← Фикх шафии

Фикх шафии · id 32197

فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلان

شهاب الدين الرملي

Полный текст (924 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

كالرهن؛ بأن رهن عيناً بدين عليه أو على غيره، فيقدم المرتهن بها على مؤنة التجهيز، والزكاة فيقدم مستحقوها على مؤنة التجهيز. ولما كان المتعلق بالعين لا يكاد تنحصر صوره .. أشار الناظم إلي ذلك بإدخاله الكاف على أول المثالين، فمنها: الجاني المتعلق برقبته مال؛ بأن أتلف مالاً أو جنى على آدمي خطأ، أو شبه عمد، أو عمداً لا قود فيه، أو عفى عنه بمال، والمبيع إذ مات مشتريه بثمن في ذمته مفلساً، ولم يتعلق به حق لازم ككتابة، سواء حجر عليه قبل موته أم لا. الحق الثاني: مؤن التجهيز؛ أي: تجهيز الميت، وتجهيز من تلزمه مؤنته إذا مات في حياته؛ كثمن كفن، وأجرة غسل وحفر ودفن؛ لاحتياجه إلي ذلك كالمحجور عليه بالفلس، بل أولى؛ لانقطاع كسبه بالمعروف بحسب يساره وإعساره، ولا عبرة بما كان عليه في حياته من إسرافه أو تقتيره. الحق الثالث: دينه الذي كان عليه لله تعالى أو لآدمي؛ لكونه حقاً واجباً عليه. الحق الرابع: الوصايا نوفيها من ثلث باقي الإرث، ومثلها ما ألحق بها من عتقٍ علق بالموت، وتبرع نجز في مرضه المخوف أو الملحق به، وقدمت على الإرث؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾، وتقديمها لمصلحة الميت؛ كما في الحياة، و (من) للابتداء فتدخل الوصايا بالثلث وببعضه. الحق الخامس: نصيب الوارث؛ من حيث إنه يتسلط عليه بالتصرف؛ ليصح تأخره عن بقية الحقوق، وإلا .. فتعلقها بالتركة لا يمنع الإرث على الصحيح، ولهذا عطفه الناظم بالواو دون بقية الحقوق. ثم الوارث إن كان له سهم مقدر في الكتاب أو السنة .. فهو صاحب فرض، وإلا فعاصب. (فالفرض ستة، فنصف اكتمل ... للبنت أو لبنت الابن ما سفل) (والأخت من أصلين أو من الأب ... وهو نصيب الزوج إن لم يحجب) (بولد أو ولد ابن علما ... والربع: فرض الزوج مع فردهما) (وزوجة فما علا إن عدما ... وثمن: لهن مع فردهما)

стр. 597

[الفروض المقدرة في كتاب الله تعالى] أي: الفرض بمعنى الفروض المقدرة في كتاب الله تعالى ستة: الربع، والثلث، وضعف كل، ونصفه، وأشاروا بقولهم: (في كتاب الله تعالى) إلي أن المراد الحصر بالنسبة لما في القرآن، وإلا .. فمطلق الفروض تزيد على ستة؛ كثلث ما بقي في الجد، وفي مسألتي: زوج أو زوجة وأبوين. [فرض النصف] فالنصف الكامل فرض خمسة: البنت، وبنت الابن وإن سفل، والأخت الشقيقة، والأخت للأب إذا انفردن عمن يعصبهن، وعمن يساويهن من الإناث، قال تعالى في البنت: ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾، وبنت الابن كالبنت إجماعاً؛ إذ لفظ البنت يشملها؛ إعمالاً له في حقيقته ومجازه، وقال في الأخت: ﴿وله أخت فلها نصف ما ترك﴾، والمراد: أخت لأبوين أو لأب؛ لما سيأتي أن للأخت للأم السدس. والنصف فرض الزوج إن لم يحجب؛ أي: عنه بولد لزوجته، أو ولد ابن لها، قال تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد﴾، وولد الابن كالابن بما مر، والمراد به هنا، وفيما سيأتي: من يرث بخصوص القرابة، فيخرج غير الوارث، والوارث بعمومها كولد بنت الابن، وقد أشار إلي ذلك بقوله: (علما). [فرض الربع] والربع فرض اثنين: الزوج مع ولد الزوجة أو ولد ابنها، وزوجة فأكثر إن عدما؛ أي: ولد زوجها وولد ابنه، قال تعالى: ﴿ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد﴾، وولد الابن كالولد بما مر، وقد ترث الأم الربع فرضاً في حال يأتي، فيكون الربع فرض ثلاثة. [فرض الثمن] والثمن: فرض زوجة فأكثر مع ولد الزوج، أو ولد ابنه قال تعالى: ﴿فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم﴾، وولد الابن كالولد بما مر. و(ما) في قول الناظم: (ما سفل) مصدرية.

стр. 598

[فرض الثلثين] (والثلثان: فرض من قد ظفرا ... بالنصف مع مثل لها فأكثرا) أي: الثلثان فرض أنثى قد ظفرت بالنصف؛ أي: فازت به مع مثل لها فأكثر، فهما فرض أربعة: بنتين فأكثر، وبنتي ابن فأكثر، وأختين لأبوين فأكثر، وأختين لأب فأكثر، قال تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾، وقيس بالبنات: بنات الابن، بل هن داخلات في لفظ البنات على القول بإعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وبالأختين: البنتان وبنتا الابن، وبالبنات في عدم الزيادة على الثلثين: الأخوات. وألف (ظفرا) و (فأكثرا) للإطلاق. (والثلث: فرض اثنين من أولاد أم ... فصاعداً، أنثى تساوي ذكرهم) (وهو لأمه إذا لم تحجب ... وثلث الباقي: لها مع الأب) (وأحد الزوجين، والسدس حبوا ... أما مع الفرع وفرع الابن أو) (إثنين من أخوات أو من إخوة ... والفرد من أولاد أم الميت) (وجدة فصاعداً لا مدليه ... بذكر من بين ثنتين هيه) (وبنت الابن صاعداً مع بنت ... فرد، وأختاً من أب مع أخت) (أصلين، والأب وجداً ما علا ... مع ولدٍ أو ولد ابن سفلا) [فرض الثلث] أي: والثلث فرض اثنين فصاعداً من ولد الأم، قال تعالى: ﴿وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا من ذلك أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾، والمراد: أولاد الأم بدليل قراءة ابن مسعود وغيره: (وله أخ أو أخت من أم)، وهي وإن لم تتواتر، لكنها كالخبر في العمل بها على الصحيح؛ لأن مثل ذلك إنما يكون توقيفاً. وسواء أكان الاثنان ذكرين أم أنثيين أم خنثيين أم مختلفين؛ إذ لا تعصيب فيمن أدلو،

стр. 599

بخلاف الأشقاء أو لأب؛ فإن فيهم تعصيباً، فكان للذكر مثل حظ الأنثيين. وهو لأم الميت إذا لم تحجب؛ بأن لم يكن للميت ولد، ولا ولد ابن، ولا اثنان من الإخوة والأخوات، ولا أب من أحد الزوجين؛ قال تعالى: ﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾، وولد الابن كالولد بما مر. والمراد من الإخوة: عدد ممن له إخوة ولو من الإناث على التغليب الشائع، وعلى أن أقل الجمع اثنان كما عليه جمع، أو ثلاثة على الأصح، لكنه استعمل في الاثنين مجازاً؛ للإجماع على أنهما كالثلاثة هنا، ولأنه حجب يتعلق بعدد فكان الاثنان فيه كالثلاثة؛ كما في حجب البنات لبنات الابن، وقد يفرض للجد مع الإخوة كما سيأتي. وثلث الباقي للأم مع الأب والزوج أو الزوجة؛ ليكون للأب مثلاها على الأصل في اجتماع الذكر والأنثى المتحدي الدرجة من غير أولاد الأم، ولاتفاق الصحابة على ذلك قبل إظهار ابن عباس الخلاف، ولأن كل ذكر وأنثى لو انفردا .. اقتسما المال أثلاثاً، فإذا اجتمعا مع الزوج أو الزوجة .. اقتسما الفاضل كذلك؛ كالأخ والأخت، فالأولى من ستة: للزوج نصفها ثلاثة، وللأم ثلث الباقي، وثلثاه للأب، وعبروا عن حصة الأم فيهما بثلث الباقي مع أنه في الأولى السدس وفي الثانية الربع؛ تأدباً مع لفظ القرآن في قوله تعالى: ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾، وتسمى المسألتان بالغراوين؛ لشرتهما بينهم، وبالعمريتين؛ لأنهما رفعتا إلي عمر رضى الله عنه فحكم فيهما بما ذكر، وبالغريبتين؛ لغرابتهما. وخرج ب (الأب): الجد، فللأم معه الثلث كاملاً لا ثلث الباقي؛ لأنه لا يساويها في الدرجة، وقد يرث الجد إذا كان معه إخوة ثلث الباقي. [فرض السدس] والسدس حبوا؛ أي: أعطاه العلماء سبعة: أما مع الولد أو ولد الابن، أو اثنين من الأخوات والإخوة؛ لقوله تعالى: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾، كما مر بيانه، وسواء كانا من الأب والأم، أم من الأب، أم من الأم، وسواء أكانا وارثين أم محجوبين بغيرهما، أما بنو الإخوة .. فلا يحجبونها عن الثلث؛ كما أفهمه كلامه؛ لأنهم ليسوا إخوة بخلاف ولد الابن؛ لإطلاق لفظ الابن عليه مجازاً شائعاً، بل قيل: حقيقة، والفرد من أولاد أم الميت ذكراً كان أو أنثى أو خنثى؛ لما مر في آيته.

стр. 600

وقد علم مما مر: أن أولاد الأم يخالفون بقية الورثة في خمسة أشياء: أحدها: تقاسمهم بالسوية، ثانيها: يرثون مع من يدلون به، ثالثها: يحجبون من يدلون به حجب نقصان، رابعها: يدلون بأنثى ويرثون، خامسها: ذكرهم المنفرد كأنثاهم المنفردة. وجدةً فصاعدا لأم أو لأب؛ لخبر أبي داوود وغيره: (أنه ﷺ أعطى الجدة السدس)، وروى الحاكم بسند صحيح: (أنه قضى به للجدتين)، وروى أبو داوود في "مراسيله"، والدارقطني بسند مرسل: (أنه أعطى السدس ثلاث جدات: ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم)، ويرث منهن أم الأم، وأمهاتها المدليات بإناث خلص؛ كأم أم الأم- ولا يرث من قبل الأم إلا واحدة -وأم الأب وأبيه وإن علا، وأمهاتهن المدليات بإناث خلص؛ لإدلائهن بوارث، وضابط إرث الجدات أن يقال: كل جدة أدلت بمحض إناث كأم أم الأم، أو بمحض ذكور كأم أبي الأب، أو بمحض إناث إلي ذكور أم أم الأب .. ترث. ومن أدلت بذكر بين أنثيين كأم أبي الأم .. لا ترث لأنها مع الذكر من ذوي الأرحام. ويسوى فيما لو كانت إحداهن بجهتين والأخرى بجهة بين ذات الجهة والجهتين، فلا تفضل الثانية على الأولى بزيادة الجهة؛ لأن الجدودة قرابة واحدة، بخلاف ابني عم أحدهما أخ لأم؛ أبي أبيه .. فهي ذات جهتين، فلو خلف معها أم أم أبية .. فالسدس بينهما مناصفة لا مثالثة، وكذا لو كانت ذات جهات؛ كأن نكح هذا الولد بنت بنت بنت أخرى لهند، فأولدها ولداً، فهند جدته من ثلاث جهات؛ لأنها أم أم أم أمه، وأم أم أم أبيه، وأم [أبي] أبي أبيه. والجدة للأم لا يحجبها إلا الأم كما سيأتي، وللأب يحجبها الأب أو الأم؛ لأن إرثها بطريق الأمومة، والأم أقرب منها. والقربى من كل جهة تحجب البعدى منها كأم أم، وأم أم أم، وكأم أب، وأم أم أب، والقربى من جهة الأم؛ كأم أم تحجب البعدى من جهة الأب؛ كأم أم أب، والقربى من جهة الأب؛ كأم أب لا تحجب البعدى من جهة الأم؛ كأم أم أم في الأظهر، بل يشتركان في السدس.

