Полный текст (1 541 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
أجاب: بأنا نمنع أن العادة تقضي بامتناع إجماعهم على مظنون, إنما ذلك في مظنون يدق فيه النظر, أما في القياس الجلي وأخبار الآحاد بعد العلم بوجوب العمل بالظاهر فلا, قيل: صوابه بعد العلم بجواز العمل الظاهر, لا بعد العلم بوجوب العمل بالظاهر؛ لأنه إنما ثبت به الإجماع على ما تقدم له, فلا يصح سندًا لمنع الملازمة.
قلت: ولا يلزم لما سنذكر, ثم للقائل أن يقول: جواز العمل بالظن مستند إلى الإجماع أيضًا وإلا لامتنع للأدلة الدالة على المنع من العمل بالظن.
قيل: هذا الاستدلال قريب مما استدل به المصنف أولًا وصححه.
قلت: [ظاهر, غير أنه غيره]؛ لأن الأول أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف وذلك يتضمن قاطعًا, وهنا أجمعوا على الحكم وهو لا يتضمن قاطعًا.
قيل: هذا الردّ ينافي ما ردَّ به أولًا متمسك الشافعي.
قلت: لا ينافيه؛ لأنهم إذا أجمعوا على وجوب العمل بالظاهر, ثم أجمعوا على ظاهر, فالإجماع مثبت لوجوب العمل بالظاهر, والظاهر مثبت لصورة من صور الإجماع لا لنفس الإجماع فلا دور, بخلاف الأول على أنه كلام على المستند.
قيل: قوله: (وأخبار الآحاد) يمكن جعله نقضًا, أي ما ذكرتم
стр. 562
منقوض بوجوب العمل بخبر الواحد, فإن الإجماع على وجوب العمل به مع أنه مظنون.
وردّ: بأنه لا يناسب أن يجعل نقضًا؛ إذ لا يلزم من انعقاد الإجماع على وجوب العمل بالظني جواز كون سند الإجماع ظنيًا.
قال: (المخالف: ﴿تبيانًا لكل شيء﴾ , ﴿فردوه﴾ ونحوه, وغايته الظهور, وبحديث معاذ حيث لم يذكره.
أجيب: بأنه لم يكن حينئذ حجة).
أقول: احتج المخالف على أن الإجماع ليس بحجة بالكتاب والسنة.
أما الكتاب فبآيات:
الأولى: قوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء﴾ فيكون مبينًا للأحكام الشرعية, فلو كان الإجماع مبينًا لشيء من الأحكام, لم يكن القرآن تبيانًا لكل شيء.
الثانية: قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ فإنه يدل على أن الإجماع لا يكون مرجعًا للأحكام.
وقوله: (ونحوه) الظاهر أنه أراد ما تمسك به لهم الآمدي من قوله
стр. 563
تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ , وقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ , نهى كل الأمة عن هاتين المعصيتين, وذلك يدل على تصورهما منهم, ومن يتصور منهم ذلك لا يكون قولهم موجبًا للقطع.
وأشار المصنف إلى أنه لو سلم من المنع والنقض فغايته الظهور, ولا يعارض القاطع الدال على حجيته وقد قدمناه, لكنه غير سالم؛ لأن قوله: ﴿تبيانًا لكل شيء﴾ لا ينافي أن يكون غيره بيان, ثم هو منقوض / بالسنة مع كون الآية تقتضي أن يكون القرآن تبيانًا لكون الإجماع حجة لأنه شيء.
وأما الآية الثانية فنمنع أنه نفى أن يكون الإجماع مرجعًا؛ لأن الردّ إلى الإجماع ردٌّ إليهما لأنهما أصل له, مع أن ذلك مختص بما فيه النزاع, والمجمع عليه ليس كذلك.
وأيضًا: يجوز أن تكون الآية للصحابة, والإجماع لم يكن إذ ذاك حجة.
وعن الآيتين: أن النهي راجع إلى كل واحد لا إلى المجموع, ولا يلزم من جواز المعصية على كل واحد واحد جوازها على الكل.
سلمنا, لكن غايته الجواز, ولا يلزم منه الوقوع.
احتجوا من السنة ما رواه أبو داود, والترمذي ولفظه: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ فقال: أقضي بكتاب الله, قال: فإن لم تجد في
стр. 564
كتاب الله؟ فقال: فبسنة رسول الله, قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد رأي ولا آلو, قال فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي رسول الله» , لكن قال [في] البخاري: «لا يصح هذا الحديث» , وقال الترمذي: «ليس إسناده بمتصل».
ووجه الاحتجاج: أنه أهمل الإجماع عند ذكر الأدلة, وقرره النبي ﵇.
أجاب المصنف: بأنه لم يكن حينئذ حجة لعدم تقرر المأخذ, وإنما لم يذكر المصنف لفظ الحديث لشهرته.
قال: (مسألة: وفاق من سيوجد لا يعتبر اتفاقًا.
والمختار: أن المقلد كذلك.
وميل القاضي إلى اعتباره.
وقيل: يعتبر الأصولي, وقيل: الفروعي.
لنا: لو اعتبر لم يتصور, وأيضًا المخالفة عليه حرام, فغايته مجتهد
стр. 565
مخالف, وعلم عصيانه).
أقول: القائلون بالإجماع اتفقوا على أنه لا يعتبر خلاف من سيوجد بعد انقراض عصرهم, أو من بلغ رتبة الاجتهاد بعد عصرهم وإن كان موجودًا في عصرهم, وأما من بلغ رتبة الاجتهاد في عصرهم, كان موجودًا يوم الإجماع إلا أنه لم يبلغ رتبة الاجتهاد أو لم يكن موجودًا, فاعتباره مبني على الخلاف في اشتراط انقراض العصر.
وأما المقلد, فلا يعتبر عند مالك والشافعي واختاره المصنف, واعتبره القاضي أبو بكر مطلقًا, وقيل: تعتبر موافقة الأصولي المقلد في الفروع وقيل: بالعكس.
أما القاضي فرأى أن الأدلة كالمؤمنين والأمة تتناولهم, ولما كان المعول عند المصنف على الدليل العقلي وهو غير متناول لهم على ما عرف لم يعتبرهم.
احتج المصنف لمختاره بوجهين:
الأول: لو اعتبر موافقة المقلد, لم يتصور تحقق الإجماع لكثرتهم, أو انتشارهم في مشارق الأرض ومغاربها وعدم انضباط كلمتهم.
الثاني: المقلد يجب عليه تقليد العلماء وتحرم عليه مخالفتهم, فلا تضر
стр. 566
مخالفته؛ إذ غايته كمجتهد خالف أصل الإجماع وعلم عصيانه, وهو المجتهد الذي بلغ رتبة الاجتهاد بعد انقراضهم, فكما يعصي هذا ولا تضر مخالفته فكذلك العامي بل أولى؛ لأنه لا يقدر على الاستنباط بخلاف المجتهد, والجامع بينهما أن كل واحد يعصي بالمخالفة ويجب عليه العمل بقولهم.
