Полный текст (1 541 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وجعل بعض الشراح القدرة على التسليم شرط حكمة الحكم, فإن عدمه ينافي حكمة صحة البيع التي هي إباحة الانتفاع, وجعل شرط السبب الطهارة للصلاة, فإن عدمها ينافي تعظيم الباري وهو السبب لوجوب الصلاة, فأعطى الأول للأول, ويكون على هذا ضمير فيهما راجع إلى حكمة الحكم وحكمة السبب, والأول لولا ما فيه من جعل الثواب حكمًا أولى؛ لأن الصحة ليست حكمًا شرعيًا على ما سيذكر.
قال: [(وأما الصحة والبطلان , أو الحكم بهما بأمر عقلي؛ لأنهما إما كون الفعل مسقطًا للقضاء, أو موافقة أمر الشارع.
والبطلان والفساد نقيضها.
الحنفية: الفاسد المشروع بأصله, الممنوع بوصفه.
وأما الرخصة: فالمشروع لعذر مع قيام المحرم لولا العذر, كأكل الميتة للمضطر, والقصر والفطر في السفر, واجبًا, ومندوبًا, ومباحًا).
أقول: أما الصحة والبطلان, فقال صاحب الإحكام: (إنهما من أحكام الوضع والإخبار»؛ لأن الحكم بصحة العبادة وبطلانها لا يفهم منه اقتضاء ولا تخيير.
وقال قوم: الصحة معناها الإباحة, والبطلان معناه الحرمة.
стр. 422
وذهب المصنف إلى أن الصحة والبطلان, أو الحكم بالصحة والبطلان] أمر عقلي لا يحتاج إلى توقيف من الشرع؛ لأن الصحة في العبادات موافقة الأمر عند المتكلمين, وإن وجب القضاء كالصلاة بظن الطهارة, وعند الفقهاء كون الفعل مسقطًا للقضاء.
لا يقال: القضاء لم يجب, فكيف يسقط؟ .
لأنّا نقول: المعنى رفع وجوبه, وهو مناقشة لفظية.
وأما في المعاملات: فترتب الأثر المطلوب منها عليها شرعا.
ولو قيل: العبادة صحيحة بهذا التفسير, لكان حسنًا.
لا يقال: فإذن يلزم ترتب الثواب على الصلاة الصحيحة, وهو غير لازم؛ لجواز إحباط العمل.
لأنّا نقول: المراد جواز ترتب الثمرة لا وجوبه.
واستبعد المصنف كون الصحة أو الحكم بها أمر شرعي, صرح به في المنتهى؛ لأن العبادة إذا اشتملت على أركانها وشرائطها, حكم العقل بصحتها بكل واحد من التفسيرين, سواء حكم الشارع بالصحة أم لا.
قيل: إن أراد بكونه أمرًا عقليًا, أنه لا مدخل للشرع فيه فممنوع؛
стр. 423
لتوقف الحكم على الشيء بكونه موافقًا لأمر الشارع على تصور أمره, وإن لم يرد ذلك, بل أراد وهو الأقرب أن الفعل له مدخل في الحكم لا أنه يستقل بكونه صحيحا, فلا نسلم بعده, والحق ما ذهب إليه المصنف؛ لأنهما صفتان للفعل الحادث, وحدوث الصفة توجب حدوث الموصوف, فلا يكونان حكمين شرعيين وإن توقفا على الشرع.
وأما الصحة في المعاملات, فقيل: لم يتعرض لها المصنف, والأظهر أيضًا: أنها أمر عقلي؛ لأنه إذا كان الشيء مشتملا على الأسباب والشرائط وارتفاع الموانع, حكم العقل بترتب أثره عليه شرعًا, سواء حكم الشرع بالصحة أم لا.
قلت: صرح بأنها في المعاملات حكم شرعي, حيث قال في الإيماء: فإن ذكر الوصف صريحًا والحكم مستنبط, مثل: ﴿وأحل الله البيع﴾ , ثم قال: والحل يستلزم الصحة, والبطلان والفساد نقيضا الصحة بكل من الاعتبارين, فهما مترادفان.
وقال الحنفية: الباطل الذي لم يشرع بأصله, كبيع الملاقيح.
стр. 424
والفاسد: ما شرع بأصله دون وصفه, كبيع الدرهم بالدرهمين, فإنه مشروع من حيث إنه بيع, فإذا طرح الزيادة عندهم صح, ولم يحتج إلى تجديد عقد, فإن ثبت لهم ذلك فلا مشاحة في التسمية, وهو أيضًا أمر يدركه العقل؛ لأنه متى لم تكن موافقة لأمر الشارع, أو غير مسقطة للقضاء, أو لم يترتب الأمر عليها, حكم العقل بالبطلان والفساد.
وأما الرخصة: فالمشروع [لعذر] مع قيام المحرم لولا العذر.
وقال: (المشروع) ولم يقل: ما جاز فعله؛ ليتناول الفعل والترك؛ لأن الترك وإن كان فعلا لكن على قول؛ لأن الترخص قد يكون بالترك, كإسقاط لركعتين من الرباعية في السفر.
وقال: (لعذر) ليخرج ما شرع لا لعذر, كوجوب الصلاة.
وقوله: (مع قيام المحرم) احترازًا من المشروع لعذر لا مع قيام المحرم, كالإطعام في الظهار؛ لأن عند فقدان الرقية لا يكون الإعتاق واجبًا, وإلا لزم التكليف بالمحال.
وقال: (لولا العذر) لأنه عند وجوده لا يكون المحرم قائمًا, وإلا لزم اجتماع الجواز والتحريم.
وحاصله: أن دليل الحرمة إذا بقي معمولا به, وكان التخلف به لمانع
стр. 425
كان في حق المكلف لولاه ثبتت الحرمة في حقه, فهو الرخصة, وإلا فهو العزيمة , ويلزم عليه أن يكون الإطعام في الظهار رخصة, ثم الرخصة قد تكون واجبة كأكل الميتة للمضطر, وقد تكون مندوبًا كقصر المسافر الصلاة, وقد تكون مباحة كفطر المسافر في رمضان, واستعمل المصنف اللف والنشر.
والعزيمة: ما لزم العباد بإلزام الله تعالى, صرح به في المنتهى, فيختص حسب الاقتضاء بالواجب, ولا يتوهم من تركها هنا أنها تقابل الرخصة.
وعُلم مما ذكر أنهما من خطاب الاقتضاء والتخيير لا من خطاب الوضع.
قال: (المحكوم فيه: الأفعال .
مسألة: شرط المطلوب الإمكان, ونسب خلافه إلى الأشعري, والإجماع على صحة التكليف مما علم الله تعالى أنه لا يقع.
لنا: لو صح التكليف بالمستحيل, لكان مستدعى حصوله, ولا يصح أنه لا يتصور وقوعه, واستدعاء حصوله فرعه؛ لأنه لو تصور مثبتًا, لزم تصور الأمر على خلاف ماهيته, وهو محال.
فإن قيل: لو لم يتصور, لم تعلم إحالة الجمع بين الضدين؛ لأن العلم بصفة الشيء فرع تصوره.
стр. 426
قلنا: الجمع المتصور جمع المختلفات, وهو المحكوم بنفيه عن الضدين, ولا يلزم من تصوره منفيًا تصوره مثبتًا.
فإن قيل: يتصور ذهنًا للحكم عليه, ولا في الخارج.
قلنا: لإيكون الخارج مستحيلا, والذهني بخلافه, وأيضًا: يكون حكمًا بالاستحالة على ما ليس بمستحيل, وأيضًا: الحكم على الخارج يستدعي تصور الخارج).
أقول: لما فرغ من الحكم وأبحاثه, شرع في المحكوم فيه, وهي أفعال المكلفين.
