Полный текст (924 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
ولو باع مال محجوره لنفسه, أو عكسه وفارق المجلس .. انتهى خيارهما. وخرج بـ (فرقة البدن): الموت والجنون والإغماء؛ فلا ينقطع بها الخيار, بل يقوم الوارث ولو عاماً مقام الميت, والولي ولو عاماً مقام المجنون, والسيد مقام المكاتب والعبد المأذون له, والموكل مقام الوكيل؛ كخيار الشرط والعيب, ويفعل الولي ما فيه المصلحة من الفسخ والإجازة, فإن كان الوارث طفلاً, أو مجنوناً .. نصب الحاكم من يفعل له ما فيه ذلك, ثم إن كان القائم بذلك في المجلس .. فواضح, أو غائباً عنه وبلغه الخبر .. امتد خياره امتداد مجلس بلوغ الخبر. ولو ورثه اثنان فأكثر في المجلس .. فلهم الخيار حتى يفارقوا العاقد, ولا ينقطع بمفارقة بعضهم, ومتى فسخ بعضهم وأجاز بعضهم .. انفسخ في الكل؛ كما لو فسخ المورث في البعض وأجاز في البعض, وسواء أفسخ بعضهم في نصيبه فقط, أم في الكل, ذكر ذلك في "الروضة". ولو أجاز الوارث, أو فسخ قبل علمه بموت مورثه وقلنا: من باع مال مورثه ظاناً حياته يصح .. قال الإمام: فالوجه نفوذ فسخه دون إجازته؛ لأنها رضا, وإنما يتحقق الرضا مع العلم وفيه احتمال, بهذا الاحتمال أجاب في "البسيط". وكما ينقطع الخيار بالتفرق ينقطع بالتخاير؛ بأن يختارا لزوم العقد؛ كـ (أجزناه) أو (أمضيناه) أ, (أفسدنا الخيار) , فلو اختار أحدهما لزومه .. سقط حقه من الخيار وبقي الحق فيه للآخر, ولو قال أحدهما للآخر: (اختر) .. سقط خياره؛ لتضمنه الرضا باللزوم, ويدل عليه الخبر السابق, وبقي خيار الآخر, ولو اختار أحدهما لزوم العقد والآخر فسخه .. قدم الفسخ, ولو تنازعا في التفرق أو الفسخ قبله .. صدق النافي بيمينه؛ لموافقته الأصل.
[خيار الشرط]
(ويشترط الخيار في غير السلم ... ثلاثة, ودونها من حين تم)
أي: ويجوز أن يشترط الخيار في غير السلم ثلاثة أيام, ودونها من حين تم العقد بالإيجاب والقبول؛ لخبر "الصحيحين" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: ذكر رجل لرسول الله
стр. 457
صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع فقال له: "من بايعت فقل: لا خلابة", ورواه البيهقي بإسناد حسن بلفظ: "إذا بايعت .. فقل: لا خلابة, ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال", وفي رواية للدار قطني عن عمر: (فجعل له رسول الله ﷺ عهدة ثلاثة أيام) , وسمي الرجل في هذه الرواية: حبان بن منقذ بفتح المهملة وبالموحدة, وفي التي قبلها منقذاً والده بالمعجمة, وبه جزم البخاري في "تاريخه", وصححه النووي في "مبهماته", وبالأول جزم البيهقي والنووي في "شرح مسلم", وهما صحابيان أنصاريان. وقوله: (لا خلابة) بكسر الخاء المعجمة معناها لغة: لا غبن ولا خديعة, وشرعاً: عبارة عن اشتراط الخيار ثلاثاً, فإن أطلقاها عالمين بمعناها .. ثبت الخيار, ونبه بعدم جواز شرط الخيار في السلم على غيره من الربويات؛ لأنه إذا امتنع في السلم لاعتبار القبض فيه من جانب واحد .. فامتناعه فيما اشترط فيه القبض من الجانبين بطريق الأولى. والمعنى فيه: أن ما شرط فيه القبض في المجلس لا يحتمل الأجل, فأولى ألا يحتمل الخيار؛ لأنه أعظم غرراً منه؛ لمنعه الملك أو لزومه, لما في السلم من غرر إيراده على معدوم فلا يضم إليه غرر الخيار. وشمل كلامه: شرط الخيار للبائعين ولأحدهما, ولغيرهما حتى للرقيق المبيع في الأظهر, إلا الكافر في بيع العبد المسلم, والمحرم في الصيد على ما قاله الروياني, وخالفه ولده. وإنما يشرطه الوكيل لنفسه أو لموكله, فلو شرطه للآخر .. بطل العقد, وما لا يثبت فيه خيار المجلس كالحوالة .. يمتنع شرط الخيار فيه, وكذا للمشتري وحده في مبيع يعتق عليه, وشرط الثلاث في مصراة للبائع؛ كما في "المطلب" عن الجوري, أو فيما يسرع فساده في تلك المدة على الأصح. وقد علم من كلامه: أنه يجب كون المدة المشروطة معلومة لا تزيد على ثلاثة أيام؛ أي: متوالية متصلة بالعقد, وتحسب من العقد.
стр. 458
نعم إن شرطت في أثناء المجلس .. فابتداؤها من الشرط في الأصح, وإن شرط ابتداؤها من التفرق أو التخابر .. بطل العقد؛ للجهالة, وإن انقضت المدة وهما في المجلس .. بقي خياره فقط, وإن تفرقا والمدة باقية .. فبالعكس. ويجوز إسقاط الخيارين أو أحدهما, فإن أطلقا .. سقطا, وله الفسخ في غيبة صاحبه وبلا إذن حاكم, ومتى كان الخيار لهما .. فملك المبيع موقوف, فإن تم العقد .. بان أنه لمشتري من حين العقد, وإلا .. فللبائع, وإن كان لأحدهما .. فملك المبيع له, وتصرفه فيه نافذ, وله فوائده وعليه مؤنته. وحيث حكم بملك المبيع لأحدهما .. حكم بملك الثمن للآخر, حيث توقف فيه .. توقف في الثمن. ويحصل الفسخ والإجازة في زمن الخيار بلفظ يدل عليهما, ففي الفسخ نحو: (فسخت البيع) , أو (رفعته) , أو (استرجعت المبيع) , وفي الإجازة نحو: (أجزته) , أو (أمضيته). ووطء البائع الأمة المبيعة, وإعتاقه المبيع في زمن الخيار المشروط له أو لها لهما .. فسخ, وكذا بيعه وإجارته وتزويجه في الأصح: أن العرض على البيع والتوكيل فيه ليس فسخاً من البائع, ولا إجازة من المشتري.
[خيار النقص]
وأما خيار النقص: فهو متعلق بفوات مقصود مظنون نشأ الظن فيه من التزام شرطي, أو تغرير فعلي, أو قضاء عرفي.
الأول: ما يظن حصوله بشرط وصف مقصود تبين خلافه؛ كشرط كون الرقيق كاتباً أو خبازاً, أو مسلماً أو كافراً, أو فحلاً أو مختوناً, أو خصيباً أو بكراً, أو جعدة الشعر لا عكسها, ويكفي في الوصف ما يقع عليه الاسم, ولا يشترط فيه النهاية, وخيار خلفه على الفور, فلو تعذر الرد بهلاك أو غيره .. فله الأرش؛ كما في العيب.
والثاني: ما يظن حصوله بالتغرير؛ كالتصرية: وهي حرام تثبت الخيار على الفور إذا علم بها ولو بعد ثلاثة أيام, فإن در اللبن بقدر ما أشعرت به التصرية واستمر .. فلا خيار, ولو علم بها بعد الحلب .. ردها, ولزمه صاع تمر بدل لبنها إن تلف أو لم يتراضيا على رده, ويتعين
стр. 459
التمر والصاع, ولو قل اللبن: فإن تراضيا بغيره .. جاز, فإن فقد .. فقيمته بالمدينة, ولا يختص خيارها بالنعم, بل يعم كل مأكول, والجارية والأتان ولا يرد معهما شيئاً. ولو حبس ماء القناة أو الرحى, وأرسله عند البيع أو الإجارة, أو حمر وجنة الرقيق أو ورم وجهه, أو سود شعره أو جعده .. فللمشتري الخيار, بخلاف ما لو لطخ ثوبه بالمداد, أو ألبسه زي خباز مثلاً, أو ورم ضرع البهيمة. وأما الغبن .. فلا يثبت الخيار وإن فحش؛ كمن اشترى زجاجة ظنها جوهرة؛ لتقصيره.
والثالث: ما يظن حصوله بالعرف المطرد؛ وهو السلامة من العيب, وضابطه: أن الرد يثبت بكل ما ينقص العين أو القيمة نقصاً يفوت به غرض صحيح إذا غلب في جنس المبيع عدمه, وقد أشار إليه بقوله:
(وإن بما أبيع عيب يظهر ... من قبل قبض: جائز للمشتري)
(يرده فوراً على المعتاد ... ككون من تباع في اعتداد)
أي: وإن يظهر بالذي أبيع عيب من قبل قبض من المشتري للمبيع, سواء أوجد قبل العقد, أم حدث بعده؛ أي: أو حدث بعد القبض, واستند إلى سبب متقدم جهله المشتري .. فجائز له أن يرده فوراً على المعتاد, فلا يكلف غير المبادرة المعتادة, فلو علمه وحضرت صلاة ولو نافلة, أو أكل, أو لبس, أو قضاء حاجة, أو كان في حمام, أو ليل فأخر لذلك .. جاز. ولا يتوقف الرد على حكم القاضي ولا حضور الخصم, وله الرد ولو بوكيل إلى وكيل, وله الرفع إلى القاضي وهو آكد. فإن كان البائع غائباً ولا وكيل له حاضر, ورفع المشتري إلى الحاكم, وأثبت الشراء منه وتسليم الثمن إليه, والعيب والفسخ به, وحلف .. قضى له بالثمن من ماله, ووضع المبيع عند عدل, وإن لم يكن له مال .. بيع فيه المبيع. ولو أمكنه الإشهاد على الفسخ في طريقه أو حال عذره .. لزمه, فإن عجز عن الإشهاد .. لم يلزمه التلفظ بالفسخ في الأصح, وإنما تعتبر فورية الرد في بيع الأعيان, ويعذر في تأخيره؛ لجهله إن قرب إسلامه, أو نشأ بعيداً عن العلماء, ولجهل فوريته أيضاً؛ كما قاله الرافعي,
стр. 460
وقيده النووي بمن يخفى عليه, وكذا الحكم في الشفعة. ولو اشترى عبداً فأبق قبل القبض, فأجاز المشتري البيع, ثم أراد الفسخ .. فله ذلك ما لم يعد إليه.
فمن العيوب: كون من تباع في العدة, والخصاء والجب, والزنا والسرقة, والإباق, والبخر من المعدة, والصنان المستحكم المخالف للعادة, واعتياد ابن سبع بوله بالفراش, والبرص, وكونه مجنوناً مخبلاً أو أبله, أو أشل أو أقرع, أو أصم أو أعور, أو أخفش أو أجهر, أو أعشى أو أخشم, أو أبكم أو أرت لا يفهم, أو فاقد الذوق أو أنملة, أو الظفر أو الشعر, أو في رقبته دين, أو له إصبع زائدة, أو سن شاغية, أو سن مقلوعة, أو به قروح, أو ثآليل كثيرة, أو أبهق أو أبيض الشعر في غير سنه, وكونه نماماً أو كذاباً أو ساحراً, أو قاذفاً للمحصنات, أو مقامراً, أو تاركا للصلاة, أو شارباً للخمر أو مزوجاً, أو خنثى مشكلاً أو واضحاً أو مخنثاً, أو ممكناً من نفسه, أو كونها رتقاء أو قرناء أو مستحاضة, أو يتطاول طهرها فوق العادة الغالبة, أو لا تحيض وهي في سنه غالباً, أو حاملاً لا في البهائم, أو محرمة بإذن, وكذا كفر رقيق لم يجاوره كفار, أو كافر يحرم وطؤها, واصطكاك الكعبين, وانقلاب القدمين إلى الوحشي وسواد الأسنان, وتراكم الوسخ الفاحش في أصولها, والكلف المغير للبشرة, وكون الدابة جموحاً أو عضوضاً أو رموحاً, أو تشرب لبنها, أو تسقط راكبها, واختصاص الدار بنزول الجند, ومجاورة قصارين يؤذونها بالدق أو يزعزعونها.