قلت: وفيهما نظر؛ أما الأول فنمنعه, وسنده ما ذكر في المجتهدين, والكثرة لا تمنع التصور, ولو سلّم ففي غير الأصولي والفروعي.
وأما الثاني: فلا يلزم من كون المخالفة عليه حرام, كون قولهم حجة على غيرهم, لجواز كون العصمة للهيئة الاجتماعية, والفرق بينه وبين المجتهد أنهم ثمة كل الأمة بخلاف هنا.
قال: (مسألة: المبتدع بما يتضمن كفرًا كالكافر عند المكفر, وإلا كغيره وبغيره.
ثالثها: يعتبر في حق نفسه.
لنا: أن الأدلة لا تنتهض دونه.
قالوا: فاسق فيرد قوله كالكافر والصبي.
أجيب: بأن الكافر ليس من الأمة في شيء, والصبي لقصوره.
ولو سلّم, فيقبل على نفسه).
أقول: المجتهد المبتدع إن كان مبتدعًا بما يتضمن الكفر, وهو المخطئ في الأصول بتأويل - لأن غير المتأول كافر - فمن كفر المتأول فلا نزاع في أنه لا يعتبره في الإجماع, ولا يثبت تكفيرهم بإجماعنا لأنه فرع تكفيرهم, بل بالدليل العقلي, ومن لم يكفره فحكمه عنده حكم المبتدع بما لا يتضمن كفرًا
стр. 567
كالفسق بالجوارح, وفيه ثلاثة مذاهب: اعتباره مطلقًا, وهو اختيار بعض المالكية, وإمام الحرمين, والمصنف, الثاني: عدم اعتباره مطلقًا, الثالث: تعتبر موافقته في حق نفسه, بمعنى أنه تجوز له مخالفة الإجماع الذي انعقد بدونه, ولا تجوز لغيره مخالفته, احتج لمختاره: بأن الأدلة العقلية والسمعية لا تنهض دونه, أما العقلية: فلأن النص القاطع الذي تضمنه إجماعهم على القطع بتخطئة المخالف, إنما هو على تقدير اتفاق جميع مجتهدي عصر, وأما السمعية, فلأنه من الأمة والمؤمنين, وفسقه لا يخل بأهليته.
احتج القائلون بعدم اعتباره: بأنه فاسق فلا يعتبر قوله, قياسًا على الكافر والصبي بجامع عدم العدالة.
الجواب: نمنع عليه الوصف؛ لأن الكافر إنما لم يعتبر لكونه ليس من الأمة, والصبي إنما لم يعتبره لقصوره عن درجة الاجتهاد, بخلاف الفاسق فإنه من الأمة وقادر على الاستنباط, ولو سلم عدم قبول قوله فبالنسبة إلى من لم يظهر صدقه عنده, أما في حق نفسه فلا ينعقد إجماعهم حجة عليه إذا أداه اجتهاده إلى غير ذلك, وهذا معنى قول الآمدي: «لا نسلم امتناع فتواه
стр. 568
بالنسبة إلى من ظهر صدقه عنده» , ومن هنا تعلم أن مراد المصنف ردّ قول النافي بأنه لا ينهض أصلًا أو لا ينهض على أحد الفريقين, لا كما قال بعض الشراح: «إن مدعى المصنف أحد الأمرين, إما قبوله مطلقًا, أو قبوله في حق نفسه» , ولا كما قرره أكثر الشراح من أن الفسق يمنع من قبول قوله في حق الغير للتهمة, ولكن لا يمنع قبول قوله على نفسه لعدم التهمة, فإذا أجمعوا على ما يكون عليه فعدم موافقته لا تعتبر للتهمة, أما إذا أجمعوا على ما يكون له فعدم موافقته تعتبر لعدم التهمة, وقد ظهر لك ما هو الحق.
ونزيده وضوحًا, قال الإمام في البرهان: في عدم اعتبار قوله نظر عندي؛ لأنه لا يلزمه أن يقلد غيره, بل يلزمه أن يرجع في وقائع نفسه إلى اجتهاده, فكيف ينعقد الإجماع عليه في حقه واجتهاده خالف اجتهاد غيره, وإذا لم ينعقد في حقه استحال بعض حكمه, فإن قيل: هو عام في حق نفسه باجتهاده يصدق عليه فيما بينه وبين ربه وهو مكذب في حق غيره, فلهذا انقسم حكم الإجماع في حقه, قلنا: الفاسق لا يقطع بكذبه, فهو كالعالم الغائب, فإذا تاب كان كما إذا قدم العالم الغائب.
قال: (مسألة: لا يختص الإجماع بالصحابة, وعن أحمد قولان.
لنا: الأدلة السمعية, قالوا: إجماع الصحابة قبل مجيء التابعين
стр. 569
وغيرهم على أن ما لا قطع فيه سائغ فيه الاجتهاد, فلو اعتبر غيرهم معهم خولف إجماعهم وتعارض الإجماعان.
أجيب: بأنه لازم في الصحابة قبل تحقق إجماعهم / فوجب أن يكون ذلك مشروطًا بعدم الإجماع, قالوا: لو اعتبر لاعتبر مع مخالفة بعض الصحابة, أجيب: بفقد الإجماع مع تقدم المخالفة عند معتبرها).
