آية غيرها أو نقضها فإنه يكفر إجماعًا, وأما بطلان التالي: فللإجماع على عدم التكفير من الجانبين. ثم أجاب: بمنع اللزوم, وإنما يلزم التكفير لو كان كل من الطرفين لم تقم فيه شبهة قوية تخرجه من حد الوضوح إلى حيز الإشكال, وأحد الفريقين لم يخالف قطعيًا في زعمه, ودليل النفي وإن كان قطعيًا عند المصنف, لكنه غير قطعي عند الخصم, وبهذا الاعتبار صح إطلاق الشبهة عليه.

стр. 480

واحتج المصنف على أن التسمية في أوائل السور ليست قرآنًا قطعًا: أنَّا نقطع أنها لم تتواتر في أوائل السور قرآنًا, وكلما لم يتواتر في أوائل السور فليس بقرآن, ينتج: التسمية في أوائل [السور] ليست قرآنًا. أما الصغرى فإجماعية, وأما الكبرى؛ فلأن القرآن لما كان أساس الدين, وأصل الشريعة, ومرجع الأحكام, وأكبر معجزاته ﵇, وجب تبليغه إلى الكل تبليغًا يقطع العذر وينفي الشك, حتى لا تبقى ريبة فيما هو قرآن أنه قرآن, وفيما ليس بقرآن [أنه ليس بقرآن] وإذا ظهر وشاع لا يجوز أن يندرس بعد ذلك, بل يدوم نقله متواترًا, وقد أخبر تعالى عن ذلك بقوله: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾. والعادة تقضي بنقل ما شأنه ذلك أن يكون على سبيل التواتر, لتوفر الدواعي على نقله, أما المنكرون فللمعارضة, وأما المقرون فلقهر الخصم وإظهار الدين, فكل ما هو قرآن متواتر, وينعكس بعكس النقيض: كل ما ليس بمتواتر لا يكون قرآنًا, والمصنف حذف الكبرى وصرح بالنتيجة, وقوى الدليل بأنها لما تواترت في النّمل لم يخالف أحد في كونها من القرآن, فلو كانت في أوائل السور قرآنًا ما خالف أحدٌ فيها, وقد قال تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾.

стр. 481

قلت: ولقائل أن يقول على الصغرى: المشترط تواتره في المحل, دون تواتر كونه قرأنًا فيه. وقد وافق المصنف على تواتره في المحل, حيث قال: القراءات السبع متواترة, وقد أثبتها جماعة من القراء السبعة في أوائل السور. واعلم أن القاضي أبا بكر ذهب إلى أن المسالة قطعية, وأن المخطئ فيها وإن لم يكفر, فلا أقل من التفسيق. وذهب جماعة إلى أنها اجتهادية ظنية, يجوز التمسك فيها بالظواهر وأخبار الآحاد, ولا يفسق المخالف. احتج الخصوم على أنها آية من أول كل سورة: بأنهم كتبوه في المصحف في أوائل السور, ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك مع علمهم به, ومع مبالغتهم في صيانته وحفظه, وتميزه عن غيره, حتى منعوا إثبات أسامي السور وآمين والنقط. وأيضًا: روى البيهقي بإسناده, عن ابن عباس: «إن الشيطان استرق

стр. 482

من أهل القرآن أعظم آية في القرآن ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾» , فدل قوله مع عدم إنكارهم عليه على أنها آية. والجواب: أنه في مقابلة القاطع والظني يضمحل إذا قابله القاطع, وليس معكم إلا الإجماع السكوتي, ولا يفيد قطعًا. لا يقال: العادة تقضي في مثله بعدم الاتفاق, فكان لا يكتبها بعض, أو ينكر على كاتبها ولو نادرًا. لأنّا نقول: إنما لم ينكروا؛ لكونها آية من القرآن في غير أوائل السور, وفهم الساكتون أنهم إنما كتبوها في أوائل السور للاستفتاح والتبرك. فإن قيل: الظاهر خلافه. قلنا: لا ينهض لمقاومة القاطع, ولو سلّم فإنما ينهض لبعض الحنفية القائلين: إنها آية أنزلت, وأمر بالفصل بها بين السور, لا أنها آية من كل سورة, ولذلك قال: «سرق الشيطان [للناس] آية» , ولم يقل: مائة وأربعة عشر.

