← Фикх шафии

Фикх шафии · id 32197

فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلان

شهاب الدين الرملي

Полный текст (924 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فإن تعذر الولي والسلطان، فحكمت عدلاً يزوجها وإن لم يكن مجتهداً .. جاز على المختار في "الروضة" الموافق لظاهر نص نقل عن الشافعي ﵁. [ترتيب الأولياء في النكاح] ثم بين الناظم ترتيب الأولياء فقال: (ولي حرة: أب فالجد ثم ... أخ، فكالعصبات رتب إرثهم) (معتق فعاصب كالنسب ... فحاكم كفسق عضل الأقرب) أي: ولي حرة أبوها فيقدم على غيره؛ لأنه أشفق من سائر العصبات، ولأنهم يدلون به، ثم الجد أبوه وإن علا إلى حيث ينتهي؛ لأن لكل منهم ولادة وعصوبة فقدموا على من ليس لهم إلا عصوبة، ويقدم الأقرب فالأقرب، ثم أخ لأبوين كالإرث؛ لزيادة القرب والشفقة، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ لأبوين، ثم لأب وإن سفل، ثم عم لأبوين ثم لأب، ثم ابن عم لأبوين، ثم لأب وإن سفل، ثم سائر العصبة من القرابة كالإرث. وقد علم: أن الجد مقدم هنا على الأخ وإن شاركه في الإرث، وأنه لا يزوج ابن ببنوة وإن كان أولى العصبات في الإرث؛ لأنه لا مشاركة بينه وبين أمه في النسب، فلا يعتني بدفع العار عنه، ولهذا لم تثبت الولاية للأخ من الأم. فإن كان فيه سبب؛ لكونه ابن ابن عم، أو معتقاً أو قاضياً، أو له قرابة أخرى تولدت من أنكحة المجوس، أو وطء الشبهة .. فإنه يزوج به ولا تضره البنوة؛ لأنها غير مقتضية لا مانعة. فإن لم يوجد نسب .. فالمعتق يزوج، ثم عصبته بحق الولاء كالنسب؛ أي: كترتيبهم في الإرث، وقد تقدم بيانه في بابه، ويزوج عتيقة المرأة من يزوج المعتقة ما دامت حية؛ لأنه لما انتفت ولاية المرأة للنكاح .. استتعب الولاية عليها الولاية على عتيقها، فيزوجها أبو المعتقة، ثم جدها على ترتيب الأولياء، ولا يزوجها ابن المعتقة، ويعتبر في تزويجها رضاها، ولا يعتبر إذن المعتقة؛ لأنها لا ولاية لها. وظاهر أنه لو كانت العتيقة مسلمة ومعتقتها كافرة .. لا يزوجها وليها الكافر، وأنها لو كانت كافرة والمعتقة مسلمة .. زوجها وليها الكافر.

стр. 632

فإذا ماتت .. زوج من له الولاء؛ فيقدم ابنها على أبيها، فإن لم يوجد عصبة من جهة الولاء .. فالحاكم يزوج المرأة التي في محل محكمه وإن كان مالها في غيره بالولاية العامة، بخلاف الغائبة عن محل حكمه وإن كان مالها فيه. [تزويج الحاكم عند فسق القريب أو عضله] قوله: (كفسق عضل القرب) أي: فإن الحاكم يزوجها أيضاً عند فسق الأقرب منه في الولاية من نسيب، أو ذي ولاء، أو عضل الأقرب من العصبة؛ أي: منعه من تزويج موليته، فإن الحاكم يزوجها لا الأبعد؛ كما في غيبته لمسافة القصر، أو إرادته نكاحها، أو إحرامه؛ لأن التزويج حق عليه، فإذا امتنع منه .. وفاه الحاكم، ويأثم بالعضل؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزوجهن﴾ الآية، وهل تزويجه حينئذ بالولاية أو النيابة؟ وجهان حكاهما الإمام فيه، وفي صورة فيها ولي خاص، وصحح في (باب القضاء) فيما إذا زوج للغيبة أنه بنيابة اقتضتها الولاية. وإنما يزوج بالعضل إذا لم يتكرر، فإن تكرر مرات أقلها فيما قال بعضهم: ثلاث .. فسق الولي، فتنتقل الولاية للأبعد، ذكره في "الروضة" و "أصلها"، ومحله: إذا لم تغلب طاعاته معاصيه؛ كما يؤخذ من كلامهم في (كتاب الشهادات) وإنما يحصل العضل إذا دعت بالغة عاقلة إلى كفء وامتنع الولي من تزويجه وإن كان امتناعه لنقص المهر، أو لكونه من غير نقد البلد؛ لأن المهر يتمحض حقاً لها، بخلاف ما إذا دعت إلى غير كفؤ .. فلا يكون امتناعه عضلاً؛ لأن له حقاً في الكفاءة. ويؤخذ من التعليل أنها لو دعته إلى عنين، أو مجبوب- بالباء- فامتنع .. كان عاضلاً وهو كذلك؛ إذ لا حق له في التمتع. ولو دعت إلى رجل وادعت كفاءته، وأنكرها الولي .. رفع إلى القاضي، فإن ثبتت كفاءته .. لزمه تزويجها منه، فإن امتنع .. زوجها القاضي منه. ولابد من ثبوت العضل عند الحاكم ليزوج، بأن يمتنع الولي من التزويج بين يديه، أو يسكت بعد أمره به، والمرأة والخاطب حاضران، أو تقم البينة عليه لتوار أو تعزز أو غيبته؛

стр. 633

كما في سائر الحقوق، بخلاف ما إذا حضر: فإنه إن زوج .. فقد حصل الغرض، وإلا .. فعاضل، فلا معنى للبينة عند حضوره. ولو عينت كفؤاً، وأراد المجبر كفؤاً غيره .. فله ذلك؛ لأنها مجبرة؛ فليس لها اختيار الزواج، ولأنه أكمل نظراً منها، بخلاف غير المجبر، فإنه لو عين كفؤاً وعينت هي آخر .. زوجها من معينها؛ لأن إذنها شرط في أصل تزويجها فاعتبر معينها، فإن امتنع .. فهو عاضل. وقول الناظم: (كفسق) غير منون؛ لإضافته لمثل ما أضيف له (عضل) وحذف منه العاطف، لكن فسق الأقرب ينقل الولاية للأبعد؛ فلا يصح ما ذكره المصنف فيه؛ لأن الحاكم لا يزوج حينئذ، والظاهر: أن عبارة المصنف كانت: (كعند عضل الأقرب) فتصحفت لفظة (عند) بـ (فسق)، وهذا هو اللائق بمقامه. [حكم خطبة المعتدة والبائن] (حرم صريح خطبة المعتدة ... كذا الجواب لا لرب العدة) (وجاز تعريض لمن قد بانت ... ونكحت عند انقضاء العدة) أي: حرم أنت صريح خطبة المعتدة بكسر الخاء، رجعية كانت أو بائناً، بطلاق أو فسخ أو موت، أو كانت معتدة عن شبهة، كذا الجواب؛ أي: التصريح بجواب خطبتها حرام؛ للإجماع فيهما، لا لرب العدة؛ أي: صاحبها الذي يحل له نكاحها، فلا يحرم عليه التصريح بخطبة تلك المعتدة، ولا يحرم عليها التصريح بجوابه؛ لأنه يحل له نكاحها في عدته. وجاز تعريض بالخطبة للبائن، وتعريض بجوابها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم﴾ أي: أضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه صريحاً ولا تعريضاً، ولا نقطاع سلطنة الزوج عنها، بخلاف التصريح؛ لأنه إذا صرح .. تحققت رغبته فيها، فلربما تكذب في انقطاع العدة، وبخلاف الرجعية فيحرم التعريض لها؛ لأنها في معنى المنكوحة، ونكحت أي: جوازاً عند انقضاء عدتها من شاءت، وكسر الناظم التاء من (بانت) للوزن. وأفهم كلامه: جواز خطبة الخلية عن النكاح والعدة تعريضاً وتصريحاً، وتحريم خطبة المنكوحة كذلك بالإجماع.

стр. 634

والتصريح: ما يقطع بالرغبة في النكاح؛ كـ (أريد أن أنكحك)، أو (إذا انقضت عدتك .. نكحتك)، والتعريض: ما يحتمل الرغبة في النكاح وغيرها؛ كـ (رب راغب فيك)، أو (من يجد مثلك)، أو (أنت جميلة). وفي "البحر" عن "الأم": لو قال: (عندي جماع يرضي من جومعت .. فهو تعريض محرم)، وهذا يدل على أن بعض التعريض حرام. وقال بعضهم: التعريض بالجماع تصريح بالخطبة، ويمكن رد كلام "الأم" إليه. وتحرم خطبة على خطبة من صرح بإجابته إذا لم يأذن فيها ولم يعرض، ولا أعرض عنه المجيب؛ لخبر "الصحيحين"، واللفظ لمسلم: "لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له"، وفي رواية: "حتى يذر". ويشترط للتحريم أيضاً العلم بالخطبة، وبالإجابة والنهي، وكون الأولى جائوة، وسواء أكان الأول مسلماً أم كافراً محترماً، وذكر الأخ في الخبر جري على الغالب، ولأنه أسرع امتثالاً. والمعتبر: رد الولي وإجابته إن كانت مجبرة، وإلا .. فردها وإجابتها، وفي الأمة غير المكاتبة: السيد أو وليه، وفي المجنونة: السلطان، وفي المكاتبة: إجابتها وإجابة السيد معاً. (والأب والجد لبكر أجبرا ... وثيب زواجها تعذرا) (بل إذنها بعد البلوغ قد وجب ... وحرموا من الرضاع والنسب) (لا ولدا يدخل في العمومة ... أو ولد الخؤولة المعلومة) فيها أربع مسائل: [إجبار البكر على النكاح وشروطه] الأولى: يجبر كل من الأب والجد موليته البكر؛ أي: التي لم توطأ في قبلها، وليس بينها وبينه عداوة ظاهرة على النكاح، بمهر المثل؛ من نقد البلد، من كفء لها موسر بمهرها، صغيرة أو كبيرة، باقية البكارة أو فاقدتها بلا وطء؛ كأن زالت بإصبع أو سقطة، أو خلقت بلا

стр. 635

بكارة، أما في باقيتها .. فلخبر مسلم وغيره: "الأيم أحق بنفسها من وليها"، زاد الدارقطني: "والبكر يزوجها أبوها"، وأما في فاقدتها .. فلأنها لم تمارس الرجال بالوطء في محل البكارة، وهي على غباوتها وحيائها فهي كالأبكار، فلا يؤثر زوال حياء الأبكار بمخالطة الرجال مع بقاء البكارة؛ كما نص عليه في "الأم"، وخرج بالقبل الدبر فلا يعتبر عدم وطئه. ويستحب استئذان الكبيرة؛ تطييباً لخاطرها. أما الموطوءة في قبلها حلالاً أو حراماً أو شبهة ولو في حال جنونها أو إكراهها أو نومها .. فلا تجبر وإن عادت بكارتها؛ لخبر مسلم السابق. نعم؛ إن كانت مجنونة ولو صغيرة .. فله تزويجها، وقضية كلام الجمهور: أن الغوراء إذا غابت في قبلها الحشفة ولم تزل بكارتها .. بكر. [تعذر تزويج الثيب الصغيرة] الثانية: الثيب الصغيرة العاقلة يتعذر تزويجها؛ لأن الثيب لا تزوج إلا بإذنها نطقاً، والصغيرة لا إذن لها. [تزويج الثيب البالغة] الثالثة: الثيب البالغة لا يزوجها وليها الأب أو غيره إلا بصريح الإذن. ومن على حاشية النسب؛ كأخ وعم .. لا يزوج صغيرة، أو مجنونة بحال، بكراً كانت أو ثيباً؛ لأنه إنما يزوج بالإذن ولا إذن لها. وأما البكر البالغة: إذا استؤذنت في التزويج .. فيكفي سكوتها وإن لم تعلم أن ذلك إذنها؛ لخبر مسلم: "والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها"، وسواء أضحكت أم بكت، إلا إذا بكت مع صياح وصراخ، وضرب خد .. فإن ذلك يشعر بعدم الرضا، ويكفي سكوتها في تزويجها بغير كفء، لا بغير نقد البلد، ولا بأقل من مهر مثلها.