أقول: الجمهور على أن الإجماع لا يختص بالصحابة, بل إجماع مجتهدي كل عصر حجة, وذهب أهل الظاهر وأحمد في أحد القولين إلى أن الإجماع المحتج به هو إجماع الصحابة فقط, احتج المصنف بالأدلة السمعية, وهي تتناول مجتهدي كل عصر, وقد علمت أن السمعية ردها إلا ما تمسك به الغزالي على الوجه الأول, فإليه أشار والله أعلم, وأطلق لفظ الجمع نظرًا إلى أفراد تلك الأخبار, أو لأن الظاهرية لما كانت أدلة الإجماع عندهم من الكتاب والسنة, أشار إلى ما احتجوا به, فقال: (لنا: الأدلة السمعية) ولم يتعرض للأدلة العقلية؛ لأن أهل الظاهر لا يسلمونها, فانحصر عندهم دليل حجية الإجماع في الكتاب والسنة, ثم قالوا: هي كلها خطاب مع الموجودين, فلا يكون إجماع التابعين حجة؛ إذ ليسوا كل الأمة؛ إذ من تقدم لا يخرج بالموت عن كونه من المؤمنين أو من الأمة, ويلزمهم أن لا يكون من أسلم بعد نزول الآية معتبرًا في إجماع الصحابة, لأن أولئك كل
стр. 570
الأمة حقيقة, وكذا إن مات البعض بعد نزول الآية ثم أجمع الباقون, إلا يكون إجماعًا إذ ليسو كل الأمة, فالتابعون كل الأمة فيما لم يسبق لغيرهم فيه خلاف وبعض الأمة في ما سبق فيه خلاف, احتج أهل الظاهر بوجهين: الأول لو كان إجماع غير الصحابة حجة لزم تعارض الإجماعين واللازم باطل, أما الملازمة: ؛ فلأن الصحابة أجمعوا قبل مجيء التابعين على أن كل مسألة لا قاطع فيها يجوز فيها الاجتهاد, وأن يأخذ كل مجتهد فيها بما أداه إليه اجتهاده, فلو اعتبر إجماع التابعين وأجمعوا على مسألة لا قاطع فيها لزم تعارض الإجماعين؛ لأنه يلزم من إجماع التابعين عدم جواز الاجتهاد فيها لمن بعدهم ويلزم من إجماع الصحابة جواز الاجتهاد فيها, وتعارض إجماعين يستلزم خطأ أحد الإجماعين, والخطأ منفي عن الإجماع. الجوةاب: إن الإلزام المذكور لازم في الصحابة قبل تحقق إجماعهم؛ لأن الصحابة قبل إجماعهم في مسألة يجوز فيها قد أجمعوا على جواز الاجتهاد فيها فإذا أجمعوا فيها فبعد إجماعهم لا يجوز فيها الاجتهاد فلزم تعارض إجماعيهما, فلو صح ما ذكرتم لزم أن لا يجوز إجماعهم في شيء من المسائل الاجتهادية, ولما كان هذا الجواب إلزاميًا, أشار إلى التحقيق بأنه يجب أن يكون المجمع على جواز الاجتهاد فيه عند الصحابة المسائل الاجتهادية بشرط عدم القاطع, بمعنى أن ما لا قاطع فيه يسوغ فيه الاجتهاد ما دام كذلك, وأكثر القضايا العرفية سيما السوالب تفيد ذلك وإن لم يصرح به, فإذا قلت: لا شيء من النائم بيقظان, فهم منه ما دام نائمًا, وفيما ذكر زال الشرط فزال الحكم.
стр. 571
احتجوا ثانيًا: بأنه لو اعتبر إجماع غير الصحابة, لزم اعتباره في حكم خالف فيه بعض الصحابة؛ لأنه إذا كان معتبرًا في حكم لا قول فيه لصحابي فمع موافقة بعض الصحابة أولى لكن اللازم باطل؛ إذ لا إجماع مع سبق الخلاف. الجواب: بمنع الملازمة عند من يشترط في صحة الإجماع ألا يسبقه خلاف مستقر؛ إذ القول لا يعدم بانعدام قاله فحينئذ يفرق بينهما إذ لا يلزم من اعتبار الإجماع مع احتمال المخالفة اعتباره مع تحقق المخالفة / ومن يرى أن سبق الخلاق لا يقدح في صحة إجماع العصر الثاني يمنع بطلان التالي.
قال: (مسألة: لو ندر المخالف مع كثرة المجمعين, كإجماع غير ابن عباس على العول, وغير أبي موسى على أن النوم ينقض الوضوء, لم يكن إجماعًا قطعيًا؛ لأن الأدلة لا تتناوله.
والظاهر: أنه حجة؛ لبعد أن يكون الراجح متمسك المخالف).
أقول: اختلفوا في انعقاد الإجماع مع شذوذ المخالف وإن قلَّ كالواحد.
أكثر أصحاب مالك وجمهور العلماء على أنه لا يكون إجماعًا, كإجماع من عدا ابن عباس من الصحابة على العول, وإجماع من عدا
стр. 572
أبي موسى الأشعري على أن النوم ينقض الوضوء.
وفي بعض النسخ لم يكن إجماعً «قطعًا» , وفي بعضها «قطعيًا».
والأولى أظهر, أي يقطع أنه ليس بإجماع فلا يكفر ولا يفسق مخالفه لأن الأدلة العقلية والنقلية لا تتناوله, أما العقلية: فلأن النص القاطع الذي وجب تقديره إنما هو أن المخالف لجميع مجتهدي عصر مخطئ لا المخالف لبعضها, وأن الذي أجمعوا على تقديمه على القاطع هو ما اتفق فيه كل الأمة لا أكثرها, وأما الأدلة السمعية: فلأن هؤلاء بعض المؤمنين وبعض الأمة, ثم إذا لم يكن إجماع فالظاهر أنه حجة, إذ الغالب على الظن أن الأكثر لا يخطئ الدليل ويجده الأقل, وخرّج ابن ماجه: «إذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم» ولأن الظن الناشئ منه أكثر من الظن الناشئ من إجماع أهل المدينة مع كونه حجة على ما سيأتي, ورجح بعض الشراح [النسخة] الأخيرة قال: «ليس قطعي لأنه ظني».
стр. 573
واحتج له بقوله في المنتهى: «لأن أدلة القطعي لا تتناوله».
وفيه نظر؛ لأن المصنف اصطلاحه أنه لا يطلق الإجماع إلا على القطعي إلا أنه يطلقه مضافًا, كقوله: إجماع أهل المدينة, أو موصوفًا, والإجماع الظني إنما يطلق عليه اسم الحجة, وإلا لورد على تعريف الإجماع, ولا يقال التعريف للقطعي؛ لأنه يتناول السكوتي, وأما ما ذكر في المنتهى فقد عدل عنه هنا مع أنه احتج على حجية الإجماع القطعي, فلذلك قال: «أدلة القطعي لا تتناوله» , ثم أدلة الظني لا تتناوله أيضًا لأنه ليس له صورة الإجماع, والظواهر إنما دلّت على كل الأمة أو كل المؤمنين, ورجحها بعضهم بأنه لو كان حجة لا إجماعًا لزم عدم انحصار الأدلة في الكتاب, والسنة, والإجماع, والقياس, والاستدلال, وليس بمرجح لأنا نلتزمه.
قال: (التابعي المجتهد معتبر مع الصحابة, فإن نشأ بعدهم فعلى انقراض العصر. لنا: ما تقدم, واستدل: لو لم يعتبر لم يسوغوا اجتهادهم معهم, كسعيد بن المسيب, وشريح, والحسن, ومسروق, وأبي وائل والشعبي, وابن جبير وغيرهم, وعن أبي سلمة: تذاكرت مع ابن عباس وأبي هريرة في عدة الحامل للوفاة, فقال ابن عباس: أبعد الأجلين, وقلت أنا: بالوضع, وقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي.
أجيب: إنما سوغوه مع اختلافهم).
أقول: اختلفوا في اعتبار التابعي المجتهد عند انعقاد الإجماع من الصحابة,
стр. 574
فذهب الأكثرون إلى أنه لا ينعقد إجماعهم مع مخالفته, وذهب الأقلون إلى عدم اعتباره, أما لو بلع رتبة الاجتهاد بعد انعقاد الإجماع, فاعتباره مبني على اشتراط انقراض العصر وسيأتي. احتج بما تقدم من أن الأدلة لا تتناوله إذ ليس كل الأمة, واستدل: لو لم يعتبر قوله وكان كالعدم, لم يسوغ الصحابة للتابعين الاجتهاد معهم, أما الملازمة؛ فلأن اجتهاد / التابعين مع وجود الصحابة لو كان باطلا, لكان تسويغ الصحابة له تسويغًا للباطل, وهم لا يجتمعون على ذلك, أما بطلان التالي؛ فلأن الصحابة سوغوه لهم, كسعيد بن المسيب, وشريح, والحسن, ومسروق
стр. 575
وأبي وائل, والشعبي, وسعيد بن جبير.