واعلم أن الأفعال إن كانت ممتنعة لذاتها, فلا يجوز طلبها والتكليف بها عند المحققين, ونسب خلافه إلى الأشعري, ونقله صاحب الإحكام عنه قولًا, أما إن كانت الأفعال ممكنة لذاتها, سواء كانت ممتنعة للغير وهو الذي عَلِم الله أنه لا يقع أولا, فالإجماع على صحة التكليف بها.
واحتاج على مختاره: بأنه لو صح التكليف بالمستحيل لكان المستحيل مستدعى حصوله في الخارج, أما الملازمة: فلأن التكليف به هو طلبه, وهو استدعاء حصوله, وأما بطلان التالي: فلأن المحال لذاته غير متصور الوقوع
стр. 427
وكلما هو غير متصور الوقوع يمتنع طلبه.
أما الأولى: فلأنه لو تحقق تصور وقوعه خارجًا في نفس الطالب, لزم تصور الشيء على خلاف ماهيته؛ لأنها لما كانت مستلزمة للوقوع في الخارج يكون تصور وقوعها في الخارج مخالفها لها؛ لأن التصور حصول صورة الشيء في الذهن, فيكون تصور وقوعها في الخارج حصول صورتها في الخارج في الذهن, وإذا لم يكن لوقوعها في الخارج تحقق, لاستحالة تكون صورته الحاصلة في الذهن غير مطابقة له, ويستحيل على الله تصور الأمر على خلاف ماهيته؛ لأنه جهل متصور ذاته مع عدم ما يلزم فإنه يقتضي أن تكون ذاته غير ذاته, وإنا لو تصورنا أربعة ليست بزوج, وكلّ ما ليس بزوج ليس بأربعة, فقد تصورنا أربعة ليست بأربعة, وأما الكبرى؛ فلأن استدعاء الحصول [فرع تصوره, فإذا انتفى انتفى, وقرر أيضًا ببطلان اللازم بوجه آخر وهو: لو كان المستدعي الحصول] لكان متصور الوقوع لكنه محال؛ لأنه لو تصور صبوته فيه لزم تصور المحال على خلاف ماهيته؛ لأن ماهيته هي ما يمتنع في الخارج, فما أمكن فيه لا يكون مستحيلا, فلا يكون المستحيل مستحيلا, فيكون قوله: وهو محال لكونه خلاف المقدر, لا أنه محال لذاته. وما قيل من أنه منقوض بما علم الله أنه لا يقع فباطل؛ لأنه يتصور وقوعه نظرًا إلى ذاته؛ لأنها لا تنافي الوقوع.
قلت: وفي هذا الدليل نظر, أما أولًا: فإنا نمنع, إذ لا يلزم من
стр. 428
التكليف استدعاء الحصول؛ لجواز أن يكون للابتلاء, حتى يثاب بسبب البِشْر ويعذب بسبب الكراهة, كما صرح به المصنف في غير موضع.
سلمنا: ونمنع بطلان التالي, ولا يلزم من استدعاء الحصول تصور كونه ثابتا في الخارج الذي هو محال, واللازم من استدعاء الحصول تصور المحال فقط, ولا يلزم من تصوره تصور كونه ثابتًا في الخارج, حتى يلزم تصور الأمر على خلاف ماهيته, ويكفي في الحكم تصور المحكوم عليه بوجه.
ثم أورد المصنف معارضة في المقدمة الصغرى من بطلان اللازم, وتوجيهها: لو لم يتصور وقوع المحال, امتنع التصديق بإحالة وقوع الجمع بين الضدين؛ لأن التصديق بثبوت الشيء للشيء فرع تصور ثبوت ذلك الشيء, فالحكم بإحالة وقوع الجمع بين الضدين فرع تصور وقوع الجمع بين الضدين, والمراد بالعلم في الموضعين التصديق؛ لأن العلم قد يخص به.
أجاب: بأنّا لا ندعي انتفاء تصور المستحيل مطلقًا, بل انتفاء تصوره مثبتًا وهو أخص, ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم, وما ذكرتم يستدعي تصوره مطلقًا لا تصوره مثبتًا.
وبيانه: أن المتصور هو الجمع بين المختلفات كالسواد والحلاوة, وهو المحكوم بنفيه عن الضدين, فنحن لا نتصور الضدين أولًا ثم نحكم على اجتماعهما بالاستحالة, بل العقل يحكم سلب الاجتماع المتصور بين المختلفات, كالاجتماع المتصور بين السواد والحركة في الجسم المتحرك عن الضدين, وسلب الاجتماع عن الضدين لا يتوقف على تصورهما مجتمعين.
وقوله: (العلم بصفة الشيء فرع تصوره) ممنوع؛ لأن النسب
стр. 429
والإضافات لا تفعل في أنفسها ويصدق ثبوتها لغيرها.
سلمنا: ولا يلزم من سلب الشيء عن الغير ثبوت ذلك الغير؛ لأن السالبة لا تستدعي وجود موضوع.
سلمنا: والإحالة صفة للاجتماع المطلق المتصور بين المختلفات, والمراد أن مثل ذلك الاجتماع يستحيل في الضدين.
وقوله: (لا يلزم من تصوره منفيا تصوره مثبتا) لدفع قول من قال: تصور السلب يتوقف على تصور الإيجاب, كما في العدم والملكة, إذ سلب الشيء عن الشيء لا يتوقف على ثبوته له, بل يتوقف على تصور ثبوته فقط, وتصور العام لا يستلزم تصور الخاص, ويلزم من انتفاء الجمع بين المختلفات عن الضدين انتفاء الجمع المطلق عنهما؛ لأنه إذا لم يكن للمطلق وجود إلا في اجتماع الأمور المختلفة, لزم من انتفاء اجتماعهما انتفاء الجمع المطلق.
ثم قوله: (العلم بصفة [الشيء فرع تصوره) إنما يصح إذا اعتبر في الصفة إضافتها إلى الشيء, كإحالة الجمع بين الضدين في مثالنا, إذ العلم بصفة] الشيء مطلقًا, كالعلم بالزوجية مثلا التي هي صفة الأربعة لا تتوقف على تصور الأربعة, بخلاف الحكم بزوجية الأربعة فإنه يتوقف على تصورها.
لا يقال: فعلي هذا لا يناقض قولنا: الضدان لا يجتمعان, قولنا: الضدان يجتمعان, لعدم اتحاد الموضوع؛ لأن الحكم عليه نفيًا جمع المختلفات
стр. 430
الغير / متضادة, والمحكوم بثبوته جمع المتضادة, لأنّا نقول: أعم كما تقدم, ويلزم من نفي الأعم نفي الأخص.
واعلم أن بحث المصنف يستلزم عدم عموم تعلق علم الله تعالى, والحق العموم.
ثم أورد المصنف أيضًا معارضة أخرى في المقدمة, وتوجيهها أن يقول: اجتماع الضدين مقصود هـ نا, لأنا نحكم عليه بالحكم الثبوتي بأنه معدوم ومستحيل, وثبوت الشيء لغيره فرع ثبوته في نفسه فهو ثابت, وإذ ليس في الخارج فهو في الذهن, وذلك كاف في طلبه, ولا يلزم تصور الشيء على خلاف ماهيته.
ثم أجاب عنه من ثلاثة أوجه:
الأول: أن الذهني يكون ممكنًا إذ المقدر وقوع الجمع فيه, والخارج يكون مستحيلا, ولا نزاع في التكليف بالأول, إنما النزاع في التكليف بالممتنع لذاته في الخارج, فلا يكون المستحيل هو المتصور.
الثاني: أن الحكم بالاستحالة يكون على المتصور, وقد ذكرتم أن ذلك هو الذهني وهو غير مستحيل, ضرورة أن المحال ممكن الوقوع في الذهن وإن كان ممتنعًا في الخارج, فقد حكمتم بالاستحالة على ما ليس بمستحيل.
الثالث: أن تصوره ذهنًا لا يكفيكم ولا يضرنا؛ لأن حكم الذهن على الخارج بالامتناع يستدعي تصوره للخارج؛ لأنه لو لم يتصور وقوعه في الخارج استحال الحكم باستحالته فيه, وقد بينّا أنه لا يتصور؛ لأنه تصور
стр. 431
للأمر على خلاف ماهيته.
