← Фикх шафии

Фикх шафии · id 32197

فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلان

شهاب الدين الرملي

Полный текст (924 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

زكاة فيما دونها، وفي عشر: شاتان، وخمسة عشر: ثلاث، وعشرين: أربع إلى أربع وعشرين. ويتخير المالك بين إخراج ضأن تم له عامان، أو معز له عامان، ولا يتعين غالب غنم البلد. والأصح: أنه يجزئ الذكر؛ أي: جذع الضأن أو ثنى المعز؛ لصدق الشاة على الذكر، وإنما وجبت الشاة فيما ذكر؛ وفقاً بالفريقين؛ لأنه لو وجب بعير .. لأضر بأرباب الأموال، أو جزء .. لأضر بالفريقين بالتشقيص. والأصح: أنه يجزئ بعير الزكاة عن دون خمس وعشرين؛ لأنه يجزئ عنها؛ فعما دونها أولى، والبعير يطلق على الذكر والأنثى، والمراد به: بنت المخاض فما فوقها. وفي خمس وعشرين: بنت مخاض لها سنة، وفي ست وثلاثين: بنت لبون لها سنتان، وست وأربعين: حقه لها ثلاث سنين، وإحدى وستين: جذعة لها أربع سنين، وست وسبعين: بنتا لبون، وإحدى وتسعين: حقتان، ومئة وإحدى وعشرين: ثلاث بنات لبون، ثم في الأكثر من ذلك: في كل أربعين بنت لبون، وكل خمسين: حقة. وكسر المصنف نون (ستين) ونون (أربعين) وهو لغة وإن كان الأفصح فتحها، وقوله: (وحقة) بالرفع والنصب. والأصل في ذلك: خبر "الصحيحين": "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة"، وخبر البخاري وغيره عن أنس: أن أبا بكر رضى الله عنه كتب له لما وجهه إلى البحرين: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها .. فليعطها، ومن سئل فوقها .. فلا يعط في أربع وعشرين فما دونها [من] الغنم؛ في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين .. ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم يكن فيها بنت مخاض .. فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين .. ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين .. ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين .. ففيها جذعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين .. ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومئة .. ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومئة .. ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة).

стр. 317

قوله: (واعف عن الأوقاص بين النصب) أي: فلا يتعلق به شيء من الزكاة. ولو اتفق فرضان كمئتي بعير .. فواجبها أربع حقاق، أو خمس بنات لبون، فإن وجدا عنده .. تعين الأغبط للمستحقين، أو أحدهما .. أخذ ولا يكلف الآخر، ولا يجوز الصعود والنزول مع الجبران. وإن وجد بعض الآخر سليماً، أو كله معيباً .. فكالمعدوم. وإن فقدا أو كانا معيبين .. فله تحصيل أيهما شاء، ولو الصعود من الحقاق إلى أربع جذاع، وأخذ أربع جبرانات، لا النزول إلى أربع بنات مخاض ودفع ثمان جبرانات، وله النزول من بنات اللبون إلى خمس بنات مخاض. ودفع خمس جبرانات، لا الصعود إلى خمس جذاع وأخذ عشر جبرانات. ولو وجدهما الساعي بلا عيب وأخذ غير الأغبط: فإن كان بتقصير منه أو بتدليس المالك .. لم يجزه وعليه رده أو قيمته إن تلف، وإلا ... أجزأ، ويجب عليه قدر التفاوت بين القيمتين يخرجه دراهم من نقد البلد؛ كما يجوز إخراج القيمة عند تعذر تحصيل الواجب، وإن أخرج شقصاً .. جاز. وإن وجد بعض كل كثلاث حقاق وأربع بنات لبون: فإن شاء دفع الحقاق مع بنت اللبون وجبران، أو مع جذعة ويأخذ جبراناً، وكذا حقة مع ثلاث بنات لبون وثلاث جبرانات، وإن وجد بعض أحدهما فقط كحقتين .. أخرجهما مع جذعتين ويأخذ جبرانين، أو خمس بنات مخاض مع خمس جبرانات. ولو أخرج حقتين وبنتي لبون ونصفاً .. لم يجز؛ للتشقيص. ومن لزمه سن من الإبل وعدمه .. أخذ منه سن أسفل مع شاتين، أو عشرين درهماً، أو أعلى ورد عليه شاتان، أو عشرون درهماً، والخيرة في الشاتين والدراهم لدافعها، لكن يراعي الساعي مصلحة المستحقين، وفي الصعود والنزول للمالك، فإن دفع ولو غير الأغبط .. لزم الساعي أخذه. ولو كانت إبله معيبة .. فله النزول ودفع الجبران، لا الصعود وأخذه. ولو أخرج ثنية بدل الجذعة بلا جبران .. جاز، وإن طلبه .. فكذا في الأصح، وله صعود درجتين وأخذ جبرانين، ونزولهما مع جبرانين بشرط تعذر الدرجة القربى في تلك الجهة، أما وجود الدرجة القربى في غير تلك الجهة .. فلا يؤثر.

стр. 318

(نصاب أبقار ثلاثون، وفي ... كل ثلاثين تبيع يقتفى) (مسنة في كل أربعين ... أي: ذات ثنتين من السنين) (وضعف عشرين نصاب الغنم ... شاة لها كشاة إبل النعم) (وضعف ستين إلى واحدة ... شاتان، والإحدى وضعف المئة) (ثلاثة من الشياه ثما ... شاة لكل مئة اجعل حتما) فيها مسألتان: [نصاب البقر] الأولى: أول نصاب البقر ثلاثون، وفيها: تبيع ابن سنة وطعن في الثانية، وفي كل ثلاثين: تبيع، وكل أربعين: مسنة لها سنتان وطعنت في الثالثة؛ لخبر الترمذي وغيره وصححه الحاكم وغيره، عن معاذ قال: (بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل أربعين بقرة مسنة، ومن كل ثلاثين تبيعاً)، والبقرة تقع على الذكر والأنثى، ففي ستين: تبيعان، وفي سبعين: تبيع ومسنة، وفي ثمانين: مسنتان، وفي تسعين: ثلاث أتبعة، وفي مئة: مسنة وتبيعان، وفي مئة وعشرة: مسنتان وتبيع، وفي مئة وعشرين: ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة، وحكمه حكم بلوغ الإبل مئتين في جميع ما تقدم، لكن لا جبران في البقر. [نصاب الغنم] الثانية: أول نصاب الغنم أربعون، وفيها: شاة كشاة إبل النعم في أنها جذعة ضأن أو ثنية معز، وفي مئة وإحدى وعشرين: شاتان، ومئتين وواحدة: ثلاث، ثم في كل مئة: شاة؛ لخبر البخاري عن أنس في كتاب أبي بكر السابق ذكره: (وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاة، فإذا زادت على عشرين ومئة إلى مئتين .. ففيها شاتان، فإذا زادت على مئتين إلى ثلاث مئة .. ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاث مئة .. ففي كل مئة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة .. فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها).

стр. 319

وفي بعض النسخ: بدل (اجعل حتما): (قد حتما)، والألف فيه وفي (ثما) للإطلاق. (مال الخليطين كمال المفرد ... إن مشرع ومسرح يتحد) (والفحل والراعي وأرض الحلب ... وفي مراح ليلها والمشرب) (عشرون مثقالاً نصاب للذهب ... ومئتا درهم فضة وجب) (في ذين ربع العشر لو من معدن ... وما يزيد بالحساب البين) (وفي ركاز جاهلي منهما ... الخمس حالاً كالزكاة قسما) (في التمر والزرع النصاب الرملي ... قل: خمسة وربع ألف رطل) (وزائد جف، ومن غير نقي ... العشر إذ بلا مؤونة سقي) (ونصفه مع مؤن للزرع ... أو بهما وزع بحسب النفع) (وعرض متجر أخير حوله ... قومه مع ربح بنقد أصله) فيها خمس مسائل: [زكاة الخليطين] الأولى: مال الخليطين خلطة شيوع وهي: ما لا يتميز فيها مال أحد الخليطين عن مال الآخر؛ كموروث ومشترى شركة، أو جوار وهي: ما يتميز فيها أحدهما عن الآخر؛ كصفي نخيل أو زرع بحائط واحد .. كمال شخص مفرد في أنه يضم الجنس بعضه إلى بعض فيعتبر دوامها سنة، وألا يتميز مال أحدهما عن الآخر في شيء مما يأتي إن يتحد مشرع؛ أي: الموضع الذي تسرح إليه لتجتمع وتساق إلى المرعى، والموضع الذي ترعى فيه وطريقها إليه؛ لأنها مسرحة إليها، والفحل سواء أكان مملوكاً لأحدهما أم مشتركاً أم مستعاراً. نعم؛ إن اختلف نوع الماشية كضأن ومعز .. فلا يضر اختلافه؛ للضرورة كما جزم به في "المجموع"، والراعي بألا يختص أحدهما براع، ولا بأس بتعدد الرعاة، وأرض الحلب، الحلب: بفتح اللام مصدر، وحكى سكونها، وهو المحلب بفتح الميم، ويتحد في

стр. 320

مراح ليلها بضم الميم؛ أي: مأواها ليلاً، والمشرب؛ أي: موضع شربها بأن تسقى من ماء واحد من نهر أو عين أو بئر أو حوض، أو من مياه متعددة. ويشترط: ألا يتميز الناطور والجرين والدكان والحارس، والماء والحراث والعامل، وجذاذ النخل والملقح واللقاط، والحمال والكيال والوزان والميزان للتاجرين في حانوت واحد ونحوها، ولا تشترط نية الخلطة، ولا اتحاد الحالب ولا المحلب بكسر الميم؛ أي: الإناء الذي يحلب فيه. والأصل في ذلك: ما روى البخاري عن أنس في كتاب أبي بكر السابق: (ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة)، وفي خبر الدارقطني بعد ذلك في رواية سعد بن أبي وقاص: (والخليطان: ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي)، نبه بذلك على غيره من الشروط، لكن ضعف الخبر المذكور، ومن الجمع بين متفرق: أن يكون لكل واحد أربعون شاة فيخلطاها، ومن مقابله: أن يكون لهما أربعون فيفرقاها، فخلط عشرين بمثلها يوجب الزكاة، وأربعين بمثلها يقللها، ومئة وواحدة بمثلها يكثرها. [نصاب الذهب والفضة] الثانية: أول نصاب الذهب: عشرون مثقالاً، ونصاب الفضة: مئتا درهم بوزن مكة، وفيهما: ربع العشر ولو حصل ذلك من معدن؛ أي: مكان خلقه الله تعالى فيه، ويشترط في المعدن النصاب لا الحول، وما زاد بحسابه سواء المضروب وغيره كما مر. وأشار بقوله: (لو من معدن) إلى الخلاف فيه، ففي قوله: زكاته الخمس كالركاز، وقول: إن حصل بتعب .. فربع عشره، وإلا .. فخمسه. وأفاد قوله: (وما يزيد بالحساب البين) أنه لا وقص في الذهب والفضة كالقوت؛ لإمكان التجزي بلا ضرر، بخلاف النعم كما مر. والأصل في ذلك: خبر "الصحيحين": "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" وأواق كجوار، وإذا نطق بيائه .. تشدد وتخفف، وخبر البخاري في كتاب أبي بكر السابق:

стр. 321

(وفي الرقة ربع العشر) والرقة والورق: الفضة، والهاء عوض من الواو، والأوقية بضم الهمزة وتشديد الياء: أربعون درهماً، قال في "المجموع": بالنصوص المشهورة وإجماع المسلمين، قال: وروى أبو داوود وغيره بإسناد صحيح أو حسن عن علي رضى الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس في أقل من عشرين ديناراً شيء، وفي عشرين نصف دينار"، وقال ﷺ : "المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن مكة" رواه أبو داوود والنسائي بإسناد صحيح. والدرهم: ستة دوانق، والمثقال: درهم وثلاثة أسباعه، فكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. ولو نقص عن النصاب حبة أو بعضها .. فلا زكاة وإن راج رواج التام. ولو نقص في ميزان وتم في آخر .. فالصحيح: لا زكاة، ولا يكمل نصاب أحد النقدين بالآخر، ولا شيء في المغشوش منهما حتى يبلغ خالصه نصاباً، فإذا بلغه .. أخرج الواجب خالصاً، أو أخرج من المغشوش ما يعلم اشتماله على خالص بقدر الواجب. [زكاة الركاز] الثالثة: يجب في الركاز الجاهلي الضرب؛ كأن يكون عليه اسم ملك منهم أو صورة من الذهب والفضة .. الخمس حالاً، فلا يشترط فيه الحول؛ لأنه إنما اشترط للتمكن من تنمية المال، وكل من المعدن والركاز نماء في نفسه يصرف مصرف الزكاة؛ لأنه حق واجب في المستفاد من الأرض، فأشبه الواجب في الثمار والزروع، سواء أوجده في مكان أحياه أو أقطعه، أو في موات بدار الإسلام، أو الحرب وإن كانوا يذبون عنه، وبلغ ذلك نصاباً ولو بما عنده من جنسه؛ لخبر "الصحيحين": "وفي الركاز الخمس"، وهو المال المدفون في الأرض، بخلاف المعدن فإنه المخلوق فيها كما مر. واستشكل الرافعي ذلك بأنه لا يلزم من ضرب الجاهلية دفنها؛ لجواز أن يظفر مسلم بكنز جاهلي ويكنزه ثانياً بهيئته، فمدار الحكم على دفن الجاهلية لا ضربها، وأجيب بأنه لا سبيل

стр. 322

إلى العلم بدفنها، والمعتبر إنما هو وجود علامة من ضرب أو غيره، ولهذا قال في "المجموع": متى كان عليه ضرب الجاهلية .. فركاز بلا خلاف، قال فيه نقلاً عن جماعة من غير إنكار: وليس دفين كافر بلغته الدعوة ركازاً، بل في خمسه لأهل الخمس وبقيته لواجده؛ لأن الركاز إنما هو أموال الجاهلية الذين لا يعرف هل بلغتهم دعوة أم لا؟ وخرج بـ (ضرب الجاهلية): ما وجده بضرب الإسلام، وأما إذا لم يعلم من أي الضربين هو .. فإنه لقطه أيضاً، أو بملك أهل الحرب؛ فإنه فئ أو غنيمة، إلا إذا دخله بأمان .. فلا يجوز له أخذه، وما وجده بملك غيره، أو بملك له تلقاه من غير .. فإنه للمالك في الأولى، ولمن تلقى منه في الثانية بلا يمين إن ادعياه كأمتعة الدار، وإلا .. فلمن فوقهما .. وهكذا حتى ينتهى إلى المحيي، فله وإن لم يدعه؛ لأنه بإحيائه الأرض ملك ما فيها، ولا يدخل في المبيع؛ لأنه منقول، وتقييد الملك لمن ذكر بدعواه له ذكره الشيخان، وتركه ابن الرفعة والسبكي، بل شرطا ألا ينفيه، قال في "المهمات": وهو الصواب، كسائر ما بيده، وفي "أصل الروضة": أن ما وجده في موقوف بيده .. فهو ركاز له كذا في "التهذيب"، وفي قوله: (كذا في "التهذيب") إشارة إلي استشكاله، وقد استشكله والد الجاربردي بأنه ليس أقوى من الموجود في الملك المنتقل إليه من غيره، قال: وأظن أن عليه عرضه على واقفه .. وهكذا حتى ينتهى إلى المحيي. [نصاب الزروع والثمار] الرابعة: أقل النصاب في الثمر والزرع بالرطل القدسي والرملي: مئتا رطل وخمسة وخمسون رطلاً؛ لأن الرطل ثمان مئة درهم، وهذا بناء على أن رطل بغداد مئة وثلاثون درهماً على ما قاله الرافعي، وهو خمسة أوسق جمع وسق؛ وهو ستون صاعاً، والصاع: أربعة أمداد، والمد: رطل وثلث بالبغدادي، فالأوسق الخمسة: ألف وست مئة رطل بالبغدادي، وهو بالمن الصغير: ثمان مئة من؛ لأن المن رطلان، وبالكبير الذي وزنه ست مئة درهم كالرطل الدمشقي: ثلاث مئة من وستة وأربعون منا وثلثا من على قول الرافعي.

стр. 323

وأما على قول النووي: إن رطل بغداد مئة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم .. فهي ثلاث مئة من واثنان وأربعون منا وستة أسباع من، والأصح: أن الاعتبار بالكيل لا الوزن إذا اختلفا، والتقدير بذلك تحديد. قال القمولي وغيره: وقدر النصاب بإردب مصر: ستة أرادب وربع بجعل القدحين صاعاً؛ كزكاة الفطرة وكفارة اليمين. وقال السبكي: خمسة أرادب ونصف وثلث، فقد اعتبرت القدح المصري بالمد الذي حررته فوسع مدين وسبعاً تقريباً، فالصاع: قدحان إلا سبعي مد، وكل خمسة عشر مداً سبعة أقداح، وكل خمسة عشر صاعاً ويبة ونصف وربع، فثلاثون صاعاً ثلاث ويبات ونصف، فئلاث مئة صاع خمسة وثلاثون ويبة، وهي خمسة أرادب ونصف وثلث، فالنصاب على هذا: خمس مئة وستون قدحاً، وعلى الأول: ست مئة. وقوله: (وزائد جف) أي: أن ما زاد بحسابه، فلا وقص فيه، وأن النصاب يعتبر في حال جفافه بأن يصير تمراً أو زبيباً؛ أي: إن تتمر أو تزبب جيداً، وإلا .. فرطباً وعنباً، ويعتبر الحب مصفى منقي من تبن ونحوه. وواجب ما سقي بلا مؤنة كأن سقي بالمطر أو ماء القناة، أو بماء ينصب إليه من جبل أو نهر أو عين كبيرة، أو عروقه لقربه من الماء من ثمر وزرع .. العشر، وما سقي بمؤنة كناضح ودولاب، وما اشتراه أو اتهبه أو غصبه .. نصفه، والفرق: ثقل المؤنة في هذا وخفتها في الأولى. والأصل في ذلك: خبر البخاري: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً .. العشر، وما سقي بالنضح .. نصف العشر"، وخبر: "فيما سقت الأنهار والغيم .. العشر، وفيما سقي بالسانية .. نصف العشر"، وخبر أبي داوود: "فيما سقت السماء والأنهار والعيون، أو كان بعلا .. العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح .. نصف العشر". و(العثري) بفتح المهملة والمثلثة: ما سقي بماء السيل، قاله الأزهري وغيره، والغيم

стр. 324

المطر، و (السانية) و (الناضح): اسم للبعير أو البقرة الذي يسقى عليه من البئر أو النهر، والأنثى ناضحة. وما سقي بهما؛ أي: بما لا مؤنة فيه، وبما فيه مئؤنة .. وزع أنت الواجب على سقي المقتات بالنوعين؛ عملاً بواجبهما بحسب النفع؛ أي: باعتبار نشوء الزرع ونمائه، وإنما اعتبر النشوء دون عدد السقيات؛ لأنه المقصود، فلو كانت المدة من يوم الزرع إلى يوم الإدراك ثمانية أشهر، واحتاج في ستة أشهر زمن الشتاء والربيع إلى سقيتين فسقي بماء السماء، وفي شهرين من زمن الصيف إلى ثلاث سقيات فسقي بما فيه مؤنة .. وجب ثلاثة أرباع العشر وربع نصف العشر، فإن سقي بهما سواء .. وجب ثلاثة أرباع العشر. ولو سقي بهما وجهل مقدار كل منهما .. وجب فيه ثلاثة أرباع العشر؛ أخذاً بالأسوء، وسواء في جميع ما ذكر في المسقي بمائين أنشأ الزرع على قصد السقي بهما، أم أنشأه قاصداً السقي بأحدهما ثم عرض السقي بالآخر، وقيل في الحال الثاني: يستصحب حكم ما قصده. ولو اختلف المالك والساعي في أنه بماذا سقي؟ صدق المالك؛ لأن الأصل عدم وجوب الزيادة عليه، قال في "المجموع": فإن اتهمه الساعي .. حلفه، وهذه اليمين مستحبة بالاتفاق؛ لأن قوله لا يخالف الظاهر. ولو كان له زرع مسقي بماء السماء، وآخر مسقي بالنضح، ولم يبلغ واحد منهما نصاباً .. ضم أحدهما إلى الآخر؛ لتمام النصاب وإن اختلف قدر الواجب وهو العشر في الأول ونصفه في الثاني. ولا يكمل في النصاب جنس بجنس، فلا يضم التمر إلى الزبيب، ولا الحنطة إلى الشعير، ويضم النوع إلى النوع كأنواع التمر وأنواع الزبيب وغيرهما، ويخرج من كل بقسطه، فإن عسر؛ لكثرة الأنواع وقلة مقدار كل نوع منها .. جاز له إخراج الوسط منها، ويضم العلس إلى الحنطة؛ لأنه نوع منها؛ وهو قوت صنعاء اليمن، والسلت - بضم السين وسكون اللام: جنس مستقل فلا يضم إلى غيره، وقيل: شعير فيضم إليه، وقيل: حنطة فيضم إليها؛ وهو حب يشبه الحنطة في اللون والنعومة والشعير في برودة الطبع، وقيل: إنه في صورة الشعير وطبعه حار كالحنطة، فألحق بها في وجه وبه في آخر، والأول قال: اكتسب من تركب الشبهين طبعاً انفرد به وصار أصلاً برأسه.

стр. 325

ولا يضم ثمر عام وزرعه ألى ثمر وزرع عام آخر في إكمال النصاب؛ وإن فرض إطلاع ثمرة العام الثاني قبل جذاذ ثمرة الأول. ويضم ثمر العام بعضه إلى بعض وإن اختلف إدراكه، أو طلع الثاني بعد جذاذ الأول. نعم؛ لو أثمر نخيل في العام مرتين .. فهما كثمرة عامين، وزرعا العام يضمان، وذلك كالذرة تزرع في الخريف والربيع والصيف، والأظهر: اعتبار وقوع حصاديهما في سنة، وإن كان الزرع الأول خارجاً عنها: فإن وقع حصاد الثاني بعدها .. فلا ضم؛ لأن الحصاد هو المقصود وعنده يسقر الوجوب. ولو اختلف المالك والساعي في أنه زرع عام أو عامين .. صدق المالك في قوله: (عامين)، فإن اتهمه الساعي .. حلف استحباباً؛ لأن ما ادعاه ليس مخالفاً للظاهر، ذكره في "المجموع". [اسحباب الخرص] ويسن خرص التمر الذي تجب فيه الزكاة على مالكه؛ لأمره ﷺ بخرصه في خبر عتاب بن أسيد المار، فيطوف الخارص بكل نخلة ويقدر ما عليها رطباً ثم تمراً، ولا يقتصر على رؤية البعض وقياس الباقي به، وإن اتحد النوع .. جاز أن يخرص الجميع رطباً ثم تمراً، والمشهور: إدخال جمعية في الخرص، وأنه يكفي خارص واحد؛ لأم الخرص ينشأ عن اجتهاد، وشرطه: كونه عدل رواية حراً ذكراً خبيراً، فإذا خرص .. فالأظهر: أن حق المستحقين ينقطع من عين الثمر ويصير في ذمة المالك التمر والزبيب؛ ليخرجهما بعد جفافه إن صرح الخارص بتضمين المالك حقهم وقبله، وإلا .. بقي حقهم على ما كان، ومتى انقطع حقهم من المخروص .. جاز تصرف المالك في جميعه بالبيع وغيره. ولو ادعى هلاك المخروص كله أو بعضه بسبب خفي كسرقة، أو ظاهر عرف؛ كالبرد والنهب والجراد ونزول العسكر واتهم في الهلاك به .. صدق بيمينه، وإن لم يتهم في ذلك .. صدق بلا يمين، وإن لم يعرف الظاهر .. طولب ببينة بوقوعه؛ لإمكانها ثم يصدق بيمينه في الهلاك به، واليمين فيهما مستحبة، وقيل: واجبة. ولو اقتصر على دعوى الهلاك .. قال الرافعي: فالمفهوم من كلام الأصحاب قبوله مع