стр. 461
كتاب السلم
سمي به؛ لتسليم رأس المال في المجلس, وبالسلف؛ تقديمه, يقال: اسلم وسلم, وأسلف وسلف. والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل﴾ الآية, فسرها ابن عباس بالسلم, وخبر "الصحيحين": "من أسلف في شيء .. فليسلف في كيل معلوم, ووزن معلوم, إلى أجل معلوم", وهو: بيع موصوف في الذمة بلفظ السلم أو نحوه, فيعتبر له ما يعتبر للبيع, إلا الرؤية. ويختص بأمور أخذ في بيانها فقال:
(ألشرط: كونه منجزاً, وأن ... يقبض في المجلس سائر الثمن)
(وإن يكن في ذمة: يبين ... قدراً ووصفاً دون ما يعين)
(وكون ما أسلم فيه دينا .. حلولا أو مؤجلا لكنا)
(بأجل يعلم, والوجدان عم ... وعندما يحل يؤمن العدم)
(دون ثمار من صغيرة القرى ... معلوم مقدار بمعيار جرى)
(والجنس والنوع كذا الصفات ... لجلها تختلف القيمات)
(وكونها مضبوطة الأوصاف لا ... مختلطا أو فيه نار دخلا)
(عين لذي التأجيل موضع الأدا ... وإن لم يوافقه مكان عقدا)
[شروط صحة السلم]
يشترط لصحة السلم زيادة على شروط البيع أمور:
أحدهما: كونه؛ أي: الثمن الذي هو رأس المال منجزاً؛ أي: حالاً لا مؤجلاً؛ فلو أجل ولو بلحظة .. لم يصح, وإنما لم أحمل كلامه على ظاهره؛ من أن شرط السلم كونه منجزاً
стр. 462
لا معلقاً, حتى لو قال: (إذا جاء رأس الشهر أسلمت إليك في كذا) .. لم يصح؛ لأن هذا الشرط ليس من خواص السلم, بل البيع ونحوه من العقود كذلك.
ثانيها: أن يقبض جميع الثمن في مجلس العقد, بأن يقبضه المسلم إليه, أو وكيله ولو استوفي المسلم فيه؛ إذ لو تأخر .. لكان ذلك في معنى بيع الكالئ بالكالئ؛ لنزول التأخير منزلة الدينية في الصرف وغيره؛ ولأن السلم عقد غرر فلا يضم إليه غرر آخر, ولأنه جوز للحاجة فاشترط ذلك تعجيلاً لقضائها, فلو تفرقا قبل القبض .. بطل, وكذا لو تخايرا قبله؛ كنظيره في الربا, ولو قبض بعضه في المجلس .. صح من المسلم فيه بقسط ما قبض, وبطل في غيره. ويجوز كون رأس المال منفعة؛ كأن يقول: (أسلمت إليك منفعة هذه الدار شهراً في كذا) , وتقبض بقبض العين في المجلس؛ لأنه الممكن في قبضها فيه, فلا يعكر على هذا ما سيأتي من أن المعتبر في السلم القبض الحقيقي. وبما تقرر علم: أنه لو جعل رأس المال عقاراً غائباً, ومضى في المجلس زمن يمكن فيه المضي إليه .. صح؛ لأن القبض فيه بذلك. وأنه لو جعل المال الذي في ذمة المسلم إليه رأس مال .. لم يصح؛ لتعذر قبضه من نفسه. وأنه لا يشترط تعيينه في العقد؛ كما يعلم مما سيأتي أيضاً, وأن المسلم إليه لو قبض رأس المال في المجلس, وأودعه فيه المسلم .. جاز ذلك وصح العقد, ولو رده إليه عن دين .. قال أبو العباس الروياني: لا يصح؛ أي: العقد؛ لأنه تصرف فيه قبل انبرام ملكه عليه, وأقره الشيخان, والراجح: صحته. وأنه لو أعتق العبد الذي هو رأس المال في المجلس قبل قبضه, وقبضه في المجلس .. صح السلم؛ لما قلناه, ونفذ العتق أيضاً على أحد وجهين في "الروضة" و"أصلها", وصححه في "مختصرها" أبو عبد الله الحجازي, وبه جزم صاحب "العجاب". وأنه لو كان رأس المال في الذمة فأبرأ منه مالكه, أو صالح عنه على مال .. لم يصح وإن قبض ما صالح عليه.
стр. 463
ولو أحال المسلم المسلم إليه برأس المال, وقبضه في المجلس .. لم يصح وإن أذن فيه المحيل؛ لأن بالحوالة يتحول الحق إلى ذمة المحال عليه, فهو يؤديه عن جهة نفسه لا عن جهة المسلم. نعم؛ إن قبضه المسلم من المحال عليه, أو من المسلم إليه بعد قبضه بإذنه, وسلمه إليه في المجلس .. كفى؛ كما صرح به الشيخان. ولو أحال المسلم إليه برأس المال على المسلم: فإن تفرقا قبل التسليم .. بطل العقد وإن جعلنا الحوالة قبضا؛ لأن المعتبر في السلم القبض الحقيقي, وإن قبضه المحتال في المجلس بإذن المسلم إليه .. صح, ويكون وكيلا عنه في القبض, والفرق أن المقبض في تلك أقبض عن غير جهة السلم كما مر, بخلافه في هذه, والحوالة في المسألتين بكل تقدير فاسدة؛ لتوقف صحتها على صحة الاعتياض عن المحال به وعليه, وهي منتفية في رأس المال. وإذا فسخ السلم بسبب يقتضيه؛ كانقطاع المسلم فيه عند حلوله ورأس المال باق .. استرده بعينه, سواء أعين في العقد أم في المجلس, وليس له إبداله مع بقائه؛ لأن المعين في مكان العقد؛ كالمعين في العقد, ولو كن تالفاً .. رجع إلى بدله وهو المثل في المثلي, والقيمة في المتقوم. قوله: (وإن يكن) أي: رأس المال في ذمة يعين وجوباً قدراً له, ووصفاً له بصفات السلم؛ ليعلم, ثم يعين ويسلم في المجلس دون ما إذا كان معينناً؛ فإنه لا تشترط معرفة قدره, بل يكفي كونه جزافاً اكتفاء بالعيان؛ كما في البيع.
ثالثها: كون المسلم فيه ديناً؛ لأنه الذي وضع له لفظ السلم, فلو قال: (أسلمت إليك هذا الثوب في هذا العبد) , فقبل .. فليس بسلم؛ لانتفاء شرطه, ولا ينعقد بيعاً؛ لاختلال لفظه؛ لأن لفظ السلم يقتضي الدينية. ولو قال: (اشتريت منك ثوباً صفته كذا بهذه الدراهم) وفقال: بعتك .. انعقد بيعاً اعتباراً باللفظ؛ كما صححه الشيخان هنا, وقيل: سلماً اعتباراً بالمعنى؛ كما اقتضى كلامهما في (باب الإجارة) ترجيحه, ونص عليه الشافعي, ونقله الشيخ أبو حامد عنه,
стр. 464
وعن العراقيين, وصححه الجرجاني والروياني وابن الصباغ, وقال الإسنوي بعد نقله ذلك فلتكن الفتوى عليه, واختاره السبكي وغيره, وهذا كله إذا لم يذكر بعده لفظ السلم, فإن قال: (بعتك سلماً) , أو (اشتريته سلماً) .. فسلم؛ كما جزم به الشيخان في تفريق الصفقة. قوله: (حلولاً أو مؤجلاً) أي: كون المسلم فيه ديناً حالاً؛ بأن شرط حلوله في العقد, أو أطلق مؤجلاً بأجل معلوم؛ لقوله تعالى: ﴿إلى أجل مسمى﴾ , وقوله ﷺ : "من أسلف في شيء .. فليسلف في كيل معلوم, ووزن معلوم, إلى أجل معلوم", وإذا جاز السلم مؤجلاً .. فالحال أولى؛ عن الغرر. وفائدة العدول عن البيع إلى السلم الحال: رخص السعر, وجواز العقد مع غيبة المبيع, والأمن من الانفساخ, إذ هو متعلق بالذمة. وخرج بقوله: (بأجل يعلم) تأجيله بالميسرة والحصاد وقدوم ونحوها, فلا يصح؛ للآية والخبر السابقين, وما روي من أنه ﷺ : (اشترى من يهودي شيئاً إلى ميسرته) .. فمحمول-إن صح - على زمن معلوم عندهم, فإن عين شهور العرب أو الفرس أو الروم .. جاز؛ لأنها معلومة مضبوطة, وإن أطلق الشهر .. حمل على الهلالي؛ لأنه عرف الشرع, وذلك بأن يقع العقد أوله, فإن انكسر شهر؛ بأن وقع العقد في أثنائه, وأجل بأشهر .. حسب الباقي بعد الأول المنكسر بالأهلة, وتمم الأول ثلاثين مما بعدها, ولا يلغي المنكسر؛ لئلا يتأخر ابتداء الأجل عن العقد. نعم؛ لو عقد في اليوم الأخير من الشهر .. اكتفي بالأشهر الهلالية بعده, ولا يتمم اليوم مما بعدها, فإنها عربية كوامل, فإن تم الأخير منها .. لم يشترط انسلاخه, بل يتمم منه المنكسر ثلاثين, ذكره المتولي, ولو أجل على شهر ربيع, أو إلى أوله .. صح, بخلاف قوله: (يحل فيه) فإنه لا يصح؛ لأنه جعله ظرفاً, فكأنه قال: محله جزء من أجزائه, وذلك مجهول, والأصح: صحة تأجيله بالعيد وجمادى وربيع والنفر, ويحمل على ما ولي العقد من العيدين وجماديين والربيعيين والنفرين؛ لتحقق الاسم به.
رابعها: كون المسلم فيه مما يعم وجوده, ويؤمن عدمه عند حلوله؛ ليقدر على تسليمه عند وجوب التسليم, وهو في السلم الحال بالعقد, وفي المؤجل بحلول الأجل؛ فلو أسلم فيما يندر وجوده؛ كلحم الصيد بموضع العزة, أو فيما لو استقصى وصفه عز وجوده كاللؤلؤ الكبار
стр. 465
واليواقيت, وجارية وأختها أو ولدها, أو في منقطع عند الحلول؛ كالرطب في الشتاء, أو مظنون الحصول عنده, لكن بمشقة عظيمة .. لم يصح, فإن كان يوجد ببلد آخر .. صح إن أعتيد نقله للبيع للقدرة عليه, وإلا .. فلا. ولو أسلم فيما يعم, ثم انقطع وقت حلوله .. تخير المسلم بين فسخه والصبر حتى يوجد. ولو علم قبل المحل انقطاعه عنده .. فلا خيار قبله في الأصح؛ لأنه لم يجئ وقت وجوب التسليم, ثم الانقطاع الحقيقي للمسلم فيه الناشئ بيلك البلدة: أن تصيبه جائحة تستأصله. ولو وجد في غير ذلك البلد, لكن يفسد بنقله, أو لم يوجد إلا عند قوم امتنعوا من بيعه .. فهو انقطاع, بخلاف ما إذا كانوا يبيعونه بثمن غال .. فيجب تحصيله, ويجب نقل الممكن نقله مما دون مسافة القصر على الأصح. قوله: (دون ثمار من صغيرة القرى) أي: لا يصح, حتى لو أسلم في قدر معلوم من ثمر, أو زرع قرية صغيرة, أو ثمر بستان معين .. لم يصح؛ لأنه لا يؤمن عدمه عند حلوله؛ إذ قد ينقطع فلا يحصل منه شيء, بخلافه في عظيمة؛ لأنه يؤمن عدمه غالباً فيصح في قدر معلوم منه, والمراد بـ (العظيمة): ما يؤمن فيها الانقطاع غالباً, وبالصغيرة غيرها.