قيل: في الأجوبة نظر:
أما الأول: فلأن معنى قولنا: اجتماع الضدين محال في الخارج, ليس هو أن ما يصدق عليه اجتماع الضدين في الخارج فهو محال في الخارج, كما في قولنا: كل إنسان حيوان في الخارج, بل معناه: أن اتصاف الضدين بالاجتماع المطلق في الخارج م حال, وهذ لا يقتضي وجود الموضوع في الخارج, فإنه من القضايا الذهنية لا الخارجية.
وأما الثاني: فلأن الخصم لا يسلم أن المستحيل لذاته هو يمتنع تصوره.
وأما الثالث: فلأن الحكم على المستحيل الخارجي بما ذكرنا من التغير لا يستدعي تصوره في الخارج.
قال: والجواب الحق أن يقال: الجمع المتصور جمع المختلفات ... إلى آخره.
قلت: الأول والثاني غير موجهين؛ لأن ما ادعى وجود الموضوع في الخارج, ولا قال في الجواب: إن المستحيل لذاته هو ما يمتنع تصوره.
قال: (المخالف: لأولم يصح لم يقع؛ لأن المعاصي مأمور, وقد علم الله أنه لا يقع, وأخبر أنه لا يؤمن, وكذلك من علم بموته, ومن نسخ عنه قبل تمكنه؛ ولأن المكلف لا قدرة له إلا حال الفعل, فقد كلف غير مستطيع؛ ولأن الأفعال مخلوقة لله تعالى, ومن هذين نسب تكليف المحال للأشعري.
стр. 432
وأجيب: بأن ذلك لا يمنع تصور الوقوع؛ لجوازه منه, فهو غير محل النزاع, وبأن ذلك يستلزم أن التكاليف ك لها تكليف بالمستحيل.
قالوا: كلّف أبا جهل تصديق رسول الله ﷺ في جميع ما جاء به ومنه ألا يصدقه, فقد كلّفه بأن يصدقه في أن لا يصدقه, وهو مستلزم أن لا يصدقه.
والجواب: أنهم كلّفوا تصديقه, وإخبار رسوله ﷺ كإخبار نوح, ولا يخرج الممكن عن الإمكان بخبر أو علم.
نعم, كلّفوا بعد علمهم لانتفت فائدة التكليف ومثله غير واقع).
أقول: احتج المجوز بوجهين:
الأول: لو لم يصح لم يقع واللازم باطل, أما الملازمة: فلانعكاس كل ما وقع فهو ممكن بعكس النقيض إلى الملازمة, وأما بطلان التالي فمن وجوه: الأول: أن العاصي بترك الفعل مأمور علم أنه لا يقع, وخلاف معلوم الله تعالى محال, وإلا لزم جهله تعالى عن ذلك, فيكون الممتنع مأمورًا به.
وأيضًا: الكافر مكلف بالإيمان, وقد أخبر الله تعالى أنه لا يؤمن, لقوله تعالى: ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ , فوقوع الإيمان فيهم محال, وإلا لزم كذب خبره تعالى, فيكون التكليف بالممتنع واقعًا.
ومنها: أنه تعالى كلف من علم بموته قبل تمكنه من الفعل [المأمور به, وهو حينئذ يمتنع منه الفعل, وكذلك كلف من نسخ عنه قبل تمكنه من الفعل
стр. 433
مع أنه يمكنه] الإتيان بالفعل امتثالًا.
ومنها: أن المكلف لا قدرة له على الفعل إلا حال صدور الفعل, إذ لو وجدت القدرة قبل الفعل لكان لها متعلق موجود, لاستحالة كون المعدوم مقدورًا, فيكون الفعل قبل صدوره ممتنعًا, ضرورة عدم قدرته عليه وهو مكلف إذ ذاك؛ لأن استدعاء الفعل مقدم عليه, إذ لا يتصور إلا في المستقبل ضرورة امتناع إيجاد الموجود, فهو حال التكليف غير مستطيع.
ومنها: أن أفعال العبادة مخلوقة لله تعالى بدليل: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ , ولأنها لو كانت مخلوقة للعبد لكان خالقا لها بالطبع وهو باطل إجماعا, أو بالاختيار فيكون عالما بتفاصيل الحركات والسكنات الصادرة منه, لأنه لابد وأن يكون مريدًا لتفاصيل ما صدر عنه وإلا لم تكن بالاختيار ويلزم من كونه مريدًا لها أن يكون عالما بها وليس كذلك, فلا تكون مخلوقة [له] , فتكون مخلوقة لله تعالى, فيكون التكليف بها تكليف بما لا قدرة للعبد عليه؛ لامتناع وقوع ما وقع بقدرة الله بقدرة العبد.
ومن قول الأشعري: إن المكلف لا قدرة له إلا حال الفعل, وإن أفعال العبد مخلوقة لله تعالى, فنسب إليه القول بالتكليف بالمحال, وإلا فهو لم يصرح به.
стр. 434
والجواب: إن علم الله تعالى وإخباره بعدم وقوع الفعل, وكون الفعل مع القدرة, وكون الأفعال مخلوقة لله تعالى, لا يمتنع تصور وقوع الفعل من المكلف؛ لجواز تصور الوقوع منه فهو غير محل النزاع, إذ النزاع فيما يمنع تصور وقوعه لا فيما يمتنع وقوعه لخبر أو علم أو غيرهما, فهي تجوز صدورها بحسب الذات من المكلف وإن امتنعت لأمر خارجي, ولا نزاع فيه.
الثاني: أن ما ذكرتم يبطل المجمع عليه فيكون باطلا؛ لأنه يستلزم أن تكون التكاليف كلها تكليف بالمستحيل, أما كون القدرة مع الفعل وكون الأفعال مخلوقة لله تعالى تستلزم كل واحد منها ذلك فواضح, وأما استلزام العلم ذلك, فلوجوب وجود الفعل أو عدمه لوجوب تعلق العلم بأحدهما, وأيًّا ما كان يتعين ويمتنع الآخر, فالتكليف إما بالواجب أو بالممتنع, وكلاهما تكليف بالمحال, وأما الأخبار والموت والنسخ فلا يعم, وكون كل تكليف تكليف بالمستحيل باطل؛ لأن بعض من جوز التكليف بالمحال لم يقل بوقوعه, ومن قال بالوقوع لم يعمم, وغير المجوز أوضح.
قيل: لا يصح منع الإجماع [مسندًا] , إذ القائل بهذين - ويكون ما علم الله وقوعه أو أخبر عنه واجبًا, ويكون ما علم عدمه أو أخبر عنه ممتنعًا - يقول: إن التكاليف كلها تكليف بالمحال, [أما عندنا؛ فلأن شرط المطلوب الإمكان, وأما عندهم؛ فلأن إيمان من علم الله أنه لا يؤمن ممكن بحسب ذاته, ودعوى امتناعه لذاته عناد.
стр. 435
قلنا: وفيه نظر؛ لأن المستدر يهم أن المجيب ألزمه أن التكاليف كلها تكليف بالمحال لذاته يمنع الاستلزام, ولا يبقى غير الجواب الأول].
[سلمنا الإجماع؛ لكن ظني لا يعارض القواطع.
قلت: وفيه نظر؛ لأن الأشعري قائل بهذين, ومجوز للتكليف بالمحال, ومانع للتكليف به في مسألة ما لا يتم الواجب إلا به, وفي مسألة تكليف الغافل, وقوله: «الإجماع ظني» نمنعه].
فإن قيل: في الثالث والرابع نظر؛ لأن التكليف عند الأشاعرة إنما يتوجه حال المباشرة على ما حكى الإمام في المحصول, وقبل ذلك لا لأمر بل هو إعلام, فإنه في الزمان الثاني يصير مأمورا به بالمباشرة, فلم يكلف من علم بموته ومن نسخ عنه قبل تمكنه.