стр. 326

اليمين؛ حملاً على وجه يغني عن البينة، قال في "المجموع": وهو كما قال الرافعي. ولو قال: (هلك بحريق وقع في الجرين) وعلمنا أنه لم يقع في الجرين حريق .. لم يبال بكلامه. ولو ادعى حيف الخارص فيما خرصه .. لم يلتفت إليه؛ كما لو ادعى ميل الحاكم أو كذب الشاهد .. لا يقبل إلا ببينة، أو ادعى غلطه بما يبعد .. لم يقبل في حط جميعه، وفي حط المحتمل منه وجهان، أصحهما: قبوله، أو بمحتمل بفتح الميم: فإن كان فوق ما يقع بين الكيلين؛ كوسق في مئة، وادعاه بعد الكيل .. فوجهان: أحدهما لا يحط؛ لاحتمال أن النقص وقع في الكيل ولو كيل ثانياً .. لو فى، وأصحهما: يحط؛ لأن الكيل يقين، والخرص تخمين، فالإحالة عليه أولى، هذا إن تلف المخروص، فإن بقي .. أعيد كيله وعمل به، ولو ادعى غلط الخارص ولم يبين قدراً .. لم تسمع دعواه. [تقويم عرض التجارة وربحه بنقد أصله] الخامسة: أن عرض التجارة مع ربحه يقوم آخر بنقد أصله الذي ملكه به وإن أبطله السلطان، وقد أشار إلى ذلك بقوله: (وعرض متجر أخير حوله قومه مع ربح بنقد أصله) وقد مر أنه إن ملكه بدون نصاب أو بعرض .. فابتداء حوله من حين الشراء، أو بنقد نصاب .. فحوله من حين ملك النقد، والنقد، ضد العرض؛ فيشمل التبر والسبائك والحلي التي تجب فيها الزكاة. وألف (قسما) للإطلاق.

стр. 327

باب زكاة الفطر سميت بذلك؛ لأنها تجب بدخول الفطر، ويقال لها: زكاة الفطرة؛ أي: الخلقة، ولهذا ترجمها بعضهم بزكاة الأبدان، والمشهور: أنها فرضت في السنة الثانية من الهجرة عام فرض صوم رمضان. والأصل فيها قبل الإجماع: خبر ابن عمر ﵄: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على الناس؛ صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين)، وخبر أبي سعيد: (كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله ﷺ صاعاً من تمر، أو صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط، فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه ما عشت) رواهما الشيخان. وقد تكلم الناظم في هذا الباب على وقت وجوبها، ثم وقت أدائها، ثم قدر المؤدى، ثم جنسه، ثم صفة المؤدي، ثم صفة المؤدى عنه فقال: (إن غربت شمس تمام الشهر ... يجب إلى غروب يوم الفطر) (أداء مثل صاع خير الرسل ... خمسة أرطال وثلث رطل) (رطل العراق وهو بالأحفان ... قريب أربع يدي إنسان) (وجنسه القوت من المعشر ... غالب قوت بلد المطهر) (والمسلم الحر عليه فطرته ... وفطرة الذي عليه مؤنته) (واستثن من يكفر مهما يفضل ... عن قوته وخادم ومنزل) (ودينه وقوت من مؤونته ... يحمل يوم عيده وليلته) فيها سبع مسائل:

стр. 328

[وقت وجوب زكاة الفطر] الأولى: في وقت وجوبها؛ وهو غروب شمس تمام شهر رمضان؛ أي: تجب بإدراك آخر جزء منه أول جزء من شوال؛ لإضافتها إلى الفطر، فتخرج عمن مات أو ارتد أو بيع أو بانت بعد الغروب، دون من ولد أو ملك أو أسلم أو نكح. ولو مات مالك العبد ليلة العيد .. فالفطرة في تركته. [وقت أداء زكاة الفطر] الثانية: في وقت أدائها، يجب أداؤها قبل غروب شمس يوم عيد الفطر، فيحرم تأخيره عنه بلا عذر؛ كغيبة ماله أو الآخذ لها؛ لأن القصد إغناء المستحقين عن الطلب فيه، ويلزمه فضاؤها على الفور. قال في "المجموع": وظاهر كلامهم: أن زكاة المال المؤخرة عن التمكن تكون أداء، والفرق: أن الفطرة مؤقتة بزمن محدود كالصلاة، ولو مات المؤدى عنه قبل التمكن .. فالأصح: بقاء الوجوب، بخلاف ما لو تلف المال قبله على الأصح كزكاة المال. انتهى. ويسن إخراجها يوم العيد قبل صلاته؛ لخبر "الصحيحين" عن ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)، والتعبير بـ (الصلاة) جري على الغالب من فعلها أول النهار، فإن أخرت .. استحب إخراجها أول النهار؛ للتوسعة على المستحقين، ويجوز تعجيلها من أول رمضان. [مقدار زكاة الفطر] الثالثة: وهي صاع بصاع خير الرسل ﷺ ؛ وهو خمسة أرطال وثلث رطل بالبغدادي، وهو مئة وثلاثون درهماً على الأصح عند الرافعي، ومئة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم على الأصح عند النووي، فالصاع على الأول: ست مئة درهم وثلاثة وتسعون درهماً وثلث درهم، وعلى الثاني: ست مئة درهم وخمسة وثمانون درهماً وخمسة أسباع درهم.

стр. 329

قال ابن الصباغ وغيره: الأصل في ذلك الكيل، وإنما قدره العلماء بالوزن استظهاراً. قال في"الروضة": قد يستشكل ضبط الصاع بالأرصال؛ فإن الصاع المخرج به في زمن رسول الله ﷺ مكيال معروف، ويختلف قدره باختلاف جنس ما يخرج؛ كالذرة والحمص وغيرهما، والصواب ما قاله الدرامي: أن الاعتماد على الكيل بصاع معاير بالصاع الذي كان يخرج به في عصر رسول الله ﷺ ، ومن لم يجده .. وجب عليه إخراج قدر يتيقن أنه لا ينقص عنه، وعلى هذا: فالتقدير بخمسة أرطال وثلث .. تقريب؛ كما أشار إليه الناظم بقوله: (وهو بالأحفان قريب أربع يدي إنسان) أي: قريب أربع حفان بكفي إنسان معتدلتين، وهو مراد النووي بقوله في "الروضة": وقال جماعة من العلماء: الصاع: أربع حفنات بكفي رجل معتدل الكفين. [جنس زكاة الفطر] الرابعة: جنس الصاع الواجب: القوت من المعشر؛ أي: الذي يجب فيه العشر وكذا نصفه، غالب قوت بلد المطهر بفتح الهاء؛ أي: المؤدى عنه، لا غالب قوت المؤدي أو بلده كثمن المبيع، ولتشوف النفوس إليه، ويختلف ذلك باختلاف النواحي فـ (أو) في خبر: "صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير" لبيان الأنواع لا للتخيير كما في آية: ﴿إنما جزاؤا الذين يحاربون الله ورسوله﴾، وإنما اعتبر بلد المؤدى عنه؛ بناء على أنها تجب عليه ابتداء، ثم يتحملها المؤدي وهو الأصح. فإن لم يكن في بلده غالب .. أدى ما شاء، والأعلى أولى، فإن لم يكن قوت البلد مجزئاً .. اعتبر أقرب البلاد إليه، وإن كان بقربه بلدان متساويان قرباً .. أدى من أيهما شاء، وإذا أوجبنا غالب قوت البلد .. ففي "الوجيز": اعتبار الغلبة يوم العيد، واستغرباه في "الشرحين" و "الروضة" و "المجموع"، ونقلا عن "الوسيط": اعتبار وقت الوجوب لا كل السنة، ثم قال في "المجموع": إن المراد قوت السنة كما سنوضحه، ومراده: انه إذا اختلف القوت باختلاف الوقت فأخرج من الأدنى .. أجزأه في الأصح؛ لدفع الضرر؛ لأنه

стр. 330

يسمى مؤدياً لقوت البلد، وصورته: أن يكون غالب قوتها، أو لا يكون فيها غالب، وفي "المهمات": أن ما في "الوسيط" هو القياس، وصرح به غيره، ومال إليه الأذرعي ونقله عن جمع. وفي معنى المعشر: الأقط والجبن واللبن إن بقي زبدها؛ لثبوت الأقط في الخبر السابق، وقيس عليه الجبن واللبن. والأقط: لبن يابس فيه زبده، فإن أفسد الملح جوهره .. لم يجز، وإن ظهر عليه ولم يفسده .. وجب بلوغ خالصه صاعاً. ولا يجزاء المصل، وهو ماء الأقط كما في "المجمل" وغيره، أو لبن منزوع الزبد كما في "البيان" وغيره، أو المخيض كما في "النهاية"، ولا السمن ولا القيمة ولا الدقيق والسويق والخبز والعنب واللحم وإن كان قوت البلد؛ لأنه ليس في معنى ما نص عليه. قال في "المجموع": قال أصحابنا: يشترط في المخرج أن يكون من الأقوات المعشرة، فلا يجزاء غيرها إلا الأقط والجبن واللبن. ويجزاء القوت الأعلى عن الأدنى ولا عكس، ويخالف زكاة المال حيث لا يجزاء جنس أعلي؛ لتعلقها بالمال، والاعتبار بالقيمة في وجه، وبزيادة الاقتيات في الأصح. قال بعضهم: فأعلى الأقوات البر، ثم الشعير، ثم التمر، كما نقله الرافعي عن ترجيح البغوي، ورجحه في "المحرر" و "الشرح الصغير"، ورجحه في "المنهاج" و "المجموع"، وخالف أبو محمد الجويني فقدم التمر على الشعير، وقطع به الروياني في "البحر"، ثم بعده الزبيب. انتهى. ويجوز إخراج الفطرة عن أحد عبديه أو قريبيه من القوت الواجب، وعن الآخر أعلى منه؛ كما يؤدي لأحد جبرانين شاتين وللآخر عشرين درهماً، ولا يبعض الصاع المخرج عن واحد وإن تعدد المؤدي كعبد لاثنين؛ لأنه واجب واحد فلا يبعض كالكفارة.