خامسها: كون المسلم فيه معلوم المقدار بمعيار جرى في الشرع بالوزن أو بالكيل أو بالعد أو بالذرع كما سيأتي؛ للخبر السابق مع قياس ما ليس فيه على ما فيه, فيشترط العلم بقدره بالوزن فيما كبر جرمه, بحيث يتجافى في المكيال كالبيض والسفرجل, والبطيخ والرمان, والباذنجان والبقل والقصب, فلا يجوز السلم فيه بالكيل؛ للتجافي فيه, ولا بالعد؛ لكثرة التفاوت في أفراده, ولا تقبل أعالي القصب التي لا حلاوة فيها, ويقطع مجامع عروقه من أسفله, ويطرح ما عليه من القشور, وفيما لا يكال عادة وإن صغر جرمه؛ كفتات المسك والعنبر؛ إذ لليسير منه مالية كثيرة, والكيل لا يعد ضبطاً فيه, وهذا ما حكاه الرافعي عن الإمام وأقره, ثم ذكر أنه: لا يجوز السلم في اللآلئ الصغار إذا عم وجودها كيلاً ووزناً, قال في "الروضة": وهو مخالف لما قدمه عن الإمام فيما لا يعد الكيل فيه ضبطاً, فكأنه اختار هنا إطلاق الأصحاب. انتهى. وأجاب البلقيني بأنه ليس مخالفاً له؛ لأن فتات المسك والعنبر إنما لم يعد الكيل فيهما
стр. 466
ضبطاً؛ لكثرة التفاوت بالثقل على المحل أو تركه, وفي اللؤلؤ لا يحصل بذلك تفاوت؛ كالقمح والفول فيصح فيه كيلاً, فلا مخالفة. وأما اللبن .. فالجمع فيه بين الوزن والعد مستحب, والشرط فيه: أن يذكر طوله وعرضه وثخانته, وأنه من طين معروف. وبالوزن وإن كان مكيلاً, أو بالكيل وإن كان موزناً فيما يصغر جرمه مما لا يتجافى في المكيال وعد فيه ضبطاً؛ كالجوز واللوز والمائعات, بخلاف ما تقدم في الربويات: لا يجوز الموزون إلا بالوزن, والمكيل إلا بالكيل؛ لأن المقصود هنا معرفة القدر, وثم المماثلة بعادة عهده ﷺ كما مر. ويمتنع التقدير بالوزن والكيل معاً في كبير الجرم وصغيره؛ نحو الحنطة؛ لأن ذلك يعز وجوده, وفي معناها الثياب ونحوها, فلا تقدر بالوزن مع وصفها, بخلاف الخشب؛ فإن زائده ينحت, وبالعد والذرع في الثياب ونحوها البسط؛ لأنها منسوجة بالاختيار, وما لا يوزن ولا يكال ولا يصنع بالاختيار .. يكفي فيه العد كالحيوان. ولو عين كيلاً أو ميزاناً أو ذراعاً .. فسد السلم إن لم يكن معتاداً؛ لأنه قد يتلف قبل المحل, ففيه غرر, بخلاف مثله في البيع فإنه يصح في الأصح؛ لعدم الغرر. والسلم الحال كالمؤجل أو البيع؟ وجهان, وقطع الشيخ أبو حامد بأنه كالمؤجل, وإن كان معتاداً بأن عرف قدره .. فلا يفسد في السلم في الأصح وإن فسد التعيين؛ كسائر الشروط التي لا غرض فيها, ويقوم مثل المعين مقامه, فلو شرطا ألا يبدل .. فسد العقد؛ كما أفهمه كلام الرافعي في (المسابقة).
سادسها: كون المسلم فيه معلوم الجنس؛ كالحنطة والشعير, والنوع؛ كالتركي والنوبي, والصفات التي تختلف بها القيمة اختلافاً ظاهراً, بخلاف ما يتسامح الناس بإهمال ذكره غالباً؛ كالكحل والسمن, والدعج والتكلثم ونحوها فلا يشترط ذكره في الأصح, ومنهم من يعبر عن هذا الشرط بالصفات التي يختلف بها الغرض اختلافاً ظاهراً, ومنهم من يجمع بينهما.
стр. 467
قال الرافعي: والضوابط الثلاثة ليست على إطلاقها؛ لأن كون العبد ضعيفاً في العمل وقوياً, وكاتباً وأمياً, وما أشبه ذلك صفات يختلف بها الغرض والقيمة, ولا يجب التعرض لها, قال الإسنوي الضابط أن يزاد فيه فيقال: من الصفات التي لا يدل الأصل على عدمها؛ فإن الضعف والكتابة وزيادة القوة الأصل عدمها. ويشترط معرفة العاقدين صفات المسلم فيه المذكورة في العقد, فإن جهلاها أو أحدهما .. لم يصح العقد, وكذا معرفة غيرهما الأصح؛ ليرجع إليه عند تنازعهما وهو عدلان على الأصح, فيضبط الرقيق بالنوع؛ كتركي وزنجي, فإن اختلف صنف النوع .. وجب ذكره, واللون من بياض وسواد, ويصف البياض بالسمرة, أو الشقرة, والسواد بالصفاء أو الكدرة إن اختلف لون الصنف, بالأنوثة أو الذكورة, والثيوبة أو البكارة, وبالسن كمحتلم أو ابن ست أو سبع, والأمر فيه على التقريب, وتحديده مبطل, حتى لو شرط ابن سبع سنين من غير زيادة ولا نقصان .. بطل. ويرجع لقول العبد في الاحتلام, وكذا في السن إن كان بالغاً, ولسيده إن ولد في الإسلام, وإلا .. فالنخاسين, فتعتبر ظنونهم. ويجوز شرط التهود أو التنصر, وبالقد كطويل أو قصير أو ربعة. والإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير: الذكورة أو الأنوثة والسن, واللون والنوع. ويضبط اللحم بالجنس؛ كلحم بقر أو غنم, وبالنوع؛ كعراب أو جواميس, ضأن أو معز, وبالذكورة أو الأنوثة, وبالفحولة أو الخصاء, وبالسن كصغير أو كبير, أو رضيع أو فطيم, جذع أو ثني, وبالرعي أو العلف, من كتف أو جنب, وبالسمن أو الهزال, ويجوز في المملح والقديد, ويقبل بالمعتاد من العظم, إلا إن شرط نزعه, ويجوز في الشحم والألية, والكبد والطحال, والكلية والرئة, لا الرؤوس والأكارع. ولحم الصيد كما قدمنا في اللحم, سوى المعلوف والخصي, ويبين أنه صيد بأحبولة أو سهم أو جارحة, وأنها كلب أو فهد. ولحم الطير والسمك: الجنس والنوع, والصغر أو الكبر, من حيث الجثة لا الذكورة
стр. 468
والأنوثة, إلا إذا أمكن التمييز, وتعلق به غرض, وموضع اللحم إذا كان الطير والسمك كبيرين, ولا يلزمه قبول الرأس والرجل من الطير, والذنب من السمك. والتمر: لونه وبلده, وعتقه أو حداثته, وصغر الحبات أو أكبرها أو توسطها. والحنطة وسائر الحبوب كالتمر, والرطب كذلك, إلا الحداثة والعتق, والدقيق كالحنطة, وزيادة قرب زمن الطحن أو بعده, وما يطحن به, وخشن أو ناعم. والعسل: بلده, والناحية من البلد والمرعى, وجبلي أو بلدي, صيفي أو خريفي, أبيض أو أصفر. والسكر: الناحية ونوع القصب, واللون والقوة أو اللين, والحداثة أو العتق, والقند, ويجوز في قصب السكر وزناً إذا شرط قطع أعلاه الذي لا حلاوة فيه, وقطع مجامع العروق من أسفله. واللبن كاللحم سوى الثالث والسادس, ويبين نوع العلف لا الحلاوة؛ فالمطلق ينصرف إلى الحلو, بل لو أسلم في اللبن الحامض .. لم يجز, إلا أن يكون مخيضاً لا ماء فيه .. فلا يضر وصف الحموضة حينئذ. والسمن كاللبن, وكونه رطباً أو يابساً. والصوف والشعر والوبر: البلد, واللون, والوزن, والطول أو القصر, وخريفي أو ربيعي من ذكر أو أنثى, ولا يقبل إلا خالصاً من الشوك والبعر, وإن كان الغسل لا يعيبه .. جاز شرطه. والقطن: البلد واللون, وكثرة لحمه أو قلته, والخشونة أو النعومة, وعتيق أو جديد إن اختلف به الغرض, والمطلق يحمل على الجاف وعلى ما فيه الحب, ويجوز في كل منهما وحده لا في القطن في الجوز؛ لاستتاره, ولا في الأرز والعلس؛ لاستتارهما بالكمام. الإبرسيم: لونه وبلده, ورقته أو غلظه, لا النعومة والخشونة. ويجوز السلم في القز الخالي من الدود, والغزل كالقطن, ويذكر الرقة أو الغلظ, ويجوز
стр. 469
شرط كونه مصبوغاً مع بيان الصبغ, فيذكر اللون وما يصبغ به, والبلد الذي يصبغ فيه, وأنه صبغ الصيف أو الشتاء. والثبات: الجنس والنوع, والبلد والطول والعرض, والخشونة أو النعومة, والغلظ أو الدقة, والصفاقة أو الرقة, فالغلظ والدقة راجعان إلى كيفية الغزل, والصفاقة والرقة راجعان إلى كيفية النسج؛ فالصفاقة: انضمام الخيوط, والرقة: تباعدها, ويجوز في المقصور, والمطلق محمول على الخام.
ويجوز في القمص والسراويلات إذا ضبط طولها وعرضها وضيقها أو سعتها, ويجوز فيما صبغ غزله قبل النسج, لا في المصبوغ بعده. وأما الأخشاب: فلما يطلب للحطب: نوعه وغلظه أو رقته, وأنه من نفس الشجرة, أو من أغصانها, ووزنه, ولا يجب التعرض للرطوبة والجفاف؛ محمول على الجاف, ويجب قبول المعوج والمستقيم. ولما يطلب للبناء والغراس, أو للقسي والسهام: النوع والعدد والطول والغلظ أو الرقة ولا يشترط الوزن. والحديد: النوع واللون, والوزن والخشونة, وأنه ذكر أو أنثى, ويجوز في الدراهم والدنانير إن كان رأس المال غيرهما ويذكر السكة, ومن ضرب فلان. وفي أنواع العطر؛ كالمسك والعنبر والكافور: يذكر النوع والوزن. وفي الزجاج والطين والجص والنورة وحجارة الأرحية والأبنية: النوع والطول, والعرض والسمك, لا الوزن. وفي الكاغد: النوع والطول والعرض, والبلد والزمان والعدد, والوزن فيه أحوط, ولا يجوز في الرق والجلود.
سابعها: كونها؛ أي: الصفات التي تختلف بها القيمة مضبوطة, فيصح في المختلط المقصود الأركان المنضبطة؛ كعتابي وخز من الثياب, الأول مركب من القطن والحرير, والثاني من الإبرسيم والوبر أو الصوف, وهما مقصود أركانهما.
стр. 470
وفي المختلط الذي لا يقصد إلا أحد خليطيه والآخر من مصلحته؛ كجبن وأقط كل منهما فيه مع اللبن المقصود الملح والإنفحة من مصالحه, وخل تمر أو زبيب, وهو يحصل من اختلاطهما بالماء, وفي المختلط خلقه كالشهد. ولا يصح في المختلط الأركان التي لا تنضبط؛ كهريسة ومعجون وغالية؛ وهي مركبة من مسك وعنبر وعود وكافور؛ كذا في "الروضة" كـ"أصلها" وفي "التحرير" ذكر الدهن مع الأولين فقط, وخف ونعل وترياق مخلوط. ولا يصح السلم فيما دخلت فيه نار وأثرت فيه؛ كالمطبوخ والمشوي؛ لاختلاف الغرض باختلاف تأثير النار فيه وتعذر الضبط, ولا يضر تأثير الشمس, فيجوز السلم في العسل المصفى بها. ويصح السلم في الجص والنورة والزجاج, وكذا الآجر في الأصح, وفي ماء الورد تردد نقله الشيخان, وفي "المهمات": أن الراجح: الجواز, وفي جوازه في المصفى بالنار وفي السكر والفانيد والدبس واللبأ- بالهمز من غير مد- وجهان, سكت عن الصحيح منهما في "الروضة", وصحح في "تصحيح التنبيه" الجواز في كل ما دخلته نار لطيفة, ومثل بما ذكر غير العسل وهو أولى, ومثله السمن.