стр. 636

[بيان المحرمات على التأبيد من النسب والرضاع] الرابعة: في بيان المحرمات في النكاح على التأبيد من النسب والرضاع، وفي ضبطهن عبارتان: أحدهما: قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: تحرم عليه أصوله وفصوله، وفصول أول أصوله، وأول فصل من كل أصل بعده؛ أي: بعد أول الأصول، فالأصول: الأمهات، والفصول: البنات، وفصول أول الأصول: الأخوات وبنات الأخ والأخت، وأول فصل من كل أصل بعد الأصل الأول؛ كالعمات والخالات. الثانية: قال تلميذه الأستاذ أبو منصور البغدادي: تحرم نساء القرابة إلا من دخلت في اسم ولد العمومة، أو ولد الخؤولة. قال الشيخ: وهذه العبارة أرجح؛ لإيجازها، ولأن الأولى لا تنص على الإناث؛ لأن لفظ (الأصول) و (الفصول) يتناول الذكور والإناث، ولأن اللائق بالضابط أن يكون أقصر من المضبوط، والأولى بخلافه، ولهذا اقتصر الناظم ككثير على الثانية. والأصل في المحرمات المذكورة: قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهتكم وبناتكم﴾ الآية، وخبر "الصحيحين": "يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة"، وفي رواية: "من النسب"، وفى أخرى: "حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب". وأمك من النسب: كل أنثى ولدتك، أو ولدت من ولدك بواسطة أو بغيرها، وبنتك منه: كل أنثى ولدتها، أو ولدت من ولدها بواسطة أو بغيرها، وقس عليهما الباقيات. وأمك من الرضاع كل امرأة أرضعتك أو أرضعت من أرضعتك، أو أرضعت من ولدك بواسطة أو بغيرها، أو ولدت المرضعة أو الفحل، وبنتك منه: كل امرأة ارتضعت بلبنك، أو بلبن من ولدته، أو أرضعتها امرأة ولدتها، وكذا بناتها من النسب والرضاع، وقس عليهما الباقيات. أماولد العمومة الشامل لولد الأعمام والعمات، وولد الخؤولة الشامل لولد الأخوال والخالات وإن بعدوا .. فتحل مناكحتهم.

стр. 637

وتحل له المخلوقة من زناه وإن تيقن أنها منه؛ إذ لا حرمة لماء الزنا، فهي أجنبية عنه شرعاً بدليل انتفاء سائر أحكام النسب عنها. نعم؛ يكره ذلك خروجاً من الخلاف، وإذا تحرم على الأب .. فغيره من جهته أولى، وخرج بـ (الأب) " الأم، فيحرم عليها وعلى سائر محارمها نكاح ابنها من الزنا؛ لثبوت النسب والإرث بينهما. ولو تزوج امرأة مجهولة النسب فاستلحقها أبوه .. ثبت نسبها ولا ينفسخ النكاح؛ أي: إن لم يصدقه الزوج، حكاه المزني، ثم قال: وفيه وحشة، قال القاضي في "فتاويه": وليس لنا من يطأ أخته في الإسلام إلا هذا. ولا تحرم مرضعة الأخ وولد الولد، ولا أم مرضعة الولد وبنتها. والألف في قول الناظم: (تعذرا) للإطلاق. [المحرمات بالمصاهرة] ولما ذكر السببين الأولين للتحريم المؤبد وهما النسب والرضاع .. ذكر الثالث وهو المصاهرة فقال: (ومن صهارة بعقد حرما ... زوجات فرعه وأصل قد نما) (وأمهات زوجة إذ تعلم ... وبالدخول فرعها محرم) أي: ومن صهارة يحرم بمجرد العقد الصحيح من غير توقف على الوطء زوجات فرعه؛ من ابن وحافد وإن سفل من نسب أو رضاع؛ قال تعالى: ﴿وحلئل أبنائكم الذين من أصلبكم﴾ لإخراج زوجة من تبناه لا زوجة ابن الرضاع؛ لتحريمها بالخبر السابق، وقدم على مفهوم الآية؛ لتقدم المنطوق على المفهوم حيث لا مانع. وزوجات أصل له من أب وجد وإن علا من نسب أو رضاع؛ قال تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكحء اباؤكم من النساء﴾. وأمهات زوجة له؛ إذ تعلم؛ أي: إذا علمت من أم وجدة وإن علت من نسب أو رضاع؛

стр. 638

قال تعالى: ﴿وأمهت نسائكم﴾، أما الفاسد .. فلا يتعلق به حرمة كما لا يتعلق به حل المنكوحة. وبالدخول بالزوجة فرعها من بنت وحافدة وإن سلفت .. يحرم نكاحها؛ قال تعالى: ﴿وربئبكم التى في حجوركم من نسائكم التى دخلتم بهن﴾. وذكر الحجور جري على الغالب، وكوطئه فيما ذكر استدخال مائه المحترم، فإن لم يكن وطء ولا استدخال .. لم تحرم فروعها؛ بخلاف أمهاتها كما مر، والفرق: أن الرجل يبتلى عادة بمكالمة أمهاتها عقب العقد ليرتبن أموره، فحرمن بالعقد؛ لتسهيل ذلك بخلاف فروعها. وعلم مما ذكر: أنه لا تحرم بنت زوج الأم، ولا أمه، ولا بنت زوج البنت، ولا أمه، ولا أم زوجة الأب، ولا بنتها، ولا زوجة الربيب، ولا زوجة الراب؛ لخروجهن عن المذكورات. [بقية أسباب التحريم المؤبد] وبقي من أسباب التحريم المؤبد أمران: أحدهما: الوطء بملك اليمين، فمن وطء امرأة بملك .. حرمت عليه أمهاتها وبناتها، وحرمت على آبائه وأبنائه؛ لأن الوطء في ملك اليمين نازل منزلة عقد النكاح. ثانيهما: الوطء يشبة، فمن وطء امرأة بشبهة في حقه؛ كأن ظنها زوجته، أو أمته بنكاح أو شراء فاسدين، أو غير ذلك .. تحرم عليه أمهاتها وبناتها، وتحرم على آبائه وأبنائه، كما يثبت هذا الوطء النسب، ويوجب العدة، وسواء ظنته كما ظن أم لا، لا في حقها فقط، ولا مباشرة بشهوة كمفاخذة ولمس. ولو اختلطت محرمه بنسوة قرية كبيرة .. جاز له أن ينكح منهن، وإلا .. امتنع عليه باب النكاح، فإنه وإن سافر إلى بلد آخر لم يأمن مسافرتها إلى ذلك البلد أيضاً، لا بمحصورات؛ كالعشرة والعشرين. ولو طرأ مؤبد تحريم على نكاح .. قطعه؛ كوطء زوجة أبيه أو ابنه بشبهة، أو وطاء الزوج أم زوجته أو بنتها بشبهة. وقول الناظم: (حرما) فعل أمر، وألفه بدل من نون التوكيد، فـ (زوجات) وما عطف عليه منصوب، أو ماض مبني للمعلوم فـ (زوجات) وما عطف عليه منصوب، أو للمجهول فـ (زوجات) وما عطف عليه مرفوع، وألفه: للإطلاق فيهما، وقوله: (نما) أي: انتسب.

стр. 639

[أسباب التحريم لا على التأبيد] ثم التحريم لا على التأبيد له خمسة أسباب: أحدها: الجمع، وقد ذكره بقوله: (يحرم جمع امرأة وأختها ... أو عمة المرأة أو خالتها) أي: يحرم جمع المرأة وأختها، أو عمتها أو خالتها من نسب أو رضاع في نكاح أو وطء بملك؛ قال تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾، وقال ﷺ : "لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أختها لا الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى" رواه أبو داوود وغيره، وقال الترمذي: حسن صحيح، ونحو صدره في "الصحيحين"، ولما فيه من قطيعة الرحم، وإن رضيت بذلك؛ فإن الطبع يتغير، وإليه أشار ﷺ بقوله: "إنكم إذا فعلتم ذلك .. قطعتم أرحامهن" كما في ابن حبان وغيره، وروي بغير هذا اللفظ أيضاً. وضابط من يحرم جمعهما: كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع، لو قدرت إحداهما ذكراً .. لحرم تناكحهما. الثاني: استيفاء عدد الطلاق، فإذا طلق الحر ثلاثاً وغيره طلقتين .. لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً، وتغيب بقبلها حشفته، أو قدرها من مقطوعها، وسيأتي في (باب الرجعة). الثالث: الملك، فلا يصح نكاح الرجل مملوكته، ولا المرأة مملوكها؛ لتناقض أحكام النكاح والملك، فلو ملك أحد الزوجين الآخر أو بعضه .. انفسخ نكاحه. الرابع: الرق، فلا يصح نكاح الرجل أمة فرعه، ولا أمة مكاتبه، ولا الأمة الموصى له بمنافعها، ولا الموقوفة عليه ولا غيرها، إلا بشروط كما مر.

стр. 640

الخامس: الكفر، فيحرم نكاح من لا كتاب لها؛ كوثنية، ومن لها شبهة كتاب وهي المجوسية، وتحل كتابية؛ وهي يهودية أو نصرانية، لا متمسكة بالزبور وغيره؛ قال تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركت حتى يؤمن﴾، وقال: ﴿والمحصنت من الذين اوتوا الكئب من قبلكم﴾ أي: حل لكم. فإن كانت إسرائيلية .. اشترط ألا يعلم دخول أول آبائها في دين موسى أو عيسى عليهما الصلاة والسلام بعد نسخه، أو غيرها .. اشترط العلم بدخول أول آبائها في ذلك قبل نسخه وتحريفه، أو بينهما وتجنبوا المحرف. وتحرم متولدة من وثني وكتابية وعكسه، وإن وافقت السامرة اليهود والصائبون النصارى في أصل دينهم .. حل نكاحهن، وإلا .. فلا، ولو انتقل كافر من ملة إلى ملة .. لم يقر ولا يقبل منه إلا الإسلام، ولا تحل مرتدة لأحد لا من المسلمين، ولا من الكفار. ولو ارتد الزوجان أو أحدهما قبل الدخول .. تنجزت الفرقة، أو بعده .. وقفت، فإن جمعهما الإسلام في العدة .. دام نكاحهما، وإلا .. فالفرقة من الردة، ويحرم الوطء في مدة التوقف ولا حد فيه، وتجب العدة منه. ولو أسلم الكافر وتحته كتابية يحل نكاحها .. دام نكاحه، او غيرها وتخلفت قبل دخول، أو لم تسلم في العدة .. تنجزت الفرقة، ولو أسلمت وأصر .. فكعكسه، أو أسلما معاً .. دام النكاح، وحيث أدمنا .. لا تضر مقارنة العقد لمفسد زال عند الإسلام، ونكاح الكفار محكوم بصحته. ومن قررت .. فلها المسمى الصحيح، ولا شيء لها في الفاسد إن قبضته قبل الإسلام، وإلا .. فمهر مثل، وإن قبضت بعضه .. فلها قسط ما بقي من مهر مثل. ومن اندفعت بإسلام بعد دخول .. فلها مهرها، أو قبله بإسلامه .. فنصفه، أو بإسلامها .. فلا شيء لها. [خيار فسخ النكاح] ثم ذكر خيار النكاح فقال: (وبالجنون والجذام والبرص ... كل من الزوجين إن يختر خلص) (كرتقها أو قرن بخيرته ... كما لها بجبه وعنته) أي: بالجنون ولو متقطعاً؛ وهو زوال الشعور من القلب مع بقاء الحركة والقوة في

