Полный текст (924 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
والألف واللام في قول المصنف: (ومدة الكمال) للعهد، أو بمعنى: الضمير على رأي؛ أي: مدة كماله؛ أي: المسح.
ثالثها: موجب الاغتسال: من جنابة وحيض ونفاس وولادة جافٍّ؛ فإنه يوجب النزع، وتجديد اللبس إن أراد المسح؛ بأن ينزع ويتطهر، ثم يلبس وذلك اللبس انقطعت مدة المسح فيه بالجنابة؛ لأمر الشارع بنزع الخف من أجلها في حديث صفوان بن عسَّال، صححه الترمذي وغيره، دل الأمر بالنزع: على عدم جواز المسح في الغسل والوضوء؛ لأجل الجنابة فهي مانعة من المسح قاطعة لمدته، حتى لو اغتسل لابساً .. لا يمسح بقيتها؛ كما هو مقتضى كلام الشيخين وغيرهما، وقيس بالجنابة ما في معناها، ولأن ذلك لا يتكرر تكرر الحدث الأصغر فلا يشق النزع.
وخرج بقوله: (وموجب اغتسال): طروء النجاسة؛ فإنه لا يوجب النزع إن أمكن إزالتها في الخف، فله إتمام المدة؛ لعدم الأمر بالنزع لها، بخلاف الجنابة، وليست في معناها، فإن لم يمكن إزالتها فيه .. وجب النزع.
* * *
стр. 72
بابُ الاستنجاء
أي: وآداب قضاء الحاجة؛ وهو والاستطابة يعمان الماء والحجر.
(تلويث فرجٍ موجبُ استنجاء ... وسُنَّ بالأحجار ثم الماء)
فيه مسألتان:
[موجب الاستنجاء]
الأولى: تلويث الفرج؛ أي: القبل أو الدبر بخارج نجس منه .. موجب الاستنجاء بماء أو حجر كما سيأتي إزالة للنجاسة لا على الفور؛ فإنه يجوز تأخيره عن الوضوء، بخلاف التيمم، ولا فرق في الملوث المذكور بين كونه معتاداً كالبول، وكونه نادراً كالدم والقيح والمذي والودي، فلا يجب الاستنجاء بخروج ريح ولا نحو بعرة جافة؛ لفوات مقصوده من إزالة النجاسة أو تخفيفها.
[استحباب الجمع بين الماء والأحجار]
الثانية: يسن الاستنجاء بالأحجار، ثم الماء؛ بأن يجمع بينهما مقدماً الأحجار؛ لأن العين تزول بالأحجار، والأثر بالماء من غير حاجة إلى مخامرة عين النجاسة.
وقضية كلام المصنف: أنه لا فرق في استحباب الجمع بين البول والغائط، وأنه لابد من طهارة الأحجار؛ لتحصيل الأفضل، وأنه لا يكتفى بدون الثلاث له وهو كذلك، لكن قال الإسنوي: إن المعنى وسياق كلامهم يدلان على الاكتفاء بدون الثلاث مع الإنقاء، فإن أراد الاقتصار على أحدهما .. فالماء أفضل.
(يُجزئ ماءٌ أو ثلاث أحجار ... يُنفي تبها عيناً، وسن الإيتار)
(ولو بأطرافٍ ثلاثةٍ حصل ... بكل مسحةٍ لسائر المحل)
стр. 73
فيهما أربع مسائل:
[إجزاء الاستنجاء بماء أو ثلاثة أحجار]
الأولى: أنه يجزئ في الاستنجاء ماء على الأصل في إزالة النجاسة، أو ثلاثة أحجار؛ لأن الشارع جوز الاستنجاء بها حيث فعله، رواه البخاري، وأمر بفعله بقوله فيما رواه الشافعي وغيره: "وليستنج أحدكم بثلاث أحجار"، الموافق لما رواه مسلم وغيره من نهيه ﵊ عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار.
وقد استفيد من كلامه: أن الشرط أمران: ثلاثة أحجار، وإنقاء المحل، فلا يكفي الإنقاء بدونها، وإلا .. لم يكن لاشتراطها معنى، فإن لم يحصل الإنقاء بها .. وجبت الزيادة إلى حصوله.
وشمل كلامه: أحجار الذهب والفضة والجواهر، وإجزاء الأحجار في دم الحيض، أو نفساء ولو ثيباً وهو كذلك، وفائدته: فيمن انقطع دمها وعجزت عن استعمال الماء؛ لسفر أو مرض أو نحوه فاستنجت بالأحجار، ثم تيممت .. فإنها تصلي ولا إعادة.
والأصح: تعين الماء لاستنجاء قبلي المشكل، وثقبة ينقض الخارج منها, وبول ثيب تحققت وصوله لمدخل الذكر، ولا يجزئ الحجر في بول الأقلف إذا وصل البول إلى الجلدة كما هو الغالب.
[وجوب إنقاء المحل]
الثانية: أنه يجب إنقاء المحل بالأحجار من عين النجاسة؛ بحيث لا يبقى إلا أثر لا يزيله إلا الماء، أو صغار الخزف.
[استحباب الإيتار بعد الإنقاء]
الثالثة: أنه يسن الإيتار - بالمثناة - في الاستنجاء بعد الإنقاء المذكور، إن لم يحصل بوتر؛ كأن حصل برابع فيأتي بخامس؛ قال ﷺ "إذا استجمر أحدكم .. فليوتر" متفق عليه.
стр. 74
[إجزاء ثلاث أطراف حجر إذا أنقى المحل]
الرابعة: أنه يجزئ إنقاء المحل في الاستنجاء بأطراف ثلاثة من حجر واحد؛ لأن المقصود عدد المسحات، بخلاف رمي الجمار.
وقوله: (بكل مسحة لسائر المحل) أي: يجزئ ثلاث أحجار، أو ثلاثة أطراف حجر ينقي بها عين النجاسة حصل بكل منها مسح سائر المحل، ويسن في تعميم المحل بكل مسحة أن يبدأ بالأول من مقدَّم الصفحة اليمنى، ويديره قليلاً قليلاً إلى أن يصل إلى موضع ابتدائه، وبالثاني من مقدم الصفحة اليسرى، ويديره إلى أن يصل إلى موضع ابتدائه، ويمر الثالث على الصفحتين والمَسْرُبة جميعاً، وما ذكره المصنف هو الأصح، وقيل: واحد لليمنى، وآخر لليسرى، والثالث للوسط، وقيل: واحد للوسط مقبلاً، وآخر له مدبراً، ويحلق بالثالث، والخلاف في الأفضل لا في الوجوب على الصحيح في "الروضة" و"أصلها" و"المجموع" وغيرها.
قال بعضهم: ولابد في كل قول: من أن يعم بكل مسحة جميع المحل؛ ليصدق أنه مسحه ثلاث مسحات كما علم من كلام الناظم، وقول ابن المقري في "شرح إرشاده": والأصح: أنه لا يشترط أ، يعم بالمسحة الواحدة المحل وإن كان أولى، بل تكفي مسحة لصفحةٍ، وأخرى للأخرى، والثالثة للمسربة .. مردود، والوجه الثاني الذي أخذ منه ذلك غلَّط الأصحاب - كما في "المجموع" - قائله من حيث الاكتفاء بما لا يعم المحل بكل حجر، لا من حيث الكيفية. انتهى.
قال المتولي: فإن احتاج إلى رابع وخامس .. فصفة استعماله كصفة الثالث.
وقول الناظم: (بكلٍّ) بالتنوين، و (مسحُه) بإضافته لضمير (كل) ورفعه على أنه فاعل (حصل)، أو بإضافة (كل) لـ (مسحةٍ) بتاء التأنيث.
[من شروط الاستنجاء بالحجر]
(والشرط: لا يجف خارجٌ، ولا ... يطرأ غيره، ولن ينتقلا)
أي: الشرط في الاستنجاء بالحجر: ألا يجف الخارج، ولا يطرأ عليه غيره، ولا ينتقل
стр. 75
عن الموضع الذي أصابه عند الخروج واستقر فيه، فإن جف، أو طرأ غيره ولو بللاً بالحجر، أو انتقل .. تعيَّن الماء.
نعم؛ لو جف بوله ثم بال ثانياً فوصل بوله إلى ما وصل إليه بوله الأول .. كفى فيه الحجر، صرح به القاضي والقفال، قال: ومثله الغائط؛ أي: إذا كان مائعاً.
وعلم من كلام المصنف: إجزاء الحجر في النادر وفي الخارج المنتشر حول المخرج فوق عادة الناس إن اتصل ولم يجاوز الحشفة في البول والصفحتين في الغائط وهو كذلك، فإن نقطع .. تعين الماء في المنفصل عن المخرج، وأجزأ الحجر في غيره، أو جاوز متصلاً .. تعين الماء في الجميع، أو منقطعاً .. أجزأ الحجر فيما اتصل بالمخرج.
[من سنن الاستنجاء]
ويسن أن يبدأ المستنجي بالماء بقبله، وبالحجر بدبره، وأن يعتمد في الدبر على إصبعه الوسطى، ولا يتعرض للباطن.
ويسن بعد الاستنجاء: أن يدلك يده بالأرض أو نحوها، وأن ينضح فرجه وإزاره من داخله؛ دفعاً للوسواس، ويكفي المرأة في استنجائها غسر ما ظهر منها بجلوسها على القدمين.
والألف في قول الناظم: (ينتقلا) للإطلاق.
(والندب في البناء لا مستقبلاً ... أو مدبراً، وحرَّموه في الفلا)
[من سنن قضاء الحاجة في البناء عدم استقبال القبلة أو استدبارها]
أي: السنة لقاضي الحاجة في البناء: الا يستقبل القبلة ولا يستدبرها؛ إكراماً لها، وحرم الأئمة استقباله أو استدباره لها في الفلا، فحملوا الأحاديث الدالة على التحريم على الحالة الثانية، والدالة على الجواز على الأولى.
