Полный текст (1 541 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
فلا فائدة للإنكار؛ إذ فاعله غير متبع له, كمضي كافر إلى كنيسة, فلا دلالة لسكوته على الجواز اتفاقًا.
وإن لم يكن كذلك, دلّ على جواز في حق فاعله, وفي حق غيره قياسًا عليه.
فإن كان مما سبق تحريمه فسكوته نسخ لذلك التحريم, وإنما دلّ ذلك على الجواز؛ لأنه لو لم يكن ذلك جائزًا لأنكره ﵇, وإلا لزم أن يرتكب النبي ﷺ المحرم؛ لأن تقرير المحرم محرم, لكن ارتكاب النبي ﵇ [المحرم] باطل.
أما لو انضم إلى ترك الإنكار الاستبشار فأوضح في الجواز, وبذلك تمسك الشافعي في القيافة في إثبات النسب بترك الإنكار والاستبشار في قضية المدلجي.
وهي ما في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ مسرورًا تبرق أسارير وجهه, فقال: «ألم تري أن مجززًا
стр. 527
نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد, فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض» , واعترض أبو بكر من أصحابنا هذا الاستدلال على الشافعي, وإن كان مالك يقول بالقيافة في الأمة يطؤها السيدان في طهر, وله قول في العمل بها في الحرائر أيضًا.
ووجه الاعتراض: أن النبي ﵇ إنما لم ينكر لأنهم وافقوا الحق, إذ «الولد للفراش» , فلو أنكر عليهم لتوهم أنه ﵇ ينفيه عنه, لا
стр. 528
أنه قرر أن النسب يثبت بالقيافة, وإنما استبشر لأن المنافقين أنكروا أن يكون ابنه, لبياض زيد وسواد أسامة, وهم يعتقدون القيافة, والنبي ﵇ تأذى من قول المنافقين, فلما قال مجزز ما قال وهم يعتقدون حكم القيافة, لزمهم على أصلهم الذي هو القيافة أن يكون ابنه, وأن يكونوا كاذبين فيما تخرصوا, فاستبشر بما يلزمهم مما يسلمونه.
وردَّ المصنف اعتراض القاضي: بأن القيافة إذا لم تكن طريقًا لإثبات النسب لم يجز للنبي ترك إنكارها وإن كانت موافقة للحق؛ لأن موافقة الحق لا تمنع الإنكار إذا كان الطريق منكرًا؛ لأنه سكوته لأجل حقية الشيء يوهم حقية طريقه, والاستبشار ليس لإلزام الخصم لأنه لو كان أصله باطلا لأنكره إذ الإنكار لا يدفع الإلزام؛ لأن الإلزام حصل بمجرد قول القائف, فلا يدفع إنكاره ﵇ ما ألزمهم على أصلهم, فلما لم ينكر دلّ على الجواز.
قال: (مسألة: الفعلان لا يتعارضان, كأكل وصوم, لجواز الأمر في وقت, والإباحة في آخر, إلا أن يدل دليل على تكرير الأول له أو لأمته, فيكون الثاني ناسخًا).
أقول: المسألة الثالثة: في أن أفعاله ﵇ هل تتعارض أم لا, وهل تتعارض مع أقواله؟ وهما بحثان, ولهذا جعلهما في المنتهى مسألتين.
والتعارض بين شيئين: تقابلهما على وجه يمنع كل واحد مقتضى
стр. 529
الآخر, ثم الفعلان إما أن يكونا متماثلين أو لا.
والثاني إما أن يمكن الجمع بينهما أو لا.
والثاني إما أن تناقض أحكامهما أو لا.
والأول: كصلاة الصبح في وقتين مختلفين.
الثاني: كالصلاة والصوم.
والثالث: كصلاة الظهر والعصر, ولم يتعرض المصنف لهذه الثلاثة لظهور حكمها.
الرابع: إذا صام في وقت وأكل في مثله, ولا تعارض أيضًا في الحقيقة؛ لأن الفعل لا عموم له من حيث هو؛ إذ لا يقع في الأعيان إلا مشخصًا, فلا يكون كليًا حتى ينافي فعلًا آخر, فجاز أن يكون واجبًا في وقت ومباحًا في آخر, فلا يكون الثاني رافعًا لمقتضى الأول لعدم عمومه.
وشرط التناقض اتحاد الزمان, اللهم إلا أن يدل على وجوب تكرار الأول, فالثاني ناسخ في حقه, لكن لو دلّ دليل على وجوب التأسي به في الأول ووقع الثاني قبل التأسي, ودلّ دليل على وجوب تكرار التأسي به في الثاني كان نسخًا في حق الأمة, فإن دلّ دليل على وجوب تكرار الأول للأمة كان الثاني نسخًا في حق الأمة أيضًا, أعني نسخًا لحكم الدليل الدال على التكرار, لا لحكم الفعل لعدم اقتضائه التكرار, ورفع حكم قد وقع محال, وإطلاق النسخ والتخصيص على الفعل مجاز, وهذا [إذا] دلّ
стр. 530
دليل على وجوب تأسي الأمة به في الثاني, وإلا فلا معارضة في حقهم.
لكن لو رأى النبي ﵇ شخصًا تلبس في مثل هذا الوقت بضد ذلك الفعل وأقره عليه, كان ذلك تخصيصًا للفاعل إن لم يكن الشخص فعله قط, وإلا كان نسخًا لمقتضى الدليل الدال على تعميم الحكم على الأمة في حق ذلك الشخص.
قال: (فإن كان معه قول ولا دليل على تكرار ولا تأس, والقول خاص به وتأخر, فلا تعارض.
فإن تقدم, فالفعل ناسخ قبل التمكن عندنا.
فإن كان خاصًا بنا, فلا تعارض تقدم أو تأخر.
فإن كان عامًا لنا وله, فتقدم الفعل أو القول له ولأمته كما تقدم.
إلا إن يكون العام ظاهرًا فيه, فالفعل تخصيص كما سيأتي).
أقول: المبحث الثاني: في أفعاله هل تتعارض مع أقواله؟ .
اعلم أن الفعل إذا كان معه قول يعارضه لا يخلو إما أن لا يدل دليل على وجوب تكرار الفعل في حقه, ولا على وجوب تأسي الأمة به فيه.
أو يدل الدليل على وجوب كل واحد منهما, أو يدل الدليل على وجوب تكرره فقط, أو بالعكس.
فهذه أربعة أقسام, كل منها إما أن يكون القول خاصًا به, أو بالأمة,
стр. 531
أو عامًا لنا وله, وعلى التقادير الثلاثة إما أن يتقدم الفعل, أو يتأخر, أو يجهل التاريخ.
القسم الأول: وقد علمت أن أصنافه الأول ثلاثة.
الأول منها: أن يكون القول مختصًا به, فإن تأخر القول مثل أن يقول بعد أن فعل الفعل: لا يحل لي مثل هذا الفعل في مثل ذلك الوقت, فلا تعارض أصلًا, لا في حقه ولا في حقنا, وهو ظاهر.