стр. 331

[صفة المؤدي لزكاة الفطر] الخامسة: في صفة المؤدي، والمسلم الحر عليه فطرته وفطرة من تلزمه مؤنته، وذلك بملك ولوآبقاً ومغصوباً ومؤجراً ومرهوناً ومنقطع الخبر ما لم تنته غيبته إلى مدة يحكم فيها بموته، أو قرابة، أو نكاح، وهذه الثلاثة جهات التحمل بالشرط الآتي. وخرج بـ (المسلم): الكافر الأصلي، فلا تلزمه فطرته؛ لقوله في الخبر السابق: (من المسلمين)، وتجب عليه فطرة رقيقه وقريبه وزوجته المسلمين على الأصح، المبني على الأصح: أنها تجب ابتداء على المؤدى عنه، ثم يتحملها عنه المؤدي. قال الإمام: ولا صائر إلى أن المحتمل عنه ينوي، والكافر لا تصح منه النية، وذلك يدل على استقلال الزكاة بمعنى المراساة. قال في "البسيط": فتصح من غير نيه؛ تغليباً لسد الحاجة، كما في المرتد. أما المرتد .. ففي وجوب الزكاة عليه أقوال بقاء ملكه، أظهرها: انه موقوف؛ إن عاد إلي الإسلام تبينا بقاءه .. فتجب، وإلا .. فلا، ذكره في "المجموع". وخرج بـ (الحر): الرقيق، فلا فطره عليه، أما غير المكاتب .. فلعدم ملكه، وفطرته على سيده كما أفاده كلامه، قناً كان أو مدبراً أو أم ولد أو معلق العتق بصفة، وأما المكاتب .. فلصعف ملكه، ولا فطرة على سيده عنه؛ لنزوله معه منزلة الأجنبي. ومن بعضه حر يلزمه من الفطرة قسطه من الحرية إذا لم يكن بينه وبين مالك بعضه مهايأة، وكذا يلزم كلاً من الشريكين في رقيق بقدر حصته منه إذا لم تكن بينهما مهايأة، فإن كانت في المسألتين .. اختصت الفطرة بمن وقع زمن وجوبها في نوبته. [الإسلام شرط في المؤدى عنه] السادسة: يشترط إسلام المؤدى عنه، فلا يلزم المسلم فطرة رقيقه وقريبه وزوجته الكفار؛ لقوله في الخبر السابق: "من المسلمين"، ومما يستثنى أيضاً: أنه لا يلزم الفرع فطرة زوجة الأصل، ولا مستولدته في الأصح وإن لزمته مؤنتهما؛ لأن الأصل في المؤنة والفطرة الأصل وهو معسر، ولا تجب الفطرة على المعسر بخلاف المؤنة فيتحملها الفرع، ولأن عدم الفطرة

стр. 332

لا يمكن الزوجة من الفسخ بخلاف المؤنة، وأنه لا فطرة لرقيق بيت المال، ولا للموقوف ولو على معين في الأظهر، ولا للحرة التي تخدم الزوجة كما في "المجموع" لأنها في معنى المستأجرة، لكن مقتضى كلام "الروضة" و "أصلها" الوجوب؛ لأنها تتبع النفقة، وصرح به جماعة، بخلاف ما إذا كانت مملوكة له أو لها .. فإنها تجب فطرتها، وأنه تجب فطرة المكاتب كتابة فاسدة على سيده مع أنه لا تلزمه مؤنته. [يشترط يسار المؤدي] السابعة: يشترط أيضاً يسار المؤدي؛ بأن وجد ما يفضل عن قوته وقوت من تلزمه مؤنته ليلة العيد ويومه؛ لأن القوت لابد منه دون ما وراءهما لعدم ضبطه. وعن خادم ومنزل يحتاجهما ويليقان به، وعن دست ثوب له، ولمن في نفقته يليق بهم كالكفارة؛ لأنها من الحوائج المهمة، فلو كان الخادم والمنزل نفيسين يمكن إبدالهما بلائقين ويؤدي التفاوت .. لزمه ذلك؛ كما ذكره الرافعي في (الحج) قال: لكن في لزوم بيعهما إذا كانا مألوفين وجهان في الكفارة، فيجريان هنا، وفرق في "الشرح الصغير" و "الروضة" بأن للكفارة بدلاً؛ أي: في الجملة، فلا ينتقض بالمرتبة الأخيرة منها، ومحل اعتبار كونها فاضلة عن الخادم والمنزل في الابتداء، فلو ثبتت في ذمته .. بيعا فيها، لالتحاقها بالديون. والمراد بـ (حاجته للخادم): أن يحتاجه لخدمته، أو خدمة من تلزمه خدمته، لا لعمله في أرضه وماشئته، ذكره في "المجموع"، ويقاس به حاجته للمنزل. وعن دينه على ما جزم به الناظم كـ"الحاوي الصغير" والنووي في "نكته"، ونقل الشيخان عن الإمام الاتفاق عليه؛ كنفقة القريب، قالا: لكن قول الشافعي ﵁ والأصحاب: إنه لو مات بعد أن هل شوال .. فالفطرة في ماله مقدمة على الديون .. يقتضي: أن الدين لا يمنع وجوبها، قال في "الشرح الصغير": وهو الأشبه بالمذهب. انتهى، وهو الموافق لما في زكاة المال، وقال ابن العماد: إن به الفتوى.

стр. 333

وخرج بـ (الموسر): المعسر، فلا تجب الفطرة عليه، ويلزم سيد زوجته فطرتها، ولا يلزم زوجته الحرة فطرتها. ولو كان في نفقته ابن كبير فوجد قوت ليلة العيد ويومه فقط .. لم تجب فطرته، أو صغير .. لم تجب على الأب في الأصح. ولو أدتها زوجة الموسر، أو من فطرته على قريبه بلا إذن .. فالنص الإجزاء، أو بإذن .. فقطعاً؛ كما لو أداها عنه غيره بإذنه. والأصح: أن من أيسر ببعض صاع .. يلزمه إخراجه. والأصح: أنه لو وجد بعض الصيعان .. قدم نفسه ثم زوجته، ثم ولده الصغير، ثم الأب، ثم الأم، ثم ولده الكبير، فإن استووا درجة؛ كزوجات وبنين .. أخرج عمن شاء. ولو باع رقيقاً ووقع زمن الوجوب في زمن الخيار، وقلنا: الملك للبائع .. فعليه الفطرة وإن أمضي البيع، أو للمشتري .. فعليه وإن فسخ، أو موقوف وتم البيع .. فعلى المشتري، وإلا .. فعلى البائع. ولو أخرج من ماله فطرة ولده الصغير الغني .. جاز بخلاف الكبير. ولو اشترك موسر ومعسر في رقيق .. لزم الموسر قسط حصته. وقوله: (الذي عليه مؤنته) بضم الميم وسكون الواو.

стр. 334

باب قسم الصدقات أي: الزكوات على مستحقيها، وسميت بذلك؛ لإشعارها بصدق باذلها. والأصل في الباب: آية: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾، وأضاف فيها الصدقات إلى الأصناف الأربعة الأولى بلام الملك، وإلى الأربعة الأخيرة بـ (في) الظريفة؛ للإشعار بإطلاق الملك في الأربعة الأولى وتقييده في الأخيرة، حتى إذا لم يحصل الصرف في مصارفها .. استرجع، بخلافه في الأولى على ما يأتي، وقد ذكر الناظم آخر الباب صدقة النفل. (أصنافه- إن وجدت- ثمانية ... من يفقد اردد سهمه للباقيه) فيه مسألتان: [أصناف قسم الصدقات] الأولى: أصناف قسم الصدقات ثمانية؛ للآية، فيجب استيعابهم بها عند وجودهم حتى في زكاة الفطر؛ لإضافة الصدقات إليهم بـ (اللام) و (في) كالإقرار والوصية، فإن فرقها المالك بنفسه، أو الإمام ولا عامل .. فالقسمة على سبعة، وإذا قسم الإمام .. لزمه أن يستوعب من الزكاة الحاصلة عنده آحاد كل صنف؛ لقدرته عليه لا من زكاة كل واحد، وله أن يخص بعضهم بنوع وآخرين بنوع، وكذا يلزم المالك استيعابهم إن انحصر المستحقون في البلد ووفى بهم المال، وإلا .. فيجب إعطاء ثلاثة من كل صنف كما سيأتي، إلا العامل فإنه يجوز أن يكون واحداً كما سيأتي، فلو صرف ما عليه لاثنين مع وجود ثالث .. غرم له أقل متمول، وتجب التسوية بين الأصناف وإن كان بعضهم أحوج، لكن لا يزاد العامل على أجرة عمله، وتسن بين آحاد الصنف عند تساوي الحاجات، إلا أن يقسم الإمام؛ فيحرم عليه التفضيل مع تساوي الحاجات؛ لأنه نائبهم فلا يفاوت بينهم عند تساوي حاجاتهم.

стр. 335

[إذا فقد أحد الأصناف أو من آحاد صنف] الثانية: من يفقد من الأصناف؛ أي: غير العامل، أو من آحاد صنف؛ بأن لم يوجد منه إلا واحد أو اثنان .. اردد أنت سهمه وجوباً للبقية من الأصناف في الأولى، ومن الصنف في الثانية، فلا ينقل إلى غيرهم؛ لانحصار الاستحقاق فيهم، ولأن عدم الشيء بموضعه كالعدم المطلق؛ كما في عدم الماء المبيح للتيمم، وليس هذا كما لو أوصى لاثنين فرد أحدهما؛ حيث يكون المردود للورثة لا للآخر؛ لأن المال للورثة لولا الوصية وهي تبرع، فإذا لم يتم أخذ الورثة للمال، والزكاة حق لزمه .. فلا يرد إليه، ولهذا لو لم توجد المستحقون .. لم تسقط الزكاة، بل توقف حتى يوجدوا أو يوجد بعضهم. ولو فضل نصيب بعضهم عن كفايته ونقص نصيب بعضهم عنها .. لم ينقل الفاضل إلى ذلك الصنف، بل يرد إلى من نقص سهمه؛ كما اقتضاه كلام "الروضة" و "أصلها" من جعله على الخلاف في نقل الزكاة، لكن صحح في "تصحيح التنبيه": نقله إلى ذلك الصنف، وعلى الأول: لو استغني بعضهم المردود .. قسم الباقي بين الآخرين بالسوية، ولو زاد نصيب جميعهم على الكفاية أو نصيب بعضهم ولم ينقص البعض الآخر .. نقل الفاضل إلى ذلك الصنف، ذكره في "الروضة" و "أصلها". ولما ذكر أن أصناف الزكاة ثمانية .. شرع في تفصيلها فقال: [تفصيل أصناف الزكاة الثمانية] (فقير العادم والمسكين له ... ما يقع الموقع دون تكمله) (وعامل كحاشر الأنعام ... مؤلف يضعف في الإسلام) (رقابهم، مكاتب، والغارم ... من للمباح أدان وهو عادم) (وفي سبيل الله غاز احتسب ... وابن السبيل ذو افتقار اغترب) الأول: الفقير، وهو العادم للمال والكسب الذي يقع موقعاً من حاجته؛ كمن يحتاج إلى

стр. 336

عشرة دراهم ولا يملك، أو لا يكتسب إلا درهمين أو ثلاثة، ولا يشترط فيه الزمانة، ولا التعفف عن المسألى على الجديد، ولا يمنع الفقر مسكنه وثيابه ولو كانت للتجمل، ورقيقه الذي يحتاج إلى خدمته، وماله الغائب في مرحلتين والمؤجل، فيأخذ كفايته ألى حلوله، وكسب مباح لا يليق به. ولو كان له مال يستغرقه الدين .. قال البغوي: لا يعطى حتى يصرفه في الدين. قال السبكي: فلو اعتاد السكنى بالأجرة أو في المدرسة .. فالظاهر: خروجه عن اسنم الفقر بثمن المسكن، ولو اشتغل بعلم شرعي والكسب يمنعه .. ففقير، أو بالنوافل .. فلا، وكذا المعطل المعتكف في مدرسة، ومن لا يتأتى منه تحصيله مع القدرة على الكسب. الثاني: المسكين، وهو الذي له مال أو كسب مباح لائق به يقع موقعاً من كفايته ولا يكفيه؛ كمن يملك أو يكتسب سبعة أو ثمانية ولا يكقته إلي عشرة؛ فهو أحسن حالاً من الفقير، واحتجو به بقوله تعالى: ﴿أما السفينة فكانت لمسكين﴾، وبما روي من قوله ﷺ : "اللهم؛ إحيني مسكناً، وأميي مسكيبا﴾، مع أنه كان يتعوذ من الفقر. قال في "الروضة" كـ"أصلها": وسواء أكان ما يمكله نصاباً أو أقل أو أكثر، والمعتبر فيما يقع موقعاً من حاجته: المطعم والملبس والمسكن، وسائر ما لابد منه على ما يليق بالحال من غير إسراف ولا تقتير للشخص ولمن هو فى نفقته، والعبرة عند الجمهور في عدم كفايته بالغمر الغالب بناءً على أنه يعطى ذلك، وأما ما جزم به البغوي، وصححه ابن الصلاح في "فتاويه" والنووي في "فتاويه" الغير المشهورة، واستنبطه الإسنوي من كلامهم من أن العبرة بعدم كفايته بالسنة .. فإنما يأتي على قول من قال كالبغوي: أنه إنما يعطى كفاية سنة. قال في "الروضة": قال الغزالي في "الإحياء": لو كان له كتب فقه .. لم تخرجه عن المسكنة، ولا تلزمه زكاة الفطر كأثاث البيت؛ لأنه محتاج إليها. والكتاب يطلب إما للتفرج بالمطالعة؛ ككتب الشعر والتواريخ ونحوهما مما لا ينفع في الدارين .. فهذا يمنع المسكنة، وإما للتعليم للتكسب كالمؤدب والمدرس بأجرة أو للقيام بفرض .. فلا يمنع المسكنة، وأما للاستفادة كطب يعالج به نفسه، أو وعظ يتعظ به: فإن لم يكن في البلد طبيب وواعظ .. فكذلك، وإلا .. فمستغن عنه.