стр. 483

قالوا: قولكم: العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله نمنعه, وإنما يشترط تواتر مثله في محل ما, وقد اتفق ذلك في سورة النمل, أما تواتره بعينه في المحل المخصوص, فلا نسلم أن العادة تقضي بتواتره فيه. أجاب: بأنه ضعيف؛ لأنه لو لم يشترط التواتر في المحل؛ لجاز سقوط كثير من القرآن المكرر ما ثبت في المحل ولم يتواتر, اكتفاء / بتواتره في محل عن تواتره في المحل الآخر. وأيضًا: يستلزم جواز كون بعض القرآن المكرر قد أثبت مع أنه ليس بقرآن في المحل, مثل: ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ , ومثل ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾؛ لأنه تواتر في محل ولا يشترط في محل آخر, والآحاد يجوز عليهم الخطأ, فيزيدون في القرآن ما ليس قرآنًا, وعدم الجواز معلوم قطعًا, ثم أورد من جانبهم على جوابه. وتقريره: أن يقال: جواز العدم لا يمنع الوقوع, والوقوع لا يوجب الوجوب, فيقال: اتفق تواتر ذلك المكرر مع أنه لو لم يتواتر كان جائزا. وردّ: بأنا نقول: لو قطعنا النظر عن ذلك الأصل وهو وجوب التواتر في تفاصيله مثله, ما حصل الجزم بانتفاء السقوط, لكنّا نقطع بانتفاء السقوط بحيث لا نشك في ذلك. وأيضًا: الدليل ناهض على وجوب تواتر تفاصيل ما تتوفر الدواعي على

стр. 484

نقله وسيأتي, وأيضًا: لا يلزم من اتفاق تواتره أن يتواتر في المستقبل, فيلزم جواز إسقاط كثير من القرآن المكرر, وجواز إثبات ما ليس منه في المستقبل, وذلك باطل قطعًا, قال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ , وقرره أكثر الشارحين, فقالوا: لو قطع النظر عن ذلك الأصل وهو اتفاق تواتر المكرر, لم نقطع بانتفاء سقوط المكرر؛ لأن الموجب للقطع بانتفاء سقوط المكرر هو اتفاق تواتر المكرر المانع عن جواز السقوط وليس كذلك؛ لأنّا نقطع بانتفاء سقوط المكرر من القرآن, سواء قطعنا النظر عن اتفاق تواتر المكرر أو لم نقطع, والدليل على انتفاء جواز السقوط وهو ما سبق من وجوب اشتراط التواتر فيما هو من القرآن ناهض. والحق أنه لو اشترط تواتره في المحل دون تواتر كونه قرآنا فيه, لم يلزم ما ذكر, وأيضًا: هذا لا ينفي قول من قال: إنها آية أنزلت وأمر بالفصل بها بين السور فتأمله, قيل: هذا كلام على المستند, ثم القطع بعدم الجواز وقيام الدليل على عدمه ممنوعان, والدليل لم يقم على تواتر المكرر وغيره, بل على تواتر ما ليس بمكرر, وعلى تواتر واحد من المكرر, والسقوط في المستقبل مدفوع, وإنما يصح لو لم ينقل في المستقبل المكررات تواترًا, ولا يخفى عدم ورود ما عدا الكلام على المستند, لا سيما على التقرير الأول.

стр. 485

قال: (مسألة: القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء, كالمد, والإمالة, وتخفيف الهمزة. لنا: لو لم تكن لكان بعض القرآن غير متواتر, كـ ﴿مالك﴾ و ﴿ملك﴾ ونحوهما, وتخصيص أحدهما تحكم باطل لاستوائهما). أقول: القراءات السبع المنسوبة إلى: نافع, وابن كثير, وأبي عمرو, وابن عامر, وعاصم, وحمزة.

стр. 486

والكسائي, ما هو منها من قبيل الأداء, كالمد, واللين, والإمالة, وتخفيف الهمزة ونحوها لا يجب تواتره, وما هو من جوهر اللفظ كـ ﴿مالك﴾ و ﴿ملك﴾ يجب تواتره, وإلا لكان غير متواتر, وهو

стр. 487

من القرآن, فبعض القرآن غير متواتر, وقد مرّ بطلانه. لا يقال: أحدها لا بعينه هو المتواتر وهو القرآن, لأنّا نقول: هي مستوية في صحة إسنادها إليهم, واستقامة وجهها في العربية, وموافقة لفظها خط المصحف المنسوب إلى صاحبها, فتخصيص أحدها بعينه أنه قرآن تحكم باطل. وفيه نظر؛ لجواز الترجيح بغير ما ذكر من كون ﴿ملك﴾ مثلًا أولى, إذ ولأن الرب هو المالك فيكون تكرارًا, أو يرجح مالكًا لكونه أعم من حيث المعنى, ولذلك يصح إضافته إلى كل شيء, كقولهم: مالك الدنيا, ولأن الله تعالى وصف نفسه به, فقال: ﴿قل اللهم مالك الملك﴾.