وإن تقدم القول مثل أن يقول: لا يحل لي كذا في وقت كذا, ثم يفعله في ذلك الوقت, فهو نسخ قبل التمكن عندنا, ولا يجوز صدور مثل / هذا عند المعتزلة.
وإن جهل التاريخ, فحكمه حكم ما دلّ الدليل على وجوب تكرره في حقه, ووجوب تأسي الأمة به والقول خاص به وجهل التاريخ؛ فلهذا لم يتعرض له المصنف استغناءً بذكره ثمة.
أما لو كان [الفعل خاصًا بنا, فلا تعارض أصلًا, تقدم الفعل أو تأخر لعدم التوارد.
أما لو كان القول عامًا نتأوله, فعمومه إن كان] بطريق النص, كما لو قال: حرم عليّ وعلى الأمة كذا, فحكم تقدم الفعل أو القول له أو للأمة كما تقدم, ففي حقه إن تأخر القول فلا تعارض, وكذا في حقنا.
стр. 532
وإن كان الفعل متأخرًا, فهو نسخ قبل التمكن في حقه عندنا, ولا يجوز عند المعتزلة مثل هذا, ولا تعارض في حقنا.
أما لو كان العموم بطريق الظهور, مثل أن يقول: يحرم على المسلمين كذا, فبالنسبة إلينا كما تقدم, وبالنسبة إليه يكون الفعل تخصيصًا لذلك القول, كما سيأتي في العموم من أن فعله ﵇ يخصص العموم.
والضمير المجرور من قوله: (إلا أن يكون العام ظاهرًا فيه) يحتمل أن يعود على العموم, أو على النبي ﵇.
قال: (فإن دلّ دليل على تكرر وتأس, والقول خاص به, فلا معارضة في الأمة.
وفي حقه المتأخر ناسخ.
فإن جهل.
فثالثها المختار: الوقف للتحكم.
فإن كان خاصًا بنا, فلا معارضة فيه.
وفي الأمة المتأخر ناسخ.
فإن جهل, فثالثها المختار يعمل بالقول؛ لأنه أقوى لوضعه كذلك, ولخصوص الفعل بالمحسوس, وللخلاف فيه, ولإبطال القول به جملة, والجمع ولو بوجه أولى.
قالوا: الفعل أقوى؛ لأنه يبين به القول, مثل: صلوا, وخذوا عني, أو كخطوط الهندسة وغيرها.
قلنا: القول أكثر, وإن سلّم التساوي, فيرجح بما ذكرناه, والوقف
стр. 533
ضعيف للتعبد بخلاف الأول.
فإن كان عامًا, فالمتأخر ناسخ.
فإن جهل, فالثلاثة).
أقول: القسم الثاني: أن يدلّ دليل على وجوب تكرره في حقه, وعلى وجوب تأسي الأمة به فيه, والاحتمالات التسع قائمة فيه.
فإن كان خاصًا به فلا معارضة في الأمة؛ لأن القول لم يتناولهم, وفي حقه إن تأخر القول فهو ناسخ للتكرار, وإن تقدم فالقول ناسخ, مثل التمكن عندنا في حقه, وبعد التمكن ناسخ عندنا [وعند المعتزلة].
وإن جهل التاريخ.
فقيل: يعمل بالقول؛ لأن الفعل يحتاج إلى القول في بيان وجهه.
الثاني: يجب العمل بالفعل؛ لأنه أقوى.
الثالث وهو المختار: الوقف حتى يتبين المتأخر؛ إذ لا ترجيح لأحدهما على الآخر, فالجزم بوجوب العمل بأحدهما عينًا تحكم.
أما لو كان خاصًا بنا, فلا معارضة في حقه بحال, وفي حق الأمة إن
стр. 534
تأخر الفعل فهو ناسخ, ونعني إذا كان دليل التأسي خاصًا بهذه الصورة, وإلا قدم القول, وكان الفعل مختصًا به ﵇.
وإن تأخر القول كان ناسخًا في حقنا, إن كان دليل التأسي خاصًا, وإلا فالفعل مختص به - ولا معارضة - والقول لنا.
وإن جهل التاريخ.
فقيل: يعمل بالقول وهو المختار, وقيل: بالفعل, وقيل: بالوقف.
احتج للمختار بأربعة أوجه:
الأول: أن القول أقوى دلالة [على مدلوله] من الفعل؛ لأنه وضع لذلك, بخلاف الفعل فإن فهم الشيء عنه إنما يكون بقرينة.
ولأن القول أعم؛ لأنه ينبئ عن المعقول والمحسوس, والفعل عن المحسوس فقط, فيكون أعم فائدة وكان أولى.
وأيضًا: القول لم يختلف في كونه دالًا, والفعل مختلف فيه, فالمتفق أولى, وأيضًا: العمل بالفعل يبطل مقتضى / القول.
أما في حقه فلعدم تناول القول له, وأما في حق الأمة فلوجوب العمل بالفعل حينئذ, والعمل بالقول لا يبطل الفعل؛ لأنه يبقى العمل بالفعل بالنسبة إلى الرسول, فإذا عملنا بالقول أمكن الجمع ولو من وجه, بخلاف إعمال الفعل, والجمع مهما أمكن أولى من إبطال أحد الدليلين.
стр. 535
واحتج القائلون بوجوب العمل بالفعل:
قالوا: الفعل أقوى دلالة من القول؛ لأن القول يبين بالفعل, يدل على ذلك «صلوا كما رأيتموني أصلي» و «خذوا عني مناسككم» بيانًا لآية الحج وآية الصلاة, وكخطوط الهندسة وغيرها مما جرت به العادة للتعليم, مما لا يفي القول به, ولهذا قيل: ليس الخبر كالمعاينة.
أجاب: بأن غايته أنه وجد البيان بالفعل, لكن البيان بالقول أكثر فيكون راجحًا.
سلمنا التساوي, لكن البيان بالقول أرجح بما ذكرنا؛ لأن الدليلين من جنس واحد إذا تعارضا, فقيام دليل آخر على وفق أحدهما مرجح.
لا يقال: يصار إلى الوقف كما في حقه ﵇ للاحتمالين.
لأنا نقول: نحن متعبدون بالعمل, والتوقف في إبطال العمل ونفي للتعبد به, بخلاف الأول وهو التوقف في حقه لعدم تعبدنا به.
أما لو كان عامًا لنا وله, فإن تأخر القول فهو ناسخ للتكرار في حقه, وناسخ لوجوب التأسي في حقنا, وإن تأخر الفعل وكان قبل التمكن من مقتضى القول, فالفعل ناسخ قبل التمكن عندنا, إلا أن يتناوله القول ظاهرًا, فإن فعله ﵇ يكون تخصيصًا.
وإن جهل التاريخ, فقيل: يعمل بالفعل, وقيل: بالقول, وقيل: بالوقف, والمختار: تقديم القول.
стр. 536
لكن تقرير الدليل الرابع من مرجحات العمل بالقول فيه دقة, أنه يبطل حكمه في حقهم, وفي حقه يبطل الدوام فقط؛ لأنه فعل مرة.
قال: (فإن دلّ دليل على تكرره في حقه لا على تأسي الأمة به, والقول خاص به أو عام, فلا معارضة في الأمة.