стр. 337

فإن كان له من كتاب نسختان .. فهو مستغن عن إحداهما، فإن كانت إحداهما أصح والأخرى أحسن .. باع الأحسن، وإن كانتا من علم وإحداهما وجيزة: فإن كان مقصوده الاستفادة .. فليكتف بالبسيطة، أو التدريس .. احتاج إليهما، هذا كلام الغزالي، والمختار في الواعظ: أنه لا أثر لوجوده. الثالث: العامل في الزكاة، وهو: ساع، وكاتب، وقاسم، وحاشر يجمع ذوي الأموال أو ذوي السهمان، وعريف، وحاسب، وحافظ للمال، وجندي، لا الإمام والوالي والقاضي، ويجب على الإمام بعث السعاة لأخذ الزكوات، وإذا لم يكف .. زيد قدر الحاجة. والأصح: أن أجرة الكيال والوزان، وعاد النعم على المالك إن كان يميز الزكاة عن المال، فإن كان يميز بين الأصناف .. فمن سهم العامل قطعاً، وأجرة الراعي والحافظ بعد قبضها في جملة الزكوات لا من سهم العامل في الأصح، وأجرة الناقل والمخزن في الجملة، ومؤنة إحضار الماشية للعد على المالك. الرابع: المؤلفة، وهو من أسلم ونيته ضعيفة؛ أي: أو له شرف يرجى بإعطائه إسلام نظرائه، والمذهب: أنهم يعطون من الزكاة، ومن جاهدوا من يليهم، أو قبضوا الزكاة من مانعيها .. يعطون من سهم المؤلفة في أرجح الأقوال. قال الإمام: وتسميتهم مؤلفة مجاز، وأما مؤلفة الكفار كمن يرجى إسلامه بإعطائه، أو يخاف شره .. فلا يعطون من زكاة ولا غيرها، وقيل: يعطون من خمس الخمس. الخامس: الرقاب، وهم المكاتبون، فيدفع لهم ما يعينهم على العتق؛ بشرط ألا يكون معهم وفاء بالنجوم، وصحة الكتابة لا إذن السيد، والأحوط: الصرف إليه بإذن المكاتب، ولا يجزاء بغير إذنه، لكن يسقط عنه بقدره، ويجوز الصرف إليه قبل حلول النجم في الأصح، وليس له الصرف إلى مكاتبه، ولا لمن كوتب بعضه على الصحيح. ولو استغنى عن المعطي بإعتاق أو إبراء أو أداء الغير، أو أدائه من مال آخر .. استرد في الأصح، ويجزاء في غارم استغنى، وإن تلف بعد العتق .. غرمه، أو قبله .. فلا على الصحيح.

стр. 338

قال الغزالي: وكذا لو أتلفه، ولو عجز .. استرد منه، فإن كان تالفاً .. غرمه في الأصح، ويتعلق بذمته لا برقبته في الأصح، ولو دفعه إلى السيد وعجز ببقية النجوم .. ففي الاسترداد والغرم عند التلف الخلاف، ولو اقترض وأدى فعتق .. لم يعط من سهم الرقاب بل الغارمين؛ كما لو قال لعبده: (أنت حر على ألف) فقيل. السادس: الغارم، وهو ثلاثة أنواع: غارم استدان لنفسه لمباح- أي: غير معصية- من مؤنته ومؤنة عياله، كأكل وشرب وتزوج وهو عادم للمال؛ أي: عاجز عن وفاء دينه بما يزيد على كفايته، فإن لم يعجز عن وفائه بما يزيد عليها .. لم يعط؛ لأنه يأخذ لحاجته إلينا، فاعتبر عجزه كالمكاتب وابن السبيل، بخلاف الغارم للإصلاح كما سيأتي، فإنه يأخذ لحاجتنا إليه؛ لتسكين الفتنة. فعلم أنه يعطى مع قدرته على وفاء دينه ببيع ملبوسه أو فراشه أو مركوبه أو خادمه المحتاج إليه، وأنه لو لم يملك شيئاً لكن يقدر على كسب يفي بدينه .. أعطي أيضاً كالمكاتب، ويفارق الفقير والمسكين؛ بأن حاجتهما إنما تتحقق بالتدريج، والكسوب يحصلها كل يوم، وحاجة المكاتب والغارم ناجزة؛ لثبوت الدين في ذمتهما والكسب لا يدفعها إلا بالتدريج غالباً. وخرج بقوله: (من للمباح ادان): من استدان لمعصية؛ كأن اشترى به خمراً، أو صرفه في زناً أو قمار، أو إسراف في نفقة .. فلا يعطى، فإن تاب .. فوجهان، أصحهما: يعطى إذا غلب على الظن صدق توبته، وإن قصرت المدة كالخارج لمعصية إذا تاب وأراد الرجوع .. فإنه يعطى من سهم ابن السبيل. قال الإمام: ولو استدان لمعصية ثم صرفه في مباح .. أعطي، وفي عكسه يعطى أيضاً إن عرف قصد الإباحة أو لا، لكنا لا نصدقه فيه، ولو كان الدين مؤجلاً .. فوجوه، أصحها: لا يعطى؛ لأنه غير محتاج إلى وفائه حينئذ، والفرق بينه وبين المكاتب: الاعتناء بالحرص على تعجيل العتق، وربما يعجز السيد مكاتبه عند الحلول. وغارم استدان لإصلاح ذات البين؛ كتحمل دية قتيل، أو قيمة متلف تخاصم فيه قبيلتان أو شخصان فسكن الفتنة بذلك، فيعطى وإن كان غنياً ولو بالنقد على الصحيح؛ لعموم الآية،

стр. 339

ولأنا لو اعتبرنا الفقر .. لقلا الرغبة في هذه المكرمة، وحكم من استدان لعمارة مسجد أو قرى ضيف .. كالمستدين لمصلحة نفسه؛ كما قال السرخسي، وحكى الروياني: أنه يعطى مع الغنى بالعقار، قال: وهو الاختيار، ونقل الشيخان ذلك وأقراه، وجزم صاحب "الأنوار" بالأول، وصاحب "الروض" بالثاني. وغارم للضمان لدين على غيره فيعطى مع بقائه عليه ما يقضيه به إن أعسر هو والأصيل، أو وجده وكان متبرعاً؛ لعدم رجوعه حينئذ على الأصيل، فإن أيسرا أو الضامن .. لم يعط، أو بالعكس. .أعطي الأصيل لا الضامن في الأصح. فإن أدى الغارم الدين من ماله، أو بذل ماله ابتداء .. لم يعط، وإذا وفى الضامن من سهم الغارمين .. لا يرجع على الأصيل وإن ضمن بإذنه، وإنما يرجع إذا غرم من عنده. قال الماوردي: فلو أخذ سهمه فلم يصرفه في دينه حتى أبراء منه، أو قضي عنه، أو قضاه من غير ما أخذه .. استرجع، إلا أن يقضيه من قرض .. فلا يسترجع؛ إذ لم يسقط عنه دينه، وإنما صار لآخر كالحوالة عليه، فلو أبراء منه أو قضاه من غير قرض فلم يسترجع منه ما أخذه، حتى لزمه دين صار به غارماً .. فوجهان: أحدهما: لا يسترجع منه؛ لأنه يجوز دفعه إليه، والثاني: يسترجع؛ لأنه صار كالمستسلف له قبل غرمه. السابع: في سبيل الله، وهو غاز محتسب بغزوه بألا يأخذ شيئاً من الفيء فيعطى مع الغنى؛ لعموم الآية، أما المرتزق .. فلا يعطى شيئاً من الزكاة وإن لم يوجد ما يصرف له من الفيء، ويجب على المسلمين إعانته حينئذ. الثامن: ابن السبيل، وهو معسر بما يوصله مقصده، أو موضع ماله، غريب مجتاز بمحل الزكاة؛ أي: أو منشاء سفر منه، فيعطى ولو كسوباً إذا كان سفره مباحاً، بخلاف سفر المعصية. ومن طلب زكاة وعلم الإمام استحقاقه أو عدمه .. عمل بعمله، وإلا: فإن ادعى فقراً أو مسكنة أو أن نيته في الإسلام ضعيفة .. صدق.

стр. 340

ومن عرف له مال وادعى تلفه .. كلف البينة، وكذا من ادعى عيالاً في الأصح، ويعطى غاز وابن السبيل بقولهما، فإن لم يخرجا .. استرد، ويطالب عامل ومكاتب وغارم ببينة، وكذا مؤلف ادعى أنه شريف مطاع، والمراد بالبينة: إخبار عدلين، ويغني عنها الاستفاضة، وكذا تصديق المولى ورب الدين في الأصح. ويعطى المكاتب والغارم قدر دينهما، أو ما عجزا عنه، والفقير والمسكين كفايتهما، فيعطى المحترف ما يشتري به آلة حرفته قلت أو كثرت، والتاجر رأس مال يفي ربحه بكفايته غالباً، ومن لا يحسن الكسب كفاية العمر الغالب لا سنة في الأصح .. فيعطى ما يشتري به عقاراً تكفيه غلته، وابن السبيل ما يوصله مقصده، أو موضع ماله من نفقة وكسوة يحتاجها لشتاء أو صيف، ومركوب إن كان ضعيفاً عن المشي أو السفر طويلاً، وما ينقل زاده ومتاعه إلا أن اعتاد مثله حمله بنفسه، فإن ضاق المال .. أعطي أجرة للمركوب، وإلا .. اشتري له، وإذا تم سفره .. استرد على الصحيح، ويعطى كذلك لرجوعه على الصحيح إن أراده ولا مال له بمقصده، ولا يعطى لمدة الإقامة إلا إقامة المسافرين. ويعطى الغازي نفقته وكسوته، ونفقه عياله ذهاباً ورجوعاً وإقامة في الثغر وإن طالت، ويعطى هو ابن السبيل جميع المؤنة، وقيل: الزائد للسفر، وما يشتري به السلاح وآلة القتال، وكذا الفرس إن كان يقاتل فارساً ويصير ملكاً له، أو يستأجر له، ويختلف الحال بكثرة المال وقلته. وأما ما يحمل عليه الزاد ومتاعه ويركبه في الطريق .. فكابن السبيل، وإنما يعطى إذا حضر وقت الخروج؛ ليهياء به أسباب سفره. وإن مات في الطريق أو امتنع .. استرد ما بقي، وإن غزا ورجع وبقي منه بقية صالحة ولم يقتر على نفسه .. استردت، أو يسيره أو قتر .. فلا، وفي مثله في ابن السبيل يسترد مطلقاً. ويتخير الإمام بين أن يدفع الفرس والسلاح إلى الغازي ملكاً، وبين أن يستأجر له مركوباً، وبين أن يشتري خيلاً من السهم ويقفها في سبيل الله تعالى ويعيرهم إياها عند الحاجة، فإذا انقضت .. استردت. ويعطى المؤلف ما يراه الإمام، والعامل أجرة مثل عمله، فإن زاد سهم العاملين عليها .. رد الفاضل على بقية الأصناف، أو نقص عنها .. كمل من مال الزكاة على المذهب، ويجوز من سهم المصالح، بل للإمام جعل الإجرة كلها من بيت المال، ويقسم الزكاة على بقية الأصناف.

