← Фикх шафии

Фикх шафии · id 32197

فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلان

شهاب الدين الرملي

Полный текст (924 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قال في «المجموع»: وبما فعله من عمل العمرة يحصل التحلل الثاني، وأما الأول فيحصل بواحد من الحلق والطواف المتبوع بالسعي؛ لسقوط حكم الرمي بالفوات؛ فصار كمن رمى. ولا يحتاج إلى نية العمرة؛ كما أفهمه كلام الناظم. ويجب عليه القضاء للحج الذي فاته بفوات الوقوف تطوعا كان أو فرضاً؛ لخبر عمر الآتي، ولأنه لا يخلو عن تقصير كالمفسد، وبهذا فارق المحصر، وعبر في «الروضة» كـ «أصلها» و «المحرر»: بأن الفرض يبقى في ذمته، ثم القضاء على الفوز في الأصح. قوله: (مع دم) أي: مع وجوب دم في القضاء، والأصل في ذلك كله: ما رواه مالك رضي الله تعالى عنه في «الموطأ» بإسناد صحيح؛ كما قاله «المجموع»: (أن هبار بن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه، فقال: يا أمير المؤمنين؛ أخطأنا العد وكنا نظن أن هذا اليوم يوم عرفة؛ فقال له عمر: اذهب إلى مكة فطف بالبيت أنت ومن معك، واسعوا بين الصفا والمروة، وانحروا هدياً إن كان معكم، ثم احلقوا أو قصروا ثم ارجعوا، فإذا كان عام قابل .. فحجوا وأهدوا، فمن لم يجد .. فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله)، واشتهر ذلك في الصحابة ولم ينكر. أما العمرة المفردة .. فلا يتصور فواتها بغير الموت. [حكم المحصر عن الحج والعمرة] الثالثة: المحصر عن إتمام حج أو عمرة أو قران؛ أي: منعه عن ذلك عدو من المسلمين أو الكفار من جميع الطرق .. يجوز له التحلل، والأفضل له تأخيره إن اتسع الوقت، وإلا .. فتعجيله. نعم؛ لو علم انكشافه في مدة الحج بحيث يمكن إدراكه، أو في العمرة إلى ثلاثة أيام .. لم يجز له التحلل، وكذا لو منع عن غير الأركان كالرمي والمبيت؛ لإمكان الجبر بالدم والتحلل بالطواف والحلق، وتجزئة عن حجة الإسلام.

стр. 422

ومن صد عن عرفة دون مكة .. فليدخلها ويتحلل بعمل عمرة، أو عكسه .. وقف ثم تحلل ولا قضاء فيهما في الأظهر، والأصل في جواز التحلل: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: وأردتم التحلل ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وخبر «الصحيحين»: (أنه ﷺ تحلل بالحديبية لما صده المشركون، وكان محرماً بالعمرة). ومقتضى كلام الناظم: أنه لا فرق بين حصر الكل والبعض، وهو كذلك على الأصح؛ لأن مشقة كل واحد التي جاز له التحلل بها لا تختلف بين أن يتحمل غيره مثلها أو لا. ولو منعوا ولم يتمكنوا من المضي إلا ببذل مال .. فلهم أن يتحللوا، ولا يبذل المال وإن قل؛ إذ لا يتحمل الظلم في أداء الحج والعمرة، ولو منعوا من الرجوع أيضاً .. جاز لهم التحلل في الأصح. ويحصل تحلل المحصر بالحلق، وذبح شاة حيث أحصر من حل أو حرم، ويفرق لحمها على مساكين ذلك الموضع، ولا يلزمه إذا أحصر في الحل أن يبعث بها إلى الحرم، وبنية التحلل عند كل منهما؛ لاحتماله لغير التحلل، فإن فقد الدم .. فالأظهر: أن له بدلاً، وأنه طعام بقيمة الشاة، فإن عجز عنه .. صام عن كل مد يوماً، وله إذا انتقل إلى الصوم التحلل في الحال في الأظهر بالحلق والنية عنده. ولا تحلل بعذر كالمرض؛ لأنه لا يفيد زواله، بخلاف التحلل بالإحصار، فإن شرطه .. تحلل به على المشهور، ولا يجب الهدي إلا إن شرطه. ولا قضاء على المحصر المتطوع إذا تحلل؛ لعدم وروده، فإن كان فرضاً مستقراً؛ كحجة الإسلام بعد السنة الأولى من سني الإمكان، وكالقضاء والنذر .. بقي في ذمته، أو غير مستقر؛ كحجة الإسلام في السنة الأولى من سني الإمكان .. اعتبرت الاستطاعة بعد. ومتى أحرم الرقيق بلا إذن .. فلسيده تحليله بأن يأمره بالتحلل، فيجوز له حينئذ، فيحلق وينوي التحلل. وللزوج تحليل زوجته من حج تطوع لم يأذن فيه، وكذا من حج الفرض في الأظهر؛ لأن تقريرها عليه يعطل حقه من الاستمتاع بها. * * *

стр. 423

باب محرمات الإحرام أي: ما يحرم بسبب الإحرام. (حرم بالإحرام مسمى لبس ... خيط، وللراجل ستر الرأس) (وامرأة وجهاً ودهن الشعر ... والحلق والطيب وقلم الظفر) (واللمس بالشهوة، كل يوجب ... تخييره ما بين شاة تعطب) (أو آصع ثلاثة لستة ... مسكين أو صوم ثلاث، بيت) (وعمد وطء للتمام حققا ... مع الفساد والقضا مضيقا) (كالصوم تكفير صلاة باعتدا ... وبالقضا يحصل ما له الأدا) (وصح في الصبا ورق، كفره ... بدنة، إن لم يجد فبقره) (ثم الشياه السبع، فالطعام ... بقيمة البدنة، فالصيام) (بالعد من أمداده، وحرما ... لمحرم ومن يحل الحرما) (تعرض الصيد، وفي الأنعام ... المثل، فالبعير كالنعام) (والكبش كالضبع، وعنزٍ ظبي ... وكالحمام الشاة، ضب جدي) (أو الطعام قيمة، أو صوما ... بعدها عن كل مد يوما) (بالحرم اختص طعام والدم ... لا الصوم، إن يعقد نكاحاً محرم) (فباطل، وقطع نبت الحرم ... رطباً وقلعاً دون عذرٍ حرم) [لبس المخيط على الرجال] أي: حرم أنت بإحرام ولو مطلقاً على الرجل مسمى لبس من مخيط وما في معناه؛ كالمنسوج والمعقود في سائر بدنه وإن بدت البشرة من ورائه؛ كما في الزجاج الشفاف، إلا إذا لم يجد غيره .. فيجوز له لبس السراويل منه، والخفين إذا قطعا أسفل من الكعبين ولا فدية. وإن احتاج إلى لبس المخيط لمداواة أو حر أو برد .. جاز ووجبت الفدية.

стр. 424

ومن المحرم عليه: القفاز وسيأتي، وألحق به ما لو اتخذ لساعده مثلاً مخيطاً، أو للحيته خريطة يغلفها بها إذا خضبها. وأما المرأة .. فلها لبس المخيط في الرأس وغيره، إلا القفاز في الأظهر؛ وهو مخيط محشو بقطن يعمل لليدين ليقيهما من البرد، ويزر على الساعدين؛ والأصل في ذلك: خبر «الصحيحين» عن ابن عمر: أن رجلاً سأل النبي ﷺ : ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: «لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات، ولا البرانس ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئا مسه زعفران أو ورس»، زاد البخاري: «ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين»، وخبرهما: أنه ﷺ قال: «السراويل لمن لم يجد الإزار»، وخبر مسلم: «من لم يجد إزاراً .. فليلبس سراويل». والأصل في وجوب الفدية: قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ أي: فحلق ففدية، وقيس على الحلق باقي المحرمات للعذر، فلغيره أولى، ثم اللبس مراعى في وجوب الفدية على ما يعتاد في كل ملبوس، فلو ارتدى بقميص أو اتزر بسراويل .. فلا فدية، كما لو اتزر بإزار ملفق من رقاع. ولو لم يجد رداء .. لم يجز له لبس القميص، بل يرتدي به. ولم لم يجد إزاراً ووجد سراويل يتأتى الاتزار به على هيئته .. اتزر به، ولم يجز له لبسه؛ كما صرح به في «المجموع». والمراد بعدم وجدان الإزار والنعل المذكور في الحديث: ألا يكون في ملكه، ولا يقدر على تحصيله بشراء، أو استئجار بعوض مثله، أو استعارة، بخلاف الهبة فلا يلزم قبولها؛ لعظم المنة فيها. وإذا وجد الإزار أو النعلين بعد لبس السراويل أو الخفين الجائز له .. وجب نزع ذلك، فإن أخر .. وجبت الفدية.

стр. 425

ويجوز له أن يعقد الإزار ويشد عليه خيطاً ليثبت، وأن يجعل له مثل الحجزة ويدخل فيها التكة إحكاماً، وأن يغرز طرف ردائه في طرف إزاره، ولا يجوز عقد الرداء، ولا خلة بخلال أو مسلةٍ، ولا ربط طرفها في طرفه بخيط ونحوه، فإن فعل ذلك .. لزمته الفدية؛ لأنه في معنى المخيط من حيث إنه يستمسك بنفسه؛ قاله في «المجموع». [ستر رأس الرجل ووجه المرأة] وحرم بإحرام للراجل؛ بمعنى الرجل؛ أي: عليه الرأس؛ أي: أو بعضه حتى البياض الذي وراء أذنه، وامرأةٍ وجهاً؛ أي: ستره بما يعد ساتراً عرفاً من مخيط أو غيره؛ كقلنسوة وعمامة، وخرقة وعصابة، وكذا طين ثخين في الأصح. والأصل في ذلك: خبر «الصحيحين»: أنه ﷺ قال في المحرم الذي خر من بعيره ميتاً: «لا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً»، وخبر البخاري المار: «ولا تنتقب المرأة». نعم؛ تستر منه ما يتوقف على ستره ستر الرأس؛ لأن شعار الإحرام يحصل بما عداه، ولأن رأسها عورة، ومنه يؤخذ أن الأمة لا تستر ذلك؛ لأن رأسها ليس بعورةٍ، لكن قال في «المجموع»: ما ذكر في إحرام المرأة ولبسها .. لم يفرقوا فيه بين الحرة والأمة، وهو المذهب. وشذ القاضي أبو الطيب فحكى وجهاً أن الأمة كالرجل، ووجهين في أن المبعضة هل هي كالأمة أو كالحرة. ولها أن تسدل على وجهها ثوباً متجافياً عنه بخشبةٍ ونحوها؛ لحاجة من حر أو برد، أو فتنة أو نحوها، أو لغير حاجة، فإن وقعت الخشبة فأصاب الثوب وجهها بغير اختيارها، ورفعته في الحال .. فلا فدية، وإن كان عمداً أو استدامته .. لزمتها الفدية. وإذا ستر الخنثى المشكل رأسه فقط، أو وجهه فقط .. فلا فدية، وإن سترهما .. وجبت،

