← Фикх шафии

Фикх шафии · id 32197

فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلان

شهاب الدين الرملي

Полный текст (924 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

[استحباب التكبير في العيدين] الخامسة: يسن التكبير بغروب الشمس ليلتي العيد في المنازل والطرق والمساجد والأسواق ليلاً ونهاراً إلى تحرمه بصلاة العيد. ويسن للذكر: أن يرفع صوته به، ويسمى هذا التكبير مرسلاً ومطلقاً؛ لأنه لا يتقيد بحال. وأما التكبير في عيد الفطر .. فلقوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: عدة صوم رمضان ﴿ولتكبروا الله] أي: عند إكمالها؛ كما نقله الشافعي رضي الله تعالى عنه عمن يرضاه من العلماء بالقرآن. وأما في عيد الأضحى .. فبالقياس على عيد الفطر، قال البيهقي: وصح عن ابن عمر: (أنه كان يفعله ليلة الفطر حتى يغدو إلى المصلى)، قال: وروى ذلك عنه مرفوعاً في العيدين، ولا يكبر الحاج ليلة الأضحى، بل يلبي. وأما التكبير المقيد .. فيسن عقب الصلوات ولو فائتة أو نافلة، أو جنازة أو منذورة، لكل أحد حاج أو غيره، مقيم أو مسافر، ذكر أو غيره، منفرد أو غيره. ولا يسن ليلة الفطر عقب الصلوات؛ لعدم وروده، وغير الحاج يكبر من صبح التاسع؛ وهو يوم عرفة، ويختم بعصر اليوم الرابع؛ أي: من أيام التضحية، وهو الثالث من أيام التشريق الثلاثة. وأما الحاج .. فيكبر من ظهر يوم النحر؛ لأنها أول صلاته بعد انتهاء وقت التلبية، ويختم بصبح آخر أيام التشريق؛ لأنها آخر صلاته بمنى، والأصل في ذلك: قوله تعالى: ﴿واذكروا الله فى أيام معدودات﴾ [البقرة: ٢٠٣] وهي أيام التشريق. وما جرى عليه المصنف في غير الحاج .. هو ما اختاره النووي في "مجموعة"، قال: وعليه العمل، وصححه في "أذكاره"، قال في "الروضة": وهو الأظهر عند المحققين؛ للحديث؛ أي: الذي رواه الحاكم: (أنه ﷺ فعل ذلك)،

стр. 282

وقال فيه: صحيح الإسناد، قال: وصح فعله عن عمر وعليٍّ وابن مسعود وابن عباس من غير إنكار، فجملة الصلوات التي يكبر خلفها غير الحاج ثلاث وعشرون، وصحح الرافعي: أن غير الحاج كالحاج قياساً عليه، وقال النووي في "مجموعه" وغيره: إنه المشهور في مذهبنا. ولو خالف اعتقاد الإمام المأموم فكبر من يوم عرفة، والمأموم لا يرى التكبير فيه، أو عكسه .. فالأصح: اعتبار اعتقاد نفسه، بخلاف تكبير الصلاة لانقطاع القدوة بالسلام. ولا يكبر عقب فائت هذه الأيام إذا قضاة في غيرها؛ لأن التكبير شعارها وقد فات. وجميع ما ذكر هو في التكبير الذي يرفع به صوته ويجعله شعاراً، أما لو استغرق عمره بالتكبير في نفسه .. فلا منع منه؛ نقله في "الروضة" و"أصلها" عن الإمام من غير إنكار. * * *

стр. 283

باب صلاة الخسوف للقمر والكسوف للشمس هذا هو المشهور، وقد استعمله المصنف أيضاً فيما يأتي، ويقال فيهما أيضاً: خسوفان وكسوفان، وفي الأول: كسوف، وفي الثاني: خسوف. (ذي ركعتان، وكلا هاتين ... حوت ركوعين وقومتين) (يسن تطويل اقترا القومات ... وسبحه الركعات والسجدات) (والجهر في قراءة الخسوف ... لقمر، والسر في الكسوف) (وخطبتان بعدها كالجمعة ... قدم على فرض بوقت وسعه) فيها خمس مسائل: [صلاة الخسوف والكسوف ركعتان] الأولى: هذه الصلاة ركعتان، في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجودان كما فعلها ﷺ ، وهي سنة مؤكدة، فيحرم بنية صلاة الكسوف، ويقرأ (الفاتحة)، ثم يركع ثم يرفع، ثم يقرأ (الفاتحة)، ثم يركع ثم يعتدل، ثم يسجد السجدتين، ويأتي بالطمأنينة في محالها، فهذه ركعة، ثم يصلى ثانية كذلك، هذا أقلها كما في "الروضة" و"أصلها"، ولا تجوز زيادة ركوع لتمادي الكسوف ولا نقصه للانجلاء، ولا إعادة للصلاة إذا بقي الكسوف على الأصح في الجميع، وما في رواية مسلم: (أنه ﷺ صلاها ركعتين في كل ركعة ثلاثة ركوعات)، وفي أخرى له: (أربعة ركوعات)، وفي رواية أبي داوود وغيره خمسة ركوعات .. أجاب الأئمة عنها بأن رواية الركوعين أشهر وأصح فقدمت.

стр. 284

وما في حديثي أبي داوود وغيره: (أنه ﷺ صلاة ركعتين) أي: من غير تكرير ركوع كما قاله أبو حنيفة .. قال في "المجموع": أجاب عنهما أصحابنا بجوابين: أحدهما: أن أحاديثنا أشهر وأصح وأكثر رواة. والثاني: أنا نحمل أحاديثنا على الاستحباب، والحديثين على بيان الجواز. قال: ففيه تصريح منهم بأنه لو صلاها ركعتين كسنة الظهر ونحوها .. صحت، وكان تاركا للأفضل. ولا ينافى هذا ما مر من امتناع نقص ركوع منها؛ لأنه بالنسبة لمن قصد فعلها بالركوعين، ومن أدرك الإمام في الركوع الأول من ركعة .. أدركها، أو في غيره .. لم يدرك شيئاً منها. وفي "المجموع" عن "الأم": أن من صلى الكسوف وحده ثم أدركها مع الإمام .. صلاها معه. وتفوت صلاة كسوف الشمس بالانجلاء؛ لأنه المقصود بها، وقد حصل، ولو انجلى بعضها .. فله الشروع في الصلاة للباقي كما لو لم ينكسف إلا ذلك القدر، ولو حال سحاب وشك في الانجلاء .. صلى؛ لأن الأصل بقاء الكسوف، فلو كانت تحت غمام وظن الكسوف .. لم يصل حتى يتيقن، وبغروبها كاسفة؛ لعدم الانتفاع بها بعد الغروب. وتفوت صلاة خسوف القمر بانجلائه كما مر، وبطلوع الشمس؛ لعدم الانتفاع به بعد طلوعها، ولا تفوت بطلوع الفجر؛ لبقاء الانتفاع به. [الأكمل في صلاة الكسوف] الثانية: الأكمل في هذه الصلاة: تطويل قراءة المقومات وتسبيح الركوعات والسجودات، فيقرأ في القيام الأول بعد (الفاتحة) وما يتقدمها من دعاء الافتتاح والتعوذ: (البقرة) أو قدرها إن لم يحسنها، وفي الثاني: كمئتي آية منها، والثالث: مئة وخمسين منها، والرابع: مئة منها تقريباً، وفي نص آخر: في الثاني: (آل عمران) أو قدرها، وفي الثالث: (النساء) أو قدرها، وفي الرابع: (المائدة) أو قدرها وهما متقاربان، والأكثرون على الأول. ويسبح في كل من الركوع والسجود الأول قدر مئة آية من (البقرة)، والثاني ثمانين،

стр. 285

والثالث سبعين، والرابع خمسين تقريباً، ويقول في الرفع من كل ركوع: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)، قال في "المجموع": إلى آخره، روى الشيخان عن ابن عباس قال: (انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى- قال مسلم: والناس معه- فقام قياماً طويلاً نحواً من قراءة "سورة البقرة"، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع فقام قياما طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قياماً طويلاً وهو دون الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم سجد ثم انصرف وقد تجلت الشمس). ورويا أيضاً عن عائشة رضى الله تعالى عنها: أنه قرأ في القيام الثاني قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، وأنه قال في الرفع من الركوعين: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد". وتطويل السجدات ثبت في "الصحيحين" في صلاته صلى الله عليه وسلك لكسوف الشمس من حديث أبي موسى ولفظه: (فصلى بأطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته قط يفعله في صلاته)، ومن حديث عائشة رضى الله عنها ولفظها في "صحيح البخاري" في الركعة الأولى: (فسجد سجوداً طويلاً)، وفي الثانية: (ثم سجد وهو دون السجود الأول) وفي "صحيح مسلم": (ما ركعت ركوعاً قط ولا سجدت سجوداً قط أطول منه). وخرج بما ذكره: الجلوس بين السجدتين والاعتدال من الركوع الثاني فلا يطولهما. وتسن الجماعة فيها، وتسن للمنفرد والعبد والمرأة والمسافر، كما ذكره في "المجموع". [استحباب الجهر في قراءة الخسوف والإسرار في الكسوف] الثالثة: يسن الجهر في قراءة صلاة خسوف القمر، والإسرار في قراءة صلاة كسوف الشمس؛ لأن الأولى ليلية والثانية نهارية لها مثل من صلاة الليل، وما روى الشيخان عن عائشة

стр. 286

رضى الله عنها: (أنه ﷺ جهر في صلاة الخسوف بقراءته)، والترمذي عن سمرة قال: (صلى بنا النبي ﷺ في كسوف لا نسمع له صوتاً) وقال: حسن صحيح .. قال في "المجموع": يجمع بينهما بأن الإسرار في كسوف الشمس، والجهر في كسوف القمر، وقد ذكر ابن حبان في كتابه "الثقات": أن القمر خسف في السنة الخامسة من الهجرة في جمادى الآخر، فصلى النبي ﷺ صلاة الخسوف، وروى الدارقطني أنه ﷺ صلى لخسوف القمر، وقال في "الكفاية": حكاه عنه عبد الحق ولم يعترضه. [استحباب خطبتين بعدها] الرابعة: يسن بعدها خطبتان؛ للاتباع، رواه الشيخان، كالجمعة؛ أي: كخطبتي الجمعة في أركانهما وفي الإسماع والسماع، وكون الخطبة عربية، ويندب أن يحث الناس فيهما على التوبة والخير، ويحرضهم على الإعتاق والصدقة، ويحذرهم الغفلة والاغترار، ويخطب إمام المسافرين، ولا يخطب المنفرد ولا إمامة النساء، ولو قامت واحدة ووعظتهن .. فلا بأس. وأفهم كلامه كغيره: أنه لا تجزئ خطبة واحدة، وهو كذلك. [اجتماع الكسوف مع فرض عيني واتسع الوقت] الخامسة: لو اجتمع كسوف وفرض عيني من جمعة أو غيرها واتسع وقته لفعله بعد صلاة الكسوف- وهذا معنى قوله: (بوقت وسعه) أي: وسع الوقت الفرض- قدم أنت الكسوف عليه ندباً؛ لخوف فواته بالانجلاء، ولأنه لا يقضى. قال الشافعي رضى الله تعالى عنه في "الأم": وإذا بدأ بالكسوف قبل الجمعة .. خففها؛ فقرأ بـ (الفاتحة) و (قل هو الله أحد) وما أشبهها، ثم يخطب الجمعة متعرضاً للكسوف، كما