стр. 601

وأعطى العلماء السدس بنت الابن فصاعدا من بنت فردة للصلب، وأختا فصاعدا من الأب مع أخت شقيقة، أما الأولى .. فللإجماع، ولقضائه ﷺ فيها بذلك، رواه البخاري عن ابن مسعود، وبنت ابن الابن مع بنت الابن؛ كبنت الابن مع بنت الصلب ... وهكذا، وأما الثانية .. فكما في بنت الابن مع بنت الصلب، والأب وأباه وإن علا مع ولد أو ولد ابن وإن سفل؛ قال تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد﴾، وولد الابن كالولد بما مر، وقيس بالأب الجد، وخرج ب (أب الأب وإن علا): أبو الأم وإن علا؛ فإنه من ذوي الأرحام. وقول الناظم: (والسدس) يجوز رفعه ونصبه، قوله: (أو من إخوة) بدرج الهمزة للوزن، وقوله: (فرد) أي: فردة، فحذف الهاء للترخيم، وقوله: (سفلا) بفتح الفاء وضمها، وألفه للإطلاق. ولما أنهى الكلام على ذوي الفروض .. شرع في ذكر العصبات فقال: [العصبات] (لأقرب العصبات بعد الفرض ما ... يبقى، فإن يفقد فكلا غنما) أي: لأقرب العصبات: جمع عصبة؛ وهو من ليس له سهم مقدر حال تعصيبه من جهة تعصيبه ما يبقي بعد الفرض وإن تعدد، وهذا صادق بالعصبة بنفسه: وهو كل ذي ولاء أو ذكر نسيب ليس بينه وبين الميت أنثى، وبغيره: هو كل أنثى عصبها ذكر، ومع غيره: وهو كل أنثى تصير عصبة باجتماعها مع أخرى، فإن يفقد؛ أي: الفرض .. فكل التركة غنمها أقرب العصبات، وهو صادق بالعصبة بنفسه، وبنفسه وغيره معاً. والأصل في ذلك: خبر: (ألحقوا الفرائض). والألف في قول الناظم: (غنما) للإطلاق.

стр. 602

(ألابن بعده ابنه فأسفلا .. فالأب فالجد له وإن علا) (وإن يكن أولاد أصلين وأب ... أو زاد ثلثه على قسم وجب) (إذ ليس فرض، أو يكون راقي ... بسدسه، أو زاد ثلث الباقي) (وكان في القسمة فرض وجدا ... فالجد يأخذ الأحظ الأجود) (ثم اقسم الحاصل للإخوة بين ... جملتهم لذكر كأنثيين) (فالأخ للأصلين، فالناقص أم ... فابن أخ الأصلين، ثم الأصل، ثم) (العم فابنه، فعم للأب، ... ثم ابنه، فمعتق، فالعصب) أي: واقرب العصبات الابن؛ لقوة عصوبته؛ لأنه قد فرض للأب معه السدس وأعطى هو الباقي، ولأنه يعصب أخته، بخلاف الأب. بعده ابنه؛ أي: بعد الابن الابن وإن سفل، فهو متقدم على الأب؛ لما مر، ومؤخر عن الابن، سواء أكان أباه أم عمه؛ لإدلائه به، أو لأنه عصبة أقرب منه، فالأب لإدلاء سائر العصبة به. فالجد له؛ أي: للأب وإن علا، وفي درجته ولد الأبوين وولد الأب. [أحكام الجد مع الإخوة] وإن يكن؛ أي: وجد مع الجد أولاد أصلين؛ أي: الأب والأم، وأب؛ أي: أولاد الأب -فالواو بمعنى أو؛ إذ لا يستقيم ما ذكره في اجتماع الصنفين معه- شاركهم كما سيأتي؛ لمساواتهم له في الإدلاء بالأب ولا يسقطون به، بل كان القياس تقديمهم عليه؛ لأنهم أبناء أبي الميت، والجد أبو أ [يه، والبنوة أقوى من الأبوة، ولأن فرعهم وهو ابن الأخ يسقط فرع الجد وهو العم، قوة الفرع تقتضي قوة الأصل، إلا أن الإجماع منع منه؛ فلا أقل من أن يشاركوه. فإذا اجتمع جد وإخوة وأخوات لأبوين أو لأب: فإن لم يكن معهم ذو فرض .. فله الأكثر من ثلث المال ومقاسمتهم كأخ، أما الثلث ... فلأن له مع الأم مثلي ما لها، والأخوة لا ينقصوها عن السدس، فلا ينقصونه عن مثليه، وأما القسمة .. فلأنه كالأخ، والقسمة خير له إن كانوا أقل من مثليه؛ بأن يكون معه أخ، أو أخت، أو أختان، أو ثلاث أخوات، أو أخ

стр. 603

وأخت، والثلث خير له إن زادوا على مثليه، ولا تنحصر صوره، ويستوي له الأمران إن كانوا مثليه؛ بأن كان معه أخوان أو أخ، وأختان أو أربع أخوات، والفرضيون يعبرون في هذا بالثلث؛ لأنه أسهل، ويأخذه الجد فرضاً؛ كما صرح به ابن الهائم، وقال ابن الرفعة: إنه ظاهر نص "الأم"، لكن ظاهر كلام الغزالي والرافعي: أنه بالعصوبة، قال السبكي: وهو عندي أقرب. وإن كان معهم ذو فرض .. فله الراقي؛ أي: الأكثر من سدس التركة؛ لأن البنين لا ينقصونه عنه، فالإخوة أولى، وثلث الباقي بعد الفرض الذي هو مستحق؛ كما يجوز ثلث الكل بدون ذي الفرض والقسمة؛ لما مر. وضابط معرفة الأكثر من الثلاثة: أنه إن كان الفرض نصفاً أو أقل .. فالقسمة خير إن كانت الإخوة دون مثليه، وإن زادوا على مثليه .. فثلث الباقي خير، وإن كانوا مثليه .. استووا، وقد تستوي الثلاثة، وإن كان الفرض ثلثين .. فالقسمة خير إن كان معه أخت، وإلا .. فله السدس، وإن كان الفرض بين النصف والثلثين؛ كنصف وثمن .. فالقسمة خير مع أخ أو أخت أو أختين، فإن زادوا .. فله السدس. وحيث أخذ السدس، أو ثلث الباقي .. أخذه فرضاً، وحيث استوت القسمة وغيرها .. فما يأخذه يكون فرضاً أو تعصيباً فيه ما مر. ولا يتصور أن يرث بالفرض مع الجد والإخوة إلا ستة: البنت، وبنت الابن، والأم، والجدة، والزوج، والزوجة. ثم بعد أخذ الجد نصيبه أقسم الحاصل للإخوة والأخوات بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. وقد لا يبقى بعد الفرض شيء؛ كبنتين وأم وزوج، فيفرض له سدس ويزاد في العول، وقد يبقى دون سدس؛ كبنتين وزوج، فيفرض له وتعال، وقد يبقى سدس؛ كبنتين وأم، فيفوز به الجد، وتسقط الإخوة في هذه الأحوال. ولو كان مع الجد إخوة وأخوات لأبوين ولأب .. فحكم الجد ما سبق، ويعد أولاد الأبوين عليه أولاد الأب، وإلا .. فتأخذ الواحدة إلى النصف، والاثنتان فصاعداً إلى الثلثين، ولا يفضل عن الثلثين شيء، وقد يفضل عن النصف فيكون لأولاد الأب.

стр. 604

[ترتيب بقية العصبات] ثم إن لم يكن جد ولا من ذكر قبله .. فالأخ للأصلين؛ أي: الأبوين. (فالناقص أم) بالوقف بلغة ربيعة؛ أي: ثم الأخ للأب، ثم ابن الأخ للأبوين، ثم ابن الأخ للأب، ثم العم للأبوين، ثم العم للأب، ثم ابن العم للأبوين، ثم ابن العم للأب، ثم عم الأب للأبوين، ثم عم الأب للأب، ثم ابن عم الأب للأبوين، ثم ابن عم الأب لأب، ثم عم الجد لأبوين، ثم عد الجد لأب ... وهكذا، فالمعتق؛ لما رواه الحاكم وصحح إسناده: أنه ﷺ قال: "الولاء لحمة كلحمة النسب"، ولما رواه البيهقي: أن رجلاً أتى النبي ﷺ برجل فقال: إني اشتريته وأعتقته فما أمر ميراثه؟ فقال: "إن ترك عصبة .. فالعصبة أحق، وإلا .. فالولاء لك"، وسواء كان المعتق رجلاً أم امرأة؛ لخبر "الصحيحين": "إنما الولاء لمن أعتق"، وقدم عليه عصبة النسب؛ للإجماع، ولأن النسب أقوى من الولاء؛ إذ يتعلق به أحكام لا تتعلق بالولاء؛ كالمحرمية ووجوب النفقة، وسقوط القود ورد الشهادة. ثم لعصبة بنسب المتعصبين بأنفسهم، لا لبنته وأخته، وترتيبهم كترتيبهم في النسب، لكن الأظهر: أن أخ المعتق وابن أخيه يقدمان على جده، فإن لم يكن له عصبة .. فلمعتق المعتق، ثم عصبته كذلك ... وهكذا. ولا ترث امرأة بولاء إلا معتقها، أو منتمياً إليه بنسب، أو ولاء. والألف في قول الناظم: (فأسفلا) و (وجدا) و (الأجودا) للإطلاق، وقوله: (قسم) بفتح القاف. (ثم لبيت المال إرث الفاني ... ثم ذوي الفروض لا الزوجان) (بنسبة الفروض، ثم ذي الرحم ... قرابة فرضاً وتعصيباً عدم)

стр. 605

[من يرث الميت إذا لم يكن له وارث] أي: ثم بعد من ذكر من ورثة الميت المسلم تصرف تركته أو باقيها لبيت المال؛ أي: للمسلمين إرثاً؛ كما يتحملون عنه الدية، ولخبر: "أنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه" رواه أبو داوود، وصححه ابن حبان، ولكونهم عصبة قدموا على من يأتي، فلا يجوز صرف شيء منه إلى القاتل والكفار والمكاتبين. ويجوز تخصيص طائفة من المسلمين به، وصرفه للموصى له، ولمن ولد أو أسلم أو أعتق بعد موته، هذا إن انتظم أمر بيت المال؛ بأن يلي إمام عادل يصرف ما فيه في مصارفه كما كان في زمن الصحابة ﵃. ثم بعده- بأن لم يكن إمام كذلك- لذوي الفروض إرث الفاني؛ بأن يرد عليهم الباقي بعدها إرثاً؛ لأن التركة مصروفة لهم أو لبيت المال اتفاقاً، فإذا تعذر أحدهما .. تعين الآخر، والتوقف عرضة للفوات، لا الزوجان فلا يرد عليهما؛ إذ لا قرابة بينهما، فإن وجد فيهما قرابة .. دخلا في ذوي الأرحام، وسيأتي بيانهم. قال الرافعي: وإنما قدم عليهم ذوو الفروض؛ لأن القرابة المفيدة لاستحقاق الفرض أقوى. ثم إن كان من يرد عليه شخصاً واحداً .. أخذ فرضه والباقي بالرد، أو جماعة من صنف كبنات .. فبالسوية، أو من صنفين فأكثر .. رد الباقي بنسبة الفروض التي لهم. ففي بنت وأم وزوج: الباقي من مخرج الربع بعد تنصيب الزوج ثلاثة لا تقسم على أربعة سهام البنت والأم من مسألتهما، فتضرب في مخرج الربع، فتصح من ستة عشر، للزوج أربعة، وللبنت تسعة، وللأم ثلاثة. وفي بنت وأم وزوجة: الباقي من مخرج الثمن بعد إخراج نصيب الزوجة سبعة، لا تنقسم على أربعة سهام البنت والأم من مسألتهما، فتضرب في مخرج الثمن، فتصح من اثنتين وثلاثين، للزوجة أربعة، وللبنت أحد وعشرون، وللأم سبعة. وفي بنت وأم سهامهما من مسألتهما أربعة تجعل أصل المسألة؛ للبنت ثلاثة، وللأم واحد.