والمتأخر ناسخ في حقه.
فإن جهل فالثلاثة.
فإن كان خاصًا بالأمة, فلا معارضة).
أقول: القسم الثالث: أن يدل دليل على وجوب تكرره فقط.
فإن كان خاصًا به فلا معارضة في حق الأمة مطلقًا؛ لعدم تناول الفعل لهم, والمتأخر ناسخ في حقه إن كان قولًا.
وإن كان فعلًا وكان قبل التمكن من مقتضى القول, كان ناسخًا في حقه عندنا, وإلا فلا معارضة, إلا أن يدل دليل على تكرر مقتضى القول, فيكون أيضًا ناسخًا في حقه.
وإن كان خاصًا بالأمة فلا معارضة أصلًا.
وإن كان عامًا لنا وله, فلا معارضة في حق الأمة وفي حقه كما تقدم, إلا أن يكون ظاهرًا فيه, فيكون فعله المتأخر تخصيصًا.
وإن جهل التاريخ فالثلاثة.
والمختار: الوقف في حقه.
стр. 537
قال: (فإن دلّ دليل على تأسي الأمة دون تكرره في حقه, والقول خاص به وتأخر, فلا معارضة.
فإن تقدم, فالفعل ناسخ في حقه.
فإن جهل, فالثلاثة.
فإن جهل خاصًا بالأمة فلا معارضة في حقه, والمتأخر ناسخ في الأمة.
فإن جهل, فالثلاثة.
فإن كان القول عامًا, فكما تقدم).
أقول: القسم الرابع: أن يدل الدليل على وجوب التأسي فقط.
فإن كان القول خاصًا به وتأخر, فلا معارضة.
أما في حقه؛ فلعدم وجوب تكرره, وأما في حقنا؛ فلعدم تناول القول لنا.
وإن تقدم القول, فالفعل ناسخ قبل التمكن عندنا في حقه.
وإن جهل التاريخ, فالثلاثة, والمختار: الوقف.
وفيه نظر؛ فإنه لا تعارض مع تقدم الفعل, فيعتقد مقتضى القول حكمًا بتقديم الفعل؛ لئلا يقع التعارض المستلزم للنسخ.
وإن كان خاصًا بالأمة, فلا معارضة في حقه, وفي حق الأمة المتأخر ناسخ مطلقًا.
فإن جهل, فالثلاثة, والمختار: العمل بالقول.
فإن كان عامًا لنا وله, فكما تقدم.
стр. 538
أما في حقه فلا تعارض إن تقدم الفعل, وإن تأخر وكان قبل التمكن, فهو نسخ في حقه عندنا, إلا أن يكون العام ظاهرًا فيه, فالفعل تخصيص.
وفي حق الأمة إن تأخر القول فهو ناسخ, وكذا إن تقدم.
وإن جهل, فالثلاثة, والمختار: العمل بالقول.
стр. 539
قال: (الإجماع: العزم والاتفاق.
وفي الاصطلاح: اتفاق المجتهدين من هذه الأمة في عصر على أمر.
ومن يرى انقراض العصر, يزيد: إلى انقراض العصر.
ومن يرى أن الإجماع لا ينعقد مع سبق خلاف مستقر من ميت أو حي وجوَّز وقوعه, يزيد لم يسبقه خلاف مجتهد مستقر.
الغزالي: اتفاق أمة محمد ﷺ في عصر على أمر من الأمور الدينية.
ويرد عليه: أنه لا يوجد ولا يطرد بتقدير عدم المجتهدين, ولا ينعكس بتقدير اتفاقهم على عقلي أو عرفي).
أقول: لما فرغ من السنة, شرع في الإجماع, وقد اشتمل على مقدمة مسائل.
أما المقدمة: ففي تعريف الإجماع, وإمكانه, وإمكان العلم به, وإمكان نقله عنهم إلينا, وفي كونه حجة.
أما تعريفه: فهو في اللغة العزم, يقال: أجمع فلان على كذا, إذا عزم عليه, ومنه قوله تعالى: ﴿فأجمعوا أمركم﴾.
وهو أيضًا: الاتفاق, يقال: أجمعوا على كذا, إذا اتفقوا عليه.
وفي اصطلاح الأصوليين: اتفاق المجتهدين من هذه الأمة في عصر على
стр. 540
أمر [من الأمور الدينية].
فـ (اتفاق) كالجنس.
وقوله: (المجتهدين) يخرج اتفاق العامة, أو اتفاق بعض المجتهدين, فلا [يعتبر العامي دخولًا وخروجًا] , ويشمل اتفاقهم قولًا أوفعلًا, أو بعضهم قولًا أو فعلًا, وبعضهم اعتقادًا.
وقوله: (من هذه الأمة) يخرج اتفاق المجتهدين من الشرائع السالفة.
وقوله: (في عصر) ليندرج فيه إجماع كل عصر أي زمان, قلّ أو ك ثر, وإلا أوهم أنه لا يحصل إجماع إلى يوم القيامة.
وقوله: (على أمر) يتناول الدينية والدنيوية, والإثبات والنفي, والعقلي والعرفي والشرعي.
والحق أن الإجماع الذي هو أحد الأدلة الشرعية أخص مما ذكر, وهو اتفاق المجتهدين من هذه الأمة في عصر على حكم شرعي عن اعتقاد.
ثم اعلم أن هذا التعريف لمن لم يشترط في الإجماع انقراض العصر, أما من اشترطه فلابد أن يزيد في التعريف: إلى انقراض العصر, ليوافق مذهبه.
ومن قال: إن الإجماع لا ينعقد مع سبق خلاف مستقر من ميت أو حي وجوّز وقوع هذا الاتفاق بعد استمرار الخلاف, يزيد في التعريف: لم
стр. 541
يسبقه خلاف مجتهد مستقر.
ولما كان المصنف يجوّز هذا الاتفاق مع سبق الخلاف, لاسيما مع المخالف القليل ويراه إجماعًا, لم يحتج إلى هذه الزيادة.
قال التستري: لا يحتاج إلى هذه الشروط؛ لأن الحدَّ إنما هو للماهية لا للإجماع الذي هو حجة, وإلا لم يطرد لصدق الحدّ على الإجماع الصادر في زمانه ﵇ مع أنه ليس بحجة.
قلت: الحق أنه [لا معنى للترديد, وهو حدّ لماهية الإجماع المصطلح, فيحتاج إلى الشرائط, وهو أحد] الأدلة الشرعية والذي ثبتت حجيته, فلا يرد عليه شيء؛ إذ اتفاقهم في زمانه مبني على جواز اجتهاد معاصريه وعلى جواز فإنما يكون بعد استفراغ الوسع, وذلك لا يكون إلا بعد أن يسألوه ﵇, فإذا أجمعوا بعد ذلك منعنا عدم حجيته, نعم يرد ما قدمنا.
وعرَّفه الغزالي: بأنه اتفاق أمة محمد ﷺ على أمر من الأمور الدينية.