стр. 287

أنه ﷺ استسقى في خطبة الجمعة، ثم يصلى الجمعة، ولا يحتاج إلي أربع خطب، ويقصد بالخطبتين الجمعة خاصة، ولا يجوز أن يقصد الجمعة والكسوف معاً؛ لأنه تشريك بين فرض ونفل، بخلاف العيد والكسوف؛ فإنه يقصدهما بالخطبتين؛ لأنهما سنتان. قال النووي في "مجموعه": وفيه نظر؛ لأن السنتين إذا لم تتداخلا .. لا تصح نيتهما بفعل واحد؛ كسنة الصبح والضحى، بخلاف سنة الصبح والتحية. قال السبكي: وكأنهم اغتفروا ذلك في الخطبة؛ لحصول القصد بها بخلافه في الصلاة. وخرج بقوله: (بوقت وسعه): ما لو خيف فوت الفرض؛ فإنه يقدمه وجوباً لتعينه ولضيق وقته، ففي الجمعة يخطب لها ثم يصليها ثم يصلى الكسوف ثم يخطب لها، فلو اجتمع عيد أو كسوف وجنازة .. قدمت صلاة الجنازة وإن خيف فوات غيرها؛ لما يخشى من تغير الميت بتأخيرها، ولأنها فرض كفاية، ولأن فيها حق الله تعالى وحق الآدمي، وإن اجتمع فرض وجنازة ولم يضق وقته .. قدمت الجنازة، وإن ضاق .. قدم، ولو اجتمع خسوف ووتر .. قدمت صلاة الخسوف وإن خيف فوات الوتر؛ لأنها آكد. وقول المصنف: (اقترا) بالقصر للوزن.

стр. 288

باب صلاة الاستسقاء وهو لغة: طلب السقيا، وشرعاً: طلب سقيا العباد من الله تعالى عند حاجتهم إليها، والأصل في الباب قبل الإجماع: الاتباع، رواه الشيخان وغيرهما، والاستسقاء ثلاثة أنواع ثابتة بالأخبار الصحيحة، أدناها: الاستسقاء بالدعاء خالياً عما يأتي، وأوسطها: الاستسقاء بالدعاء بعد صلاة، أو في خطبة جمعة أو نحوها، وأفضلها: الاستسقاء بصلاة وخطبة، وقد ذكر المصنف رحمه الله تعالى هذا النوع فقال: (صلى كعيد عبد أمر الحاكم ... بتوبة والرد للمظالم) (والبر والإعتاق والصيام ... ثلاثة، ورابع الأيام) (فليخرجوا بذلة التخشع ... مع رضع ورتع وركع) (والخطب- كما في العيد- باستدبار ... وأبدل التكبير باستغفار) فيها أربع مسائل: [استحباب أمر الإمام بالتوبة ورد المظالم والصوم] الأولى: يسن للإمام أن يأمر الناس بالتوبة من المعاصي، والرد للمظالم في الدم والعرض والمال؛ لأنه أرجى للإجابة، قال الله تعالى: ﴿ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا﴾، ومعلوم أن التوبة واجبة أمر بها الإمام أم لا، وذكر الرد للمظالم اهتماماً بشأنه، وإلا .. فهو داخل في التوبة، وبالبر، وهو اسم جامع لكل خير، ومنه الإعتاق والصيام، ولكونهما أرجى للإجابة، صرح بهما وبالإعتاق للرقاب؛ لأن المعاصي سبب للجدب، والطاعات سبب للبركات كما قال تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾، وبصوم ثلاثة أيام قبل خروجهم؛ أي: وبصوم الرابع وهو يوم خروجهم؛ لأنه معين على رياضة النفس وخشوع القلب، وروى الترمذي عن أبي هريرة خبر:

стр. 289

"ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، والمظلوم" وقال: حديث حسن، ورواه البيهقي عن أنس وقال: "دعوة الصائم، والوالد، والمسافر". والصوم لازم للقوم بأمر الإمام امتثالاً له كما أفتى به النووي؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله﴾ الآية، قال في "المهمات": وهل يتعدى ذلك إلى كل ما يأمرهم به من الصدقة وغيرها أم يختص بالصوم؟ فيه نظر. انتهى. ومال ابن العماد إلي الاختصاص، قال الأذرعي: والمختار عندي: أنه لا يجب التبييت ولا الصوم؛ لأنه تطوع. نعم؛ يتأكد امتثال ما أمر به كما يفهمه كلام الجمهور، وهو القياس؛ كما لو أمرهم بالعتق وصدقة التطوع وغيرهما من القرب المندوبة، بخلاف ما لو أمرهم بالاستسقاء للجدب؛ فتجب طاعته بخلاف التتمات، ويبعد تأثيم من لم يصم. [استحباب الخروج للصحراء بثياب بذلة] الثانية: يخرجون إلى الصحراء في الرابع صياماً في ثياب بذلة، وتخشع في مشيهم وجلوسهم وغيرهما، قال ابن عباس: (خرج رسول الله ﷺ إلى الاستسقاء متبذلاً متواضعاً متضرعاً حتى أتى المصلى، فلم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما يصلى العيد) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وقوله: (متبذلاً) كما يؤخذ من "النهاية": من تبذل؛ أي: لبس ثياب البذلة؛ بكسر الموحدة وسكون المعجمة: المهنة. قال في "المجموع": وثياب البذلة: هي التي تلبس في حال الشغل ومباشرة الخدمة وتصرف الإنسان في بيته، فعلم أنهم لا يتزينون ولا يتطيبون، بل يتنظفون بالماء والسواك وقطع الروائح الكريهة، وفارق العيد بأنه يوم زينة وهذا يوم مسألة واستكانة. ويخرجون الأطفال الرضع، والبهائم الرتع، والمشايخ الركع؛ لأن دعاءهم أقرب إلى

стр. 290

الإجابة؛ إذ الشيخ أرق قلباً، والطفل لا ذنب له، وقال ﷺ : "هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم"، وأخرج أبو نعيم في "المعرفة": أن رسول الله ﷺ قال: "لولا عباد لله ركع، وصبية رضع، وبهائم رتع .. لصب عليكم العذاب صباً" ورواه البيهقي وابن عدى ومالك. وأخرج أبو نعيم عن أبي الزاهرية: أن رسول الله ﷺ قال: "ما من يوم إلا وينادي مناد: مهلاً أيها الناس مهلاً؛ فإن لله سطوات، ولولا رجال خشع وصبيان رضع ودواب رتع .. لصب عليكم العذاب صباً، ثم رضضتم به رضاً". وقال ﷺ : "خرج نبي من الأنبياء يستسقي؛ فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال: ارجعوا؛ فقد استجيب لكم من أجل شأن النملة" رواه الدارقطني والحاكم وقال: صحيح الإسناد. وفي "البيان": أن هذا النبي هو سليمان ﵊، وأن النملة وقفت على ظهرها ورفعت يديها وقالت: (اللهم؛ أنت خلقتنا، فإن رزقتنا وإلا ... فأهلكنا). قال: وروى أنها قالت: (اللهم؛ إنا خلق من خلقك لا غنى بنا عن رزقك، فلا تهلكنا بذنوب بنى آدم). وخرج بما ذكره المصنف: أهل الذمة، فلا يستحب خروجهم، لكن لا يمنعون منه لا في يومنا ولا في غيره؛ لأنهم مسترزقة، وفضل الله تعالى واسع، وقد يجيبهم استدراجاً لهم؛ قال تعالى: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ ولا يختلطون بنا؛ لأنه قد يحل بهم عذاب بسبب كفرهم المتقرب به في اعتقادهم، فإن خالطونا .. كره. [متى تسن صلاة الاستسقاء وكيفيتها] الثالثة: تسن صلاة الاستسقاء، وهي ركعتان عند الحاجة؛ لانقطاع ماء الزرع أو قلته بحيث لا يكفي، أو صيرورته مالحاً أو نحوها، بخلاف انقطاع ما لا يحتاج إليه في ذلك الوقت، ولو

стр. 291

انقطع عن طائقة من المسلمين واحتاجت .. سن لغيرهم أيضاً أن يصلوا ويستسقوا لهم، ويسألوا الزيادة لأنفسهم؛ لأن المؤمنين كالعضو الواحد إذا اشتكى بعضه .. اشتكى كله، وسواء في سنها أهل الأمصار والقرى والبوادي والمسافرون؛ لاستواء الكل في الحاجة. ولو تركها الإمام .. لم يتركها الناس، وتعاد ثانيا وثالثا وأكثر حتى يسقيهم الله تعالى، فإن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء، فإن تأهبوا للصلاة فسقوا قبلها .. اجتمعوا للشكر والدعاء، ويصلون على الصحيح شكراً، وأجرى الوجهان فيما إذا لم ينقطع الماء وأرادوا أن يصلوا للاستزادة، فقول المصنف (صلى) أي: المحتاج وغيره ندباً. وقوله: (كعيد) أي: كصلاته؛ للاتباع كما مر في خبر الترمذي، فيكبر في أول الركعة الأولى سبعاً وأول الثانية خمساً، ويرفع يديه، ويقف بين كل تكبيرتين مسبحاً حامداً مهللاً مكبراً، ويجهر بالقراءة، ويقرأ في الأولى (ق) وفي الثانية (اقتربت)، لكن لا تختص بوقت؛ بل جميع الليل والنهار وقت لها كما لا تختص بيوم. [استحباب خطبتين للاستسقاء كالعيد] الرابعة: يسن أن يخطب خطبتين كخطبتي العيد في الأركان وغيرها مستدبراً بهما القبلة؛ للاتباع، رواه أبو داوود بإسناد صحيح، ويجوز كما في "الروضة" وغيرها تقديم الخطبة على الصلاة؛ للاتباع، رواه أبو داوود وغيره بأسانيد صحيحة، ولهذا عبر المصنف بالواو في قوله: (واخطب) ليفيد ذلك. ويبدل الخطيب التكبير المشروع في خطبتي العيد باستغفار في خطبتي الاستسقاء فيقول: (استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه) لأنه أليق بالحال، ويكثر فيهما من الاستغفار ومن قوله: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا﴾، ومن دعاء الكرب وهو: (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم). ويبدل أيضاً ما يتعلق بالفطرة والأضحية بما يتعلق بالاستسقاء، ويدعو في الخطبة الأولى: (اللهم؛ اسقنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً، مريعاً غدقاً مجللاً سحاً طبقاً دائماً، اللهم؛ اسقنا