стр. 426

وفي «المجموع» عن القاضي أبي الفتوح: وليس له كشفهما؛ لأن فيه تركاً للواجب، وله كشف الوجه، قال صاحب «البيان»: وقياسه لبس المخيط. ويستحب أن يستر بغيره؛ لجواز كونه رجلاً، فإن لبسه .. فلا فدية؛ لجواز كونه امرأة. وقال القاضي أبو الطيب: لا خلاف أنا نأمره بالستر ولبس المخيط؛ كما نأمره أن يستتر في صلاته كالمرأة ولا تلزمه الفدية؛ لأن الأصل براءته، وقيل: تلزمه احتياطاً. ثم محل التحريم المذكور: إذا لم يكن عذر، فإن كان؛ كمداواة أو حر أو برد .. جاز ووجبت الفدية. واحترز في ستر الرأس بالرجل عن المرأة، وفي ستر الوجه بالمرأة عن الرجل، وبما يعد ساتراً عما لا يعد، كوضع يده أو يد غيره، أو زنبيل أو حمل، والتوسد بوسادة أو عمامة، والانغماس في الماء، والاستظلال بالمحمل، وإن مس رأسه وشده بخيط لمنع الشعر من الانتشار وغيره. [دهن الشعر] وحرم بإحرام على المحرم ولو امرأة دهن الشعر؛ أي: من الرأس أو اللحية بدهن غير مطيب؛ من سمنٍ وزبد وزيت، وذائب شحم وشمعٍ وغيرهما؛ لما فيه من تزيين الشعر وتنميته المنافيين لخبر: «المحرم أشعث أغبر» أي: شأنه المأمور به ذلك، ففي مخالفته بالدهن المذكور الفدية، بخلاف اللبن وإن كان يستخرج منه السمن. وخرج بـ (الدهن): الأكل فلا يحرم، وفي دهن الرأس المحلوق الفدية في الأصح؛ لتأثيره في تحسين الشعر الذي ينبت بعده. ولا فدية في دهن رأس الأقرع والأصلع وذقن الأمرد؛ لانتفاء المعنى، ويجوز استعمال هذا الدهن في سائر البدن شعراً وبشراً، ظاهراً وباطناً؛ إذ لا يقصد به التزين، لكن قال المحب الطبري: الظاهر: أن غير اللحية من شعر الوجه؛ كالحاجب والشارب والعنفقة

стр. 427

والعذارين كاللحية، وفي «المهمات»: أنه القياس، وقال ابن النقيب: هو ظاهر فيما اتصل باللحية؛ كالشارب لا الحاجب ونحوه. ولا يكره غسل بدنه ورأسه بخطمي أو سدرٍ، لكن المستحب ألا يفعل. [حلق الشعر وقلم الظفر] وحرم بإحرام الحلق للشعر وقلم الظفر؛ يعني: إزالة الشعر من الرأس أو غيره حلقاً أو غيره، أو الظفر من اليد أو الرجل قلماً أو غيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ أي: شعرها ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وقيس على شعر الرأس شعر باقي البدن، وعلى الحلق غيره، وعلى إزالة الشعر إزالة الظفر بجامع الترفه في الجميع، والمراد بالشعر في الآية: الجنس الصادق بالواحدة فصاعداً، وتكمل الفدية في إزالة ثلاث شعرات، أو ثلاثة أظفار؛ لأنها تجب على المعذور بالحلق للآية كما سيأتي، فعلى غيره أولى، والشعر يصدق بالثلاث، وقيس بها الأظفار، ولا يعتبر جميعه بالإجماع، ويعتبر إزالة الثلاث أو الثلاثة دفعة واحدة في مكان واحد. ولو حلق جميع شعر رأسه دفعة واحدة في مكان واحد .. لم تلزمه إلا فدية؛ لأنه يعد فعلاً واحداً، وكذا لو حلق شعر رأسه وبدنه على التواصل، ويقاس بالشعر في ذلك الأظفار من اليدين والرجلين. ولو حلق شعر رأسه في مكانين، أو مكان واحد، لكن في زمانين متفرقين .. وجبت فديتان. ولو أزال ثلاث شعرات، أو ثلاثة أظفار في ثلاثة أمكنة، أو ثلاثة أوقات .. وجب في كل واحدة ما يجب فيها لو انفردت؛ وهو مد طعام على الأظهر، وفي الثنتين أو الاثنين مدان. ويجوز قطع ما غطى عينيه من شعر حاجبه أو رأسه، ومنكسر ظفر، وقلع شعر داخل جفنه تأذى بهما، ولا فدية في الجميع، ولا في قطع عضو، أو جلدة عليه شعر أو ظفر، ولا في إزالة محرم مجنون أو مغمى عليه أو صبي لا يميز شعراً أو ظفراً على الأصح في «المجموع». ويجوز للمعذور في الحلق أن يحلق ويفدي؛ للآية المتقدمة؛ كأن يحتاج إليه لكثرة قمل أو وسخ، أو حاجة أخرى في رأسه، أو سائر بدنه.

стр. 428

[استعمال الطيب] وحرم بإحرام الطيب؛ أي: استعماله في بدنه أو ملبوسه، ولو نعلاً كالمسك والكافور والورس؛ وهو أشهر طيب في بلاد اليمن، والزعفران وإن كان يطلب للصبغ والتداوي أيضاً، وقد تقدم ذكره مع الروس في الخبر في الثوب، وقيس عليه البدن، وعليهما بقية أنواع الطيب، وأدرج فيه ما معظم الغرض منه رائحته الطيبة؛ كالورد والياسمين والنرجس والبنفسج والريحان الفارسي، وما اشتمل على الطيب من الدهن؛ كدهن الورد ودهن البنفسج. وعد من استعمال الطيب أن يأكله، أو يحتقن به، أو يستعط، وأن يحتوي على مجمرة عود فيتبخر به، وأن يشد المسك أو العنبر في طرف ثوبه، أو تضعه المرأة في جيبها، أو تلبس الحلي المحشو به، وأن يجلس أو ينام على فراش مطيب، أو أرض مطيبة، وأن يدوس الطيب بنعله؛ لأنها ملبوسه. ومعنى استعمال الطيب في محل: إلصاقه به تطيباً، فلا يحرم استعمال بشم ماء الورد، ولا بحمل المسك ونحوه في كيس أو نحوه، ولا بأكل العود أو شده في ثوبه؛ لأن التطيب به إنما يكون بالتبخر به. ولا يحرم على المحرم استعمال الطيب جاهلاً كونه طيباً، أو ظاناً أنه يابس لا يعلق به منه شيء، أو ناسياً لإحرامه، ولا فدية في ذلك، ولا فيما إذا ألقت عليه الريح الطيب، لكن تلزمه المبادرة إلى إزالته في هذه الصورة، وفيما قبلها عند زوال عذره، فإن أخر .. وجبت الفدية؛ كما تجب في استعماله المحرم، وتجب فيه المبادرة إلى الإزالة أيضاً. [اللمس بالشهوة] وحرم بإحرام اللمس بشهوة؛ يعني: مقدمات الجماع بشهوة، كالقبلة والمفاخذة قبل التحللين، فإن فعل ذلك عمداً .. لزمته الفدية سواء أنزل أم لا، ولا تحرم بغير شهوة، ومن فعلها ناسياً .. لا شيء عليه، والاستمناء حرام يوجب الفدية بشرط الإنزال؛ كما ذكره في «المجموع» و «الكفاية».

стр. 429

[دم التخيير والتقدير] قوله: (كل) أي: من لبس المخيط وما ذكر بعده .. يوجب تخيير المحرم بين شاة بصفة الأضحية تعطب؛ أي: تذبح، وثلاثة آصع لستة مساكين لكل مسكين نصف صاعٍ، وصوم ثلاثة أيام بيت؛ أي: أنت نية صومها بليل. ولو عبر الناظم بدل (أو) الجارية على الألسنة في مثل هذا الكلام بـ (الواو) .. كان أقوم، بل قال بعضهم: إنه الصواب؛ لأن (بين) إنما تكون بين شيئين. والأصل في ذلك: قوله تعالى: ﴿تعلى فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ أي: فحلق ففدية ﴿صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، وخبر «الصحيحين»: أنه ﷺ قال لكعب بن عجرة: «أيؤذيك هوام رأسك؟ »، قال: نعم، قال: «انسك شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم فرقاً من الطعام على ستة مساكين»، و (الفرق) بفتح الفاء والراء: ثلاثة آصع، وقيس القلم على الحلق، وغير المعذور فيهما عليه، والفقراء على المساكين، وهذه فدية الحلق ومثلها فدية الاستماع؛ كالتطيب والادهان واللبس ومقدمات الجماع؛ لاشتراكها في الترفه، وسيأتي فدية الجماع، وهذا دم تخيير وتقدير. [دم الترتيب والتعديل في إفساد الحج بالجماع] قوله: (وعمد وطء) بالنصب عطفاً على (مسمى لبس)، وبالرفع مبتدأ خبره (للتمام حققا)، فيحرم بالإحرام الوطء ولو لبهيمة من عاقل عامد عالم بالتحريم مختار في الأصح، قال تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ و (الرفث): الجماع، و (الفسوق): العصيان، والآية لفظها لفظ الخبر، ومعناها النهي؛ أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا؛ إذ لو كان معناها الإخبار عن نفي هذه الأشياء في الحج .. لاستحال وقوعها فيه. قوله: (للتمام حققا مع الفساد) فتفسد به العمرة مطلقاً، وكذا الحج قبل التحلل الأول بعد الوقوف أو قبله، ولا يفسد به بين التحللين، ولا تفسد به العمرة في ضمن القران أيضا؛ لتبعها له وإن لم يأت بشيء من أعمالها، ولا فساد بجماع الناسي والجاهل بالتحريم ومن جن بعد أن أحرم عاقلاً في الجديد.

стр. 430

ويجب إتمام ذلك النسك من حج أو عمرة أو قران، قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾، وهو يتناول الصحيح والفاسد، وروي البيهقي بأسانيد صحيحة عن ابن عباس وابن عمر وعمرو بن العاص: أنهم أفتوا لمجامع بالمضي في فاسده، والقضاء من قابل، ولا يعرف لهم مخالف، والمراد بالمضي فيه: أن يأتي بما كان يأتي به قبل الجماع، ويجتنب ما كان يجتنبه قبله، فإن ارتكب محظوراً .. لزمته الفدية، وغير النسك من العبادات لا يمضي في فاسده؛ إذ يحصل الخروج منه بالفساد، ويجب القضاء اتفاقاً وإن كان نسكه تطوعاً، فإن التطوع منه يصير بالشروع فيه فرضاً؛ أي: واجب الإتمام كالفرض، بخلاف غيره من التطوع مضيقاً؛ لأنه تضيق بالشروع فيه، روى مالك: أن عمر أمر الذي فاته الحج بالقضاء من قابل. وتعبير الناظم كـ «أصله» بما ذكر أحسن من تعبير كثير: (بالقضاء من قابل) لشموله القضاء قبله؛ إذ العمرة يمكن قضاؤها في عام الإفساد، وكذا الحج فيما إذا أحصر عن إتمامه قبل وطئه، أو بعده ثم تحلل، ثم زال الحصر والوقت باق .. فيلزمه القضاء في عامه، واستشكل تسمية ذلك قضاء؛ بأن من أفسد الصلاة ثم أعادها في الوقت .. كانت أداء لا قضاء؛ لوقوعها في وقتها الأصلي خلافاً للقاضي. وأجاب السبكي بأنهم أطلقوا القضاء هنا على معناه اللغوي، وبأنه يتضيق وقته بالإحرام وإن لم يتضيق وقت الصلاة به؛ لأن آخر وقتها لم يتغير بالشروع فيها؛ فلم يكن يفعلها بعد الإفساد موقعاً لها في غير وقتها، والنسك بالشروع فيه تضيق وقته ابتداء وانتهاء، فإنه ينتهي بوقت الفوات، ففعله في السنة الثانية خارج وقته فصح وصفه بالقضاء. وأيد ولده في «التوشيح» الأول بقول ابن يونس في «التنويه»: إنه أداء لا قضاء، ثم قال: وبسط الثاني: أن النسك وإن وقت بالعمر .. فإنما يقع في سنة، فأي سنة وقع فيها .. تبين أنها المطلوبة للإيقاع، وأنها وقته الأصلي لا العارض بالإحرام، فالمعنى بكون العمر وقتاً للحج: أنه يجب ألا يخلو العمر عنه؛ لأن كل جزء منه وقت له، فمتى أفسده .. وقع الثاني بعد وقته المقدر له شرعاً فكان قضاء، ولهذا لو مات مستطيعاً بلا أداء .. عصى من آخر سني الإمكان، ولو كان وقته جميع العمر .. لعصى من أولها، وأما الصلاة .. فوقتها بين شيئين،