وزيَّفه المصنف: بأنه لا يوجد إجماع, فإنه اعتبر أمة محمد ﷺ وذلك يتناول المسلمين إلى يوم القيامة فحقيقته جميعهم ولا يتصور اجتماعهم, وعلى تقدير تخصيصه ببعض فلا يطرد بتقدير اتفاق الأمة مع عدم المجتهدين, وأيضًا لا ينعكس بتقدير اتفاقهم على عقلي أو عرفي ضرورة اعتبار قيد الدينية.
стр. 542
قلت: ومع ظهور ورودها, فهو خير من تعريفه؛ لأنها تدفع بالعناية بأن يكون أراد اتفاق المجتهدين في عصر, وسبق ذلك إلى فهم أهل الشرع, وكذا فُهم من «لا تجتمع أمتي على الضلالة»؛ إذ المراد المجتهدون, فكأنه حافظ على لفظ الحديث.
وأما الاعتراض الأخير, فالاتفاق إن تعلق به عمل أو اعتقاد فهو أمر ديني, وإلا فلا يتصور حجيته, والغزالي إنما عرّف الإجماع الشرعي.
قال: (وخالف النظَّام وبعض الروافض في ثبوته, قالوا: انتشارهم يمنع نقل الحكم إليهم عادة.
وأجيب: بالمنع؛ لجدهم وبحثهم.
قالوا: إن كان عن قاطع, فالعادة تحيل عدم نقله, والظني يمتنع الاتفاق فيه عادة لاختلاف القرائح.
وأجيب: بالمنع فيهما, فقد يستغنى عن ن قل القاطع بحصول الإجماع وقد يكون الطني جليًا.
قالوا: يستحيل حصوله عنهم عادة؛ لخفاء بعضهم, أو انقطاعه, أو خموله, أو أسره, أو كذبه, أو رجوعه قبل قول الآخر, ولو سُلّم فنقله مستحيل عادة؛ لأن الآحاد لا يفيد, والتواتر بعيد.
وأجيب عنهما: بالوقوع, فإنّا قاطعون بتواتر النقل بتقديم النص
стр. 543
القاطع على المظنون).
أقول: لما فرغ من تعريفه, شرع في ثبوته؛ لأن حجيته فرع ثبوته.
ذهب الجمهور إلى مكان ثبوته, وخالف النظام وبعض الروافض في إمكان ثبوته, والمصنف يظهر من كلامه أن الخلاف في وقوعه, وأن النظام استحال وقوعه عادة, والذي في الإحكام والمحصول هو ما ذكرنا.
واحتجوا بوجهين:
الأول: اتفاقهم فرع تساويهم في نقل الحكم إليهم, لكن انتشارهم في أقطار الأرض يمنع نقل الحكم إليهم, والعادة تقضي بذلك.
أجاب: أنّا نمنع أن انتشارهم يمنع عادة نقل الحكم إليهم مع جدهم وبحثهم عن الأحكام وعن الأدلة, وإنما يمتنع فيمن قعد في بيته لا يطلب ولا يبحث, أما الباحث فيمكن قطعًا نقل الحكم إليه وإن كان في أقصى الأرض.
الثاني: لا يمكن اتفاقهم؛ لأن اتفاقهم لا يكون عن قطعي ولا لنقل؛ لأن العادة تحيل عدم نقل القاطع؛ لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله, فلما لم ينقل علم أنه لا يوجد, ثم لو نقل لأغنى عن الإجماع, ولا يكون عن ظني؛ لأنه يمتنع الاتفاق عنه عادة؛ لاختلاف القرائح, وتباين الأقطار, كاتفاقهم على أكل طعام واحد في ساعة / واحدة, فإنه معلوم الانتفاء بالضرورة, وما ذلك إلا لاختلاف الدواعي.
стр. 544
أجاب: بمنع ما ذكر في كل من القسمين, أما القاطع فلا يجب نقله عادة؛ إذ قد يستغنى بحصول الإجماع الذي يرفع الخلاف المحوج إلى نقل الأدلة, وأما الظني فإنه يكون جليًا, واختلاف القرائح والأنظار إنما هو في الخفي دون الجلي.
ثم شرع في المقام الثالث وهو النظر في ثبوته عنهم, أعني العلم باتفاقهم, وفي الإحكام والمحصول: أن المجوزين لانعقاد الإجماع اختلفوا.
فذهب أكثرهم إلى إمكان العلم به, وذهب الأقلون إلى امتناع العلم به, وظاهر كلام المصنف أن هذا من جهة مانعي الانعقاد, أي ولو أمكن منهم فلا يمكن العلم به عندهم عادة.
وتقريره: أن العادة قاضية بأنه لا يتفق أن يثبت عن كل واحد من علماء المشرق والمغرب أنه حكم في مسألة كذا بحكم كذا؛ إذ لا يعرفون بأعيانهم فضلا عن تفاصيل أحكامهم لخفاء بعضهم, بحيث لا يعلم وجوده البتة, أو انقطاعه بعد العلم بوجوده, فصار بمعزل عن الناس, بحيث لا يسأله أحد, أو يكون خاملا لا يعرف أنه مجتهد, أو أسر فلا يقدر على علم ما عنده, أو كذبه بحيث يقول رأيي كذا وهو يعتقد خلاف ذلك, والعبرة بالاعتقاد لا باللفظ, أو بتغيير اجتهاد بعضهم فيرجع قبل قول الآخر, وإنما قيد بقوله: (قبل قول الآخر) لأنه لو رجع بعد قول الآخر لم يعتبر وكان خالقًا للإجماع والأولى ضبط الآخر بكسر الخاء, أي رجوعه قبل قول آخر المجتهدين؛ إذ لا
د
стр. 545
يكون خارقًا إذا رجع بعد قول شخص آخر لا يكون آخرهم, إلا أن يريد بالآخر من عدا الراجح فيصح بفتح الخاء, وفيه بُعْد, ثم هذا إنما يكون خارقًا عند من لا يرى انقراض العصر.
ثم شرع في المقام الرابع وهو النظر في نقل الإجماع إلى من يحتج به, أي سلمنا جواز حصوله عنهم لمن سمعه منهم, أما نقله لمن يستدل به فمستحيل عادة؛ لأن نقله إما بالآحاد ولا يفيد العلم, والإجماع أصل من الأصول فلا يثبت بما ليس بقطعي, أو نقول: ولا يجب العمل بالإجماع بنقل الواحد على ما سيأتي.
وإما بالتواتر فبعيد جدًا؛ إذ يجب استواء الطرفين والوسط, ومن البعيد جدًا أن يشاهد أهل التواتر كل واحد من المجتهدين شرقًا وغربًا, ويسمعوا منهم وينقلوا عنهم إلى أهل طبقة طبقة حتى يصل إلينا.
ثم أجاب المصنف: بمنع استحالة المقامين؛ لأن الوقوع فرع الجواز, ونحن قاطعون بإجماع الصحابة على تقديم النص القاطع على غيره بسبب النقل المتواتر.
قال في المنتهى: «وجوب الثالث والرابع الوقوع, فإنا لا ننكر أنه تتواتر عن كل واحد من الصحابة تقديم النص المقطوع به على غيره».
قال: (وهو حجة عند الجميع.
ولا يعتد بالنظّام, وبعض الخوارج, والشيعة.