стр. 606

[إرث ذوي الأرحام] ثم إن عدم من يرثه بالفرضية ممن يرد عليه، ومن يرثه بالتعصيب كما مر .. صرفت التركة أو باقيها لذي الرحم ولو غنياً إرثاً؛ وهو كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة، وهم عشرة أصناف: أب الأم، وكل جد وجدة ساقطين، وأولاد البنات، وبنات الإخوة، وأولاد الأخوات، وبنو الإخوة للأم، والعم للأم، وبنات الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، والمدلون بالعشرة. ومن انفرد من ذوي الأرحام ذكراً كان أو أنثى .. أخذ جميع المال، وإن اجتمعوا .. نزل كل فرع منزلة أصله، ويقدم الأسبق إلى الوارث، فإن استووا .. قدر أن الميت خلف من يدلون به، ثم يجعل نصيب كل واحد للمدلين به على حسب ميراثهم منه لو كان هو الميت، ففي بنت بنت، وبنت بنت ابن: يقسم المال بينهما أرباعاً فرضاً ورداً، وفي بنت ابن بنت، وبنت بنت ابن: المال للثانية؛ لسبقها إلى الوارث. (وعصب الأخت أخ يماثل ... وبنت الابن مثلها والنازل) (والأخت لا فرض مع الجد لها ... في غير (أكدرية) كملها) (زوج وأم، ثم باق يورث ... ثلثاه للجد وأخت ثلث) [من يعصب الأخت] أي: وعصب الأخت الشقيقة والأخت للأب: أخ يماثلها؛ أي: يساويها قرباً، فيكون المال أو ما بقي منه بعد الفروض للذكر مثل حظ الأنثيين؛ كما يعصب الابن البنت؛ قال تعالى: ﴿وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثتيين﴾، وقال: ﴿يوصيكم الله في أولدكم للذكر مثل حظ الأنثتيين﴾، وخرج بالمساوي غيره، فلا يعصب الأخ لأب الأخت الشقيقة، بل يفرض لها معه، ويأخذ الباقي بالتعصيب، ولا الأخ لأبوين الأخت لأب، بل يحجبها. قوله: (وبنت الابن مثلها) أي: يعصبها أخ يساويها في الدرجة؛ كأخته وبنت عمه مطلقاً، سواء فضل لها شيء من الثلثين أم لا؛ كما يعصب الابن البنات والأخ الأخوات، وخرج بقوله: (مثلها) من أعلى منها؛ فإنه يسقطها. ويعصب بنت الابن أيضاً الذكر النازل عنها من أولاد الابن؛ أي: إن لم يكن لها شيء من الثلثين كبنتي صلب وبنت ابن وابن ابن ابن، فإن كان لها شيء من الثلثين .. فلا يعصبها؛ كبنت وبنت ابن وابن ابن ابن، بل للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، والباقي له؛

стр. 607

لأن لها فرضاً استغنت به عن تعصيبه، ولو كان في هذا المثال بنت ابن ابن أيضاً .. كان الباقي بينهما وبين ابن ابن الابن أثلاثاً. قال الفرضيون: وليس في الفرائض من يعصب أخته وعمته، وعمة أبيه وجده وبنات أعمامه، وبنات أعمام أبيه وجده، إلا النازل من أولاد الابن، وعصبت البنت أو بنت الابن أختاً شقيقة، أو أختاً لأب، فتأخذان ما بقي بعد الفرض وتسقطان بالاستغراق، فلو خلف بنتاً أو بنت ابن وإحدى الأختين .. فللبنت أو بنت الابن النصف، والباقي للأخت بالتعصيب، ولو خلفهما مع الأخت .. فللبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، والباقي للأخت بالتعصيب، قضى بذلك رسول الله ﷺ كما رواه البخاري. [المسألة الأكدرية] قوله: (والأخت لا فرض مع الجد لها) أي: سواء أكانت لأبوين أم لأب؛ كما لا يفرض لها مع أخيها؛ لوجود من يجعلها عصبة، ولا تعول المسألة بسببها وإن كان قد يفرض للجد، وتعول المسألة بسببه كما مر؛ لأنه صاحب فرض بالجدودة فيرجع إليه للضرورة، إلا في الأكدرية؛ وهي: جد وأخت شقيقة أو لأب كمل مسألتهما زوج وأم، فللزوج نصف، وللأم ثلث؛ لعدم من يحجبها عنه، وللجد السدس؛ لعدم من يحجبه، وللأخت النصف؛ لعدم من يسقطها ومن يعصبها، فإن الجد لو عصبها .. نقص حقه، فتعين الفرض لها، فتعول بنصيب الأخت وهو النصف إلى تسعة؛ فإن أصلها من ستة، ثم يقتسم الجد والأخت نصيبهما أثلاثاً له الثلثان ولها الثلث، ونصيبهما أربعة لا تنقسم على ثلاثة، فاضرب ثلاثة في تسعة .. تبلغ سبعة وعشرين، للزوج تسعة، وللأم ستة، وللأخت أربعة، وللجد ثمانية. وسميت أكدرية؛ لنسبتها إلى أكدر، وهو اسم السائل عنها، أو المسئول، أو الزوج، أو بلد الميتة، أو لأنها كدرت على زيد مذهبه، فإنه لا يفرض للأخوات مع الجد، ولا يعيل، وقد فرض فيها وأعال، وقيل: لتكدر أقوال الصحابة فيها، وقيل غير ذلك. وقول الناظم: (وأخت) بالجر عطفاً على الجد. [حجب الحرمان بالأشخاص] ثم لما فرغ من ذكر العصبة لغيره، والعصبة مع غيره .. شرع في ذكر الحجب، وهو لغة: المنع، وشرعاً: منع من قام به سبب الإرث من الإرث بالكلية، أو من أوفر حظيه، ويسمى

стр. 608

الثاني: حجب نقصان وقد مر، والأول: حجب حرمان وهو المراد بقوله: (وكل جدة فبالأم احجب ... ويحجب الأخ الشقيق بالأب) (والابن وابنه، وأولاد الأب ... بهم، وبالأخ الشقيق فاحجب) (وولد الأم أب أو جد ... وولد وولد ابن يبدو) أي: وكل جدة من جهة الأم أو الأب .. فبالأم احجبها؛ للإجماع، ويحجب الأخ الشقيق ومثله الشقيقة بالأب والابن وابن الابن وإن سفل بالإجماع، وأولاد الأب ذكوراً كانوا أو إناثاً احجبهم بهم؛ أي: بهؤلاء؛ لأنهم حجبوا الشقيق؛ فهم أولى، وبالأخ الشقيق؛ لقوته بزيادة القرب، وولد الأم ذكراً كان أو أنثى يحجبه أب أو جد لأب وولد ذكراً كان أو أنثى، وولد ابن ولو أنثى كما مر. و(الكلالة): اسم لما عدا الوالد والولد، فدل على أنهم إنما يرثون عند عدمها، وكسر الناظم باء (احجب) في الموضعين؛ للوزن. وقوله: (وأولاد الأب) بالنصب ويجوز رفعه، وقوله: (وولد الأم) بالنصب بفعل مقدر دل عليه (احجب) أي: يحجب ولد الأم. [حجب الحرمان بالأوصاف] ولما أنهى الكلام على حجب الحرمان بالأشخاص .. شرع في ذكره بالأوصاف، وهي موانع الإرث فقال: (لا يرث الرقيق والمرتد ... وقاتل كحاكم يحد) (ولا تورث مسلماً ممن كفر ... ولا معاهد وحربي ظهر) أي: لا يرث الرقيق قناً كان أو مدبراً، أو مكاتباً أو أم ولد؛ لأنه لو ورث .. لكان الملك للسيد وهو أجنبي من الميت، ومثل الرقيق المبعض، لكنه يورث عنه ما ملكه بحريته؛ لتمام ملكه عليه، ولا يرث المرتد من مسلم، وإن عاد إلى الإسلام بعد موته؛ لخبر: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم ولا من كافر؛ إذ لا موالاة بينه وبين غيره؛ لتركه دين

стр. 609

الإسلام وعدم تقريره على ما انتقل إليه، وكما لا يورث، بل تركته فيء. ولا يرث القاتل من مقتوله شيئاً، سواء أكان القتل عمداً أم خطأ أم شبه عمد، مباشرة أو سبباً أو شرطاً، وسواء أكان القاتل مكلفاً أم غير مكلف، مختاراً أم مكرهاً وإن لم يضمنه؛ كما إذا قتل الحاكم مورثه حداً؛ لكونه زانياً محصناً، أو كان قتله دفعاً لصياله، أو قصاصاً، أو بإيجار دواء، أو بشهادته عليه بما له دخل في قتله؛ لخبر النسائي بسند صحيح كما قال ابن عبد البر "ليس للقاتل من الميراث شيء"، ولتهمة استعجال قتله في بعض الصور، وسداً للباب في الباقي، وقد يرث المقتول من قاتله؛ كأن جرحه ثم مات الجارح قبل المجروح. ولا تورث أنت مسلماً ممن كفر؛ أي: من كافر، سواء أكان ذمياً أم معاهداً، أم مستأمناً أم حربياً، ولا العكس؛ لخبر "الصحيحين": "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم"، ولا فرق بين الولاء وغيره، وأما خبر: "لا يرث المسلم النصراني، إلا أن يكون عبده أو أمته" .. فقد أعله ابن حزم وإن صححه الحاكم، على أن معناه: أن ما بيده لسيده لا الإرث الحقيقي من العتيق؛ لأنه سماه عبده. ولو مات كافر عن زوجة حامل فوقفنا الميراث للحمل، فأسلمت ثم ولدت .. ورثه ولده مع كونه محكوماً بإسلامه؛ لأنه كان محكوماً بكفره يوم الموت، وقد ورث منه إذ ذاك، وأفهم كلامه: أن الكافر يرث الكافر وإن اختلفت عقيدتهما؛ كاليهودي من النصراني، والنصراني من المجوسي، والمجوسي من الوثني، وبالعكس؛ لأن جميع ملل الكفر في البطلان كالملة الواحدة؛ قال تعالى: ﴿لكم دينكم ولى دين﴾، وقال تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلل﴾. ولا فرق في توارث بعضهم من بعض بين أن يكونا متفقي الدار ومختلفيها؛ بأن تختلف الملوك ويرى بعضهم قتل بعض؛ كالروم والهند، ولكن لا يرث الذمي والمعاهد والمستأمن من الحربي، ولا الحربي من واحد منهم؛ لانقطاع الموالاة بينهم. وقول الناظم: (ولا معاهد) بكسر الهاء وفتحها، و (حربي) ظهرت محاربته، من عطف الخاص على العام.