стр. 431

فإيقاعه في جزء منه لا يتبين أنه وقتها؛ إذ الإحرام بها لم يتغير وقتها, بل يضيقها لتحريم الخروج من الصلاة الواجبة. انتهى. وهذا إن تم في غير سنة الإفساد .. لا يتم فيها, فالمعتمد: الجواب الأول. قوله: (كالصوم تكفير صلاة باعتدا) أي: كترك الصوم والصلاة باعتداء, فإن قضاءها مضيق, بخلاف تركهما بلا اعتداء, وتكفير ما ارتكب موجبة باعتداء فإنه مضيق وإن كان أصل الكفارات على التراخي؛ لأن المعتدي لا يستحق التخفيف, بخلاف غيره. قوله: (وبالقضا يحصل ما له الأدا) أي: من فرض أو نفل, فلو أفسد النفل, ثم نذر حجاً وأراد تحصيل المنذور بحجة القضاء .. لم يحصل له ذلك, ومحل وجوب القضاء: إذا كان ما أفسده غير قضاء, فإن أفسد قضاء .. لم يقضه, وإنما يقضي ما أفسده أولاً؛ لأن المقضي واحدٌ. قوله: (وصح) أي: القضاء (في الصبا ورق) اعتباراً بالأداء إن لم يكن الصبي والرقيق من أهل الفرض, وإذا أحرما بالقضاء فكملا قبل الوقوف .. انصرف إلى فرض الإسلام وعليهما القضاء, وفي بعض النسخ بعد قوله: (مضيقًا): (عليه كالتكفير للذي اعتدى ... وبالقضا يحصل ما له الأدا) (كترك صوم واعتدا, وكفره ........................... ) قوله: (كفره) أي: عمد الوطء المفسد (بدنه) أي: واحد من الإبل ذكراً كان أو أنثى؛ لقضاء الصحابة بذلك, فأما ما لا يفسد؛ كالوطء في الحج بين التحللين ... فإنه لا يوجب بدنة, بل شاة؛ لأنه محظورٌ لم يحصل به إفساد فأشبه الاستمتاعات, وكذا لو كرر الوطء في الحج قبل التحلل الأول؛ لأن الأول هو المفسد. ولو كانت المرأة محرمة أيضًا, وفسد حجها بالوطء ... فلا كفارة عليها في الأظهر. ثم إن لم يجدها ... فبقرة, ثم إن عجز عنها .. فسبع شياه من الغتم, ويعتبر في كل منها إجزاؤه في الأضحية. ثم إن عجز عنها ... فالطعام بقيمة البدنة؛ بأن يقومها بدراهم, ويخرج بقيمتها طعاماً يتصدق به, ويستحب ألا يزاد في الدفع إلى كل مسكين على مدين, ولا ينقصه عن مد, فإن عجز .. صام عن كل مد يوماً, وهذا دم ترتيب وتعديل.

стр. 432

[التعرض للصيد] قوله: (وحرم لمحرم ومن يحل الحرما تعرض للصيد) أي: وحرم على محرم ولو خارج الحرم وحده أو مع الصيد, وعلى الحلال بالحرم ولو غير محرم, أو كان الصيد بالحل كعكسه المفهوم بالأولى. تعرض الصيد؛ أي: منه ولو بتنفير, أو إعارة آلة, أو نصب شبكة, أو وضع يد بشراء, أو عارية أو وديعة, أو غيرها إلى كل صيد مأكول بري, أو متولد منه ومن غيره من طير أو دابة؛ لقوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ أي: أخذه, وقوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ , وخبر "الصحيحين": أنه ﷺ قال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرام بحرمة الله تعالى؛ لا يعضد شجره, ولا ينفر صيده" أي: لا يجوز تنفير صيده لا لمحرم ولا حلال, فغير التنفير أولى, وقيس بمكة باقي الحرم. وخرج بـ (البري): البحري؛ وهو مالا يعيش إلا في البحر, يحرم التعرض له وإن كان البحر في الحرم, قال تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ , وما يعيش في البر والبحر بري؛ تغليباً للحرمة. وبـ (المأكول) وما عطف عليه: ما لا يؤكل, وما لا يكون في أصله ما ذكر, فمنه: ما هو مؤذ فيستجيب قتله للمحرم وغيره؛ كنمر ونسر وبق وبرغوث, لو ظهر على المحرم قمل .. لم تكره تنحيته, ولا شيء في قتله, ويكره أن يفلي رأسه ولحيته, فإن قتل منهما قملة .. تصدق ولو بلقمة ندباً, وكالقمل الصيبان وهو بيضه, لكن فديته أقل. ومنه: ما ينفع ويضر؛ كفهد وصقر وباز .. فلا يستحب قتله؛ لنفعه وهو تعلمه الاصطياد, ولا يكره؛ لضرره وهو عدوه على الناس والبهائم. ومنه: ما لا يظهر فيه نفع ولا ضرر؛ كسرطان ورحمة وجعلان وخنافس .. فيكره قتله, ويحرم قتل النحل والنمل السليماني والخطاف والهدهد والصرد, ولا فرق بين المستأنس وغيره, ولا بين المملوك وغيره, ولو توحش إنسي .. لم يحرم التعرض له. وشمل كلامه: التعرض لجزء البري المذكور؛ وكلبنه وشعره وريشه بقطع أو غيره, فإن حصل مع تعرضه للبن نقص في الصيد .. ضمنه.

стр. 433

وبيض المأكول مضمون بقيمته, ولا شيء في المذرة إلا بيض النعامة .. ففيه قيمته, ولو نفر صيداً عن بيض حضنه ففسد .. لزمته قيمته, أو أخذ بيض دجاج مثلاً فأحصنه صيداً ففسد بيض الصيد, أو لم يحصنه .. ضمنه, أو بيض صيد وأحصنه دجاجة .. فهو في ضمانه حتى يفرخ ويمتنع, فلو مات قبل الامتناع .. لزمه مثله من النعم. ولو كسر بيضة فيها فرخ فطار وسلم .. فلا شيء عليه, فإن مات .. فمثله من النعم. ومحل تحريم التعريض المذكور: إذا كان عامداً عالماً بالتحريم مختاراً, ولو رمى صيداً من الحل إلى الحل فاعترض السهم الحرم ... ضمن في الأصح. وفي مثله في إرسال الكلب: إنما يضمن إذا لم يكن للصيد مهرب إلا بالدخول في الحرم. نعم؛ إن جهله .. لم يأثم. ولو أرسل الكلب في الحل إلى صيد في الحل, فدخل الحرم فقتله فيه, أو قتل فيه صيداً غيره .. لم يضمن, بخلاف نظيرهما في السهم. ولو رمى صيداً بعض قوائمه في الحرم, أو تحلل قبل أن يصيبه, أو عكسه .. ضمن, كذا لو نصب شبكة, ثم تحلل فوقع فيها الصيد؛ للتعدي؛ كما في "المهمات" عن "فتاوى البغوي" بخلاف عسكه. ولو وضع يده عليه لا المداواة أو نحوها فتلف هو أو جزؤه .. ضمنه كالغاصب, ولو صال عليه فقتله .. فلا ضمان. وكذا لو عم الجراد الطريق, ولم يجد بداً من وطئه ففعل, أو باض حمام, أو غيره في فراشة أو نحوه وفرخ, ولم يمكن دفعه إلا بالتعرض له, أو انقلب عليه في نومه فأفسده في الأظهر, وكذا لو جن فقتله؛ كما في "الزوائد" وهو مشكل, فلذلك قال في "المجموع" مع ترجيحه: إن الأقيس خلافه؛ لأنه من باب الغرامات. قال ابن المقري: ولعل الفرق: أنه وإن كان إتلافاً فهو حق لله تعالى, ففرق فيه بين من هو من أهل التمييز وغيره. قوله: (وفي الأنعام المثل فالبعير كالنعام) أي: ففي النعامة الذكر أو الأنثى بدنة؛ أي:

стр. 434

واحد من الإبل, وفي بقر الوحش وحماره: بقرة؛ أي: واحد من البقر, وفي الضبع بضم الباء: كبش؛ وهو ذكر الضأن والأنثى نعجة, وفي الظبي: عنز؛ وهي أنثى المعز التي تم لها سنة. وفي الحمام-وهي: كل ما عب وهدر-: شاة من ضأن أو معز بحكم الصحابة, ومستنده توقيف بلغهم, وإلا .. فالقياس إيجاب القيمة, وقيل: مستنده الشبه بينهما وهو إلف البيوت. وفي الضب: جدي: وفي الأرنب: عناق, وهي الأنثى من المعز من حين تولد ما لم تستكمل سنة, وفي اليربوع: جفرة, وهي الأنثى من المعز إذا بلغت أربعة أشهر, والمراد من العناق ما فوق الجفرة, فإن الأرنب خير من اليربوع. روى البيهقي عن عمر وعلي وابن عباس ومعاوية: أنهم قضوا في النعامة ببدنة, وعن ابن عباس: أنه قضى في الأرنب بعناق, وقال: في الضبع كبش, وعن ابن مسعود: أنه قضى في اليربوع بجفرة, وعن عمر وابن عوف: أنهما حكما في الظبي بشاة, وعن عبد الرحمن بن عوف وسعد: أنهما حكما في الظبي بتيس أعفر. وروى الشافعي عن مالك, عن أبي الزبير, وعن جابر: أن عمر قضى في الضبع بكبش, وفي الغزال بعنز, وفي الأرنب بعناق, وفي اليربوع بجفرة, وهذا إسناد صحيح مليح. وما لا نقل فيه عن السلف .. يحكم بمثله من النعم عدلان فقيهان فطنان. ثم الكبير من الصيد يفدى بالكبير من مثله من النعم, والصغير بالصغير, ويجوز فداء الذكر بالأنثى وعكسه, والمريض بالمريض, والمعيب بالمعيب إذا اتحد جنس العيب كالعور وإن كان عور أحدهما في اليمين والآخر في اليسار, فإن اختلف كالعور والجرب .. فلا, ولو قابل المريض بالصحيح, أو المعيب بالسليم .. فهو أفضل. قال في "المجموع": ويفدي السمين بسمين, والهزيل بهزيل, وفيما لا مثل له كالجراد والعصافير القيمة قياساً, ويستثنى منه الحمام كما تقدم, وتعتبر القيمة بمحل الإتلاف, ويقاس به محل التلف.

стр. 435

قوله: (أو الطعام قيمة) أي: يتخير في الصيد المثلي بين ذبح مثله, والصدقة به على مساكين الحرم, وبين أن يقوم المثل بدارهم ويشتري بها طعاماً يجزئ في الفطرة, أو يخرج بقدرها من طعامه لهم؛ أي: لجلهم بأن يتصدق به عليهم, ولا يجوز أن يتصدق بالدراهم- وأقل ما يجزي الدفع إلى ثلاثة من الفقراء والمساكين, والصرف إلى القاطنين بأرض الحرم أولى من الغرباء- وبين أن يصوم عن كل مد يوما؛ قال تعالى: ﴿هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما﴾. وغير المثلي يتصدق بقيمته طعاماً لمساكين الحرم ولا يتصدق بالدراهم, أو يصوم عن كل مد يوماً كالمثلي, فإن انكسر مد في القسمين .. صام يوماً؛ لأن الصوم لا يتبعض, ويقاس بالمساكين الفقراء, والعبرة في قيمة غير المثلي بمحل الإتلاف؛ قياساً على كل متلف متقوم, وفي قيمة مثل المثلي بمكة يوم إرادة تقويمه؛ لأنها محل ذبحه لو أريد, ويعتبر في العدول إلى الطعام سعره بمكة, لا بمحل الإتلاف على الراجح. قوله: (بالحرم اختص طعام والدم لا الصوم) أي: يجب اختصاص الطعام بالحر؛ أي: بمساكينه, وكذلك الدم؛ بأن يفرق لحمه على مساكينه, أو يملكهم جملته مذبوحاً لا حياً؛ لأن المقصود من الذبح هو إعطاء اللحم, وإلا .. فنفس الذبح مجرد تلويث الحرم وهو مكروه, ولا يجوز الأكل منه. ولا يختص الصوم بأرض الحرم, بل يجوز أن يصوم حيث شاء؛ إذ لا غرض فيه للمساكين. [عقد نكاح المحرم باطل] قوله: (إن يعقد نكاحاً محرم فباطل) أي: ولو مع حلال ولياً كان العاقد ولو سلطاناً أو زوجاً, أو وكيلاً عن أحدهما, وكذا لو كان العاقد حلالاً والزوجة محرمة, وسواء كان محرماً بحج, أو عمرة أو بهما, لخبر مسلم: "لا ينكح المحرم ولا ينكح" والنهي يقتضي الفساد. [قطع نبات الحرم وقلعه] قوله: (وقطع نبت الحرم رطباً وقلعاً دون عذر) أي: على الحلال والمحرم, والأظهر: تعلق الضمان بهو والمستنبت كغيره على المذهب, فيحرم قطع كل شجر رطب غير مؤذ حرمي لا اليابس, وكذا العوسج, وكل ذي شوك على الصحيح.