قلت: لو صح ذلك لم يعص أحد لعدم التكليف.
قيل على الخامس: لا نسلم أنها لو كانت قبله لوجد لها متعلق. سلمنا, لكن التكليف مع عدم الاستطاعة إنما يلزم لو كلف حال عدم القدرة بالإتيان بالمأمور به إذ ذاك, أما إذا كلف حال عدم القدرة بالإتيان به حال القدرة فلا؛ ولأنه يلزم كون قدرة الباري تعالى مع الفعل لا قبله فتكون حادثة.
стр. 436
وردَّ: بأن القدرة حاصلة قبل صدور الفعل, وشرط تأثيرها في الفعل الإرادة والداعية, وإذا انتفى الشرط المشروط, فلا تكون القدرة على وجه تؤثر حاصله, وهو المراد بنفي حصول القدرة, ولا يلزم حدوث قدرته تعالى؛ لأن القدرة الأزلية تحدث كل شيء أراده الله تعالى بالإرادة الأزلية في زمان اقتضت الحكمة البالغة حصوله فيه.
وقوله: «إنما كلف بالمحال بالإيقاع في ثاني حال» [باطل]؛ لأن الإيقاع المكلف به في ثاني حال, إن كان نفس الفعل, فالتكليف به محال كالتكليف بالفعل, وإن كان غيره عاد الكلام إليه, بأن نقول: التكليف به إنما يتوجه عند الشروع فيه, على أن المسألة مشكلة؛ لأن الفعل قبل القدرة المستجمعة لشرائط التأثير يمتنع صدوره, وعندها يجب صدوره, فيلزم على مذهب المعتزلة كون الممتنع مكلفًا به, وعلى مذهب الأشاعرة كون الواجب مكلفًا به, وأنه لا يعصي أحد.
احتجوا ثانيا: بأنه لو لم يخير لم يقع, بيان بطلان التالي: أن الله تعالى كلف أبا جهل بالإيمان, وهو تصديق الرسول في جميع ما جاء به, ومما جاء به أنّ أبا جهل لا يصدقه, فقد كلفه بأن يصدقه في أن لا يصدقه, وتكليفه أن يصدقه في هذا الخبر المستلزم ألا يصدقه وإلا لزم كذب خبر الله تعالى, فيكون تكليفًا بالتصديق حالة امتناع التصديق, وهو تكليف [بالجمع بين الضدين] , لكونه مكلفًا بتصديق هذا الخبر لأنه مما جاء به, وهذا الخبر
стр. 437
يستلزم ألا يؤمن لاستحالة خلف خير الله تعالى.
والجواب: أنهم لم يكلفوا إلا تصديقه وهو ممكن في نفسه متصور وقوعه, لكنه مما علم الله أنه لا يقع, وإخبار الله لرسوله كإخباره لنوح في قوله: ﴿أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾ , لا أنه ﵇ أخبر أبا جهل بذلك, ولا يخرج الممكن عن الإمكان الذاتي إلى الامتناع الذاتي بخبر أو علم, فهو غير محل النزاع, ويصح أن يضاف إلى الفاعل, أي إخبار الرسول الأمة كإخبار الله نوحًا, مع أنهم كانوا مكلفين بالإيمان, ووجه التشبيه أنه إذا كان إخبار نوح المؤكد بأن لم يخرج الممكن عن إمكانه بعدم إخراج خبر الرسول مع عدم تأكيده أولا, ولو تركه لكان أحسن؛ لأن قضية إخبار نوح كقضية أبي جهل, والخصم استدل بكل منهما, فله أن يمنع في كل منهما.
ومما أجيب به عن هذا السؤال: أنّا لا نسلم أن من الإيمان تصديقه في كل ما أخبر عنه, بل في كل ما علم أنه خبر عنه, فلا يلزم بالتكليف بصدق هذا الخبر إلا إذا علم أنه خبر الله تعالى, ولو علم ذلك لعلم صدق الرسول, ولو علم صدقه لم يوجد هذا الخبر منه تعالى لاستلازمه الكذب, وإذا لم يوجد لم يكلف بتصديقه, فالتكليف بهذا الخبر يستلزم عدم التكليف به, فلا يكون مكلفا به, وأيضًا: من الإيمان تصديقه في كل ما أخبر به تصديقا إجماليًا, أي يعتقد على سبيل الإجمال أن كل خبر من أخباره تعالى صدق, ويلزم منه التكليف بصدق هذا الخبر تصديقًا إجماليًا, وهو لا يستلزم
стр. 438
مشروط بوجود العلم بهذا الخبر وهو غير مكلف [به] لما تقدم, وأيضًا: لا نسلم أن أبا جهل مأمور بالإفيمان بعد نزول أنه لا يؤمن؛ لجواز أن يكون الإخبار بأنه لا يؤمن لتضمنه التكليف ناسخًا في حقه التكليف الأول.
ثم قال المصنف: «نعم لو كلفوا بعد علمهم» , وهو جواب عن سؤال مقدر تقريره: لو صح التكليف بما علم وقوعه, لصح التكليف بما علم المكلف انتفاء وقوعه, وأنت لا تقول به.
وأجاب: بالفرق, وهو أن الذي لا أقول به في التكليف بالممتنع للغير, هو ما لو كلفوا بعد علمهم بامتناع الوقوع منهم, لكن لا استحالة التكليف به لينهض نقضًا, بل لانتفاء فائدة التكليف التي هي الامتثال والابتلاء, ومثل هذا التكليف الذي لا يشتمل على فائدة غير واقع, بل غير جائز شرعًا, وقد منع المصنف جوازه في قوله: (وأجيب بانتفاء فائدة التكليف).
قال: (مسألة: حصول الشرط الشرعي ليس شرطًا في التكليف قطعا, خلافا لأصحاب الرأي.
وهي مفروضة في تكليف الكفار بالفرع.
والظاهر الوقوع.
لنا: لو كان شرطًا لم تجب صلاة على محدث وجنب, ولا قبل النية, ولا الله أكبر قبل النية, ولا اللام قبل الهمزة, وذلك باطل قطعًا).
أقول: لا يشترط في التكليف بالفعل أن يكون شرطه حاصلا حالة
стр. 439
التكليف, بل يجوز التكليف بالفعل وإن لم يحصل شرطه شرعًا, خلافا للحنفية, وأبي حامد الإسفرائيني من الشافعية, ولأحد قولي المالكية.
والمسألة [مفروضة في بعض جزئيات محل النزاع, وهو تكليف الكفار بالفروع, مع انتفاء شرطها وهو الإيمان, حتى يعذب بالفروع كما يعذب بالإيمان].
وهذه مسألة مترجمة في أكثر الكتب بالكفار مخاطبون بفروع الإسلام, وهو أحسن, وإن كان ابن برهان قد خطأهم أيضًا محتجًا بأن الكافر
стр. 440
منهي عن الصلاة, فلا يكون مخاطبًا بها.
قال: وإنما كلف بالتوصل إلى فروع الإيمان, وهذا مقتضب من البرهان.
وإنما قلنا: إنه أحسن؛ إذ لا خلاف أن المسلم لو بقي محدثًا إلى آخر عمره, عُوقب على ترك الصلاة إجماعًا.
وقيل: إن الكفار مخاطبون بالنواهي دون الأوامر؛ إذ الانتهاء ممكن الشيء شرعًا لا وجوده, فخرج عنه الممكن من الأداء الزائل بالنوم, فإنه شرط في التكليف بأدائه وليس شرطا في التكليف بوجوبه, فإنه يجب عليه الصلاة بدخول الوقت, ولذلك وجب القضاء ولا يجب الأداء, وخرج التمكن من الفهم الذي ليس حاصلا للصبي والمجنون, ولهذا لم يكلفا بأداء الصلاة بعد دخول الوقت, فهما وإن كانا شرطين شرعيين لكن مما يتوقف / وجود الشيء عليهما, ويمكن أن يقال: لا حاجة إلى التفصيل؛ لأن المذكور شرطان عقليان لا شرعيان.