стр. 292

الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم؛ إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً). ويستقبل القبلة بعد صدر الخطبة الثانية، وهو نحو ثلثها كما قاله النووي في "دقائقه"، ويبالغ في الدعاء حينئذ سراً وجهراً، فإذا أسر .. دعا الناس سراً، وإذا جهر .. أمنوا، ويرفعون كلهم أيديهم في الدعاء مشيرين بظهور أكفهم إلى السماء، والحكمة فيه: أن القصد رفع البلاء، بخلاف قاصد حصول شيء فيجعل باطن كفيه إلى السماء. ويحول رداءه عند استقباله فيجعل يمينه يساره وعكسه، وينكسه فيجعل أعلاه أسفله وعكسه، ويحصل التحويل والتنكيس بجعل الطرف الأسفل الذي على شقه الأيسر على عاتقه الأيمن، والطرف الأسفل الذي على شقه الأيمن على عاتقه الأيسر ويفعل الناس مثله. ولو تضرروا بكثرة المطر .. سن سؤال رفعه بـ (اللهم؛ حوالينا ولا علينا)، ولا يصلى له. [ما يستحب عند نزول المطر] ويسن أن يبرز لأول مطر السنة، ويكشف غير عورته ليصيبه، وأن يغتسل في السيل أو يتوضأ، وأن يسبح للرعد والبرق بقوله: (سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته)، وروى عن ابن عباس أنه قال: (من قال عند الرعد: "سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير" فأصابته صاعقة .. فعلى ديته). ونقل الشافعي عن مجاهد: أن الرعد ملك والبرق أجنحته. ولا يتبع بصره البرق، ويقول عند المطر: (اللهم؛ صيباً نافعاً). ويكره سب الريح، فإن كرهها .. قال: (اللهم؛ إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به). ويسن الدعاء عند نزول المطر، ويشكر لله تعالى عليه ويقول بعده: (مطرنا بفضل الله ورحمته)، ويكره: (مطرنا بنوء كذا)، ومن اعتقد أن النوء فاعل .. كفر.

стр. 293

كتاب الجنائز بالفتح: جمع جنازة، بالفتح والكسر: اسم للميت في النعش، وقيل بالفتح: اسم لذلك، وبالكسر: اسم للنعش وعليه الميت، وقيل: عكسه، فإن لم يكن عليه ميت .. فهو سرير ونعش، وهي من جنزه؛ أي: ستره، وذكره هنا دون الفرائض؛ لاشتماله على الصلاة. (الغسل والتكفين والصلاة ... عليه ثم الدفن مفروضات) (كفاية، ومن شهيداً يقتل ... في معرك الكفار لا يغسل) (ولا يصلى، بل على الغريق ... والهدم والمبطون والحريق) (وكفن السقط بكل حال ... وبعد نفخ الروح باغتسال) (وإن يصح فكالكبير يجعل ... وسن ستره، ووتراً يغسل) (بالسدر في الأولى وبالكافور ... الصلب، والآكد في الأخير) فيها أربع مسائل: [تجهيز الميت والصلاة عليه ودفنه فرض كفاية] الأولى: غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ثم دفنه .. فروض كفاية في حق الميت المسلم بالإجماع. أما الكافر .. فتحرم الصلاة عليه حربياً كان أو ذمياً؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبداً﴾، ولا يجب غسله على المسلمين، ذمياً كان أو حربياً، لكن يجوز لهم، ويجب تكفين الذمي ودفنه على الأصح. وأشار بقوله: (ثم الدفن) إلى أنه يجب تقديم الصلاة على الدفن، لكن لو دفن قبلها .. لا ينبش القبر، بل يصلى عليه، ويسقط بها الفرض وتصح بعده، والأصح: تخصيص الصحة بمن كان من أهل فرضها وقت الموت. ولا يصلى على قبور الأنبياء بحال.

стр. 294

ويشترط لصحة الصلاة على الميت: تقدم غسله أو تيممه، فلو مات بهدم ونحوه وتعذر إخراجه وغسله .. لم يصل عليه. ويشترط: ألا يتقدم على الجنازة الحاضرة ولا القبر على المذهب فيهما. وأقل الغسل: تعميم بدنه بالماء مرة، ولا تجب نية الغاسل في الأصح، فيكفي غسل الكافر. والمخاطب بهذه الأمور أقارب الميت والأجانب وكل من علم بموته، وتسن المبادرة بها إذا علم موته بظهور أماراته مع وجود العلة؛ كأن تسترخي قدماه فلا تنتصبا، أو يميل أنفه، أو ينخسف صدغاه، أو تمتد جلدة وجهه، أو تنخلع كفاه من ذراعيه، أو تتقلص خصيتاه مع تدلى الجلدة. فإن شك في موته؛ بأن احتمل عروض سكتة أو ظهرت أمارات فزع أو غيره .. وجب التأخير إلى العلم بموته بتغير الرائحة أو غيره. [لا يغسل الشهيد ولا يصلى عليه] الثانية: من قتل شهيداً في قتال الكفار الحربيين بسبب من أسبابه ولو امرأة أو رقيقاً أو صبياً أو مجنوناً؛ كأن قتله كافر، أو أصابه سلاح مسلم خطأ، أو عاد إليه سلاحه، أو تردى في حملته في وهدة، أو سقط عن فرسه، أو رمحته دابة فمات فيه أو بعده إذا انقضى الحرب ولم تبق فيه حياة مستقرة، أو وجد قتيلاً عند انكشاف الحرب ولم يعلم سبب موته وإن لم يكن عليه أثر دم؛ لأن الظاهر أن موته بسببه .. لا يغسل ولا يصلى عليه؛ أي: يحرمان وإن كان جنباً أو حائضاً أو نفساء؛ لخبر البخاري عن جابر: (أنه ﷺ أمر في قتلى أحد بدفنهم بدمائهم، ولم يغسلهم ولم يصل عليهم)؛ وفي لفظ له: (ولم يغسلوا ولم يصل عليهم) بفتح اللام، ولخبر أحمد: أنه ﷺ قال: "لا تغسلوهم؛ فإن كل جرح أو كلم أو دم يفوح مسكاً يوم القيامة" ولم يصل عليهم. والحكمة في ذلك: إبقاء أثر الشهادة عليهم، والتعظيم لهم باستغنائهم عن دعاء القوم مع التخفيف عليهم.

стр. 295

وإنما سقط غسل الجنب ونحوه بالشهادة؛ لأن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد وهو جنب ولم يغسله النبي ﷺ وقال: "رأيت الملائكة تغسله" رواه ابن حبان والحاكم، فلو كان واجباً .. لم يسقط إلا بفعلنا، ولأنه ظهر عن حدث فسقط بالشهادة كغسل الموت. وخرج بما ذكر: من انقضى القتال وفيه حياة مستقرة وإن قطع بموته بذلك؛ فإنه يغسل ويصلى عليه؛ لأنه عاش بعده فأشبه ما لو مات بغيره، ومن قتله كافر في غير القتال ولو في أسره، ومن قتل في قتال أهل الذمة أو البغاة أو قطاع الطريق، ومن مات فجأة أو بمرض أو غرق أو هدم، أو بطن أو حرق أو طاعون، أو طلق أو عشقاً أو في غربة، أو في دار الحرب أو نحو ذلك، فيجب غسلهم والصلاة عليهم؛ لأن الأصل وجوبهما، وإنما خالفناه في الميت بسبب قتال الحربيين؛ تعظيماً لأمره وترغيباً فيه. [الشهداء ثلاثة أقسام] وبالجملة: فالشهداء ثلاثة أقسام: - شهيد في حكم الدنيا: بمعنى أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وفي حكم الآخرة: بمعنى أن له ثواباً خاصاً، وهو من قتل في قتال الحربيين بسببه، وقد قاتل لتكون كلمة الله تعالى هي العليا. - وشهيد في الآخرة دون الدنيا: وهو من قتل ظلماً بغير ذلك، والغريق والهدم- بكسر الدال، وهو من مات تحت الهدم- والمبطون والحريق ونحوهم. - وشهيد في الدنيا دون الآخرة: وهو من قتل في قتال الحربيين بسببه وقد غل من الغنيمة أو قتل مدبراً أو قاتل رياء أو نحوه. [حكم السقط] الثالثة: يكفن السقط بتثليث سينه، والأفصح كسرها، وهو الذي أسقطته الحامل قبل تمامه بكل حال من أحواله، فما لم تظهر فيه خلقة الآدمي ... تكفي مواراته بخرقة، والمواراة قد تكون على هيئة التكفين، وقد تكون على غير تلك الهيئة، وبعد نفخ الروح؛ أي: ظهور خلق الآدمي يجب تكفينه مع غسله ودفنه ولا يصلى عليه، لأنها أوسع باباً من الصلاة، بدليل أن الذمي يغسل ويكفن ويدفن ولا يصلى عليه.

стр. 296

أما إذا لم يظهر فيه خلق الآدمي .. فلا يجب غسله ولا ستره ولا دفنه؛ لأنها من أحكام من كان حياً أو توقع فيه الحياة، وما قيل من أنه يلف بخرقة ويدفن معاه: أنه يندب، خلافاً لمن زعم وجوبه. فإن تيقن حياته؛ كأن صاح أو بكى، أو ظهرت أمارتها؛ كاختلاج أو تحرك .. فكالكبير، فيجب غسله وتكفينه والصلاة عليه؛ لتيقن حياته وموته بعدها، أو لظهورها بالأمارة. [الأكمل في غسل الميت] الرابعة: الأكمل في غسل الميت: وضعه بموضع خال من الناس مستور عنهم؛ لا يدخله إلا الغاسل ومن يعينه والولي؛ لأنه كان يستتر عند الاغتسال فيستتر بعد موته، ولأنه قد يكون ببعض بدنه ما يكره ظهوره، وقد تولى غسله ﷺ علي والفضل بن العباس وأسامة بن زيد يناول الماء والعباس واقف ثم رواه ابن ماجه وغيره، على لوح أو سرير على قفاه، وأخمصاه إلى القبلة وموضع الرأس أعلى. ويغسل في قميص بال أو سخيف، فإن كان واسعاً .. أدخل يده في كمه، أو ضيقاً .. فتق رأس الدخاريص وأدخلها، وإن لم يوجد أو لم يتأت .. ستر ما بين سرته وركبته، وحرم النظر إليه. ويكره للغاسل النظر إلى شيء من بدنه، إلا لحاجة، ولا ينظر المعين إلا لضرورة، والبارد أولى من السخن إلا لحاجة، ويكون إناء الماء كبيراً، وينبغي إبعاده بحيث لا يصيبه رشاش. ويعد الغاسل خرقتين نظيفتين، ويجلسه على المغتسل برفق مائلاً إلى ورائه، ويضع يمينه على كتفه وإبهامه في نقرة قفاه، ويسند ظهره إلى ركبته اليمنى، ويمر يساره على بطنه إمراراً بليغاً؛ ليخرج ما فيه، وتكون عنده مجمرة فائحة بطيب، ويكثر المعين صب الماء؛ لئلا تظهر رائحة ما يخرج، ثم يضجعه مستلقياً، ويغسل يساره- وعليها خرقة- سوءتيه وعانته ثم يلقيها، ويغسل يده بماء وأشنان إن تلوثت، وقيل: يغسل كل سوءة بخرقة وهو أبلغ، ثم يتعهد ما على بدنه من قذر ونحوه، ثم يلف أخرى ويدخل إصبعه فمه بماء ويمرها على أسنانه ولا يفتحها، وكذا منخريه ليزيل ما فيهما، ثم يوضئه كالحي بتثليث، وكذا مضمضة واستنشاق في الأصح، ويميل فيهما رأسه.