ثامنها: تعيين مكان أداء المسلم فيه المؤجل إن لم يصلح موضع العقد له؛ كالمفازة؛ أي: أو يصلح, ولكن لحمله مؤنة؛ لتفاوت الأغراض فيما يراد من الأمكنة, فإن صلح وليس لحمله مؤنة .. فلا يشترط التعيين, ويتعين مكان العقد للتسليم, وإن عينا غيره .. جاز وتعين, أما الحال .. فيتعين فيه موضع العقد الداء, قال ابن الرفعة: والظاهر: تقييده بالصالح للتسليم, وإلا .. شرط البيان. انتهى. ولو عينا غيره .. جاز وتعين, والمراد بموضع العقد: تلك المحلة, لا ذلك الموضع بعينه. ولا يجوز أن يستبدل عن المسلم فيه غير جنسه ونوعه, ويجب قبول الأجود, ويجوز قبول
стр. 471
الأردأ, ولا يجبر المسلم على قبول المسلم فيه قبل حلوله إن كان امتناعه لغرض صحيح؛ كأن كان حيواناً أو ثمرة, أو لحماً يريد أكله عند المحل طرياً, أو كان الوقت وقت إغارة, وإلا .. أجبر على القبول أو الإبراء, فإن أصر على الامتناع .. أخذه الحاكم, ولا يلزم المسلم إليه الأداء في غير محل التسليم إن كان لنقله مؤنة, لكن للمسلم الفسخ والرجوع لرأس المال, ولا يلزم المسلم الأخذ في غير المحل إن كان لنقله مؤنة, أو كان الموضوع مخوفاً. في غير المحل إن كان لنقله مؤنة, أو كان الموضع مخوفاً. والرطب والتمر, وما سقي بماء السماء وماء الأرض, والعبد التركي والهندي .. تفاوت نوع, لا تفاوت صفة. وقول الناظم: (حلولاً أو مؤجلاً) بدرج الهمزة, للوزن, والألف في قوله: (لكنا) و (دخلا) و (عقدا) للإطلاق.
стр. 472
باب الرهن
وهو لغة: الثبوت, ومنه الحالة الراهنة؛ أي: الثابتة, وقال الإمام: الاحتباس, ومنه, ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾. وشرعا: جعل عين مال وثيقة بدين يستوفى منها عند تعذر استيفائه, والأصل فيه قبل الإجماع: قوله: تعالى: ﴿فرهن مقبوضة﴾ , وخبر "الصحيحين": (أنه ﷺ رهن درعه عند يهودي بالمدينة- يقال له: أبو الشحم- على ثلاثين صاعاً من شعير لأهله).
(يجوز فيما بيعه جاز, كما ... صح بدين ثابت قد لزما)
(للراهن الرجوع ما لم يقبض ... مكلف بإذنه حين رضي)
(وإنما يضمنه المرتهن ... إذا تعدى في الذي يؤتمن)
(ينفك بالإبرا وفشخ الرهن ... كذا إذا زال جميع الدين)
[أركان الرهن]
أركان الرهن أربعة, ذكر الناظم منها في البيت الأول اثنين:
[الركن الأول: المرهون]
الركن الأول: المرهون؛ يجوز رهن ما جاز بيعه من الأعيان عند حلول الدين؛ ليستوفي من ثمنها, فاستيفاؤه مقصود الرهن؛ أي: أو من مقاصده, ويصح رهن المشاع من الشريك وغيره كالبيع, ولا يحتاج على إذن الشريك في الأصح كالبيع, ويقبض بتسليم كله, قال في "الروضة": فإن كان مما لا ينقل .. خلى الراهن بين المرتهن وبينه, وإن كان مما ينقل .. لم يحصل قبضه إلا بالنقل, ولا يجوز نقله بغير إذن الشريك, فإن أذن .. قبض, وإن امتنع: فإن رضي المرتهن بكونه في يد الشريك .. جاز وناب في القبض, وإن تنازعاً .. نصب الحاكم
стр. 473
عدلاً يكون في يده لهما, فلو رهن نصيبه من بيت من دار .. صح ولو بغير إذن شريكه. ولو قسمت الدار, فوقع البيت في نصيب شريكه .. فليس كتلف المرهون بآفة سماوية, بل يغرم الراهن قيمة ما رهنه, وتكون رهناً مكانه؛ لأنه قد حصل له بدله. وخرج بـ (العين): الدين, فلا يصح رهنه ولو ممن عليه, خلافاً لصاحب "الاستقصاء"؛ لأنه غير مقدور على تسليمه, والمنفعة كسكنى دار سنة فلا يصح رهنها؛ لأنها تتلف كلها أو بعضها, فلا يحصل بها توثق, والكلام في إنشاء الرهن, فلا ينافي كون المرهون ديناً بلا إنشاء, كما لو جني عليه, فإن بدله في ذمة الجاني .. محكوم عليه بأنه رهن في الأصح؛ لامتناع الإبراء منه. وخرج بـ (ما جاز بيعه عند الحلول): ما لا يجوز بيعه؛ كالمكاتب وأم الولد والموقوف, والمتنجس الذي لا يطهر بغسله, والجاني المتعلق برقبته مال, فلا يصح رهن شيء منها؛ لعدم جواز بيعه. ولا يصح رهن المدبر ولو بدين حال للغرر؛ إذ قد يموت السيد المعلق بموته عتق المدبر فجأة قبل التمكن من بيعه, وكذا معلق العتق بصفة تحتمل مقارنتها حلول الدين؛ لما فيه من الغرر. ويصح رهن الجاني المتعلق برقبته قصاص, والمرتد, والأم دون ولدها الصغير وعكسه, وعند الحاجة يباعان ويوزع الثمن عليهما, والأصح: أنه يقوم المرهون وحده, ثم مع الآخر فالزائد قيمته. ولو رهن ما يسرع فساده: فإن أمكن تجفيفه كرطب .. فع وصح الرهن, وفاعله مالكه يجب عليه مؤنته, قاله ابن الرفعة, وإلا: فإن رهنه بدين حال أو مؤجل يحل قبل فساده, أو شرط بيعه وجعل الثمن رهناً .. صح ويباع عند خوف فساده, ويكون ثمنه رهناً, وإن أطلق .. فسد في الأظهر كما رجحه في "المنهاج" كـ"المحرر" لأنه لا يمكن استيفاء الحق من المرهون عند المحل, والبيع قبله ليس من مقتضيات الرهن, قيل: يصح ويباع عند تعرضه للفساد؛ لأن الظاهر أنه لا يقصد إفساد ماله, وفي "الشرح الكبير": أن الأول أصح عند العراقيين, وميل
стр. 474
من سواهم إلى الثاني, وفي "الشرح الصغير": أنه الأظهر عند الأكثرين, وفي "المهمات" وغيرها: أن الفتوى عليه, وفي "الروضة": أن الرافعي رجح في "المحرر" الأول. وإن لم يعلم هل يفسد المرهون قبل حلول الأجل .. صح الرهن في الأظهر؛ لأن الأصل عدم فساده إلى الحلول. وإن رهن ما لا يسرع فساده, فطرأ ما عرضه للفساد قبل حلول الأجل؛ كحنطة ابتلت وتعذر تجفيفها .. لم ينفسخ الرهن بحال, ويجوز أن يستعير شيئاً ليرهنه بدينه؛ لأن الرهن توثق وهو يحصل بما لا يملك؛ بدليل الإشهاد والكفالة, بخلاف بيع ملك غيره لنفسه لا يصح؛ لأن البيع معاوضة, فلا يميك الثمن من لا يملك المثمن, والأظهر: أنه ضمان دين في رقبة ذلك الشيء لا عارية؛ لأن العارية ينتفع المستعير بها مع بقاء عينها, والانتفاع هنا ببيعه في الدين, فيشترط ذكر جنس الدين وقدره وصفته, وكذا المرهون عنده في الأصح؛ لاختلاف الأغراض بذلك, فلو تلف في يد المرتهن .. فلا ضمان, ولا رجوع للمالك بعد قبض المرتهن, فإذا حل الدين أو كان حالاً .. روجع المالك للبيع؛ لأنه لو رهنه بدينه .. لوجبت مراجعته, فهنا أولى, ويباع إن لم يقض الدين, ثم يرجع مالكه على الراهن بما بيع به.
[الركن الثاني: المرهون به]
الركن الثاني: المرهون به, وشرطه: كونه ديناً ثابتاً لازماً؛ أي: ومعلوماً لكل منهما, ودخل في الدين: المنافع في الذمة فيصح الرهن بها, ويباع المرهون عند الحاجة ويحصل المنافع بثمنه. وخرج به: العين مضمونة كانت أو أمانة, ومنافعها في إجارة العين؛ لأنه تعالى ذكر الرهن في المداينة فلا يثبت في غيرها, ولأن ذلك لا يستوفى من ثمن المرهون, وذلك مخالف لغرض الرهن عند البيع. وفرقوا بينه وبين صحة ضمان العين المضمونة؛ بأن ضمانها لا يجر إلى ضرر إذا لم تتلف, بخلاف الرهن بها؛ فإنه يجر إلى ضرر دوام الحجر في المرهون, وبأن الضامن للعين يقدر على تخليصها فيحصل المقصود بالضمان, وحصولها من ثمن المرهون لا يتصور. ولا يصح الرهن بما سيقرضه, ولا بثمن ما سيشتريه, ولا بالزكاة قبل تمام الحول؛ لأنه
стр. 475
وثيقة حق فلا يقدم على الحق كالشهادة, وعن ذلك الداخل في الدين بتجوز احترز بقوله: (ثابت). ولو قال: (أقرضتك هذه الدراهم وارتهنت بها عبدك) فقال: (اقترضت ورهنت) , أو قال: (بعتكه بكذا وارتهنت به الثوب) , فقال: (اشتريت ورهنت) .. صح في الأصح؛ لأن شرط الرهن فيهما جائز فمزحه أولى؛ لأن التوثق فيه آكد؛ لأنه قد لا يفي بالشرط, واغتفر تقدم أحد طرفيه على ثبوت الدين؛ لحاجة التوثق, وإنما اشترط تأخير طرفي الرهن عن طرفي البيع أو القرض؛ ليتحقق سبب ثبوت الدين من كل من العاقدين, فلو قدم طرفاه على طرفيهما, أو وسطا بينهما .. لم يصح. ولا يصح الرهن بنجوم الكتابة؛ لأن الرهن للتوثق, والمكاتب بسبيل من إسقاط النجوم متى شاء, فلا معنى لتوثيقها. ولا بجعل الجعالة قبل الفراغ من العمل وإن شرع فيه؛ لأن لهما فسخها, فيسقط به الجعل, وإن لزم الجاعل بفسخه وحده أجرة أجرة مثل العمل, وعن المسألتين احترز بقوله: (قد لزما). ويجوز الرهن بالثمن مدة الخيار؛ لأنه آيل إلى اللزوم, والأصل في وضعه اللزوم, بخلاف جعل الجعالة, وظاهر أن الكلام حيث قلنا: ملك المشتري المبيع ليملك البائع الثمن؛ كما أشار إليه الإمام. ولا شك أنه لا يباع المرهون في الثمن ما لم تمض مدة الخيار, ودخلت المسألة في قوله: (قد لزما) بتجوز, ولا فرق في اللازم بين المستقر؛ كدين القرض وثمن المبيع المقبوض, وغير المستقر؛ كثمن المبيع قبل قبضه, والأجرة قبل استيفاء المنفعة. ويجوز بالدين رهن بعد رهن, وهو كما لو رهنهما به معاً, ولا يجوز أن يرهنه المرهون عنده بدين آخر في الجديد وإن وفى بهما, كما لا يجوز رهنه عند غير المرتهن, والفرق بين هذا وما قبله: أن هذا شغل مشغول, وذلك شغل فارغ. نعم؛ لو جنى المرهون ففداه المرتهن بإذن الراهن ليكون مرهوناً بالدين والفداء .. فأصح الطريقين في "الروضة" و"أصلها": القطع بالجواز؛ لأنه من مصالح الرهن لتضمنه استبقاءه, ويجري الطريقان فيما لو أنفق المرتهن على المرهون بإذن الحاكم؛ لعجز الراهن عن النفقة أو غيبته ليكون مرهوناً بالدين والنفقة؛ كما نقله في "الروضة" عن القاضي أبي الطيب من
стр. 476
غير إنكار, وظاهر أن الراهن في صورة عجزه كالحاكم فيكفي إذنه.