стр. 436

ولو نقل شجرة منه إلى الحل .. حرم وعليه ردها, أو إلى موضع منه .. فلا رد عليه. ولو نقل الشجرة أو الأغصان إلى الحل, أو الحرم فيبست .. ضمن, أو نبتت .. فلا, فلو قلعها قالع .. ضمن. ولو غرس شجرة من الحل في الحرم فنبتت .. لم تصر حرمية بخلاف الصيد. ولو كان أصل الشجرة في الحرم وأغصانها في الحل, فقطع غصناً .. ضمنه, وإن أخذ صيداً عليه .. فلا, أو العكس .. فبالعكس, أو بعض أصلها في الحل وبعضه في الحرم .. فكلها حرمية. ولو انتشرت أغصان الحرمية ومنعت الناس الطريق, أو آذتهم .. قطع المؤذي منها. ولو أخذ غصناً من الشجرة الحرمية ولم يخلف .. ضمنه, وإن أخلف تلك السنة .. فلا ضمان. ويجوز أخذ الأوراق بلا خيط, ويضمن الشجرة الكبيرة ببقرة, وإن شاء ببدنة, ودونها إلى قربها من سُبع الكبيرة شاة, وإن صغرت جداً .. فالقيمة. ويضمن الكلأ بالقيمة, فإن أخلف .. فلا, وإن كان يابساً فقطعه .. فلا بأس, أو قلعه .. ضمن, ويجوز ذلك للعذر؛ كرعي البهائم فيه, وأخذه لعلفها, ويحل الإذخر وكذا غيره للدواء. وصيد المدينة وشجرها حرام على المذهب, ولا يضمن في الجديد, ويحرم صيد وج على المذهب, ولا يضمن على الصحيح. ثم المحرمات تنقسم إلى: استهلاك كالحلق, واستمتاع كالطيب, وهما أنواع, ولا تداخل إلا إن اتحد النوع والزمان والمكان, ولم يتخلل تكفير ولم يكن مما يقابل بمثل, فإن حلق وقلم وتطيب ولبس .. تعددت مطلقاً, لا إن لبس ثوباً مطيباً, أو طلا رأسه بطيب؛ لاتحاد الفعل, وإن اختلف مكان الحلقين أو اللبسين أو التطيبين, أو زمانهما .. تعددت, وتعددت أيضاً بتخلل التكفير, ولا يتداخل الصيد ونحوه وإن اتحد نوعه, والطيب كله نوع, وكذا اللباس.

стр. 437

والألف في قول الناظم: (حققا): للإطلاق إن كان ماضياً, وإلا .. فبدل من نون التوكيد, ومثله قوله: (وحرم لمحرم) , وقوله: (والقضا) بالقصر للوزن, والألف في قوله: (الحرما) للإطلاق.

стр. 438

كتاب البيوع يطلق البيع على أمرين: أحدهما: قسيم الشراء, وهو الذي يشتق منه لمن صدر عنه لفظ البائع, وحده: نقل ملك بثمن على وجه مخصوص, والشراء: قبول ذلك, على أن لفظ كل منهما يطلق على الآخر, تقول العرب: (بعت) بمعنى) (شريت) وبالعكس, ويقال لكل من المتابعين: بائع وبيع, ومشتر وشار. وثانيهما: العقد المركب من الإيجاب والقبول, وهو مرادهم بالترجمة, وهو لغة: مقابلة شيء بشيء, وشرعاً: مقابلة مال بمال على وجه مخصوص. والأصل فيه قبل الإجماع: آيات؛ كقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾. وأركانه ثلاثة: عاقد, ومعقود عليه, وصيغة, وبدأ بها؛ لأنها أهم للخلاف فيها فقال: [صيغة البيع والشراء] (وإنما يصح بالإيجاب ... وبقبوله أو استيجاب) أي: وإنما يصح البيع بالإيجاب من البائع؛ وهو ما دل على التمليك بثمن دلالة ظاهرة؛ كـ (بعتك) , و (ملكتك) , و (شريتك) , و (هذا مبيع منك) , أو (أنا بائعه لك بكذا) , وبقبوله؛ أي: ذلك الإيجاب؛ وهو ما دل على التملك بذلك الثمن دلالة ظاهرة؛ كـ (قبلت) و (تملكت) , و (اشتريت) , و (ابتعت) قال تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم﴾ , وقال رسول الله ﷺ : "إنما البيع عن تراض" رواه ابن حبان وصححه, وأنيط البيع بالرضا وهو أمر خفي؛ لأنه ميل النفس فاعتبر لفظ يدل عليه, أو استيجاب كـ (بعني) , والبيع الضمني ينعقد بهذا الصيغة تقديراً؛ كـ (أعتق عبدك عني بكذا) ففعل؛ فإنه يعتق عن الطالب ويلزمه العوض, فكأنه قال: (بعينه بكذا, وأعتقه عني) وقد أجابه؛ أي: أو استقبال؛ كـ (اشتر

стр. 439

مني) وقبول؛ لأنه استدعاء جازم فقال الأول مقام القبول, والثاني مقام الإيجاب, فلا ينعقد البيع بصيغة الاستفهام ولو مقدراً, ولا بالمعاطاة ولو في المحقرات, والمأخوذ بها كالمأخوذ ببيع فاسد؛ فيطالب كل صاحبه بما دفعه له وببدله إن تلف. ويؤخذ من كلام الناظم: أنه لا يشترط اتفاق لفظ الإيجاب والقبول, وهو كذلك, فلو قال: (ملكتك بكذا) , فقال: (اشتريت) .. صح. ويؤخذ من عطفه القبول بالواو: أنه يجوز تقدم لفظ المشتري على لفظ البائع ولو بلفظ (قبلت) , وهو كذلك, وأنه لابد من الإيجاب والقبول في بيع تولى الأصل طرفيه؛ كبيعه ماله لفرعه, وهو كذلك, وأنه ينعقد بالكناية مع النية؛ كـ (جعلته لك بكذا) , أو (سلطتك عليه بكذا) , وهو كذلك؛ إذ بالكناية مع النية تصح العقود وغيرها ولو لم يقبل التعليق, إلا فيما يجب فيه الإشهاد؛ كالنكاح .. فلا يصح بها وإن توفرت القرائن, وكبيع وكيل شرط عليه الإشهاد إن لم تتوفر القرائن, وإلا .. صح, ومنها الكتابة ولو إلى حاضر لا على المائع والهواء. ويؤخذ من قوله: (وبقبوله) أنه يشترط توافق الإيجاب والقبول في المعنى, وهو كذلك, فلو قال: (بعتك بألف) , فقبل بألف وخمس مئة .. لم يصح؛ لعدم التوافق, بخلاف ما لو قبل: نصفه بخمس مئة ونصفه بخمس مئة. ويعتد بإشارة الأخرس في العقود والحلول ونحوها, ثم إن فهمها الفطن وغيره .. فصريحة, أو الفطن ونحوه .. فكناية. ومن شروط العقد: ألا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول؛ بأن يشعر بإعراضه عن القبول. وألا يتخلل بينهما كلام أجنبي عن العقد ولو يسيراً؛ بألا يكون من مقتضى العقد, ولا من مصالحه, ولا يكون من مستحباته, فلو قال المشتي: (باسم الله, والحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ قبلت) .. صح. وأن يقع الإيجاب بلفظ الخطاب, وأن يسند لجملة المخاطب, فلا يكفي: (بعت يدك) , ولا (بعت موكلك) , ولا (بعت نصفك). نعم؛ لو قال المتوسط للبائع: (بعت هذا بكذا؟ ) فقال: (نعم) أو (بعت) , ثم قال

стр. 440

للمشتري: (اشتريت هذا بكذا) فقال: (نعم) أو (اشتريت) .. صح البيع على الأصح؛ لوجود الصيغة والتراضي. وأن يقع القبول من المخاطب بالإيجاب, فلو قبل وارثه بعد موته, أو وكيله أو موكله .. لم يصح. وأن يعتبر البادئ على ما أتى به من الإيجاب أو القبول, فلو أوجب بمؤجل أو بشرط الخيار, ثم أسقط الأجل أو الخيار قبل القبول .. لم يصح. وأن يبقيا على أهلية العقد إلى تمامه, فلو جن أحدهما, أو أغمي عليه, أو حجر عليه بسفه قبل تمامه .. لم يصح. وأن يتكلم بحيث يسمعه من بقربه وإن لم يسمعه صاحبه, وإلا .. لم يصح. وعدم التعليق إلا في نحو: (بعتك إن شئت) إذا تقدم الإيجاب. ومسألة اختلاف الوكيل والموكل في شراء الجارية؛ إذا قال له الموكل: (إن كنت أمرتك بعشرين .. فقد بعتكما بها) , وما لو قال: (إن كان ملكي .. فقد بعتكه). وعدم التأقيت, فلو قال: (ملكتك كذا بعشرة عمرك) .. لم يصح. الركن الثاني: العاقد, ومن شرطه: أن يكون بالغاً, عاقلاً أو زائل العقل بما تعدى به, رشيداً أو سفيهاً مهملاً, مختاراً أو مكروهاً بحق, بصيراً. [شروط المعقود عليه] الركن الثالث: المعقود عليه, وله شروط بينها بقوله: (في طاهر منتفع به, قدر ... تسليمه, ملك لذي العقد, نظر) (إن عينه مع الممر تعلم ... أو وصفه وقدر ما في الذمم) أي: إنما يصح البيع في طاهر؛ أي: أو يطهر بالغسل؛ كثوب تنجس بما لم يستر شيئاً منه, فلا يصح بيع كلب ولو معلماً, وميتة, وخمر, وخنزير, ونحوها؛ لخبر "الصحيحين": (أنه ﷺ نهى عن ثمن الكلب) , وقال: "إن الله حرم بيع