стр. 641

الأعضاء، والجذام وإن قل؛ وهو علة يحمر منها العضو ثم يسود ثم يتقطع ويتناثر، والبرص وإن قل؛ وهو بياض شديد يبقع الجلد ويذهب دمويته .. ثبت الخيار بكل منها لكل من الزوجين في فسخ النكاح ليتخلص به وإن قام به ما قام بالآخر؛ لأن الإنسان يعاف من غيره ما لا يعاف من نفسه، وتناول إطلاقهم الثلاثة المستحكم وغيره، وبه صرح الماوردي والمحاملي في الجذام والبرص، لكن شرط الجويني استحكامهما وتبعه ابن الرفعة، قالا: والاستحكام في الجذام يكون بالتقطع، وتردد الإمام فيه، وجوز الاكتفاء باسوداده، وحكم أهل المعرفة باستحكام العلة. كرتقها بفتح التاء، أو قرن بفتح الراء وإسكانها، وهما انسداد محل الجماع منها في الأول بلحم وفي الثاني بعظم، وقيل: بلحم ينبت فيه؛ فإن الزوج يثبت له الخيار بكل منهما، كما يثبت لها الخيار بكل من جبه؛ أي: قطع ذكره بحيث لا يبقى منه قدر الحشفة ولو بفعلها، وعنته؛ أي: عجزه عن الوطء؛ لعدم انتشار آلته وإن حصل ذلك بمرض يدوم كما قاله الجويني وغيره، ولو عن امرأة دون أخرى، أو عن المأتي دون غيره إن كان قبل وطء منه في قبلها في ذلك النكاح؛ بخلاف عنته بعد ذلك؛ لأنها عرفت قدرته ووصلت إلى حقها منه، والعجز بعده لعارض قد يزول، بخلاف الجب بعد الوطء يثبت الخيار؛ لأنه يورث اليأس من الوطء، ويحصل الوطء بتغييب الحشفة، أو قدرها من مقطوعها إن كانت الزوجة ثيباً، فإن كانت بكراً .. قال البغوي: لا يزول حكم العنة إلا بالافتضاض بآلته، ويأتي فيه ما مر عن ابن الرفعة في التحليل، والمراد عنة المكلف كما يعلم مما يأتي، فلا تسمع دعواها على غير المكلف؛ لأن المدة التي تضرب والفسخ يعتمدان إقراره، أو يمينها بعد نكوله، وقوله ساقط، ولأنه غالباً لا يجامع، وربما يجامع بعد الكمال. وشمل كلامه: ما لو حدث غير العنة ولو بعد الوطء. والأصل في ثبوت الخيار بالعيوب السبعة: ما رواه الإمام أحمد وغيره أنه ﷺ تزوج امرأة فرأى بكشحها بياضاً، وفي رواية: (وضحاً) أي: برصاً فقال: "الحقي بأهلك"، وقال لأهلها: "دلستم علي"، والخبر وإن كان ضعيفاً مجبور بما صح عن عمر

стр. 642

رضي الله عنه في تخيير الزوج إذا وجد بزوجت جنونا أو جذاما أو برصا، وقيس بذلك بقية العيوب، والمعنى: أن كلا منها يخل بالتمتع المقصود من النكاح، بل بعضها يفوته بالكلية. وخرج بها: غيرها من بهق وإغماء، وبخر وصنان، واستحاضة وعمى، وزمانة وبله، وخصا وخنوثة واضحة، وإفضاء وعذيطة؛ وهي التغوط عند الجماع، وعيوب تجتمع فتنفر تنفير البرص، وتكسر شهوة التائق؛ كقروح سيالة؛ فلا يثبت الخيار، بخلاف نظيره في البيع؛ لفوات المالية. ويستثنى من ثبوت الخيار بغير العنة: ما إذا علمه عند العقد .. فلا خيار له به وإن زاد؛ لأن رضاه به رضاً بما يتولد منه، أو علم به بعد زواله، أو بعد موت من قام به. وخرج بـ (الزوجين): الولي؛ فإنه لا خيار له بحادث، ولا بمقارن جب وعنة، ويتخير بمقارنة غيرهما، والخيار على الفور؛ كخيار العيب فى البيع. والفسخ بعيبه أو عيبها قبل وطء يسقط المهر، وبعده يوجب مهر مثل إن فسخ بمقارن، أو بحادث بين العقد والوطء، وإلا .. فالمسمى؛ كانفساخه بردة بعد وطء، ولا يرجع بعد الفسخ بالمهر الذي غرمه على من غره؛ لاستيفائه منفعة البضع المتقوم عليه بالعقد. ويشترط في الفسح بالعيوب: رفع إلى الحاكم؛ ليفسخ بحضرته بعد ثبوته. وتثبت العنة بإقراره عند الحاكم، أو ببينة على إقراره، ولا يتصور ثبوتها بالبينة؛ إذ لا إطلاع للشهود عليها، وكذا بيمينها بعد نكوله، وإذا ثبتت .. ضرب القاضي له سنة بطلبها؛ كما فعله عمر رضي الله تعالى عنه، فلو سكتت لجهل أو دهشة .. فلا بأس بتنبيهها، ويكفي في الضرب قولها: (إني طالبة حقي على موجب الشرع) وإن جهلت الحكم على التفصيل، ولا فرق في ضرب السنة بين الحر والعبد. فإذا تمت السنة .. رفعته إليه، فإن قال: (وطئت) ولم تصدقه .. حلف، فإن نكل .. حلفت، فإن حلفت أو أقر وقال لها القاضي: ثبتت العنة أو حق الفسخ .. استقلت به. ولو اعتزلته أو مرضت أو حبست في المدة .. لم تحسب وتستأنف سنة أخرى، بخلاف ما لو وقع مثل ذلك للزوج في السنة .. فإنها تحسب، ولو رضيت به بعدها أو أجلته .. بطل حقها.

стр. 643

باب الصداق هو بفتح الصاد وكسرها: ما وجب بنكاح أو وطء، أو تفويت بضع قهرا؛ كرضاع ورجوع شهود. والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وءاتوا النساء صدقتهن نحلة﴾، وقوله تعالى: ﴿وءاتوهن أجورهن﴾، وقوله ﷺ لمريد التزويج: «التمس ولو خاتما من حديد» رواه الشيخان. (يسن في العقد -ولو قليلا- ... مهر كنفع لم يكن مجهولا) (لو لم يسم صح عقد، وانحتم ... مهر بفرض منهما أو من حكم) (وإن يطأ أو مات فرد أوجب ... كمهر مثل عصبات النسب) (وبالطلاق قبل وطئه سقط ... نصف، كما إذا تخالعا يحط) فيها خمس مسائل: ] استحباب تسمية الصداق في عقد النكاح [ الأولى: يسن الصداق في عقد النكاح ولو كان قليلا؛ أي: في غير تزويج عبده بأمته؛ لأنه ﷺ لم يخل نكاحا منه، ويستحب ألا ينقص عن عشرة دراهم خالصة؛ لأن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه لا يجوز أقل منها، وألا يزاد على خمس مئة درهم خالصة صداق رسول الله ﷺ لأزواجه، رواه مسلم عن عائشة، فيجوز إخلاؤه منها إجماعا كما سيأتي، وقد يتعين على الولي ذكره في العقد مراعاة لمصلحة موليه. ] ضابط ما يصح جعله صداقا [ الثانية: المهر كالثمن وهو المراد بقوله: (كنفع)، فما صح ثمنا .. صح صداقا، وما لا .. فلا، ولا يجوز أن يصدقها ما لا يتمول ولا مجهولا ونحوهما، ويجوز الاعتياض عنه

стр. 644

إن كان دينا، ويضمنه الزوج قبل تسليمه ضمان عقد، حتى يمتنع بيعه قبل قبضه، وترجع المرأة إلى مهر المثل لا إلى قيمته أو مثله إذا تلف قبل قبضه، إلا إذا أتلفته .. فتكون قابضة له، أو أتلفه أجنبي .. فتتخير بين الفسخ والرجوع إلى مهر المثل، وبين الإجازة وتغريم الأجنبي مثل المهر أو قيمته، وحتى تتخير عند تلف البعض كأحد العبدين بين الفسخ والرجوع إلى مهر المثل، وبين الإجازة والرجوع إلى قيمة حصة التالف من مهر المثل، وحتى تتخير عند التعييب؛ كالعمى بين الإجازة بلا أرش، وبين الفسخ والرجوع إلى مهر المثل وإن لم يكن ركنا كالثمن؛ لأن معظم الغرض من النكاح التمتع، ولهذا أسماه الله تعالى نحلة. ] صحة العقد دون ذكر الصداق [ الثالثة: لو لم يسم الصداق في عقد النكاح .. صح؛ للإجماع، ولقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾، ويجب مهر المثل بالعقد. ] وجوب المهر بفرض الزوجين أو الحاكم [ الرابعة: انحتم؛ أي: وجب مهر بفرض منهما؛ أي: من الزوجين؛ كأن فرض لها قدرا ورضيت به وإن جهلا أو أحدهما قدر مهر المثل؛ اكتفاء بما تراضيا عليه، ولأن المفروض ليس بدلا عن مهر المثل ليشترط العلم به، بل الواجب أحدهما مبهما، ولا فرق فيما فرضاه بين أن يساوي مهر مثلها، أو يزيد عليه ولو من جنسه، أو ينقص عنه حالا أو مؤجلا كالمسمى في العقد، فإن لم ترض بما فرضه الزوج .. فكأنه لم يفرض؛ لأنه حق يجب لها فيوقف على رضاها كالمسمى في العقد. قال الأذرعي: والقياس الذي لا ينقدح غيره: أنه إذا فرض لها مهر مثلها حالا من نقد البلد .. لا يشترط رضاها به؛ لأن اشتراطه حينئذ عبث، ويحمل كلامهم على غير هذه الصورة. ولو امتنع الزوج من الفرض، أو تنازعا في قدره .. فرض الحاكم لها مهر مثلها من نقد البلد حالا وإن رضيت بالتأجيل، فتؤخر هي إن شاءت، ويشترط علمه بقدر مهر مثلها حتى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه. نعم؛ القدر اليسير الواقع في محل الاجتهاد لا عبرة به، ولا يتوقف لزوم ما يفرضه على رضاهما به؛ لأنه حكم منه. وأفهم كلامه: أنه لا يصح فرض أجنبي من ماله؛ لأنه خلاف ما يقتضيه العقد، وأن الفرض

стр. 645

الصحيح كالمسمى في العقد فيتشطر بالطلاق قبل الوطء، وانه لو طلق قبلهما .. فلا شطر، فإن وطئها أو مات أحدهما .. وجب لها مهر المثل، أما في الأولى .. فلأن الوطئ لا يباح بالإباحة؛ لما فيه من حق الله تعالى، ولأن شرط المال في الزنا لا يثبته؛ لعدم تعلقه به شرعا، فلا ينتفي في الوطء المحترم بنفيه؛ لتعلقه به شرعا، وأما في الثانية .. فلأن الموت؛ كالوطء في تقرير المسمى، فكذا في إيجاب مهر المثل في التفويض، ولأن بروع بنت واشق نكحت بلا مهر فمات زوجها، فقضى لها رسول الله ﷺ بمهر نسائها وبالميراث، رواه أبو داوود وغيره، وقال الترمذي: حسن صحيح، ولا اعتبار بما قيل في إسناده. ] ما يعتبر في مهر المثل [ قوله: (كمهر مثل عصبات النسب) أي: أن الاعتبار في مهر مثلها- وهو مايرغب به في مثلها- بنساء عصبات النسب، فيراعى أقرب من تنسب من نساء العصبات إلى من تنسب هذه إليه، فتقدم أخوات لأبوين ثم لأب، ثم بنات أخ ثم بنات ابنه، ثم عمات، ثم بنات أعمام كذلك، فإن تعذر الاعتبار بهن؛ لعدمهن أو جهل مهرهن أو نسبهن، أو لأنه لم ينكحن .. اعتبر بذوات الأرحام؛ كجدات وخالات تقدم الجهة القربى منهن على غيرها، وتقدم القربى من الجهة الواحدة؛ كالجدات على غيرها. قال الماوردي: وتقدم من ذوات الأرحام الأم، ثم الأخت للأم، ثم الجدات، ثم الخالات، ثم بنات الأخوات، ثم بنات الأخوال. ويعتبر في المذكورات البلد أيضا، فلو كن ببلدين وهي بأحدهما .. اعتبر بمن ببلدها، فإن كن كلهن ببلد أخرى .. اعتبر بهن، لا بأجنبيات بلدها؛ كما فى "الروضة" و"أصلها"، ويعتبر سن وعقل ويسار وبكارة وثيوبة، وما اختلف به غرض؛ كجمال وعفة، وعلم وفصاحة، وشرف ونسب، فيعتبر مهر من شاركتهن المطلوب مهرها في شئ مما ذكر. فإن اختصت عنهن بفضل أو نقص مما ذكر .. زيد في مهرها، أو نقص لائق بالحال. فإن تعذر الاعتبار بهن .. اعتبر بمن يساويها من نساء بلدها، ثم أقرب البلاد إليها، ثم أقرب النساء بها شبها.