فقد روي عن الحسين بن علي أنه سئل عن مسألة, فقال: «سلوا الحسن».
وسئل ابن عباس عن أخرى, فقال: «سلوا مسروقًا» , وسئل ابن عمر عن فريضة, فقال: «سلوا سعيد بن جبير».
стр. 576
وفي صحيح مسلم أن أبا سلمة بن عبد الرحمن وابن عباس اجتمعا عند أبي هريرة وهما يتذاكران أن المرأة تعتد بعد وفاة زوجها بليال, فقال ابن عباس: عدتها آخر الأجلين, وقال أبو سلمة: قد حلّت, فجعلا يتنازعان ذلك, قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي, يعني أبا سلمة.
الجواب: أن محل النزاع إذا اتفق الصحابة, وهنا إنما سوغوه مع اختلافهم, ولا يلزمه من اعتباره حيث اختلفوا اعتباره حيث اتفقوا.
قال: (مسألة: إجماع أهل المدينة من الصحابة والتابعين حجة عند مالك. فقيل: محمول على أن روايتهم مقدمة, وقيل: على المنقولات المستمرة, كالأذان والإقامة, والصحيح التعميم.
لنا: أن إجماع مثل هذا العدد الكثير من العلماء اللاحقين بالاجتهاد لا يجمعون إلا على راجح, فدل على أنه راجح.
فإن قيل: يجوز أن يكون متمسك غيرهم راجح, ولم يطلع عليه بعضهم.
قلنا: العادة تقتضي باطلاع الأكثر, والأكثر كاف فيما تقدم.
واستدل بنحو: «إن المدينة طيبة تنفي خبثها» , وهو بعيد, وبتشبيه عملهم بروايتهم.
وردّ: بأنه تمثيل لا دليل, مع أن الرواية ترجح بالكثرة بخلاف
стр. 577
الاجتهاد).
أقول: اشتهر بين النظار أن إجماع أهل المدينة حجة عند مالك, وتحقيق القول في ذلك, ما بسطه القاضي أبو الفضل عياض, فإنه من محققي العلماء, وممن يرجع إليه سيما في مذهب مالك.
قال: «إما نقل شرع من جهة النبي ﷺ من قول أو فعل, كالصاع والمُدّ, وأنه كان يأخذ منهم به الصدقة, وزكاة الفطر, وكالأذان والإقامة وترك الجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في الصلاة, وكالأحباس».
فنقلهم لهذه الأمور من قوله أو فعله, كنقلهم موضع قبره ومسجده ومنبره ومدينته, وغير ذلك مما علم ضرورة من أحواله وسيره, وصفة صلاته وعدد الركعات, أو نقل إقراره لما شاهده ولم ينقل عنه إنكاره, كعهده الرقيق, وشبه ذلك, أو نقل ترك أحكام لم يلزمهم إياها مع شهرتها
стр. 578
لديهم وظهورها فيهم, كتركه أخذ الزكاة من الخضروات, مع علمه أنه عندهم كثيرة.
فهذا النوع من إجماعهم حجة قطعية, وإليه رجع أبو يوسف, وهو الذي تكلم عليه مالك عند أكثر شيوخنا, ووافق عليه جمع من الشافعية, وكذا نقول: لو تصور ذلك في غيرهم, لكن لا يوجد مثل هذا النقل عند غيرهم, فإن شرط المتواتر تساوي الطرفين والوسط, فالذي ينقله غيرهم آحاد, والمتواتر مقدم.
فإن احتجوا بالأذان الذي نقله أهل مكة بين يدي رسول الله ﷺ ونقلوه متواترًا, قلنا: آخر الفعلين ما توفي عنه ﵇ بالمدينة.
الثاني: إجماعهم على عمل من طريق الاجتهاد والاستدلال, وهذا النوع اختلف فيه أصحابنا, فذهب / معظمهم إلى أنه ليس بحجة, وهو قول أكثر البغداديين, منهم: ابن بكير, وأبو يعقوب
стр. 579
الرازي, وابن المنتاب, وأبو العباس الطيالسي, وأبو الفرج, والأبهري, وأبو التمام, والباقلاني, وابن القصار.
قالوا: لأنهم بعض الأمة, وأنكروا أن يكون ذلك قول مالك.
وذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة, ولكن يرجح على اجتهاد غيرهم.
وذهب بعضهم إلى أنه حجة يقدم على خبر الواحد.
стр. 580
قال عبد الوهاب: «وعليه يدل كلام ابن المعذل, وأبي مصعب, وقول جماعة من المغاربة».
قال القاضي عياض: «عمل أهل المدينة مع خبر الواحد لا يخلو من ثلاثة أوجه:
إن كان موافقًا له, فهو يؤكد صحته إن كان من طريق النقل, أو يرجحه إن كان عن اجتهاد بغير خلاف, إذ لا يعارضه إلا اجتهاد آخرين.
وإن كان موافقًا لخبر يعارضه خبر آخر, كان عملهم مرجحًا لخبرهم, وهو أقوى ما ترجح به الأخبار إذا تعارضت, وإليه ذهب الإسفرئيني والمحققون من متأخري المالكية.
وإن كان مخالفًا لأخبار الآحاد جملة, فإن كان إجماعهم من طريق النقل, ترك له الخبر بغير خلاف عندنا, وإن كان إجماعهم اجتهاديًا, قدم الخبر عند الجمهور, وفيه الخلاف المتقدم.
أما لو لم يكن عملا, وإنما نقلوا خبرًا, ونقل غيرهم ما يعارضه, فالراجح ما نقلوه, قال الأستاذ والمحققون: لزيادة مشاهدتهم قرائن الأحوال.
стр. 581
فإن قيل: إذا كان من باب النقل كما ذكرتم, فما فائدة ذكر الإجماع مع أنه من باب النقل.
الجواب: أن موجب ذلك مخالفة العراقيين وغيرهم لنا في مسائل طريقها النقل والعمل المستفيض, اعتمدوا فيها على أخبار الآحاد.
واحتج أصحابنا بنقل أهل المدينة وعملهم المجتمع عليه المتواتر على ترك الأخبار, وعن الشافعي: إجماع المدينة أحب إليّ من القياس». انتهى كلام عياض, وهو العمدة, لا كلام المصنف.
احتج: بأن العادة تقضي بأن مثل هذا الجمع الكثير من العلماء المحصورين المحققين الأحقين بالاجتهاد لمشاهدتهم التنزيل وسماعهم التأويل, لا يجمعوه إلا عن راجح, وقال: (مثل هذا الجمع) لينبه على أنه لا خصوصية للمكان, وأنه لو اتفق في غيرها مثل ذلك كان حجة.