стр. 441

الخمر والميتة والخنزير", وقيس بها في معناها, ولا بيع ما لا يطهر بالغسل سواء أكان يطهر بالاستحالة كجلد ميتة, أو بالمكاثرة كماء قليل متنجس, أم لم يطهر بذلك كمائع تنجس؛ لأنه في معنى نجس العين, ولأنه لو صح البيع .. لما أمر بإراقة السمن فيما رواه ابن حبان في "صحيحه": أنه ﷺ قال في الفأرة تقع في السمن: "إن كان جامداً .. فألقوها وما حولها وكلوه, وإن كان ذائباً .. فأريقوه". وأما القز وفي باطنه الدود الميت .. فهو كالحيوان في باطنه النجاسة فيصح بيعه وزناً وجزافاً؛ كما نقله في "الروضة" عن القاضي, وفي "المجموع" عنه وعن آخرين, وقال في "الكفاية": لا يجوز وزناً. منتفع به حساً وشرعاً في الحال؛ كالماء بالشط, والتراب بالصحراء, والحجر بالجبل, أو في المآل؛ كالجحش الصغير, فلا يصح بيع ما لا ينفع فيه؛ إما لقلته كحبتي حنطة أو زبيب وإن حرم أخذهما ووجب ردهما, وإما لخسته؛ كحدأة ورخمة وغراب وإن كان في أجنحة بعضها نفع, وحشرات لا ينفع فيها, وإن ذكر لها منافع في الخواص؛ لأن ذلك لا يعد مالاً؛ فلا يقابل به؛ لأنه إضاعة مال وقد نهي عنها, وكل سبع لا نفع فيه؛ كالأسد والذئب, وما في اقتناء الملوك لها من الهيبة والسياسة وليس من المنافع المعتبرة. فيصح بيع العلق؛ لامتصاص الدم, وما يؤكل من الحشرات كأم حبين, والضب واليربوع, وكل سبع ينتفع به؛ كالضبع للأكل, والفهد والهرة للصيد, والفيل للقتال, والزرافة للحمل, والقرد للحراسة, والطاووس للأنس بلونه. ويصح بيع العبد الزمن لا الحمار الزمن, ويحرم بيع السم, فإن نفع قليله كالسقمونيا والأفيون .. جاز بيعه. ولا يصح بيع آلات الملاهي والصور ولو كانت ذهباً؛ لأنها مادامت على هيئتها لا يقصد منها سوى الأمر المحرم, وقد حرم ﷺ بيع الأصنام, رواه الشيخان, ولا بيع النرد إلا إن صلح بيادق للشطرنج. ويصح بيع جارية الغناء, وكبش النطاح, وديك الهراش ولو زاد الثمن لذلك, وبيع آنية

стр. 442

الذهب والفضة؛ لأن المقصود عين النقد, ولأن استعمالها عند الحاجة جائز. مقدور على تسليمه حساً وشرعاً؛ ليوثق بحصول العوض, وليخرج عن بيع الغرر والمنهي عنه في "صحيح مسلم". قال الماوردي: والغرر: ما تردد بين متضادين أغلبهما أخوفهما, وقيل: ما انطوت عنا عاقبته, فلا يصح بيع الضال والآبق والمغصوب؛ للعجز عن تسليمها حالاً, والمعتبر ظهور التعذر لا اليأس, فإن كان البيع ضمنياً؛ كأن قال: (أعتق عبدك عني على كذا) , فأعتقه .. صح البيع, وكذا إن كان المشتري قادراً على تسلمها؛ نظر إلى وصوله إليها, إلا إن احتاجت قدرته إلى مؤنة, قال في "المطلب": فينبغي البطلان, ويثبت للمشتري الخيار إن جهل أو عجز, ويصدق بيمينه في العجز. ويصح بيع السمك في البركة, والحمام في البرج إذا سهل أخذه, وإلا .. فلا يصح, ولا يصح بيع بعض معين مما تنقص قيمته بفصله؛ للعجز عن تسليمه شرعاً؛ لأن التسليم فيه لا يمكن إلا بالفصل, وفيه نقص وتضييع مال وهو حرام. قال في "المجموع": وطريق من أراد شراء ذراع من ثوب نفيس أن يواطئ صاحبه على شرائه, ثم يقطعه قبل الشراء فيصح بلا خلاف. ولا يصح بيع بعض معين من إناء أو سيف, أو ثوب نفيس أو سفينة, ولا بيع جذع في بناء, وفص في خاتم, وجزء معين من جدار, أو أسطوانة فوقه شيء, أو كان قطعة واحدة من طين أو خشب أو غيرهما, أو كان لبن أو آجر, ولم تجعل النهاية صفاً. أما بيع بعض شائع, أو معين مما لا ينقص بفصله ككرباس, أو ينقص بتفريقه؛ كفردة خف وجزء من تصنيف, وذراع معين من أرض .. فيصح. ويصح بيع النحل خارج الكوارة إذا الأم في الخلية؛ لأنه لا يقوم إلا بالرعي, وحبسه يفسده بخلاف غيره. ولا يصح بيع المرهون بعد قبضه بغير إذن مرتهنه, ولا الجاني المتعلق برقبته مال قبل قبل اختيار الفداء بغير إذن مستحقه. مملوك لصاحب العقد الواقع؛ وهو العاقد أو موكله أو موليه؛ أي: يكون مملوكاٌ لأحد الثلاثة؛ ليكون للعاقد عليه ولاية؛ فلا يصح بيع الفضولي وسائر تصرفاته؛ لأنه ليس بمالك

стр. 443

ولا وكيل ولا ولي, وقد قال صلى الله عليه: "لا طلاق إلا فيما تملك, ولا عتق إلا فيما تملك, ولا بيع إلا فيما تملك" رواه أبو داوود بإسناد صحيح, وقال ﷺ لحكيم بن جزام: "لاتبع ما ليس عندنا" رواه الترمذي وصححه. ولو تصرف في مال مورثه بيع أو نحوه ظاناً حياته وكان ميتاً .. صح, كما لو باع رقيقه ظاناً بقاء كتابته أو إباقه, فبان فاسخاً أو راجعاً. قوله: (نظر) أي: من العاقدين, فلا يصح بيع ما لم يرياه أو أحدهما, وإن وصف بصفة السلم؛ لصحة النهي عن بيع الغرر؛ لأن الرؤية تفيد أموراً تقصر عنها العبارة, وفي الخبر: "ليس الخبر كالعيان", وأما خبر: "من اشترى ما لم يره .. فهو بالخيار إذا رآه" .. فضعيف؛ كما قاله الدارقطني والبيهقي. وتكفي الرؤية قبل العقد فيما لا يتغير غالباً إذا كان حال العقد ذاكراً للأوصاف, وذلك كالأواني والأراضي والحيوان؛ لأن الأصل بقاء المرئي بحاله, فإن بان متغيراً ولو بقول المشتري .. ثبت له الخيار, بخلاف ما يغلب تغيره من وقت الرؤية إلى العقد؛ كالأطعمة التي يسرع فسادها. وتكفي رؤية بعض المبيع إن دل على باقيه؛ كظاهر صبرة الحنطة والشعير, والتمر وإن التصقت حباته, والدقيق وأعلاه السمن والخل, وسائر المائعات في الظروف, وكأنموذج المتماثل بشرط إدخاله في العقد, أو كان صواناً للباقي؛ كقشر الرمان والبيض والخشكنان؛ لأن صلاح باطنه في إبقائه فيه, بخلاف جوز القطن, وجلد الكتاب, والفأرة وفيها المسك, وإن كانت مفتوحة. ولا تكفي رؤية ما في القارورة من رأسها, بخلاف السمك والأرض تحت الماء الصافي؛ إذ به صلاهما. وتعتبر رؤية كل شيء على ما يليق به, فتعتبر في الدار: رؤية البيوت والسقوف, والسطوح والجدران, والمستحم والبالوعة, وفي البستان: رؤية الأشجار والجدران ومسايل الماء,

стр. 444

وفي العبد والأمة: ما عدا العورة واللسان والأسنان, وفي الدابة: رؤية مقدمها ومؤخرها, وقوائمها وظهرها, وفي الثوب الصفيق كالديباج المنقش: وجهيه وكذا البساط, وفي الثوب الرقيق كالكرباس: رؤية أحد وجهيه, وفي الكتب والورق: البياض, وفي المصحف: رؤية جميع الأوراق, ويتسامح في كوز الفقاع. قوله: (إن عينه مع الممر تعلم) أي: بأن يعلم العاقدان عينه في المعين, وممره ثمناً كان أو مثمناً؛ لأنه ﷺ نهى عن بيع الغرر رواه مسلم, فلو باع أحد عبديه أو صيعانه مبهماً .. لم يصح وإن تساوت قيمتها, وقال: (على أن تختار أيهم) , أو (أيها شئت). وكذا لو باع داراً محفوفة من كل الجوانب, وشرط للمشتري حق المرور إليها من جانب مبهم؛ لتفاوت الأغراض باختلاف الجوانب, فيفضي إلى المنازعة, فجعل إبهامه كإبهام المبيع, بخلاف ما إذا عينه, أو أثبته له من كل الجوانب, أو أطلق وقال: بعتكها بحقوقها .. فيصح البيع ويتعين في الأولى ما عينه, وله في البقية المرور من كل جانب, فإن كانت الأرض في صورة الإطلاق ملاصقة للشارع, أو لملك المشتري .. لم يستحق المرور في ملك البائع, بل يمر من الشارع, أو ملكه القديم. ولو باع ذراعاً من أرض أو ثوب, وذرعه معلوم لهما .. صح وترك الإشاعة, وإن أراد معيناً .. لم يصح, فإن اختلفا في الإرادة .. صدق المعين, أو غير معلوم .. لم يصح. ويصح بيع صاع من صبرة, فإن علما صيعانها .. ترك على الإشاعة, وإن جهلت .. نزل على صاع مبهم, وله أن يعطيه من أسفلها, ولو لم يبق منها إلا صاع .. تعين, ولو باعه الصبرة إلا صاعاً: فإن علما صيعانها .. صح, وإلا .. فلا. قوله: (أو وصفه وقدر ما في الذمم) أي: بأن العاقدان قدر المبيع ووصفه؛ أي: وجنسه في الذمة ثمناً كان أو مثمناً, فلو قال: (بعتك بملء) أو (ملء ذا البيت حنطة) , أو (بزنة) أو (زنة هذه الحصاة ذهباً) .. لم يصح؛ للجهل بالقدر, فلو عين العوض؛ كأن قال: (بعتك بملء) أو (ملء ذا البيت من هذه الحنطة) .. صح. ولو باع بألف, أو نقد مطلقاً, وثم نقود لا غالب فيها .. لم يصح؛ لجهالة الجنس في الأولى والوصف في الثانية.

стр. 445

نعم؛ إن تساوت قيمة النقود .. صح البيع وسلم المشتري ما شاء منها. وأفهم كلامه: أن المعين لا يعتبر العلم بقدره وهو كذلك, فيصح بيع المشاهد من غير تقدير كصبرة الطعام, والبيع به كصبرة الدراهم, لكنه يكره؛ لأنه قد يوقع في الندم, فإن علم أن تحتها دكة أو منخفضاً, أو اختلاف أجزاء الظرف .. بطل, وإن جهل .. خير. ولو قال: (بعتك هذه الصبرة) أو (القطيع) , أو (الأرض) كل صاع, أو شاة أو ذراع بدرهم .. صح, ولا يصح بيع عشر شياه من هذه المئة, بخلاف مثله من الصبرة والأرض. ولو قال: (بعتك من هذه الصبرة كل صاع بدرهم) , أو (كل صاع من هذه الصبرة بدرهم) , أو (بعتك صاعاً من باطنها) .. لم يصح, أو (بعتكها بعشرة دراهم كل صاع بدرهم .. صح) إن خرجا سواء, وإلا .. فلا على الصحيح. وقول الناظم: (تسليمه) منصوب بنزع الخافض, و (الذمم): جمع ذمة؛ وهي لغة: الأمان, واصطلاحاً: النفس؛ إطلاقاً لاسم الحال على المحل. وقد علم مما تقرر: أن شروط المعقود عليه في غير الربوي ستة: طهارته, ونفعه, والقدرة على تسليمه, وكونه مملوكاً لصاحب العقد, ورؤيته, والعلم به, وممن جرى على جعلها ستة البارزي. قال العراقي: والتحقيق: أن اشتراط الرؤية داخل في اشتراط العلم, فإنه لا يحصل بدون الرؤية ولو وصف, فوراء الوصف أمور تقصر عنها العبارة؛ أي: فتكون الشروط خمسة؛ كما في "المنهاج" وغيره, وأورد على حصرها في الخمسة أو الستة: أنها موجودة في حريم الملك مع أنه لا يصح بيعه وحده, وأجيب بأنه: إن أمكن إحداث حريم للملك .. فالوجه الصحة, وإلا. ز فالمنع راجع إلى عدم القدرة على تسليمه؛ كبيع بعض معين من ثوب ينقص بالقطع. [الربا] ثم شرع في بيان الربا وهو لغة: الزيادة, وشرعاً: عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد, أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما, وهو ثلاثة أنواع:

стр. 446

ربا الفضل: وهو زيادة أحد العوضين على الآخر, وربا اليد: وهو البيع مع تأخير قبض أحدهما, وربا النساء: وهو البيع لأجل, وكل منها حرام فقال: (وشرط بيع النقد بالنقد كما ... في بيع مطعوم بما قد طعما) (تقابض المجلس والحلول, زد ... علم تماثل بجنس يتحد) [شروط بيع العقد بالنقد والمطعوم بالمطعوم] أي: وشرط بيع النقد بالنقد, والمطعوم بالمطعوم: تقابض العوضين في مجلس العقد, وحلولهما, وعلم العاقدين بتماثلهما إن اتحد جنسهما؛ روى مسلم أنه ﷺ قال: "الطعام بالطعام مثلاً بمثل", وأنه قال: "الذهب بالذهب, والفضة بالفضة, والبر بالبر, والشعير بالشعير, والتمر بالتمر, والملح بالملح مثلا بمثل, سواء بسواء, يداً بيد, فإذا اختلفت هذه الأجناس .. فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد" أي: متقابضة. قال الرفاعي: ومن لازمه الحلول؛ أي: غالباً, وإلا .. لجاز تأخير التسليم إلى زمنه. وعلة الربا في الذهب والفضة: جوهرية الثمن, وفي المطعوم: الطعم؛ لأنه علق في الخبر الأول الحكم باسم الطعام الذي هو بمعنى المطعوم, والمعلق بالمشتق معلل بما منه الاشتقاق؛ كالقطع والجلد المعلقين باسم السارق والزاني, و (الطعام): ما قصد غالباً لطعم الآدمي اقتياتاً أو تأدما, أو تفكهاً أو تداوياً, وإنما لم يذكروا الدواء فيما يتناوله الطعام في الأيمان؛ لأنه لا يتناوله في العرف وهي مبنية عليه. وهذه الأقسام مأخوذة من الخبر السابق, فإنه نص فيه على أربعة أشياء مختلفة المقاصد. إذا المقصود من البر: ما يقتاته الآمي, فألحق به كل مقتات مختص به؛ كالأرز والذرة. والمقصود من الشعير: جريانه فيما يشارك الآمي في أكله البهائم ولو على السواء, فألحق به الفول ونحوه. والمقصود من التمر: التأدم والتفكه, فالحق به ما في معناه؛ كالزبيب والفواكه.

стр. 447

والمقصود من الملح: الإصلاح, فألحق به ما في معناه؛ كالزعفران والمصطكي والسقمونيا, والطين الأرمني والزنجبيل, ودهن البنفسج والورد, ولا فرق بين ما يصلح الغذاء وما يصلح البدن؛ فإن الأغذية لحفظ الصحة, والأدوية لرد الصحة. فلا ربا فيما اختص به الجن كالعظم, والبهائم كالحشيش والتبن, أو أغلب تناولها له, أو لم يقصد للطعم؛ كالجلود والتراب المأكول سفهاً, وكدهن الكتان ودهن السمك؛ لأنهما معدان للاستصباح ودهن السفن لا للأكل. ولا ربا في الحيوان وإن جاز بلعه كصغار السمك, بخلاف ما يؤكل نادراً كالبلوط؛ وتناول التداوي بالماء العذب فإنه ربوي مطعوم؛ قال تعالى: ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾. غير العرض, فيتناول التبر والحلي وغيرهما, وخرج به: الفلوس وإن راجت. والمراد بالتقابض: ما يشمل القبض, حتى لو كان العوض معيناً .. كفى الاستقلال بقبضه, ولابد من القبض الحقيقي, فلا تكفي الحوالة وإن حصل القبض بها في المجلس, وتكفي الوكالة إن قبض الوكيل قبل مفارقة الموكل المجلس, ولو تقابضا البعض .. صح فيه فقط على المذهب, ولو كان العاقد عبداً مأذوناً فقبض سيده, أو وكيلاً فقبض موكله .. لم يكف, ولو مات أحدهما في المجلس .. قام وارثه مقامه في القبض في الأصح, وحيث شرطنا التقابض في المجلس فأجازا العقد قبله .. بطل كما صححه الشيخان هنا. والمماثلة تعتبر في المكيل كيلاً, وفي الموزون وزناً, والمعتبر في كون الشيء مكيلاً أو موزوناً: غالب عادة الحجاز في عهد رسول الله ﷺ , فالمكيل لا يجوز بيع بعضه ببعض وزناً وعكسه, فالذهب والفضة, والجوز والسمن, وقطع الملح الكبار واللحم موزونة, والحبوب والزبيب والتين, واللوز والعسل والخل, والعصير والدهن والملح ونحوها مكيلة, وما لم يكن في ذلك العهد أو بالحجاز, أو لم يعلم حاله, أو استعملا فيه ولم يتعين أغلبهما وكان أكبر من التمر .. فالوزن, أو مثله أو دونه .. فعادة بلد البيع وقته. وعلم من قوله: (زد علم تماثل بجنس يتحد) أنه لو بيع ربوي بجنسه جزافاً تخميناً .. لم يصح ولو خرجا سواء.

стр. 448

[قاعدة: مد عجوة ودرهم] وأنه لا يصح البيع في قاعدة (مد عجوة): وهي أن يقع في جانبي العقد ربوي شرطه التماثل, ومعه جنس آخر ولو غير ربوي فيهما, أو في أحدهما أو نوع آخر, أو ما يخالفه في الصفة؛ كمد عجوة ودرهم أو ثوب بمثلهما, أو مد عجوة ودرهم بمدين أو درهمين, أو مد عجوة ومد صيحاني بمثلهما, أو بمدي عجوة أو صيحاني, أو مئتي دينار جيدة أو رديئة أو صحاح أو مكسرة تنقض قيمتها بمئة دينار جيدة ومئة رديئة, أو بمئة صحيحة ومئة مكسرة, وتعدد الصفقة هنا بتعدد البائع والمشتري كالاتحاد. ويصح بيع دار موهت بذهب فظهر فيها معدنه, وبيع دار موهت بذهب تمويهاً لا يحصل منه شيء بالعرض على النار بذهب. والألف في قوله: (طمعا) للإطلاق, والإضافة في قوله: (تقابض المجلس) بمعنى (في). (وإنما يعتبر التماثل ... حال كمال النفع, وهو حاصل) (في لبن والتمر, وهو بالرطب ... رخص في دون نصاب كالعنب) فيهما مسألتان: [اعتبار التماثل في بيع الربوي بجنسه حال كماله] الأولى: أنه إنما يعتبر التماثل في بيع الربوي بجنسه حال كمال النفع به؛ بأن يتهيأ لأكثر الانتفاعات المطلوبة منه, أو يكون على هيئة يتأتى معها ادخاره؛ فقد سئل رسول الله ﷺ عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أينقض الرطب إذا يبس؟ " فقالوا: نعم؛ فنهى عن

стр. 449

ذلك, وفي رواية: "فلا إذن", رواه الترمذي وصححه, فيه إشارة إلى أن التماثل يعتبر عند الجفاف, وقيس بالرطب غيره. قوله: (وهو) أي: حال كمال النفع (حاصل في لبن والتمر) فيباع اللبن باللبن, ولو حامضاً رائباً, وخاثراً ومخيضاً ما لم يغل بالنار, أو يختلط بالماء أو نحوه, ولا يبالي بكون ما يحويه المكيال من الخاثر أكثر وزناً, لكن لا يباع الحليب إلا بعد سكون رغوته. ويباع التمر بالتمر, ولا نداوة لا يظهر أثر زوالها في الكيل, ونزع نوى التمر أو الزبيب يبطل كماله؛ حينئذ لا بقاء له, بخلاف مفلق المشمش والخوخ ونحوهما؛ لأن الغالب في تجفيفها نزع النوى. وكمال الحبوب: بتناهي جفافها, وبقائها على هيئتها, وفيما يتخذ منه الدهن كالسمسم: التناهي والبقاء, أو الدهن, وكمال الفواكه: التناهي والبقاء, أو العصير أو الخل الصرف, وكمال اللحم: التناهي والخلو من الملح المؤثر في الوزن ونزع عظمه, ولا كمال للمطبوخ والمشوي والمقلي والمعروض على النار للعقد لا للتمييز. وما لا كمال له كالحنطة المقلية, أو المبلولة وإن جفت, والدقيق والسويق, والخبز والكشك, والنشا واللبن والمشوب بالماء, والزبد والمصل, والأقط والجبن, والبطيخ والسفرجل, والرمان وحبه الرطب, والمشمش والخوخ الرطبين, والكمثرى والرطب, والعنب والقثاء والبقل, وخل التمر والزبيب وعصيرهما, والدبس والسكر والفانيد واللبأ, واللحم الطري .. لا يجوز بيع بعضه ببعض من جنسه. [الرخصة ببيع العرايا] الثانية: أنه رخص في العرايا ولو للأغنياء؛ وهو بيع الرطب أو العنب على شجرة خرصاً بمثله على الأرض تمراً أو زبيباً كيلاً فيما دون نصاب الزكاة وهو خمسة أو سق؛ لأنه ﷺ نهى عن بيع التمر بالتمر, ورخص في العرايا أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطباً, رواه الشيخان, ورويا أيضاً: أنه رخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق, أو

стр. 450

في خمسة أوسق, شك داوود بن الحصين أحد رواته, فأخذ الشافعي رضي الله تعالى عنه في أظهر قوليه بالأقل. وقيس بالرطب العنب بجامع أن كلاً منهما زكوي يمكن خرصه ويدخر يابسه, ومثلهما البسر كما قاله الماوردي, بخلاف سائر الثمار كالجوز؛ لأنها متفرقة مستورة بالأوراق فلا يمكن خرصها, وبخلاف الزائد على ما دون النصاب في صفقة واحدة. وسكت عن اشتراط التماثل والتقابض؛ للعلم به مما مر. فإن تلف الرطب أو العنب بأكل أو غيره .. فذاك, وإن جف وظهر تفاوت بينه وبين التمر أو الزبيب: فإن كان قدر ما يقع بين الكيلين .. لم يضر, وإلا فالبيع باطل, وقبض ما على الشجر بالتخلية, وما على الأرض بالكيل. وعلم مما تقرر: أنه يمتنع بيع كل من الرطب والعنب بمثله على الشجر أو الأرض؛ لانتفاء حاجة الرخصة؛ وهي تحصيل الرطب والعنب. وأنه يمتنع بيعه على الأرض بمثله يابساً؛ إذ من جملة المعاني فيها أكله طرياً على التدريج وهو منتف هنا. وأنه يمتنع بيعه على الشجر بمثله يابساً خرصاً؛ لئلا يعظم الغرر في البيع. وأنه يمتنع بيع كل من الرطب والعنب على الأرض بمثله جافاً على الشجر أو الأرض. [حكم بيع الثمر والزرع] ثم ذكر حكم بيع الثمر والزرع بقوله: (واشرط لبيع ثمر وزرع ... من قبل طيب الأكل: شرط القطع) أي: واشرط أنت لبيع ثمر وزرع من قبل طيب أكلهما؛ أي: قبل بدو صلاح الثمر, واشتداد الحب منفرداً عن الأرض: شرط القطع وإن كان المشتري مالك الأرض؛ أخذاً من خبر مسلم عن ابن عمر: (أنه ﷺ نهى عن بيع السنبل حتى يبيض) أي: يشتد,