والمراد بـ (البناء): أن يكون بينه وبين القبلة ساتر مرتفع ثلثي ذراع فأكثر، بينه وبينه ثلاثة أذرع فأقل، سواء أكان في بناء أم فلا، وبـ (الفلا): ألا يكون كذلك، فالاعتبار بالساتر وعدمه لا بالبناء والفلا على الأصح، فيحرم الاستقبال والاستدبار في البناء إذا لم يستتر على الوجه
стр. 76
المذكور، إلا أن يكون في بناء مهيأ لقضاء الحاجة، ذكر ذلك في "المجموع" وغيره.
ولو هبت الريح عن يمين القبلة وشمالها .. جاز ذلك، قاله القفال في "فتاويه".
[آداب قضاء الحاجة]
(ولا بماءٍ راكدٍ، ولا مهب ... وتحت مثمرٍ وثقبٍ وسرب)
أي: ومن آداب قضاء الحاجة: الا يقضيها - سواء أكانت بولاً أم غائطاً - بماء راكد؛ أي: فيه، قليلاً كان أو كثيراً؛ لخبر مسلم: (أنه ﷺ نهى أ، يبال في الماء الراكد)، والنهي فيه للكراهة، وهي في القليل وبالليل أشد؛ لتنجيسه القليل، ولما قيل: إن الماء بالليل مأوى الجن، أما الجاري .. فنقل في شرحي "المهذب" و"مسلم" عن جماعة الكراهة في القليل منه دون الكثير، ثم قال: وينبغي أن يحرم البول في القليل مطلقاً؛ لإتلافه، وأجيب عنه بإمكان طهره بالمكاثرة، قال: وأما الكثير؛ يعني: من الجاري .. فالأولى اجتنابه، وجزم في "الكفاية" بالكراهة في الليل؛ لما مر.
قال في "المجموع": ويكره البول بقرب القبر، ويحرم عليه، وعلى ما يمتنع الاستنجاء به؛ لحرمته كعظم، ومثله: التغوط، بل أولى، قال: ويكره البول والتغوط بقرب الماء.
ومنها: الا يقضيها في مهب ريح، فيكره أن يستقبلها بالبول بأن تكون هابّةً؛ لئلا يترشرش منه، ومنه المراحيض المشتركة.
ومنها: ألا يقضيها تحت شجرة مثمر ولو مباحاً وفي غير وقت الثمرة؛ صيانة لها عن التلويث عند الوقوف فيعافها الأنفس، وفعله مكروه، ولم يحرموه؛ لأن تنجس الثمرة غير متيقن.
стр. 77
ومنها: ألا يقضيها في ثَقب بفتح المثلثة أفصح من ضمها؛ وهو ما استدار؛ للنهي عنه في خبر أبي داود وغيره.
ومنها: ألا يقضيها في سَرَب بفتح السين والراء؛ وهو ما استطال، ويقال له: الشق إلحاقاً له بالثَّقب، والنهي فيهما للكراهة.
(والظل الطريق، وليبتعد، ولا ... يحمل ذكر الله أو من أرسلا)
(ومن سها ضمَّ عليه باليد ... ويستعيذ، وبعكس المسجد)
(فقدم اليُمنى، خروجاً، واسأل ... مغفرة واحمد، وباليسرى ادخل)
(واعتمد اليسرى، وثوباً حسراً ... شيئاً فشيئاً ساكتاً مستترا)
من آداب قضاء الحاجة: الا يقضيها في الظل، وهو موضع اجتماع الناس في الصيف، ومثله الشمس وهو موضع اجتماعهم في الشتاء، وألا يقضيها في الطريق؛ لخبر مسلم: "اتقوا اللعَّانين" قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: "الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم"، تسببا بذلك في لعن الناس لهما كثيراً عادة، فنسب إليهما بصيغة المبالغة، ورواه أبو داود: "اللاعنين" والمعنى: احذروا سبب اللعن المذكور.
وألحق بظل الناس في الصيف موضع اجتماعهم في الشمس في الشتاء، والنهي فيهما للكراهة.
وكلام المصنف شامل للبول والغائط، وفي "المجموع" وغيره: ظاهر كلام الأصحاب: أن التغوط في الطريق مكروه، وينبغي أ، يكون محرماً؛ لما فيه من إيذاء المسلمين، ونقل في "الروضة" كـ"أصلها" في (الشهادات) عن صاحب "العدة": أنه حرام، ومثل الطريق في ذلك: المُتحدَّث، وعبارة "الروضة" هنا كـ"أصلها": ومنها - أي: الآداب -: ألا يتخلى في متحدَّث الناس، والتخلي: التغوط كما قاله النووي في "شرح مسلم"
стр. 78
وغيره، وصرح في "المهذب" وغيره بكراهته في المُتحَدَّث والطريق وطرق الماء.
ومنها: أن يبعد عند إرادة قضاء الحاجة عن الناس إلى حيث لا يسمع للخارج منه صوت، ولا يشم له ريح؛ للاتباع، رواه أبو داود.
ومنها: ألا يحمل حال قضاء الحاجة ذكر الله؛ أي: مكتوب ذكره، أو ذكر اسم نبي، قال في "الكفاية" تبعاً للإمام: وكل اسم معظم؛ إكراماً لذلك، ولأنه ﷺ (كان إذا دخل الخلاء .. نزع خاتمه) رواه الترمذي وابن حبان والحاكم وصححوه، وكان نقش خاتمه ثلاثة أسطر: (محمد) سطر، و (رسول) سطر، و (الله) سطر، رواه ابن حبان عن أنس، والحمل المذكور مكروه، ومن سها عن ذلك؛ أي: تركه ولو عمداً حتى قعد لقضاء حاجته .. ضم كفه عليه، أو وضعه في عمامته أو غيرها.
ومنها: أن يستعيذ بالله؛ بأن يقول عند دخوله: (اللهم؛ غني أعوذ بك من الخبث والخبائث) للاتباع، رواه الشيخان، زاد القاضي: (اللهم؛ إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المُخْبِث الشيطان الرجيم)، ويندب أن يقول قبله: (بسم الله) للاتباع، رواه ابن السكن وغيره، وفارق تعوذ القراءة حيث قدموه على البسملة؛ بأنه هناك لقراءة القرآن والبسملة منه فقدم عليها، بخلافه هنا.
و(الخُبُث) بضم الخاء مع ضم الباء وإسكانها: جمع خبيث، و (الخبائث): جمع خبيثة، والمراد بذلك: ذكران الشياطين وإناثهم.
ومنها: أن يقدم اليمنى؛ أي: أو بدلها خروجاً من الخلاء، ويقدم اليسرى؛ أي: أو بدلها عند دخوله، وفي معنى محل قضاء الحاجة فيما ذكر من تقديم اليمنى أو بدلها خروجاً، واليسرى أو بدلها عند دخوله: كل مكان خسيس؛ كمكان أخذ المكوس والصاغة؛ وذلك لأن السرى للأذى، واليمنى لغيره، وهذا بعكس المسجد؛ إذ السنة تقديم اليمنى عند دخوله، واليسرى عند خروجه منه.
стр. 79
ومنها: أن يقول عند خروجه: (غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) للاتباع، رواه أصحاب السنن الأربعة، والتعبير بالدخول والخروج جري على الغالب، فلا يختص الحكم بالبناء، وقوله: (فقدم) و (اسأل) و (احمد) و (ادخل) بلفظ الأمر.
ومنها: أن يعتمد يساره حال جلوسه لقضاء الحاجة، دون يمناه فينصبها؛ لأن ذلك أسهل لخروج الخارج، ولو بال قائماً .. فرَّج بينهما فيعتمدهما.
ومنها: أن يحسر ثوبه؛ أي: يكشفه أدباً شيئاً فشيئاً حتى يدنو من الأرض، فإن خاف تنجسه .. كشفه بقدر حاجته، فإذا فرغ .. أسبله قبل انتصابه؛ تحرزاً عن الكشف بقدر الإمكان، فلو رفع ثوبه دفعة واحدة .. لم يحرم بلا خلاف كما في "المجموع".
وفي "نكتب التنبيه" و"الكفاية" و"شرح المحب الطبري" تخريجه على كشف العورة في الخلوة؛ فيكون الأصح: تحريمه، وهو مردود بأن الخلاف إنما هو في كشفها لغير حاجة؛ إذ أطبقوا على جواز الاغتسال عارياً مع إمكان الستر، ومراعاة رفع الثوب شيئاً فشيئاً أشد حرجاً من الستر عند الاغتسال.
ومنها: أن يسكت عن الكرام من ذكر وغيره؛ إذ يكره الكلام حينئذ إلا لضرورة؛ كأن رأى أعمى يقع في بئر، أو حية أو عقرباً حيواناً محترماً فلا يكره، بل قد يجب، فإن عطس .. حمد الله تعالى بقلبه ولا يحرك لسانه، وقد روى ابن حبان وغيره النهي عن التحدث على الغائط.
وأفهم كلامه: جواز قراءة القرآن عند قضاء الحاجة وهو كذلك، وخلافاً لابن كج.
نعم؛ تكره كسائر أنواع الكلام، كما صرح به في "المجموع" في (باب ما يوجب الغسل).
ومنها: أن يستتر عن العيون؛ للأمر به في خبر أبي داود وغيره، ويحصل بمرتفع ثلثي
стр. 80
ذراع فأكثر، بينه وبينه ثلاثة أذرع فأقل إن كان بفضاء أو بناء لا يمكن تسقيفه، فإن كان ببناء مسقف، أو يمكن تسقيفه .. حصل الستر بذلك ذكره في "المجموع"، وظاهر أن محل عد التستر من الآداب إذا لم يؤد عدمه إلى أن ينظر عورته من يحرم نظره إليها، وإلا .. فيجب.
والألف في قوله: (أُرسلا) ببنائه للفاعل أو المفعول و (حسرا) للإطلاق، وفي بعض النسخ: (احسُرا) بلفظ الأمر فألفه بدل من نون التوكيد.