[الركن الثالث: صيغة الرهن]
الركن الثالث: الصيغة, فلا تصح إلا بإيجاب وقبول بشرطهما المعتبر في البيع, وفي المعطاة والاستيجاب مع الإيجاب والاستقبال مع القبول ما في البيع, فإن شرط فيه مقتضاه؛ كتقدم المرتهن بثمنه, أو مصلحة للعقد؛ كالإشهاد أو ما لا غرض فيه .. صح, أو ما ينفع المرتهن ويضر الراهن؛ كشرط منفعته للمرتهن .. بطل الشرط وكذا الرهن في الأظهر. ولو شرط في البيع رهن منفعته للمرتهن سنة مثلاً .. فهو جمع بين بيع وإجارة وهو جائز, أو ينفع الراهن ويضر المرتهن .. بطل, أو أن تحدث زوائده مرهونة .. فالأظهر: فساد الشرط والرهن.
[الركن الرابع: العاقد]
الركن الرابع: العاقد, وشرطه: كونه مطلق التصرف, فلا يرهن ولي مال صبي أو مجنون أو سفيه, ولا يرتهن له إلا لضرورة, أو غبطة ظاهرة, سواء أكان الولي أباً أم جداً, أم وصياً أم حاكماً أم أمينه. مثالهما للضرورة: أن يرهن على ما يقترضه لحاجة النفقة أو الكسوة ليوفي مما ينتظر من حلول دين, أو نفاق مال كاسد, وأن يرتهن على ما يقرضه, أو يبيعه مؤجلا لضرورة نهب. ومثالهما للغبطة: أن يرهن ما يساوي مئة على ثمن ما اشتراه بمئة نسيئة وهو يساوي مئتين, وأن يرتهن على ثمن ما يبيعه من موسر ثقة نسيئة بغبطة رهناً وافياً ويشهد عليه, فإن لم يفعل .. ضمن, قال الجمهور.
[رجوع الراهن عن الرهن]
وللراهن الرجوع عن الرهن ما لم يقبضه مكلف يصح ارتهانه بإذن الراهن؛ لعدم لزومه, أما بعد قبضه المذكور .. فليس للراهن رجوع فيه, للزومه بقبضه. أما قبضه .. فلقوله تعالى: ﴿فرهن مقبوضة﴾ فلو لزم بدون القبض .. لم يكن للتقييد به فائدة, وأما كونه من مكلف يصح ارتهانه .. فلأنه الذي يعتد بقبضه؛ كما في
стр. 477
التصرفات المالية, فلا يصح قبض صبي ومجنون وسفيه, وتجري فيه النيابة كالعقد, لكن لا يستنيب راهناً؛ لأن الواحد لا يتولى طرفي القبض. ومنه علم: أنه لو كان الراهن وكيلاً في الرهن فقط .. جاز للمرتهن أن يوكله في القبض من المالك؛ لانتفاء العلة, ولا رقيق الراهن؛ لأن يده كيد سيده, سواء القن والمدبر والمأذون له وغيرهم, إلا المكاتب؛ لاستقلاله باليد والتصرف كالأجنبي, ومثله المبعض إذا كان بينه وبين سيده مهيأة, ووقع التوكيل في نوبته, وقبض المرهون كقبض المبيع. ولو رهن نحو وديعة عند مودع, أو مغصوب عند غاصب .. لم يلزم هذا الرهن ما لم يمض زمن إمكان قبضه, والأظهر: اشتراط إذن الراهن في قبضه؛ لأن اليد كانت عن غير جهة الرهن ولم يقع تعرض للقبض عنه, ولا يبرئه ارتهانه عن نحو الغصب وإن لزم, ويبرئه الإيداع في الأصح؛ لأنه ائتمان ينافي الضمان, والارتهان توثق لا ينافي الضمان, فإنه لو تعدى في المرهون .. صار ضامناً مع بقاء الرهن بحاله, ولو تعدى في الوديعة .. ارتفع كونها وديعة. ويحصل الرجوع عن الرهن قبل قبضه بتصرف يزيل الملك كهبة مقبوضة, وبرهن مقبوض, وكتابة, وكذا تدبيره في الظهر, وبإحبالها لا الوطء والتزويج. ولو مات العاقد, أو جن أو أغمي عليه, أو تخمر العصير, أو أبق العبد قبل القبض .. لم يبطل الرهن في الأصح.
[ما يجوز للراهن التصرف فيه وما لا يجوز]
وعلم من كلامه: أنه ليس للراهن المقبض تصرف يزيل الملك؛ كالبيع فلا يصح, لكن في إعتاقه أقوال, أظهرها: ينفذ من الموسر ويغرم قيمته يوم عتقه تكون رهناً مكانه من غير عقد, ولا ينفذ من المعسر ولو انفك الرهن بعده, ولو علقه بصفة فوجدت وهو رهن ... فكالإعتاق, أو بعد فكاك الرهن .. نفذ على الصحيح. ولا رهنه لغير المرتهن, ولا التزويج؛ لأنه ينقص المرهون ويقلل الرغبة فيه, قال في "الروضة": فلو خالف فزوج العبد أو الأمة المرهونين .. فالنكاح باطل؛ صرح به القاضي أبو الطيب, ولا الإجارة إن كان الدين حالاً أو يحل قبلها؛ لأنها تقلل الرغبة فتبطل, بخلاف ما إذا كان الدين يحل بعد مدتها أو مع فراغها .. فتجوز الإجارة, وتجوز للمرتهن مطلقاً فلا يبطل الرهن.
стр. 478
ولا الوطء؛ لخوف الحبل فيمن تحبل, وحسماً للباب في غيرها, فإن وطئ فأحبل .. فالولد حر نسيب, ولا قيمة عليه ولا حد ولا مهر, وعليه أرش البكارة إن افتضها, فإن شاء .. جعله رهناً, وإن شاء .. قضاه من الدين. والأظهر: نفوذ الاستيلاء من الموسر, فتلزمه قيمتها تكون رهناً مكانها, لا المعسر فالرهن بحاله, ولا تباع حاملاً؛ لحرية حملها, فإن انفك الرهن ولم تبع, أو بيعت ثم ملكها .. نفذ الاستيلاد في الأصح. والفرق بينه وبين الإعتاق: أن الإعتاق قول يقتضي العتق في الحال, فإذا رد .. لغا, والاستيلاد فعل لا يمكن رده, وإنما يمنع حكمه في الحال لحق الغير, فإذا زال حق الغير .. ثبت حكمه, فلو ماتت بالولادة .. غرم قيمتها تكون رهناً مكانها في الأصح؛ لأنه تسبب إلى هلاكها بالحبال من غير استحقاق. وله كل انتفاع لا ينقص المرهون كالركوب والسكنى؛ لخبر البخاري: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً", لا البناء والغراس؛ لأنهما ينقصان قيمة الأرض. نعم؛ لو كان الدين مؤجلاً, وقال الراهن: أنا أقلع عند الأجل .. لم يمنع منهما؛ كما ذكره الدرامي, ونص عليه في "الأم", فإن فعل ذلك .. لم يقلع قبل حلول الأجل, على الراهن, وألا يأذن في بيع الغراس, والبناء مع الأرض, وإلا .. بيعا ووزع الثمن. ثم إن أمكن الانتفاع بالمرهون بغير استرداد .. لم يسترد؛ كأن يكون عبداً له حرفة يعملها في يد المرتهن, فلا يسترد لعملها, ويسترد للخدمة, وإلا .. فيسترد؛ كأن تكون داراً فتسكن, أو دابة فتركب ويردها وعبد الخدمة إلى المرتهن ليلاً, ويشهد المرتهن على الراهن بالاسترداد للانتفاع شاهدين إن اتهمه, فإن وثق به .. فلا حاجة إلى الإشهاد. وله بإذن المرتهن ما معناه من التصرف والانتفاع, فيحل الوطء, فإن لم تحبل .. فالرهن بحاله, وإن أحبل أو أعتق, أو باع أو وهب وأقبض .. نفذت وبطل الرهن, وله الرجوع قبل تصرف الراهن, وكذا إن وهب ولم يقبض, أو وطء ولم تحبل, فإن تصرف جاهلاً برجوعه .. لم يصح.
стр. 479
ولو أذن في بيعه ليعجل المؤجل من ثمنه .. لم يصح البيع؛ لفساد الإذن بفساد الشرط, وكذا لو شرط في الإذن في بيعه رهن الثمن مكانه .. لم يصح البيع في الأظهر؛ لما ذكر, وفساد الشرط بجهالة الثمن عند الإذن.
[ضمان المرهون]
وإذا لزم الرهن .. فاليد في المرهون للمرتهن, وهي يد أمانة فلا يضمنه إذا تلف في يده بلا تعد منه؛ لقوله ﷺ : "الرهن من راهنه" أي: من ضمان راهنه "له غنمه, وعليه غرمه", ولا يسقط بتلفه شيء من دينه, ولا تزال يده عنه, إلا للانتفاع به كما سبق, ثم يرد إليه ليلاً كما مر. وإن كان العبد ممن يعمل ليلاً كالحارس .. رد إليه نهاراً, وقد لا تكون اليد فيه للمرتهن؛ كما لو رهن مسلماً أو مصحفاً من كافر, أو سلاحاً من حربي .. فإنه يوضع عند عدل. ولو رهن جارية كبيرة: فإن كان المرتهن محرماً لها, أو امرأة, أو أجنبياً ثقة وعنده زوجة, أو أمة أو نسوة ثقات .. وضعت عنده, وإلا .. فعند محرم, أو امرأة ثقة, أو عدل بالصفة المذكورة, فإن شرط خلافه .. فشرط فاسد, والخنثى كالأنثى, لكن لا يوضع عند امرأة. ولو شرطا وضعه في يد ثالث .. جاز, أو عند اثنين ونصا على اجتماعهما على حفظه أو الانفراد به .. فذاك, وإن أطلقا .. فليس لأحدهما الانفراد بحفظه في الأصح. ولو مات العدل أو فسق, أو كان فاسقاً فزاد فسقه .. جعلاه حيث يتفقان, وإن تشاحا .. وضعه الحاكم عند عدل, ويستحق بيع المرهون عند الحاجة, ويقدم المرتهن بثمنه, ويبيعه الراهن أو وكيله بإذن المرتهن, فإن لم يأذن .. قال له الحاكم: ائذن في بيعه أو أبرئه. ولو طلب المرتهن بيعه فأبى الراهن .. ألزمه القاضي قضاء الدين أو بيعه, فإن أصر .. باعه الحاكم وقضى الدين من ثمنه, ولو باعه المرتهن بإذن الراهن .. صح إن باع بحضرته, أو قدر له الثمن, أو كان الدين مؤجلا, وإلا .. فلا. ولو شرط أن يبيعه العدل .. جاز, ولا تشترط مراجعة الراهن في الأصح, فإذا باع .. فالثمن عنده من ضمان الراهن حتى يقبضه المرتهن. ولو تلف في يد العدل, ثم استحق المرهون: فإن شاء المشتري .. رجع على العدل, وإن
стр. 480
شاء .. على الراهن والقرار عليه, ولا يبيع العدل إلا بثمن مثله حالاً من نقد بلده كالوكيل, فإن أخل بشيء من هذه الشروط .. لم يصح البيع. والمراد بالنقص عن ثمن المثل: النقص بما لا يتغابن به الناس, فالنقص بما يتغابنون به لا يضر؛ لتسامحهم فيه, فإن زاد راغب قبل انقضاء الخيار .. فليفسخ وليبعه, فإن لم يفعل .. انفسخ في الأصح. ومؤنة المرهون على مالكه, ويجبر عليها لحق المرتهن على الصحيح, ولا يمنع الراهن من مصلحة المرهون؛ كفصد وحجامة, ويصدق المرتهن في دعوى التلف بيمينه, ولا يصدق في دعوى الرد عند الأكثرين.