стр. 488

واعلم أن ما ذكره يجري فيما هو من قبيل الأداء بعينه, وقول من قال: الذين تستند إليهم القراءات السبع لا يبلغ جميعهم عدد التواتر فضلا عن بعضهم؛ لأن عدد التواتر لا يختص بعدد, وضابطه ما حصل العلم, وقد حصل بقراءة كل واحد من المذكورين عند أهله, ولا يشترط في المتواتر أن يكون متواترًا عند سائر الناس. قال: (مسألة: العمل بالشاذ غير جائز, مثل: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ , واحتج به أبو حنيفة. لنا: ليس بقرآن, ولا خبر يعمل به. قالوا: يتعين أحدهما فيجب. قلنا: يجوز أن يكون مذهبًا, ولو سلم فالخبر المقطوع بخطئه لا يعمل به, ونقله قرآنًا خطأ). أقول: لا يجوز العمل بالشاذ عند مالك والشافعي, وقد نص مالك على أنه لا تجوز الصلاة بقراءة ابن مسعود. وقال أبو حنيفة: إنه جائز, وبنى عليه وجوب التتابع في كفارة اليمين لما روى في مصحف ابن مسعود من: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾.

стр. 489

لنا: أنه ليس بقرآن لعدم تواتره, ولا خبر يصح العمل به؛ لأن شرط صحة العمل بالخبر أن ينقل على أنه خبر صريحًا, ولا حجية في غيرها. قالوا: لا يخلوا عن أحدهما؛ لأنه إن كان في نفس الأمر قرآنًا فذلك, وإلا فلا أقل من كونه خبر آحاد, وأيّا ما كان يجب العمل به. أجاب: بأنّا لا نسلم أنه يتعين أحدهما؛ لأن الراوي لم يروه على أنه خبر, وليس بقرآن لعدم تواتره, فيجوز أن يكون مذهبًا, سلمنا الحصر, لكن متى يثبت العمل بالخبر مطلقًا, أو إذا كان لم يكن خطأ قطعا؟ . الأول ممنوع, والثاني لا يفيد؛ لأنه نقل قرآنًا وليس بقرآن قطعا, فارتفعت الثقة. قيل: المقطوع بخطئه كونه قرآنا, لا كونه خبرًا. ردّ: بأنه لم ينقله إلا على أنه قرآن, وقد ثبت على الوجه الذي نقل عليه, فلا يعمل به. قلت: وفيه نظر؛ إذ لا يكون مذهبًا لأنه ليس بقياس, ولو كان يصرح به ن فيا للتلبيس على من اعتقد كونه حجة, فالظاهر أنه خبر إلا أنه اعتقد كونه قرآنًا ونقله على ما اعتقد, وذلك لا ينفي كونه خبرًا يعمل به. قال: (المحكم: المتضح المعنى. والمتشابه: مقابله, إما لاشتراك, أو إجمال, أو ظهور تشبيه.

стр. 490

والظاهر الوقف على ﴿والراسخون في العلم﴾؛ لأن الخطاب بما لا يفهم بعيد). أقول: لما فرغ من المسائل, ختم بحث الكتاب بذكر المحكم والمتشابه؛ لأن القرآن يشملها. فالمحكم: هو المتضح المعنى, نصًا كان أو ظاهرًا, قال الله تعالى: ﴿منه آيات محكمات﴾. السهيلي: وهو عندي من أحكمت الفرس تحكمه, أي منعته من العدول عن طريقه, ومنه قول حسان: ونحكم بالقوافي من هجانا, أي نلجمه فنمنعه.