стр. 297

ثم لحيته بسدر وخطمي ويسرحهما بمشط واسع الأسنان إن تلبدا برفق، ويرد المنتتف إليه، ثم يغسل شقه الأيمن المقبل من عنقه إلى قدميه، ثم الأيسر كذلك، ثم يحوله إلى جنبه الأيسر فيغسل شقه الأيمن مما يلي القفا والظهر إلى القدم، ثم يحوله إلى جنبه الأيمن فيغسل الأيسر كذلك، ويجب الاحتراز عن كبه على الوجه، وهذه غسلة. ويسن التثليث، فإن لم ينق .. وجب الإنقاء، وسن الإيتار. ويسن أن يستعان في الأولى بسدر أو خطمي، ثم يصب عليه ماء قراحاً من فرقه إلى قدمه بعد زوال السدر، والأصح: أنه لا يسقط الفرض بالغسلة المتغيرة بسدر ولا بتاليتها، فيغسل بعد زوال السدر ثلاثاً بالماء القراح. ويسن أن يجعل في الماء القراح كافوراً لا يفحش التغير به أو صلباً، وفي الآخرة آكد، ويتعهد مسح بطنه في كل مرة بأرفق مما قبلها، ثم ينشفه تنشيفاً بليغاً. ولو خرج آخر غسله أو بعدها نجس .. وجبت إزالته فقط، ولا يقرب المحرم طيباً بخلاف المعتدة. وقول المصنف: (كفاية) يجوز نصبه وجره. [كيفية تكفين الذكر والأنثى] (وذكر كفن في عراض ... لفائف ثلاثة بياض) (لها لفافتان والإزار ... ثم القميص البيض والخمار) ذكر فيهما كيفية تكفين الذكر والأنثى كما سيأتي، وتقدم عليه أن الميت يكفن بما له لبسه حياً، فيجوز تكفين المرأة بالحرير والمزعفر بخلاف الرجل والخنثى، ويعتبر حال الميت سعة وتوسطاً وضيقاً، وتكره المغالاة فيه، والمغسول والقطن أولى من غيرهما. وأقله: ثوب، وهو ما يستر العورة، أو جميع البدن إلا رأس المحرم ووجه المحرمة، وجهان: أصحهما في "الروضة" و"المجموع": أولهما؛ فيختلف قدره بذكورة الميت وأنوثته لا برقه وحريته؛ كما اقتضاه كلامهم، وهو الظاهر في "الكفاية"، وجزم بالثاني الإمام

стр. 298

والغزالي والبغوي وجمهور الخراسانيين، وقال النووي في "مناسكه": إنه المذهب الصحيح، وجزم به صاحب "الحاوي الصغير"، ورجحه جمع من المتأخرين، وجمع بينهما بحمل الأول على بيان الواجب لحق الله تعالى، والثاني على بيان الواجب لحق الميت الذي يتقدم به على غيره. والأفضل للذكر: ثلاث لفائف بيض؛ لخبر "الصحيحين" عن عائشة قالت: (كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب يمانية بيض، ليس فيها قميص ولا عمامة)، ويجوز رابع وخامس من غير كراهة. والأفضل للمرأة- أي: والخنثى-: خمسة؛ رعاية لزيادة الستر فيهما، والزيادة على الخمسة مكروهة في الذكر وغيره؛ وهي إزار، ثم قميص، ثم خمار، ثم لفافتان بيض، والإزار والمئزر: ما تستر به العورة، والخمار ما يغطى به الرأس؛ لخبر أبي داوود: (أنه ﷺ أعطى الغاسلات في تكفين أبنته أم كلثوم الحقا ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر). و(الحقا) بكسر الحاء: الإزار، و (الدرع): القميص. وتبسط أحسن اللفائف وأوسعها والثانية فوقها، والثالثة فوق الثانية، ويذر على كل واحدة حنوط وكافور؛ يذر على الأولى قبل وضع الثانية، وعلى الثانية قبل وضع الثالثة، ويوضع الميت فوقها مستلقياً على ظهره وعليه حنوط وكافور. ويستحب تبخير الكفن بالعود أولاً، ويدس بين ألييه قطن عليه حنوط وكافور، ثم تشدان بخرقة، ويجعل على منافذ بدنه من المنخرين والأذنين والعينين قطن عليه حنوط وكافور، وتلف عليه اللفائف؛ بأن يثنى كل منها من طرف شقه الأيسر على الأيمن، ثم من طرف شقه الأيمن على الأيسر كما يفعل الحي بالقباء، ويجمع الفاضل عند رأسه ورجليه، ويكون الذي عند رأسه أكثر، ويشد بشداد خوف الانتشار عند الحمل، فإذا وضع في قبره .. نزع الشداد. ولا يلبس المحرم الذكر مخيطاً، وتقدم أنه لا يستر رأسه ولا وجه المحرمة. ولو أوصى بأن يكفن في ثوب واحد .. نفذت وصيته.

стр. 299

والأصح: الاقتصار على ثوب إذا طلبه الغرماء المستغرقون، أو كفنه من تلزمه نفقته، أو كفن من بيت المال حيث يجب؛ لفقد تركته ومن عليه نفقته، أو من مال المسلمين عند فقد بيت المال، وكذا من وقف الأكفان كما في "فتاوى ابن الصلاح". والأصح: منعه إذا لم يوص به الميت وطلبه بعض الورثة، وكذا لو اتفقوا، علي الأقيس في "الزوائد" و"المجموع". وقوله: (لفائف) بالصرف للوزن. [أركان الصلاة على الميت] (والفرض للصلاة كبر ناويا ... ثم اقرأ "الحمد" وكبر ثانيا) (وبعده صل على المقفى ... وثالثا تدعو لمن توفي) (من بعده التكبير والسلام ... وقادر يلزمه القيام) ذكر فيها أركان الصلاة على الميت وهي سبعة: أولها: القيام إن قدر عليه كغيرها من الفرائض. ثانيها: النية كغيرها، ولخبر: "إنما الأعمال بالنيات"، ويغني مطلق الفرض عن فرض الكفاية، ولا يجب تعيين الميت ولا معرفته، بل لو نوى على من صلى عليه الإمام .. جاز، ولو عينه وأخطأ .. لم يصح إلا مع الإشارة، ولو نوى أحدهما غائباَ والآخر حاضراً .. صح؛ إذ توافق النيات ليس بشرط كما مر. ثالثها: أربع تكبيرات منها تكبيرة الإحرام؛ للاتباع، رواه الشيخان، ولو كبر زائداً .. لم يضر. رابعها: قراءة (الفاتحة) كغيرها من الصلوات، ولخبر البخاري: أن ابن عباس قرأها في

стр. 300

صلاة الجنازة وقال: (لتعلموا أنها سنة)، ولعموم خبر: "لا صلاة لمن لم يقرأ بـ (فاتحة الكتاب) " بعد التكبيرة الأولى؛ لخبر البيهقي عن جابر: (أنه ﷺ كبر على الميت أربعاً وقرأ بـ"أم القرآن" بعد التكبيرة الأولى)، ولخبر النسائي بإسناد على شرط الشيخين عن أبي أمامة قال: (السنة في صلاة الجنازة: أن يقرأ في التكبيرة الأولى بـ"أم القرآن" مخافتة، ثم يكبر ثلاثاً، والتسليم عند الآخرة)، وتجزئ (الفاتحة) بعد غير التكبيرة الأولى. خامسها: الصلاة على المقفى بكسر الفاء المشددة؛ أي: النبي ﷺ عقب التكبيرة الثانية؛ لخبر: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور والصلاة على" رواه البيهقي وغيره وضعفوه، لكن له ما يعضده، وأقلها: (اللهم؛ صل على محمد)، أو نحوه. سادسها: الدعاء بعد الثالثة للميت بالخصوص بما يقع عليه اسم الدعاء نحو: (اللهم؛ ارحمه)، أو: (اللهم؛ اغفر له) لخبر أبي داوود والبيهقي وابن حبان: "إذا صليتم على الميت .. فأخلصوا له الدعاء"، فلا يكفي الدعاء للمؤمنين والمؤمنات، ولا يجب عقب الرابعة ذكر. سابعها: السلام، وهو كسلام غيرها من الصلوات في كيفيته وتعدده ونية الخروج معه، وغير ذلك. ويندب إكثار الدعاء للميت عقب الثالثة فيقول: (اللهم؛ اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم؛ من أحييته منا .. فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا .. فتوفه على الإيمان، اللهم؛ هذا عبدك وابن عبديك، خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبه وأحبائه فيها إلي ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم؛ إنه نزل بك، وأنت خير منزول به، وأصبح فقيراً إلي رحمتك، وأنت غنى عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له، اللهم؛ إن كان محسناً .. فرد في إحسانه، وإن كان مسيئاً .. فتجاوز عنه، ولقه برحمتك رضاك، وقه فتنة

стр. 301

القبر وعذابه، وافسح له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك، يا أرحم الراحمين). وفي المرأة يقول: (هذه أمتك وبنت عبديك ... )، ويؤنث الضمائر ويجوز تذكيرها بقصد الشخص. ويقول في الطفل بعد الأول: (اللهم؛ اجعله فرطاً لأبويه، وسلفاً وذخراً، وعظة واعتباراً وشفيعاً، وثقل به موازينهما، وأفرغ الصبر على قلوبهما، ولا تفتنهما بعده ولا تحرمهما أجره). ويقول بعد الرابعة: (اللهم؛ لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده). وتشترط شروط الصلوات في هذه الصلاة، ويسقط فرضها بواحد، ولا يسقط بالنساء وهناك رجل أو صبى مميز. ويحرم نقل الميت إلى بلد آخر، وقيل: يكره إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس، وحيث منع لا تنفذ وصيته به. وقول المصنف: (كبر) في الموضعين و (اقرأ) و (صل) بلفظ الأمر فيها. [دفن الميت وما يتعلق بالقبر] (ودفنه لقبلة قد أوجبوا ... وسن في لحد بأرض تصلب) ذكر فيه أنه يجب دفن الميت؛ أي: في قبر أقله حفرة تمنع الرائحة والسبع، قال الرافعي: والغرض من ذكرهما- إن كانا متلازمين- بيان فائدة الدفن، وإلا .. فبيان وجوب رعايتهما فلا يكفي أحدهما. انتهى. وأنه يجب أن يوضع في القبر للقبلة؛ كما فعل برسول الله ﷺ ، فلو دفن مستديراً أو مستلقياً .. نبش ووجه للقبلة ما لم يتغير، فإن تغير .. لم ينبش وجوباً، وأما الاضطجاع على الأيمن .. فسنة، فلو وضع على يساره مستقبل القبلة .. كره. ويندب أن يوسع القبر ويعمق قامة وبسطة؛ بأن يقوم رجل معتدل ويبسط يديه مرفوعتين، وهي أربعة أذرع ونصف.