стр. 610

باب الوصية هي لغة: الإيصال؛ لأن الموصي وصل خير دنياه بخير عقباه، وشرعاً: تبرع بحق مضاف ولو تقديراً لما بعد الموت، ليس بتدبير ولا تعليق عتق بصفة وإن التحقا بها حكماً؛ كالتبرع المنجز في مرض الموت، أو الملحق به. والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾، وأخبار؛ كخبر "الصحيحين": "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين .. إلا ووصيته مكتوبة عنده". وأركانها أربعة: موص، وموصى به، وموصى له، وصيغة. (تصح بالمجهول والمعدوم ... لجهة توصف بالعموم) (ليست بإثم، أو لموجود أهل ... للملك عند موته كمن قتل) (وإنما تصح للوارث إن ... أجاز باقي ورث لما دفن) [شروط الموصي] تصح الوصية؛ أي: من المكلف الحر المختار ولو محجوراً عليه بفلس أو سفه، أو كافراً ولو حربياً، فلا تصح وصية غير المكلف ولو مميزاً- والسكران المتعدي بسكره كالمكلف في سائر الأبواب- ولا الرقيق ولو مكاتباً وإن عتق ثم مات، ولا المكره. [الموصى به وشروطه] بالمجهول؛ كالوصية بشاة من شياهه، وبأحد أرقائه، ويعينه الوارث، وبالأعيان الغائبة، وبما لا يقدر على تسليمه؛ كالطير في الهواء، والعبد الآبق، وبالمعدوم؛ كالوصية بما تحمله هذه الدابة، أو بما تحمله هذه الأشجار؛ لأن الوصية احتمل فيها وجوه من الغرر؛ رفقاً بالناس، وتوسعة عليهم، ولأن المعدوم يجوز أن يملك بالمساقاة والإجارة مع أنهما عقدا معاوضة، فبالوصية أولى؛ لأن بابها أوسع من غيره.

стр. 611

فشرط الموصى به: كونه مقصوداً، قابلاً للنقل، مختصاً بالموصي عند موته، لا يزيد على الثلث إذا لم يكن له وارث خاص، فلا تصح بما يحرم اقتناؤه والانتفاع به، ولا بقصاص وحد قذف، وخيار وشفعة، ولا بما لا يختص بالموصي عند موته؛ كأن أوصى برقيق من رقيقه، ولا رقيق له عند موته، ولا بزائد على الثلث إذا كان وارثه بيت المال. وتصح بالحمل إن انفصل حياً حياة مستقرة، وعلم وجوده عندها، فلو انفصل ميتاً بجناية .. نفذت من بدله، ويصح القبول قبل الوضع، وتصح بالمنافع مؤبدة ومؤقتة، والإطلاق يقتضي التأبيد، وبنجس يحل الانتفاع به؛ ككلب يتعلم، وزيت نجس، وخمر محترمة، وجلد ميتة وشحمها. وتصح بنجوم الكتابة، فإن عجز .. فلا شيء له، والوصية برقبة المكاتب كهي بمال الغير؛ كأن يقول: ) أوصيت بهذا العبد) وهو ملك غيره، أو (بهذا العبد إن ملكته)، وفيه وجهان، قال النووي: الجواز أفقه وأجرى على قواعد الباب. انتهى، ونوزع في الصورة الأولى بأن الصح فيها: البطلان. [الموصى له وشروطه] قوله: (لجهة توصف بالعموم ليست بإثم) أي: معصية، قربة كانت كالمسجد والفقراء، أو غير قربة كالأغنياء وأهل الذمة، بخلاف الوصية لأهل الحرب أو الردة، أو لمن يحارب أو يرتد، أو لموجود؛ أي: معين عند الوصية، أهل للملك بتحريك الهاء للوزن عند موته؛ أي: الموصي؛ كمن قتل الموصي ولو تعدياً؛ بأن أوصى لجارحه، ثم مات بالجرح، أو لإنسان فقتله؛ لعموم الأدلة، ولأنها تمليك بصيغة؛ كالهبة بخلاف الإرث، وأما خبر: "ليس للقاتل وصية" .. فضعيف، ولو صح .. حمل على وصية لمن يقتله؛ فإنها باطلة؛ لأنها معصية. ومن الوصية للقاتل الوصية لعبده؛ لأن الوصية له وصية لمالكه. وتسمية الوصية فيما ذكر وصية لقاتل باعتبار ما يؤول إليه من كونه يصير قاتلاً، أو لأن الوصية لما كانت لا تتم إلا بالقبول بعد الموت .. كانت إذ ذاك وصية للقاتل حقيقة. وتصح للحمل الموجود عندها؛ بأن انفصل لدون ستة أشهر، أو لأكثر منها ولم يزد على

стр. 612

أربع سنين والمرأة خلية عن زوج وسيد؛ لأن الظاهر وجوده عندها لندرة وطء الشبهة، وفي تقدير الزنا إساءة ظن، ويقبل للحمل من يلي أمره بعد خروجه. ولا تصح لحمل سيوجد، أو احتمل حدوثه بعدها؛ بأن انفصل لأكثر من أربع سنين، أو لستة أشهر فأكثر والمرأة غير خلية، ولا لأحد الرجلين كسائر التمليكات. نعم؛ لو قال: (أعطوا أحد الرجلين كذا) .. صح؛ تشبيهاً له بما إذا قال لوكيله: (بعه لأحد الرجلين). ولا لميت؛ لعدم أهليته للملك. ولو أوصى لعبد أجنبي .. صحت، ثم إن استمر رقه .. فالوصية لسيده، ويصح قبول العبد وإن منعه السيد، لا قبول السيد عنه، فإن عتق قبل موت الموصي .. فله، أو بعده .. فلسيده، ولو باعه .. نظر في وقت البيع، وجرى فيه التفصيل. ولو أوصى لدابة غيره وقصد الصرف في علفها .. صحت لمالكها؛ كما لو أوصى بعمارة داره، ويشترط قبوله ويتعين صرفه لها، فيتولاه الوصي بنفسه، أو نائبه من مالك أو غيره، فإن لم يكن وصي .. فالحاكم كذلك، ولو انتقل ملك الدابة إلى غيره .. قال الرافعي: فقياس كون الوصية للمالك اختصاصها بالأول، قال النووي: بل قياسه اختصاصها بالثاني كما في العبد، قال السبكي: وهو الحق إن انتقلت قبل الموت، وإلا .. فالحق الأول، وهو قياس العبد في التقديرين. انتهى، وقول النووي: (كما في العبد) يقتضي أنه قائل بهذا التفصيل. أما إذا لم يقصد الصرف في علفها؛ بأن قصد تمليكها أو أطلق .. فباطله. وتصح لمسجد وإن قصد تمليكه، وتصرف في عمارته ومصالحه، ويصرفه القيم في الأهم والأصلح باجتهاده، وتصح لحربي ومرتد. [شروط صحة الوصية للوارث] وإنما تصلح للوارث إن أجاز باقي الورث بضم الواو وتشديد الراء جمع وارث؛ أي: إذا كان المجيزون مطلقي التصرف وإن أوصي له بدون الثلث؛ لخبر البيهقي وغيره من رواية عطاء عن ابن عباس: "لا وصية لوارث، إلا أن يجيز الورثة"، قال الذهبي: إنه

стр. 613

صالح الإسناد، أما إذا ردوا .. فلا تصح للوارث. وقول الناظم: (لما دفن) تنازعه (الوارث) و (أجاز)، فلو أوصي لوارث عند الوصية ثم حجب .. لم يفتقر إلى الإجازة، أو بالعكس .. افتقر إليها، ولو أجازوا قبل الموت .. فلهم الرد بعده، وبالعكس؛ إذ لا حق قبله للموسى له، فلو كان فيهم صبي أو مجنون، أو محجور عليه بسفه .. لم تصح الإجازة منه، ولا من وليه. وفي معنى الوصية للوارث: ما لو وهبه، أو وقف عليه، أو أبرأه من دين له عليه في مرض موته. وخرج بـ (الوارث): الأجنبي، فلا تفتقر وصيته إلى الإجازة إلا فيما زاد على الثلث، وينبغي للوارث أن يعرف قدر التركة والزائد على الثلث، فإن جهل أحدهما وأجاز .. لم تصح. ولو أجاز وقال: (اعتقدت قلة التركة وقد بان خلافه) .. حلف، وتنفذ فيما كان يتحققه، ولو أقام الموصى له بينة بعلمه بقدرها عند الإجازة .. لزمت. ولو كانت بمعين فأجاز ثم قال: (ظننت كثرتها فبان قلتها)، أو (تلف بعضها)، أو (ظهر دين) .. فقولان، أحدهما: صحة الإجازة، وعدم قبول قوله، وصححه النووي في "تصحيح التنبيه". [صيغة الوصية وشروطها] الركن الرابع: الصيغة؛ كـ (أوصيت له بكذا)، أو (أعطوه)، أو (ادفعوا إليه)، أو (جعلته له)، أو (وهبته له بعد موتي)، فلو اقتصر على (وهبته له) ولو بنية الوصية .. فهبة، أو على (هو له) .. فإقرار. وتصح بالكناية مع النية؛ كـ (هو له من مالي)، أو (عبدي هذا لفلان)، أو (عينته له)، وإذا أوصى لغير معين كالفقراء .. لزمت بالموت بلا قبول، أو لمعين .. اشترط القبول، ولا يصح قبول ولا رد في حياة الموصي، ولا يشترط فور بعد الموت، ولو رد بعد الموت والقبول .. لم يصح، وملك الموصى به لمعين موقوف؛ فإن قبل .. بان أنه ملكه بالموت، وإلا .. بان للوارث، وفوائده ومؤنته لمن له الملك، وعليه نفقته ومؤنه.

стр. 614

باب الوصايا وهي إثبات تصرف مضاف لما بعد الموت، يقال: أوصيت لفلان بكذا، وأوصيت إليه، ووصيته إذا جعلته وصياً، وقد أوصى ابن مسعود فكتب: (وصيتي إلى الله تعالى وإلى الزبير وابنه عبد الله) رواه البيهقي بإسناد حسن. وأركانها أربعة: موص، ووصي، وموصى فيه، وهو التصرف المالي المباح كما سيأتي، وصيغة كأن يقول: (أوصيت إليك)، أو (فوضت إليك)، أو (أقمتك مقامي)، أو (جعلتك وصياً)، ويشترط القبول، وهل يقوم العمل مقامه؟ وجهان كالوكالة، ولا يعتد به في حياة الموصي، ولا يعتبر الفور بعد الموت، ولو رد في حياته وقبل بعد موته .. صحت، ولو رد بعد الموت .. بطلت. (سن لتنفيذ الوصايا ووفا ... ديونه: إيصاء حر كلفا) (ومن ولي ووصي أذنا ... فيه على الطفل ومن تجننا) (إلى مكلف يكون عدلا ... وأم الاطفال: بهذا أولى) [شروط الموصي] أي: سن لتنفيذ الوصايا إن أوصى بشيء ووفاء ديونه؛ أي: ورد العواري والودائع والغصوب ونحوها إيصاء حر كله أو بعضه (كلفا) بأن يكون بالغاً عاقلاً، فإن لم يوص بها .. نصب القاضي من يقوم بها، ومحل سن الإيصاء برد المظالم إذا لم يعجز عنه في الحال، وإلا .. وجب كما استدركه النووي في "زوائد الروضة"، وذكر الشيخان أول الباب: أن من عنده وديعة، أو عليه حق لله تعالى، أو لآدمي .. يجب عليه أن يوصي به إذا لم يعلم به غيره، زاد في "الروضة": أن المراد علم من يثبت بقوله، قال في "المهمات": وهو