стр. 646

وتعتبر العربية بعربية مثلها، والقروية بقروية مثله، والأمة بأمة مثلها، وينظر إلى شرف سيدها وخسته، ولو سامحت واحدة منهن .. لم تجب موافقتها اعتبارا بالغالب. ولو خفضن للعشيرة فقط .. اعتبر ذلك في المطلوب مهرها في حق العشيرة دون غيرهم، والمعتبر في مهر المثل أكثر مهر من العقد إلى الوطء؛ لأن البضع دخل بالعقد في ضمانه واقترن به الإتلاف فوجب الأكثر؛ كالمقبوض بشراء فاسد. وأطلق الشيخان فيما لو مات أحدهما قبل الفرض والوطء أوجها: أحدها: تعتبر حالة العقد، وثانيها: حالة الموت، وثالثها: أكثرهما. وأما فرض الحاكم .. فالمعتبر فيه حالة العقد، ومحل ما ذكره الناظم بقوله: (وانحتم ... ) إلى آخره: ما إذا جرى تفويض صحيح بأن قال سيد أمة: (زوجتكها بلا مهر)، أو سكت عنه، أو قالت رشيدة بكرا كانت أو ثيبا: (زوجنى بلا مهر)، أو (على أن لا مهر لي)، فزوجها بلا مهر أو سكت عنه، أو زوجها بدون مهر المثل، أو بغير نقد البلد .. فلا يجب لها شئ بنفس العقد. وخرج بـ (الرشيدة): غيرها فتفويضها لغو، لكن يستفيد به الولي من السفيهة إذنها في النكاح، وبقولها: (بلا مهر): ما إذا أطلقت .. فليس بتفويض كما رجحه في "الشرح الصغير" لأن النكاح يعقد بالمهر غالبا فيحمل الإذن عليه؛ كما لو أذن في بيع ملكه. أما إذا زوجها وليها بمهر المثل من نقد البلد .. فإنه يصح بالمسمى، ولها قبل الوطء مطالبة الزوج؛ بأن يفرض لها مهرا، وحبس نفسها ليفرض؛ لتكون على بصيرة في تسليم نفسها، وكذا التسليم المفروض في الأصح؛ كالمسمى في العقد. ويجب بوطء في نكاح فاسد مهر مثل يوم الوطء؛ كوطء الشبهة نظرا إلى يوم الإتلاف لا يوم العقد؛ لأنه لا حرمة للعقد الفاسد، فإن تكرر الوطء .. فمهر واحد، لكن في أعلى الأحوال؛ لأنه لو لم يقع إلا الوطأة فيها .. لوجب ذلك المهر، فالوطآت الزائدة إذا لم تقتض زيادة .. لا توجب نقصا. ولو تكرر وطء بشبهة واحدة .. فمهر واحد، فإن تعدد جنسها .. تعدد المهر بعدد الوطآت.

стр. 647

ولو تكرر وطء مغصوبة، أو مكرهو على زنا .. تكرر المهر بتكرر الوطء. ولو تكرر وطء الأصل أمة فرعه، أو الشريك الأمة المشتركة، أو السيد المكاتبة .. فمهر واحد؛ لشمول شبهة الإعفاف والملك لجميع الوطآت. ] تشطير المهر بالطلاق قبل الدخول [ الخامسة: بالطلاق؛ أي: أو نحوه قبل وطئه يسقط عنه نصف المهر إن كان دينا في ذمته، ويعود إليه نصفه بنفس الطلاق إن كان عينا، ولم يزد ولم ينقص وإن لم يختر عوده، ولم يقض به قاض، أو خرج عن ملكها وعاد، سواء أطلقها بنفسه أم بوكيله، ام فوضه إليها فطلقت نفسها، أن علقه بفعلها ففعلت؛ كما إذا تخالعا .. فإنه يحط عنه نصف المهر؛ لأن المغلب فيه جانب الزوج لاستقلاله بالفراق. وشمل تعبيره بـ (المهر): ما وجب بالعقد بتسمية صحيحة أو فاسدة أو غيرها، أو بفرض صحيح بعده، والأصل في هذا: قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾، وقيس بالطلاق غيره من كل فرقة في الحياة لا منها ولا بسببها؛ كإسلامه وردته، وشرائه إياها ولعانه، وإرضاع أمه لها وهى صغيرة، أو أمها له وهو صغير، ولأن قضية ارتفاع العقد قبل تسليم المعقود عليه: سقوط كل الفرض كما في البيع، إلا أن الزوجة كالمسلمة لزوجها بالعقد من وجه؛ لنفوذ تصرفاته التي يملكها بالنكاح من غير توقف على قبض، فاستقر لذلك بعض العوض وسقط بعضه؛ لعدم اتصاله بالمقصود. وخرج بـ (الفرض الصحيح): الفاسد كخمر؛ إذ لا عبرة به بعد إخلاء العقد عن العوض بالكلية. أما إذا لم يجب مهر؛ بأن فارق المفوضة قبل الفرض والوطء .. فلا تشطير كما مر. أما إذا كانت الفرقة منها؛ كفسخها بعيبها .. فإنها تسقط المهر؛ لأنها من جهتها، وكذا شراؤها إياه. ولو طلق والمهر تالف حسا أو شرعا بعد قبضها .. فنصف بدله من مثل في المثلي، أو قيمة في المتقوم.

стр. 648

وإن تعيب في يدها: فإن قنع به .. أخذه بلا أرش، وإلا .. فنصف بدله سليما؛ دفعا للضرر عنه، وإن تعيب قبل قبضها ورضيت به .. فله نصفه ناقصا بلا خيار ولا أرش؛ لأنه نقص حال كونه من ضمانه، وإن تعيب بجناية .. فالأصح: أن له نصف الأرش؛ لأنه بدل الفائت. ولها زيادة منفصلة؛ كاللبن والكسب، وخيار في متصلة؛ كالسمن، وتعلم صنعة، وحرث أرض الزراعة، فإن شحت فيها .. فنصف قيمته بلا زيادة، وإن سمحت بها .. لزمه القبول وليس له طلب نصف القيمة. وإن زاد ونقص؛ ككبر عبد، وطول نخلة مع قلة ثمرتها، وحمل أمة وبهيمة، وتعلم صنعة مع برص: فإن اتفقا بنصف العين .. فذاك، وإلا .. فنصف قيمة العين خالية عن الزيادة والنقص، ولا تجبر على دفع نصف العين للزيادة، ولا هو على قبوله للنقص. ومتى ثبت خيار له أو لهما .. لم يملك نصفه حتى يختار ذو الاختيار، ومتى رجع بقيمة .. اعتبر الأقل من يوم الإصداق إلى القبض. ولو وهبته له ثم طلق .. فالأظهر: أن له نصف بدله من مثل أو قيمة؛ لأنه ملكه قبل الطلاق عن غير جهته، فلو وهبته نصفه .. فله نصف الباقي وربع بدل كله؛ لأن الهبة وردت على مطلق الجملة فتشيع فيما أخرجته وما أبقته، وإن كان دينا فأبرأته .. لم يرجع عليها على المذهب بخلاف هبة العين، والفرق: أنها في الدين لم تأخذ منه مالا ولم تتحصل على شئ. ويجب لمطلقة قبل وطء متعة إن لم يجب لها شطر مهر، وكذا الموطوءة في الأظهر، وفرقة لا بسببها كطلاق؛ كأن اشترى زوجته، ويستحب ألا تنقص عن ثلاثين درهما، ولا أن تزاد على خادم، ولا حد للواجب، وإذا تراضيا بشئ .. فذاك، فإن تنازعا .. قدرها الحاكم باجتهاده معتبرا حالهما؛ كيسار الزوج وإعساره، ونسب الزوجة وصفاتها. وكسر الناظم باء (أوجب) للوزن. ] حبس الرشيدة نفسها حتى تقبض صداقها [ وفي بعض النسخ: (وحبسها لنفسها وفاقها ... حتى تراها قبضت صداقها) أي: وحبس الزوجة يعني: البالغة العاقلة الحرة الرشيدة ثابت لها، وفاقها؛ أي:

стр. 649

لتظاهرها حتى تراها قبضت صداقها المعين، أو الحال كالبائع، سواء أخر الزوج تسليمه لعذر أم لا، والحبس في غير الرشيدة لوليها، وفي الأمة لسيدها أو لوليه، فإن كان مؤجلا .. فلا حبس وإن حل قبل تسليمها؛ لوجوب تسليمها قبل الحلول؛ لأنها رضيت بالتأجيل، ولو قال كل: (لا أسلم حتى تسلم) .. أجبرا، فيؤمر بوضعه عند عدل وتؤمر بالتمكين، فإذا سلمت .. أعطاها العدل، ولو بادرت فمكنت .. طالبته بالصداق، فإن لم يطأ .. امتنعت حتى يسلمه، وإن وطئها مختارة .. فلا، ولو بادر فسلم .. فلتمكن، فإن امتنعت ولو بلا عذر .. لم يسترده، ولو استمهلت لتنظف ونحوه .. وجب إمهالها ما يراه الحاكم، ولا يجاوز ثلاثة أيام لا لينقطع حيض؛ لأن مدته قد تطول، ويتأتى الاستمتاع معه بغير الوطء. ولا تسلم صغيرة، ولا مريضة حتى يزول مانع وطء. ويستقر المهر بوطء وإن حرم كحائض، وبموت أحدهما، لا بخلوة، ولا بموت أحدهما في نكاح فاسد.