стр. 302

ويسن دفنه في لحد بأرض صلبة؛ بأن يحفر في أسفل حائط القبر الذي من جهة القبلة مقدار ما يسع الميت؛ لخبر مسلم عن سعد ابن أبي وقاص: أنه قال في مرض موته: (الحدوا لي لحداً، وانصبوا علي اللبن نصباً؛ كما صنع برسول الله ﷺ . فإن كانت الأرض رخوة .. فالشق أفضل؛ بأن يحفر في وسطه كالنهر، ويبنى الجانبان باللبن أو غيره، ويوضع الميت بينهما، ويسقف عليه باللبن أو غيره. قال في "المجموع": ويرفع السقف قليلاً بحيث لا يمس الميت. [المواضع التي يجوز فيها نبش القبر] ويحرم نبش القبر إلا إذا بلى الميت، ويعرف من أهل الخبرة، أو دفن لغير القبلة كما مر، أو بلا غسل على المذهب بشرط عدم التغير على الصحيح، أو دفن في أرض مغصوبة وشح صاحبها ويسن له تركه، أو كفن بمغصوب أو مسروق في الأصح، أو وقع في القبر خاتم أو نحوه، أو بلع مال الغير ثم مات وطولب به، فيشق جوفه ويرد، قال في "المعدة": إلا أن تضمن الورثة بدله فلا ينبش في الأصح، أو مال نفسه فوجهان، أصحهما: المنع، أو لحق أرض الدفن سيل أو نداوة في الأصح، أو قال: (إن ولدت ذكراً .. فأنت طالق طلقة، أو أنثى .. فطلقتين)، فولدت ميتاً ودفن ولم يعرف، أو ماتت وفي جوفها ولد ترجى حياته .. شق جوفها وأخرج، فإن لم يرج ولم تكن دفنت .. تركت حتى يموت، أو دفن الكافر في حرم مكة، لا إن دفن بلا كفن، أو كفن في حرير في الأصح. ويسن جمع الأقارب في موضع، وزيارة القبور للرجال، وتكره للنساء، والدفن بالمقبرة أفضل، ويكره المبيت بها. (تعزية المصاب فيها السنة ... ثلاث أيام توالى دفنه) (وجوزوا البكا بغير ضرب ... وجه ولا نوح وشق ثوب) فيهما مسألتان:

стр. 303

[استحباب التعزية] الأولى: تعزية المصاب بالميت؛ أي: جميع من أصيب به؛ بأن حصل له عليه وجد من أقاربه وغيرهم ولو صبياناً ونساء قبل الدفن وبعده .. سنة، ولكن تأخيرها أفضل؛ لاشتغال أهل الميت بتجهيزه، إلا أن يرى من أهل الميت جزعاً شديداً فيختار تقديمها؛ ليصبرهم، ومعناها: الأمر بالصبر والحمل عليه بوعد الأجر، والتحذير من الوزر بالجزع، والدعاء للميت بالمغفرة، وللمصاب بجبر المصيبة؛ لخبر "الصحيحين": أنه ﷺ مر على امرأة تبكى على صبى لها فقال لها: "اتقى الله واصبري"، ثم قال: "إنما الصبر- أي: الكامل- عند الصدمة الأولى"، ولخبرهما عن أسامة بن زيد قال: أرسلت إحدى بنات النبي ﷺ تدعوه وتخبره أن ابناً لها في الموت فقال للرسول: "ارجع إليها فأخبرها أن لله تعالى ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب"، ولخبر البيهقي: "من عزى أخاه بمصيبته .. كساه الله تعالى من حلل الكرامة يوم القيامة"، لكن لا يعزى الشابة من الرجال إلا محارمها وزوجها، ومن يباح نظره إليها كعبدها. وتمتد التعزية ثلاثة أيام تقريباً؛ لأن الحزن فيها موجود، وتكره بعدها؛ إذ الغرض منها تسكين قلب المصاب والغالب سكونه فيها فلا يجدد حزنه، وقد جعلها النبي ﷺ نهاية الحزن بقوله: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً" رواه البخاري، ومن هنا كان ابتداء الثلاثة من الموت كما هو ظاهر كلام "الروضة" و"أصلها"، وبه صرح جمع منهم القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ والماوردي وابن أبي الدم والغزالي في "خلاصته"، والقول بأن ابتداءها من الدفن مفرع على ابتداء التعزية منه أيضاً لا من الموت، قال بعضهم: فقول النووي في "مجموعه" وغيره: قال أصحابنا: وقتها من الموت إلى الدفن وبعده بثلاثة أيام .. مراده به

стр. 304

ما قلناه، بقرينة قوله بعد: قد ذكرنا أن مذهبنا استحبابها قبل الدفن وبعده بثلاثة أيام، وبه قال أحمد. انتهى، والذي قلناه هو قول أحمد؛ كما اقتضاه كلام "المستوعب" وغيره من كتب الحنابلة. انتهى. وقد جرى المصنف على ظاهر كلام "المجموع" حيث قال: (ثلاث أيام توالى دفنه). وما ذكر من أن التعزية تنتهي بثلاثة أيام محله في غير الغائب، أما الغائب من المعزي أو المعزى .. فتمتد التعزية إلى قدومه، قال المحب الطبري: والظاهر: امتدادها بعده ثلاثة أيام. وحذف المصنف التاء من (ثلاث) للوزن، أو باعتبار الليالي. ويقال في تعزية المسلم بالمسلم: (أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك)، وبالكافر: (أعظم الله أجرك، وصبرك، وأخلف عليك)، وفي تعزية الكافر بالمسلم: (غفر الله لميتك، وأحسن عزاءك). [حكم البكاء على الميت] الثانية: جوز العلماء البكاء قبل الموت وبعده بغير ضرب وجه ولا نوح ولا شق ثوب؛ أي: ونحوها؛ لخبر "الصحيحين" عن أنس قال: (دخلنا على رسول الله ﷺ وإبراهيم ولده يجود بنفسه، فجعلت عيناه تذرفان) أي: يسيل دمعهما، وخبر البخاري عن أنس قال: (شهدنا دفن بنت لرسول الله ﷺ ، فرأيت عينيه تدمعان وهو جالس على القبر)، وخبر مسلم عن أبي هريرة: (أنه ﷺ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله). أما ضرب الوجه، والندب بتعديد شمائله، والنوح وهو رفع الصوت بالندب، والجزع بشق الثوب ونشر الشعر وضرب الصدر .. فيحرم كل منها؛ لخبر "الصحيحين": "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب، ودعي بدعوى الجاهلية"، وفي رواية لمسلم في (كتاب

стр. 305

الجهاد) بلفظ: (أو) بدل (الواو)، ولخبر مسلم: أنه ﷺ قال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها .. تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" و (السربال): القميص كالدرع، و (القطران) بكسر الطاء وسكونها: دهن شجر تطلى به الإبل الجرب ويسرج به، وهو أبلغ في اشتعال النار في النائحة. [مسائل منثورة تتعلق بالباب] ولنختم الباب بمسائل منثورة: الرجال أولى بغسل الرجل، والنساء بالمرأة، وللرجل غسل زوجته ولها غسله بلا مس؛ لئلا ينتقض وضوء الحي وإن انقضت عدتها وتزوجت لا مطلقته ولو كانت رجعية، وله غسل أمته إلا المعتدة والمزوجة والمستبرأة، وليس لأمته غسله، ولرجال المحارم غسلها. ولو مات رجل وليس هناك إلا أجنبية أو عكسه .. يمما، والصغير الذي لا يشتهى والخنثى يغسله الفريقان. والرجال يقدمون على الزوجة، وأولاهم بغسل الرجل أولاهم بالصلاة عليه، ثم الرجال الأجانب، ثم الزوجة، ثم النساء المحارم. والأولى بغسل المرأة نساء القرابة، وأولاهن ذات رحم محرم وإن كانت حائضاً، وإن تساوتا .. فالتي في محل العصوبة؛ فالعمة أولى من الخالة، فإن عدمت المحرمية .. فالقربى فالقربى، ثم ذات الولاء، ثم الأجنبيات، ثم الزوج، ثم رجال المحارم كترتيبهم في الصلاة. وأولى الناس بالصلاة على الميت وإن أوصى لغيره: الأب ثم أبوه وإن علا، ثم الابن ثم أبنه وإن سفل، ثم العصبات على ترتيب الإرث، ويقدم الأجنبي على امرأة قريبة. ولو اجتمع ابنا عم أحدهما أخ من أم .. قدم كما يقدم الأخ من الأبوين، ثم المولى المعتق، ثم عصباته، ثم السلطان، ثم ذوو الأرحام الأقرب فالأقرب، فيقدم أبو الأم، ثم الأخ للأم، ثم الخال، ثم العم للأم، فإن استوى اثنان في درجة .. قدم الأسن العدل. ويدخل الميت القبر أولاهم بالصلاة عليه، لكن الزوج أحق، ثم الأفقه القريب على الأقرب، ثم الأقرب فالأقرب من المحارم، ثم عبيدها، ثم الخصيان، ثم العصبة، ثم ذوو

стр. 306

الأرحام الذين لا محرمية لهم، ثم صالح الأجانب، ويستحب أن يكون عددهم وعدد الغاسلين وتراً، ويجزئ كاف. وقوله: (البكا) بالقصر، وهو الدمع، وأما بالمد .. فهو رفع الصوت كما قاله الجوهري.