واعلم أن ما ذكر يشكل بالنقاء من الحيض والنفاس, فإنه شرط شرعي
стр. 441
وحصوله شرط في التكليف بالصلاة, وهذا إنما جاء من تعميمه, والكلام معمم في الجواز والوقوع, أما الجواز فقطعي, وأما الوقوع فالظاهر الوقوع. احتج المصنف: بأنه لو كان حصول الشرط الشرعي شرطًا في التكليف بالمشروط لم تجب صلاة على محدث وجنب؛ لانتفاء شرطها وهو الطهارة, ولم تجب الصلاة قبل النية لأنها شرطها وقد انتفت, ولا الله أكبر قبل النية, ولا اللام من الله أكبر قبل الهمزة؛ لأنها شرط في وجوب اللام؛ لأن الشرع راعى الترتيب في الحروف كما روعي في اللغة, واللازم باطل.
لا يقال: نمنع بطلان التالي, وسنده أنّ أبا هاشم يقول: لو بقي المسلم محدثًا إلى آخر عمره, لقي الله تعالى وهو غير مخاطب بالصلاة؛ لأّنا نقول: معناه أنه غير مخاطب بالأداء لا أنها غير واجبة, بحيث لا يعاقب بتركها؛ لأن ذلك خرق للإجماع, فهو مخاطب في الزمان الأول بفعل فيه الإيمان, والعبادات في الثاني.
واعلم أن هذا لا يعيد إلا إذا ادعى الخصم العموم, أما في المسألة المفروضة فلا, إلا أن يكون بالقياس عليه.
قال: (قالوا: لو كلّف بها لصحت منه.
قلنا: غير محل النزاع.
قالوا: لو صح لأمكن الامتثال, وفي الكفر لا يمكن, وبعده يسقط.
стр. 442
قلنا: يسلم, ويفعل كالمحدث).
أقول: احتج الخصوم بوجهين:
الأول: لو كلف الكافر بالفروع لصحت منه, واللازم باطل, أما الملازمة: فلأن الصحة موافقة الأمر, وأما بطلان اللازم: فبالاتفاق.
أجاب: بمنع اللزوم, وما ذكرتم ليس محل النزاع, إذ لا نقول: إنه مأمور به حالة كفره, نعم يصح منه أن يؤمن ويفعل كالمحدث, فهو مكلف بها حالة الكفر, وبأدائها بعد شرطها, أو نقول: معنى صحة تكليفهم أنهم يعاقبون بترك الفروع كما يعاقبون بترك الإيمان, وإنما يلزم ما ذكرتم لو كلف بأدائها حالة الكفر, وهذا أولى من الأول؛ لأن المصنف ذكر الأول جوابًا عن شبهتهم الثانية, وفي بعض النسخ (غير محل النزاع) , أي نمنع الملازمة فإنه يجوز التكليف عقلا مع عدم الصحة شرعًا, وبه صرح في المنتهى.
الثاني: لو كلف بها لأمكن الامتثال, أما الملازمة: فلأن الإمكان شرط التكليف, وأما بطلان التالي؛ فلأن الامتثال حالة الكفر مستحيل لعدم شرطه, وأما بعده فلا يمكن لسقوط الأمر عنه, والامتثال فرعه.
والجواب: أنه في الكفر ممكن لذاته, بأن يسلم ويفعل كالمحدث, غايته أنه مع الكفر لا يمكن وذلك ضرورة بشرط المحمول, ولأننا في الإمكان الذاتي كقيام زيد وقت عدم قيامه فإنه ممكن, وإن امتنع بشرط عدم قيامه, ثم
стр. 443
الامتثال بعد الكفر لا يمتنع لذاته, وإنما [امتنع] بسبب إخبار الشرع بسقوطها عنهم ترغيبًا لهم في الإسلام بخلاف المرتد, ثم شرع يحتج للوقوع.
قال: (الوقوع: ﴿ومن يفعل ذلك﴾ , ﴿ولم نك من المصلين﴾.
قالوا: لو وقع لوجب القضاء.
قلنا: القضاء بأمر جديد, فليس بينه وبين وقوع التكليف ولا صحته ربط عقلي).
أقول: مما يدل على وقوع تكليف الكفار بالفروع قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ إلى قوله: ﴿يضاعف له العذاب يوم القيامة﴾ , ووجه التمسك بها, أن الله تعالى حكم بتضعيف العذاب بفعل ذلك أي بجميع ما تقدم, ومنه الزنا, وقتل النفس, ولولا أنه محرّم عليه ومنهي عنه لما أثم بفعله, وهذا لا ينهض على جواز التكليف بالنواهي دون الأوامر, لا يقال: استحقاق العذاب بالترك وحده وتحقيقه ذلك, وهي إشارة إلى البعيد.
سلمنا: ويكون العذاب بفعل الكل, ولا يلزم من حرمة الكل حرمة كل واحد.
سلمنا: لكن المراد المؤمنون؛ لأنَّا نقول: لو لم يكن للباقي مدخل في العذاب, لكان ذكره معه قبيحًا, ولو لم يكن كل واحد حرامًا, لكان غير الحرام منضما إلى الحرام في الوعيد, وهو باطل.
стр. 444
فإن قيل: تضاعف العذاب بسبب الترك, والمباح شرط لاستحقاق العقاب.
قلنا: بعيد, وأيضًا: إذا كان له مدخل في استحقاق العقاب لا يكون مباحا, ولفظ ﴿من﴾ ظاهر في عموم الآية الثانية, قوله تعالى: ﴿ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين﴾ , صرح بتعذيبهم بترك الصلاة ولم يكذبهم, وحمل المصلين على المعتقدين خلاف الظاهر, وحمل المصلين على المسلمين بدليل «نهيت عن قتل المصلين» , يردّه ﴿ولم نك نطعم المسكين﴾ , ويرده ﴿وكنا نكذب بيوم الدين﴾.
احتجوا على عدم الوقوع: بأنه لو وقع التكليف بها لوجب قضاؤها؛ لأن ما يقتضي وجوب الشيء يقتضي وجوبه قضائه.
والجواب: منع الملازمة؛ لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد, فليس بين
стр. 445
القضاء وبين وقوع التكليف بالشيء ولا صحة التكليف به ربط عقلي حتى يلزم من التكليف وجوب القضاء, ولهذا قد يجب الأداء دون القضاء كالجمعة, وبالعكس كصوم الحائض.
قال: (مسألة: لا تكليف إلا بفعل , فالمكلف به في النهي كف النفس, وعن أبي هاشم وكثير نفي الفعل.
لنا: لو كان لكان مستدعى حصوله ولا يصح؛ لأنه غير مقدور له.
وأجيب: بمنع أنه غير مقدور له, كأحد قولي القاضي.
وردّ: بأنه كان معدومًا واستمر, والقدرة تقتضي أثرا عقلًا, وفيه نظر).
أقول: ذهب أبو هاشم وأتباعه إلى أن متعلق النهي نفي الفعل, أي ألا يفعل, وذهب أكثر المتكلمين إلى أن كل مكلف به فعل, فالمكلف به في النهي فعل أيضًا, وهو كف النفس عن الفعل, وهو مختار المصنف.
واحتج عليه: بأن نفي الفعل لو كان مكلفًا به, لكان مستدعى حصوله من المكلف, واستدعاء حصوله منه فرع تصور وقوعه منه لما مرّ, ولا يتصور وقوع نفي الفعل منه لأنه غير مقدور له؛ لأنه نفي محض, والنفي
стр. 446
المحض لا يكون مقدورًا, فإذن لا يتصور وقوعه منه, فلا يكلف به؛ لأن شرط المطلوب إمكانه.