стр. 341

(ثلاثة أقل كل صنف ... في غير عامل، وليس يكفي) (دفع لكافر ولا ممسوس رق ... ولا نصيبين بوصفي مستحق) (ولا بني هاشم والمطلب ... ولا الغني بمال أو تكسب) (ومن بإنفاق من الزوج، ومن ... حتماً من القريب مكفي المؤن) (والنقل من موضع رب الملك ... في فطرة والمال فيما زكي) (لا يسقط الفرض، وفي التكفير ... يسقط والإيصاء والمنذور) فيها أربع مسائل: [أقل ما يجزاء في الزكاة من كل صنف] الأولى: أقل ما يجزاء في الزكاة: إعطاء ثلاثة من كل صنف إن وجدهم؛ عملاً بأقل الجمع في غير الأخيرين في الآية، وبالقياس عليه فيهما، ومحله كما علم مما مر: إذا قسم المالك ولم ينحصر المستحقون في البلد، أو انحصروا [و] لم يوف بهم المال، أما إذا قسم الإمام أو المالك وانحصر المستحقون في البلد ووفى بهم المال .. فيجب استيعاب الآحاد إلا العامل؛ فإنه يجوز أن يكون واحداً إذا حصلت الكفاية به؛ لحصول المقصود به، ويجوز أن يستغنى عنه؛ بأن يقسم المالك أو الإمام ولا عامل؛ بأن حمل أصحاب الأموال زكاة أموالهم إلى الإمام. [من لا يجزاء دفع الزكاة إليهم] الثانية: أنه لا يكفي دفع شيء من الزكاة لكافر؛ لخبر "الصحيحين": أنه ﷺ قال لمعاذ: "أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم"، لكن يجوز أن يكون الكيال والحمال والحافظ ونحوهم كفاراً مستأجرين من سهم العامل، لأن ذلك أجرة لا زكاة؛ ذكره الأذرعي والزركشي وغيرهما. ولا لممسوس برق ولو مبعضاً إلا المكاتب؛ كما مر. ولا دفع نصيبين من زكاة واحدة لوصفي مستحق اجتمعا فيه من أوصاف الاستحقاق؛ كفقير

стр. 342

غاز، بل يدفع إليه بما يختاره منهما؛ لاقتضاء العطف في الآية التغاير، وفي "الروضة" عن الشيخ نصر المقدسي: إذا قلنا: لا يعطى إلا بوصف واحد .. فأخذ الفقير الغارم بالفقر أو بالغرم، وأخذه غريمه بدينه، فإن بقي فقيراً .. أعطي من سهم الفقراء؛ لأنه الآن محتاج. انتهي. ويؤخذ منه أيضاً: أن محل منع إعطائه بوصفين: إذا أعطي بهما دفعة أو مرتباً ولم يتصرف فيما أخذه أولاً. ولا يكفي دفع شيء منهما لبني هاشم أو المطلب ولو انقطع عنها خمس الخمس؛ لخلو بيت المال عن الفيء والغنيمة، أو استيلاء الظلمة عليهما؛ لقوله ﷺ : "إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا آل محمد" رواه مسلم، وقوله ﷺ : "لا أحل لكم أهل البيت من الصدقات شيئاً، ولا غسالة الأيدي، إن لكم في خمس الخمس ما يكفيكم أو يغنيكم" رواه الطبراني في "معجمه الكبير". ومثلهم مولاهم في الأصح؛ لخبر: "مولى القوم منهم" صححه الترمذي وغيره. نعم؛ لو استعملهم الإمام في الحفظ والنقل .. فلهم أجرته؛ كما في "المجموع" عن صاحب "البيان"، وجزم به ابن الصباغ وغيره، وينبغي أن يكون محله إذا استؤجروا للنقل ونحوه كما مر نظيره. ولا يكفي دفع شيء من سهم الفقراء والمساكين للمكفية بنفقة زوجها؛ لاستغنائها بنفقته ولو كانت ناشزة على الصحيح، وللزوج أن يعطيها من سهم المكاتب والغارم قطعاً، ومن سهم المؤلفة في الأصح، لا من سهم ابن السبيل إن سافرت معه. وإن سافرت وحدها بغير إذنه .. لم تعط منه، وتعطى هي والعاصي بالسفر من سهم الفقراء أو المساكين، بخلاف الناشزة المقيمة؛ فإنها قادرة على الغنى بالطاعة، فأشبهت القادر على الكسب، والمسافر لا يقدر على العود في الحال، فإن تركت السفر وعزمت على العود إليه ..

стр. 343

أعطيت من سهم ابن السبيل، أو بإذنه .. أعطيت منه مؤنة السفر فقط إن سافرت لحاجته، وإلا .. فكفايتها، ولا تكون عاملة ولا غازية. والمكفي بنفقة قريب تلزمه نفقته .. لا يعطيه غيره من سهم الفقراء أو المساكين؛ لاستغنائه بالنفقة، ويجوز من غيرهما قطعاً، ولا يعطيه المنفق منهما ويجوز من غيرهما، لا من سهم المؤلفة وإن كان فقيراً، ويعطيه من سهم ابن السبيل مؤنة السفر فقط. [نقل الزكاة لا يسقط الفرض] الثالثة: نقل الزكاة من موضع رب الملك في الفطرة حال وجوبها [و] من موضع المال حال وجوبها، فيما زكي منه مع وجود الأصناف أو بعضهم فيه إلى غيره، وإن قربت المسافة .. لا يسقط فرضها؛ لأنه حرام؛ لخبر معاذ، ولأن نقلها يوحش أصناف البلد بعد امتداد أطماعهم إليها، ولو كان من تلزمه فطرته .. فالعبرة ببلد المؤدى عنه؛ لأن الوجوب بسببه؛ لأنها صدقة البدن، هذا إن نقلها المزكي، فإن نقلها الإمام ولو بنائبه .. سقط الفرض؛ لأن له النقل. ولو كان له مال ببلدين وكان في تفرقة زكاة كل طائفة ببلدها تشقيص؛ كأن ملك أربعين شاة بكل بلد عشرون .. فالأصح: جواز إخراج شاة في أحدهما؛ حذراً من التشقيص. وأهل الخيام الذين لا قرار لهم يصرفون زكاتهم لمن معهم، فإن لم يكن معهم مستحق .. فلأقرب بلد إليهم عند تمام الحول، وإن كان لهم مسكن، وربما ارتحلوا عنه منتجعين ثم عادوا: فإن لم يتميز بعضهم عن بعض في الماء والمرعى .. صرفوه إلى من دون مرحلتين من موضع المال، والصرف إلى من معهم في الإقامة والظعن .. أفضل، وإن تميز .. فالأصح: أن كل حلة كقرية. [النقل من بلد المال في التكفير يسقط الفرض] الرابعة: النقل من بلد المال في التكفير .. يسقط الفرض، وكذا في الإيصاء لصنف والمنذور؛ إذ الأطماع لا تمتد إليها امتدادها إلي الزكاة، وكذا لو وقف على صنف، ومحله فيها وفي اللتين قبلها: إذا لم ينص رب المال على بلد. وقول الناظم: (هاشم) غير منون للوزن، وقوله: (الغني) بسكون الياء؛ إجراء للوصل مجرى الوقف، وقوله: (أو تكسب) بإسقاط الهمزة للوزن.

стр. 344

[صدقة التطوع] (وصدقات النفل في الإسرار ... أولى، وفي قريبه والجار) (ووقت حاجة وفي شهر الصيام ... وهو بما أحتاج عياله حرام) (وفاضل الحاجة فيه أجر ... لمن له على اضطرار صبر) أي: صدقات التطوع سنة؛ لقوله تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾، ولخبر: "ما تصدق أحد من كسب طيب .. إلا أخذها الله بيمينه، فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله؛ حتى تكون أعظم من الجبل"، وخبر: "ليتصدق الرجل من ديناره، وليتصدق من درهمه، وليتصدق من صاع بره" رواهما مسلم، وخبر: "كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس" رواه ابن حبان والحاكم وصححاه، وهي في الإسرار- بكسر الهمزة؛ أي: السر- أولى منها في الجهر؛ لقوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات﴾ ولما في "الصحيحين" في خبر السبعة الذين يظلهم الله تعالى تحت ظل عرشه من قوله ﷺ : "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تدري شماله ما أنفقت يمينه" وهذا بخلاف الزكاة، فإن إظهارها أفضل. والصدقة في قريبه وإن لزمته نفقته أولى منها في غيره؛ لخبر: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان؛ صدقة وصلة" رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه. والصدقة في الجار أولى منها في غيره؛ لخبر البخاري عن عائشة: قلت: يا رسول الله؛ إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ فقال: "إلى أقربهما منك باباً". والصدقة وقت الحاجة؛ أي: أمامها أولى من غيره؛ لأنه أقرب إلى قضائها وإلى الإجابة. والصدقة في شهر الصيام أولى منها في غيره؛ لخبر البخاري: (أنه صلى الله عليه وسلم

стр. 345

كان أجود ما يكون في رمضان)، وخبر الترمذي: سئل رسول الله ﷺ : أي الصدقة أفضل؟ قال: "صدقة في رمضان"، ولأن الناس فيه مشغولون بالطاعات فلا يتفرغون لمكاسبهم. وتتأكد الصدقة أيضاً عند الأمور المهمة، وفي الغزو والحج والكسوف والمرض والسفر، وفي سائر الأوقات الفاضلة؛ كعشر ذي الحجة وأيام العيد، وفي الأماكن الشريفة؛ كمكة والمدينة وبيت المقدس. والأولى: أن يبدأ بذي رحم محرم الأقرب فالأقرب، وألحق بهم الزوجات، ثم بذي رحم غير محرم؛ كأولاد العم والخال، ثم بمحرم الرضاع، ثم المصاهرة، ثم المولى من أعلى، ثم المولى من أسفل الأقرب فالأقرب، ثم جار أقرب، ثم جار أقرب، ثم أبعد. ويقدم قريب بعدت داره على جار أجنبي، إلا أن يكون خارج البلد .. فيقدم الأجنبي، ويقصد بصدقته من أقاربه أشدهم له عداوة؛ لخبر الدارقطني: "أفضل الصدقة: الصدقة على ذي الرحم الكاشح" إذ المراد بـ (الكاشح): العدو كما جزم به الهروي، وليتألف قلبه، ولما فيه من سقوط الرياء وكسر النفس. ويكره التصدق بالرديء، وبما فيه شبهة، وينبغي ألا يمتنع من الصدقة بالقليل احتقاراً له. ويسن أن يدفعها بطيب نفس، وأن يتصدق بما يحبه، ويتأكد بالماء، ويحرم المن بها، فإذا من بها .. بطل ثوابها، وتحل لغني وكافر. قال في "الروضة": ويستحب للغني التنزه عنها، ويكره له التعرض لها، وفي "البيان": يحرم عليه أخذها مظهراً للفاقة، قال: وهو حسن، وعليه حمل قوله ﷺ في الذي مات من أهل الصفة، فوجدوا له دينارين: "كيتان من نار". قال: وأما سؤالها .. فقال الماوردي وغيره: إن كان محتاجاً .. لم يحرم، وإن كان غنياً بمال أو صنعة .. فحرام وما يأخذه حرام، ومن تصدق بشيء .. كره له أن يتملكه من جهة من