وقال: (المنحصر) لأنه لو اتفق عدتهم أو أكثر متفرقين في البلاد, أو مختلطين بمن خالفهم, أو غائبين عن بلدهم, لم يعتبر, ولم تقض العادة باطلاعهم على الراجح, بخلاف قوم مجتمعين يتناظرون ثم يتفقون, فيبعد ألا يطلع أحدهم على دليل المخالف المدعى رجحانه.
واحترز (بالأحقين) عن منحصرين في موضع لا يكون مهبطًا للوحي, وأهله غير واقفين على وجوه الأدلة من قول الرسول أو فعله, أو فعل أصحابه في زمانه, ووجوه الترجيح, ولا شك أن أهل المدينة أعلم بذلك.
فإن قيل: لا نسلم قضاء العادة باتفاق مثلهم عن راجح؛ لأنهم بعض
стр. 582
الأمة, فجاز أن يكون متمسك غيرهم أرجح.
قلنا: وإن كان جائزًا إلا أنه بعيد, والاحتمال البعيد لا ينفي الظهور؛ إذ العادة تقضي باطلاع الأكثر عددًا وإجماعًا وأحقية على الراجح, والأكثر كاف في الاطلاع على الراجح, أو في تتميم دليلنا, لأنه إذا قضت العادة باطلاع الأكثر, بَعُدَ ألا يطلع عليه من أهل المدينة أحد.
قال بعض الشراح: «والأكثر كاف فيما تقدم» , يريد مسألة لو ندر المخالف.
وفيه نظر؛ وإلا لقال كما تقدم, مع أن تلك ندر المخالف, ولا يلزم فيما كثر فيه المخالف وإن كان أقل منه الآخرين, على أنهم قد يكونوا أكثر. واستدل بما في الصحيحين, ولفظه: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فبايعه على الإسلام, فجاء من الغد محمومًا, فقال: أقلني بيعتي فأبى, ثم جاءه فأبى, ثم جاء فقال: أقلني بيعتي فأبى, فخرج الأعرابي, فقال النبي ﷺ : «إنما المدينة كالكير تنفي خبثها, وينصع طيبها».
ولمسلم وحده: «إنها طيبة, وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة».
وجه الاستدلال: أن الخطأ خبث فيكون منفيا عنها, فيكون قولهم
стр. 583
حجة.
قال المصنف: وهو بعيد؛ لأنه ظاهر في أنها تخرج عنها خبثًا حصل فيها, ولا دلالة له على ابتغاء الخطأ عما اتفق عليه أهلها, وإلا لزم ألا يقع الخطأ من مجتهد مدني.
واستدل أيضًا: بأن رواية أهل المدينة تقدم على رواية غيرهم, فيكون عملهم الاجتهادي راجحًا على اجتهاد غيرهم.
أجاب أولًا: بأنه تمثيل لا دليل, يعني لا جامع فيه, ويدل عليه لفظ الإحكام: «تمثيل من غير دليل موجب للجمع».
ولفظ المنتهى: «تمثيل لا دليل فيه» , ولا يحمل على أنه أراد بالتمثيل القياس الظني؛ إذ المصنف لا يقول إن إجماع أهل المدينة حجة قطعية, حتى ينفي الاستدلال على حجيته بالظني.
ثم أجاب ثانيًا: بالفرق, وهو أن الرواية ترجح بمجرد الكثرة عند التساوي فيما عداها من الصفات, والاجتهاد لا يرجح بمجرد الكثرة.
ولا يقال: المصنف رجح بها أولًا؛ لأنها إنما رجح بها منضمة إلى غيرها, وليس كل من كانت روايتهم مقدمة يكون اجتهادهم أرجح؛ لأن رواية عشرة مثلا من غير أهل المدينة مرجحة على رواية ثمانية من غير أهل المدينة, وليس اجتهاد عشرة من غير أهل المدينة يرجح على اجتهاد ثمانية من غيرهم.
стр. 584
قال: (مسألة: لا ينعقد الإجماع بأهل البيت وحدهم خلافًا للشيعة, ولا بالأئمة الأربعة خلافًا لأحمد, ولا بأبي بكر وعمر عند الأكثرين.
قالوا: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» , «اقتدوا بالذين من بعدي: أبي بكر وعمر».
قلنا: يدل على أهلية اتباع المقلد, ومعارض بمثل: «أصحابي كالنجوم» , و «خذوا شطر دينكم عن الحميراء»).
أقول: لا ينعقد الإجماع بأهل البيت وحدهم, وهم: عليّ والحسن والحسين وأمهما, خلافًا للشيعة فإنهم يرونه حجة لاشتماله على قول الإمام المعصوم, وإلا فالشيعة لا يرون الإجماع حجة بالذات على ما تقدم, ولا ينعقد بالأئمة الأربعة خلافًا لأحمد في أحد قوليه, وللقاضي أبي حازم من الحنفية [وهو لازم قول الشيعة؛ لأن عليًا منهم] ولا
стр. 585
باتفاق أبي بكر وعمر خلافًا لشذوذ من الناس.
لنا في المطالب الثلاث: أن الأدلة الدالة على حجية الإجماع لا تدل إلا على حجية قول جميع الأمة, ولما تكرر هذا الاستدلال لم يكرره.
احتج أبو جازم: بما رواه أبو داود, والترمذي, وصححه أبو نعيم, وخرجه الحاكم في مستدركه ولفظه, بعد أن وعظهم فقال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين, تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ».
ووجه الدلالة: أنه أوجب عليهم اتباع سنة / الخلفاء الأربعة كما وجب عليهم اتباع سنته, فيكون قولهم حجة.
احتج من قال إجماع الشيخين حجة: بما رواه الترمذي, وصححه
стр. 586
ابن حبان ولفظه: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر» , وإذا أوجب الاقتداء بهما, كان قولهما حجة.
والجواب عن الحديثين: أنهما خطاب مع عوام الصحابة جمعًا بين الأدلة فالأربعة والاثنان أهل لأن يأخذ المقلد بقولهم, وكأنه إشارة إلى أرجحية المذكورين عند الاختلاف, وإلا فكل مجتهد أهل لأن يتبعه المقلد.
ثم هو معارض بما روي عنه ﵇ أنه قال: «سألت ربي فيما اختلف أصحابي من بعدي, فأوحى إليّ يا محمد! إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء, بعضها أضوأ من بعض, فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم, فهو عندي على هدى».
وبما روى أنه قال: «خذوا شطر دينكم عن الحميراء».
وتقرير المعارضة: أنه أباح الاقتداء بغير الأربعة, وبغير الشيخين عند مخالفة غيرهم, فلو كان إجماعهم حجة لم تجز مخالفتهم والاقتداء بغيرهم, ولكان قول أحد الصحابة أو قول عائشة حجة, فدلَّ على أن المراد بهذه الأحاديث أهلية اتباع المقلد.
стр. 587
قلت: وفي المعارضة نظر؛ أما أولًا: فلأن الحديث الأول ضعيف, والثاني منكر لا يوقف له على سند, ثم لو صحا لكانا مخصوصين بغير ما خالف فيه الأربعة والشيخان, جمعًا بين الأدلة.