واعترض: بأنّا لا نسلم أنه غير مقدور؛ لأن القدرة نسبتها إلى الطرفين على السواء, فلو لم يكن نفي الفعل مقدورا لم يكن الفعل مقدورا, وإنما يلزم ما ذكرتم لو كان عدما محضا وليس كذلك؛ لأنه عدم مضاف, ولهذا يمدح العقلاء من ترك الزنا وإن لم يخطر ببالهم كف النفس, وهذا أحد قولي القاضي.
وردّ بوجهين:
الأول: أنه كان معدومًا قبل واستمر, وما ثبت قبل القدرة لا يكون أثرًا للقدرة المتأخرة عنه.
الثاني: أن القدرة لابد لها من أثر عقلا, والعدم لا يصلح أثرًا؛ لأنه نفي محض وعدم صرف, وإنما مدح من ترك الزنا لكف النفس وهو وجودي, ونمنع المدح مع عدم الخطران.
ثم قال: وفيه نظر؛ وهو أنّا لا نسلم أن استمراره لا يصلح أثرًا للقدرة إذ يمكنه أن لا يفعل فيستمر, وإن فعل فلا يستمر, وأيضًا: يكفي في / طرف النفي أثرًا أنه لم يشأه فلم يفعل؛ لأن البقاء على العدم من قدرة المكلف, والعدم الأول غير العدم المقارن للقدرة, فيكون المقارن لها أثرًا لها.
قيل على الملازمة: إن أردت بكونه مستدعى حصوله, مطلوب إيجاده من المكلف فلا ملازمة ممنوعة, وإن أردت مطلوب إبقاءه, فنفي التالي
стр. 447
ممنوع, والمصنف استعمل هنا وأجيب مكان واعترض.
قال: (مسألة: قال الأشعري: لا ينقطع التكليف بفعل حال حدوثه, ومنع الإمام والمعتزلة له.
فإن أراد الشيخ: أن تعلقه لنفسه فلا ينقطع بعده أيضًا, وإن أراد أن تنجيز التكليف باق فتكليف بإيجاد الموجود وهو محال, ولعدم صحة الابتلاء, فتنتفي فائدة التكليف.
قالوا: مقدور حينئذ باتفاق, فيصح التكليف.
قلنا: بل يمتنع بما ذكرناه).
أقول: اختلفوا في تعلق التكليف بالفعل هل حال وجوده أو قبله؟ .
فقال الأشعري بالأول, وقال إمام الحرمين والمعتزلة بالثاني.
وكلام المصنف يشعر بأن الشيخ يقول بالتكليف قبل الشروع في الفعل؛ لأن عدم الانقطاع يستلزمه وهو لا يقول به على ما ذكر الإمام عنه, من أن التكليف لا يتوجه عنده إلا عند المباشرة, والثابت قبلها الإعلام بأنه سيصير مكلفا, على أن قول المصنف قبل هذا: ولأن المكلف لا قدرة له إلا حال الفعل, وهو حينئذ غير مكلف, فقد كلف غير مستطيع, يقتضي أنه يقول بالتكليف قبل الفعل, وبانقطاعه حال حدوث الفعل, فليتأمل.
ثم قال المصنف مستفسرًا: إن أراد الشيخ بعدم انقطاع التكليف أنّ
стр. 448
الخطاب متعلق بالفعل لنفس الخطاب, لزم ألا ينقطع التكليف بالفعل بعد الفراغ وهو خلاف الإجماع؛ لأن المتعلق بالشيء لنفسه لا ينقطع لبقاء المقتضي للتعلق وهو الخطاب القديم الممتنع العدم, وإن أراد الشيخ أن تنجيز التكليف بالفعل باق حال حدوث الفعل, لزم أن يكون المكلف مطلوبًا بإيجاد الموجود وهو محال.
وأيضًا: يلزم أن تنتفي فائدة التكليف وهو اختبار العبد بالبشر والكراهة, إذ لا اختبار حال الشروع, وإنما يتصور حالة التردد في الفعل والترك, أما عند تحقق الفعل فلا, ولا فائدة للتكليف إلا الامتثال أو الابتلاء, وقد انتفيا.
ولقائل أن يقول: مراد الشيخ أن المكلف حال حدوث الفعل مكلف بالإتيان بالكل المجموعي, لا بإيجاد كل واحد من أجزاء الفعل, فلا يكون التكليف حال حدوث الفعل تكليفًا بإيجاد الموجود؛ لأن كل المجموعي لم يوجد حال حدوث الفعل, والابتلاء صحيح؛ لأن المكلف لم يأت بتمام الفعل بعد؛ لجواز أن يبدو له, وأيضًا: نمنع انحصار فائدة التكليف في الأمرين.
لا يقال: ما وجد من الفعل قد انقطع التكليف به, فيكون تعلق التكليف بالباقي لا بالمجموع, لأنّا نقول: التكليف بالذات تعلق بالمجموع من حيث هو, وبأجزائه بالعرض, فما لم يوجد المجموع لا ينقطع التكليف؛ لأن المأتي به من الأجزاء مشروطا في الامتثال به الإتيان بالباقي.
سلمنا أنه تكليف بإيجاد الموجود, ولا نسلم استحالته؛ لأن وجوبه
стр. 449
بالغير لا يخرجه عن التكليف به.
احتج الأشعري: بأن الفعل حال حدوثه مقدور بالاتفاق, سواء قلنا: متقدم القدرة على الفعل كما هو مذهب المعتزلة, أو وجودها مع وجوده كما هو مذهب الشيخ, وكل ما هو مقدور يصح / التكليف به.
أو نقول: الفعل أثر القدرة فيوجد معها, وإذا كان مقدورًا يصح التكليف به, إذ لا مانع إلا عدم القدرة, وقد انتفى.
أجاب: بأنّا لا نسلم أن المقدور يصح التكليف به, وأنه لا مانع إلا عدم القدرة, بل ما ذكرنا من لزوم التكليف بإيجاد الموجود وانتفاء الابتلاء مانع.
قال بعض فضلاء الشارحين: وهذه المسألة موضع نظر وبحث, فعليك بالتأمل.
قلت: وهو حق, والنظر أولا في موضوعها, وفي معارضتها لما تقدم, وفي اضطراب النقل عن الشيخ, واستلزام ما نقل الإمام عنه ألا يعصى أحد أبدا, وفي أدلتها.
قال: (المحكوم عليه: المكلف.
مسألة: الفهم شرط التكليف.
وقال به بعض من جوز المستحيل لعدم الابتلاء.
стр. 450
لنا: لو صح لكان مستدعًا حصوله منه طاعة كما تقدم, ولصح تكليف البهيمة, لأنهما في عدم الفهم سواء.
قالوا: لو لم يصح لم يقع, وقد اعتبر طلاق السكران, وقتله, وإتلافه.
وأجيب: بأن ذلك ليس بتكليف, بل من قبيل الأسباب, كقتل الطفل, وإتلافه.
قالوا: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾.
قلنا: يجب تأويلها, إما بمثل: «لا تمت وأنت ظالم» , وإما على أن المراد الثمل؛ لمنعه التثبت كالغضب).
أقول: لما فرغ من المحكوم فيه, شرع في الأصل الرابع وهو المحكوم عليه, وذكر أحكامه في ثلاث مسائل:
الأولى: فهم المكلف للتكليف شرط في صحة تكليفه عند المحققين, وكل من منع تكليف المحال اشترطه؛ لأن الامتثال بدون الفهم محال, واشترطه أيضًا بعض من جوز التكليف بالمحال؛ لأن التكليف بالمحال قد يكون للابتلاء وهو معدوم عند عدم الفهم, وبعض من جوز التكليف بالمحال جوز تكليف الصبي والمجنون.
стр. 451
احتج المصنف لمختاره بوجهين:
الأول: لو صح تكليف من لا فهم له, لكان مستدعى حصول الفعل منه على سبيل الطاعة والامتثال كما تقدم, ومجرد الحصول بدون الامتثال لا يكفي؛ لأنه يكون اتفاقيًا؛ ولأن كل مكلف مأمور بالطاعة وهي موافقة الأمر, وذلك يتوقف على الفهم, ولقوله ﵇: «الأعمال بالنيات» , ولا يتصور ممن لا شعور له بالأمر قصد الفعل امتثالا للأمر.