стр. 307

كتاب الزكاة هي لغة: التطهير والإصلاح والنماء والمدح، وشرعاً: اسم لما يخرج عن مال أو بدن على وجه مخصوص. والأصل في وجوبها قبل الإجماع: آيات؛ كقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾، وقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، وأخبار؛ كخبر: "بنى الإسلام على خمس". وهي نوعان: زكاة بدن؛ وهي الفطرة، وزكاة مال؛ وهي ضربان: زكاة تتعلق بالقيمة؛ وهي زكاة التجارة، وزكاة تتعلق بالعين في ثمانية أصناف من أجناس الأموال وهي: زكاة الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، والزرع، والنخل، والكرم؛ ولذلك وجبت لثمانية أصناف من طبقات الناس. (وإنما الفرض على من أسلما ... حر معين، وملك تمما) (في إبل وبقر وأغنام ... بشرط حول ونصاب واستيام) (وذهب وفضة غير حلى ... جاز ولو أوجر للمستعمل) (وعرض متجر وربح حصلا ... بشرط حول ونصاب كملا) (وجنس قوت باختيار طبع ... من عنب ورطب وزرع) (وشرطه: النصاب إذ يشتد ... حب، وزهو في الثمار يبدو) [شروط وجوب الزكاة] أي: إنما فرض الزكاة في الأموال الآتية على من أسلم وإن ارتد بعد وجوبها، أو كان غير مكلف؛ لقوله في خبر الصدقة الآتي: (فرضها على المسلمين)، فلا تجب على الكافر الأصلي وجوب مطالبة بها في الدنيا، لكن تجب عليه وجوب عقاب عليها في الآخرة كما تقرر في الأصول، ويسقط عنه بالإسلام ما مضى ترغيباً فيه.

стр. 308

أما المرتد قبل وجوبها: فإن عاد إلي الإسلام .. لزمته؛ لتبين بقاء ملكه، وإن هلك مرتداً .. فلا، ويجزئه الإخراج في حال الردة في هذه وفي التي قبلها؛ نظراً إلي جهة المال، وفيه احتمال لصاحب "التقريب" نظراً إلي أن الزكاة قربة تفتقر إلى النية. حر كله أو بعضه؛ لأن ملكه تام على ما ملكه ببعضه الحر، ولهذا يكفر كالحر الموسر على ما سيأتي، ويزكي فطرة حريته، فلا تجب على الرقيق ولو مكاتباً؛ إذ ملك المكاتب ضعيف، وغيره لا ملك له، فإن عجز المكاتب .. صار ما بيده لسيده، وابتدأ حوله من حينئذ، وإن عتق ... ابتدأ حوله من حين عتقه. معين حتى في ريع ما وقف عليه، فلا تجب على غيره كالفقراء الموقوف عليهم ضيعة مثلاً فلا زكاة عليهم في ريعها؛ كما لا زكاة في بيت المال من قئ وغيره ومال المساجد والربط، وكالحمل فلا زكاة في المال الموقوف له؛ لأنه غير معين وغير موثوق بوجوده وحياته. وقوله: (وملك تمما) أي: والحال أن ملك من ذكر- لما يأتي- تام، فتجب في الضال والمغصوب والمسروق والمجحود والمرهون والغائب وما اشتراه قبل قبضه أو حبس دونه، ولكن لا يجب إخراجها إلا عند تمكنه منه، وفي كل دين لازم من نقد، وعرض تجارة لا ماشية ونحوها، فإن كان حالا على ملئ باذل أو جاحد عليه بنية .. لزمه إخراجها في الحال، وإلا .. فعند القدرة على قبضه؛ كالضال ونحوه، ولا يمنع الدين وجوبها وإن استغرق النصاب. وخرج بـ (تام الملك) غيره؛ كنجوم الكتابة، وجعل الجعالة، ومال المحجور عليه بفلس إذا عين الحاكم لكل من غرمائه منه شيئاً وسلطه على أخذه فلم يتفق الأخذ حتى حال عليه الحول .. فلا زكاة فيها؛ لأن الملك فيها غير تام. [زكاة النعم وشروطها] وقوله: (في إبل وبقر وأغنام) أي: وهي النعم متعلق بقوله: (الفرض) وإنما اختصت بها من الحيوان؛ لأنها تتخذ للنماء غالباً لكثرة منافعها، وللإجماع، فلا تجب في غيرها كالخيل والرقيق والمتولد من غنم وظباء؛ لخبر "الصحيحين": أنه ﷺ قال: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة".

стр. 309

والأصل عدم الوجوب في المتولد المذكور بشرط حول؛ أي: مضيه في ملكه؛ لخبر أبي داوود وغيره: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول"، لكن ما نتج من نصاب .. يزكى بحوله؛ بأن وجد فيه في ملك شخص ملكه بسبب ملك أصله؛ كمئة شاة نتج منها إحدى وعشرون فتجب شاتان، وكأربعين شاة ولدت أربعين ثم ماتت وتم حولها على النتاج. وقيل: يشترط بقاء شيء من الأمهات ولو واحدة، والأصل في ذلك: ما روى مالك رحمه الله تعالى في "الموطأ" عن عمر رضى الله عنه: أنه قال لساعيه: (اعتد عليهم بالسخلة) وهو اسم يقع على الذكر والأنثى، ويوافقه أن المعنى في اشتراط الحول أن يحصل النماء، والنتاج نماء عظيم فيتبع الأصول في الحول وإن ماتت فيه. ولو زال ملكه في الحول ثم عاد، أو بادل بمثله .. استأنف الحول؛ لانقطاع الحول بما فعله وإن قصد به الفرار من الزكاة، والفرار منها مكروه، وقيل: حرام. ونصاب كما سيأتي، واستيام لها من مالكه أو ممن يخلفه شرعاً كوكيل وولي على ما يأتي بيانه، والأصل في ذلك: ما يأتي في خبر البخاري: "وفي صدقة الغنم في سائمتها .. " إلي آخره، دل مفهومه على نفي الزكاة في معلوفة الغنم، وقيس عليها معلوفة الإبل والبقر، وفي خبر أبي داوود وغيره: "في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون"، قال الحاكم: صحيح الإسناد، واختصت بالسائمة؛ لتوفر مؤنتها بالرعي في كلأ مباح. قال في "الروضة": لو أسيمت في كلأ مملوك .. فهل هي سائمة، أو معلوفة؟ وجهان في "البيان" انتهى، ورجع منهما السبكي: أنها سائمة إن لم يكن له قيمة، أو كانت قيمته يسيرة لا يعد مثلها كلفة في مقابلة نمائها، وإلا .. فمعلومة، ورجح منها الشيخ جلال الدين البلقيني: أنها معلوفة؛ لوجود المؤنة. وقال القاضي أبو الطيب: لو أسامها في أرضه الخراجية .. وجبت الزكاة. وقال القفال: لو كان له غنم فاشترى كلأ ورعاها فيه .. فسائمة، فلو جزه وأطعمها إياه في

стр. 310

المرعى أو البلد .. فمعلوفة، ولو رعاها ورقاً تناثر .. فسائمة، فلو جمعه وقدمه لها .. فمعلوفة. ونقل في "المهمات" كلام القفال واستحسنه وقال: ينبغي الأخذ به. انتهى، ويمكن حمله على كلام السبكي. فإن علفت معظم الحول ليلاً ونهاراً .. فلا زكاة فيها، وإلا .. فالأصح: إن علفت قدراً تعيش بدونه بلا ضرر بين ولم يقصد به قطع السوم .. وجبت زكاتها، وإلا .. فلا تجب، ولو أسامها الغاصب أو المشترى شراء فاسداً, أو سامت بنفسها، أو اعتلفت السائمة، أو كانت عوامل في حرث أو نضح ونحوه .. فلا زكاة في الأصح. [زكاة الذهب والفضة] وقوله: (وذهب وفضة) أي: مضروباً كان أو غير مضروب؛ كالتبر والقراضة والسبائك، فلا تجب في غيرهما من سائر الجواهر كاللؤلؤ والياقوت؛ لعدم ورودها فيها، والأصل في ذلك: قوله ﷺ : "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها: إلا إذا كان يوم القيامة .. صفحت له صفائح من نار، فأحمى عليها في نار جهنم، فتكوى بها جبهته وجنباه وظهره، كلما بردت .. أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" رواه مسلم. وقوله: (غير حلى جاز) أي: أبيح استعماله فلا زكاة فيه؛ لحاجة الانتفاع بعينه، ولأنه معد لاستعمال مباح فأشبه العوامل من الإبل والبقر، ولأن زكاة النقدين تناط بالاستغناء عن الانتفاع بهما، لا بجوهرهما؛ إذ لا غرض في ذاتهما، وصح عن ابن عمر: أنه كان يحلى بناته وجواريه بالذهب، ولا يخرج زكاته، وصح نحوه عن عائشة وغيرها، وما ورد مما ظاهره بخلاف ذلك .. فأجابوا عنه بأن الحلي كان محرماً أول الإسلام، أو بأن فيه إسرافاً. أما الحلي المحرم لعينه كالأواني، أو بالقصد كحلي النساء اتخذه الرجل ليلبسه وبالعكس؛ كما في السيف والمنطقة .. فتجب زكاته إجماعاً؛ لأن الممنوع منه كالمعدوم، وكذا المكروه

стр. 311

كالضبة الصغيرة للزينة، ويخالف ما لو قصد بعرض التجارة استعمالاً محرماً أو مكروهاً؛ لتعلق الزكاة بعين النقد. وقوله: (ولو أوجر للمستعمل) أي: لمن يحل له استعماله بلا كراهة .. فإنه لا زكاة فيه، سواء اتخذه بلا قصد، أو بقصد إجارته، أو إعارته لمن يحل له استعماله؛ لأنها إنما تجب في مال نام والنقد غير نام، وإنما التحق بالنامي لتهيؤه للإخراج، وبالصياغة بطل تهيؤه، ويخالف نية كنزه؛ لصرفها هيئة الصياغة عن الاستعمال فصار مستغنى عنه كالدراهم المضروبة، ويستثنى من كلامه: حلي مباح مات عنه مالكه ولم يعلم به وارثه حتى مضى عليه عام .. فتجب زكاته، فاله في "البحر"، ثم حكى عن والده احتمال وجه إقامة نية مورثه مقام نيته. ولو انكسر الحلي المباح ولم يحوج انكساره إلى صوغ، بل إلى إصلاح باللحام وقصد إصلاحه .. فلا زكاة فيه في الأصح وإن تعذر استعماله ودارت عليه أحوال؛ لبقاء صورته وقصد إصلاحه، فإن لم يعلم بانكساره إلا بعد عام فقصد إصلاحه .. فكذلك؛ لأن القصد يبين أنه كان مرصداً له، قاله في "الوسيط". وذكر العام مثال؛ فما فوقه كذلك، فإن لم ينو إصلاحه بل نوى جعله تبراً أو دراهم أو كنزه، أو لم ينو شيئاً، أو أحوج انكساره إلى صوغ وإن نوى صوغه .. فتجب زكاته وينعقد حوله من حين انكساره؛ لأنه ليس مستعملاً ولا معداً للاستعمال. [زكاة عروض التجارة] وقوله: (وعرض متجر) أي: تجارة، وهي تقليب المال بالمعاوضة لغرض الربح. وقوله: (وربح حصلا) أي: من مال المتجر، والأصل في ذلك: ما روى الحاكم بإسنادين وقال: هما صحيحان على شرط الشيخين عن أبي ذر: أنه ﷺ قال: "في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته" وهو بفتح الموحدة، وبالزاي يطلق على الثياب المعدة للبيع، وما روى أبو داوود عن سمرة: (أنه ﷺ كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعد للبيع).