قال: (مسألة: لا يشترط عدد التواتر عند الأكثر.
لنا: دليل السمع, فلو لم يبق إلا واحد, فقيل: حجة لمضمون السمعي.
وقيل: لا؛ لمعنى الإجماع).
أقول: أكثر الأصوليين على أنه لا يشترط في المجمعين بلوغ عدد التواتر, وذهب بعض من استدل على حجية الإجماع بدليل العقل كإمام الحرمين, وبعض من استدل بالأدلة السمعية إلى اشتراطه.
والدليل على المختار: أن الأدلة الدالة على حجية الإجماع عقلية كانت أو سمعية, لا تختص بما بلغ المجمعون فيه عدد التواتر, أما العقلي؛ فلما قدم المصنف.
وأما السمعي؛ فلأن لفظ الأمة والمؤمنين يعم ما بلغ المجمعون فيه عدد التواتر وما قصر عنه, ولا وجه لتخصيص المصنف الاستدلال بالسمعي, ومن هنا وهم بعض الشراح, فقال: «من احتج على حجية الإجماع بدليل
стр. 588
العقل, يلزمه الاشتراط» , وذهل عما تقدم للمصنف.
واحتج من اشترط عدد التواتر: بأنهم حينئذ لا يعلم إيمانهم بقولهم فضلا عن إجماعهم على حكم, وهو ضعيف؛ لأنا نعلم صدقهم بالأدلة الدالة على عدم اجتماعهم على الخطأ, كانوا عدد التواتر أو أقل؛ لأنهم جميع مجتهدي الأمة, ولولا ذلك الدليل ما نفع كونهم عدد التواتر؛ لأن كل واحد أخبر عن اجتهاد نفسه, فلم يخبروا عن شيء واحد محسوس.
فلو لم يبق من المجتهدين إلا واحد, فقيل: قوله حجة لمضمون السمعي, وهو أنه لا يخرج الحق عن هذه الأمة وإن لم يوجبه صريح السمعي لعدم صدق سبيل المؤمنين وإجماع الأمة.
وقيل: ليس بحجة؛ لأن الإجماع يشعر بالاجتماع, والاجتماع وسبيل المؤمنين هو المنفي عنه الخطأ.
قال: (مسألة: إذا أفتى واحد وعرفوا به, ولم ينكره أحد قبل استقرار المذاهب, فإجماع أو حجة.
وقال الشافعي: ليس إجماعًا ولا حجة, وعنه خلافه.
وقال الجبائي: إجماع بشرط انقراض العصر.
ابن أبي هريرة: إن كان فتيا لا حكمًا.
стр. 589
لنا: سكوتهم ظاهر في موافقتهم, فكان كقولهم الظاهر, فينهض دليل السمع.
المخالف: يحتمل أنه لم يجتهد, أو وقف, أو خالف فتروّى, أو وقّر, أو هاب.
فلا إجماع ولا حجة.
قلنا: خلاف الظاهر؛ لأن عادتهم ترك السكوت.
الآخر: دليل ظاهر لما ذكرناه.
الجبائي: انقراض العصر يضعف الاحتمال.
ابن أبي هريرة: العادة في الفتيا لا في الحكم.
أجيب: بأن الفرض قبل استقرار المذاهب.
وأما إذا لم ينتشر فليس بحجة عند الأكثر).
أقول: إذا ذهب واحد من المجتهدين إلى حكم في مسألة, وعرف الباقون ولم ينكر أحد, فإن كان بعد استقرار المذاهب فيها, لم يدل السكوت على الموافقة قطعًا؛ إذ لا عادة بإنكاره, وقصاراه أنه وافق بعض من ذهب فيها إلى مذهب, وإن كان قبل استقرارها حالة البحث عن المذاهب والنظر فيها, فإجماع إن علم أن سكوتهم رضا, وإلا فهو حجة.
ولما كان العلم برضاهم غير معلوم, جزم في المنتهى فقال: «حجة وليس بإجماع قطعي».
стр. 590
وهذا مذهب أبي هاشم, ومختار المصنف.
وعن الشافعي: ليس إجماعًا ولا حجة, وعنه خلافه, بمعنى أنه إجماع.
وهذا منقول عن بعض أصحابه, إذ لم ينقل عنه ولا عن أحد من أصحابه أنه حجة وليس بإجماع, وعكسه لا يصح.
وقال الجبائي: «إجماع بشرط انقراض عصرهم من غير نكير».
وقال ابن أبي هريرة: «إن كان القول فتيا فإجماع, وإن كان حكمًا فلا إجماع ولا حجة».
لا يقال: موضوع المسألة إذا أفتى واحد, فهذا ترديد في الواقع؛ لأنا بيّنا أن المراد هناك إذا ذهب واحد.
احتج المصنف لمختاره: بأن سكوت أهل عصره عن الإنكار عنه والبحث معه في مأخذه على عادة النظار, يدل ظاهرًا على موافقتهم وإلا لما
стр. 591
ستكوا عادة, فتيا كان ذلك أو حكمًا؛ إذ الكلام قبل استقرار المذاهب, فحينئذ يكون كقولهم الظاهر غير القطعي الدلالة, فينتهض دليل السمع فإنه سبيل المؤمنين, وقول كل الأمة ظاهرًا, فإن علم رضاهم بقرائن كان إجماعًا وإلا فهو حجة؛ لأن العمل بالظاهر واجب.
احتج المخالف, وهو القائل ليس إجماعًا ولا حجة.
أما أنه ليس بإجماع؛ فلأن رضاهم لا يعلم إلا بقولهم, فيكون على هذا خلاف في حال, أو يكون عدم الإنكار لكون المجتهد تعارضت عنده الأدلة ويرى التخيير عند تعادلها كما يقول الشافعي وأحمد, فلا يكون إجماعًا تحرم مخالفته؛ إذ لا يلزم حينئذ من العلم برضاهم حرمة المخالفة؛ لأن سكوته لموافقة ما خُير فيه, ويكون على هذا خلاف.
وأما أنه ليس بحجة؛ فلأن من سكت قد يكون لكونه يرى أن كل مجتهد مصيب, وقد يكون لم يجتهد بعد, أو اجتهد فتوقف, أو خالف رأيه رأي المفتي لكنه تروى في إظهار المخالفة لاحتمال رجحان مأخذ مخالفه, أو وقّره فلم يخالفه تعظيما له, أو هابه كما حكي عن ابن عباس في مسألة العول لأنه سكت أولًا ثم أظهر الإنكار, فقيل له في ذلك, فقال: «إنه - يعني عمر - كان رجلًا مهيبًا» , ومع [قيام] هذه الاحتمالات لا يدل السكوت على الموافقة.
стр. 592
أجاب المصنف: بإن هذه الاحتمالات خلاف الظاهر, لما علم من عادتهم من ترك السكوت في مثله, كقول معاذ لعمر حين أراد أن يجلد الحامل: «ما جعل الله لك على ما في بطنها سبيلا, فقال: لولا معاذ لهلك عمر».