стр. 451

وخبر "الصحيحين": "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه" .. ظاهره المنع قبل بدو صلاحه, خرج منه بيعه بشرط القطع بالإجماع على جوازه, فيعمل به فيما عداه. ومفهوم الغاية فيه: جواز البيع بعد بدو الصلاح مطلقاً, وبشرط قطعه, وبشرط إبقائه, والمعنى الفارق بينهما: أمن العاهة بعده غالباً, وقبله تسرع إليه لضعفه فيفوت بتلفه الثمن. أما بيعه مع الأرض .. فيصح من غير شرط القطع؛ لتبعيته لما يؤمن فيه من العاهة, بل لا يجوز شرطه؛ لما فيه من الحجر على المشتري في ملكه, فلو قال (بعتك الشجر أو الأرض بعشرة, والثمر أو الزرع بدينار) .. لم يجز إلا بشرط القطع؛ لأنه فصل, فانتفت التبعية. ويشترط لبيع الثمر بعد بدو صلاحه والحب بعد اشتداده: ظهور المقصود؛ كتين وعنب, وشعير وأرز ليكون مرئياً, بخلاف الحنطة والعدس في السنبل, ولا بأس بكمام لا يزال إلا عند الأكل؛ كقشر الرمان؛ لأن بقاءه فيه من مصلحته, وما له كمامان؛ كالجوز واللوز والباقلاء .. يباع في قشره الأسفل, ولا يصح في الأعلى؛ لاستتاره بما ليس من صلاحه بخلافه في الأسفل. نعم؛ يصح بيع قصب السكر في قشرة الأعلى؛ كما في "المطلب" عن الماوردي, ووجه: بأن قشره الأسفل كباطنه؛ لأنه قد يمص معه, فصار كأنه في قشر واحد كالرمان. قال في "الروضة": ويصح بيع طلع النخل مع قشره. وبدو الصلاح في الأشياء: صيرورتها إلى الصفة التي تطلب فيها غالباً؛ ففي الثمار: ظهور أول الحلاوة بأن يتموه ويلين, وفي المتلون بانقلاب اللون, وفي نحو القثاء بأن يجني مثله للأكل, وفي الحبوب باشتدادها, وفي ورق الفرصاد بتناهيه. وقد جعله الماوردي ثمانية أقسام: أحدهما: باللون؛ كصفرة المشمش, وحمرة العناب. ثانيهما: بالطعم؛ كحلاوة السكر, وحموضة الرمان مع زوال المرارة. ثالثها: بالنضج في البطيخ والتين.

стр. 452

رابعها: بالقوة والاشتداد؛ كالقمح والشعير. خامساً: بالطول والامتلاء؛ كالعلف والبقول. سادسها: بالكبر؛ كالقثاء. سابعها: بانشقاق كمامه؛ كالقطن والجوز. ثامنها: بانفتاحه؛ كالورد وورق التوت. (بيع المبيع قبل قبض أبطلا ... كالحيوان إذ بلحم قوبلا) فيه مسألتان: [بطلان بيع المبيع قبل قبضه] الأولى: أن بيع المبيع قبل قبضه باطل, منقولاً كان أو عقاراً وإن أذن فيه البائع وقبض الثمن؛ قال رسول الله ﷺ لحكيم بن حزام: "لا تبيعن شيئاً حتى تقبضه" رواه البيهقي, وقال: إسناده حسن متصل, وقال صلى الله وسلم: "من ابتاع طعاماً .. فلا يبعه حتى يستوفيه", قال ابن عباس: (ولا أحسب كل شيء إلا مثله) رواه الشيخان, وروى أبو داوود عن زيد بن ثابت: (أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلعة حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم). قال في "المجموع": وفي "الصحيحين" أحاديث بمعنى ذلك, ولضعف الملك قبل القبض؛ بدليل انفساخ العقد بالتلف قبله. وشمل كلامه: بيعه لبائعه وهو الأصح؛ لعموم الأخبار ولضعف الملك, والخلاف في بيعه بغير جنس الثمن, أو بزيادة أو نقص, أو تفاوت صفة, وإلا .. فهو إقالة بلفظ البيع؛ قاله في "التتمة", وأقراه في "الروضة" كـ"أصلها".

стр. 453

ومثل البيع الهبة, والرهن, والإجارة, والكتابة, والقرض, وجعله صداقاً, وعوض خلع وصلح, ورأس مال سلم, ويصح إعتاقه, وإيلاده وتزويجه, ووقفه وقسمته, وكذا بيع العبد من نفسه كما بحثه بعضهم؛ بناء على أنه عقد عتاقة وهو الأصح. وتصح الوصية به وتدبيره, وإباحته للفقراء إذا كان طعاماً واشتراه جزافاً, ومثل المبيع: كل عوض مضمون عليه في اليد الغير ضمان عقد. ويصح بيع ما له تحت يد غيره أمانة؛ كوديعة, ومشترك, وقراض, ومرهون بعد انفكاكه, وموروث, وباق في يد وليه بعد رشده, وكذا عارية ومأخوذ بسوم. ويصح بيع ما عاد إليه بفسخ عقد قبل استرداده كسلم, أو بيع إن رد الثمن, ويجوز الاستبدال عما في الذمة؛ من ثمن وقرض وبدل ونحوها, فإن استبدل موافقاً في علة الربا؛ كدراهم عن دنانير .. اشترط قبض البدل في المجلس لا تعيينه في العقد, أو ما لا يوافق .. اشترط تعيينه في المجلس لا قبضه فيه. ثم الرجوع في حقيقة القبض إلى العرف, فما لم ينقل كالأرض والثمرة .. فقبضه بالتخلية مع تسليم مفتاح الدار, وتفريغها من متاع, لا زرع من أرض بلا إعجال فوق العادة, وإن جمع الأمتعة بمخزن منها .. فما سواه مقبوض, وما ينقل .. فقبضه بالنقل, وما يتناول باليد .. فقبضه بالتناول, والمبيع قبل القبض من ضمان البائع, فإن أتلفه أو تلف .. انفسخ وسقط الثمن, وإتلاف المشتري قبض, ولا تنفسخ بإتلاف الأجنبي, بل يتخير المشتري بين الفسخ والرجوع عليه بالبدل. [بطلان بيع اللحم بالحيوان] الثانية: أنه يبطل بيع اللحم بالحيوان ولو لحم سمك, سواء أكان من جنسه؛ كلحم غنم بغنم, أم من غير جنسه من مأكول وغيره؛ كلحم غنم ببقر أو بعبد؛ (لأنه ﷺ نهى أن تباع الشاة باللحم) رواه الحاكم والبيهقي وقال: إسناده صحيح, و (نهى عن بيع اللحم بالحيوان) رواه أبو داوود عن سعيد بن المسيب مرسلاً, وأسنده الترمذي عن زيد بن سلمة الساعدي.

стр. 454

ومثل اللحم في ذلك سائر أجزاء الحيوان المأكولة؛ كالطحال والكبد والجلد قبل الدبغ, أما بيع بيض الدجاج ونحوه, أو اللبن بالحيوان .. فجائز على الأصح. وظاهر كلامهم والخبر: منع بيع اللحم بالسمك والجراد, وبه صرح صاحب "الخصال": وفرضه في بيع لحم الحيتان, وبيع لحم الجراد بالجراد, فما قيل: من أنه ينبغي جواز بيع السمك الصغير بلحم السمك .. مخالف لذلك. والألف في قو الناظم: (أبطلا) و (قوبلا) للإطلاق. ثم شرع في بيان الخيار؛ وهو ضربان: خيار نقص وسيأتي, وخيار ترو: وهو بمجرد التشهي, وله سببان: المجلس, والشرط, وبدأ بالأول منها؛ لثبوته بالشرع بلا شرط فقال: [خيار المجلس] (والبيعان بالخيار قبل أن ... يفترقا عرفا وطوعا بالبدن) أي: والبيعان بالخيار في أنواع البيع؛ كالصرف, وبيع الطعام بالطعام, والسلم, والتولية, والتشريك, وصلح المعاوضة, وشرائه من يعتق عليه, والهبة ذات الثواب, وبيعه ماله لفرعه وعكسه قبل أن يفترقا من مجلس العقد عرفاً وطوعاً بالبدن, وإن طال مكثهما, أو تماشيا منازل وزادت المدة على ثلاثة أيام؛ قال صلى الله عليه: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا, أو يقول أحدهما للآخر: اختر" رواه الشيخان. و (يقول) قال في "المجموع": منصوب بـ (أو) , بتقدير: (إلا أن) أو (إلى أن) , ولو كان معطوفاً .. لكان مجزوماً, مجزوماً, ولقال: (أو يقل). ولا يثبت خيار المجلس في بيع العبد من نفسه, والقسمة التي لا رد فيها, والحوالة وإن جعلناهما بيعاً, ولا في الإبراء والنكاح والهبة بلا ثواب, وكذا الشفعة والإجازة, والمساقاة والصداق, وعوض الخلع في الأصح.

стр. 455

أما إذا افترقا من المجلس عرفاً وطوعاً ببدنها لو نسياناً أو جهلاً .. فينقطع خيارهما؛ للخبر السابق. ويحصل التفرق بأن يفارق أحدهما الآخر من مجلس العقد وإن استمر الآخر فيه؛ لأن التفرق لا يتبعض, وكان ابن عمر_ رواي الخبر- إذا ابتاع شيئاً .. فارق صاحبه, رواه البخاري, وروى مسلم: قام يمشي هنيهة ثم رجع. ويعتبر في التفرق: العرف, فإن كانا في نحو دار صغيرة .. فبأن يخرج أحدهما منها يصعد السطح, أو كبيرة .. فبأن يخرج أحدهما من بيت إلى صحن أو عكسه, وإن كانا في صحراء أو سوق أو دار متفاحشة الاتساع وولى أحدهما الآخر ظهره ومشى قليلاً .. حصل التفرق, ولا يحصل بإرخاء ستر وبناء جدار؛ لأن المجلس باق, ولو تبايعا متباعدين .. فالأصح: ثبوت الخيار, أنه متى فارق أحدهما موضعه .. بطل خيارهما. قال في "الروضة": ولو تبايعا ببيتين من دار أو صحن وصفة .. ينبغي أن يكونا كالمتباعدين, ولو تبايعا بالمكاتبة وقبل المكتوب إليه .. فله خيار المجلس ما دام في مجلس القبول, ويتمادى خيار الكاتب إلى أن ينقطع خيار المكتوب إليه. وخرج بقوله: (طوعا) ما إذا افترقا إكراهاً لهما أو لأحدهما .. فإنه يبقى خيارهما, بخلاف الناسي والجاهل كما مر؛ لتقصيرهما, فلو فارق أحدهما مكرهاً .. لم يبطل خياره وإن لم يمنع من النطق بالفسخ؛ لأن فعل المكره كلا فعل, والسكوت عن الفسخ لا يبطل الخيار كم في المجلس. ولا يبطل خيار الماكث إن منع من الخروج معه, وإلا .. بطل. ولو هرب أحدهما ولم يتبعه الآخر: فإن كان مع التمكن .. بطل خيارهما, وإلا .. فخيار الهارب فقط؛ نقله الرافعي عن "التهذيب" وأقره, وأطلق جمع بطلان خيارهما, قال في "الروضة": وهو الأصح: ؛ لتمكنه من الفسخ بالقول, ولأن الهارب فارق مختاراً, بخلاف المكره فإنه لا فعل له.