стр. 615

غير كاف، فإن قول الورثة كاف في الثبوت مع أن المتجه: أن علمهم لا يكفي؛ لأنهم الغرماء، فلا بد من حجة تقوم عليهم عند إنكارهم، وأيضاً: فإنه يقتضي أن الشاهد الواحد لا يكفي، فإن الحق لا يثبت به وحده، لكن القياس تخريجه على قضاء الوكيل الدين بحضرة واحد، والصحيح: الاكتفاء به، وكذا الصحيح: الاكتفاء بإشهاد ظاهري العدالة مع أنه لا يثبت بهما. انتهى. وخرج بـ (الحر) الرقيق، وبـ (المكلف) غيره، فلا يصح إيصاؤهما. وسن الإيصاء من ولي؛ أب، أو جد أبي أب وإن علا، ومن (وصي أذنا) له بأن أذن له الولي في الإيصاء عن نفسه، أو عن الوصي على الطفل والمجنون؛ أي: والسفيه الذي بلغ كذلك .. فلا يصح الإيصاء على غيرهم مطلقاً، ولا عليهم من غير المذكورين ولو أماً أو أخاً؛ لأنه لا يلي أمرهم فكيف ينيب فيه؟ ! ولا يصح الإيصاء على الطفل ونحوه من أبيه والجد حي بصفة الولاية؛ لأنه ولي شرعاً فليس للأب نقل الولاية عنه، أما الإيصاء بتنفيذ الوصايا ووفاء الديون ونحوها .. فيصح في حياة الجد، ويكون الوصي أولى منه. ويجوز فيه التوقيت والتعليق؛ كقوله: (أوصيت إليك إلى بلوغ ابني)، أو (قدوم زيد)، فإذا بلغ أو قدم .. فهو الوصي؛ لأن الوصايا تحتمل الجهالات والأخطار، فكذا التوقيت والتعليق، ولأن الإيصاء كالإمارة، وقد أمر النبي ﷺ زيداً على سرية وقال: "إن أصيب زيد .. بجعفر، وإن أصيب جعفر .. فعبد الله بن رواحة" رواه البخاري. [شروط الموصى فيه] وإنما يصح الإيصاء بالتصرف المالي المباح؛ كقضاء الديون، وتنفيذ الوصايا، وأمور الأطفال المتعلقة بأموالهم، فلا يصح الإيصاء بتزويجهم؛ لأن الوصي لا يتغير بلحوق العار بهم، فيتولاه من يعتني بدفع العار عنهم، فإن لم يكن .. فمن له النظر العام وهو الإمام، ولا بتزويج أرقائهم؛ لأن ولاية تزويجهم تبع للولاية على تزويج مالكهم، فإذا امتنع المتبوع .. فالتابع أولى.

стр. 616

ولا يصح بعمارة بيع التعبد وكنائسه ونحوهما؛ لعدم الإباحة. ولو قال: (أوصيت إليك)، أو (أقمتك مقامي في أمر أطفالي) ولم يذكر التصرف .. فله التصرف أيضاً. [شروط الوصي] وإنما يصح الإيصاء ممن ذكر فيما ذكر إلى مكلف يكون عدلاً ولو في الظاهر؛ أي: وكافياً للتصرف الموصى به، فلا يصح الإيصاء إلى صبي ولا مجنون؛ لأنهما مولى عليهما، فكيف يليان أمر غيرهما؟ ! ولا إلى من فيه رق؛ لاستدعاء الإيصاء فراغاً وهو مشغول بخدمة سيده، ولأنه لا يتصرف في مال ابنه .. فلا يصح وصياً لغيره كالمجنون، ولا إلى كافر من مسلم؛ إذ لا ولاية لكافر على مسلم. ويصح إيصاء ذمي على أولاده الكفار إلى ذمي عدل في دينه؛ لجواز كونه ولياً على أولاده، ويصح أيضاً إيصاؤه إلى مسلم؛ كما تصح شهادة المسلم عليه، وقد ثبت له الولاية عليه؛ فإن الإمام يلي تزويج الذميات، ولا الإيصاء إلى فاسق؛ لما في الوصاية من معنى الأمانة والولاية، ولا الإيصاء إلى عاجز عن التصرف لسفه أو هرم أو نحوه. وزاد المتولي وآخرون: عدم كونه عدواً للمولى عليه. وحصروا الشروط بلفظ مختصر فقالوا: ينبغي كونه بحيث تقبل شهادته عليه. وهذه الشروط تعتبر عند الموت على الأصح؛ لأنه وقت التسلط على القبول كما أن الاعتبار في الوصية بحالة الموت، وكما أن الشاهد تعتبر صفاته عند الأداء، حتى لو أوصى إلى من خلا عن الشروط أو بعضها؛ كصبي ورقيق، ثم استكملها عند الموت .. صح، ويؤخذ منه ما قاله البلقيني: أنه لو أوصى إلى غير الجد وهو بصفة الولاية، ثم زالت ولايته عند الموت؛ كأن فسق .. صح، ولا يضر العمى، ويوكل فيما لا يتمكن من مباشرته. وأم الأطفال بهذا؛ أي: بالإيصاء عليهم أولى من غيرها إذا اتصفت بالشروط؛ لأنها أشفق من غيرها، فالذكورة ليست شرطاً؛ لأن عمر أوصى إلى حفصة ﵄، رواه أبو داوود. ولو أوصى إلى اثنين فصاعداً: فإن كان في أمر ينفرد صاحب الحق بأخذه؛ كالودائع

стр. 617

والعواري .. فلكل الانفراد، وإلا: فإن أثبت لكل الاستقلال؛ بأن قال: (أوصيت إلى كل منكما)، أو (كل منكما وصيي)، أو (أنتما وصياي) .. فلكل منهما الانفراد بالتصرف، وإن شرط اجتماعهما في التصرف أو أطلق .. فلا انفراد، ولو مات أحدهما، أو جن أو فسق، أو غاب أو رد .. نصب الحاكم بدلاً عنه، والمراد من الاجتماع: صدور التصرف عن رأيهما، لا تلفظهما بصيغ العقود معاً. والوصاية جائزة، فللموسى عزل نفسه إلا أن يتعين، أو يغلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالم، وله أن يوكل فيما لم تجر العادة بمباشرته لمثله. وإذا بلغ الطفل ونازعه في الإنفاق عليه .. صدق الوصي بيمينه، وكذا لو ادعى الإسراف فيه ولم يعين قدراً، وإن عينه .. نظر فيه وصدق من يقتضي الحال تصديقه. ولو ادعى أنه باع ماله بلا حاجة ولا غبطة .. فالقول قول المدعي بيمينه، ولو ادعى الولي دفع ماله إليه بعد البلوغ أو الإفاقة أو الرشد .. لم يقبل قوله إلا ببينة. والألف في قول الناظم: (كلفا) و (أذنا) و (تجننا) للإطلاق.

стр. 618

كتاب النكاح هو لغة: الضم، وشرعاً: عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ إنكاح أو تزويج أو بترجمته، وهو حقيقة في العقد مجاز في الوطء على الأصح؛ كما جاء به القرآن والأخبار، وإنما حمل على الوطء في قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ لخبر: "حتى تذوقي عسيلته". والأصل فيه قبل الإجماع: آيات؛ كقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾، وقوله: ﴿وانكحوا الأيمى منكم﴾، وأخبار؛ كخبر: "تناكحوا تكثروا"، وخبر: "من أحب فطرتي .. فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح"، رواهما الشافعي رضي الله تعالي عنه بلاغاً، وخبر: "الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة" رواه مسلم، وحسن الترمذي: "ثلاث حق على الله أن يغنيهم: الناكح يريد أن يستعف"، وصححه ابن حبان والحاكم. والنكاح لازم ولو من جهة الزوج. (سن لمحتاج مطيق للأهب ... نكاح بكر ذات دين ونسب) [حكم النكاح] أي: سن لمحتاج إلى النكاح بأن تتوق نفسه إلى الوطء ولو خصياً مطيق للأهب؛ بأن يجد مؤنه من المهر، وكسوة فصل التمكين، ونفقة يوم النكاح، سواء أكان مشتغلاً بالعبادة أم لا؛ تحصيناً للدين، ولخبر "الصحيحين": "يا معشر الشباب؛ من استطاع منكم الباءة .. فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع .. فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء" بالمد؛ أي: دافع لشهوته، و (الباءة) بالمد: مؤن النكاح.

стр. 619

أما إذا فقد المحتاج إليه أهبته .. فيسن له تركه، ويكسر شهوته بالصوم؛ إرشاداً لخبر: "يا معشر الشباب". قال في "الروضة" كـ "أصلها": فإن لم تنكسر به .. لم يكسرها بالكافور ونحوه، بل ينكح، قال ابن الرفعة نقلاً عن الأصحاب: لأنه نوع من الاختصاء. وأما غير المحتاج إليه: فإن فقد أهبه .. كره له؛ لما فيه من التزام ما لا يقدر عليه من غير حاجة، وسواء أكان به علة أم لا، وكذا إن وجدها وبه علة كهرم أو مرض دائم أو تعنين، وإن لم يكن به علة .. لم يكره له، لكن تخليته للعبادة أفضل منه إن كان متعبداً، وإلا .. فالنكاح أفضل له من تركه؛ لئلا تفضي به البطالة إلى الفواحش. ونص في "الأم" وغيرها: على أن المرأة التائقة يندب لها النكاح، وفي معناها المحتاجة إلى النفقة، والخائفة من اقتحام الفجرة. [الصفات المستحبة في المنكوحة] وسن لمريد النكاح نكاح بكر إلا لعذر؛ لخبر "الصحيحين" عن جابر: "هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك"، وروى ابن ماجه خبر: "عليكم بالأبكار؛ فإنهن أعذب أفواهاً، وأنتق أرحاماً، وأرضى باليسير"، بخلاف ما إذا كان به عذر؛ كضعف آلته عن الافتضاض؛ أو احتياجه لمن يقوم على عياله؛ كما اتفق لجابر؛ فإنه لما قال له رسول لله ﷺ ما تقدم .. اعتذر له بأن أباه قتل يوم أحد وترك تسع بناات، فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن، ولكن امرأة تمشطهن وتقوم عليهن، فقال ﷺ : "أصبت". ذات دين؛ لخبر "الصحيحين": "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" أي: افتقرتا إن خالفت ما أمرتك به، بخلاف الفاسقة ذات نسب؛ لخبر: "تخيروا لنطفكم" رواه الحاكم وصححه، بل يكره نكاح بنت

стр. 620

الزنا وبنت الفاسق، قال الأذرعي: ويشبه أن يلحق بهما اللقيطة ومن لا يعرف أبوها. ويسن أيضاً: كونها ولوداً ودوداً؛ لخبر: "تزوجوا الولود والودود؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" رواه أبو داوود والحاكم وصحح إسناده. قرابة غير قريبة أو أجنبية؛ لضعف الشهوة في القريبة فيجيء الولد نحيفاً، قال الزنجاني: ولأن من مقاصد النكاح اشتباك القبائل؛ لأجل التعاضد واجتماع الكلمة، وهو مفقود في نكاح القريبة، والبعيدة أولى من الأجنبية. بالغة إلا لحاجة أو مصلحة، ذات جمال، خفيفة المهر؛ ذات خلق حسن، وألا يكون لها ولد من غيره إلا لمصلحة، وألا تكونشقراء، ولا مطلقة يرغب فيها مطلقها، وأن يعقد في شوال وأول النهار، وأن يدخل في شوال، وألا يزيد على واحدة بلا حاجة. [الجمع بين الزوجات] (وجاز للحر بأن يجمع بين ... أربعة، والعبد بين زوجتين) أي: وجاز للحر أن يجمع بين أربع من الزوجات، وجاز للعبد أن يجمع بين زوجتين، أما الحر .. فلقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلث وربع﴾، وقوله ﵊ لغيلان، وقد أسلم وتحته عشر نسوة: "أمسك أربعاً وفارق سائرهن" صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وإذا امتنعت الزيادة في الدوام .. ففي الابتداء إولى. قيل: وكان في شريعة موسى الجواز من غير حصر؛ تغليباً لمصلحة الرجال، وفي شريعة عيسى لا يتزوج غير واحدة؛ تغليباً لمصلحة النساء، وراعت شريعتنا مصلحة النوعين. وأما العبد .. فلأنه على النصف من الحر، وقد أجمع الصحابة على أنه لا ينكح أكثر من اثنتين، رواه البيهقي عن الحكم بن عتبة، والمبعض كالعبد. فإن نكح الحر خمساً معاً .. بطلن، أو مرتباً .. فالخامسة، وتحل الأخت والخامسة في عدة بائن لا رجعي؛ لأنها في حكم الزوجة.