فقوله: (طاعة) تنبيه على أن الفعل يجوز أن يصدر عن الصبي والمجنون, لكن ذلك غير كاف في سقوط التكليف, بل لابد من قصد الامتثال؛ لئلا يتوهم أن ذلك إذا جاز فربما علم الله تعالى وقوعه منه فكلف به, ولا يكون تكليف المحال, فلابد من قصد إيقاعه طاعة إلا في الواجب الأول, وهو النظر المعرف لوجوب معرفة الله, فإنه لا يمكن قصد إيقاعه طاعة, مع أن فاعله لا يعرف وجوبه عليه إلا بعد إتيانه به, ولا إرادة الطاعة لأنها لو افتقرت إلى إرادة أخرى لزم التسلسل.
لا يقال: الدليل العقلي إن لم يصح لا اعتداد به, وإن صح لم يصح استثناء بعض الصور.
стр. 452
لأنا نقول: ما كلف به إن كان مما يجوز أن يعلم قبل الإتيان به, كان العلم به شرطا في الامتثال وإلا فلا, والحاصل أن العلم بالمكلف به شرط في التكليف به, إذا لم يكن العلم به منافيًا للتكليف به كما في المعرفة.
واعلم أن هذا الدليل لا ينهض إلا على منع التكليف بالمحال, ولهذا قيل: هذه المسألأة من تفاريع التكليف بالمحال.
الثاني: لو صح تكليف من لا فهم له, لصح تكليف البهيمة, أما الملازمة: فلأنه لا مانع في البهيمة إلا عدم الفهم, وليس بمانع لتحققه في صورة النزاع, وفيه نظر؛ لجواز أن تكون الإنسانية التي بها يتهيأ الصبي والمجنون لفهم الخطاب إذا بلغ الصبي وأفاق المجنون شرط في التكليف.
احتج الآخرون بوجهين:
الأول: لو لم يصح لم يقع, أما الملازمة: فواضحة, وأما بطلان التالي: فلأن السكران لا فهم له, وقد اعتبر طلاقه, وقتله, وإتلافه.
أجاب: بأن ذلك ليس من باب التكليف, بل من قبيل ربط الأحكام بالأسباب وهو من خطاب الوضع والإخبار, يجعل تلفظه بالطلاق علامة على نفوذه عند من يراه, كما جعل زوال الشمس علامة على دخول وقت الصلاة, كقتل الطفل وإتلافه, فإن وجوب الضمان ليس مما يتعلق بفعل الصبي بل بماله وذمته, فإنها أهل لذلك, والإنسانية المتهيأ بها لقبول فهم الخطاب عند البلوغ بخلاف البهيمة, كما أن وجوب الدية على العاقلة ليس من باب التكليف, إذ ليسوا مكلفين بفعل الغير لاستحالته, بل فعل الغير
стр. 453
سبب لثبوت الفهم عليهم, فكذا فعل الصبي سبب لثبوت هذه الحقوق في ذمته, بمعنى أنه سبب لخطاب الولي بالأداء في الحال, أو لخطابه بعد البلوغ ولا استحالة فيه, وإنما المستحيل أن يقال لمن لا فهم له: افهم.
فإن قيل: قتله قصاصًا إذا قتل لا يكون من خطاب الوضع, بل من خطاب التكليف.
قلت: إذا صدر منه الفعل المقتضي عليه عرفًا بالعمد, علم أنه عاقل, إذ لا يتصور القصد إلا من عاقل, فلهذا قتل, وإلا فنمنع قتله.
وقول من قال من العلماء: إذا كان السكران لا يفرق بين الأرض والسماء, لم يلزمه من الأحكام إلا القتل قصاصًا, محمول على ما ذكرنا [لقول غيره: إذا كان لا يميز بين الأرض والسماء, لا يكلف إلا بقضاء الصلاة].
الثاني: لو لم يصح لم يقع, أما الوقوع فلقوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ , فقد نهى من لا عقل له وهو السكران عن الصلاة حالة السكر.
أجاب: بان الآية يجب تأويلها لأجل القاطع المتقدم, ولها تأويلان:
أحدهما: أن المراد النهي عن السكر عند إرادة الصلاة؛ لأن ذلك كان قبل نزول تحريم الخمر, مثل أن يقال: لا تمت وأنت ظالم, فإن المنهي عنه
стр. 454
الظلم عند الموت, لا الموت حالة الظلم, أو يحمل السكران على الذي أخذ في مباديء النشاط وزال عنه غلبة الخمر, وسمي سكرانًا تسمية للشيء باسم ما كان عليه, يدل عليه ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ أي حتى يتكامل العقل فيكم, وإنما نهى عن الصلاة في تلك الحالة وإن فهم الخطاب لعدم تثبته في تلك الحالة, وعدم محافظته على أركان الصلاة والخشوع فيها, كالغضبان يقال له: اسكت حتى تعلم ما تقول, أي حتى يتكامل علمك, وليس الغرض نفي العلم عنه بالكلية.
قلت: وقول المصنف: (المراد الثمل) فيه نظر؛ لأن الثمل عند أهل اللغة هو الذي بلغ نهاية السكر, ولا يصح حمله على المنشي أيضًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ يرده, إذ المنتشي آيل إلى إتلاف العقل لا إلى تكامله.
قال: (قولهم: الأمر يتعلق بالمعدوم, لم يرد تنجيز المكلف, وإنما أريد التعلق العقلي.
لنا: لو لم يتعلق به لم يكن أزليا؛ لأن من حقيقه التعلق وهو أزلي.
قالوا: أمر ونهي وخبر من غير محل موجود محال.
قلنا: محل النزاع, وهو استبعاد, ومن ثم قال ابن سعيد: إنما يتصف
стр. 455
بذلك فيما لا يزال.
وقال: القديم الأمر المشترك.
وأورد: أنها أنواعه, فيستحيل وجوده.
قالوا: يلزم التعدد.
قلنا: التعدد باعتبار المتعلقات لا يوجب تعددًا وجوديًا).
أقول: اختص أصحابنا بأن الأمر يتعلق بالمعدوم, وأنكر عليهم ذلك سائر الفرق.
وقالوا: إذا امتنع في النائم والغافل فالمعدوم أجدر, وإنما يلزم ذلك لو أراد أصحابنا تنجيز التكليف حال العدم, ولا يريدونه, لتوقفه على الفهم المتوقف على وجود المكلف, بل أرادوا التعلق العقلي, وهو أن المعدوم الذي علم الله أنه سيوجد بشرائط التكليف, توجه عليه حكم في الأزل بما يفهمه ويعقله فيما لا يزال, من غير تجدد طلب ولا استحالة فيه بعد تحقق كلام النفس, كما يكون الولد بعد وجوده وبلوغه مكلفًا بتوصيه أبيه التي كان أوصى إليه بها قبل ولادته, ويحقق كلام النفس أن من يريد أن يأمر أو ينهى
стр. 456
أو يخبر يجد في نفسه قبل التلفظ معناها, ثم يعبر عنه بلفظ أو إشارة أو كتابة, فذلك المعنى هو كلام النفس, وما عبر عنه به من لفظ هو الكلام الحسي ومغايرتهما بينة, إذا المعبر قد يختلف باختلاف الأشخاص والبلاد والأزمان دون المعنى, وغير العلم, إذ الكلام النفسي مع قصد الخطاب دون العلم, وأيضًا: ليس في العلم اقتضاء ولا إخبار ولا نداء ولا استخبار, وغير الإرادة لأن الأمر قد يوجد بدون الإرادة كما سيأتي, والكلام بالحقيقة هو النفسي الذي لا يتغير, وأما اللفظي فيتغير, وقد أخبر الله عن مقالات الأمم بغير لغاتها.