стр. 346

دفعه إليه بمعاوضة أو هبة، ولا بأس بملكه منه بالإرث، ولا يتملكه من غيره. قول الناظم: (وهو) أي: التصدق بما احتاج إليه عياله الذين تلزمه مؤنتهم .. حرام، وكذا يحرم عليه التصدق بما يحتاجه لدين لا يرجو له وفاء؛ لأن كلا منهما حق واجب فلا يترك لسنة، فإن رجا وفاءه من جهة أخرى واستند ذلك إلى سبب ظاهر .. فلا بأس بالتصدق، أما التصدق بما يحتاجه لمؤنة نفسه .. فصحح في "الروضة": عدم استحبابه، وفي "المجموع": تحريمه. قوله: (وفاضل الحاجة) أي: حاجة دينه ومؤنة نفسه وممونه .. فيه؛ أي: في التصدق به أجر لمن له على اضطرار صبر بلا مشقة؛ لقضية الصديق في التصدق بجميع ماله وقبول رسول الله ﷺ ذلك منه، صححه الترمذي، فإن شق عليه الصبر على الاضطرار والفاقة .. فليس له في التصدق به أجر؛ لأنه غير مستحب حينئذ، بل هو مكروه، أما قوله ﷺ : "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" .. فالمراد به: غنى النفس وصبرها على الفقر. قال بعض المتأخرين: والظاهر أن المراد بـ (ما يحتاجه): ما يلزمه من نفقة ليومه وكسوة لفصله، لا ما يلزمه في الحال فقط، ولا ما يلزمه في سنة بأن يدخر قوتها ويتصدق بالفاضل.

стр. 347

باب الصيام هو لغة: الإمساك، قال تعالى: ﴿فقولى إنى نذرت للرحمن صوماً﴾ أي: إمساكاً عن الكلام. وشرعاً: إمساك عن الفطر على وجه مخصوص. والأصل في وجوبه قبل الإجماع مع ما يأتي: آية: ﴿كتب عليكم الصيام﴾، وخبر: "بني الإسلام على خمس"، وفرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة. [ما يجب به صوم رمضان] وقد ذكر الناظم ما يجب به صوم رمضان فقال: (يجب صوم رمضان بأحد ... أمرين: باستكمال شعبان العدد) (أو رؤية العدل هلال الشهر ... في حق من دون مسير القصر) أي: يجب صوم رمضان بأحد أمرين: إما باستكمال شعبان العدد وهو ثلاثون يوماً؛ لخبر البخاري: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم .. فأكملوا عدة شعبان ثلاثين". وإما برؤية العدل الواحد هلال الشهر المذكور؛ لقول ابن عمر: (أخبرت النبي ﷺ أني رأيت الهلال، فصام وأمر الناس بصيامه) رواه أبو داوود، وصححه ابن حبان، والمعنى في ثبوته بالواحد: الاحتياط للصوم، وطريقه الشهادة لا الرواية؛ فتشترط فيه صفة الشهود، والأداء عند القاضي، لكن صحح في "المجموع": الاكتفاء بظاهر العدالة؛ وهو الذي لم يزك، واستشكل بتصحيحهما أنه شهادة، ولهذا تشترط صيغتها، ويجب العدد في الشهادة على الشهادة به؛ كما صححه في "المجموع" وإن لم تتوقف على

стр. 348

الدعوى؛ لكونها شهادة حسبة، وأما اختصاصها بمجلس القاضي .. فقد جزم به صاحب "الأنوار" وابن المقري، وكذا الإسنوي؛ تفريعاً على كونها شهادة كما قررته فيما مر. قال الشيخان: وفرع الإمام وابن الصباغ على كونها رواية وجوب الصوم على من أخبره موثوق به بالرؤية وإن لم يذكره عند القاضي. وقالت طائفة منهم ابن عبدان والغزالي والبغوي: يجب إذا اعتقد صدقه، ولم يفرعوه على شيء، ومثله في "المجموع" بزوجته وجاريته وصديقه، وظاهر كلامه: ترجيح الثاني، وصرح به في "الخادم". ويكفي الشاهد أن يقول: (أشهد أني رأيت الهلال)، كما صرح به جماعة، منهم الرافعي في (صلاة العيد)، خلافاً لابن أبي الدم قال: لأنها شهادة على فعل نفسه. وخرج بـ (رمضان): غيره؛ فلا يثبت بواحد، وبـ (الصوم): غيره؛ كوقوع ما علق من طلاق ونحوه بالهلال وحلول الدين به؛ فلا يثبت بواحد في حق غير الرائي. قال الرافعي: ولو قيل: هلا يثبت ضمناً كما يثبت شوال بثبوت رمضان بواحد، والنسب والإرث بثبوت الولادة بالنساء؟ .. لأحوج إلى الفرق، وفرق هو في (الشهادات): بأن الضمني في هذه الأمور لازم للمشهود به، بخلاف الطلاق ونحوه. واشتراط العدلة محله: في ثبوت الشهر في حق غير الرائي، أما الرائي .. فيجب عليه الصوم وإن لم يكن عدلاً، قال الأذرعي: والأمارة الظاهرة الدلالة في حكم الرؤية مثل: أن يرى أهل القرى القناديل المعلقة بمنابر المصر ليلة الثلاثين من شعبان كما هو العادة. وخرج بـ (أحد الأمرين): ما لو عرفه حاسب أو منحم؛ فلا يلزم به الصوم، ولا يجوز كما نقله ابن الصلاح وغيره عن الجمهور، لكن صحح في "المجموع": أنه يجوز لهما دون غيرهما، ولا يجزئهما عن فرضهما، قال الإسنوي: وهو بعيد مخالف لكلامهم، ولما جزم به في "الكفاية" نقلاً عن الأصحاب من الإجزاء. انتهى، وصوبه السبكي.

стр. 349

وقد قال الشيخان في بحث النية: يدخل في قسم استناد الاعتقاد إلى ما يثير ظناً بناء الأمر على الحساب حيث جوزناه. وخرج به أيضاً: ما لو عرفه أحد في منامه بقول النبي ﷺ ؛ فلا يصح الصوم به بالإجماع؛ لاختلال ضبط الرائي، لا للشك في الرؤية. قال السبكي في "بيان الأدلة في إثبات الأهلة": إذا دل الحساب على عدم إمكان الرؤية، وذلك يدرك بمقدمات قطعية .. ففي هذه الحالة لا يمكن تقدير الرؤية؛ لاستحالتها، فمن شهد بها .. رددنا شهادته؛ لأن من شرط البينة: إمكان المشهود به حساً وعقلاً وشرعاً، وفي مثل هذا ينقض قضاء القاضي. انتهى. وتبعه عليه ابن العراقي وغيره. لكن توقف الأذرعي في موافقة الأصحاب له فيما إذا شهد عدلان بالرؤية وقال أهل الحساب: لا تمكن. ولا يكره ذكر رمضان بغير شهر، كما صوبه في "المجموع". وإذا ثبت رمضان برؤية الهلال بمكان .. ثبت في حق من قرب منه دون من بعد؛ لماا روى مسلم عن كريب قال: (رأيت الهلال بالشام ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة، فقال ابن عباس: متى رأيتم الهلال؟ قلت: ليلة الجمعة، قال: أنت رأيته؟ قلت: نعم؛ ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة، فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ، وقياساً على طلوع الفجر والشمس وغروبها. وقد نبه على القريب بقوله: (في حق من دون مسير القصر) أي: مسافته من محل الرؤية؛ لأن من بدونها كالحاضر بدليل القصر والفطر وغيرهما، بخلاف من فوقه، وهذا ما قطع به البغوي والغزالي وغيرهما، وادعى الإمام الاتفاق عليه، وصححه الرافعي في "المحرر"، و "الشرح الصغير"، والنووي في "شرح مسلم"، وصحح في بقية كتبه اعتبار اتحاد

стр. 350

المطالع؛ إذ لا تعلق للرؤية بمسافة القصر؛ فيثبت حكمه في حق من بمكان اتحد مطلعه بمطلع مكان الرؤية دون غيره، فإن شك في اتحاده .. فلا وجوب؛ لأن الأصل عدمه. قال السبكي: ومع الاختلاف قد تستلزم الرؤية بأحد المكانين الرؤية بالآخر بدون العكس؛ إذ دخول الليل بالشرق قبل دخوله بالغرب، فتستلزم رؤيته شرقاً رؤيته غرباً بدون العكس، فرؤيته بالشام لكونها غربية بالنسبة للمدينة لا تستلزم رؤيته بالمدينة. وإذا صمنا بعدل، ولم نر الهلال بعد ثلاثين .. أفطرنا في الأصح وإن كانت السماء مصحية؛ لكمال العدة؛ إذ الشيء يثبت ضمناً بما لا يثبت به أصلاً؛ بدليل ثبوت النسب والإرث ضمناً للولادة بشهادة النساء عليها كما مر. ومن سافر من بلد الرؤية إلى البلد البعيد .. فالأصح: أنه يوافقهم في الصوم آخراً؛ لأنه صار منهم، ومن سافر من البلد الآخر إلى بلد الرؤية .. عيد معهم، وقضى يوماً إن لم يصم إلا ثمانية وعشرين، وإلا .. فلا قضاء عليه. ومن أصبح معيداً؛ فسارت سفينته إلى بلدة بعيدة أهلها صيام .. فالأصح: أنه يمسك بقية اليوم، وتتصور المسألة: بأن يكون ذلك اليوم يوم الثلاثين من صوم أهل البلدين، لكن المنتقل إليهم لم يروه، وبأن يكون التاسع والعشرين من صومهم؛ لتأخر ابتدائه بيوم. ورؤية الهلال نهاراً لا أثر لها. ومن انفرد برؤية هلال شوال .. لزمه مقتضاها وأخفى فطره؛ لئلا يتهم، ولا تقبل شهادته بعده؛ لتهمة دفع تعزيره، بخلاف ما لو شهد فردت شهادته ثم أكل .. لا يعزر؛ لعدم التهمة حالة الشهادة. [شروط وجوب الصوم] وقد ذكر الناظم من يجب عليه صوم رمضان بقوله: (وإنما الفرض على شخص قدر ... عليه مسلم مكلف طهر) أي: إنما فرض صوم رمضان على شخص قدر عليه، مسلم مكلف؛ أي: بالغ عاقل،

стр. 351

طهر عن الحيض والنفاس، بخلاف العاجز عنه؛ لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فلا يجب عليه، وتجب عليه الفدية كما سيأتي، وبخلاف الكافر؛ فلا يجب عليه وجوب مطالبة به في الدنيا؛ لعدم صحته منه، لكن يجب عليه وجوب عقاب عليه في الآخرة؛ لتمكنه من فعله بالإسلام، ولا قضاء عليه إذا أسلم؛ ترغيباً له في الإسلام. ويلزم المرتد إذا عاد إلي الإسلام قضاء ما فاته في زمن الردة، حتى زمن جنونه أو إغمائه فيها؛ لالتزامه بالإسلام، ويلزم القضاء من تعدى بسكره، ويخالف الصبي والمجنون؛ لعدم تكليفهما. ويؤمر به الطفل لسبع إذا أطاقه وميز، ويضرب على تركه لعشر كالصلاة، وبخلاف الحائض والنفساء؛ لعدم صحة الصوم منهما، ويجب عليهما قضاء ما فاتهما في زمن الردة والسكر. [شروط صحة الصوم] (وشرط نفل: نية للصوم ... قبل زوالها لكل يوم) (وإن يكن فرضاً شرطنا نيه ... قد عينت من ليله مبيته) (وبانتفاء مفطر الصيام ... حيض نفاس ردة الإسلام) (جنون كل اليوم لكن من ينام ... جميع يومه فصحح الصيام) (وإن يفق مغمى عليه بعض يوم ... ولو لحيظة- يصخ منه صوم) (وكل عين وصلت مسمى ... جوف بمنفذ وذكر صوما) (كالبطن والدماغ ثم المثن ... ودبر وباطن من أذن) (والعمد للوطء وباستقاء ... أو أخرج المني باستمناء) ذكر في هذه الأبيات: أن شرط صحة الصوم أمران: النية، وانتفاء المفطر؛ يعني: أنه لابد للصوم منهما، وإلا .. فهما ركنان له. أي: وشرط صحة صوم النفل: نية للصوم بالقلب؛ كالصلاة، ولخبر: "إنما الأعمال بالنيات"، قبل زوال الشمس، وأعاد الضمير عليها وإن لم يتقدم لها ذكر؛ للعلم بها، لكل