стр. 621

والباء في قول الناظم: (بأن يجمع) زائدة، وقوله: (أربعة) بالتاء بمعنى أربعة أشخاص. (وإنما ينكح حر ذات رق ... مسلمة خوف الزنا، ولم يطق) (صداق حرة، وحرم مسا ... من رجل لامرأة لا عرسا) (أو أمة، ونظراً حتى إلى ... فرج ولكن كرهه قد نقلاً) (والمحرم انظر، وإماء زوجت ... لا بين سرة وركبة بدت) (ومن يرد منها النكاح نظرا ... وجها وكفاً باطناً وظاهرا) (وجاز للشاهدأو من عاملا ... نظر وجه، أو يداوي عللا) (أو يشتريها: قدر حاجة نظر ... وإن تجد إنثى فلا ير الذكر) فيها ثمان مسائل: [شروط نكاح الرقيقة] الأولى: إنما ينكح الحر المسلم الرقيقة؛ أي: غير أمة فرعه ومكاتبه بشرط أن تكون مسلمة، فلا يحل له نكاح الأمة الكافرة ولو كتابية ومملوكة لمسلم؛ لقوله تعالى: ﴿فمن ما ملكت أيمنكم من فتيتكم المؤمنت﴾، بل لا ينكحها الرقيق المسلم؛ لأن المانع من نكاحها كفرها فساوى الحر. ويجوز للحر الكتابي نكاح الأمة الكتابية؛ لاستوائهما في الدين. بشرط أن يخاف زناً ويفقد الحرة، وأن يخاف زناً وإن لم يغلب على ظنه وقوعه بل توقعه ولو على ندور بأن تغلب شهوته ويضعف تقواه، بخلاف من ضعفت شهوته، أو قوي تقواه، أو قدر على التسري بشراء أمة، قال تعالى: ﴿ذلك لمن خشى العنت منكم﴾ أي: الزنا، وأصله المشقة، سمي به الزنا؛ لأنه سببها بالحد في الدنيا، والعقوبة في الآخرة. وعلم من هذا الشرط أن من تحته أمة لا ينكح أخرى. وألا يطيق صداق حرة؛ أي: تصلح للاستمتاع ولو كتابية، أو رضيت بأقل من مهر المثل، قال تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنت﴾ الآية، و (الطول): السعة، والمراد بـ (المحصنات): الحرائر، وذكر المؤمنات في الآية جري على الغالب من أن المؤمن

стр. 622

إنما يرغب في المؤمنة، وأن من عجز عن مهر المؤمنة .. عجز عن مهر الكتابية؛ لأنها لا ترضى بالمؤمن إلا بمهر كثير، وروى البيهقي عن الحسن مرسلاً: (أنه ﷺ نهى أن تنكح الأمة على الحرة)، قال: وهو وإن كان مرسلاً .. فهو في معنى القرآن حيث وافقه في النهي، ومعه قول جماعة من الصحابة. انتهى. أما لو كان تحته حرة لا تصلح للاستمتاع، أو قدر عليها؛ كأن تكون صغيرة أو مجنونة، أو مجذومة أو برصاء، أو قرناء أو رتقاء، أو هرمة أو مضناة لا تحتمل الجماع .. فإنه يحل له نكاح الأمة. ولو قدر على غائبة .. حلت له أمة إن لحقت مشقة ظاهرة في قصدها، أو خاف زناً مدته، وإلا .. فلا تحل له الأمة، وضبط الإمام المشقة المعتبرة؛ بأن ينسب محتملها في طلب الزوجة إلى الإسراف ومجاوزة الحد. ولو وجد حرة ترضى بلا مهر، أو بمهر مؤجل وهو يتوقع القدرة عليه عند المحل، أو وجد من يقرضه، أو يبيعه نسيئة، أو يستأجر بأجرة معجلة، أو له مسكن وخادم .. حلت له الأمة، ولو وهب له مال أو جارية .. لم يلزمه القبول. ومن شروط نكاح الأمة: أن تحتمل الوطء، فإن كانت صغيرة لا توطأ .. لم يصح النكاح، ومن بعضها رقيق كالرقيقة. [العورات وأحكام النظر] الثانية: يحرم على الرجل؛ أي: الفحل مس شيء من المرأة الأجنبية من شعر وغيره وإن أبين ذلك الشيء؛ لأنه إذا حرم النظر إليه كما سيأتي .. فاللمس أولى؛ لأنه أبلغ في اللذة، وقد يحرم المس دون النظر؛ كبطن محرمه، وكذا يحرم عليه النظر إلى ما ذكر؛ لقوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصرهم﴾ وهو خبر بمعنى الأمر. وشمل كلامه: الخصي والمجبوب والهم والمخنث والعنين، والمراهق كالبالغ، فيلزم الولي منعه من مس الأجنبية ونظرها، ويلزمها الاحتجاب منه؛ لظهوره على العورات، بخلاف طفل لم يظهر عليها، قال تعالى: ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عورت النساء﴾

стр. 623

ونظر الممسوح وهو ذاهب الذكر والأنثيين ونظر العبد إلى سيدته الأمينين .. كنظر المحرم الآتي. وشمل كلامه: الأمة، وهو الأصح عند النووي؛ [فهي] كالحرة. ويحل النظر إلى صغيرة إلا الفرج؛ لأنها ليست في مظنة الشهوة، أما الفرج .. فيحرم نظره، قال الرافعي: كصاحب "العدة": اتفاقاً، زاد في "الروضة" مستدركاً على دعوى الاتفاق قوله: قطع القاضي حسين بحله. وقضية كلام الناظم: أنه يحرم نظر الرجل الفحل إلى وجه المرأة الأجنبية وكفيها عند أمن الفتنة، وهو ما صححه في "المحرر" و "المنهاج"، ووجهه الإمام باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه، وبأن النظر مظنة الفتنة ومحرك للشهوة، فاللائق بمحاسن الشرع سد الباب، والإعراض عن تفاصيل الأحوال؛ كالخلوة بالأجنبية، لكن في "الروضة" كـ"أصلها": أكثر الصحاب على أنه لا يحرم؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ وهو مفسر بالوجه والكفين، لكن يكره، وقال في "المهمات": إنه الصواب؛ لكون الأكثرين عليه. وقال البلقيني: الترجيح بقوة المدرك، والفتوى على ما في "المنهاج". ونظر المرأة إلى الرجل الفحل الأجنبي كنظره إليها وهو ما صححه النووي؛ قياساً على نظره إليها، ولقوله تعالى: ﴿وقل للمؤمنت يغضضن من أبصرهن﴾، ولما رواه الترمذي وصححه: أن أم سلمة قالت: كنت عند النبي ﷺ وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن نزل الحجاب، فقال النبي ﷺ : "احتجبا منه"، فقلنا: يا رسول الله؛ أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ ! فقال: "أفعمياوان أنتما؟ ! ألستما تيصرانه؟ ! ".

стр. 624

وأما خبر "الصحيحين" عن عائشة: أنها نظرت إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد .. فأجاب عنه النووي في "شرح مسلم" بأنه ليس فيه أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنما نظرت إلى لعبهم وحرابهم، ولا يلزم منه تعمد النظر إلى البدن، وإن وقع بلا قصد .. صرفته في الحال. وأفهم كلام الناظم: أنه يحل نظر الرجل إلى الرجل، ونظر المرأة إلى المرأة، وهو كذلك فيما عدا ما بين السرة والركبة، وأنه يحل نظر الكافرة إلى المسلمة، وهو كذلك في مملوكها ومحرمها، وأما في غيرهما .. فالأصح: تحريمه؛ لقوله تعالى: ﴿أو نسآئهن﴾، والكافرة ليست من نساء المؤمنات، فلا تدخل الحمام مع المسلمة. وما الذي تراه منها؟ قال الإمام وغيره: هي معها كالأجنبي، وصححه البلقيني، والشبه عند الشيخين: أنها ترى منها ما يبدو عند المهنة، وهو الوجه، والرأس، واليد إلى المرفق، والرجل إلى الركبة. قال الأذرعي: وهذا غريب لم أره نصاً، بل صرح القاضي والمتولي والبغوي وغيرهم بأنها معها كالأجنبي. انتهى. وأفتى النووي بأنه يحرم على المرأة كشف وجهها لها، وهو ظاهر على القول بأنها كالأجنبي. [نظر الرجل لزوجته وأمته واستمتاعه بهما] الثالثة: لا يحرم مس الرجل عرسه بكسر العين؛ أي: زوجته، ولا أمته اللتين يجوز تمتعه بهما، ولا عكسه، وقد مر حكم مباشرة الحائض والنفساء فيما بين السرة والركبة، ولا يحرم نظر الرجل إليهما ولا عكسه وإن عرض مانع قريب الزوال؛ كحيض ورهن، حتى إلى الفرج ولو باطناً؛ لأنه محل تمتعه، لكن كرهه قد نقل عن الأئمة؛ لخبر: "النظر إلى الفرج

стр. 625

يورث الطمس" أي: العمى، رواه ابن حبان وغيره في الضعفاء، وخالف ابن الصلاح فقال: إنه جيد الإسناد. وشمل كلامهم: الدبر، وقول الإمام: والتلذذ بالدبر بلا إيلاج جائز .. كالصريح فيه، وكذا قول "الروضة" و "أصلها" هنا: للزوج النظر إلي جميع بدن زوجته، إلا الفرج ففيه وجهان، أصحهما: الجواز، وفي باب ما يملكه الزوج من التمتع: له جميع التمتع، إلا النظر إلى الفرج ففيه خلاف سبق في حكم النظر، وإلا الإتيان في الدبر فإنه حرام، والذي سبق له في حكم جواز النظر جوازه إلى الفرج من غير استثناء الدبر، فهذا منهما كالصريح في جواز نظره إليه، وقال الدارمي بحرمته. [نظر الرجل إلى محرمه وعكسه] الرابعة: يجوز النظر للرجل إلى محرمه وعكسه، ونظر الزوج إلى زوجته التي امتنع تمتعه بها؛ كمعتدة عن شبهة، والسيد إلى إمته التي امتنع تمتعه بها؛ كمرتدة ومجوسية ووثنية ومزوجة ومكاتبة ومشتركة، وعكسه إلى جميع البدن، إلا ما بين السرة والركبة، أما المحرم .. فلقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو ءابائهن﴾ الآية، والزينة مفسرة بما عدا ما بين السرة والركبة، وسواء فيه المحرم بالنسب والرضاع والمصاهرة، والنظر بشهوة حرام لكل منظور إليه سوى زوجته وأمته. [نظر الرجل للمرأة التي يريد نكاحها] الخامسة: من يرد نكاحاً من امرأة .. نظر ندباً منها وجهها وكفيها باطناً وظاهراً قبل خطبتها وإن لم تأذن له فيه؛ لقوله ﷺ للمغيرة وقد خطب امرأة: "انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" أي: تدوم المودة والألفة بينكما، رواه الترمذي وحسنه، ولقوله ﷺ في خبر جابر: "إذا خطب أحدكم المرأة: فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها .. فليفعل"، قال جابر (فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها

стр. 626

ما دعاني إلى نكاحها فتزوجها) رواه أبو داوود والحاكم وصححه. وخرج بـ (الوجه والكفين): غيرهما فلا ينظره؛ لأنه عورة منها، وفي نظرهما كفاية؛ إذ يستدل بالوجه على الجمال، وبالكفين على خصب البدن، ومن هنا علم أن محل نظره إليهما إذا كانت ساترة لما عداهما، وبه جزم جماعة منهم الروياني وابن داوود، ونقلاه عن النص. وله تكرير نظره؛ ليتبين هيئتها فلا يندم بعد نكاحها عليه، وإنما كان النظر قبل الخطبة؛ لئلا يعرض عنها بعدها فيؤذيها، والمراد بـ (خطب) في الخبرين السابقين: عزم على خطبتها؛ بدليل ما رواه أبو داوود وابن حبان في "صحيحه": "إذا ألقي في قلب امراء خطبة امرأة .. فلا بأس أن ينظر إليها". قال الإمام والروياني: وله النظر وإن خاف الفتنة لغرض التزوج. وإذا لم تعجبه .. فليسكت ولا يقل: لا أريدها؛ لأنه إيذاء، وهي أيضاً تنظر إلى وجهه وكفيه ندباً إذا عزمت على نكاحه؛ لأنها يعجبها منه ما يعجبه منها. وخرج بالنظر من الجانبين: المس؛ إذ لا حاجة إليه. ومن لم ينظر .. بعث من يباح له نظر المبعوث إليه؛ كمحرم ينظر ويصف له؛ لأنه ﷺ بعث أم سليم إلى امرأة وقال: "انظري عرقوبها وشمي عوارضها" رواه الحاكم وصححه، وفي رواية الطبراني: "وشمي معاطفها"، ويؤخذ منه أن للمبعوث أن يصف للباعث زائداً على ما ينظر هو، فيستفيد بالبعث ما لا يستفيده بنظره. [نظر الشاهد] السادسة: يجوز للشاهد النظر إلى وجه المرأة الأجنبية؛ لأجل الشهادة تحملاً وأداء؛ للحاجة، ويجوز لمن عاملها ببيع أو غيره نظر وجهها كذلك.