стр. 312

[شرط وجوب زكاة النقدين وعروض التجارة] ثم ذكر شرط وجوب الزكاة في الذهب والفضة وعرض المتجر وربحه بقوله: (بشرط حول ونصاب كملا) أي: كغيرهما، ولعموم خبر أبي داوود وغيره المار: (لا زكاة في مال حنى يحول عليه الحول). ويعتبر النصاب في التجارة آخر الحول فقط كما سيأتي؛ لأنه وقت الوجوب دون ما عداه؛ لأن الاعتبار فيها بالقيمة وتعسر مراعاتها كل وقت؛ لاضطراب الأسعار ارتفاعاً وانخفاضاً، فلو بيع مال التجارة في أثناء الحول بالنقد واشتري به سلعة .. فالأصح: أنه ينقطع الحول، ويبتدئ حولها من حين شرائها. ولو تم الحول وقيمة العرض دون النصاب .. فالأصح: أنه يبتدئ حول ويبطل الأول. ولو كان معه من أول الحول ما يكمل به النصاب .. زكاهما آخره؛ كما قال في "المجموع": لو كان معه مئة درهم فاشتري عرضاً للتجارة بخمسين منها، فبلغت قيمته في آخر الحول مئة وخمسين .. لزمه زكاة الجميع، ويصير عرض التجارة للقنية بنيتها؛ لأنها الأصل، وإنما يصير العرض للتجارة إذا اقترنت نيتها بكسبه بمعاوضة كشراء، سواء أكان بعرض أم نقد أم دين حال أم مؤجل، ومنه الهبة بثواب، وكذا المهر، وعوض الخلع؛ كأن زوج أمته أو خالع زوجته بعرض نوى به التجارة فيهما، يصير مال تجارة بنيتها في الأصح، لا بالهبة المحضة، والاحتطاب، والاسترداد بعيب؛ كأن باع عرض قنية بما وجد به عيباً فرده واسترد عرضه؛ فالمكسوب بما ذكر ونحوه؛ كالاحتشاش والاصطياد والإرث ورد العرض بعيب .. لا يصير مال تجارة بنيتها؛ لانتفاء المعاوضة عنه. ولو تأخرت النية عن الكسب بمعاوضة .. فلا أثر لها. وإذا ثبت حكم التجارة .. فلا يحتاج في كل معاملة إلى نية جديدة. وإذا ملك عرض التجارة بعين نقد نصاب؛ كأن اشتراه بعين عشرين ديناراً أو مئتي درهم .. فحوله من حين ملك ذلك النقد، بخلاف ما إذا اشتراه بنصاب في الذمة ثم نقده؛ ينقطع حول النقد ويبتدئ حول التجارة من حين الشراء، وفرق بين المسألتين: بأن النقد لم يتعين صرفه

стр. 313

للشراء في الثانية بخلاف الأولى، أو بدون النصاب، أو بعرض قنية .. فمن الشراء، وإن ملكه بنصاب سائمة .. فكذلك على الأصح. ويضم الربح إلى الأصل في الحول كما علم مما مر إن لم ينض، فلو اشترى عرضاً بمئتي درهم .. فصارت قيمته في الحول ولو قبل آخره بلحظة ثلاث مئة .. زكاها آخره، لا إن صار الكل ناضاً دراهم أو دنانير من جنس رأس المال الذي هو نصاب، وأمسكه إلى آخر الحول، أو اشترى به عرضاً قبل تمامه؛ فيفرد الربح بحوله في الأظهر. فإذا اشترى عرضاً بمئتي درهم وباعه بعد ستة أشهر بثلاث مئة، وأمسكها إلى تمام الحول، أو اشترى بها عرضاً وهو يساوى ثلاث مئة في آخر الحول .. فيخرج الزكاة عن مئتين، فإذا مضت ستة أشهر أخرى .. أخرج عن المئة. ولو كان الناض المبيع به من غير جنس رأس المال .. فهو كبيع عرض بعرض؛ فيضم الربح إلى الأصل. ولو كان رأس المال دون نصاب؛ كأن اشترى عرضاً بمئة درهم، وباعه بعد ستة أشهر بمئتي درهم وأمسكهما إلى تمام حول الشراء .. زكاهما. والأصح: أن ولد العرض وثمره .. مال تجارة، وأن حوله حول الأصل. وواجبها: ربع عشر القيمة؛ كأن ملكه بنقد قوم به وإن كان دون نصاب، أو غير نقد البلد الغالب، أو بعرض قوم بغالب نقد البلد من الدراهم والدنانير، وكذا لو ملكه بنكاح أو خلع، فإن غلب نقدان على التساوي وبلغ بأحدهما دون الآخر نصاباً .. قوم به، فإن بلغ نصاباً بهما .. فهل يقوم بالأنفع للمستحقين، أو يتخير المالك فيقوم بما شاء منهما؟ وجهان، صحح في "المنهاج" كـ"أصله" أولهما، وعزاه الإمام للجمهور، وصحح في "الروضة" و"المجموع" ثانيهما؛ تبعاً لنقل الرافعي له عن العراقيين والروياني، قال في "المهمات": وهو ما عليه الأكثر، وبه الفتوى. انتهي. وإن ملكه بنقد وعرض .. قوم ما قابل النقد به، والباقي بالغالب من نقد البلد.

стр. 314

[زكاة المعشرات] وقوله: (وجنس قوت باختيار طبع من عنب ورطب وزرع) أي: وتجب الزكاة في جنس قوت باختيار طبع الآدمي، وهو من الثمار: الرطب والعنب، ومن الحب: الحنطة والشعير والسلت، والأرز، والعدس والحمص والباقلاء، والدخن والذرة واللوبيا، والماش والهرطمان؛ أي: الجلبان ونحوها؛ لورود بعضها في الأخبار الآتية، وألحق به الباقي، فلا تجب في السمسم والتين والجوز واللوز، والرمان والتفاح ونحوها قولاً واحداً، ولا في الزيتون والزعفران والورس، والقرطم والعسل من النحل في الجديد. واحترزوا بقيد (الاختيار) عما يقتات حال الضرورة؛ كحبي الحنظل والغاسول. ومن الأخبار: ما روى أبو داوود والترمذي وابن حبان عن عاب بن أسيد- بفتح الهمزة- قال: (أمر رسول الله ﷺ أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ زكاة النخل تمراً)، وما روى الحاكم- وقال: إسناده صحيح- عن أبي موسى الأشعري: أنه ﷺ قال له ولمعاذ حين بعثهما إلى اليمن: "لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر" وهذا الحصر إضافي؛ لما روى الحاكم- وقال: صحيح الإسناد- عن معاذ: أنه ﷺ قال: "فيما سقت السماء والسيل والبعل .. العشر، وفيما سقي بالنضح .. نصف العشر" وإنما يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب، فأما القثاء والبطيخ والرمان والقضب .. فعفو عفا عنه رسول الله ﷺ ، و (القضب) بسكون المعجمة: الرطبة بسكون الطاء. [شروط وجوب الزكاة في المعشرات] وقوله: (وشرطه النصاب إذ يشتد حب، وزهو في الثمار يبدو) أي: وشرط وجوب الزكاة في المقتات المذكور: النصاب الآتي، وهو خمسة أوسق وقت اشتداد الحب؛ لأنه

стр. 315

حينئذ طعام وهو قبل ذلك بقل، وزهو الثمار، وهو بدو صلاحها؛ لأنه حينئذ ثمرة كاملة وهو قبل ذلك بلح وحصرم. والمراد: أن الزكاة تجب باشتداد الحب وبدو صلاح التمر، ولا يشترط تمام الاشتداد كما لا يشترط تمام الصلاح في الثمر، واشتداد بعض الحب كاشتداد كله، وبدو الصلاح في بعض الثمر كبدوه في الجميع، فلو اشترى أو ورث نخيلاً مثمرة وبدا الصلاح عنده .. كانت الزكاة عليه، لا على من انتقل الملك عنه. وليس المرد بوجوب الزكاة بما ذكر وجوب الإخراج في الحال، بل المراد: انعقاد سبب وجوب إخراج التمر والزبيب والحب المصفى عند الصيرورة كذلك. ولو أخرج في الحال الرطب والعنب مما يتتمر ويتزبب جيداً .. لم يجزه، ولو أخذه الساعي .. لم يقع الموقع. ومؤنة جذاذ التمر وتجفيفه، وحصاد الحب وتصفيته .. من خالص مال المالك لا يحسب شيء منها من مال الزكاة. والألف في قول المصنف: (أسلما)، و (تمما)، و (حصلا)، و (كملا) للإطلاق، والأحسن جعل ألف (كملا) للتثنية. [نصاب الإبل] (في إبل أدنى نصاب الأس ... خمس لها شاة، وكل خمس) (منها لأربع مع العشرين ضان ... تم له عام، وعنز عامان) (في الخمس والعشرين بنت للمخاض ... وفي الثلاثين وست: افتراض) (بنت لبون سنتين استكملت ... ست وأربعون: حقة ثبت) (وجذعة للفرد مع ستين ... ست وسبعون: ابنتا لبون) (في الفرد والتسعين: ضعف ألحقه ... والفرد مع عشرين بعد المئة) (ثلاثة البنات من لبون ... بنت اللبون كل أربعين) (وحقه لكل خمسين أحسب ... واعف عن الأوقاص بين النصب) أي: في الإبل أقل نصاب الأس- بضم الهمزة، وهو أولها: خمس وفيها: شاة، فلا

стр. 316

زكاة فيما دونها، وفي عشر: شاتان، وخمسة عشر: ثلاث، وعشرين: أربع إلى أربع وعشرين. ويتخير المالك بين إخراج ضأن تم له عامان، أو معز له عامان، ولا يتعين غالب غنم البلد. والأصح: أنه يجزئ الذكر؛ أي: جذع الضأن أو ثنى المعز؛ لصدق الشاة على الذكر، وإنما وجبت الشاة فيما ذكر؛ وفقاً بالفريقين؛ لأنه لو وجب بعير .. لأضر بأرباب الأموال، أو جزء .. لأضر بالفريقين بالتشقيص. والأصح: أنه يجزئ بعير الزكاة عن دون خمس وعشرين؛ لأنه يجزئ عنها؛ فعما دونها أولى، والبعير يطلق على الذكر والأنثى، والمراد به: بنت المخاض فما فوقها. وفي خمس وعشرين: بنت مخاض لها سنة، وفي ست وثلاثين: بنت لبون لها سنتان، وست وأربعين: حقه لها ثلاث سنين، وإحدى وستين: جذعة لها أربع سنين، وست وسبعين: بنتا لبون، وإحدى وتسعين: حقتان، ومئة وإحدى وعشرين: ثلاث بنات لبون، ثم في الأكثر من ذلك: في كل أربعين بنت لبون، وكل خمسين: حقة. وكسر المصنف نون (ستين) ونون (أربعين) وهو لغة وإن كان الأفصح فتحها، وقوله: (وحقة) بالرفع والنصب. والأصل في ذلك: خبر "الصحيحين": "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة"، وخبر البخاري وغيره عن أنس: أن أبا بكر رضى الله عنه كتب له لما وجهه إلى البحرين: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها .. فليعطها، ومن سئل فوقها .. فلا يعط في أربع وعشرين فما دونها [من] الغنم؛ في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين .. ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم يكن فيها بنت مخاض .. فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين .. ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين .. ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين .. ففيها جذعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين .. ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومئة .. ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومئة .. ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة).