احتج المصنف: بأنه لو لم يتعلق الأمر بالمعدوم بالمعنى المذكور, لم يكن الأمر أزليًا, أما الملازمة: فلأن التعلق بالغير جزء حقيقة الأمر أو لازمه؛ لأنه طلب وهو يستدعي مطلوبًا عقلًا, فلو انتفى التعلق بالمعدوم انتفى الأمر أزلا لانتفاء الكل, أو الملزوم بانتفاء الجزء اللازم, وأما بطلان اللازم: فلما تقرر في علم الكلام من أزلية كلامه تعالى.
ثم أورد للمعتزلة نقضًا على الاستثنائية بأن قول: لا نسلم أنه أزلي لاستحالة وجود الأمر والنهي والخبر بدون متعلق موجود, ويصح أن يورد معارضة, أي لو كان كل من الأمر والنهي والخبر أزليًا, لكانا له متعلق موجود, لاستحالة كل منهما بدون متعلق موجود, واللازم باطل, إذ لا موجود في الأزل إلا الله تعالى.
ثم أجاب: بأنّا لا نسلم أن وجود كل منها بدون متعلق موجود خارجي
стр. 457
محال؛ لأن هذا محل النزاع, غاية ما في الباب أن ذلك مستبعد, والاستبعاد لا يدل على الاستحالة, ولئن سلمنا أن هذه الأشياء تقتضي متعلقا موجودًا في الأعيان, لم لا يكون المتعلق ذاته تعالى, وحينئذ يزول الاستبعاد.
قولهم: إخباره تعالى لنفسه أزلًا عبث, على [أن] الحكم مبني على التحسين العقلي وقد أبطلناه, ولو سلم فأمر الله تعالى أزلا ليس عبارة عن التكلم بصيغة افعل حتى يعد الأمر بدون المأمور سفهًا, بل عن الطلب القائم بذاته تعالى كما هو مذهب أهل السنة, أي يكون طالبًا من العباد إذا صاروا موجودين بالغين عاقلين الإتيان بالمأمور به, وإذا كان كذلك لا يلزم من الأمر / عند عدم المأمور سفه, كما لا يلزم من طلب التعلم في نفس الوالد من ابن سيولد سفه, وتحقيقه: أنه قد تقرر في علم الكلام أنه تعالى منزه عن الزمان, فلا يكون له ماض ولا مستقبل ولا حال, بل نسبه سائر الأزمنة إليه على السواء, [فجميع الأزمنة] من الأزل إلى الأبد بالقياس إليه كامتداد واحد, وكل قوم في زمانهم بالنسبة إليه كالحاضر في زمانهم, وإن كان بعضهم إلى بعض سابقًا, ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس﴾ الآية, فأخبر عما سيوجد في القيامة بأنه موجود لما كان لا مستقبل بالنسبة إليه.
والكلام النفسي إنما يكون مع مخاطب نفسي, وإذا صار المخاطب حسيًا
стр. 458
نزل الكلام حسيا, ولما كان الكلام النفسي ليس إلا المعاني المعقولة, لم يقع الخطاب بها إلا مع مخاطب معقول ضرورة, فجاز أن يكون الخطاب به مع مخاطب معقول يوجد في زمان آخر قبل أو بعد, ويكون ذلك الخطاب بحسب وقته وحاله, وإنما يستقبح ذلك في الكلام الحسي, إذ يجب فيه المخاطب الحسي.
ثم قال المصنف: ومن ثم قال ابن سعيد: إنما يتصف بذلك فيما لا يزال, يعني ولأجل أنه مستبعد, أو لأجل لزومها من غير متعلق.
قال عبد الله بن سعيد الكلابي من أهل السنة: كلام الله تعالى لا يتصف بأنه أمر أو نهي أو خبر إلا فيما لا يزال, وهو نقيض الأزل عند وجود المخاطبين واستجماعهم شرائط التكليف, فهي عنده من صفات الأفعال بمثابة اتصافه فيما لا يزال بكونه خالقًا ورازقًا, فهو في نفسه كلام لنفسه أمر ونهي وخير وخطاب وتكليم لا لنفسه, بل بالنسبة إلى المخاطب وحال تعلقه به.
أورد عليه: لا يعقل من الكلام إلا المذكور, وإذا كان حادثًا لزم حدوث الكلام.
أجاب ابن سعيد: بأن القديم هو المشترك بين هذه الأقسام.
وأورد عليه: أن الجنس لا وجود له إلا في نوع, وإذا لم تكن الأنواع
стр. 459
أزلًا لا يكون المشترك أزلًا.
وكأن المصنف ما ارتضاه ولهذا قال: (وأورد).
قيل في دفعه: لا نسلم حدوث المشترك؛ لجواز أن يوجد في ضمن فرد قديم لا يقتضي متعلقًا سوى ذاته.
وفيه نظر؛ لأن الفرد القائم بذاته لا يخلو عن أحد المذكورات, إذ المطلق لا وجود له استقلالا, ثم هذا المعنى غير متصور؛ إذ لا يعقل معنى أزلي لا يكون من هذه الأقسام, وأيضًا: الكلام لا يمكن بدون الخطاب, ففيه خطاب المعدوم والشبهة باقية.
قيل: يمنع ابن سعيد كونها أنواعه, بل عوارضه بحسب التعلق, ويجوز خلوه عن التعلق, ولا يحصل التعلق من حقيقته.
وفيه نظر؛ لأنه لا يعقل إلا متعلقًا, فإن قال: من حقيقة الأمر التعلق, ولا يكون من حقيقة الكلام المشترك, حتى يكون موافقًا لما تقدم.
قيل: المطلق لا وجود له استقلالًا.
قال المعتزلة أيضًا: تعلق الأمر بالمعدوم فرع قدم الكلام بأقسامه وأنه محال, لاستلزامه تعدد القديم باعتبار أنواعه, وأنه باطل, إذ كلام الله تعالى واحد, كما أن علمه واحد.
أجاب: بأن التعدد هنا بحسب المتعلقات, وهو تعدد اعتباري لا يوجب
стр. 460
تعددًا وجوديًا, كالإبصار وصف واحد لا يتعدد في الوجود بكثرة المبصرات, إنما يتعدد تعلقه والوصف واحد, فهو في نفسه خبر, إذ الأمر تعريف الغير أنه لو فعل استحق المدح ولو ترك استحق الذم, والنهي بالعكس, فالخبر إن تعلق بالشيء الذي وجب فعله سمي أمرا, وإن تعلق بما حرم فعله سمي نهيا, وإن تعلق بما لا طلب فيه سمي خبرا, فهي أسماء من جهة متعلقاته, كأسماء الرب من جهة أفعاله, فكما أنها لا توجب تعدد في ذاته, كذلك هذه لا توجب تعددا في كلامه.
قلت: واعلم أن هذا الرأي وإن كان مختار الأشعري, حيث قال: الكلام صفة واحد, وكونه أمرًا أو نهيًا أو خبرًا خصائص لتلك الصفة, وأن حقيقة الكلام عنده أنه خبر عن المعلوم, فعندي فيه نظر؛ لأن اعتبار الكلام لغة وعرفا وعقلا بالنسبة إلى ما وضع له لا إلى ما يفضي [إليه] مدلوله باعتبار, ولو اعتبر مثل ذلك لجاز أن يقال: الخبر نهي عن الغفلة وأمر يفهم [معناه] , وحينئذ يرتفع الوقوف عن الوعد والوعيد, لاحتمال معنى آخر غير ما يفهم؛ ولأن الخبر يحتمل الصدق والكذب, ويقترن بأحد الأزمنة, وله متعلق في الخارج دون الأمر والنهي.
وأيضًا: كون كلامه ليس واحدا منها, ثم يصير واحدًا منها أبعد؛ لأن الأمر مثلا الذي هو طلب الفعل, كيف يقال: إنه كان معنى آخر ثم انقلب
следующие страницы →