(ومن بقايا البول يستبري، ولا ... يَستنج بالماء على ما نزلا)
(لا ما له بُني، بجامدٍ طهر ... لا قصبٍ وذي احترامٍ كالثمر)
فيهما ثلاث مسائل:
[ندب الاستبراء من البول]
الأولى: أنه يستبرئ من بقايا البول عند انقطاعه؛ أي: أدباً؛ لئلا يقطر عليه، ويحصل بالتنحنح، ونتر الذكر ثلاثاً؛ بأن يمسح بيسراه من دبره إلى رأس ذكره، وينتره بلطف فيخرج ما بقي إن كان، قال ابن الصباغ وغيره: ويكون ذلك بالإبهام والمسبحة؛ لأنه يتمكن بهما من الإحاطة بالذكر، وتضع المرأة أطراف أصابع يدها اليسرى على عانتها، ويختلف ذلك باختلاف الناس، والقصد: أن يظن أنه لم يبق بمجرى البول شيء يخال خروجه، وأوجب القاضي والبغوي الاستبراء، وجرى عليه النووي في "شرح مسلم" لصحة التحذير من عدم التنزه من البول.
[عدم الاستنجاء بالماء على ما نزل منه]
الثانية: أنه لا يستنجي بالماء على ما نزل منه من بول أو غائط، وبل ينتقل عنه؛ لئلا يترشش به، وهذا في غير الأخلية المتخذة لذلك؛ لانتفاء العلة فيها، ولأن في انتقاله إلى غيرها مشقة، وهذا معنى قوله: (لا ما له بني) أي: لا ما بني لقضاء الحاجة وهو الأخلية المعتادة، فلا ينتقل عنها، ومثلها: المكان المرتفع ونحوه مما يؤمن فيه عود الرشاش.
стр. 81
وخرج بـ (الماء): الحجر؛ لانتفاء العلة فيه، بل قد يكون انتقاله عنه مانعاً من الاستجمار؛ لانتقال الخارج حينئذٍ.
والألف في قوله: (نزلا) للإطلاق.
[إجزاء الاستنجاء بما في معنى الحجر]
الثالثة: أن خصوص الحجر ليس بشرط في إجزاء الاستنجاء به، بل في معناه: كل جامد طاهر قالع غير محترم، وقد أشار إلى القالع بقوله: (لا قصب)، والتنصيص على الحجر في الخبر جريٌ على الغالب؛ لأنه ﷺ نهى عن الاستنجاء بالروث والرِّمَّة؛ أي: العظم، وعلل منع الاستنجاء بالروثة بكونها ركساً، لا بكونها غير حجر، وإنما تعين الحجر في رمي الجمار، والتراب في التيمم؛ لأن الرمي لا يعقل معناه، بخلاف الاستنجاء، والتراب فيه الطاهرية والطهورية ولا توجدان في غيره، بخلاف الإنقاء يوجد في غير الحجر.
وخرج بما ذكره: المائع غير الماء، والنجس، والمتنجس، وغير القالع؛ كالقصب الأملس والزجاج، والمحترم كالمطعوم، ومنه: العظم، وجلد المذكي ما لم يدبغ، وما كتب عليه علم محترم وجلده، وحيوان وجزؤه المتصل به؛ فلا يجزئ الاستنجاء بواحد مما ذكرن ويعصي به في المحترم.
[تفصيل بديع في حكم الاستنجاء بالثمر والفواكه]
وقد مثل المصنف المحترم بالثمر، وقد قال الماوردي كما نقله النووي في "مجموعة" واستحسنه: وأما الثمار والفواكه ... فمنها: ما يؤكل رطباً لا يابساً كاليقطين .. فلا يجوز الاستنجاء به رطباً، ويجوز يابساً إذا كان مزيلاً، ومنها: ما يؤكل رطباً، ويابساً، وهو أقسام:
أحدها: مأكول الظاهر والباطن؛ كالتين والتفاح والسفرجل .. فلا يجوز برطبه ولا بيابسه.
والثاني: ما يؤكل ظاهره دون باطنه؛ كالخوخ والمشمش وكل ذي نوى ... فلا يجوز بظاهره، ويجوز بنواه المنفصل.
والثالث: ما له قشر ومأكوله في جوفه ... فلا يجوز بلبه، وأما قشره: فإن كان لا يؤكل رطباً ولا يابساً كالرمان ... جاز الاستنجاء به، سواء كان فيه الحب أم لا، وإن كان رطباً ويابساً
стр. 82
كالبطيخ .. لم يجز في الحالين، وإن أكل رطباً فقط كاللوز والباقلاء .. جاز يابساً لا رطباً. انتهى.
والمراد بالمطعوم: مطعوم الآدمي، أو ما اشترك فيه الآدمي والبهيمة ولو على السواء، وإنما جاز بالماء مع أنه مطعوم؛ لأنه يدفع النجس عن نفسه، بخلاف غيره.
وقوله: (بجامد) متعلق بقوله: (مسحة) أو (بسائر) من قوله فيما مر: (بكل مسحة لسائر المحل).
* * *
стр. 83
باب الغسل
هو: بفتح الغين مصدر غسل الشيء، وبمعنى: الاغتسال؛ كقولك: غسل الجمعة سنة، وبضمها مشترك بينهما وبين الماء الذي يغتسل به، ففيه على الأولين لغتان: الفتح: وهو أفصح وأشهر لغة، والضم: هو ما يستعمله الفقهاء أو أكثرهم، وأما بالكسر .. فاسم لما يغسل به من سدر ونحوه، وهو بالمعنيين الأولين لغة: سيلان الماء على الشيء، وشرعاً: سيلانه على جميع البدن بنية.
[موجبات الغسل]
(مُوجبه المني حين يخرج .... والموت، والكمرة حيث تولج)
(فرجاً - ولو ميتاً- بلا إعادة .... والحيض، والنفاس، والولادة).
أي: موجبات الغسل بكسر الجيم ستة:
أحدها: خروج المني؛ أي: مني الشخص نفسه؛ الخارج أول مرة من رجل أو امرأة ولو بعد أن بال ثم اغتسل من الجنابة؛ لخبر مسلم: "إنما الماء من الماء"، ولخبر "الصحيحين" عن أم سلمة قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: "نعم إذا رأت الماء"، سواء أخرج من المخرج المعتاد، أم من تحت صلب الرجل، أم من بين ترائب المرأة مع انسداد الأصلي فيهما، فإن لم يستحكم؛ بأن خرج لمرض .. لم يجب الغسل، بلا خلاف كما في "المجموع" عن الأصحاب، وقيل: لا فرق بين خروجه من طريقه المعتاد وغيره، وجزم به في "المنهاج" كـ "أصله" وصححه في "الروضة" و "أصلها" و "الشرح الصغير".
стр. 84
والمراد بخروج المني في حق الرجل والبكر: بروزه عن الفرج إلى الظاهر، وفي حق الثيب: وصوله إلى ما يجب غسله في الاستنجاء، أو لو خرج منه مني غيره بعد غسله .. فلا غسل عليه.
ثانيها: الموت؛ أي: موت المسلم غير الشهيد كما سيأتي في (الجنائز)، والسقط إذا بلغ أربعة أشهر ولم تظهر عليه أمارة الحياة ... يجب غسله على المذهب.
ثالثها: إيلاج الكَمْرة بفتح الكاف وسكون الميم؛ أي: الحشفة، أو قدرها من فاقدها في فرج ولو دبراً وبلا قصد وإن كان الذكر أشل أو غير منتشر أو مباناً أو ملفوفاً عليه خرقة ولو غليظة، وسواء أكان كل من الذكر والفرج من آدمي أم من غيره، صغير أم كبير؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾، ولخبر "الصحيحين" "إذا التقى الختانان ... فقد وجب الغسل"، وفي رواية لمسلم "وإن لم ينزل"، وذكر الختان جري على الغالب؛ بدليل إيجاب الغسل بإيلاج ذكر لا حشفة له؛ لأنه جماع في فرج فكان في معنى المنصوص عليه.
وليس المراد بالتقاء الختانين انضمامهما؛ لعدم إيجابه الغسل بالإجماع، بل تحاذيهما، يقال: التقى الفارسان إذا تحاذيا وإن لم ينضما، وذلك إنما يحصل بتغييب الحشفة في الفرج؛ إذ الختان محل القطع في الختان، وختان المرأة فوق مخرج البول، ومخرج البول فوق مدخل الذكر.
وقوله: (ولو ميْتاً) أي: بسكون الياء: ولو كان صاحب الكمرة أو الفرج ميتاً؛ بأن استدخل الحي حشفته، أو ولج في فرجه .. فإنه يوجب الغسل على الحي بلا إعادة لغسل الميت؛ لانقطاعه تكليفه، وإنما وجب غسله بالموت؛ تنظيفاً وإكراماً له.
وأفهم كلامه: أنه يوجب الغسل على الفاعل والمفعول فيما عدا الميت؛ أي: والبهيمة، وهو كذلك.
رابعها: الحيض؛ لآية: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ أي: الحيض، ولخبر "الصحيحين": أنه ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حبيش: "إذا أقبلت الحيضة ...
стр. 85
فدعي الصلاة، وإذا أدبرت .. فاغسلي عنك الدم وصلي"، وفي رواية للبخاري "فاغتسلي وصلي".
خامسها: النفاس؛ لأنه دم حيض مجتمع.
ويعتبر في إيجاب الغسل بخروج ما ذكر: انقطاعه، والقيام إلى الصلاة أو نحوها كما مر.
سادسها: الولادة ولو كان الولد جافاً؛ لأنه مني منعقد؛ ولأنه لا يخلو عن بلل وإن خفي، وتفطر بها المرأة على الأصح في "التحقيق" وغيره، ويلحق بالولادة إلقاء العلقة أو المضغة.
وأفاد كلامه: أن ما عدا هذه الأمور من جنون، وإغماء، واستدخال مني، وتغييب بعض الحشفة، وخروج بعض الولد كيده وغيرها .. لا يوجب الغسل وهو كذلك.