ولم يتعرض المصنف للشق الآخر؛ لأن تصور وقوعه ظاهر, وإثبات الوقوع عسير.
والحق أن عادتهم ترك السكوت حيث يعلم أو يظن بطلان مذهب المخالف, أما مع هذه الاحتمالات فلا.
ولو سكت المصنف عن قوله: (لأن عادتهم ترك السكوت) , واجتزأ بقوله: (قلنا: خلاف الظاهر) كان أحسن؛ لأن هذه الاحتمالات لا تنفي الظهور؛ لأن السكوت أظهر في الموافقة, ونحن لم ندع القطع.
احتج للمخالف الآخر, وهو القائل بأنه إجماع, ولهذا قال: (الآخر) لأنه قدم حجة المخالف الأول.
وتوجيهه: سكوتهم دليل ظاهر في موافقتهم, فكان إجماعًا.
وجوابه: أن الظهور لا يكفي في كونه إجماعًا, نعم يكفي في حجيته, وإنما سكت المصنف عن الجواب لظهوره, ومن جعل هذا حجة للقائل بأنه حجة لا إجماعًا وحمل قوله أول المسألة على ذلك, يلزمه التكرار؛ لأنه غير مذهبه وعين ما استدل به.
стр. 593
ومن جعله دليلًا على أحد شقي المنفصلة, كأنه قال: لنا في أنه إجماع سكوتهم, ولنا في كونه حجة كذا, وفصل بينهما بشبه المخالف لكونها واردة على كونه إجماعًا, لا على كونه حجة, فأظهر فسادًا, مع أن غير المصنف احتج للقائل بأنه إجماع بما ذكر المصنف, فتعين الحمل عليه مع قربه.
احتج الجبائي: بأن الاحتمالات قبل انقراض العصر قوية فلا إجماع, وأما بعده فضعيفة فلا يكون إجماعًا, وسكت المصنف عن جوابه لظهوره؛ لأن ضعفها لا يوجب القطع بينها, مع أنه لا يضعف كل احتمال سبق.
نعم لو كان المدعى أنه حجة بشرط انقراض العصر, تَمَّ له.
احتج لابن أبي هريرة: العادة في الفتيا أنها تخالف ويبحث عليها بخلاف الحكم, فإن كل حاكم يحكم بما يراه فيتبع ولا يخالف, ويلزم المصير إليه كما في عصرنا, وأيضًا الحاكم يهاب بخلاف المفتي.
أجاب: بأن ذلك بعد استقرار المذاهب, أما قَبْلُ فالفتيا والحكم سواء, عادتهم الإنكار كقضية معاذ مع عمر وغيرها.
أما لو لم ينتشر وهو فيهم وعرفوا به في صدر المسألة, فعدم الإنكار لا يدل على الموافقة, وبه قال الأكثر؛ لاحتمال أن لا يكون للباقين قول فيها لعدم خطور المسألة ببالهم, أو يكون لهم قول مخالف ولم ينقل لعدم اشتهار المسألة, أو لهم قول موافق, وهذه الاحتمالات متساوية لا ترجيح, لاحتمال الموافقة على الآخرين.
قال: (مسألة: انقراض العصر غير مشروط عند المحققين.
стр. 594
وقال أحمد وابن فورك: يشترط.
وقيل: في السكوتي.
وقال الإمام: إن كان عن قياس.
لنا: دليل السمع.
واستدل: بأنه يؤدي إلى عدم الإجماع للتلاحق.
وأجيب: بأن المراد عصر المجمعين الأولين؛ إذ لا مدخل للاحق).
أقول: انقراض عصر المجمعين غير مشترط في انعقاد إجماعهم, بل إذا حصل اتفاقهم ولو في لحظة انعقد الإجماع, انقرضوا أم لا, وحرمت مخالفته عليهم وعلى من نشأ بعدهم, وهذا [هو] مذهب المحققين.
وقال أحمد وابن فورك باشتراطه.
وقيل: إن كان الإجماع سكوتيًا اشترط انقراض العصر, وإلا فلا.
[ولو لم يذكر هذا القول لكان معروفًا من المسألة السابقة.
وقال إمام الحرمين: إن كان سند لإجماع قياسًا اشترط وإلا فلا].
احتج للمختار: بأن الأدلة السمعية الدالة على حجية الإجماع تدل على
стр. 595
أنه لو اتفقت كلمة المجتهدين ولو في / لحظة, انعقد الإجماع لوجوب عصمتهم؛ إذ الحجة في اتفاقهم لا في موتهم.
واستدل لمختاره: بأنه لو يشترط انقراض العصر لما تحقق إجماع؛ لتلاحق المجتهدين, فلا ينقرض أهل العصر الأول إلا وقد نشأ آخرون يعتبر وفاقهم وانقراض عصرهم, ثم لا ينقرض عصرهم إلا وقد نشأ آخرون كذلك, وهلمَّ جرًا.
والجواب: أما على مذهب من يرى من المشترطين أن فائدة اعتباره موافقة من أدرك عصر المجمعين الأولين, فالمراد من انقراض العصر عند هؤلاء انقراض عصر المجمعين الأولين المتفقين عند نزول الحادثة, لا انقراض عصر من يتجدد بعدهم, فإذا انقرض عصرهم ولم يظهر خلاف منهم ولا من التابعين المدركين عصرهم, انعقد الإجماع.
وأما على مذهب أحمد الذي يرى أن فائدة الاشتراط جواز رجوع بعضهم لا اعتبار موافقة من أدرك عصرهم, فواضح.
وإليه أشار المصنف بقوله: (إذ لا مدخل للاحق) , فبموتهم من غير رجوع تحقق الإجماع, ثم المخالف في عصر المجمعين على مذهب المشترطين لا يكون خارقًا, أما على مذهب أحمد؛ فلأن الإجماع لم ينعقد؛ إذ الأمر موقوف, وعلى مذهب الآخرين تجوز له المخالفة.
قال: (قالوا: يستلزم إلغاء الخبر الصحيح بتقدير الاطلاع عليه.
قلنا: بعيد, وبتقديره, فلا أثر له مع القاطع كما لو انقرضوا.
قالوا: لو لم يشترط لمنع المجتهد من الرجوع عن الاجتهاد.
стр. 596
قلنا: واجب لقيام الإجماع.
قالوا: لو لم تعتبر مخالفته لم تعتبر مخالفة من مات لأن الباقي كل الأمة.
قلنا: قد التزمه بعض, والفرق أن هذا قول من وجد من الأمة, فلا إجماع).
أقول: احتج المشترطون بوجوه:
تقرير الأول: أن عدم اشتراطه يؤدي إلى إلغاء الخبر الصحيح بتقدير الاطلاع عليه, وذلك يؤدي إلى إبطال النص بالاجتهاد.