стр. 317

قوله: (واعف عن الأوقاص بين النصب) أي: فلا يتعلق به شيء من الزكاة. ولو اتفق فرضان كمئتي بعير .. فواجبها أربع حقاق، أو خمس بنات لبون، فإن وجدا عنده .. تعين الأغبط للمستحقين، أو أحدهما .. أخذ ولا يكلف الآخر، ولا يجوز الصعود والنزول مع الجبران. وإن وجد بعض الآخر سليماً، أو كله معيباً .. فكالمعدوم. وإن فقدا أو كانا معيبين .. فله تحصيل أيهما شاء، ولو الصعود من الحقاق إلى أربع جذاع، وأخذ أربع جبرانات، لا النزول إلى أربع بنات مخاض ودفع ثمان جبرانات، وله النزول من بنات اللبون إلى خمس بنات مخاض. ودفع خمس جبرانات، لا الصعود إلى خمس جذاع وأخذ عشر جبرانات. ولو وجدهما الساعي بلا عيب وأخذ غير الأغبط: فإن كان بتقصير منه أو بتدليس المالك .. لم يجزه وعليه رده أو قيمته إن تلف، وإلا ... أجزأ، ويجب عليه قدر التفاوت بين القيمتين يخرجه دراهم من نقد البلد؛ كما يجوز إخراج القيمة عند تعذر تحصيل الواجب، وإن أخرج شقصاً .. جاز. وإن وجد بعض كل كثلاث حقاق وأربع بنات لبون: فإن شاء دفع الحقاق مع بنت اللبون وجبران، أو مع جذعة ويأخذ جبراناً، وكذا حقة مع ثلاث بنات لبون وثلاث جبرانات، وإن وجد بعض أحدهما فقط كحقتين .. أخرجهما مع جذعتين ويأخذ جبرانين، أو خمس بنات مخاض مع خمس جبرانات. ولو أخرج حقتين وبنتي لبون ونصفاً .. لم يجز؛ للتشقيص. ومن لزمه سن من الإبل وعدمه .. أخذ منه سن أسفل مع شاتين، أو عشرين درهماً، أو أعلى ورد عليه شاتان، أو عشرون درهماً، والخيرة في الشاتين والدراهم لدافعها، لكن يراعي الساعي مصلحة المستحقين، وفي الصعود والنزول للمالك، فإن دفع ولو غير الأغبط .. لزم الساعي أخذه. ولو كانت إبله معيبة .. فله النزول ودفع الجبران، لا الصعود وأخذه. ولو أخرج ثنية بدل الجذعة بلا جبران .. جاز، وإن طلبه .. فكذا في الأصح، وله صعود درجتين وأخذ جبرانين، ونزولهما مع جبرانين بشرط تعذر الدرجة القربى في تلك الجهة، أما وجود الدرجة القربى في غير تلك الجهة .. فلا يؤثر.

стр. 318

(نصاب أبقار ثلاثون، وفي ... كل ثلاثين تبيع يقتفى) (مسنة في كل أربعين ... أي: ذات ثنتين من السنين) (وضعف عشرين نصاب الغنم ... شاة لها كشاة إبل النعم) (وضعف ستين إلى واحدة ... شاتان، والإحدى وضعف المئة) (ثلاثة من الشياه ثما ... شاة لكل مئة اجعل حتما) فيها مسألتان: [نصاب البقر] الأولى: أول نصاب البقر ثلاثون، وفيها: تبيع ابن سنة وطعن في الثانية، وفي كل ثلاثين: تبيع، وكل أربعين: مسنة لها سنتان وطعنت في الثالثة؛ لخبر الترمذي وغيره وصححه الحاكم وغيره، عن معاذ قال: (بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل أربعين بقرة مسنة، ومن كل ثلاثين تبيعاً)، والبقرة تقع على الذكر والأنثى، ففي ستين: تبيعان، وفي سبعين: تبيع ومسنة، وفي ثمانين: مسنتان، وفي تسعين: ثلاث أتبعة، وفي مئة: مسنة وتبيعان، وفي مئة وعشرة: مسنتان وتبيع، وفي مئة وعشرين: ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة، وحكمه حكم بلوغ الإبل مئتين في جميع ما تقدم، لكن لا جبران في البقر. [نصاب الغنم] الثانية: أول نصاب الغنم أربعون، وفيها: شاة كشاة إبل النعم في أنها جذعة ضأن أو ثنية معز، وفي مئة وإحدى وعشرين: شاتان، ومئتين وواحدة: ثلاث، ثم في كل مئة: شاة؛ لخبر البخاري عن أنس في كتاب أبي بكر السابق ذكره: (وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاة، فإذا زادت على عشرين ومئة إلى مئتين .. ففيها شاتان، فإذا زادت على مئتين إلى ثلاث مئة .. ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاث مئة .. ففي كل مئة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة .. فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها).

стр. 319

وفي بعض النسخ: بدل (اجعل حتما): (قد حتما)، والألف فيه وفي (ثما) للإطلاق. (مال الخليطين كمال المفرد ... إن مشرع ومسرح يتحد) (والفحل والراعي وأرض الحلب ... وفي مراح ليلها والمشرب) (عشرون مثقالاً نصاب للذهب ... ومئتا درهم فضة وجب) (في ذين ربع العشر لو من معدن ... وما يزيد بالحساب البين) (وفي ركاز جاهلي منهما ... الخمس حالاً كالزكاة قسما) (في التمر والزرع النصاب الرملي ... قل: خمسة وربع ألف رطل) (وزائد جف، ومن غير نقي ... العشر إذ بلا مؤونة سقي) (ونصفه مع مؤن للزرع ... أو بهما وزع بحسب النفع) (وعرض متجر أخير حوله ... قومه مع ربح بنقد أصله) فيها خمس مسائل: [زكاة الخليطين] الأولى: مال الخليطين خلطة شيوع وهي: ما لا يتميز فيها مال أحد الخليطين عن مال الآخر؛ كموروث ومشترى شركة، أو جوار وهي: ما يتميز فيها أحدهما عن الآخر؛ كصفي نخيل أو زرع بحائط واحد .. كمال شخص مفرد في أنه يضم الجنس بعضه إلى بعض فيعتبر دوامها سنة، وألا يتميز مال أحدهما عن الآخر في شيء مما يأتي إن يتحد مشرع؛ أي: الموضع الذي تسرح إليه لتجتمع وتساق إلى المرعى، والموضع الذي ترعى فيه وطريقها إليه؛ لأنها مسرحة إليها، والفحل سواء أكان مملوكاً لأحدهما أم مشتركاً أم مستعاراً. نعم؛ إن اختلف نوع الماشية كضأن ومعز .. فلا يضر اختلافه؛ للضرورة كما جزم به في "المجموع"، والراعي بألا يختص أحدهما براع، ولا بأس بتعدد الرعاة، وأرض الحلب، الحلب: بفتح اللام مصدر، وحكى سكونها، وهو المحلب بفتح الميم، ويتحد في

стр. 320

مراح ليلها بضم الميم؛ أي: مأواها ليلاً، والمشرب؛ أي: موضع شربها بأن تسقى من ماء واحد من نهر أو عين أو بئر أو حوض، أو من مياه متعددة. ويشترط: ألا يتميز الناطور والجرين والدكان والحارس، والماء والحراث والعامل، وجذاذ النخل والملقح واللقاط، والحمال والكيال والوزان والميزان للتاجرين في حانوت واحد ونحوها، ولا تشترط نية الخلطة، ولا اتحاد الحالب ولا المحلب بكسر الميم؛ أي: الإناء الذي يحلب فيه. والأصل في ذلك: ما روى البخاري عن أنس في كتاب أبي بكر السابق: (ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة)، وفي خبر الدارقطني بعد ذلك في رواية سعد بن أبي وقاص: (والخليطان: ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي)، نبه بذلك على غيره من الشروط، لكن ضعف الخبر المذكور، ومن الجمع بين متفرق: أن يكون لكل واحد أربعون شاة فيخلطاها، ومن مقابله: أن يكون لهما أربعون فيفرقاها، فخلط عشرين بمثلها يوجب الزكاة، وأربعين بمثلها يقللها، ومئة وواحدة بمثلها يكثرها. [نصاب الذهب والفضة] الثانية: أول نصاب الذهب: عشرون مثقالاً، ونصاب الفضة: مئتا درهم بوزن مكة، وفيهما: ربع العشر ولو حصل ذلك من معدن؛ أي: مكان خلقه الله تعالى فيه، ويشترط في المعدن النصاب لا الحول، وما زاد بحسابه سواء المضروب وغيره كما مر. وأشار بقوله: (لو من معدن) إلى الخلاف فيه، ففي قوله: زكاته الخمس كالركاز، وقول: إن حصل بتعب .. فربع عشره، وإلا .. فخمسه. وأفاد قوله: (وما يزيد بالحساب البين) أنه لا وقص في الذهب والفضة كالقوت؛ لإمكان التجزي بلا ضرر، بخلاف النعم كما مر. والأصل في ذلك: خبر "الصحيحين": "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" وأواق كجوار، وإذا نطق بيائه .. تشدد وتخفف، وخبر البخاري في كتاب أبي بكر السابق:
следующие страницы →