стр. 456

ولو باع مال محجوره لنفسه, أو عكسه وفارق المجلس .. انتهى خيارهما. وخرج بـ (فرقة البدن): الموت والجنون والإغماء؛ فلا ينقطع بها الخيار, بل يقوم الوارث ولو عاماً مقام الميت, والولي ولو عاماً مقام المجنون, والسيد مقام المكاتب والعبد المأذون له, والموكل مقام الوكيل؛ كخيار الشرط والعيب, ويفعل الولي ما فيه المصلحة من الفسخ والإجازة, فإن كان الوارث طفلاً, أو مجنوناً .. نصب الحاكم من يفعل له ما فيه ذلك, ثم إن كان القائم بذلك في المجلس .. فواضح, أو غائباً عنه وبلغه الخبر .. امتد خياره امتداد مجلس بلوغ الخبر. ولو ورثه اثنان فأكثر في المجلس .. فلهم الخيار حتى يفارقوا العاقد, ولا ينقطع بمفارقة بعضهم, ومتى فسخ بعضهم وأجاز بعضهم .. انفسخ في الكل؛ كما لو فسخ المورث في البعض وأجاز في البعض, وسواء أفسخ بعضهم في نصيبه فقط, أم في الكل, ذكر ذلك في "الروضة". ولو أجاز الوارث, أو فسخ قبل علمه بموت مورثه وقلنا: من باع مال مورثه ظاناً حياته يصح .. قال الإمام: فالوجه نفوذ فسخه دون إجازته؛ لأنها رضا, وإنما يتحقق الرضا مع العلم وفيه احتمال, بهذا الاحتمال أجاب في "البسيط". وكما ينقطع الخيار بالتفرق ينقطع بالتخاير؛ بأن يختارا لزوم العقد؛ كـ (أجزناه) أو (أمضيناه) أ, (أفسدنا الخيار) , فلو اختار أحدهما لزومه .. سقط حقه من الخيار وبقي الحق فيه للآخر, ولو قال أحدهما للآخر: (اختر) .. سقط خياره؛ لتضمنه الرضا باللزوم, ويدل عليه الخبر السابق, وبقي خيار الآخر, ولو اختار أحدهما لزوم العقد والآخر فسخه .. قدم الفسخ, ولو تنازعا في التفرق أو الفسخ قبله .. صدق النافي بيمينه؛ لموافقته الأصل. [خيار الشرط] (ويشترط الخيار في غير السلم ... ثلاثة, ودونها من حين تم) أي: ويجوز أن يشترط الخيار في غير السلم ثلاثة أيام, ودونها من حين تم العقد بالإيجاب والقبول؛ لخبر "الصحيحين" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: ذكر رجل لرسول الله

стр. 457

صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع فقال له: "من بايعت فقل: لا خلابة", ورواه البيهقي بإسناد حسن بلفظ: "إذا بايعت .. فقل: لا خلابة, ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال", وفي رواية للدار قطني عن عمر: (فجعل له رسول الله ﷺ عهدة ثلاثة أيام) , وسمي الرجل في هذه الرواية: حبان بن منقذ بفتح المهملة وبالموحدة, وفي التي قبلها منقذاً والده بالمعجمة, وبه جزم البخاري في "تاريخه", وصححه النووي في "مبهماته", وبالأول جزم البيهقي والنووي في "شرح مسلم", وهما صحابيان أنصاريان. وقوله: (لا خلابة) بكسر الخاء المعجمة معناها لغة: لا غبن ولا خديعة, وشرعاً: عبارة عن اشتراط الخيار ثلاثاً, فإن أطلقاها عالمين بمعناها .. ثبت الخيار, ونبه بعدم جواز شرط الخيار في السلم على غيره من الربويات؛ لأنه إذا امتنع في السلم لاعتبار القبض فيه من جانب واحد .. فامتناعه فيما اشترط فيه القبض من الجانبين بطريق الأولى. والمعنى فيه: أن ما شرط فيه القبض في المجلس لا يحتمل الأجل, فأولى ألا يحتمل الخيار؛ لأنه أعظم غرراً منه؛ لمنعه الملك أو لزومه, لما في السلم من غرر إيراده على معدوم فلا يضم إليه غرر الخيار. وشمل كلامه: شرط الخيار للبائعين ولأحدهما, ولغيرهما حتى للرقيق المبيع في الأظهر, إلا الكافر في بيع العبد المسلم, والمحرم في الصيد على ما قاله الروياني, وخالفه ولده. وإنما يشرطه الوكيل لنفسه أو لموكله, فلو شرطه للآخر .. بطل العقد, وما لا يثبت فيه خيار المجلس كالحوالة .. يمتنع شرط الخيار فيه, وكذا للمشتري وحده في مبيع يعتق عليه, وشرط الثلاث في مصراة للبائع؛ كما في "المطلب" عن الجوري, أو فيما يسرع فساده في تلك المدة على الأصح. وقد علم من كلامه: أنه يجب كون المدة المشروطة معلومة لا تزيد على ثلاثة أيام؛ أي: متوالية متصلة بالعقد, وتحسب من العقد.

стр. 458

نعم إن شرطت في أثناء المجلس .. فابتداؤها من الشرط في الأصح, وإن شرط ابتداؤها من التفرق أو التخابر .. بطل العقد؛ للجهالة, وإن انقضت المدة وهما في المجلس .. بقي خياره فقط, وإن تفرقا والمدة باقية .. فبالعكس. ويجوز إسقاط الخيارين أو أحدهما, فإن أطلقا .. سقطا, وله الفسخ في غيبة صاحبه وبلا إذن حاكم, ومتى كان الخيار لهما .. فملك المبيع موقوف, فإن تم العقد .. بان أنه لمشتري من حين العقد, وإلا .. فللبائع, وإن كان لأحدهما .. فملك المبيع له, وتصرفه فيه نافذ, وله فوائده وعليه مؤنته. وحيث حكم بملك المبيع لأحدهما .. حكم بملك الثمن للآخر, حيث توقف فيه .. توقف في الثمن. ويحصل الفسخ والإجازة في زمن الخيار بلفظ يدل عليهما, ففي الفسخ نحو: (فسخت البيع) , أو (رفعته) , أو (استرجعت المبيع) , وفي الإجازة نحو: (أجزته) , أو (أمضيته). ووطء البائع الأمة المبيعة, وإعتاقه المبيع في زمن الخيار المشروط له أو لها لهما .. فسخ, وكذا بيعه وإجارته وتزويجه في الأصح: أن العرض على البيع والتوكيل فيه ليس فسخاً من البائع, ولا إجازة من المشتري. [خيار النقص] وأما خيار النقص: فهو متعلق بفوات مقصود مظنون نشأ الظن فيه من التزام شرطي, أو تغرير فعلي, أو قضاء عرفي. الأول: ما يظن حصوله بشرط وصف مقصود تبين خلافه؛ كشرط كون الرقيق كاتباً أو خبازاً, أو مسلماً أو كافراً, أو فحلاً أو مختوناً, أو خصيباً أو بكراً, أو جعدة الشعر لا عكسها, ويكفي في الوصف ما يقع عليه الاسم, ولا يشترط فيه النهاية, وخيار خلفه على الفور, فلو تعذر الرد بهلاك أو غيره .. فله الأرش؛ كما في العيب. والثاني: ما يظن حصوله بالتغرير؛ كالتصرية: وهي حرام تثبت الخيار على الفور إذا علم بها ولو بعد ثلاثة أيام, فإن در اللبن بقدر ما أشعرت به التصرية واستمر .. فلا خيار, ولو علم بها بعد الحلب .. ردها, ولزمه صاع تمر بدل لبنها إن تلف أو لم يتراضيا على رده, ويتعين

стр. 459

التمر والصاع, ولو قل اللبن: فإن تراضيا بغيره .. جاز, فإن فقد .. فقيمته بالمدينة, ولا يختص خيارها بالنعم, بل يعم كل مأكول, والجارية والأتان ولا يرد معهما شيئاً. ولو حبس ماء القناة أو الرحى, وأرسله عند البيع أو الإجارة, أو حمر وجنة الرقيق أو ورم وجهه, أو سود شعره أو جعده .. فللمشتري الخيار, بخلاف ما لو لطخ ثوبه بالمداد, أو ألبسه زي خباز مثلاً, أو ورم ضرع البهيمة. وأما الغبن .. فلا يثبت الخيار وإن فحش؛ كمن اشترى زجاجة ظنها جوهرة؛ لتقصيره. والثالث: ما يظن حصوله بالعرف المطرد؛ وهو السلامة من العيب, وضابطه: أن الرد يثبت بكل ما ينقص العين أو القيمة نقصاً يفوت به غرض صحيح إذا غلب في جنس المبيع عدمه, وقد أشار إليه بقوله: (وإن بما أبيع عيب يظهر ... من قبل قبض: جائز للمشتري) (يرده فوراً على المعتاد ... ككون من تباع في اعتداد) أي: وإن يظهر بالذي أبيع عيب من قبل قبض من المشتري للمبيع, سواء أوجد قبل العقد, أم حدث بعده؛ أي: أو حدث بعد القبض, واستند إلى سبب متقدم جهله المشتري .. فجائز له أن يرده فوراً على المعتاد, فلا يكلف غير المبادرة المعتادة, فلو علمه وحضرت صلاة ولو نافلة, أو أكل, أو لبس, أو قضاء حاجة, أو كان في حمام, أو ليل فأخر لذلك .. جاز. ولا يتوقف الرد على حكم القاضي ولا حضور الخصم, وله الرد ولو بوكيل إلى وكيل, وله الرفع إلى القاضي وهو آكد. فإن كان البائع غائباً ولا وكيل له حاضر, ورفع المشتري إلى الحاكم, وأثبت الشراء منه وتسليم الثمن إليه, والعيب والفسخ به, وحلف .. قضى له بالثمن من ماله, ووضع المبيع عند عدل, وإن لم يكن له مال .. بيع فيه المبيع. ولو أمكنه الإشهاد على الفسخ في طريقه أو حال عذره .. لزمه, فإن عجز عن الإشهاد .. لم يلزمه التلفظ بالفسخ في الأصح, وإنما تعتبر فورية الرد في بيع الأعيان, ويعذر في تأخيره؛ لجهله إن قرب إسلامه, أو نشأ بعيداً عن العلماء, ولجهل فوريته أيضاً؛ كما قاله الرافعي,

стр. 460

وقيده النووي بمن يخفى عليه, وكذا الحكم في الشفعة. ولو اشترى عبداً فأبق قبل القبض, فأجاز المشتري البيع, ثم أراد الفسخ .. فله ذلك ما لم يعد إليه. فمن العيوب: كون من تباع في العدة, والخصاء والجب, والزنا والسرقة, والإباق, والبخر من المعدة, والصنان المستحكم المخالف للعادة, واعتياد ابن سبع بوله بالفراش, والبرص, وكونه مجنوناً مخبلاً أو أبله, أو أشل أو أقرع, أو أصم أو أعور, أو أخفش أو أجهر, أو أعشى أو أخشم, أو أبكم أو أرت لا يفهم, أو فاقد الذوق أو أنملة, أو الظفر أو الشعر, أو في رقبته دين, أو له إصبع زائدة, أو سن شاغية, أو سن مقلوعة, أو به قروح, أو ثآليل كثيرة, أو أبهق أو أبيض الشعر في غير سنه, وكونه نماماً أو كذاباً أو ساحراً, أو قاذفاً للمحصنات, أو مقامراً, أو تاركا للصلاة, أو شارباً للخمر أو مزوجاً, أو خنثى مشكلاً أو واضحاً أو مخنثاً, أو ممكناً من نفسه, أو كونها رتقاء أو قرناء أو مستحاضة, أو يتطاول طهرها فوق العادة الغالبة, أو لا تحيض وهي في سنه غالباً, أو حاملاً لا في البهائم, أو محرمة بإذن, وكذا كفر رقيق لم يجاوره كفار, أو كافر يحرم وطؤها, واصطكاك الكعبين, وانقلاب القدمين إلى الوحشي وسواد الأسنان, وتراكم الوسخ الفاحش في أصولها, والكلف المغير للبشرة, وكون الدابة جموحاً أو عضوضاً أو رموحاً, أو تشرب لبنها, أو تسقط راكبها, واختصاص الدار بنزول الجند, ومجاورة قصارين يؤذونها بالدق أو يزعزعونها.
следующие страницы →