стр. 650

باب الوليمة هي من الولم وهو الاجتماع، وهي تقع على كل طعام يتخذ لسرور حادث من عرس وإملاك وغيرهما، لكن استعمالها في العرس أشهر. (وليمة العرس بشاة قد ندب ... لكن إجابة بلا عذر تجب) (وإن أراد من دعاه يأكل ... ففطره من صوم نفل أفضل) أي: فعل وليمة العرس بشاة قد ندب؛ لثبوته عنه ﷺ قولا وفعلا، ففي "البخاري": (أنه ﷺ أولم على بعض نسائه بمدين من شعير)، وفي "الصحيحين": (أنه أولم على صفية بتمر وسمن وأقط)، وأنه قال لعبد الرحمن بن عوف وقد تزوج: «أولم ولو بشاة»، والأمر فيه للندب؛ قياسا على الأضحية وسائر الولائم، ولأنه أمر فيه بالشاة، فلو كان الأمر فيه للوجوب .. لوجبت، وهي لا تجب إجماعا. وقول الناظم: (بشاة) هو أقلها للمتمكن، أما غيره .. فأقلها ما يقدر عليه، قال النشائي: والمراد: أقل الكمال شاة؛ لقول "التنبيه": وبأي شئ أولم من الطعام .. جاز. ] وجوب إجابة الدعوة وشروطه [ لكن إجابة بلا عذر تجب عينا على من دعي إليها دون غيرها من الولائم؛ لخبر "الصحيحين": «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة .. فليأتها»، وخبر مسلم: «شر الطعام طعام الوليمة؛ يدعى لها الأغنياء وتترك الفقراء، ومن لم يجب الدعوة .. فقد عصى الله

стр. 651

ورسوله»، والمراد: وليمة العرس؛ لأنها المعهودة عندهم، ويؤيد ما في "مسلم" أيضا: «إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس .. فليجب». ويعتبر لوجوب الإجابة أمور: أحدها: أن يكون الداعي مسلما، فلا تجب على المسلم بدعوة كافر؛ لانتفاء طلب المودة معه، ولأنه يستقذر طعامه؛ لاحتمال نجاسته وفساد تصرفه. ثانيها: أن يكون المدعو مسلما أيضا، فلو دعا مسلم كافرا .. لم تلزمه الإجابة، ذكره الماوردي والروياني. ثالثها: أن يدعوه في اليوم الأول، فلو أولم ثلاثة .. وجبت في الأول، وسنت في الثاني، وكرهت في الثالث. رابعها: أن تكون الدعوة عامة؛ بأن يدعو جميع عشيرته، أو جيرانه، أو أهل حرفته وإن كانوا كلهم أغنياء، فلو خص الأغنياء منهم .. لم تجب الإجابة. خامسها: ألا يدعوه لخوف منه، أو طمع في جاهه، أو إعانته على باطل. سادسها: ألا يكون معذورا، فإن كان له عذر .. لم تجب عليه الإجابة؛ كأن يكون هناك من يتأذى به، أو لا تليق به مجالسته؛ كالسفلة والأراذل، أو يكون هناك منكر لا يقدر على إزالته؛ كشرب خمر وضرب ملاه واستعمال أواني الذهب أو الفضة، وافتراش مسروق ومغصوب، وكذا جلود نمور بقي وبرها، وصورة حيوان على سقف أو جدار أو وسادة منصوبة أو ستر معلق، أو يكون معذورا بما يرخص في ترك الجماعة. سابعها: كون الطعام حلالا. ثامنها: كون المدعو غير قاض. تاسعها: ألا يعارض الداعي غيره، فلو دعاه اثنان .. قدم بالسبق، ثم بقرب الرحم، ثم بقرب الدار، ثم بالقرعة. عاشرها: أن يخصه بالدعوة، فلو فتح الباب وقال: (ليحضر من يريد)، أو قال لغيره: (ادع من شئت) .. لم تجب الإجابة ولم تسن؛ لأن امتناعه حينئذ لا يورث وحشة.

стр. 652

حادي عشرها: أن يكون الداعي مطلق التصرف، فلا تجب إجابة غيره. ثاني عشرها: ألا يعتذر المدعو للداعي ويرضى بتخلفه. وإن أراد من دعاه إلى طعامه أكله منه ليتبرك به أو نحوه، وشق عليه صومه .. فأكله من طعام أخيه الداعي إذا كان في صوم نفل أفضل من صومه؛ لما فيه من جبر خاطره، وإدخال السرور على قلبه، وإن لم يشق عليه .. فإتمامه أفضل، أما صوم الفرض .. فلا يجوز الخروج منه مضيقا كان أو موسعا؛ كالنذر المطلق. ويستحب للمفطر الأكل، وقيل: يجب، وأقله لقمة، ويأكل الضيف مما قدم له بلا لفظ من المضيف؛ اكتفاء بقرينة التقديم. نعم؛ إن كان ينتظر حضور غيره .. فلا يأكل حتى يحضر، أو يأذن المضيف لفظا، ولا يتصرف فيه إلا بأكل، فلا يطعم حرة ولا سائلا إلا إن علم رضاه، وللضيف تلقيم صاحبه إلا أن يفاضل طعامهما، ويكره تفاضله. ويحرم التطفل، وله أخذ ما علم رضاه به، ويجوز نثر نحو السكر في إملاك، أو ختان والتقاطه.

стр. 653

باب القَسْمِ والنُشُوز بفتح القاف, لكل من الزوجين على الآخر حق, قال الشيخان: فحقه عليها: كالطاعة وملازمة المسكن، وحقها عليه: كالمهر والنفقة والمعاشرة بالمعروف التي منها القسم، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. (وبينَ زَوْجَاتٍ فَقَسْمٌ حُتِمَا ... ولَوْ مَرِيضَةً وَرَتْقَا اِنَّمَا) (لِغَيرِ مَقسُومٍ لَهَا يُغْتَفَرُ ... دُخُولُهُ في الَّليلِ حيثُ ضَرَرُ) (وفي النَّهَارِ عندَ حاجَةٍ دَعَتْ ... كأَنْ يَعُودَهَا إذا ما مَرِضَتْ) (وإنَّمَا بِقُرْعَةٍ يُسَافِرُ ... وَيَبْتَدِي بِبَعْضِهِنَّ الحاضِرُ) (والبِكْرُ تَخْتَصُّ بِسَبْعٍ أَوَّلا ... وَثَيِّبٌ ثَلاثَةً عَلَى الْوِلا) (ومَنْ أَمَارَاتِ النُّشُوزِ لَحَظَا ... مِن زوجَةٍ قَوْلاً وفِعْلاً وَعَظَا) (وَلْيَهْجُرَنْ حيثُ النُّشُوزُ حَقَّقَهْ ... ويَسْقُطُ القَسْمُ لَهَا والنَّفَقَهْ) (فإِنْ أَصَرَّتْ جازَ ضَرْبٌ إِن نَجَعْ ... في غير وَجْهٍ مَعْ ضَمَانِ ما وَقَعْ) فيها سبع مسائل: [وجوب القسم بين الزوجات] الأولى: القسم بين الزوجات أو الزوجتين واجبٌ على الزوج إذا أراد المبيت عند واحدة ولو امتنع الوطء طبعاً أو شرعاً؛ كأن كانت الزوجة مريضة أو رتقاء أو حائضاً, أو محرمة كالنفقة, قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنّ بالمعروف﴾ , وقال ﷺ : «إذا كانت عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما .. جاء يوم القيامة وشقه مائل أو ساقط» , وكان يقسم بين نسائه ويقول: «اللهم؛ هذا قسُمي فيما أملك, فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " رواهما أبو داوود وغيره, وصحح الحاكم الأول وإسناد الثاني.

стр. 654

فيحرم التفضيل وإن ترجحت واحدة بشرفي وغيره, لكن لحرة مثلا أمة, وإنما وجب القسم مع امتناع الجماع؛ لأن المقصود الأنس والتحرز عن التخصيص الموحش لا الجماع؛ لأنه يتعلق بالنشاط ولا يملكه, ولهذا لا تجب التسوية فيه ولا في غيره من التمتعات, لكن يستحب, ولا قسم لمعتدة وناشزة. وخرج بـ (الزوجات): الإماء وإن كن مستولدات, قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] أشعر ذلك بأنه لا يجب العدل الذي هو فائدة القسم في ملك اليمين, لكن يستحب؛ كي لا يحقد بعض الإماء على بعض. والمراد من القسم للزوجات - والأصل فيه الليل كما سيأتي -: أن يبيت عندهن, ولا يلزمه ذلك ابتداء؛ لأنه حقّه فله تركه, وإنما يلزمه إذا بات عند بعض نسوته, سواءً أبات عند البعض بقرعة أم لا, وسيأتي وجوبها لذلك, ولو أعرض عنهن أو عن الواحدة ابتداءً, أو بعد القسم .. لم يأثم. ويستحب ألا يعطلهن؛ بأن يبيت عندهن ويحصنهن وكذا الواحدة. وأدنى درجاتها: ألا يخليها كل أربع ليالي عن ليلة اعتباراً بمن له أربع زوجات, فإن لم ينفرد بمسكن .. دار عليهن في بيوتهن, وإلا ... فالأفضل ذلك: صوناً لهن عن الخروج من المساكن, وله دعاؤهن إلى مسكنه, وعليهن الإجابة. ويحرم ذهابه إلى بعضٍ ودعاءُ بعضٍ - إلا لغرضٍ؛ كقرب مسكن من ذهب إليها - وإقامتُه بمسكن واحدة ودعاؤهن إليه؛ لما في إتيانهن إليه من المشقة عليهن, وتفضيلها عليهن, وجمع ضرتين في مسكن إلا برضاهما؛ لأن جمعهما فيه مع تباغضهما يورث كثرة المخاصمة ويشوش العشرة, فإن رضيتا به .. جاز, لكن يكره وطء إحداهما بحضرة الأخرى؛ لأنه بعيد عن المروعة, ولا تلزمها الإجابة إليه. ولو اشتملت دار على حجر مفردة المرافق .. جاز إسكان الضرات فيها من غير رضاهن, وكذا إسكان واحدة في السفل وأخرى في العلو والمرافق متميزة؛ لأن كلاً مما ذكر مسكن. وله ترتيب القسم على ليلة ويوم قبلها أو بعدها, والأصل الليل, والنهار تبع؛ لأن الليل وقت السكون, والنهار وقت التردد في الحوائج, قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧] , وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠ - ١١] , فإن عمل ليلاً وسكن نهاراً كحارس .. فالأصل في حقه النهار والليل تابعٌ.

стр. 655

وأمّا المسافر ومعه زوجاته .. فعماد القسم في حقه وقت النزول ليلاً كان أو نهاراً, قليلاً كان أو كثيراً. [دخول الزوج على غير المقسوم لها] الثانية: إنما يجوز دخول زوجٍ عماد قسمه الليل فيه على غير المقسوم لها لضرورة؛ كمرضها المخوف ولو ظناً، قال الغزالي: أو احتمالاً"، وكحريق وشدة طلق, وحينئذ إن طال مكثه .. قضى مثل ما مكث من نوبة المدخول عليها, وإلاَّ ... فلا يقضي, وكذا إن تعدى بالدخول .. يقضي إن طال مكثه, وإلا ... فلا, لكنه يعصي, وقدر القاضي حسين الطول بثلث الليل, والصحيح: لا تقدير. [دخوله فى النهار على غير صاحبة النوبة] الثالثة: يجوز دخوله في النهار على غير صاحبة النوبة؛ لحاجة كعيادتها إذا مرضت, وتسليم نفقة ووضع متاع أو أخذه, وينبغي ألا يطول مكثه, فإن طول .. قال في «المهذب»: يجب القضاء, ولم يذكره الشيخان, ولا يقضي زمن الحاجة, وله استمتاع بغير وطء, ويقضي إن دخل بلا سبب, ولا تجب عليه تسوية في إقامته نهاراً؛ لتبعيته لليل. وأقل نوب القسم: ليلة وهو أفضل؛ لقرب العهد به من كلهن, فلا يجوز ببعض ليلة, ولا بليلة وبعض أخرى؛ لما في التبعيض من تشويش العيش, ويجوز ليلتين وثلاثاً، ولا يجوز الزيادة عليها وإن تفرقن في البلاد إلاّ برضاهن؛ لأن فيها إيحاشاً وهجراً لهن. [سفر الزوج ببعض زوجاته] الرابعة: لا يجوز للزوج أن يسافر ببعض زوجاته لغير نقلة ولو سفراً قصيراً إلا بقرعة, فإن سافر بها .. لم يقض مدة سفره ذهاباً ولا إياباً, ففي «الصحيحين»: (أنه ﷺ كان إذا أراد سفراً .. أقرع بين نسائه, فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه) , ولم ينقل عنه قضاء بعد عوده, فصار سقوط القضاء من رخص السفر؛ لمشقته, وقيد الغزالي ذلك بما إذا كان السفر مرخصاً, قال الشيخان: وهذا يقتضي وجوب القضاء في سفر المعصية. انتهى.