стр. 546
وقول أحمد: «من ادعى الإجماع فهو كاذب» , استبعاد لوجوده).
أقول: ذهب جمهور المسلمين إلى أن الإجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم كما يجب العمل بالكتاب ونحوه, ولا عبرة بخلاف النظام وبعض الخوارج والشيعة؛ لأنهم نشأوا بعد الاتفاق؛ ولأنهم من أهل البدع, فلا يعتبرون على ما سيأتي, وما روي عن أحمد بن حنبل ﵁ / في إحدى الروايتين من قوله: «من ادعى الإجماع فهو كاذب» , فهو استبعاد منه أن يطلع عليه أحد, لا أنه أنكر حجيته بتقدير الاطلاع عليه, ومعنى استبعاد وجوده, أي استبعد أن يجده الشخص ولا يطلع عليه غيره, لا أنه استبعد أن يوجد في الواقع, فيرجع في الحقيقة إلى استبعاد الوجدان لا الوجود.
وحمل كلام المصنف على هذا أولى, ليساعد ما نقل في الإحكام؛ ولأن الحجية فرع الوجود, فلا تثبت الحجية ما لم يثبت الوجود, وليست فرع الوجدان, وإنكار الشيعة حجيته من حيث إنه إجماع, وإلا فهو عندهم
стр. 547
حجة لاشتمال على قول الإمام المعصوم.
قال: (الأدلة منها: أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف, والعادة تحيل إجماع مثل هذا العدد الكثير من العلماء المحققين على قطع في شرعي من غير قاطع, فوجب تقدير نص فيه.
وإجماع الفلاسفة, وإجماع اليهود, وإجماع النصارى غير وارد.
لا يقال: أثبتم الإجماع بالإجماع؛ إذ أثبتم الإجماع بنص يتوقف عليه؛ لأن المثبت كونه حجة ثبوت نص عن وجود صورة منه بطريق عادي, لا يتوقف وجوده ولا دلالتها على ثبوت كونه حجة, فلا دور.
ومنها: أجمعوا على تقديمه على القاطع, فدل على أنه قاطع, وإلا تعارض الإجماعان؛ لأن القاطع مقدم.
فإن قيل: يلزم أن يكون المحتج عليه عدد التواتر, لتضمن الدليلين ذلك.
قلنا: إن سلم فلا يضر).
أقول: شرع الآن في الاحتجاج على حجية الإجماع, احتج على ذلك بأدلة من الكتاب, والسنة, والمعقول.
وقدم ما تعلق بالعقل؛ لإفادته عنده كون الإجماع حجة قطعية, بخلاف ما تعلق بالكتاب والسنة, فإنهما لا يدلان إلا على كونه حجة ظنية.
стр. 548
توجيه الأول أن يقال: الإجماع دلَّ القاطع على تخطئة مخالفه, وكلما دلّ القاطع على تخطئة مخالفه فهو حجة قطعية, فالإجماع حجية قطعية, أما الكبرى فظاهرة.
وأما الصغرى؛ فلأنه لو لم يدل القاطع على تخطئة مخالف الإجماع بعد انعقاده لا قبله وإلا لم يكن إجماعًا, ولما أجمع مثل هذا العدد الكثير من العلماء المحققين على القطع بتخطئة مخالف الإجماع, لكنهم أجمعوا على القطع بتخطئة مخالف الإجماع بالنقل المتواتر عنهم بذلك.
بيان اللزوم: أن العادة تحيل اجتماع هذا العدد الكثير من العلماء المحققين المجتهدين على القطع في حكم شرعي من غير نص قاطع يكون سندًا لقطعهم والعادة أصل يستدل به, كما يستدل بها على بطلان دعوى وجود معارض للقرآن يوجب تقدير نص قاطع دال على الحكم المجمع على تخطئة مخالفه.
قلت: وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأنا نمنع الصغرى بمنع الاستثنائية في الدليل الذي استدل به على صحتها؛ لأن أحمد قد أنكر الوجدان, ومن خالف ما لم يتحقق وجوده, كيف يكون مخطئًا فضلًا عن القطع بتخطئته, ثم جماعة من محققي الأصول كالإمام فخر الدين وغيره يرونه حجة ظنية, وهو [أقرب] , ومخالف الظني لا يقطع بخطئه.
стр. 549
وأيضًا على مذهب القاضي الذي يعتبر موافقة العامي في حجية الإجماع, فكيف يوجد؟ .
ثم أورد المصنف على نفسه سؤالًا توجيهه: إن الفلاسفة أجمعوا على القطع بقدم العالم, واليهود أجمعوا على القطع بكون النبي ﵇ متنبئًا وكذا النصارى على أن عيسى قد قتل, وليس إجماعهم عن قاطع؟ .
ثم أجاب: بأنه غير وارد, أما أولًا: فنمنع الإجماع.
وثاني: نفرق؛ لأن سند الإجماع الشرعي نص قاطع, وهو لا يحتمل الخطأ, وسند إجماع الفلاسفة العقل وهو يخطئ.
واليهود والنصارى ليسوا قاطعين, بل مستندين إلى آحاد الأوائل, بل قد أخبر الله تعالى بكذب اليهود, حيث قال تعالى: ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾.
ثم أورد على نفسه سؤالًا آخر توجيهه: إن ما ذكرتم ملزوم لإثبات الشيء بنفسه, أو لإثباته بما يتوقف عليه, وملزوم الفاسد فاسد, لأنكم إن قلتم: أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف فيكون الإجماع حجة, فقد أثبتم الإجماع بالإجماع, وإن قلتم: الإجماع دلّ على نص قاطع في تخطئة المخالف, فقد أثبتم الإجماع بنص يتوقف عل الإجماع؟ .
ثم أجاب عنه: بأن المثبت حجية الإجماع لا نفسه, ومثبته وجود نص
стр. 550
قاطع دلّ عليه وجود صورة من الإجماع يمتنع عادة وجود تلك الصورة بدون ذلك النص القاطع, سواء قلنا الإجماع حجة أم لا, ثم ثبوت هذه الصورة من الإجماع ودلالتها العادية على وجود النص القاطع لا يتوقف على كون الإجماع حجة؛ لأن ثبوت تلك الصورة بالتواتر, ودلالتها على النص بالطريق العادي.
فالحاصل: أن الذي جعلنا وجوده دليلًا على حجية الإجماع, لا يتوقف وجوده ولا دلالته على حجية الإجماع, بل فرد من أفراد الإجماع مثبت للنص, والنص مثبت لحجية الإجماع.
قيل: إذا كان المثبت لطريق النص هو الطريق العادي, فلا حاجة إلى التمسك في حجية الإجماع بالإجماع على تخطئة المخالف, لجواز أن يقول: ابتداء الإجماع حجة؛ لأن العادة إلى آخره, وإذا تضمن كل إجماع نصًا قاطعًا, كان كل إجماع حجة.