واعترض على الحصر في المذكورات بتنجس جميع البدن أو بعضه مع الاشتباه، وأجيب عنه بأن ذلك ليس موجباً للغسل، بل لإزالة النجاسة، حتى لو فرض كشط جلده .. حصل الفرض، وبأن الكلام في الغسل عن الأحداث، فإن أريد الغسل عنها وعن النجاسة .. وجب عد ذلك كما صنع الشيخ أبو حامد والمحاملي وغيرهما.
وقول الناظم: (تُولَج) ببنائه للمفعول.
[خواص المني التي يعرف بواحدة منها]
(ويعرف المنيُّ باللَّذَّةِ حين ... خروجه، وريحِ طلعٍ أو عجينْ)
فيه مسألة:
وهي: أن خواص المني ثلاث، كل واحدة منها كافية في معرفته:
إحداها: وجود اللذة - بالمعجمة- حين خروجه وإن لم يتدفق؛ لقلته، مع فتور الذكر عقب ذلك.
стр. 86
ثانيها: ريح الطلع والعجين ما دام رطباً، فإذا جف .. فريحه كريح بياض البيض.
ثالثها: تدفقه بأن يخرج على دفعات؛ قال تعالى: ﴿من ماء دافق﴾، ولا عبرة في مني الرجل بكونه أبيض ثخيناً، ولا في مني المرأة بكونه أصفر رقيقاً وإن كانت من صفاته؛ لأنها ليست من خواصه؛ لوجود الثخنِ في الودي وهو: ماء أبيض كدر ثخين لا ريح له يخرج عقب البول إذا استمسكت الطبيعة، وعند حمل شيء ثقيل، والرقِة في المذي وهو: ماء رقيق لزج يخرج عند الشهوة بلا شهوة، وقد لا يحس بخروجه.
ولا يضر فقدها، فقد يحمرُّ منيُّ الرجل بكثرة الجماع، وربما خرج دماً عبيطاً، أو يرق ويصفر لمرض، ويبيض مني المرأة؛ لفضل قوتها.
ومقتضى كلامه: اشتراك الخواص بين الرجل والمرأة، قال الشيخان: وهو ما ذكره الأكثرون، وعضده الإسنوي، ونقله الماوردي عن النص، لكن قال الإمام والغزالي: لا يعرف مني المرأة إلا باللذة، وأنكر ابن الصلاح التدفق في منيها، واقتصر على اللذة والريح، وبه جزم النووي في "شرح مسلم"، واقتضاه كلامه في "المجموع"، ورجحه جماعة؛ كالسبكي والأذرعي وابن النقيب.
[شك في كون الخارج منياً أو مذياً]
(ومن يشك: هل منيٌّ ظهرا ... أو هو مذيٌ؟ بين ذينِ خيِّرا)
فيه مسألة:
وهي: أن من شك في كون الخارج منه منياً أو مذياً؛ لاشتباههما عليه .. خيِّر بينهما، فيجعله منياً ويغتسل، أو مذْياً ويتوضأ مرتباً، ويغسل ما أصابه؛ لأنه إذا أتى بمقتضى أحدهما .. بريء منه يقيناً، والأصل براءته من الآخر ولا معارض له، بخلاف من نسي صلاة
стр. 87
من صلاتين .. حيث يلزمه فعلهما؛ لاشتغال ذمته بهما جميعاً، والأصل بقاء كلٍّ منهما، وإنما أوجبوا الاحتياط بتزكية الأكثر ذهباً وفضة في الإناء المختلط؛ لأن اليقين هناك ممكن بسبكه، بخلافه هنا.
وألف (ظَهَرا) و (خُيِّرا) ببنائه للمفعول للإطلاق.
[فروض الغسل]
(والفرض تعميم لجسمٍ ظهرا .... شعراً وظفراً منبتاً وبثرا)
(ونيةٌ بالابتداء اقترنت .... كالحيضِ أو جنابةٍ تبينت)
فيهما مسألة:
وهي: أن الفرض في الغسل من الجنابة أو الحيض أو النفاس أو الولادة أو غيرها شيئان:
أحدهما: تعميم ظاهر البدن شعراً وإن كثف، وظفراً، ومنبتاً بين الشعر، وبشراً، ومنه: تعميم صماخ، وشق، وما ظهر من أنف مجدوع، ومن ثيِّبٍ قعدت لقضاء حاجتها، وموضع شعرة لم يغسلها ثم نتفها، وما تحت قُلْفة غير المختون؛ لأنها مستحقة الإزالة، ولهذا لو أزالها إنسان .. لم يضمنها.
والأصل في ذلك: فعله ﷺ المبيِّنُ للتطهير المأمور به في قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾، وإنما وجب غسل مَنْبِت الكثيف هنا دون الوضوء؛ لقلة المشقة هنا وكثرتها في الوضوء؛ لتكرره كل يوم.
ويؤخذ من كلامه: أنه لا يجب غسل باطن العين والفم والأنف، ولا شعرٍ نبت فيها، وهو كذلك، ولا يجب نقض الضفائر إلا ألا يصل الماء إلى باطنها إلا به، قال في "الروضة" كـ "أصلها": ويسامح بباطن العقد التي على الشعرات على الأصح.
ثانيهما: نية اقترنت بأول مغسول من البدن، فلو نوى بعد غسل جزء .. وجبت إعادة غسله؛ كأن تنوي الحائض رفع حكم الحيض، أو الجنب رفع حكم الجنابة، أو النفساء رفع حكم النفاس، أو ينوي كلٌّ رفع الحدث عن جميع البدن، أو رفع الحدث مطلقاً، أو استباحة
стр. 88
الصلاة أو غيرها مما يتوقف على الغسل، أو فرض الغسل، أو الغسل المفروض، أو الواجب، أو أداء الغسل.
ولو نوى جنابة الجماع وجنابتُه باحتلام أو عكسه، أو الجنابة وحدثُه الحيض أو عكسه .. صح مع الغلط دون العمد كنظيره في الوضوء، ذكره في "المجموع"، والمعتمد: ارتفاع النفاس بنية الحيض وعكسه مع العمد؛ لأن النفاس دم حيض مجتمع، ولأن النفاس من أسماء الحيض، وقد صرح به صاحب "البيان" في الأولى في (باب صفة الغسل).
ولو نوى ذو الحدث الأكبر رفع الأصغر: فإن تعمد .. لم يصح؛ لتلاعبه، وإن غلط .. لم يرتفع من غير أعضاء الوضوء؛ لأنه لم ينوه، ويرتفع عنها إلا الرأس؛ لأن غسلها واجب في الحدثين وقد غسلها بنيته، وإنما لم يرتفع عن الرأس؛ لأن غسله وقع بدلاً عن مسحه الذي هو فرضه في الأصل، وهو إنما نوى المسح وهو لا يغني عن الغسل، وإنما ارتفع عن باطن لحية الرجل الكثيفة؛ لإتيانه بالغسل الذي هو الأصل في غسل الوجه.
وألف (ظهرا) للإطلاق، وقوله: (أو جنابة تبينت) أي: فيما قدمه من حصولها بخروج المني، أو تغييب الحشفة.
[شروط الغسل]
(والشَّرطُ: رفعُ نَجِسٍ قد عُلِمَا .... وكلُّ شرطٍ في الوضوءِ قُدِّما)
فيه مسألة:
وهي: أن الشرط في الغسل: رفعُ نجسٍ؛ أي: إزالته إذا كان لا يزول بالغسلة الواحدة، قد علم وجوده عن بدنه إن كان، أما إذا كان النجس يزول بالغسلة الواحدة .. فلا تكفي لهما غسلة واحدة كما صححه الرافعي، وصححه النووي: أنها تكفي لهما، وقد تقدم إيضاحه في (الوضوء).
стр. 89
وقوله: (وكلُّ شرط) عطف على قوله: (رفعُ نجس) أي: الشرط في الغسل أيضاً: كل شرط تقدم ذكره في الوضوء؛ كإسلام المغتسل، إلا في كتابية اغتسلت من حيض أو نفاس لتحل لحليلها المسلم؛ للضرورة، ولهذا تجب إعادته إذا أسلمت، وتمييزه، إلا في اغتسال مجنونة من حيض أو نفاس لتحل لحليلها؛ للضرورة، ولهذا يجب إعادته إذا أفاقت، وعدم المانع الحسيِّ والمانع الشرعي.
والف (علما) و (قدما) للإطلاق.
[سنن الغسل]
ولما فرغ من معتبرات الغسل .. شرع في سننه فقال:
(وسنَّ "باسم الله"، وارفع قذرا .... ثُمَّ الوُضُو، والرِّجلَ لن تُؤَخِّرا)
أي: من سنن الغسل: التسمية؛ بأن يقولها أوله، غير قاصد بها قرآناً؛ لما مر في (الوضوء).
ومنها: إزالة القذر بالمعجمة؛ أي: الطاهر؛ كمني وبصاق قبل الغسل استظهاراً، أما النجس .. فقد تقدم حكمه.
ومنها: الوضوء؛ للاتباع، رواه الشيخان، وإنما لم يجب؛ لأن الله تعالى أمر بالتطهير من غير ذكر الوضوء، وللأخبار الصحيحة الدالة على عدم وجوبه؛ كقوله ﷺ لأم سلمة: "يكفيك أن تقيضي عليك الماء"، وقوله لأبي ذر: "فإذا وجدت الماء .. فأمسه جلدك".
وقوله: (والرِّجل لن تؤخِّرا) يعني: أن الأفضل تقديم الوضوء كاملاً؛ فقد قال في "المجموع" نقلاً عن الأصحاب: وسواء قدم الوضوء كله أو بعضه، أم أخره، أم فعله في أثناء
стр. 90
الغسل .. فهو محصل للسنة، لكن الأفضل تقديمه.