стр. 656

لكنه يقضي مدة الإقامة إن لم يعتزلها فيها, وأمّا من سافر لنقلة .. فيحرم عليه أن يستصحب بعضهن بقرعة ودونها وأن يخلفهن؛ حذراً من الإضرار, بل ينقلهن أو يطلقهن, فإن سافر ببعضهن ولو بقرعة .. قضى للمتخلفات حتى مدة السفر, ومن سافرت وحدها بغير إذنه .. ناشزة, وبإذنه لغرضه؛ كأن أرسلها في حاجته .. يقضي لها ما فاتها, ولغرضها، , لا يقضي. [القرعة بين الزوجات عند بدء المبيت] الخامسة: لا يجوز للزوج أن يبتدئ بالمبيت عند بعض زوجاته إلا بقرعةٍ؛ تحرزاً عن الترجيح فيه, فيبدأ بمن خرجت قرعتها, وبعد تمام نوبتها يقرع بين الباقيات, ثم بين الأخريين, فإذا تمت النوب .. راعى الترتيب ولا يحتاج إلى إعادة القرعة, ولو بدأ بواحدة بلا قرعة .. فقد ظلم, ويقرع بين الثلاث, فإذا تمت النوب .. أقرع بين الجميع وكأنه ابتدأ القسم. [اختصاص البكر عند الزفاف بسبع ليال] السادسة: تختص الزوجة الجديدة البكر عند الزفاف بسبع ولاءً بلا قضاءٍ, والثيب بثلاثة ولاءً بلا قضاء؛ لخبر ابن حبان في (صحيحه): «سبع للبكر وثلاث للثيب «, وفي " الصحيحين» عن أنسٍ: (من السنة إذا تزوج البكر على الثيب .. أقام عندها سبعاً ثم قسم, وإذا تزوج الثيب على البكر .. أقام عندها ثلاثاً ثم قسم) , والمعنى فيه: زوال الحشمة بينهما, وزيد للبكر؛ لأن حياءها أكثر. والمراد ب (البكر): من يكفي سكوتها في الإذن في النكاح. ولا فرق في الجديدة بين الحرة والأمة, والمسلمة والكافرة, حتى لو وفاها حقها وأبانها ثم جدد نكاحها .. وجب لها ذلك؛ لعود الجهة, وكذا لو أعتق مستولدته, أو مستفرشته ثم نكحها, ولو أقام عند البكر ثلاثاً وافتضها, ثم أبانها ونكحها .. فلها حق الثيب. وخرج بـ (الجديدة): الرجعية؛ لبقائها على النكاح الأول, وإنما اعتبر ولاء المدتين المذكورتين؛ لأن الحشمة لا تزول بالمفرق, فلو فرق .. لم يحسب, فيوفيها حقها ولاء ثم يقضي ما فرق.

стр. 657

والتخصيص المذكور واجب للمعنى المتقدم, وإنما يجب إذا كان في نكاحه أخرى يبيت عندها, وإلاً .. فلا وجوب؛ لأن له تركهن كما مر, وصرح به القاضي والبغوي, ونقله الشيخان عن البغوي وأقراه. ويسن تخيير الثيب بين ثلاث بلا قضاء وسبع بقضاء؛ كما فعل رسول الله ﷺ بأم سلمة حيث قال لها: «إن شئت .. سَبَعْتُ عندك وسبعت عندهن, وإن شئت .. ثلثت عندك وَدُرْتُ, أي: بالقسم الأول, وإلا .. لقال: وثلثت عندهن, رواه مالك, وكذا مسلم بمعناه. ولو زاد البكر على السبع ولو بطلبها .. قضى الزائد للأخريات, وكذا لو زاد الثيب على الثلاث بغير اختيارها .. يقضي الزائد؛ كما يقضي السبع إذا اختارتها؛ لأنها طمعت في الحق المشروع لغيرها فبطل حقها. ومن وهبت حقها من القسم لغيرها .. لم يلزم الزوج الرضا؛ لأن الاستمتاع بها حقه فلا يلزمه تركه, وله أن يبيت عندها في ليلتها, فإن رضي ووهبت لمعينة .. بات عندها في ليلتها؛ كل ليلة في وقتها متصلتين كانتا أو منفصلتين, أو لهن .. سوّى, فيجعل الواهبة كالمعدومة, ويقسم بين الباقيات, أو له .. فله التخصيص. [إذا لحظ الزوج أمارات النشوز من زوجته] السابعة: من لحظ أمارات النشوز من زوجته؛ أي: ظهرت له, قولاً؛ كأن تجيبه بكلام خشن بعد أن كان بلين, أو فعلاً؛ كأن يجد منها إعراضاً وعبوساً بعد لطفي وطلاقة وجه .. وعظها ندباً؛ لآية: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] , ولا يهجر مضجعها, ولا يضربها؛ فلعلها تبدي عذراً, أو تتوب عما جرى منها من غير عذر. والوعظ: كأن يخوفها بالله تعالى, ويذكرها ما أوجب الله تعالى له عليها من الحق والطاعة, وما يلحقها من الإثم بالمخالفة والمعصية, وما يسقط بذلك من حقها من النفقة والكسوة والقسم, وما يباح له من ضربها وهجرها. قوله: (وليهجرن) أي: مضجعها حيث النشوز حققه, وفي نسخة بدل (وليهجرن): (وهجرها) , والمعنى: أن فيه أثراً ظاهراً في تأديب النساء, وقضية كلامه: تحريم ضربها في

стр. 658

هذه الحالة, وصححه في «المحرر» لأن الجناية لم تتأكد, وقد يكون ما اتفق لها لعارضٍ قريب الزوال, وصحح النووي والرافعي في «الشرح الصغير» جوازه؛ لظاهر الآية. أما هجرها في الكلام .. فيجوز في ثلاثة أيام, ويحرم فيما زاد عليها؛ للخبر الصحيح: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» وهذا في الهجر لغير عذر شرعي, فإن كان لعذر، كبدعة المهجور أو فسقه, أو صلاح دين أحدهما به .. جاز، وعليه يحمل هجره ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه مرارة بن الربيع وهلال بن أمية, وكذا ما جاء من هجر السلف بعضهم بعضاً. فإن أصرت على نشوزها وتكرر منها .. ضربها جوازاً؛ للآية, فمن جوز الضرب في حالة عدم تكرر النشوز .. قال: التقدير: واللاتي تخافون نشوهن .. فعظوهن, فإن نشزن ... فاهجروهن في المضاجع واضربوهن, ومن منعه فيها .. قال: التقدير: واللاتي تخافون نشوزهن .. فعظوهن, فإن نشزن .. فاهجروهن في المضاجع, فإن أصررن .. فاضربوهن. وإنما يجوز له ضربها إن نجع؛ أي: أفاد في ظنه حال كونه في غير وجه ونحوه بحيث لا يخاف منه تلف ولا ضرر ظاهر. قوله: (مع ضمان ما وقع) منه؛ أي: لتبين أنه إتلاف لا إصلاح, والأولى له ترك الضرب, أمّا إذا لم ينجع الضرب .. فحرام كما في التعزير. وإن منعها حقاً كقسم أو نفقة .. ألزمه القاضي توفيته, فإن أساء خلقه وآذاها بضرب أو غيره بلا سبب .. نهاه عن ذلك, فإن عاد إليه .. عزره بما يراه, وإن قال كلّ: إن صاحبه متعدّ عليه .. تعرف القاضي الحال بثقة في جوارهما يخبرهما, ومنع الظالم منهما من عوده إلى ظلمه؛ اعتماداً على خبر الثقة. فإن اشتد الشقاق .. بعث القاضي حكماً من أهله وحكماً من أهلها؛ لينظر في أمرهما بعد اختلاء حكمه به وحكمها بها, ومعرفة ما عندهما في ذلك ويصلحا بينهما, أو يفرقا إن عسر الإصلاح, وصحح في «الروضة» وجوب بعث الحكمين؛ لظاهر الأمر في الآية, وكونهما من أهلهما ليس واجباً, بل هو مستحب, وهما وكيلان لهما فيشترط رضاهما ببعث الحكمين،

стр. 659

فيوكل حكمه بطلاق وقبول عوض خلع, وتوكل حكمها ببذل عوض وقبول طلاق به, ويفرق الحكمان بينهما إن رأياه صواباً. وإذا رأى حكم الزوج الطلاق .. استقل به ولا يزيد على طلقة, وإن رأى الخلع ووافقه حكمها .. تخالعا, ويعتبر فيهما تكليف, وإسلام, وحرية, وعدالة, واهتداء إلى ما بُعثا له لا اجتهاد وذكورة. قال الرافعي: وإنما اعتبر فيهما الإسلام والحرية والعدالة على القول بوكالتهما؛ لتعلقها بنظر الحاكم كما في أمينه. والألف في قول الناظم: (ختما) , و (الحَظا) و (وَعَظا) للإطلاق, وقوله: (ورَتْقا) بالقصر؛ للوزن.

стр. 660

باب الخلع بضم الخاء من الخلع بفتحها وهو النزع سمي به؛ لأن كلاً من الزوجين لباس الآخر، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وهو في الشرع: فرقة بعوضٍ راجع لجهة الزوج أو سيده. والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] الآية, وقوله تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: ٤] الآية, وخبر البخاري عن ابن عباس قال: (أتت امرأة ثابت بن قيس النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ ثابت بن قيس ما أعتب – وفي رواية: ما أنقم – عليه في خلق ولا دين, ولكني أكره الكفر في الإسلام) أي: كفران النعمة, فقال: «أتردين عليه حديقته؟ » , قالت: نعم, قال: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» , وفي رواية: (فردتها وأمره بفراقها) , وزاد النسائي: أنه كان ضربها فكسر يدها", قال ابن داوود وغيره: وهو أول خلع جرى في الإسلام, والمعنى فيه: أنه لما جاز أن يملك الزوج الانتفاع بالبضع بعوضٍ .. جاز أن يُزيل ذلك، الملك بعوض؛ كالشراء والبيع, فالنكاح كالشراء, والخلع كالبيع, وفيه أيضاً دفع الضرر عن المرأة غالباً, ويجوز فى حالتى الشقاق والوفاق, وذكر الخوف فى الآية جري على الغالب. والأصح: أنه مكروه إلا أن يخافا أو أحدهما ألا يقيما حدود الله التي افترضها في النكاح, أو أن يحلف بالطلاق الثلاث على فعل ما لا بد له من فعله فيخالع, ثم يفعل المحلوف عليه؛ لأنه وسيلة للتخلص من وقوع الثلاث. وله ثلاثة أركان: عاقد, ومعقود عليه, وصيغة.