стр. 352

يوم، وإن لم ينو ليلاً؛ لأنه ﷺ قال لعائشة يوماً: "هل عندكم من غداء؟ " قالت: لا، قال: "فإني إذن أصوم"، قالت: وقال لي يوماً آخر: "أعندكم شيء؟ "، قلت: نعم، قال: "إذن أفطر، وإن كنت فرضت الصوم" رواه الدارقطني، وصحح إسناده. واختص بما قبل الزوال؛ للخبر؛ إذ (الغداء) بفتح الغين: اسم لما يؤكل قبل الزوال، و (العشاء): اسم لما يؤكل بعده، ولأنه مضبوط بين، ولإدراك معظم النهار به؛ كما في ركعة المسبوق، وهذا جري على الغالب ممن يريد صوم النفل، وإلا: فلو نوى قبل الزوال وقد مضى معظم النهار .. صح صومه، والأصح: أن صومه من أول النهار، حتى يثاب على جميعه؛ إذ صوم اليوم لا يتبعض؛ كما في الركعة بإدراك الركوع؛ فلا بد من اجتماع الشرائط أوله، ولو كان قد تمضمض ولم يبالغ، وسبقه الماء .. صحت النية بعده. وإنما اشترطت النية لكل يوم؛ لأنه عبادة؛ لتخلل اليومين ما يناقض الصوم؛ كالصلاتين يتخللهما السلام. قوله: (وإن يكن فرضاً) أي: وإن يكن صومه فرضاً رمضان أو غيره .. شرطنا نية الفرض حالة كونها قد عينت؛ كقوله: (من رمضان) كما في الصلاة، وكمال التعيين فيه: أن ينوي صوم غد عن أداء فرض رمضان هذه السنة لله تعالى، وفي الأداء والفرضية والإضافة إلى الله تعالى الخلاف المذكور في الصلاة، لكن صحح في "المجموع": أن رمضان لا تشترط فيه نية الفرضية، فلو أطلق النية؛ كما لو اقتصر على نية صوم الغد .. لم يصح، وكذا لو أخطأ في التعيين فنوى في رمضان قضاء أو كفارة. ولا يشترط تقييد رمضان بالسنة أو الشهر؛ لإغناء التبييت عنه، بل لو أخطأ في صفة المعين فنوى الغد وهو الأحد بظن الإثنين، أو رمضان سنته وهي سنة اثنتين بظن سنة ثلاث .. صح، بخلاف ما لو نوى الأحد ليلة الإثنين، أو رمضان سنة اثنتين في سنة ثلاث؛ لأنه لم يعين الوقت. وينبغي اشتراط التعيين في النفل المؤقت، وماله سبب؛ كالصلاة، بحث الأول في "المجموع"، والثاني في "المهمات"، وأجيب عن الأول بأن الصوم في الأيام المتأكد

стр. 353

صومها منصرف إليها، بل لو نوى به غيرها .. حصلت أيضاً كتحية المسجد؛ لأن المقصود: وجود صوم فيها. ولو كان عليه قضاء رمضانين فنوى صوم غد عن قضاء رمضان .. جاز وإن لم يعين أنه عن قضاء أيهما؛ لأنه كله جنس واحد، قاله القفال في "فتاويه". قال: وكذا إذا كان عليه صوم نذر من جهات مختلفة فنوى صوم النذر .. جاز وإن لم يعين نوعه، وكذا الكفارات. قوله: (من ليله) أي: شرطنا نية الفرض مبيتة من ليل كل يوم وإن كان الناوي صبياً؛ لخبر: "من لم يبيت الصيام قبل الفجر .. فلا صيام له" رواه الدارقطني وغيره وصححوه، وهو محمول على الفرض بقرينة خبر عائشة السابق، فلا تجزاء النية مع طلوع الفجر؛ لظاهر الخبر. ولا تحتص بالنصف الأخير من الليل؛ لإطلاقه، والصحيح: أنه لا يضر الأكل والجماع، وأنه لا يجب تجديدها إذا نام ثم تنبه قبل الفجر، ولو شك في تقدمها على الفجر .. لم يصح صومه؛ لأن الأصل عدم التقديم. نعم؛ إن تذكر ولو بعد مضي أكثر النهار .. صح، وكذا لو نوى ثم شك: أطلع الفجر أم لا؟ ولو علم أن عليه صوماً وجهل عينه، فنوى صوماً واجباً .. صح؛ للضرورة كنظيره من الصلاة. وأفاد قوله: (من ليله): عدم الاكتفاء بنية واحدة من أول الشهر. ولو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غد عن رمضان إن كان منه، فكان منه وصامه .. لم يقع عنه؛ للشك في أنه منه حال النية؛ فليست جازمة، إلا إذا اعتقد كونه منه بقول من يثق به؛ كعبد وامرأة .. فإنه يقع عنه؛ لظن أنه منه حال النية، وللظن في مثل هذا حكم اليقين؛ فتصح النية المبنية عليه. ولو نوى ليلة الثلاثين من رمضان صوم غد عن رمضان إن كان منه .. أجزأه إن كان منه؛ لأن الأصل بقاء رمضان. ولو اشتبه رمضان على نحو محبوس .. صام شهراً بالاجتهاد، ولا يكفيه صوم شهر بلا اجتهاد وإن وافق رمضان، فإن وافق صومه بالاجتهاد رمضان .. فذاك واضح، وإن وافق

стр. 354

ما بعده .. أجزأه وهو قضاء على الأصح؛ لأنه بعد الوقت، فلو نقص وكان رمضان تاماً .. لزمه يوم آخر، ولو كان الأمر بالعكس .. فله إفطار اليوم الأخير إذا عرف الحال، ولو وافق صومه شوالاً .. حصل منه تسعة وعشرون إن كمل، وثمانية وعشرون إن نقص؛ فإن كان رمضان ناقصاً .. فلا شيء عليه على التقدير الأول، ويقضي يوماً على التقدير الثاني، وإن كان كاملا .. قضى يوماً على التقدير الأول، ويومين على التقدير الثاني، ولو وافق صومه ذا الحجة .. حصل منه ستة وعشرون يوماً إن كمل، وخمسة وعشرون يوماً إن نقص، فإن كان رمضان ناقصاً .. قضى ثلاثة أيام على التقدير الأول، وأربعة على التقدير الثاني، وإن كان كاملاً .. قضى أربعة على التقدير الأول، وخمسة على التقدير الثاني. ولو غلط بالتقدير وأدرك رمضام بعد بيان الحال .. لومه صومه، ولو أدرك بعضه .. لزمه صومه، فإن لم يتبين له الحال إلا بعد رمضان .. وجب عليه قضاؤه. ولو نوت الحائض صوم غد قبل انقطاع دمها، ثم انقطع ليلاً .. صح صومها بهذه النية؛ إن تم لها في الليل أكثر الحيض مبتدأة كانت أو معتادة بأكثره، وكذا إن تم لها قدر عادتها التي هي دون أكثر الحيض .. فإنه يصح صومها بتلك النية في الأصح؛ لأن الظاهر استمرار عادتها، وإن لم يتم لها ما ذكر .. لم يصح صومها بتلك النية؛ لعدم بنائها على أصل، وكذا لو كانت لها عادات مختلفة. [شروط الصوم من حيث الفاعل] قوله: (وبانتفاء مفطر الصيام) أي: وشرط الصوم كائن بانتفاء مفطر الصيام، ثم بين الفطر، بقوله: (حيض نفاس ردة الإسلام جنون كل يوم) فعلم أن شرط الصوم من حيث الفاعل: النقاء عن الحيض والنفاس؛ أي: والولادة بلا بلل؛ فلا يصح صوم الحائض والنفساء ومن ولدت، والإسلام؛ فلا يصح صوم الكافر، أصلياً كان أو مرتداً، والعقل؛ أي: التمييز؛ فلا يصح صوم غير المميز من صبي ومجنون كل اليوم؛ أي: يوم الصوم؛ فلو حاضت أو نفست أو ولدت أو ارتد أو جن في أثناء اليوم .. بطل صومه كالصلاة. قوله: (لكن من ينام جميع يومه فصحح الصيام) أي: صيامه؛ لبقاء أهليته للخطاب، بخلاف المغمى عليه؛ إذ النائم يتنبه إذا نبه؛ ولهذا يجب قضاء الصلاة الفائتة به دون الفائتة بالإغماء. وقوله: (فصحح) يصح كونه فعل أمر، أو ماضياً مبنياً للمفعول.

стр. 355

[حكم الإغماء أثناء الصوم] قوله: (وإن يفق مغمى عليه بعض يوم ولو لحيظة يصح منه صوم) أي: إتباعاً بزمن الإغماء زمن الإفاقة؛ فجعلوا الإغماء لقصوره عن الجنون وزيادته على النوم بينهما في الحكم، فإن لم يفق .. لم يصح صومه. وقوله: (لحيظة) تصغير لحظة. وفي "الروضة" و "أصلها": لو شرب دواء ليلاً، فزال عقله نهاراً .. ففي "التهذيب": إن قلنا: لايصح الصوم في الإغماء .. فهنا أولى، وإلا .. فوجهان، والأصح: أنه لا يصح؛ لأنه بفعله، ولو شرب المسكر ليلاً، وبقي سكره جميع النهار .. لزمه القضاء، وإن صحا في بعضه .. فهو كالإغماء في بعض النهار، قاله في "التتمة". انتهى. وقال القفال في "فتاويه": إنه يصح صومه مطلقاً؛ لأنه مخاطب، بدليل وجوب القضاء عليه، فهو شبيه بالنائم، بخلاف المغمى عليه. [شرط الصوم من حيث الفعل] قوله: (وكل عين) عطف على قوله: (حيض) أي: وشرط الصوم من حيث الفعل كائن بانتفاء كل عين وصلت من الظاهر وإن لم تؤكل عادة كحصاة، وإلى مسمى جوف؛ وإن لم يحل الغذاء أو الدواء؛ لخبر البيهقي بإسناد حسن أو صحيح عن ابن عباس قال: (إنما الفطر مما دخل وليس مما خرج) أي: الأصل ذلك، بمنفذ بفتح الفاء مفتوح؛ فلا يضر وصول الدهن إلي الجوف بتشرب المسام، كما لو طلى رأسه أو بطنه به، كما لا يضر اغتساله بالماء وإن وجد له أثراً في باطنه، ولا يضر الاكتحال وإن وجد طعم الكحل بحلقه؛ لأنه لا منفذ من العين إلى الحلق والواصل إليه من المسام. والباء قوله: (بمنفذ) بمعنى (في) أو (من) أو سببية. قوله: (وذكر صوماً) أي: فلا يفطر بالأكل ناسياً وإن كثر؛ لخبر "الصحيحين": "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب .. فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه"، وفي رواية صحيحة: "ولا قضاء عليه".
следующие страницы →