ردَّ: بأن التمسك بالعادة في كل إجماع لا يقتضي وجود القاطع, وإلا لزم أن يكون سند كل إجماع قطعيًا, وإنما احتيج إلى ما ذكر من حيث أن العادة في مثل هذا الإجماع توجب وجود قاطع؛ إذ القطع بتخطئة المخالف يحيل عدم القاطع فيه عادة, فيكون هذا الإجماع القطعي دالًا على تخطئة مخالف كل إجماع, فيكون كل إجماع قطعيًا.
стр. 551
الدليل الثاني من الأدلة العقلية على كون الإجماع حجة قطعية:
إذا علمنا بالتواتر أن العلماء المحققين أجمعوا على تقديم الإجماع على النص القاطع, فدلّ على أنه حجة قطعية, وإلا لزم تعارض الإجماعين؛ لأنا علمنا بالتواتر عنهم أيضًا أنهم أجمعوا على تقديم القطعي على الظني, وتعارض الإجماعين يستلزم خطأ أحدهما, وخطأ الإجماع باطل لما سيأتي, مع أن العادة تقضي بامتناع التعارض بين أقوال هذا العدد من العلماء المحققين.
قلت: وفي هذا الدليل نظر؛ لأنا أولًا نمنع أنهم أجمعوا على تقديمه على القاطع, وفي المنهاج وغيره إذا عارضه نص أول القائل له وإلا تساقطا, [ولو سلم عدم التساقط, فإنما يقدم الإجماع إذا كان سنده قطعيًا وإلا كان الإجماع خطأ, ولا نزاع أصلا في إجماع سنده قاطع أنه قطعي, وإنما النزاع في ما سنده ظني ولم يدل عليه دليل أنه حجة قطعية] , [فإن تمسك به على وجه آخر بأن يقول: أجمعوا أنه لا يقدم القاطع عليه, وقد أجمعوا على تقديم القاطع على الظني, فلو كان ظنيًا تعارض الإجماعان.
قلنا: لا يتصور إجماع يقابله قاطع؛ لأنه يكون خطأ؛ إذ قصارى سنده أن يكون قطعيًا آخر ولا يصح, لأن تعارض القطعيين محال لاستلزامهما
стр. 552
النقيضين].
ثم أورد على نفسه سؤالًا على الدليلين مع الجواب عنه, توجيهه: أن مقتضى الدليلين أن الإجماع الذي يكون حجة هو ما بلغ المجمعون فيه عدد التواتر؛ لأن العادة إنما تحيل اجتماع العدد الكبير على القطع في [شرعي] من غير قاطع [إذا بلغوا عدد التواتر والعادة أيضًا إنما تقضي بامتناع التعارض بين أقوال مثل هذا العدد, وما قصر عن ذلك لا يقدم قولهم على القاطع.
أجاب أولًا: بالمنع, وأن الدليل ناهض من غير تقييد ولا اشتراط لبلوغ عدد التواتر؛ لأنهم خطأوا المخالف وقدموه على القاطع مطلقًا, والعادة تحيل اجتماع العدد الكثير على القطع من غير قاطع] , بلغوا عدد التواتر أم لا وتحيل التعارض بين أقوال العدد الكثير من العلماء, بلغوا حدّ التواتر أم لا.
سلمنا, ولا يضر إذ الغرض حجية الإجماع في الجملة وقد صح, لا أن كل إجماع يكون قطعيًا.
أو نقول: اللازم أن القاطعين بتخطئة المخالف والذين قدموا الإجماع على النص القاطع عددهم عدد التواتر, لا كون المجمعين عدد التواتر, فما لزم عدم التواتر إلا في الإجماعين المذكورين ولا يضر, وهذا أظهرها.
أو نقول: يلزم إذا كان المجمعون عدد التواتر كون الإجماع قطعي, وذلك لا ينفي حجية إجماع قصروا فيه عن عدد التواتر, على أن أكثر ما
стр. 553
يستدل به من الإجماع كإجماع الصحابة والتابعين قد بلغوا عدد التواتر.
ولم يورد المصنف على الدليل الأخير ما أورد على الأول من إثبات الشيء بنفسه, استغنى بما تقدم من الجواب, ولو أخّره إلى أن يورد على الدليلين كما فعل في هذا الإيراد الأخير لكان أولى؛ لعموم وروده عليهما مع كون الجواب عنهما واحد.
قال: (الشافعي: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ وليس بقاطع لاحتمال في متابعته, أو مناصرته, أو الاقتداء به, أو في الإيمان, فيصير دورًا؛ لأن التمسك بالظاهر إنما يثبت بالإجماع, بخلاف التمسك بمثله في القياس.
الغزالي: بقوله ﵇: «لا تجتمع أمتي» من وجهين:
أحدهما: تواتر المعنى, كشجاعة عليّ, وجُود حاتم, وهو حسن.
والثاني: تلقي الأمة لها بالقبول, وذلك لا يخرجها عن الآحاد).
أقول: شرع الآن فيما تمسك به على حجية الإجماع مما يرى صحته.
الأول منها: متمسك الشافعي وهو قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم﴾.
ووجه التمسك بها: أن الله تعالى جمع بين مشاقة الرسول التي هي حرام إجماعًا وبين اتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد, فيكون اتباع غير سبيل
стр. 554
المؤمنين حرامًا, وإلا لم يجمع بينه وبين الحرام في الوعيد, ثم الوعيد على كل واحد واحد لا على الكل؛ لأن المشاقة مستقلة بذلك, فكان اتباع سبيل المؤمنين لغوا حينئذ, وإذا حرم اتباع غير سبيلهم, وجب اتباع سبيلهم؛ إذ لا مخرج عنهما, والإجماع سبيلهم؛ إذ السبيل ما يختاره العامل قولًا أو فعلًا فيجب اتباعهم في قولهم وفتواهم, ولا نعني بكون الإجماع حجة إلا ذلك.
واعترض على المتمسك بهذه الآية بقريب ثلاثين اعتراضًا, أقواها ما ذكره المصنف: أن هذا التمسك أولاً ليس بقاطع, فلا يفيد من يرى / الإجماع حجة قطعية.
ثم لو احتج به من يرى الإجماع حجة ظنية ويرى أن الأصول تثبت بالظاهر, لزمه الدور, أما أنه ليس بقاطع؛ فلأن قوله: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ يحتمل وجوها من التخصيص, أي ويتبع غير سبيلهم في متابعة الرسول, أو غير سبيلهم في مناصرته, أو غير سبيلهم في الاقتداء به, أو غير سبيلهم في الإيمان به, إذ دلالة العام على فرد من أفراد عينًا ليس بقطعي لجواز إخراج, غايته أنه ظاهر في جميعها, والتمسك بالظاهر إنما تثبت بالإجماع, ولولاه لم نعمل بالظن للأدلة الدالة على منع العمل بالظن, فيكون إثباتًا لحجية الإجماع بما لا تثبت حجيته إلا بالإجماع فيصير دورًا, وإذا سلكنا في الاعتراض هذا الطريق - لا طريق من قال إنه إثبات أصل كلي بدليل ظني فلا
стр. 555
يجوز - لم يرد علينا نقضًا؛ لأنا [إن] أثبتنا القياس بالظاهر [إذن] فالعمل بالظاهر غير مثبت فلا دور, واعمل أن الاحتمالات الأربعة التي ذكرها المصنف ترجع إلى ثلاثة؛ إذ الثالث يغني عنه الأول.