стр. 661

(يَصِحّ مِن زوجٍ مُكَلَّفٍ بِلا ... كُرْهٍ بِبَذْلِ عِوَضٍ لَم يُجْهَلا) (أَمَّا الذي بالخَمْرِ أَو مَعْ جَهْلِ ... فَإِنَّهُ يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ) (تَمْلِكُ نَفْسَهَا بِهِ ويَمْتَنِعْ ... طَلاقُهَا ومَا لَهُ أَنْ يَرْتَجِعْ) [شرط عاقد الخلع] الركن الأول: العاقد, وشرط الزوج أن يكون مكلفاً؛ أي: بالغاً عاقلاً مختاراً, فلا يصخ خُلع الصبي والمجنون والمكره, والولي زوجة الصغير أو المجنون, ويصح خلع السكران, فلو خالع عبدٌ أو محجوز عليه لسفهٍ .. صح؛ لوجود الشرط وإن لم يأذن السيد والولي, ووجب دفع العوض ديناً كان أو عيناً إلى سيده ووليه؛ ليبرأ الدافع منه, ويملكه السيد كسائر أكساب العبد. نعم؛ لو كان مكاتباً .. سُلِّمَ العوض له, أو مبعضاً: فإن كانت مهايأة .. فلصاحب النوبة في الأظهر, وإلاً .. دفع للعبد ما يخص حريته. ولو قال السفيه: (إن دفعت لي كذا فأنت طالق) .. لم تطلق إلاّ بالدفع إليه, وتبرأ به كما قاله الماوردي, وكذا يقال في العبد, ويصح خلع المحجور عليه بفلسٍ. وشرط قابله من الزوجة أو الأجنبي بجواب أو سؤال: إطلاق تصرفه في المال؛ بأن يكون بالغاً عاقلاً غير محجور عليه, فإن اختلعت أمة بلا إذن سيدها بدين في ذمتها, أو عين ماله .. بانت؛ لذكر العوض, وللزوج في ذمتها مهر مثل في صورة العين, وفي صورة الدين المسمى لا مهر المثل وإن رجحه في «المحرر» و «الشرح الصغير» , ثم ما ثبت في ذمتها إنما تطالب به بعد العتق. وإن أذن لها السيد وعين عيناً له من ماله, أو قدر ديناً في ذمتها فامتثلت .. تعلق بالعين, وبكسبها في الدين؛ لأن العوض في الخلع كالمهر في النكاح, والمهر في كسب العبد فكذلك ههنا, فإن زادت على ما قدره .. طولبت بالزائد بعد العتق. وإن أطلق الإذن .. اقتضى مهر مثل من كسبها, فإن زادت عليه .. طولبت بالزائد بعد العتق, وإن قال: (اختلعي بما شئتِ) .. اختلعت بمهر المثل وأكثر منه، وتعلق الجميع

стр. 662

بكسبها, ثم ما يتعلق بكسبها يتعلق بما في يدها من مال التجارة إن كانت مأذوناً لها فيها, ولا يصير السيد بإذنه في الخلع بالدين ضامناً له. وإن قال لمحجور عليها بسفه: (خالعتك على كذا) , أو (طلقتك عليه) فقبلت,, طلقت رجعياً ولغا ذكر المال وإن أذن وليها فيه؛ لأنها ليست من أهل التزامه, وظاهر أنه لو كان ذلك قبل الدخول .. طلقت بائناً؛ كما قاله النووي في «نكت التنبيه) , فإن لم تقبل .. لم تطلق؛ لأن الصيغة تقتضي القبول فأشبه الطلاق المعلق صفة. ويصح اختلاع المريضة مرض الموت؛ لأن لها التصرف في مالها. (ولا يحسب من الثلث إلا زائد على مهر مثل, بخلاف مهر المثل أو أقل منه فمن رأس المال؛ لأن التبرع إنما هو بالزائد وليس وصية لوارث؛ لخروجه بالخلع عن الإرث, ويصبح خلع المريض مرض الموت بدون مهر المثل؛ لأن البضع لا يبقى للوارث لو لم يخالع. [شرط المعقود عليه] الركن الثاني. المعقود عليه: فشرط المعوض - وهو البضع -: أن يكون مملوكاً للزوج فيصح خلع رجعية؛ لأنها كالزوجة في كثير من الأحكام, بخلاف البائن بخلع أو نحوه؛ إذ لا فائدة فيه. ويشترط في عوضه شروط سائر الأعواض؛ ككونه متمولاً, مملوكاً ملكاً مستقراً, مقدوراً على تسلمه معلوماً, فيصح عوضه قليلاً وكثيراً ديناً وعيناً ومنفعة كالصداق, فلو خالعها على ما ليس بمال؛ كخمر, أو على مجهول؛ كثوب غير معين ولا موصوف .. أوجب هذا الخلع مهر المثل عليها؛ لأنه المَرَدٌ عند فساد العوض. ولو جرى الخلع مع أبيها, أو أجنبيّ على هذا الخمر مثلاً .. فرجعيّ ولا مال, واستثني من وجوب مهر المثل في مسألة الخلع بخمر أو نحوه الكفارُ إذا حصل الإسلام بعد قبضه. ولو خالع على ما لا يقصد كالدم .. وقع رجعياً بخلاف الميتة؛ لأنها قد تقصد للجوارح وللضرورة. ولهما التوكيل, فلو قال لوكيله: (خالعها بألفٍ) .. لم ينقص منه, فلو نقص .. لم تطلق؛ لمخالفته للمأذون فيه, وله أن يزيد عليه من جنسه وغيره, وإن أطلق .. لم ينقص عن مهر مثل؛ لأنه المَرَد, وله أن يزيد عليه من جنسه وغيره, فلو نقص .. وقع بمهر المثل؛ لفساد المسمى بنقصه عن المَرَدّ.

стр. 663

ولو قالت لوكيلها: (اختلع بألفٍ) , فاختلع به أو بأقل .. نفذ, وإن زاد فقال: (اختلعتها بألفين من مالها بوكالتها) .. بانت ولزمها مهر مثل؛ الفساد المسمى بزيادته على المأذون فيه, وإن أضاف الوكيل الخلع إلى نفسه .. فخلع أجنبيّ وهو صحيح, وإن أطلق .. فعليها ما سمت, وعليه الزيادة. والخلع طلقة بائنة؛ لأن العوض إنما بذل للفرقة, والفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ, فوجب أن يكون طلاقاً بائناً, وينبني عليه أنها تملك به نفسها؛ فلا يلحقها بعده طلاق ولو في العدة؛ لبينونتها, ولا يملك رجعتها, ولا تحلُ له إلا بنكاح جديد. [صيغة الخلع] الركن الثالث: الصيغة؛ فلفظ الخلع مع ذكر المال صريح في الطلاق؛ لشيوعه في العرف والاستعمال للطلاق, وبدونه كناية, وقيل: صريح أيضاً وسيأتي, ويصح بباقي كنايات الطلاق مع النية, وبغير العربية. وإذا بدأ الزوج بصيغة معاوضة؛ كـ (طلقتك) , أو (خالعتك بكذا) فقبلت .. فهو معاوضة فيها شوب تعليق؛ لتوقف وقوع الطلاق فيه على القبول, وله الرجوع قبل قبولها؛ نظراً لجهة المعاوضة, ويعتبر قبولها بلفظ غير منفصل بكلام أو زمن طويل. فلو اختلف إيجاب وقبول؛ كـ (طلقتك بألف) فقبلت بألفين, أو (طلقتك ثلاثاً بألفٍ) فقبلت واحدة بثلث ألف .. فلغو, ولو قال: (طلقتك ثلاثاً بألفٍ) فقبلت واحدة به .. طلقت ثلاثاً ولزمها الألف؛ لأن الزوج يستقل بالطلاق, والزوجة إنما يعتبر قبولها بسبب المال وقد وافقته في قدره. وإن بدأ بصيغة تعليق؛ كـ (متى) أو (متى ما أعطيتني كذا .. فأنت طالق) .. فتعليق, فلا رجوع له قبل الإعطاء, ولا يعتبر القبول لفظاً, ولا الإعطاء على الفور, وإن قال: (إن) أو (إذا أعطيتني كذا .. فأنت طالق)., فكذلك, لكنه يعتبر إعطاؤه فوراً؛ لأنه قضية العوض في المعاوضة, وإنما تركت هذه القضية في (متى) لأنها صريحة في جواز التأخير, شاملة لجميع الأوقات؛ كـ (أي وقت) , بخلاف (إن) و (إذا). وإن بدأت بطلب طلاق؛ كأن قالت: (طلقني على كذا) فأجاب .. فمعاوضة مع شوب جعالة؛ لأنها تبذل المال في تحصيل ما يستقل به الزوج من الطلاق المحصل للغرض؛ كما في الجعالة يبذل الجاعل المال في تحصيل ما يستقل به العامل من الفعل المحصل للغرض, فلها

стр. 664

الرجوع قبل جوابه؛ لأن هذا شأن المعاوضة والجعالة كلتيهما, ويعتبر جوابه فوراً؛ لأنه شأن المعاوضة. ولا فرق فيما ذكر بين أن تطلب بصيغة معاوضة وتعليق, ولا بين أن يكون التعليق بـ (إن) أو (متى) نحو: (إن طلقتني) , أو (متى طلقتني فلك كذا) , وإن أجابها بأقل مما ذكرته .. لم يضر, فلو طلبت ثلاثاً بألف وهو يملكها, فطلق طلقة بثلثه, أو سكت عن العوض .. فواحدة بثلثه؛ تغليباً لشوب الجعالة, ولا يضر تخلل كلام يسير بين إيجاب وقبول. والألف في قول الناظم: (يُجهلا) بدل من نون التوكيد إن بني للمفعول, أو للفاعل وأُعِيدَ على الزوج, وإن أعيد على المتخالعين المفهومين من الخلع .. فضمير تثنية. * ... * ... *

стр. 665

بابُ الطَّلاق هو لغةً: حل القيد والإطلاق، وشرعاً: حلّ عقد النكاح بلفظ الطلاق أو نحوه, وعرفه النووي رحمه الله تعالى في «تهذيبه» بأنه تصرفت مملوك للزوج يحدثه بلا سبب فيقطع النكاح. والأصل فيه قبل الإجماع: الكتاب؛ كقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] , وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] , والسُنة؛ كقوله ﷺ : «أتاني جبريل فقال: راجع حفصة؛ فإنها صوامة قوامة, وإنها زوجتك في الجنة» رواه أبو داوود بإسناد حسن, وكقوله: «ليس شيء من الحلال أبغض إلى الله من الطلاق» رواه أبو داوود بإسناد صحيح, والحاكم وصححه, والاحتجاج بأنه ﷺ راجع سودة .. أنكره ابن حزم وقال: لم يطلقها قط. وللطلاق أربعة أركان: صيغة, ومطلق, وقصد للطلاق, وزوجة. (صَرِيحُهُ سَرَّحْتُ أَوْ طَلَّقْتُ ... خالَعْتُ أو فادَيْتُ أو فارَقْتُ) (وكُلُّ لَفْظٍ لِفِرَاقٍ احْتَمَلْ ... فَهْوَ كِنَايَةٌ بِنَيَّةٍ حَصَلْ) (والسُنَّةُ الطَّلاقُ في طُهْرٍ خَلا ... عَن وَطْئِهِ أَو باخْتِلاعٍ حَصَلا) (وَهْوَ لِمَنْ لم تُوطَ أو مَن يَئِسَتْ ... أو ذاتِ حَمْلٍ لا وَلا أو صَغُرَتْ) (للحُرِّ تَطليقُ الثلاثِ تَكْرِمَهْ ... والعَبْدُ ثِنْتَانِ وَلوْ مِنَ الأَمَهْ) (وإِنَّمَا يَصِحُّ مِن مُكَلَّفِ ... زَوْجٍ بلا إكْرَاهِ ذِي تَخَوُّفِ) (وَلَوْ لِمَنْ في عِدَّةِ الرَّجْعِيَهْ ... لا إِنْ تَبِنْ بِعِوَضِ العَطِيَّهْ) (وَصَحَّ تعليقُ الطَّلاقِ بِصِفَهْ ... إلا إذا بالمُستَحِيلِ وَصَفَهْ) (وصَحَّ الاسْتِثْنَا إذا ما وَصَلَهْ ... إِن يَنْوِهِ مِن قَبْلِ أَن يُكَمِّلَهْ)

стр. 666

[صيغة الطلاق وما يتعلق بها] الركن الأول: الصيغة؛ وصريحه: (سرحت) , أو (طلقت) , أو (خالعت) , أو (فاديت) , أو (فارقت) , أما الطلاق .. فلاشتهاره فيه لغة وشرعاً, وأما الفراق والسراح .. فلورودهما في القرآن بمعناه, قال تعالى: ﴿أوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] , وقال: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وأما لفظ الخلع .. فلشيوعه في العرف والاستعمال للطلاق, وأما المفاداة .. فلورودها في القرآن بالخلع, قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] , وقضية كلامه كـ «الحاوي الصغير» و «المنهاج» و «أصله»: أن لفظ الخلع والمفاداة صريح في الطلاق وان لم يذكر المال, وصرح به البغوي وصاحب «الأنوار» والنسائي والإسنوي والبلقيني, وحكى في «أصل الروضة» في صراحة ذلك قولين بلا تصحيح, ثم قال: وإذا قلنا بصراحته .. فذاك إذا ذكر المال, فإن لم يذكره .. فكناية على الأصح. وقال البلقيني: لا يشترط في صراحته ذكر العوض على طريقة الأكثرين, خلافاً لما وقع في «الروضة» وغيرها، ورجح الأذرعيّ: أنه كناية مطلقاً, قال: وعليه أكثر نصوص الشافعي رضي الله تعالى عنه. وصرائح الطلاق منحصرة في ألفاظ ليس هذا منها, وأقوى مأخذ في صراحته اشتهاره واستعماله في الفراق, وسيأتي أن الاشتهار غير مقتض للصراحة عند العراقيين, وذكر نحوه الزركشي. ويعتبر في نحو: (طلقت) إذا ابتدأ به ذكر الزوجة. فلو قال ابتداءً: (طلقت) أو (سرحت) ونواها .. لم تطلق؛ لعدم الإشارة والاسم, نقله الشيخان عن قطع القفال وأقراه. ومثل ما ذكره الناظم: (أنت طالق) , و (مطلقة) , و (يا طالق) , و (أنت مفارقة) , و (يا مفارقة) , و (أنت مسرحة) , و (يا مسرحة) , لا (أنت طلاق) , و (الطلاق) , و (فراق) , و (الفراق) , و (سراح) , و (السراح) لأن المصادر إنما تستعمل في الأعيان توسعاً فتكون كنايات.