стр. 627

قال الشيخان: ولو خاف من النظر للشهادة الفتنة .. فيشبه المنع؛ لأن في غيره غنية، فإن تعين عليه .. نظر واحترز. قال الزركشي- وبه صرح الماوردي-: والصحيح: جواز النظر إلى فرج الزانيين؛ لتحمل الشهادة بالزنا، وإلى فرجها وثديها للشهادة بالولادة والرضاع، ومثله نظر العانة لمعرفة البلوغ. [النظر للمداواة] السابعة: يجوز النظر للمداواة والعلاج والفصد، ومثله المس بشرط حضور محرم أو نحوه، وفقد المعالج من كل صنف، ولهذا قال الناظم: (وإن تجد أنثى) أي: تداوي المرأة .. فلا يراها الرجل لذلك، وألا يكون ذمياً مع وجود مسلم، وكشف قدر الحاجة فقط، وأصل الحاجة يبيح النظر إلى الوجه واليدين، ويجوز إلى بقية الأعضاء إذا تأكدت بحيث يبيح التيمم، وإلى السوأتين إذا زاد الأمر وصار بحيث لا يعد التكشف هتكاً للمروءة. [النظر للرقيق إذا أراد شراءه] الثامنة: يجوز لمن أراد شراء رقيق أن ينظرمنه قدر الحاجة؛ وهو ما عهدا ما بين سرته وركبته؛ لأن ما جاز للضرورة يقدر بقدرها. وقول الناظم: (لا عرسا) أي: لا مس عرس، والألف في قوله: (نقلا) و (نظرا) و (عاملا) للإطلاق، وقوله: (والمحرم)، (وإماء) يجوز في كل منهما نصبه ورفعه، وقوله: (بدت) أي: ظهرت، وقوله: (قدر حاجة) قيد في مسألة المداواة والشراء. (ولا يصح العقد إلا بولي ... وشاهدين الشرط: إسلام جلي) (لا في ولي زوجة ذمية ... واشترط التكليف والحريه) (ذكورة عدالة في الإعلان ... لا سيد لأمة وسلطان) [شروط صيغة عقد النكاح] أي: ولا يصح عقد النكاح إلا بولي وشاهدين؛ أي: وزوجين خاليين من موانع النكاح، وإيجاب وقبول، فالإيجاب؛ كقول الولي: (زوجتك)، أو (أنكحتك ابنتي)، أو

стр. 628

(تزوجها)، أو (انكحها)، والقبول؛ كقول الزوج: (قبلت نكاحها)، أو (تزويجها)، أو (هذا النكاح)، أو (التزويج)، أو (نكحت)، أو (تزوجت بنتك)، ويجوز تقدم لفظ الزوج؛ كقوله: (زوجني)، أو (أنكحني). ويصح بغير العربية وإن أحسن العاقدان العربية اعتباراً بالمعنى، ومحله: إذا فهم كل من العاقدين كلام الآخر، فإن لم يفهمه وأخبره ثقة بمعناه .. ففي الصحة وجهان، رجح منهما البلقيني: المنع. وقد علم: أنه لا يصح النكاح بغير لفظ التزويج أو الإنكاح؛ كلفظ البيع والتمليك، والإحلال والإباحة؛ إذ لم يرد الشرع إلا بهما، وأن الزوج لو اقتصر على (قبلت) .. لم يصح بخلاف البيع، ولو قال: (قبلتها) أو (قبلت النكاح) أو (التزويج) .. ففي الصحة وجهان، ونص في "الأم" على البطلان في الأولى، والصحة في الثانية، وجرى عليه الشيخ أبو حامد وغيره. ويعتبر تعيين كل من الزوجين، والعلم بذكورة الزوج وأنوثة الزوجة، فالخنثى المشكل لا يصح أن يكون زوجاً وإن بان بعد العقد ذكراً، ولا زوجة وإن بان بعده أنثى، ولا يصح تعليقه كالبيع بل أولى؛ لاختصاصه بوجه الاحتياط. نعم؛ قال البغوي: لو بشرت ببنت فقال: (إن صدق المخبر فقد زوجتكها) .. صح، ولا يكون ذلك تعليقاً، بل هو تحقيق؛ كقوله: (أن كنت زوجتي .. فأنت طالق)، وتكون إن بمعنى إذ؛ كقوله: ﴿وخافون إن كنتم مؤمنين﴾، قال: وكذا لو أخبر بموت إحدى نسائه فقال: (إن صدق المخبر .. فقد تزوجت بنتك)، قال في "الروضة" كـ"أصلها": وما قاله يجب فرضه فيما إذا تيقن صدق المخبر، وإلا .. فلفظ (إن) للتعليق. ولا يصح توقيته؛ كأن ينكح إلى سنة، أو قدوم زيد؛ للنهي عن نكاح المتعة في خبر "الصحيحين"، وهو المؤقت، ولا نكاح الشغار؛ للنهي عنه في خبر "الصحيحين"، نحو: (زوجتكها على أن تزوجني بنتك، وبضع كل واحدة وألف صداق الأخرى).

стр. 629

[شروط الولي والشاهدين] والشرط في كل من الولي والشاهدين: الإسلام الجلي؛ أي: الظاهر؛ لخبر ابن حبان في "صحيحه": "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ذلك .. فهو باطل، فإن تشاجروا .. فالسلطان ولي من لا ولي له". والمعنى في اعتبار الشاهدين وإن كانت الزوجة ذمية: الاحتياط للأبضاع وصيانة الأنكحة عن الجحود. وخرج بـ (الظاهر): مستور الإسلام، وهو من لا يعرف إسلامه فلا ينعقد به، ولا يشترط الإسلام في ولي الزوجة الكافره؛ فالكافر يلي نكاح موليته الكافرة وإن اختلفت ملتهما؛ لقوله تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾. ويشترط في الولي والشاهدين أيضاً: التكليف والحرية؛ فلا ولاية لصبي ولا مجنون وإن تقطع جنونه، ولا رقيق ومبعض؛ لنقصهم. وذكورة؛ فلا ولاية لامرأة ولا خنثى. نعم؛ لو عقد بخنثيين فبانا ذكرين .. فالأصح في "الروضة": الصحة، وفرضها في الشاهدين، ومثلهما الولي، فلا تزوج امرأة نفسها بإذن من وليها ولا دون إذنه، ولا غيرها بوكالة عن الولي، ولا ولاية، ولا تقبل نكاحاً لأحد بولاية، ولا وكالة؛ فطما لها عن هذا الباب؛ إذ لا يليق بمحاسن العادات دخولها فيه؛ لما قصد منها من الحياء وعدم ذكره أصلاً؛ قال تعالى: ﴿الرجال قومون على النساء﴾، وتقدم خبر: "لا نكاح إلا بولي"، وروى ابن ماجه خبر: "لا تزوج المرأة المرأة، ولا المرأة نفسها"، وأخرجه الدارقطني بإسناد على شرط الشيخين. وعدالة في الإعلان؛ أي: الظاهر، فينعقد بالمستور من كل من الولي والشاهدين، وهو المعروف بها ظاهراً لا باطناً؛ بأن عرفت بالمخالطة دون التزكية عند الحاكم؛ لأن الظاهر من

стр. 630

المسلمين العدالة، ولأن النكاح يجري بين أوساط الناس والعوام، ولو اعتبر فيه العدالة الباطنة .. لاحتاجوا إلى معرفتها؛ ليحضروا من هو متصف بها فيطول الأمر عليهم ويشق. [ما يعتبر في الشاهدين] ويعتبر في الشاهدين أيضاً: سمع، وبصر، وضبط، ونطق، وفقد الحرف الدنية، ومعرفة لغة العاقدين، فإن كانا يضبطان اللفظ .. فوجهان، رجح منهما القاضي: الانعقاد؛ لأنهما ينقلانه إلى الحاكم، والأصح: انعقاده بابني الزوجين وعدويهما. ولا تشترط العدالة الظاهرة في سيد الأمة؛ بناء على الأصح: أنه يزوجها بالملك لا بالولاية، فيزوج الفاسق أمته وكذا المكاتب، ولا في السلطان بناء على الأصح، وهو أنه لا ينعزل بالفسق، فيزوج السلطان الفاسق بناته وبنات غيره بالولاية العامة. ولو بان فسق الشاهد عند العقد .. تبين بطلانه؛ لفوات العدالة، وإنما يتبين ببينة، أو اتفاق الزوجين عليه؛ بأن نسياه عند العقد وتذكراه بعده، أو لم يعرفا عين الشاهد ثم عرفاه مع معرفتهما بفسقه، أو عرفا عينه وفسقه عند العقد، ولا أثر لقول الشاهدين: (كنا فاسقين عند العقد) لأن الحق ليس لهما فلا يقبل قولهما على الزوجين. ولو اعترف به الزوج وأنكرت .. فرق بينهما؛ لاعترافه بما يتبين به بطلان نكاحه، وعليه نصف المسمى إن لم يدخل بها، وإلا .. فكله، ولا يقبل قوله عليها في المهر، وهي فرقة فسخ لا تنقص عدد الطلاق لو نكحهاً. ولو اعترفت الزوجة بالفسق وأنكره الزوج .. فالأصح: عدم قبول قولها عليه؛ لأن العصمة بيده وهي تريد رفعها، والأصل بقاؤها، فإن طلقت قبل دخول .. فلا مهر لها؛ لإنكارها، أو بعده .. فلها أقل الأمرين من المسمى ومهر المثل. ويستحب الإشهاد على رضا المرأة بالنكاح، حيث يعتبر رضاها بأن تكون غير مجبرة؛ احتياطاً ليؤمن إنكارها. ويقدم في ولاية النكاح القرابة؛ لاختصاص الأقارب بزيادة الشفقة ثم الولاء؛ لالتحاقه بالنسب؛ لخبر: "الولاء لحمة كلحمة النسب"، ثم السلطنة؛ لخبر: "السلطان ولي من لا ولي له".