[ما ينفك به الرهن]
وينفك الرهن بالإبراء من جميع الدين, فإن بقي شيء منه .. لم ينفك شيء منه؛ لأنه وثيقة لجميع أجزاء الدين, إلا إن تعدد صاحب الدين؛ كأن رهن عبداً من اثنين بدينهما عليه صفقة واحدة, ثم برئ عن دين أحدهما, أو الصفقة وإن اتحد الدائن والمدين؛ كأن رهن نصف عبد في صفقة, وباقية في أخرى, أو من عليه الدين؛ رهن اثنان من واحد بدينه عليهما وإن اتحد وكيلهما؛ لأن المدار على اتحاد الدين وتعدده كما مر, أو صاحب العارية وإن اتحد العاقد, والدين؛ كأن استعار عبداً من مالكيه ليرهنه فرهنه, فينفك نصيب أحدهما بأداء قدر حصته من الدين؛ بأن قصد المؤدي الأداء عن نصيب أحدهما بعينه أو أطلق, ثم جعله عنه, بخلاف ما إذا قصد الشيوع أو أطلق ثم جعله عنهما, أو لم يعرف حاله. وينفسخ الرهن؛ بأن فسخه الراهن والمرتهن, أو المرتهن وحده, وبزوال جميع الدين بقضاء أو حوالة أو غيرهما. والألف في قول الناظم: (لزما) للإطلاق, قوله: (بالإبرا) بالقصر للوزن.
стр. 481
باب الحجر
هو لغة: المنع, وشرعاً: المنع من التصرف المالي, والأصل فيه: قوله تعالى ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ الآية, وقوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً﴾ الآية, و (السفيه): المبذر, و (الضعيف): الصبي, (الذي لا يستطيع أن يمل): المغلوب على عقله.
[من يحجر عليه لمصلحة غيره]
وهو نوعان: أحدهما: ما شرع لمصلحة المحجور عليه نفسه, والثاني: ما شرع لمصحة غيره؛ كالحجر على من عنده ماء يتطهر به ودخل وقت الصلاة؛ فلا يصح بيعه, ولا هبته مع احتياجه إليه, وكذلك السترة والمصحف لغير الحافظ, والحجر على معير الأرض للدفن إلى أن يبلى الميت, وعلى المشتري في المبيع قبل القبض, وعلى المردود عليه بالعيب إلى أن يرد الثمن. والحجر الغريب هو الحجر على المشتري في المبيع, وجميع أمواله إلى إعطاء الثمن, وكذلك المستأجر, والحجر على المشتري بشرط الإعتاق, فليس له بيعه ولو بهذا الشرط, وعلى العبد المأذون لحق الغرماء, وعلى المشتري في نعل الدابة المردودة بالعيب المتروك للبائع إذا كان قلعه يحدث عيباً إلى حين سقوطه, وعلى الراهن لحق المرتهن, وعلى المرتهن في بيع الجارية المرهونة إذا أحبلها الراهن المعسر إلى أن تضع وتسقي الولد اللبأ ويوجد من ترضعه, وعلى الممتنع من إعطاء الدين وماله زائد إن التمسه الغرماء, وعلى الغاصب في المغصوب المخلوط بما لا يتميز إلى إعطاء البدل, وعلى المالك فيما استأجر على العمل فيه؛ كما لو استأجر صباغاً لصبغ الثوب وسلمه له .. فليس له بيعه إلا بعد انتهاء العمل وتوفية الأجرة, وعلى المريض لحق الورثة, وعلى الورثة في التركة لحق الميت والغرماء, وعلى الأصل الواجب إعفافه في الأمة التي ملكها له فرعه حتى لا يعتقها, وعلى الموصى له بعين ممن ماله غائب, وعلى السيد في نفقة أمته وكسب عبده؛ اللذين زوجهما إلى إعطاء البدل, وعلى الورثة في الدار التي استحقت المعتدة بالحمل أو الإقراء السكني فيها إلى انقضاء عدتها, وعلى المرتد لحق المسلمين, وعلى السيد في بيع أم الولد, وعلى من نذر إعتاق عبد بعينه .. فلا
стр. 482
يخرج عنه إلا بالإعتاق ومع ذلك ليس له التصرف فيه, بخلاف ما إذا نذر الصداقة بدرهم بعينه .. فإنه يزول ملكه عنه للفقراء, وعلى السيد في الرقيق المكاتب, وعلى المحجور عليه بالفلس لحق الغرماء, وفي الرقيق الجاني لحق المجني عليه, وعلى الرقيق ولو مكاتباً لحق سيده ولله. وقد أشار الناظم إلى النوع الأول, وبعض أقسام النوع الثاني بقوله:
(جميع من عليه شرعاً بحجر ... صغير أو مجنون أو مبذر)
(تصريفهم لنفسهم قد أبطلا ... ومفلس قد زاد دينه على)
(أمواله: بحجر قاض بطلا ... تصريفه في كل ما تمولا)
(لا ذمة, والمرض المخوف ... إن مات فيه يوقف التصريف)
(فيما على ثلث يزيد عنده ... على إجازة الوريث بعده)
(والعبد لم يؤذن له في متجر ... يتبع بالتصريف للتحرر)
[من يحجر عليه لمصلحة نفسه]
أي: جميع من يحجر عليه شرعاً لمصلحة نفسه: صغير ومجنون وسفيه؛ وهو المبذر في المال؛ بأن يضيعه باحتمال غبن فاحش في المعاملة, أو في رميه في بحر, أو إنفاقه في محرم, والأصح: أن صرفه في الصدقة, ووجوه الخير, والمطاعم والملابس التي لا تليق بحاله .. ليس بتبذير. ويرتفع الحجر عن الصبي ببلوغه رشيداً, والرشد: صلاح الدين والمال؛ كما فسر بهما قوله تعالى: ﴿فإن ءانستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ , فلا يفعل محرماً يبطل العدالة من ارتكاب كبيرة, أو من إصرار على صغيرة, ولم تغلب طاعاته معاصيه, ولو بذر بعد رشده .. أعاد القاضي الحجر عليه وهو وليه حينئذ, ولو فسق .. لم يحجر عليه في الأصح. ويرتفع حجر المجنون بالإفاقة, ومن له أدنى تمييز كالصبي المميز. والبلوغ باستكمال خمس عشرة قمرية, أو بخروج المني لإمكانه, وأقله تسع سنين, ولإنبات شعر العانة الخشن دليل على البلوغ في حق الكفار لا المسلمين, بخلاف شعر الإبط واللحية؛ لندورهما قبل خمس عشرة سنة, ويجوز النظر إلى العانة للشهادة.
стр. 483
وتزيد المرأة بالحيض والحبل، فيحكم ببلوغها قبل الولادة بستة أشهر وشيء، فلو أتت المطلقة بولد يلحق الزوج .. حكمتا ببلوغهما قبل الطلاق، ولو أمنى الخنثى من ذكره وحاض كم فرجه .. حكمنا ببلوغه، لا إن وجد أحدهما.
ولا بد من اختبار الرشد، فيختبر ولد التاجر بالمماكسة في البيع والشراء، وولد الزراع بالزراعة والنفقة على القوام بها، والمرأة بما يتعلق بالغزل والقطن، وصون الأطعمة عن الهرة والفأرة، وحفظ متاع البيت مرات، وكل بما يليق بالغزل والقطن، وصون الأطعمة عن الهرة والفأرة، وحفظ متاع البيت مرات، وكل بما يليق به حتى على الظن رشده وذلك قبل البلوغ، ويسلم إليه المال ليماكس لا ليعقد، فإن تلف في يده .. لم يضمن الولي.
ثم ولي الصبي والمجنون ومن بلغ سفيهاً: أبوه، ثم أبو أبيه وإن علا، ثم وصيهما، ثم القاضي، ولا تلي الأم في الأصح، ويتصرف الولي بالمصلحة، ويبني له الدور بالطين والآجر لا باللبن والجص، ولا يبيع العقار وآنية القنية؛ كنحاس ونحوه إلا لضرورة، أو غبطة ظاهرة، وله بيع ماله بعرض ونسيئة .. زاد على ثمنه قدراً لائقاً بالأجل، وأشهد وارتهن رهناً وافياً من مشتر ثقة موسر لأجل قصير عرفاً، ويأخذ له بالشفعة، أو يترك بحسب المصلحة.
ثم أشار إلى نتيجة الحجر على الثلاثة، وفائدته بقوله: (تصريفهم لنفسهم قد أبطلا) أي: تصرفهم في المال بيعاً وشراء وقرضاً، وغيرها من التصرف القولي، والفعلي قد أبطله الشارع؛ لمصلحة أنفسهم، ويؤاخذون بما يتلقونه؛ لأنه من باب خطاب الوضع من غير السفيه.
وتصح وصية السفيه وتدبيره، وطلاقه وخلعه زوجته، وطلاقه وخلعه زوجته، ونفيه النسب، ولو صالح عن قصاص عليه على الدية فأكثر .. لم يمنعه الولي، وله أن يعقد الجزية بدينار بلا إذن وليه، وتمتنع منه ومن وليه الزيادة عليه على المذهب، ويصح قبوله الهبة، ولو نذر التصدق في الذمة .. انعقد، أو بعين ماله .. فلا؛ كما جزم به الشيخان هنا، ويصح نكاحه بإذن الولي؛ لأنه حر مكلف صحيح العبارة والإذن، ولا تصح تصرفاته المالية بإذنه في الأصح، ويصح إقراره بحد أو قصاص، وحكمه في العبادات كالرشيد، لكن لا يفرق الزكاة بنفسه.
[الحجر على الفلس]
قوله: (ومفلس) وهو زاد دينه؛ أي: المال الذي عليه لأدمي وهو حال لازم على أمواله بحجر قاضٍ عليه .. بطل تصرفه؛ أي: المالي المفوت لتعلق حق الغرماء به حينئذ،
стр. 484
والأصل في ذلك: ما روى الدارقطني والحاكم - وقال: صحيح الإسناد - عن كعب بن مالك: (أنه ﷺ حجر على معاذ في ماله، وباعه في دين كان عليه).
وحجر القاضي يكون بسؤال الغرماء أو بعضهم ودينه قدر بحجر به، أو بسؤاله المفلس، وله الحجر من غير سؤال إذا كان الدين لصبي أو مجنون أو سفيه، وإذا وجدت الشروط .. وجب على الحكام الحجر، ولا تحل الديون بالحجر، ولا بالجنون.
وخرج بقوله: (قد زاد دينه على أمواله): من زاد ماله على دينه أو استويا .. فإنه لا يحجر عليه وإن لم يكن كسوباً وكانت نفقته من ماله في الأصح، ويستحب للقاضي أن يشهد على حجره؛ ليحذر الناس معاملته.
قوله: (لا ذمة) أ]: يبطل تصرفه بعد الحجر في عين ماله، لا تصرفه الكائن في ذمته فإنه لا يبطل؛ إذ لا حجر عليه فيها، ولا ضرر فيه على الغرماء، فلو باع سلماً، أو اشترى في الذمة .. فالصحيح: صحته، ويثبت المبيع والثمن في ذمته، والصحيح: تعدي الحجر إلى ما حدث بعده، ولا يمنع من إقرار بعين مطلقاً، أو دين أسنده إلى ما قبل الحجر، وإن أطلق .. روجع، فإن تعذرت مراجعته .. فكالإسناد إلى ما بعد الحجر، فلا يقبل إلا إذا أسنده لإتلاف أو جناية.
وإن نكل المفلس، أو وارثه عن اليمين المردودة، أو عن يمين مع الشاهد .. لم يحلف غريم المفلس، ثم القاضي يبيع مال المفلس، أو يكرهه على البيع، وكذا المديون الممتنع من أداء ما عليه، ويستحب أن يكون ذلك بحضور المفلس ومستحقي الدين، ويقدم بيع ما يخاف فساده، ثم ما تعلق بعينه دين، ثم الحيوان، ثم المنقول، ثم العقار، ويباع مسكنه وخادمه وإن احتاج إليهما، وكذا مركوبه، ويبيع كل شيء في سوقه، فلو باع في غيره بثمن المثل من نقد البلد .. صح، ويقسم الأثمان بين الغرماء بنسبة ديونهم الحالة من غير طلب بينة الحصار، وإن ظهر دين بعد القسمة .. رجع صاحبه بما يخص دينه، ولو ظهر ما باعه القاضي مستحقاً .. رجع المشتري بكل الثمن في مال المفلس.
وينفق القاضي على المفلس، وعلى من عليه مؤنته من زوجة سابقة للحجر، وقريب وإن حدث بعد الحجر نفقة المعسرين إلى الفراغ من بيع ماله، ويكسوهم بالمعروف إن لم يكن له كسب يفي بذلك، ويترك له دست ثوب يليق به، ولمن تلزمه مؤنثه وسكنى، ونفقة يوم القسمة، ويؤجر القاضي الموقوف عليه، وأم ولده، ويصرف الأجرة على الغرماء.