стр. 491

وكذلك الآية المحكمة لا تنصرف بقارئها التأويلات, ولا تتعارض عليه الاحتمالات, إذ ليس لها معنى واحدًا, وليس من / لفظ الحكمة لأن كله حكمة. والمتشابه: ما لم يتضح معناه؛ لأنه يميل بالناظر فيه إلى وجوه مختلفة وطرق متباينة, وقوله: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ هذا من الحكمة والإتقان, فالقرآن كله محكم على هذا, وهو كله متشابه باعتبار أن بعضه يشبه بعضًا في البراعة, والإعجاز, والجزالة, وبدائع الحكمة. وعلى المعنى الأول: بعضه محكم وبعضه متشابه, ثم المتشابه بالمعنى الأول إما أن يكون اشتباهه من ناحية الاشتراك اللفظي نحو: ﴿ثلاثة قروء﴾ , أو لإجمال, ونعني غير الإجمال الناشئ عن الاشتراك لقرينة سبق الاشتراك, وذلك في المجازات المتكافئة عند تعذر الحمل على الحقيقة, أو يكون لظهور تشبيه مثل ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ , فإن اليد ظاهر في العضو, والمراد تشبيه القدرة به, وسمي متشابهًا لاشتباهه على السامع, ولما كان ﴿وما

стр. 492

يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ يوهم اشتباها في أن الواو للعطف أو للاستئناف, قال: والظاهر الوقف على والراسخون في العلم؛ لأنه لو كان الوقف على ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ , لزم أن يخاطبنا الله بما لا نفهم, وهو وإن كان لا يمتنع على الله؛ لأنه يفعل ما يشاء, ولا مجال للعقل, لكن هو بعيد. قيل عليه: يلزم اختصاص المعطوف وهو والراسخون في العلم بالحال وهم يقولون آمنا به, لامتناع أن يقول الله: آمنا به, والأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات. أجيب: بأن ذلك جائز حيث لا لبس, ومنه: ﴿ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة﴾. وأيضًا: مخالفة الأصل أهون من الخطاب بما لا يفهم. قلت: والحق الوقف على ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ , وهو المروي عن ابن مسعود, وأبيّ بن كعب, وابن عباس, وعمر بن عبد العزيز,

стр. 493

ومالك بن أنس, ومحمد بن إسحاق, وفي مصحف أبيّ ﴿وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به﴾ , وفي مصحف ابن مسعود ﴿وإن تأويله عند الله والراسخون في العلم يقولون﴾ برفع الراسخون. قولهم: يلزم الخطاب بما لا يفهم نمنعه؛ لأن العلم اعتقاد وجزم ومطابقة, ونفي المجموع قد يكون بنفي جزء من أجزائه, فجاز انتفاؤه بانتفاء الجزم ويكون مطابقًا, ولا يلزم من نفي العلم نفي الاعتقاد أو الظن, فلا يلزم نفي الفهم.

стр. 494

وأيضًا: جاز أن يكون المراد لا يعلم ابتداء, بل بإلهام الرب كعلم الغيب, وقد ذكر ابن إسحاق في السيرة عن ابن عباس وعمر بن عبد العزيز كلامًا ينظر إلى هذا المعنى. قال: قالا: التفسير غير التأويل, فلا يعلم التأويل, يدل عليه قوله تعالى: ﴿يوم يأتي تأويله﴾. وقال ابن إسحاق: الكلام تم عند ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ , ﴿والراسخون﴾ مبتدأ, ولا نقول: إنهم لا يعلمون تأويله, ولكن نقول: يعملونه برد المتشابه إلى المحكم, وبالاستدلال على الخفي بالجلي, وعلى المختلف فيه بالمتفق عليه, فتنفد بذلك الحجة, ويزيغ الباطل, وتعظم درجة العالم عند الله؛ لأنه يقول: آمنت به كل من عند ربي, فكيف يختلف. ولما كان العلمان مختلفين, علم الله تعالى, وعلم الراسخين في العلم, لم يجز أن يعطف الراسخون عليه؛ لأن الله يعلم تأويله بالعلم القديم, لا بتذكر, ولا بنظر, ولا بتدقيق نظر, ولا تفحص عن الدليل, ولا يعلم تأويله هكذا إلا الله. قلت: ويدل أيضًا عليه الحديث: «لكل حرف ظهر وبطن, وحدّ ومطلع, إلى سبعة / أبطن, إلى ما لا يعلمه إلا الله».

стр. 495

قال: والراسخون يعملون تأويله بالفحص عن الدليل, وبتدقيق النظر, وتسديد الغير, فهم كما قال الله في آخر الآية: ﴿وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾. قيل: مراد المؤلف بالكلام على هذه الآية, جواز التمسك بجميع ما في القرآن, إذ لا يخاطبنا الله بما لا نفهم. وقيل: مراده أن المتشابه لما كان ما لم يتضح دلالته, وهو ثابت في القرآن, وما لم تتضح دلالته قد تصدق بانتفاء الدلالة على المعنى, فيتوهم أن ما هذا شأنه ثابت في القرآن, فلذلك قال: (والظاهر الوقف ... إلى آخره).
следующие страницы →