وقوله: (الوضو) بسكون آخره، وألف (تؤخرا) للإطلاق، أو بدل من نون التوكيد الخفيفة؛ بناء على جواز دخولها على المضارع حينئذ، ويجرى هذا في نظائره السابقة واللاحقة.
[إذا نوى المغتسل فرضاً أو أحدهما دون الآخر]
(وإن نوى فرضاً ونفلاً حصلا .... أو فبكلٍّ مثله تحصلا)
أي: أن المغتسل إن نوى بغسله فرضاً كالجنابة والحيض، ونقلاً كالجمعة والعيد .. حصلا عملاً بنيته ولا يضر التشريك، بخلاف نحو الظهر مع سنته؛ لأن مبنى الطهارات على التداخل بخلاف الصلاة، أما إذا نوى الفرض .. لم يحصل النفل، أو نوى النفل .. لم يحصل الفرض؛ كما أفهمه كلامه وهو الراجح، عملاً بما نواه.
وإنما لم يندرج النفل في الفرض؛ لأنه مقصود فأشبه سنة الظهر مع فرضه، وفارق ما لو نوى بصلاته الفرض دون التحية؛ حيث تحصل التحية وإن لم تنو: بأن القصد هناك إشغال البقعة بالصلاة وقد حصل، وليس القصد هنا النظافة فقط؛ بدليل أنه يتيمم عند عجزه عن الماء، وأنه يحصل بكلٍّ من الفرض والنفل مثله؛ أي: في الفرضية أو النفلية، فيما إذا نوى فرضاً أو نفلاً، فيحصل بنية الجنابة مثلاً كل غسل مفروض، وبنية الجمعة مثلاً كل غسل مسنون.
وألف (تحصلا) للإطلاق.
[ما ينويه المغتسل بوضوء الغسل]
(وسنة الغسلِ نوى لأكبرا .... جُرِّدَ عنْ ضِدٍّ، وإلا الأصغرا)
أي: نوى لحدث أكبر جرد عن ضده وهو الحدث الأصغر؛ كأن أنزل بنظر أو فكر، أو احتلم قاعداً متمكناً بوضوئه سنة الغسل، وإلا؛ أي: بأن اجتمع عليه الحدثان .. نوى رفع الحدث الأصغر؛ خروجاً من الخلاف.
стр. 91
فقوله: (سنة الغسل) مفعول مقدم لـ (نوى)، وقوله: (لأكبرا) متعلق بـ (نوى)، وقوله: (جرد عن ضد) جملة وقعت صفة لـ (أكبر)، ونائب فاعل (جُرِّد) ضمير عائد عليه، ولا يصح جعل قوله: (لأكبر ... ) إلى آخره جملة حالية من (الغسل)، وألف (لأكبرا) و (الأصغرا) للإطلاق.
[تتمة سنن الغسل]
(وشعراً ومعطفاً تعهد ... وأدلك، وثلث، وبيمناك ابتد)
أمر المصنف المغتسل في هذا البيت بأشياء من سنن الغسل:
أحدها: أن يتعهد شعر رأسه ولحيته؛ بأن يخلله بالماء قبل إفاضته عليه؛ ليكون أبعد عن الإسراف في الماء.
ثانيها: أن يتعهد معاطف بدنه؛ أي: أمكنة الالتواء بالغسل؛ خوفاً من عدم وصول الماء إليها، فيأخذ كفاً من الماء، ويضع الأذن برفق عليه؛ ليصل إلى معاطفها.
ثالثها: أن يدلك من بدنه ما تصل إليه يده؛ خروجاً من خلاف من أوجبه.
رابعها: أن يثلث غسل جميع البدن كالوضوء، فيغسل رأسه ثلاثاً، ثم شقه الأيمن ثلاثاً، ثم شقه الأيسر ثلاثاً، فإن اغتسل في ماء جار .. حصل التثليث بجريان الماء عليه ثلاث جريات، أو في راكد .. حصل بانغماسه فيه ثلاثاً؛ بأن يرفع رأسه وينقل قدميه، أو يتحرك فيه ثلاثاً.
خامسها: أن يبتدئ باليمين؛ للخبر المتفق عليه، فيبتدئ بشق رأسه الأيمن قبل الأيسر، ثم بشق بدنه الأيمن قبل الأيسر.
(وتتبع الحيض بمسكٍ، والولا .... مسنونه: حضور جمعةٍ، كلا)
(عبدين، والإفاقة، الإسلام .... والخسف، الاستسقاء، والإجرام)
(دخول مكة، وقوف عرفه .... والرمي، والمبيت بالمزدلفة)
(وغسل من غسل ميتاً كما .... لداخل الحمام أو من حُجما)
стр. 92
ذكر في هذه الأبيات ثلاث مسائل:
[استحباب تتبع المرأة أثر الحيض والنفاس بمسك]
الأولى: أنه يسن للمرأة ولو بكراً وخلية: أن تتبع أثر الحيض؛ أي: أو النفاس بعد غسلها بمسك؛ بأن تجعله على قطنة أو نحوها وتدخلها في قبلها إلى المحل الذي يجب غسله؛ تطيباً للمحل، وللأمر بما يؤدي ذلك في "الصحيحين" من حديث عائشة وتفسيرها قوله ﷺ لسائلته عن الغسل من الحيض: "خذي فرصة من مسك فتطهري بها" بقولها: (يعني: تتبعي بها أثر الدم)، والمسك أولى من غيره، فإن لم تفعل .. فطيباً، فإن لم تفعل .. فطيناً، فإن لم تفعل .. فالماء كاف.
وهذه سنة مؤكدة يكره تركها بلا عذر، وتستثنى المحرمة فلا تستعمل شيئاً من الطيب؛ لقصر زمن الإحرام غالباً، والمُحِدَّة فلا تطيب المحل إلا بقليل قُسِط أو أظفار؛ لقطع الرائحة الكريهة.
[استحباب الموالاة والترتيب في الغسل]
الثانية: أنه يسن الولاء بين أفعاله كما في الوضوء؛ خروجاً من خلاف من أوجبه.
ومن سننه: الترتيب؛ بأن يرفع الأذى، ثم يتوضأ، ثم يتعهد، ثم يغسل أعضاء الوضوء، ثم الرأس، ثم البدن مبتدئاً بأعلاه وبالأيمن، ويجوز له الغسل مكشوف العورة خالياً أو بحضرة من يجوز نظره إليها، والستر أفضل، أما غسله مكشوف العورة بحضرة من يحرم نظره إليها ... فحرام؛ كما يحرم كشفها في الخلوة بلا حاجة.
[الأغسال المسنونة]
الثالثة: ذكر من الأغسال المسنونة خمسة عشر غسلاً:
أحدها: غسل الجمعة لمن أراد حضورها وإن لم تلزمه كامرأة ومسافر؛ لما سيأتي في (باب صلاة الجمعة) من الأمر به في "الصحيحين" وغيرهما، وصرفه عن الوجوب
стр. 93
خبر: "من توضأ يوم الجمعة .. فبها ونعمت، ومن اغتسل .. فالغسل أفضل" رواه أبو داود وغيره، وحسنه الترمذي، وصححه أبو حاتم الرازي.
ويدخل وقته بالفجر، وتقريبه من ذهابه أفضل، أما من لم يرد حضورها .. فلا يسن له الغسل، ويؤخذ من بداءته به أنه آكد الأغسال المسنونة، وهو كذلك على الأصح.
ثانيها وثالثها: غسلا عيد الفطر والأضحى لكل أحدٍ وإن لم يحضر صلاتهما؛ لاجتماع الناس لهما كالجمعة، ويدخل وقت غسلهما بنصف الليل على الأصح؛ لأن أهل القرى الذين يسمعون النداء يبكرون لصلاتهما من قراهم، فلو لم يجز الغسل قبل الفجر .. لشق عليهم، والفرق بينهما وبين الجمعة: تأخير صلاتها وتقديم صلاتهما.
رابعها: الغسل من الإفاقة من الجنون أو الإغماء؛ للاتباع في الإغماء، رواه الشيخان، وقيس بن الجنون، وقال الشافعي ﵀: (قلَّ ما جن إنسان .. إلا وأنزل).
خامسا: غسل الكافر إذا أسلم؛ لأمره ﷺ قيس بن عاصم بالغسل لما أسلم، وكذلك ثمامة بن أثال، رواهما ابنا خزيمة وحبان وغيرهما، وليس أمر وجوب؛ لأن جماعة أسلموا ولم يأمرهم بالغسل، وهذا حيث لم يعرض له في الكفر ما يوجب الغسل من جنابة أو حيض أو نفاس أو ولادة، فإن عرض له ذلك .. وجب عليه الغسل بعد إسلامه، ولا عبرة بغسل مضى في كفره على الأصح، وفارق عدم لزوم إخراج ما أداه من كفارة حال كفره؛ بأن مصرفها متعلق بالآدمي فأشبه الدين.
سادسها: الغسل لصلاة خسوف الشمس أو القمر؛ لاجتماع الناس لهما كالجمعة، ويدخل وقت غسله بأوله.
سابعها: الغسل لصلاة الاستسقاء؛ لما مر، قال في "الروضة": قال أصحابنا: يستحب الغسل لكل اجتماع، وفي كل حال يغير رائحة البدن.
стр. 94
ثامنها: الغسل للإحرام؛ للاتباع، رواه الترمذي وحسنه، وسواء في ذلك الإحرام بحج أو بعمرة أو بهما.
تاسعها: الغسل لدخول مكة؛ للاتباع، رواه الشيخان، وسواء كان محرماً بحج، أو بعمرة أو بهما، ويسن للحلال أيضاً وهو داخل في كلامه.
ويسن الغسل لدخول الحرم أيضاً، ولدخول المدينة، ولو أحرم من مكان قريب من مكة كالتنعيم فاغتسل .. لم يندب له الغسل لدخول مكة كما قاله الماوردي.
عاشرها: الغسل للوقوف بعرفة عشية.
حادي عشرها: الغسل للرمي في أيام التشريق الثلاثة، ولا يسن الغسل لرمي جمرة العقبة؛ لقربها من غسل العيد.