стр. 631

فإن تعذر الولي والسلطان، فحكمت عدلاً يزوجها وإن لم يكن مجتهداً .. جاز على المختار في "الروضة" الموافق لظاهر نص نقل عن الشافعي ﵁. [ترتيب الأولياء في النكاح] ثم بين الناظم ترتيب الأولياء فقال: (ولي حرة: أب فالجد ثم ... أخ، فكالعصبات رتب إرثهم) (معتق فعاصب كالنسب ... فحاكم كفسق عضل الأقرب) أي: ولي حرة أبوها فيقدم على غيره؛ لأنه أشفق من سائر العصبات، ولأنهم يدلون به، ثم الجد أبوه وإن علا إلى حيث ينتهي؛ لأن لكل منهم ولادة وعصوبة فقدموا على من ليس لهم إلا عصوبة، ويقدم الأقرب فالأقرب، ثم أخ لأبوين كالإرث؛ لزيادة القرب والشفقة، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ لأبوين، ثم لأب وإن سفل، ثم عم لأبوين ثم لأب، ثم ابن عم لأبوين، ثم لأب وإن سفل، ثم سائر العصبة من القرابة كالإرث. وقد علم: أن الجد مقدم هنا على الأخ وإن شاركه في الإرث، وأنه لا يزوج ابن ببنوة وإن كان أولى العصبات في الإرث؛ لأنه لا مشاركة بينه وبين أمه في النسب، فلا يعتني بدفع العار عنه، ولهذا لم تثبت الولاية للأخ من الأم. فإن كان فيه سبب؛ لكونه ابن ابن عم، أو معتقاً أو قاضياً، أو له قرابة أخرى تولدت من أنكحة المجوس، أو وطء الشبهة .. فإنه يزوج به ولا تضره البنوة؛ لأنها غير مقتضية لا مانعة. فإن لم يوجد نسب .. فالمعتق يزوج، ثم عصبته بحق الولاء كالنسب؛ أي: كترتيبهم في الإرث، وقد تقدم بيانه في بابه، ويزوج عتيقة المرأة من يزوج المعتقة ما دامت حية؛ لأنه لما انتفت ولاية المرأة للنكاح .. استتعب الولاية عليها الولاية على عتيقها، فيزوجها أبو المعتقة، ثم جدها على ترتيب الأولياء، ولا يزوجها ابن المعتقة، ويعتبر في تزويجها رضاها، ولا يعتبر إذن المعتقة؛ لأنها لا ولاية لها. وظاهر أنه لو كانت العتيقة مسلمة ومعتقتها كافرة .. لا يزوجها وليها الكافر، وأنها لو كانت كافرة والمعتقة مسلمة .. زوجها وليها الكافر.

стр. 632

فإذا ماتت .. زوج من له الولاء؛ فيقدم ابنها على أبيها، فإن لم يوجد عصبة من جهة الولاء .. فالحاكم يزوج المرأة التي في محل محكمه وإن كان مالها في غيره بالولاية العامة، بخلاف الغائبة عن محل حكمه وإن كان مالها فيه. [تزويج الحاكم عند فسق القريب أو عضله] قوله: (كفسق عضل القرب) أي: فإن الحاكم يزوجها أيضاً عند فسق الأقرب منه في الولاية من نسيب، أو ذي ولاء، أو عضل الأقرب من العصبة؛ أي: منعه من تزويج موليته، فإن الحاكم يزوجها لا الأبعد؛ كما في غيبته لمسافة القصر، أو إرادته نكاحها، أو إحرامه؛ لأن التزويج حق عليه، فإذا امتنع منه .. وفاه الحاكم، ويأثم بالعضل؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزوجهن﴾ الآية، وهل تزويجه حينئذ بالولاية أو النيابة؟ وجهان حكاهما الإمام فيه، وفي صورة فيها ولي خاص، وصحح في (باب القضاء) فيما إذا زوج للغيبة أنه بنيابة اقتضتها الولاية. وإنما يزوج بالعضل إذا لم يتكرر، فإن تكرر مرات أقلها فيما قال بعضهم: ثلاث .. فسق الولي، فتنتقل الولاية للأبعد، ذكره في "الروضة" و "أصلها"، ومحله: إذا لم تغلب طاعاته معاصيه؛ كما يؤخذ من كلامهم في (كتاب الشهادات) وإنما يحصل العضل إذا دعت بالغة عاقلة إلى كفء وامتنع الولي من تزويجه وإن كان امتناعه لنقص المهر، أو لكونه من غير نقد البلد؛ لأن المهر يتمحض حقاً لها، بخلاف ما إذا دعت إلى غير كفؤ .. فلا يكون امتناعه عضلاً؛ لأن له حقاً في الكفاءة. ويؤخذ من التعليل أنها لو دعته إلى عنين، أو مجبوب- بالباء- فامتنع .. كان عاضلاً وهو كذلك؛ إذ لا حق له في التمتع. ولو دعت إلى رجل وادعت كفاءته، وأنكرها الولي .. رفع إلى القاضي، فإن ثبتت كفاءته .. لزمه تزويجها منه، فإن امتنع .. زوجها القاضي منه. ولابد من ثبوت العضل عند الحاكم ليزوج، بأن يمتنع الولي من التزويج بين يديه، أو يسكت بعد أمره به، والمرأة والخاطب حاضران، أو تقم البينة عليه لتوار أو تعزز أو غيبته؛

стр. 633

كما في سائر الحقوق، بخلاف ما إذا حضر: فإنه إن زوج .. فقد حصل الغرض، وإلا .. فعاضل، فلا معنى للبينة عند حضوره. ولو عينت كفؤاً، وأراد المجبر كفؤاً غيره .. فله ذلك؛ لأنها مجبرة؛ فليس لها اختيار الزواج، ولأنه أكمل نظراً منها، بخلاف غير المجبر، فإنه لو عين كفؤاً وعينت هي آخر .. زوجها من معينها؛ لأن إذنها شرط في أصل تزويجها فاعتبر معينها، فإن امتنع .. فهو عاضل. وقول الناظم: (كفسق) غير منون؛ لإضافته لمثل ما أضيف له (عضل) وحذف منه العاطف، لكن فسق الأقرب ينقل الولاية للأبعد؛ فلا يصح ما ذكره المصنف فيه؛ لأن الحاكم لا يزوج حينئذ، والظاهر: أن عبارة المصنف كانت: (كعند عضل الأقرب) فتصحفت لفظة (عند) بـ (فسق)، وهذا هو اللائق بمقامه. [حكم خطبة المعتدة والبائن] (حرم صريح خطبة المعتدة ... كذا الجواب لا لرب العدة) (وجاز تعريض لمن قد بانت ... ونكحت عند انقضاء العدة) أي: حرم أنت صريح خطبة المعتدة بكسر الخاء، رجعية كانت أو بائناً، بطلاق أو فسخ أو موت، أو كانت معتدة عن شبهة، كذا الجواب؛ أي: التصريح بجواب خطبتها حرام؛ للإجماع فيهما، لا لرب العدة؛ أي: صاحبها الذي يحل له نكاحها، فلا يحرم عليه التصريح بخطبة تلك المعتدة، ولا يحرم عليها التصريح بجوابه؛ لأنه يحل له نكاحها في عدته. وجاز تعريض بالخطبة للبائن، وتعريض بجوابها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم﴾ أي: أضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه صريحاً ولا تعريضاً، ولا نقطاع سلطنة الزوج عنها، بخلاف التصريح؛ لأنه إذا صرح .. تحققت رغبته فيها، فلربما تكذب في انقطاع العدة، وبخلاف الرجعية فيحرم التعريض لها؛ لأنها في معنى المنكوحة، ونكحت أي: جوازاً عند انقضاء عدتها من شاءت، وكسر الناظم التاء من (بانت) للوزن. وأفهم كلامه: جواز خطبة الخلية عن النكاح والعدة تعريضاً وتصريحاً، وتحريم خطبة المنكوحة كذلك بالإجماع.

стр. 634

والتصريح: ما يقطع بالرغبة في النكاح؛ كـ (أريد أن أنكحك)، أو (إذا انقضت عدتك .. نكحتك)، والتعريض: ما يحتمل الرغبة في النكاح وغيرها؛ كـ (رب راغب فيك)، أو (من يجد مثلك)، أو (أنت جميلة). وفي "البحر" عن "الأم": لو قال: (عندي جماع يرضي من جومعت .. فهو تعريض محرم)، وهذا يدل على أن بعض التعريض حرام. وقال بعضهم: التعريض بالجماع تصريح بالخطبة، ويمكن رد كلام "الأم" إليه. وتحرم خطبة على خطبة من صرح بإجابته إذا لم يأذن فيها ولم يعرض، ولا أعرض عنه المجيب؛ لخبر "الصحيحين"، واللفظ لمسلم: "لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له"، وفي رواية: "حتى يذر". ويشترط للتحريم أيضاً العلم بالخطبة، وبالإجابة والنهي، وكون الأولى جائوة، وسواء أكان الأول مسلماً أم كافراً محترماً، وذكر الأخ في الخبر جري على الغالب، ولأنه أسرع امتثالاً. والمعتبر: رد الولي وإجابته إن كانت مجبرة، وإلا .. فردها وإجابتها، وفي الأمة غير المكاتبة: السيد أو وليه، وفي المجنونة: السلطان، وفي المكاتبة: إجابتها وإجابة السيد معاً. (والأب والجد لبكر أجبرا ... وثيب زواجها تعذرا) (بل إذنها بعد البلوغ قد وجب ... وحرموا من الرضاع والنسب) (لا ولدا يدخل في العمومة ... أو ولد الخؤولة المعلومة) فيها أربع مسائل: [إجبار البكر على النكاح وشروطه] الأولى: يجبر كل من الأب والجد موليته البكر؛ أي: التي لم توطأ في قبلها، وليس بينها وبينه عداوة ظاهرة على النكاح، بمهر المثل؛ من نقد البلد، من كفء لها موسر بمهرها، صغيرة أو كبيرة، باقية البكارة أو فاقدتها بلا وطء؛ كأن زالت بإصبع أو سقطة، أو خلقت بلا

стр. 635

بكارة، أما في باقيتها .. فلخبر مسلم وغيره: "الأيم أحق بنفسها من وليها"، زاد الدارقطني: "والبكر يزوجها أبوها"، وأما في فاقدتها .. فلأنها لم تمارس الرجال بالوطء في محل البكارة، وهي على غباوتها وحيائها فهي كالأبكار، فلا يؤثر زوال حياء الأبكار بمخالطة الرجال مع بقاء البكارة؛ كما نص عليه في "الأم"، وخرج بالقبل الدبر فلا يعتبر عدم وطئه. ويستحب استئذان الكبيرة؛ تطييباً لخاطرها. أما الموطوءة في قبلها حلالاً أو حراماً أو شبهة ولو في حال جنونها أو إكراهها أو نومها .. فلا تجبر وإن عادت بكارتها؛ لخبر مسلم السابق. نعم؛ إن كانت مجنونة ولو صغيرة .. فله تزويجها، وقضية كلام الجمهور: أن الغوراء إذا غابت في قبلها الحشفة ولم تزل بكارتها .. بكر. [تعذر تزويج الثيب الصغيرة] الثانية: الثيب الصغيرة العاقلة يتعذر تزويجها؛ لأن الثيب لا تزوج إلا بإذنها نطقاً، والصغيرة لا إذن لها. [تزويج الثيب البالغة] الثالثة: الثيب البالغة لا يزوجها وليها الأب أو غيره إلا بصريح الإذن. ومن على حاشية النسب؛ كأخ وعم .. لا يزوج صغيرة، أو مجنونة بحال، بكراً كانت أو ثيباً؛ لأنه إنما يزوج بالإذن ولا إذن لها. وأما البكر البالغة: إذا استؤذنت في التزويج .. فيكفي سكوتها وإن لم تعلم أن ذلك إذنها؛ لخبر مسلم: "والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها"، وسواء أضحكت أم بكت، إلا إذا بكت مع صياح وصراخ، وضرب خد .. فإن ذلك يشعر بعدم الرضا، ويكفي سكوتها في تزويجها بغير كفء، لا بغير نقد البلد، ولا بأقل من مهر مثلها.
следующие страницы →