أجيب: بأن وجوده بعد البحث من جميعهم وعدم الاطلاع عليه حالة الإجماع بعيد, ولو قدر فلا يعمل به؛ لأن القاطع وهو الإجماع خالفه, كما لو اطلع عليه بعد الانقراض, فما هو جواب لكم جواب لنا.
لا يقال: تالي الشرطية ملازمة, وهي لزوم الإلغاء على تقدير الاطلاع وهو ضروري, فلا تمتنع الملازمة ويتعين منع بطلان التالي.
لأنا نقول: الاطلاع على نص كذلك محال, والمحال جاز أن يستلزم المحال, فكأنه يقول: لا نسلم لزوم الانتفاء لتوقفه على تقدير بعيد أو ممتنع.
قالوا ثانيًا: لو لم يشترط انقراض العصر, لمنع المجتهد عن الرجوع عن اجتهاده؛ لأنه إذ تغير اجتهاده وقد انعقد الإجماع باجتهاده الأول, فلا يُمَكّن من العمل باجتهاده الثاني لأنه مخالفة للإجماع, لكن المجتهد غير ممنوع من الرجوع عن الاجتهاد إجماعًا, فيلزم بطلان المقدم.
أجيب: بمنع بطلان التالي, فإن الرجوع عن الاجتهاد إنما هو عند عدم
стр. 597
الإجماع, أما عند وجود الإجماع فالمنع عن الرجوع عن الاجتهاد واجب؛ إذ يمتنع الرجوع عن القطعي إلى الظني, بخلاف الرجوع عن الاجتهاد الظني إلى اجتهاد ظني.
قالوا ثالثًا: لو لم تعتبر مخالفته إذا رجع بناء على أنهم حين الإجماع كل الأمة, لم يعتبر مخالفة من مات؛ لأن الباقين المجمعين كل الأمة, فيكون إجماعًا, واللازم باطل.
أجاب: بأن عدم اعتبار / مخالفة من مات مختلف فيه, فمن قال به منع بطلان التالي, ومن لم يقل به يمنع الملازمة ويفرق بأن القول لا ينعدم بانعدام قائله, فقول المخالف الميت يتحقق حالة الإجماع, فلا ينعقد إجماع على وجود المخالف بخلاف ما نحن فيه, قد وجد فيه قول كل الأمة حين لم يوجد قول يخالفه, وإذا انعقد فلا عبرة بما يحدث بعده من قول بعضهم أو غيرهم.
قال: (مسألة: لا إجماع إلا عند مستند؛ لأنه يستلزم الخطأ؛ ولأنه يستحيل عادة.
قالوا: لو كان عن دليل لم تكن له فائدة.
قلنا: فائدته سقوط البحث, وحرمة المخالفة.
وأيضًا: فإنه يجب أن يكون عن غير دليل, ولا قائل به).
أقول: الجمهور على أنه لا ينعقد الإجماع إلا عن مستند, دليلًا كان أو أمارة.
وشذَّ قوم فقالوا: يجوز انعقاده عن توفيق لا توقيف, بأن يوفقهم الله
стр. 598
تعالى لاختيار الصواب من غير مستند.
حجة الجمهور: أن الفتوى في الدين من غير دليل أو أمارة خطأ؛ لكونه قولا بالتشهي, فلو اتفقوا على حكم بغير سند كانوا مجمعين على الخطأ؛ لأن كل واحد مخطئ, والمجتمع من المخطئ مخطئ؛ ولأن اتفاق الكل لا عن مستند مستحيل عادة, كالاجتماع على أكل طعام واحد.
احتجوا: بأنه لو وجب كونه عن مستند, لم يكن لإثبات حجية الإجماع فائدة, هكذا صرح به في المنتهى؛ إذ الغرض من إثبات حجيته إثبات الحكم وهو ثابت بالمستند.
أو نقول: لم يكن لفعله فائدة ... إلى آخره.
أجاب أولًا: بمنع الملازمة, وأن فائدته سقوط البحث عن ذلك الدليل ووجه دلالته على الحكم, وحرمة المخالفة لانعقاد الإجماع, وقد كانت قبله جائزة وفاقًا.
وثانيًا: أنه يقتضي أنه يجب أن يكون لا عن دليل, لعدم الفائدة بعين ما ذكر, ولم يقل أحد أن عدمه شرطه, بل قالوا: وجود ليس بشرط.
قال: (مسألة: يجوز أن يجمع عن قياس.
ومنعت الظاهرية الجواز, وبعضهم الوقوع.
لنا: القطع بالجواز, والظاهر الوقوع, كإمامة أبي بكر, وتحريم شحم الخنزير, وإراقة نحو الشيرج).
стр. 599
أقول: مذهب مالك وجمهور العلماء جواز انعقاد الإجماع عن قياس. ومنعه ابن جرير, والظاهرية.
واختلف القائلون بالجواز في وقوعه, والظاهر الوقوع.
لنا: القطع بجوازه؛ لأنه لو فرض لم يلزم منه محال لذاته كغيره من الأمارات, كخبر الواحد, والمتواتر, والظني الدلالة؛ إذ لا مانع يقدر إلا كونه مظنونًا.
وأما الوقوع, فكإمامة أبي بكر, أجمع عليها قياسًا على تقديم النبي ﵇ له في الصلاة, وكتحريم شحم الخنزير قياسًا على لحمه, وكإراقة نحو الشيرج إذا وقعت فيه فأرة قياسًا على السمن.
وإذا ثبت الجواز والوقوع, كان حجة يحرم مخالفته, خلافًا لمن قال لا يحرم مخالفته.
وإنما قال المصنف: (والظاهر الوقوع) لاحتمال أن تكون الإجماعات المذكورة عن نصوص لم تنقل إلينا.
قال: (مسألة: إذا أجمعوا على قولين, وأحدث قول ثالث, منعه
стр. 600
الأكثر, كوطء البكر.
قيل: يمنع الرد, وقيل: مع الأرش, فالقول مجانًا ثالث.
وكالجد مع الأخ, قيل: المقاسمة, وقيل: المال كله, فالحرمان ثالث. وكالنية في الطهارة, قيل: تعتبر, وقيل: في البعض, فالتعميم بالنفي ثالث.
وكالفسخ بالعيوب الخمسة, قيل: يفسخ بها, وقيل: لا, فالفرق ثالث.
وكأم مع زوج أو زوجة وأب, قيل: ثلث المال, وقيل: ثلث ما بقي, فالفرق ثالث.
والصحيح التفصيل: إن كان الثالث / يرفع ما اتفقا عليه فممنوع, كالبكر وكالجد وكالطهارات, وإلا فجائز كفسخ النكاح ببعض, وكالأم فإنه يوافق في كل صورة مذهبًا.
لنا: أن الأول مخالفة الإجماع بخلاف الثاني, كما لو قيل: لا يقتل مسلم بذمي, ولا يصح بيع الغائب, وقيل: يقتل ويصح, لم يمنع: يقتل ولا يصح وعكسه باتفاق).
أقول: إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين, واستقر رأيهم فيها على القولين فقط, فهل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث أم لا؟ .
منعه الأكثر.
следующие страницы →