ثاني عشرها: غسيل مبيت مزدلفة غداة النحر؛ لأن هذه مواطن تجتمع لها الناس فسن الغسل لها؛ قطعاً للروائح الكريهة.
وسواء في هذه الأغسال الرجل والمرأة، والطاهر وغيرها.
ثالث عشرها: غسل من غسَّل ميتاً، مسلماً كان أو كافراً؛ لخبر: "من غسل ميتاً .. فليغتسل"، رواه ابن ماجة، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، والصارف للأمر عن الوجوب خبر: "ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه" حصصه الحاكم على شرط البخاري.
رابع عشرها: غسل داخل الحمام عند إرادة خروجه، سواء أتنوَّر أم لا.
خامس عشرها: غسل من حُجِم؛ أي: بضم الحاء ومكسر الجيم؛ لما روى البيهقي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص: (كنا نغتسل من خمس: من الحجامة، والحمام، ونتف الإبط، ومن الجنابة، ويوم الجمعة)، وحكمته كما أشار إليه الشافعي ﵁: أن ذلك
стр. 95
يغير الجسد ويضعفه، والغسل يشده وينعشه، ويؤخذ منه: أنه يسن الغسل للفصد ونحوه.
ومن الأغسال المسنونة: الغسل للاعتكاف؛ كما في "لطيف ابن خيران" عن النص، ولكل ليلة من شهر رمضان؛ كما قاله الحليمي، وقيده الأذرعي بمن يحضر الجماعة، ولحلق العانة؛ كما في "رونق الشيخ أبي حامد" و"لباب المحاملي"، ولبلوغ الصبي بالسن؛ كما في "الرونق"، والغسل في الوادي عند سيلانه.
و(كِلا) في قول المصنف: (كلا عيدين) اسم مقصور لإضافته إلى ظاهر، وألف (حُجِما) للإطلاق.
(والغسل في الحمَّام جاز للذَّكر ... مع ستر عورةٍ وغضٍّ للبصر)
(ويكره الدخول فيه للنِّسا ... إلا لعذر مرضٍ أو نُفسا)
(وقبل أن يدخل يعطي أجرته ... ولم يجاوز في اغتسالٍ حاجته)
فيها أربع مسائل:
[جواز الغسل في الحمام للذكر]
الأولى: يجوز الغسل في الحمام للذكر؛ أي: يباح له مع ستر عورته عمَّن يحرم نظره إليها؛ إذ كشفها حينئذ حرام فيجب تركه، وعدم مسها ممن يحرم مسه لها، وغض بصره عن عورةٍ يحرم نظره إليها، وعدم مسه إياها؛ لأن كلاً من الكشف والنظر واللمس المذكورات .. حرام فيجب تركه، ويجب عليه أن ينهى من ارتكب شيئاً من ذلك وإن ظن أنه لا ينتهي.
[كراهة دخول الحمام للنساء]
الثانية: يكره دخوله للنساء؛ أي: والخناثى إلا لعذر؛ كمرض أو حيض أو نفاس، أو خوف ضرر، فيباح لهن حينئذ مع ستر عورتهن عمن يحرم نظره إليها، وعدم مسها ممن يحرم مسه لها، وغض بصرهن عن عورة يحرم نظرهن إليها، وعدم مسهن إياها.
والأصل في ذلك خبر أبي داود وغيره: أنه ﷺ قال: "ستفتح عليكم أرض العجم، وستجدون فيها بيوتاً يقال لها: الحمامات، فلا يدخلها الرجال .. إلا بالأزر، وامنعوها النساء إلى مريضة أو نفساء"، وخبر الترمذي وحسنه: "ما من امرأة تخلع ثيابها في
стр. 96
غير بيتها .. إلا هتكت ما بينها وبين الله تعالى"، وخبر النسائي والحاكم وصححه عن عائشة ﵂: "الحمام حرام على نساء أمتي"، ولأ، أمرهن مبني على المبالغة في الستر، ولما في خروجهن واجتماعهن من الفتنة والشر.
[آداب دخول الحمام]
الثالثة: لدخوله آداب، منها: أن يعطى أجرته قبل دخوله؛ لأن ما يستوفيه مجهول، وكذا ما ينتظره الحمامي، فإعطاء الأجرة حينئذ دفع للجهالة من أحد العوضين وتطييب لنفسه، وقصدُ التنظف والتطهر، والتسمية لدخوله ثم التعوذ؛ كأن يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث)، وتقديم يساره لدخوله، ويمينه لخروجه، وتذكر الجنة والنار بحرارته، ورجوعه إذا رأى عرياناً فيه، وألا يعجل بدخول البيت الحار حتى يعرق، وألا يكثر الكلام، وأن يدخل وقت الخلوة، أو يتكلف إخلاء الحمام؛ فإنه وإن لم يكن فيه إلا أهل الدين .. فالنظر إلى الأبدان المكشوفة فيه شوب من قلة الحياء، وهو مذكر للفكر في العورات، ثم لا يخلو الناس في الحركات عن انكشاف العورات فيقع عليها البصر، واستغفاره عند خروجه، وصلاته ركعتين، وقد اقتصر المصنف على أول الآداب.
ويكره دخوله قبيل المغرب وبين العشائين، ودخوله للصائم، وصب الماء البارد على الرأس، وشربه عند الخروج، ولا بأس بدلك غيره إلا عورة أو مظنة شهوة، ولا بقوله لغيره: (عافاك الله)، ولا بالمصافحة.
[وجوب الاقتصار على قدر الحاجة في صبِّ الماء]
الرابعة: أنه يجب عليه: أن يقتصر في صب الماء على قدر حاجته، فلا يجوز له أن يزيد عليه؛ فإنه المأذون فيه لقرينة الحال، والزيادة عليه لو علمها الحمامي .. لكرهها، لا سيما الماء الحار؛ فله مؤنة، وفيه تعب.
وقال ابن عبد السلام: ليس له أن يقيم فيه أكثر مما جرت العادة به؛ لعدم الإذن اللفظي والعرفي.
* * *
стр. 97
بابُ التّيَمُّم
وهو لغة: القصد، وشرعاً: إيصال التراب إلى الوجه واليدين بشرائطه مخصوصة، وخصت به هذه الأمة، وهو رخصة، وقيل: عزيمة، وقيل: إن تيمم لفقد الماء .. فعزيمة، أو لعذر .. فرخصة. والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفرٍ﴾ الآية، وخبر مسلم: "وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وترتبها طهوراً"، وغيره من الأخبار الآتي بعضها في الباب.
(تيمُّم المحدث أو من أجنبا ... يُباح في حالٍ وحالٍ وجبا)
أفاد كلامه مسألتين:
[التيمم للمحدث والجنب]
الأول: تيمم المحدث حدثاً أصغر أو أكبر من حيض أو نفاس أو ولادة والجنب .. [مباح]، أما المحدث .. فبالإجماع، وأما الجنب .. فلما في "الصحيحين" عن عمار بن ياسر وغيره، فقوله: (أو من أجنبا) من عطف الخاص على العام، واقتصر على المحدث والجنب؛ لأنهما الأصل ومحل النص، وإلا .. فالمأمور بغسل مسنون يتيمم له أيضاً، والقياس كما قاله جمع من المتأخرين: أن الوضوء المسنون كذلك، وييمم الميت أيضاً.
وخرج بما ذكر: المتنجس، فلا يتيمم للنجاسة؛ لأن التيمم رخصة فلا تتجاوز محل ورودها.
[التيمم قد يكون مباحاً وقد يكون واجباً]
الثانية: أن تيمم من ذكر يباح في حالٍ، وهو وجود عذر يسوِّغه من قدرة المتيمم على استعمال الماء؛ كقادر على شراء الماء وجده يباع بأكثر من ثمن مثله، وكمن تيمم أول الوقت وقد علم أو ظن وجود الماء آخره، ويجب في حالٍ، وهو عجز المتيمم عن استعمال الماء.
стр. 98
وقوله: (تيمم) مبتدأ خبره (يباح ... ) إلى آخره، وألف (أجنبا) و (وجبا) للإطلاق، والله أعلم.
[شروط التيمم]
(وشروطه: خوفٌ من استعمال ما ... أو فقد ماءٍ فاضلٍ عن الظَّما)
(دخول وقتٍ، وسؤالٌ ظاهر ... لفاقد الما وترابٌ طاهر)
(ولو غبار الرمل، لا مستعملا ... ملتصقاً بالعضو أو منفصلا)
ذكر في هذه الأبيات من شروطه التيمم أموراً.
أولها: إما أن يخاف من استعمال الماء لمرض أو شدة برد تلف نفس أو عضو أو منفعة، أو مرضاً مخوفاً، أو زيادة التألم وإن لم تزد المدة، أو بطء البرء وإن لم يزد الألم، أو شدة الضنا، أو بقاء شين فاحش في عضو ظاهر.
والأصل في التيمم للمرض: قوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى﴾ إلى ﴿فتيمموا﴾ إلى آخره؛ أي: حيث خفتم من استعمال الماء ما ذكر.
و(الشَّين): الأثر المنكر من تغير لون أو نحول واستحشاف، وثغرة تبقى ولحمة تزيد، و (الظاهر): ما يبدو عند المهنة غالباً كالوجه واليدين.
ويعتبر فيما ذكر: أن يخبره به طبيب مسلم بالغ عدل عارف، أو يعلم ذلك بنفسه، وإلا .. فلا يجوز له التيمم، وخرج بما ذكر: ما لو خاف شيناً يسيراً، أو قبيحاً في عضو باطن، أو تألماً في الحال، أو مرضاً يسيراً كالصداع .. فإنه لا يتيمم؛ لوجود الماء وعدم الضرر الشديد.