стр. 485
[الحجر على المريض لحق الورثة]
قوله: (والمرض المخوف) أي: بأن ظنناه مخوفاً إن مات المريض نفسه .. يوقف تصرفه فيما زاد على ثلث ماله عند الموت؛ أي: أو كان تبرعاً لوارثه على إجازة الورثة، أو بقيتهم في الثانية.
وخرج بقوله: (المخوف): ما إذا ظنناه غير مخوف فمات؛ فإنه إن حمل على الفجأة كوجع الضرس .. نفذ تصرفه، وإلا كإسهال يوم أو يومين .. فمخوف، وبقوله: (إن مات فيه): ما لو برئ منه؛ فإنه ينفذ.
وعلم من كلامه: أن المعتبر في قدر الثلث وقت الموت، وأنه لا عبرة بإجازة الوارث أو رده قبله، والإجازة تنفيذ لا ابتداء عطية، فلا يحسب من ثلث من يجيز في مرضه القدر الذي أجازه، ولا يتوقف على إجازة ورثته.
ومن المخوف: قولنج وذات جنب، ورعاف دائم، وإسهال متواتر، أو ينخرق البطن فلا يمكنه الاستمساك، ويخرج الطعام غير مستحيل، أو يكون معه زحير؛ وهو الخروج بشدة ووجع، أو يعجله ويمنعه النوم، أو يكون معه دم من كبد، أو عضو شريف، ودق، وابتداء فالج.
ويلحق بالمخوف: أسر من اعتادوا قتل الأسرى، والتحام قتال بين متكافئتين، وتقديم لقصاص أو رجم، واضطراب ريح وهيجان موج في حق راكب سفينة، وطلق حامل، وبعد الوضع ما لم تنفصل المشيمة، ووقوع الطاعون في البلد، وفشوا الوباء مخوفاً ولو في حق من لم يصيبه.
وإذا اختلف والوارث والمتبرع عليه في كون المرض مخوفاً .. فالقول قول المتبرع عليه، وعلى الوارث البينة، ولا يثبت إلا بشهادة رجلين، فإن كانت العلة بامرأة على وجه لا يطلع عليه الرجال غالباً .. ثبتت بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، أو أربعة نسوة مع العلم بالطب.
وضابط ما يحسب من الثلث في غير الوارث: كل تصرف فوت مالاً حاصلاً أو كميناً؛ كما في ثمر المساقاة، ومنافع غير بدن المريض بغير عوض المثل المساقاة، ومنافع غير بدن المريض بغير عوض المثل؛ لكونه بغبن فاحش، أو
стр. 486
مجاناً بلا استحقاق شرعي، أو فوت يداً؛ كما في البيع بمؤجل ولو بأكثر من قيمته، أو اختصاصاً؛ كما في السرجين ونحوه.
وإذا اجتمع تبرعات معلقة بالموت وعجز عنها الثلث: فإن تمحض العتق .. أقرع، أو غيره .. قسط عليه الثلث، أو اجتمع هو وغيره .. قسط عليهما بالقيمة، أو منجزة .. قدم الأول فالأول حتى يتم الثلث، فإن بقي شيء .. وقف على إجازة الوارث، وإذا وجدت تلك التبرعات دفعة واتحد الجنس؛ كعتق عبيد أو إبراء جمع .. أقرع في العتق، وقسط في غيره.
[العبد المأذون له في التجارة وغير المأذون]
قوله: (والعبد لم يؤذن له في متجر ينبع بالتصريف للتحرر) أي: العبد إن لم يأذن له سيده في التجارة .. لم يصح تصرفه يبيع ولا شراء، ولا قرض ولا ضمان، ولا غيرها؛ للحجر عليه لحق سيده، فيتبع بما تلف تحت يده، أو أتلفه بعد عتقه؛ لأنه لزمه برضا مستحقه.
نعم؛ يصح بدون إذن سيده خلعه، وقبول الوصية له، والهبة له، إلا إن كان الموصى به أو الموهوب أصل سيده أو فرعه، وكانت نفقته واجبه على سيده في الحال.
أما إذا أذن للرقيق سيده في التجارة .. فله التجارة بيعاً وشراء ولازمها؛ كالرد بالعيب، والمخاصمة بالعهدة، ولو أبق .. ولم ينعزل، فله التجارة ولو في موضع الإباق، إلا أن يخص سيده الإذن بغيره، ولا يصير بسكوت السيد له على البيع والشراء مأذوناً له في ذلك.
وإذن أذن له في التجارة في نوع من المال .. لا يصير مأذوناً له في غيره، أو قيد الإذن بوقت كسنة .. لم يكن مأذوناً له بعد انقضائه، ولا يستفيد بالإذن في التجارة التصرف في رقبته يبيع ولا غيره، ولا في منفعتها بإجازة ولا جعالة، ولا فيما اكتسبه بنحو احتطاب واصطياد، وقبول هبة ونحوها، ولا يكفي فيه قول الرقيق.
أما لو قال: (حجر على سيدي) .. لم تجز معاملته، ولو نفى ذلك السيد وقال: (لم أحجر عليه) لأنه هو العاقد وهو يقول: إن عقده باطل، ويحصل الحجر على الرقيق المأذون بإعتاقه أو بيعه.
ولو عرف أن الرقيق مأذون له وعامله .. فله أن يمتنع من تسليم المبيع له حتى يشهد بالإذن له
стр. 487
عدلان؛ كما أن له الامتناع من الدفع إلى الوكيل ولو صدقه على الوكالة حتى يثبت ذلك بالبينة.
ثم لو أعتق المأذون .. كان لصاحب الدين مطالبته بدين التجارة؛ كما يطالب بذلك عامل القراض والوكيل ولو بعد عزلهما مع رب المال، فلصاحب الدين مطالبته في الصور الثلاث.
ولو أدى العامل أو الوكيل .. رجع علة المالك بما أدى، بخلاف العبد لا يرجع على السيد بما أداه بعد عتقه.
ويؤدي المأذون ديون التجارة من كسبه الحاصل قبل أن يحجز السيد عليه؛ كالاحتطاب والاصطياد، ومن مال التجارة أصلاً وربحاً، لا من كسبه بعد الحجر عليه، ولا تتعلق برقبته ولا ذمة سيده.
وقول الناظم: (أو مجنون أو مبذر) بدرج الهمزة فيما للوزن، والألف في قوله: (أبطلا) و (بطلا) و (تمولا) للإطلاق، وقوله: (الوريث) بفتح الواو وكسر الراء بوزن فعيل؛ بمعنى: الوارث، وقوله: (للتحرر) أي: العتق، واللام فيه بمعنى (في) أو (عند) أو (بعد).
* * *
стр. 488
باب الصلح وما ذكر معه
وهو لغة، قطع النزاع، وشرعاً: عقد يحصل به ذلك، وهو أنواع: صلح بين المسلمين والكفار، وبين الإمام والبغاة، وبين الزوجين عند الشقاق، وصلح في المعاملة وهو مقصود الباب، والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ [النساء: ١٢٨]، وخبر: "الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً" رواه ابن حبان وصححه، والكفار كالمسلمين، وإنما خصهم بالذكر؛ لانقيادهم إلى الأحكام غالباً، فالصلح الذي يحل الحرام؛ كأن يصالح عن خمر أو نحوه، والذي يحرم الحلال؛ كأن يصالح على ألا يتصرف في المصالح به، ولفظه يتعدى للمتروك بمن وعن، وللمأخوذ بالباء وعلى.
(الصلح جائز مع الإقرار ... إن سبقت لخصومة الإنكار)
(وهو ببعض المدعى فى العين ... هبة أو براءة في الدين)
(وفى سواه: بيع أو إجازه ... والدار للمكنى هو الإعارة)
(بالشرط أبطل، وأجز في الشرع ... على مروره ووضع الجذع)
(وجاز إشراع جناح معتلي ... لمسلم في نافذ من سبل)
(لم يؤذ من مر، وقدم بابكا ... وجاز تأخير بإذن الشركا)
[الصلح عن المدعى به على غيره]
أي: والصلح عما يدعى به عيناً أو ديناً على غير المدعى به، أو على بعضه جائز مع الإقرار به من المدعى عليه إن سبقت خصومة الإنكار، وفي بعض النسخ بدل هذا: (بعد خصومة بلا إنكار)، وخرج بما ذكره: ما إذا جرى الصلح من غير سبق خصومة؛ كأن قال له من غير سبقها: (صالحني عن دارك على كذا) فإنه لا يصح؛ لأن لفظ الصلح يستدعي سبق الخصومة، لكنه كناية في البيع، فإن نوياه به .. صح.
وخرج بقوله: (مع الإقرار): الصلح مع إنكار المدعى عليه، وكذا مع سكوته؛ كما نقله في "المطلب" عن سليم الرازي وغيره؛ فإنه لا يصح سواء أصالح على نفس المدعى به، أو
стр. 489
على بعضه عيناً كان أو ديناً، أو على غيره؛ إذ لا يمكن تصحيح التمليك مع الإنكار؛ لاستلزامه أن يملك المدعي ما لا يملكه، ويتملك المدعى عليه ما يمكله، وسواء أصالح عن المدعى به أم عن الدعوى.
فلو قال المنكر: (صالحني عن دعواك على كذا) .. لم يصح، بل الصلح عن الدعوى لا يصح مع الإقرار أيضاً؛ لأن الدعوى لا يعتاض عنها ولا يبرأ منها.
ولو أقام المدعي بينة بعد الإنكار .. صح الصلح؛ لثبوت الحق بها كثبوته بالإقرار، قاله الماوردي، ووافقه الغزالي بعد القضاء بالملك، واستشكله قبله؛ بأن له سبيلاً إلى الطعن، قال الماوردي: ولو أنكر فصولح ثم أقر .. فالصلح باطل.
ولو ادعى عليه عيناً فقال: رددتها إليك ثم صالحه، قال البغوي: إن كانت في يده أمانة .. لم يصح الصلح؛ لأن القول قوله فيكون صلحاً على إنكار، وإن كانت مضمونة .. فقوله في الرد غير مقبول، وقد أقر بالضمان، فيصح الصلح، ويحتمل بطلانه؛ فإنه لم يقر أن عليه شيئاً.
نعم؛ إذا قال أجنبي: (إن المدعى ليه أقر عندي سراً ووكلني في مصالحتك) فصالحه .. صح؛ لأن قول الإنسان في دعوى الوكالة مقبول في المعاملات.
ومحله كما قال الإمام والغزالي: إذا لم يعد المدعى عليه الإنكار بعد دعوى الوكالة، فلو أعاده .. كان عزلاً، فلا يصح الصلح عنه، ولو قال: (هو منكر، ولكنه مبطل في إنكاره؛ فصالحني له لتقطع الخصونى بينكما) فصالحه .. صح إن كان المدعى به ديناً لا عيناً، وإن قال: (فصالحني لنفسي): فإن كان المدعى به ديناً .. لم يصح، وإن كان عيناً .. فهو شراء مغصوب؛ إن قدر على انتزاعه .. صح، وإلا .. فلا.
[الصلح عن المدعى به ببعضه في العين أو الدين]
قوله: (وهو) أي: الصلح عما يدعى به ببعض المدعى به في العين؛ كأن صالح من دار على بعضها .. هبة للبعض الآخر؛ لصدق الهبة عليه، قيثبت فيها ما يثبت من الإيجاب والقبول والرفض بالإذن، أو مضي زمن إمكانه، ويصح بلفظ الهبة أيضاً.
стр. 490
وببعض المدعى به في الدين؛ كأن صالح من ألف في الذمة على بعضها .. إبراء من المدعي للمدعى عليه عن البعض الآخر؛ لصدق الإبراء عليه، فيثبت فيه ما يثبت في الإبراء، ويصح بلفظ الإبراء والحط والإسقاط ونحوها؛ كـ (أبرأتك من خمس مئة من الألف الذي لي عليك)، أو (حططتها عنك)، أو (أسقطتها عنك)، و (صالحتك على الباقي)، ولا يشترط في ذلك القبول على الأصح.
وإن اقتصر على لفظ الصلح؛ كقوله: (صالحتك عن العشرة التي لي عليك على خمسة) .. اشترط القبول؛ لأن لفظ الصلح يقتضيه، وهذان القسمان يسميان صلح الحطيطة.