стр. 667

وترجمة الطلاق بغير العربية صريح على المذهب؛ لشهرة استعمالها عند أهلها شهرة استعمال العربية عند أهلها, وفي ترجمة الفراق والسراح الخلاف, لكن الأصح هنا: أنها كناية, قاله الإمام والروياني؛ لأن ترجمتهما بعيدةً عن الاستعمال؛ كذا في «أصل الروضة». ولو اشتهر لفظ للطلاق؛ كـ (الحلال) , أو (حلال الله علي حرام) , أو (أنت عليَّ حرامٌ) .. قال الرافعي: فصريح في الأصح عند من اشتهر عندهم؛ لغلبة الاستعمال وحصول التفاهم به عندهم", وصحح النووي: أنه كناية", ونصت عليه في «الأم, كما ذكره في «المطلب " لأن الصريح إنما يؤخذ من ورود القرآن به, وتكرره على لسان حملة الشريعة, وليس المذكور كذلك, أما من لم يشتهر عندهم .. فهو كناية في حقهم قطعاً. ولو قال: (أنت حرام) , ولم يقل (عليّ) .. فهو كناية قطعاً, وكل لفظ يحتمل الفراق .. فهو كناية بنية تقترن به فيحصل الفراق؛ ك (أطلقتك) , و (أنت مطلقة) بسكون الطاء, (خليّة) , (بريّة) , (بتة) , (بتلة) , (بائن) , (اعتدي) , (استبرئي رحمك) وإن لم تكن مدخولاً بها, (الحقي بأهلك) , (حبلك على غاربك) , (لا أنده سَرْبك) , (اغربي) , (اعزبي) , (دعيني) , (ودُعيني) , (تزودي) , (تجرعي) , (ذوقي) , (اذهبي) , (كلي) , (اشربي) , (اخرجي) , (ابعدي) , (سافري) , (تجنبي) , (تقنعي) , (تجردي) , (تستري) , (الزمي الطريق) , (برئت منك) , (ملكتك نفسك) , (أحللتك) , (لا حاجة لي فيك) , (أنت وشأنك) , (أنت طلقة) , أو (نصف طلقة) , أو (لك الطلاق) , أو (عليك الطلاق) , أو (أنت والطلاق) , أو (وطلقة). ولا تصير ألفاظ الكناية صرائح بقرينة من نحو غضب وسؤال طلاق, واعتبر في «الحاوي الصغير»: اقتران نية الطلاق بأول لفظ الكناية وإن عزبت في آخره؛ أي: بخلاف عكسه لا يكفي؛ إذ انعطافها على ما مضى بعيد, بخلاف استصحاب ما وجد, ولأنها إذا وجدت في أوله .. عرف قصده منه, والتحق بالصريح, وهاذا ما نقله النووي في «تنقيحه) عن تصحيح ابن الصلاح وأقره, وصححه الجرجاني, والبغوي في «تعليقه) وغيرهما, وقال ابن الرفعة: إنه الذي يقتضيه نص «الأم» , قال في المهمات: وبه الفتوى؛ كما أشعر به كلام

стр. 668

الشيخين, وقال الماوردي بعد تصحيحه له: إنه أشبه بمذهب الشافعي. وصحح في «أصل الروضة»: الوقوع في الصورتين, وفي «أصل المنهاج»: المنع فيهما, فاعتبر مقارنة النية لكل اللفظ, وجرى عليه البلقينى. واللفظ الذي يعتبر قرن النية به هو لفظ الكناية؛ كما صرح به الماوردي والروياني والبندنيجى, فمثل الأول؛ لقرنها بالأول بالباء من (بائن) , والآخران بقرنها بالخاء من (خلية) , لكن مثّل له الرافعى تبعاً لجماعة بقرنها ب (أنت) من (أنت بائن) , وصوب في «المهمات» الأول؛ لأن الكلام في الكنايات؛ إذ النية جعلت لصرف اللفظ لأحد محتملاته, والمحتمل إنما هو (بائن) مثلاً, وأما (أنت) .. فإنما يدل على المخاطب, لكن أثبت ابن الرفعة في المسألة وجهين, وأيد الاكتفاء بها عند (أنت) بما إذا وقع (أنت) زمن الطهر و (طالق) زمن الحيض, فإن ابن سريج قال: يكون الطلاق سنياً ويحصل لها قرء. [انقسام الطلاق إلى سنيٍّ وبدعيٍّ ولا ولا] ثم الطلاق ينقسم إلى: سني, وبدعي, ولا ولا. فالسني: طلاق مدخول بها في طهر لم يجامعها فيه؛ أي: ولا في حيض قبله ولم تستدخل فيه ماءه, وليست بحامل ولا صغيرة ولا آيسة, وهي تعتد بالأقراء, وذلك لاستعقابه الشروع في العدة وعدم الندم, وقد قال تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: في الوقت الذي يشرعن فيه في العدة, وفي «الصحيحين»: أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض, فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ فقال: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر, فإن شاء .. أمسكها, وإن شاء .. طلقها قبل أن يجامع, فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء». والبدعي: طلاق مدخول بها بلا عوض في حيض أو نفاس ولو في عدّة طلاق رجعي, وهي تعتد بالأقراء, أو في طهر جامعها فيه ولو في الدبر, أو استدخلت ماءه, أو في حيض قبله

стр. 669

وكانت ممن تحبل ولم يتبين حملها, وكذا طلاق من لم تستوف دورها من القسّم. أما الأول .. فلمخالفته قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] , وزمن الحيض والنفاس لا يحسب من العدة, والمعنى فيه تضررها بطول التربص. وأما الثاني .. فلأدائه إلى الندم عند ظهور الحمل؛ فإن الإنسان قد يطلق الحائل دون الحامل, وعند الندم قد لا يمكنه التدارك فيتضرر هو والولد. وألحقوا الجماع في الحيض بالجماع في الطهر؛ لاحتمال العلوق فيه, وكون بقيته مما دفعته الطبيعة أولاً وتهيأ للخروج, وألحقوا الجماع في الدبر بالجماع في القبل؛ لثبوت النسب ووجوب العدة به. ولو طولب المُولي بالطلاق فطلق في الحيض .. لم يحرم كما قاله الإمام والغزالي وبحث فيه الشيخان, ولو طلق الحاكم عليه, أو الحكمان في الشقاق .. فلا تحريم أيضاً. ويستحب لمن طلق بدعياً أن يراجع مطلقته ما لم يدخل الطهر الثاني؛ لخبر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما, ثم إن راجع والبدعة لحيض .. فيسن ألا يطلقها في الطهر منه, أو لوطءٍ في طهر أو حيض قبله: فإن وطئها بعد الرجعة فيه .. فلا بأس بطلاقها في الطهر الثاني, وإلا .. استحب ألا يطلقها فيه, وأما من لم تستوف دورها .. فرجعتها واجبة. وطلاق غير الموطوءة والآيسة والحامل والصغيرة؛ أي: والمختلعة .. ليس بسني ولا بدعي؛ لانتفاء ما ذكر فيها, ولأن افتداء المختلعة يقتضي حاجتها إلى الخلاص بالفراق, ورضاها بطول التربص, وأخذه العوض يؤكد داعية الفراق, ويبعد احتمال الندم, وما ذكرته في المختلعة .. هو المعتمد, خلاف ما ذكره الناظم فيها من أن طلاقها سني. قال في «الشرح الصغير»: وقد تضبط الأقسام على الإبهام؛ بأن يقال: الطلاق إن حَرُم إيقاعه .. فبدعيّ, وإلا .. فسني في حق من يعتورها التحريم, وليس بسني ولا بدعي في حق غيرها. وقول الناظم: (لا ولا) أي: لا سنة فيه ولا بدعة, فحذف كما قال الحريري: (بورك فيك من طِلا كما بورك في لا ولا) أراد: ﴿شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥]. وللحر أن يطلق ثلاث تطليقات ولو كانت زوجته أمة؛ تكرمة لحريته؛ لأنه صلى الله عليه

стр. 670

وسلم سُئل عن قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] , أين الثالثة؟ فقال: «﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]» رواه أبو داوود, وصححه ابن القطان, وعمومها يشمل الأمة, ولأن الطلاق ملك فاعتبر بمالكه, ومشروع لحاجة الرجل فاعتبر بجانبه. وللعبد طلقتان فقط؛ أي: وإن كانت زوجته حرة, قاله عثمان وزيد بن ثابت, ولا مخالف لهما من الصحابة, رواه الشافعي عن مالك بإسناده, والمبعض كالقن. ومحل ما ذكره: إذا كان رقيقاً عند الطلقة الثانية, فلو طلق الذمي طلقتين, ثم نقض العهد وحارب فاسترق .. ملك الثالثة. [شروط الزوج المطلق] الركن الثاني: المطلق وهو الزوج؛ فلا يصح الطلاق إلا من زوج مكلف مختارٍ, فلا ينفذ طلاق غير الزوج أو وكيله فيه, إلا فيما سيأتي في المُولي يطلق عليه الحاكم, ولا طلاق غير المكلف من صبي أو مجنون. أما من أئم بمزيل عقله من شراب أو دواء .. فالمذهب: أنه ينفذ طلاقه وتصرفه له وعليه قولا وفعلاً؛ كالنكاح والعتق, والبيع والشراء, والإسلام والردة, والقتل والقطع وإن كان غير مكلفٍ؛ لأن ما عنده من الفهم والقصد يكفي في نفوذ التصرف؛ إذ هو من قبيل ربط الأحكام بالأسباب, ويرجع في حد السكران إلى العرف. أما المكره على الطلاق بغير حق .. فلا يقع طلاقه؛ لخبر: «لا طلاق في إغلاق» رواه أبو داوود, وصححه الحاكم على شرط مسلم, وفسر الشافعي وغيره الإغلاق بالإكراه. وشرط الإكراه: أن يكون بمخوفي يؤثر العاقل الإقدام عليه حذراً مما هدد به, فيختلف باختلاف المطلوب والأشخاص. والتعيين, فلو قال: (طلق إحداهما) فطلق معينة .. فالمذهب: وقوعه, وكون المحذور عاجلاً غير مستحق, وقدرة المكره على تحقيق ما هدده به بولاية أو تغلب, وعجز المكرَه عن
следующие страницы →