قيل: إنما يلزم الدور لو لم يدل على العمل بالظاهر غير الإجماع وهو ممنوع؛ لجواز أن يكون ثمة نص قاطع أو استدلال قاطع, كما يقال: الظاهر مظنون, وكل مظنون يجب العلم به قطعًا؛ لأنه لو لم يعمل بواحد من النقيضين يلزم رفعهما, وإن عمل بهما يلزم اجتماعهما, وإن عمل بالمرجوح يلزم خلاف صريح العقل.
قلت: وهذا ضعيف, أما قوله: لجواز أن يكون ثمة قاطع, الأصل عدمه, ولو كان لاطلع عليه, وأما الاستدلال القطعي فقد تقدم أول الكتاب ما فيه؛ إذ لا يلزم من عدم العمل بهما رفعهما؛ إذ قد يكون عدم العمل لعدم الجزم بأحدهما, مع أن الواقع لا يخلوا من أحدهما, والمحال إنما هو ارتفاعهما في الواقع.
سلمنا, ونختار القسم الآخر.
قوله: خلاف صريح العقل, إنما يلزم ذلك لو كان المرجوح عنده هو المرجوح في الواقع, وهو غير لازم, إذ قد يكون ظنه غير مطابق, ثم هو مبني على حكم العقل, ولا مجال له في الأحكام الشرعية عندنا.
стр. 556
الثاني: متمسك الغزالي وهو قوله ﵇: «لا تجتمع أمتي» ولفظه عند أبي داود: «إن الله أجازكم من ثلاث خلال: ألا يدعوا عليكم نبيكم فتهلكوا, وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق, وأن لا تجتمعوا على ضلالة» , وفي إسناده مقال, ورواه الترمذي ولفظه: «لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة [أبدًا]» وقال: «غريب من هذا الوجه» , وفي إسناده سليمان بن سفيان وقد ضعفه الأكثرون.
وخرّجه الحاكم والدارقطني وعللوه, والتمسك به من وجهين:
стр. 557
أحدهما: أن معناه متواتر, فقد روي عنه ﵇: [«لا تجتمع أمتي على ضلالة» وروي عنه]: «لا تزال طائفة من أمتي على حق» وروي عنه «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن» , وروي «يد الله مع الجماعة» , وروي: «عليكم بالسواد الأعظم» , إلى غير ذلك مما دلّ على هذا المعنى من الأحاديث الكثيرة, فيكون القدر المشترك بينها وهو نفي الخطأ عنهم قطعي؛ لأن القدر المشترك تضمنته هذه الأخبار,
стр. 558
كقطعنا بشجاعة عليّ, وجود حاتم, ولم يتواتر إلا / القدر المشترك.
واستحسن المصنف هذا المتمسك وليس بحسن, بل هو أضعف من متمسك الشافعي الذي ردّه؛ إذ لم يرد من طريق صحيح ذكر الخطأ, والذي فيه ذكر الضلالة قد سمعت ما فيه.
وجميع الأحاديث الأخر لا تدل على حجية الإجماع, ولو سلّم فليس فيها نص صريح في وجوب العمل بالإجماع, والضلالة والخطأ ظاهران في مدلوليهما, فجاز أن يكون المراد من الضلالة والخطأ الكفر والبدعة إلى غير ذلك, فجاء الدور, مع أن اللازم أنهم لا يجتمعون على خطأ, ولا يلزم أن يكون قول غيرهم خطأ إلا بعد تحقق أن المصيب واحد, وفيه ما فيه.
الوجه الثاني من التمسك: أن هذه الأحاديث لم تزل مشهورة متمسكًا بها على هذا المعنى, ولم يطعن فيها بعدم حجة, بل تلقوها كلهم بالقبول, فلولا أنها صحيحة قطعًا لقضت العادة بامتناع الاتفاق على قبولها.
وزيفه المصنف: بأن تلقي الأمة لها بالقبول لا يخرجها عن كونها أخبار آحاد, فلا تفيد القطع بحجية الإجماع, أو لا تفيد حجيته أصلًا, إما لكونه أصلا من الأصول, والأصول لا تثبت بالظاهر, أو للزوم الدور, وقد زعم طائفة أن ما تلقي بالقبول يفيد العلم.
قال ابن الصلاح: وأحاديث البخاري ومسلم تلقتها الأمة بالقبول
стр. 559
فتكون قطعية, للعلم النظري بأنهم ظنوا صحتها, وظن الجميع لا يخطئ؛ لأنهم معصومون كالإجماع عن اجتهاد, وكذا ما انفرد به أحدهما, ولا فرق بينه وبين المتواتر, إلا أن إفادة المتواتر العلم ضرورية وإفادة هذا نظرية, سوى ما أخذ فيه على البخاري ومسلم وقدح فيه مُعتَمدٌ من الحفاظ, فهو مستثنى بما ذكرنا, لعدم الإجماع على ما تلقته بالقبول.
وهذا الذي قال ابن الصلاح فاسد؛ لأن تلقي الأمة لها بالقبول أفادنا وجوب العمل بها من غير بحث عن صحتها, بخلاف غيرها من أخبار الآحاد إنما يجب العمل بها إذا صحت أسانيدها, وهذا هو المراد من قولهم: أجمعوا على صحة ما فيها, بمعنى لا يحتاج إلى نظر في صحتها, ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيها من غير بحث عن الصحة إجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي ﷺ , ومما يوضح فساده: أن المجتهد إذا ظن حكمًا فمظنونه هو حكم الله في حقه بالإجماع, فيقال: أجمعوا على أن مظنونه هو حكم الله في حقه, فيلزم أن يكون هو حكم الله في حقه في نفس الأمر قطعًا لأنهم معصومون, وهذا لا يتم عند المحققين وهم الذين يرون المصيب واحدًا, فهم مصيبون في عملهم بالظن وإن كان في نفس الأمر على غير ذلك, كما يكون المجتهد مصيبًا في العمل بظنه وإن كان في نفس الأمر على غير ذلك.
ثم يلزم من خالف حديثًا قطعي الدلالة منها ولم يعلم به أن يكون كافرًا أو عاصيًا, وكثير منها لم يعمل على وفقه مالك, ولا الشافعي, ولا أبو
стр. 560
حنيفة, ولا أحمد, لا لمعارض قطعي, بل لمعارض ظني من خبر آحاد آخر لم يخرجاه, أو لقياس, ثم هذا كله إنما يتم على تقدير كون الإجماع حجة قطعية.
ولقائل أن يقول: لا دليل قطعي على حجية الإجماع, ولا تثبت حجيته بالظني للزوم الدور كما سبق, فلا تثبت حجيته.
ولهذا قال بعض حذاق الأصوليين المتأخرين: «الإجماع مشكل».
وإنما أطنبت / في الردّ عليه لقوله: «وكنت أميل إلى أن ما اتفقا عليه مظنون وأحسبه مذهبًا قويًا, وقد بان لي أنه ليس كذلك, وأن الصواب أنه يفيد العلم النظري».