والصلح على عين غير المدعى به؛ كأن صالح عن دار، أو دين على ثوبه، أو عشرة في الذمة .. بيع من المدعي عليه للشيء المدعى به بلفظ الصلح، تثبت فيه أحكامه؛ كالخيار والشفعة، والرج بالعيب، ومنع تصرفه في المصالح عليه قبل قبضه، واشتراط التقابض في المصالح عنه والمصالح عليه إن اتفقا في علة الربا.
أو على منفعة؛ كأن صالح من دار، أو ثوب على خدمة عبده شهراً .. إجازة لمحل المنفعة بالعين المدعاة تثبت فيها أحكامها.
وقول الناظم: (وفي سواه) أي: المدعى به، لفظة (في) فيه بمعنى الباء أو على.
قوله: (والدار للسكنى هو الإعاره) يعني: إذا صالح على منفعة المدعى به، أو منفعة بعضه كسكنى الدار المدعاة .. فهو إعارة للمدعى به يرجع فيها متى شاء، فإن عين مدة .. كانت إعارة مؤقتة، وإلا .. فمطلقة.
وقد يكون الضلح سلماً؛ بأن يجعل المدعى به رأس مال سلم، وجعالة؛ كقوله: (صالحتك من كذا على رد عبدي)، وخلعاً؛ كـ (صالحتك من كذا على أن تطلقني طلقة)، ومعاوضة عن دم؛ كـ (صالحتك من كدا على ما استحقه عليك من القصاص)، وفداء؛ كقوله للحربي: (صالحتك من كذا على إطلاق هذا الأسير)، وفسخاً؛ كأن صالح من المسلم فيه على رأس المال، وقربة في أرض وقفت مسجداً فادعاها شخص، وأنكر الواقف فصالحه آخر.
قوله: (بالشرط أبطل) أي: أنت؛ كـ (صالحتك بكذا على أن تبيعني)، أو (تؤجرني المكات الفلاني بكذا)، أو (على إبرائك من كذا إن أعطيتن الباقي) لأنه إما هبة أو إبراء، أو بيع أو إجارة، وكل منها لا يصح مع هذا الشرط ونحوه، فكذلك ما كان بمعناها.
стр. 491
ولو صالح من عشرة مؤجلة على خمسة حالة .. لم يصح؛ لأن صفة الحلول لا يصح إلحاقها، والخمسة إنما تركها في مقابلة ذلك، فإذا انتفى الحلول .. انتفى الترك.
[الصلح على حق المرور ووضع الجذع]
قوله: (وأجز في الشرع على ووضع الجذع) أي: وأجز أنت الصلح بمال على مروره في درب مثلاً منع أهله استطراق من ليس له فيه حق؛ لأنه انتفاع بالأرض، ثم إن قدر مدة .. فهو إجارة، وإن طلق أو شرط التأييد .. فهو بيع لجزء شائع من الدرب؛ تنزيلاً للمصالح منزلة أحدهم؛ كما لو صالح على إجراء نهر في أوضه .. ويكون ذلك تمليكاً للنهر.
ويجوز الصلح بمال على وضع الجذع - بإعجام الذال - على جدار بين دارين يختص به أحد المالكين، أو يكون مشتركاً ولا يجبر عليه؛ لما روى البيهقي من قوله ﷺ "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس"، فلو رضي بالوضع بلا عوض .. فهو إعارة يرجع فيها قبل الوضع وبعده كسائر العواري، أو بعوض على مدة معلومة .. فهو إجازة، وإن أذن فيه لفظ البيع أو الصلح وبين والثمن .. فالأصح: أن هذا العقد فيه شوب بيع وإجازة؛ لكونه على منفعة، لكنها مؤبدة للضرورة.
[حكم إشراع الجناح]
ويجوز إشراع جناح؛ أي: خشب خارج، وكذا ساباط: وهو سقيفة على حائطين هو بينهما، عال؛ بحيث يمر المار تحته منتصباً وعلى رأسه الحمولة العالية، سواء أكان الشارع واسعاً أضيقاً، وإن كان ممر الفرسان والقوافل .. اعتبر أيضاً أن يمر تحته المحمل على البعير مع أخشاب المظلة؛ لأن ذلك وإن ندر قد يتفق لمسلم، فلا يجوز الإشراع للكافر في نافذ - فإعجام الذال - من سبل؛ أي: طرق، أما غير النافذ .. فلا يجوز ذلك فيه إلا بإذن أهله لم يؤذ من مر، فإن آذاه ولو بإظلام الموضع .. لم يجز، وللحاكم إزالته، ولا يجوز الصلح على ذلك بمال وإن كان المصالح هو الإمام، ولم يضر المارة؛ لأن الهواء لا يفرد بالعقد وإنما يتبع القرار، وما لا يضر في الشارع .. يستحق الإنسان فعله فيه من غير عوض كالمرور.
واحترظ بـ (الجناح) أي: وما في معتاه من التصرف عن غيره؛ كبناء دكة أو غرس شجرة، فإن ذلك لا يجوز وإن لم يضر؛ لأن شغل المكان بما ذكر مانع من الطروق، وقد تزدحم المارة فيصطكون به.
стр. 492
قوله: (وقد بابكا) أي: جوازاً في درب غير نافذ إلى رأس الدرب؛ لأنه تصرف في ملكك مع تركك لبعض حقك، لكن يلزمك سد الأول.
وجاز لك تأخير لبابك عن رأس الدرب بإذن شركائك في الدرب، وأهل الدرب غير النافذ: من نفذ باب داره إليه، لا من لا صقه جداره، وهل الاستحقاق في كله كلهم، أم تختص شركة كل واحد بما بين رأس الدرب وباب داره؟ وجهان، أصحهما: الثاني.
وقول الناظم: (أو براءة) (أو إجازة) بدرج الهمزة فيهما للوزن)، والألف في قوله: (بابكا) للإطلاق.
* * *
стр. 493
باب الحوالة
وهي بفتح الحاء أفصح من كسرها من التحول والانتقال، وفي الشرع: عقد يقتضي نقل دين من ذمة إلى ذمة، والأصل فيها قبل الإجماع: خبر "الصحيحين": "مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على ملئ .. فليتبع" بإسكان التاء في الموضعين؛ أي: وإذا أحيل أحدكم على مليء .. فليحتل؛ كما رواه البيهقي، والأمر بها فيه للندب، وصرفه عن الوجوب القياس على سائر المعاوضات.
ولها ستة أركان: محيل، ومحتال، ومحال عليه، ودين للمحتال على المحيل، ودين للمحيل على المحال عليه، وصيغة.
وهي بيع دين بدين جوز للحاجة، ولهذا لم يعتبر التقابض في المجلس وإن كان الدينان ربويين، وقيل: بيع عين بعين، وقيل: بدين.
شرط: رضا المحيل والمحتال ... لزوم دبنين، اتفاق المال
جنساً وقذراً أأجلاً وكثراً ... بها عن الدين المحيل يبرا
[شروط صحة الحوالة]
أي: شرط لصحة الحوالة رضا المحيل والمحتال؛ لأن للمحيل إبقاء الحق من حيث شاء فلا يلزم بجهة، وحق المحتال في ذمة المحيل فلا ينتقل إلا برضاه، ومعرفة رضاهما بالإيجاب والقبول؛ كما في البيع ونحوه، وعبروا هنا بالرضا؛ تنبيهاً على أنه لا يجب على المحتال الرضا بالحوالة؛ كسائر المعاوضات، وتوطئة لقولهم: لا يشترط رضا المحال عليه؛ أي: لأنه محل الحق والتصرف؛ كالعبد المبيع، ولأن الحق للمحيل؛ فله أن يستوفيه بغيره؛ كما لو وكل غيره بالاستيفاء.
وصيغتها: نحو: (أحلتك على فلان بالدين الذي لك علي)، أو (نقلت حقك إلى
стр. 494
فلان)، أو (جعلت ما أستحقه على فلان لك)، أو (ملكتك الدين الذي لي عليه بحقك).
ويشترط: لزوم الدينين المحال به والمحال عليه، وتصح بالثمن في مدة الخيار وعليه؛ لأن أصله اللزوم، ولا تصح بالجعل قبل الفراغ ولا عليه، وتصح بنجوم الكتابة، ولا تصح عليها، والأصح: صحتها بدين المعاملة للسيد على مكاتبه، وفهم من هذا الشرط: أنها لا تصح على من لا دين عليه وهو الأصح، وقيل: تصح برضاه.
وقد علم مما مر أنها بيع دين بدين: أنها لا تصح بدين السلم ولا عليه؛ لعدم جواز بيعه، وأنها تصح بالثمن قبل قبض المبيع، والأجرة قبل مضي المدة، والصداق قبل الدخول والموت ونحوها وعليها.
ويشترط: اتفاق الدينين جنساً؛ كفضة وفضة، وقدراً؛ كمئة ومئة، وأجلاً وحلولاً، وصحة وكسراً، وهو اتفاقهما في الصفة؛ لأنها ليست على حقيقة المعاوضات، وإنما هي معاوضة إرفاق أجيزت للحاجة فاعتبر فيها التساوي؛ كما في القرض.
وقد يفهم من اعتبار التساوي في الصفة: أنه لو كان بأحدها رهن أو ضامن .. اعتبر كون الآخر كذلك، وليس كذلك؛ بل لو أحاله على دين به رهن أو ضامن .. انفك الرهن وبريء الضامن؛ لأن الحوالة كالقبض؛ بدليل سقوط حبس المبيع، والزوجة فيما إذا أحال المشتري بالثمن والزوج بالصداق.
ويشترط أيضاً: علمهما بتساوي الدينين في الجنس والقدر والصفة، فلو جهلاء أو أحدهما .. لم تصح الحوالة وإن تساوى الدينان في في نفس الأمر؛ لأنها معاوصة فلا بد من علمهما بحال العوصين، وإنما اشترط استواء القدر في غير الربوي؛ لما مر أن الحوالة عقد إرفاق ... إلى آخره، فلا تصح بإبل الدية ولا عليها.
[ما يترتب على صحة الحوالة]
ويبدأ بالحوالة المحيل عن دين المختال، وبلزم من ذلك براءة ذمة المحال عليه من دين المخيل، فلا رجوع للمحتال على المحيل وإن كان المحال عليه مفلساً عند الحوالة وجهل إفلاسه أو أفلس، أو أنكر الحوالة، أو دن المحيل؛ كما لا رجوع له فيها لو اشترى شيئاً وعين فيه، أو أخذ عوضاً عن دينه وتلف عنه، ولأنه أوجب في الخبر اتباع المحال عليه مطلقاً، ولأنه لو كان له الرجوع .. لما كان لذكر الملاءة في الخبر فائدة؛ لأنه إن لم يصل إلى حقه .. رجع به، فعلم بذكرها أن الحق انتقل انتقالاً لا رجوع به فيها، وأن فائدة ذكرها حراسة الحق،
стр. 495
وإلا .. فهي صحيحة على غير المليء بالإجماع، فلو شرط الرجوع بشيء من ذلك .. فهل تصح الحوالة والشرط، أو الحوالة فقط، أو لا تصحان؟ فيه ثلاثة أوجه بلا ترجيح في "الروضة" و"أصلها"، ورجح الذرعي الثالث، زجزم به ابن المقري.
وتبطل الحوالة بفسخ البيع في زمن الخيار، أو بالإقالة، أو بالتحالف، أو بالعيب إن أحال المشتري البائع، بخلاف ما إذا أحال البائع على المشتري لا تبطل الحوالة برد المبيع بشيء مما ذكر؛ لتعلق الحق هنا بثالث، فيبعد ارتفاعها بفسخ يتعلق بالعاقدين.
ثم إذا أخذ المحتال حقه من المشتري .. رجع به المشتري على البائع، ولا يرجع به قبل الأخذ منه وإن كانت الحوالة كالقبض؛ لأن الغرم إنما يكون بعض القبض حقيقة لا حكماً.
ولو باع رقيقاً وأحال بثمنه، ثم اتفق المتبايعان والمحتال على حريته، أو ثبتت ببينة .. بطلت الحوالة، وإن كذبهما المحتال ولا بينة .. حلفاه على نفي العلم بحريته، ثم يأخذ المال من المشتري ويرجع المشتري على البائع.
* * *
следующие страницы →