وإما أن يفقد ماء فاضلاً عن الظمأ؛ بأن يفقد حساً، أو شرعاً بأن يتوهمه فوق حد الغوث، أو يتيقنه فوق حد القرب، أو يخاف من طلبه فوت نفس، أو عضو أو منفعة، أو مال، أو وقت، أو انقطاعاً عن رفقة، أو وجد ماء مُسبَّلاً للشرب، أو يباع بأكثر من ثمن مثله في ذلك الزمان والمكان، أو بثمن وهو محتاج إليه لشراء سترة، أو لوفاء دين، أو مؤنة سفر، أو حيوان محترم، أو ملكه وهو محتاج إلى ثمنه لذلك، أو إليه لعطش حيوان محترم من نفسه وغيره في الحال في المآل، وخرج بالمحترم: غيره كالمرتد والكلب العقور.
стр. 99
ثانيها: دخول وقت ما يتيمم له، سواء أكان فرضاً أو نفلاً ولو نذراً؛ لأن التيمم طهارة ضرورة، ولا ضرورة قبل الوقت.
فلو نقل التراب قبله ومسح به الوجه بعده .. لم يصح، وكذا لو شك هل نقله قبله أم فيه وإن تبين أنه نقل فيه، فيصح التيمم للثانية في جمع التقديم وقت الأولى عقب فعلها، فلو دخل وقت الثانية قبل أن يصليها .. بطل التيمم، بخلاف ما لو تيمم لفائتة قبل وقت الحاضر .. فإنها تباح به؛ لأنه استباح ما نوى فاستباح غيره بدلاً، وهنا لم يستبح ما نوى بالصفة التي نوى فلم يستبح غيره.
ويتيمم للأولى في جمع التأخير في وقتها، أو في وقت الثانية، ويتيمم للفائتة عند تذكرها، ويصح التيمم في وقت الكراهة للمؤقتة وذات السبب لا للنافلة المطلقة، ولا يبطل تيممها بدخول وقت الكراهة.
[سؤال الماء لفاقده قبل التيمم]
ثالثها: سؤال ظاهر لفاقد الماء؛ بأن يطلبه في الوقت بنفسه أو مأذونه إذا لم يتيقن عدمه؛ لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾، ولا يقال: لم يجد إلا بعد الطلب، أما إذا تيقن عدمه .. فلا طلب؛ لأنه عبث، فإن جوَّز وجوده في شيء .. وجب عليه طلبه منه؛ كأن يفتش رحلة وينظر حواليه يميناً وشمالاً وأماماً وخلفاً، ويتأمل موضع الخضرة والطيران إن كان بمستو، وإلا .. تردد إلى حد الغوث؛ وهو ما يلحقه فيه غوث الرفاق مع ما هم عليه من التشاغل بأشغالهم، والتفاوض في أقوالهم، وعبَّر عنه في "الشرح الصغير": بغلوة سهم.
ويعتبر في سؤاله كونه ظاهراً؛ بأن ينادي في رفقة منزله المنسوب إليه نداء يعمهم، إلا أن يضيق وقت الصلاة: (من معه ماء)، أو (من يجود بالماء)، أو (يبيع الماء)، ولا يجب أن يطلب من كل واحد بعينه، ويكفي أن تأذن الرفقة لثقةٍ يطلب لهم.
وإن تيقنه .. لزمه طلبه إن كان بحد القرب؛ وهو ما يقصده الرفقة للاحتطاب ونحوه، وإلا .. فلا، ولو تيقنه آخر الوقت .. فانتظاره أفضل، أو جوَّز وجوده .. فتعجيل التيمم أفضل؛ كمريض ينتظر القدرة، وعار ينتظر السترة.
أما المقيم .. فلا يتمم، ويجب عليه أن يسعى إليه وإن فات الوقت، ولا ينتظر مزاحمٌ على بئرٍ أو ثوبٍ أو مقامٍ نوبةً عَلِم أنها لا تصل إليه إلا بعد الوقت، بل يصلي فيه بتيمم أو عارياً أو قاعداً ولا إعادة.
стр. 100
ولو كان معه ثوب متنجس ولو اشتغل بغسله لخروج الوقت .. لزمه غسله والصلاة بعد الوقت، ولا يصلي عارياً.
ولو وجد ماء لا يكفيه .. وجب استعماله، ثم يتيمم للباقي، ويراعي المحدث الترتيب لا ذو الحدث الأكبر، وأعضاء الوضوء أولى.
ولو لم يجد إلا ثلجاً أو برداً لا يقدر على إذابته .. لم يلزمه استعماله، ولو لم يجد إلا تراباً لا يكفيه .. وجب استعماله، ولو لم يجد إلا ثمن بعض الماء .. لزمه شراؤه، ومن وجد ماءً يغسل به بعض نجاسات به .. وجب عليه غسله، ولو وجد من عليه حدث ونجاسة ماء يكفي أحدهما .. تعين للنجاسة ووجب غسلها قبل التيمم.
وأما إذا تيمم لمرض ونحوه .. فلا طلب.
[كون التيمم بتراب طاهر]
رابعها: التراب الطاهر؛ قال تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ أي: تراباً طاهراً؛ كما فسره ابن عباس وغيره، والطاهر هنا بمعنى: الطهور؛ لما سيأتي من أنه لا يصح التيمم بالتراب المستعمل، وسواء في التراب الأعفر والأصفر، والأسود والأحمر، والسَّبْخ وهو الذي لا ينبت، وما يداوى به كالطين الإرمني بكسر الهمزة، ولو كان التراب غبار رمل؛ لأنه من طبقات الأرض والتراب جنس له.
وخرج بـ (التراب): غيره؛ كمعدن وسحاقة خزف ولو قليلاً مختلطاً بالتراب، وبـ (الطاهر): المتنجس؛ بأن أصابه مائع نجس فلا يصح التيمم بشيء منها؛ لما مر.
وقوله: (لا مستعملاً) أي: إن كان التراب مستعملاً متصلاً بالعضو الممسوح أو منفصلاً عنه بعد إصابته .. فلا يصح التيمم به كالماء؛ لأنه قد تأدى به فرض فانتقل إليه المنع، بخلاف ما انفصل ولم يصب العضو.
ويؤخذ من حصر المستعمل فيما ذكره: جواز تيمم الواحد والجماعة من تراب يسير مرات كثيرة ولا مانع منه.
стр. 101
[بعض شروط التيمم]
ومن شروطه: إسلام المتيمم، لا في كتابية انقطع حيضها أو نفاسها لتحل لمسلم، وتمييزه لا في مجنونة لتحل لواطئ، وعدم الحيض والنفاس لا في تيمم مسنون لإحرام ونحوه، وعدم ما يمنع من وصول التراب إلى البشرة، وتقديم الاستنجاء، وإزالة النجاسة عن أعضاء التيمم وكذا عن غيرها على الأصح، وتقديم الاجتهاد في القبلة على رأي.
[أركان التيمم]
(وفَرْضُهُ: نقل التراب، لو نقل ... من وجهه لليد أو بالعكس حل)
(وقصده، ونية استباح ... فرضٍ أو الصلاة، وانمساح)
(الوجه لا المنبت واليدين ... مع مرفقٍ، ورَتِّب المسحين)
ذكر في هذه الأبيات أن فرض التيمم ستة، فإن قوله: (فرضه) مفرد مضاف فيعم أي: فروضه ستة كما في "المجموع" وغيره، وزاد في "أصل الروضة" كـ"الوجيز": (التراب)، وجعل في "المنهاج" كـ"أصله": القصد شرطاً، قال الرافعي: وحذفهما جماعة وهو أولى؛ إذ لو حسن عد التراب ركناً .. لحسن عد الماء ركناً في الطهر به، وأما القص .. فداخل في النقل الواجب قرن النية به. انتهى.
فأركانه ستة:
أولها: نقل التراب؛ أي: نقل المتيمم أو مأذونه ولو بلا عذر التراب الذي له غبار الموصوف بما تقدم إلى عضو تيممه؛ لقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً﴾ أي: فاقصدوه؛ بأن تنقلوه إلى العضو، فل كان بعضو تراب فردده عليه .. لم يكف وإن قَصَد بوقوفه في مهب الريح التيمم؛ لانتفاء القصد بانتفاء النقل المحقق له، ولو أحدث بين نقله والمسح .. بطل وعليه النقل ثانياً، بخلاف نظيره في الوضوء وفيما لو نقل مأذونه؛ لعدم وجوب نقل الماء في
стр. 102
الأولى، وعدم وجود القصد الحقيقي منه في الثانية فصار فيها؛ كما لو اكتراه ليحج عنه، ثم جامع في زمن إحرام الأجير .. لا يفسد حجه، ذكره القاضي.
ولو نقل التراب من وجهه إلى يده؛ بأن حدث عليه بعد مسحه أو بالعكس؛ أي: نقله من يده إلى وجهه .. حل؛ أي: جاز وصح؛ كما لو نقله من غير عضو التيمم، وكذا لو أخذ من العضو ثم رده إليه، أو نقله من إحدى يديه إلى الأخرى .. يكفي في الأصح.
ثانيها: قصده؛ أي: قصد المتيمم التراب؛ لما مر.
ثالثها: نية استباحة فرض؛ من صلاة وطواف، أو استباحة الصلاة المسنونة أو غيرها مما يفتقر إلى التيمم كمس مصحف، بخلاف ما لو نوى رفع الحدث، أو فرض التيمم.
ثم إن نوى به فرضاً ونفلاً، أو فرضاً، أو فروضاً .. استباح الفرض والنقل قبل الفرض وبعده في الوقت، والفائتة، والحاضرة، والمعينة وغيرها، فإن عين وأخطأ؛ كمن نوى فائتة ولا شيء عليه، أو ظهراً وعليه عصر .. لم يصح، وإن نوى نفلاً أو الصلاة .. استباح النفل لا الفرض على المذهب، ولو نوى نافلة معينة أو صلاة جنازة .. جاز له فعل غيرها من النوافل معها.
وله بنية النقل صلاة الجنازة في الأصح، وسجود التلاوة، والشكر، ومس المصحف، وحمله؛ لأن النفل آكد منها.