قال: (واستدل: إجماعهم يدل على قاطع في الحكم؛ لأن العادة امتناع إجماع مثلهم على مظنون.
وأجيب: بمنعه في الجلي وأخبار الآحاد, بعد العلم بوجوب العمل بالظاهر).
أقول: احتج إمام الحرمين على حجية الإجماع بدليل, توجيهه: أن الإجماع يدل على وجود دليل قاطع في الحكم المجمع عليه؛ لأن العادة تقضي بامتناع إجماع مثلهم على مظنون؛ لاختلاف القرائح المانعة من الاتفاق على مظنون.
стр. 561
أجاب: بأنا نمنع أن العادة تقضي بامتناع إجماعهم على مظنون, إنما ذلك في مظنون يدق فيه النظر, أما في القياس الجلي وأخبار الآحاد بعد العلم بوجوب العمل بالظاهر فلا, قيل: صوابه بعد العلم بجواز العمل الظاهر, لا بعد العلم بوجوب العمل بالظاهر؛ لأنه إنما ثبت به الإجماع على ما تقدم له, فلا يصح سندًا لمنع الملازمة.
قلت: ولا يلزم لما سنذكر, ثم للقائل أن يقول: جواز العمل بالظن مستند إلى الإجماع أيضًا وإلا لامتنع للأدلة الدالة على المنع من العمل بالظن.
قيل: هذا الاستدلال قريب مما استدل به المصنف أولًا وصححه.
قلت: [ظاهر, غير أنه غيره]؛ لأن الأول أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف وذلك يتضمن قاطعًا, وهنا أجمعوا على الحكم وهو لا يتضمن قاطعًا.
قيل: هذا الردّ ينافي ما ردَّ به أولًا متمسك الشافعي.
قلت: لا ينافيه؛ لأنهم إذا أجمعوا على وجوب العمل بالظاهر, ثم أجمعوا على ظاهر, فالإجماع مثبت لوجوب العمل بالظاهر, والظاهر مثبت لصورة من صور الإجماع لا لنفس الإجماع فلا دور, بخلاف الأول على أنه كلام على المستند.
قيل: قوله: (وأخبار الآحاد) يمكن جعله نقضًا, أي ما ذكرتم
стр. 562
منقوض بوجوب العمل بخبر الواحد, فإن الإجماع على وجوب العمل به مع أنه مظنون.
وردّ: بأنه لا يناسب أن يجعل نقضًا؛ إذ لا يلزم من انعقاد الإجماع على وجوب العمل بالظني جواز كون سند الإجماع ظنيًا.
قال: (المخالف: ﴿تبيانًا لكل شيء﴾ , ﴿فردوه﴾ ونحوه, وغايته الظهور, وبحديث معاذ حيث لم يذكره.
أجيب: بأنه لم يكن حينئذ حجة).
أقول: احتج المخالف على أن الإجماع ليس بحجة بالكتاب والسنة.
أما الكتاب فبآيات:
الأولى: قوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء﴾ فيكون مبينًا للأحكام الشرعية, فلو كان الإجماع مبينًا لشيء من الأحكام, لم يكن القرآن تبيانًا لكل شيء.
الثانية: قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ فإنه يدل على أن الإجماع لا يكون مرجعًا للأحكام.
وقوله: (ونحوه) الظاهر أنه أراد ما تمسك به لهم الآمدي من قوله
стр. 563
تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ , وقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ , نهى كل الأمة عن هاتين المعصيتين, وذلك يدل على تصورهما منهم, ومن يتصور منهم ذلك لا يكون قولهم موجبًا للقطع.
وأشار المصنف إلى أنه لو سلم من المنع والنقض فغايته الظهور, ولا يعارض القاطع الدال على حجيته وقد قدمناه, لكنه غير سالم؛ لأن قوله: ﴿تبيانًا لكل شيء﴾ لا ينافي أن يكون غيره بيان, ثم هو منقوض / بالسنة مع كون الآية تقتضي أن يكون القرآن تبيانًا لكون الإجماع حجة لأنه شيء.
وأما الآية الثانية فنمنع أنه نفى أن يكون الإجماع مرجعًا؛ لأن الردّ إلى الإجماع ردٌّ إليهما لأنهما أصل له, مع أن ذلك مختص بما فيه النزاع, والمجمع عليه ليس كذلك.
وأيضًا: يجوز أن تكون الآية للصحابة, والإجماع لم يكن إذ ذاك حجة.
وعن الآيتين: أن النهي راجع إلى كل واحد لا إلى المجموع, ولا يلزم من جواز المعصية على كل واحد واحد جوازها على الكل.
سلمنا, لكن غايته الجواز, ولا يلزم منه الوقوع.
احتجوا من السنة ما رواه أبو داود, والترمذي ولفظه: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ فقال: أقضي بكتاب الله, قال: فإن لم تجد في
стр. 564
كتاب الله؟ فقال: فبسنة رسول الله, قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد رأي ولا آلو, قال فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي رسول الله» , لكن قال [في] البخاري: «لا يصح هذا الحديث» , وقال الترمذي: «ليس إسناده بمتصل».
ووجه الاحتجاج: أنه أهمل الإجماع عند ذكر الأدلة, وقرره النبي ﵇.
أجاب المصنف: بأنه لم يكن حينئذ حجة لعدم تقرر المأخذ, وإنما لم يذكر المصنف لفظ الحديث لشهرته.
قال: (مسألة: وفاق من سيوجد لا يعتبر اتفاقًا.
والمختار: أن المقلد كذلك.
وميل القاضي إلى اعتباره.
وقيل: يعتبر الأصولي, وقيل: الفروعي.
لنا: لو اعتبر لم يتصور, وأيضًا المخالفة عليه حرام, فغايته مجتهد
стр. 565
مخالف, وعلم عصيانه).
أقول: القائلون بالإجماع اتفقوا على أنه لا يعتبر خلاف من سيوجد بعد انقراض عصرهم, أو من بلغ رتبة الاجتهاد بعد عصرهم وإن كان موجودًا في عصرهم, وأما من بلغ رتبة الاجتهاد في عصرهم, كان موجودًا يوم الإجماع إلا أنه لم يبلغ رتبة الاجتهاد أو لم يكن موجودًا, فاعتباره مبني على الخلاف في اشتراط انقراض العصر.
وأما المقلد, فلا يعتبر عند مالك والشافعي واختاره المصنف, واعتبره القاضي أبو بكر مطلقًا, وقيل: تعتبر موافقة الأصولي المقلد في الفروع وقيل: بالعكس.
أما القاضي فرأى أن الأدلة كالمؤمنين والأمة تتناولهم, ولما كان المعول عند المصنف على الدليل العقلي وهو غير متناول لهم على ما عرف لم يعتبرهم.
احتج المصنف لمختاره بوجهين:
الأول: لو اعتبر موافقة المقلد, لم يتصور تحقق الإجماع لكثرتهم, أو انتشارهم في مشارق الأرض ومغاربها وعدم انضباط كلمتهم.
الثاني: المقلد يجب عليه تقليد العلماء وتحرم عليه مخالفتهم, فلا تضر
следующие страницы →