ولو نوى استباحة مس المصحف أو حمله ولو بدار كفر أو مفازة واضطر إلى حمله، أو سجود التلاوة أو الشكر، أو منقطعة الحيض أو النفاس استباحة الوطء، أو ذوي الحدث الأكبر استباحة الاعتكاف، أو قراءة القرآن .. استباح ما نواه، ولا يستبيح الفرض ولا النقل.
ووقت النية: أول الأركان؛ وهو نقل التراب، والمراد به: الضرب كما في "المجموع" و"الكفاية"، ويشترط استدامتها إلى مسح شيء من الوجه على الصحيح؛ لأن أول الأركان في التيمم مقصود لغيره بخلاف في الوضوء، والمتجه كما قاله جمع من المتأخرين: الاكتفاء باستحضارها عند النقل والمسح ولو عزبت بينهما؛ ويؤيده التعليل السابق وقول أبي خلف الطبري في "شرح المفتاح": وقت النية في التيمم: أن ينوي عند القصد إلى التراب، ويكون ذكراً للنية عند مسح الوجه.
стр. 103
رابعها: مسح وجهه، وظاهر لحيته - وإن خرج عن حد الوجه - ولو بغير يده؛ بأن يستوعبه بالمسح حتى ما يقبل من أنفه على شفته؛ لقوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾، لا المنبت للشعر، وإن خف أو ندر .. فلا يجب إيصال التراب إليه، ولا يندب؛ لما فيه من المشقة.
خامسها: مسح اليدين مع المرفقين؛ لآية التيمم، وقد صح عنه ﷺ : (انه مسح وجهه وذراعيه)، قال الشافعي رحمه الله تعالى: هذا الخبر هو الذي منعنا أن نأخذ برواية عمار في الوجه والكفين.
سادسها: ترتيب المسح؛ أي: مسحي الوجه واليدين ولو في المتمعك كما في الوضوء وإن كان حدثه أكبر، وخرج بـ (المسحين): النقلان فلا يجب الترتيب بينهما؛ إذ المسح أصل والنقل وسيلة، فلو ضرب بيديه على الترتيب ومسح بالثانية وجهه وبالأولى يديه .. جاز.
وقوله: (وانمساح الوجه) أي: مسحه؛ كما علم من كون النقل فرضاً.
[سنن التيمم]
ولما فرغ من ذكر معتبرات التيمم .. شرع في ذكر مسنوناته فقال:
(وسُنَّ تفريجٌ، وأن يُبسملا ... وقدِّم اليمنى، وخلِّل، والولا)
(ونزع خاتمٍ لأولى يضرب ... أما لثاني ضربةٍ فيجب)
أي: يسن للمتيمم أمور:
منها: تفريج أصابعه، وفي بعض النسخ: (تفريق) أول كل ضربة؛ لأنه أبلغ في إثارة الغبار، فلا يحتاج إلى الزيادة على الضربتين، والغبار الحاصل في الأولى بين الأصابع .. لا يمنع صحة التيمم وإن منع وصول الغبار في الثانية؛ إذ لو اقتصر على التفريج في الأولى .. أجزأه؛ لعدم وجوب ترتيب النقل، فحصول التراب الثاني إن لم يزد الأول قوة .. لم ينقصه، وأيضاً: الغبار على المحل لا يمنع المسح؛ بدليل أن من غشيه غبار السفر .. لا يكلف نفضه
стр. 104
للتيمم كما ذكره الرافعي، وقول البغوي: يكلف نفض التراب .. محمول على تراب يمنع وصول التراب إلى المحل.
ومنها: أن يبسمل أول التيمم ولو جبناً أو حائضاً؛ كما في الوضوء.
ومنها: أن يقدم يمناه على يسراه؛ أي: وأعلى وجهه على أسفله؛ كما في الوضوء، ويسن إذا مسح اليمنى .. أن يضع أصابع اليسرى سوى الإبهام على ظهور أصابع اليمنى سوى الإبهام؛ بحيث لا يخرج أنامل اليمنى عن مسبحة اليسرى، ولا يجاوز أنامل اليمنى بمسبحة أطراف أنامل اليسرى، ويمرها على ظهر كف اليمنى، فإذا بلغ الكوع .. ضم أطراف أصابعه على حرف الذراع، ويمرها إلى المرفق، ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع ويمرها عليه وإبهامه مرفوعة، فإذا بلغ الكوع .. أمر إبهام اليسرى على إبهام اليمنى، ثم يفعل باليسرى كذلك، ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى ندباً لا وجوباً؛ لتأدي فرضهما بضربهما بعد مسح الوجه، وإنما جاز مسح الذراعين بترابهما؛ لعدم انفصاله وللحاجة؛ إذ لا يمكن مسح الذراع بكفها فصار كنقل الماء من بعض العضو إلى بعضه، ذكر ذلك في "المجموع"، ومراده بنقل الماء: تقاذفه الذي يغلب؛ كما عبر به الرافعي حيث قال: وإنما يثبت للمتناثر حكم الاستعمال إذا انفصل بالكلية وأعرض المتيمم عنه؛ لعسر إيصاله إلى العضو، فيعذر في رفع اليدين ودروهما؛ كما في رد المتقاذف الذي يغلب في الماء.
ومنها: أن يخلل بين أصابع يديه بالتشبيك؛ كما في الوضوء.
ومنها: الولاء بين المسحين كما في الوضوء بتقدير التراب ماء، وبين التيمم والصلاة؛ خروجاً من خلاف من أوجبه، ويجب الولاء في تيمم دائم الحدث ووضوئه.
ومنها: نزع خاتم في الضربة الأولى؛ ليكون مسح جميع الوجه بجميع اليد؛ اتباعاً للسنة، وأما نزعه في الضربة الثانية .. فيجب؛ لتصل التراب إلى محله، ولا يكفي تحريكه، بخلاف في الوضوء؛ لأن التراب لا يدخل تحته، بخلاف الماء، فإيجاب النزع إنما هو عند المسح لا عند الضرب كما نبه عليه السبكي.
стр. 105
وألف (يبسملا) للإطلاق، ويجوز في كل من (قدم) و (خلل) أن يكون ماضياً وفاعله المتيمم، وأن يكون أمراً، ويجوز في (يضرب) أن يكون مبنياً للفاعل؛ أي: يضربها المتيمم؛ فيكون بمثناة تحتية وهو أنسب بآخر البيت، وأن يكون مبنياً للمفعول ونائب الفاعل ضمير يعود على الأولى؛ فيكون بمثناة فوقية.
واللام في قوله: (لثاني ضربه) يصح أن تكون للتعليل، وبمعنى: (في) و (عند) و (بعد) أي: بعد الضربة الثانية عند المسح فيكون موفياً بما نبه عليه السبكي.
ومن سننه: تخفيف التراب، وعدم الزيادة على ضربتين، وإدامة يده على العضو حتى يفرغ من مسحه، وإمرار التراب على العضد؛ تطويلاً للتحجيل، وإتيانه بالشهادتين مع ما بعدهما؛ كما في الوضوء والغسل.
[آداب التيمم ومكروهاته]
(آدابه: القبلة أن يستقبلا ... مكروهه: التُّرب الكثير استعملا)
فيه مسألتان:
الأولى: من آداب التيمم: استقبال المتيمم القبلة؛ لشرفها كالوضوء، وقد تقدم الكلام على التعبير بالآداب.
الثانية: يكره لمتيمم استعمال التراب الكثير؛ فإنه يشوه الخلقة، فإن السنة: أن يخفف التراب؛ بأن ينفضه إن كان كثيراً أو ينفخه؛ بحيث لا يبقى إلا قدر الحاجة، وألا يكرر المسح، ويكره له الزيادة على مسحةٍ واحدة للوجه ومسحةٍ واحدة لليدين.
وقوله: (آدابه) من إطلاق الجمع على الواحد مجازاً، وألف (يستقبلا) و (استعملا) للإطلاق، ويصح بناء كل منهما للفاعل وهو المتيمم، وللمفعول وهو القبلة في الأول فيكون بمثناة فوقية، والتراب في الثاني، و (التراب) لغة في التراب.
стр. 106
[ما يحرم التيمم به]
(حرامه: تراب مسجدٍ، وما ... في الشرع الاستعمال منه حُرِّما)
فيه مسألة:
وهي: أنه يحرم التيمم بتراب المسجد؛ تعظيماً له لأنه جزؤه، والمراد به: الجزء الداخل في وقفه، لا ما يجتمع فيه من حمل الريح ونحوه، وبكل تراب حرم الشارع استعماله كالمغصوب والمسروق؛ لما فيه من استعمال ملك الغير بغير إذنه.
ويؤخذ من كلام المصنف: صحة التيمم بالتراث الذي يحرم التيمم به؛ لإضافته (حرام) لضمير المتيمم وهو الأصح، وقيل: لا يصح إذا قلنا بأنه رخصة.
وقوله: (وما في الشرع ... ) إلى آخره من عطف العام على الخاص؛ فإن تراب المسجد مما حرم الشارع استعماله، وألف (حرما) للإطلاق، ويصح بناؤه للفاعل وللمفعول.
[مبطلات التيمم]
ثم شرع فيما يبطل التيمم فقال:
(مبطله: ما أبطل الوضوء مع ... توهُّم الماء بلا شيءٍ منع)
(قبل ابتدا الصلاة، أمَّا فيها ... فمن عليه واجبٌ يقضيها)
(أبطل، وإلا لا، ولكن أفضل ... إبطالها كي بالوضوء تفعل)
أي: أن التيمم يبطله ما أبطل الوضوء من الأسباب السابقة، ويزيد التيمم ببطلانه بتوهم الماء؛ أي: بأن يقع في وهم المتيمم لفقده - أي: ذهنه - وجوده بأن جوَّزه وإن زال سريعاً أو لم يكفه الماء أو ضاق الوقت؛ كأن يسمع قائلاً يقول: (عندي ماء أودعنيه فلان) بلا مانع منه، قبل ابتداء الصلاة؛ بأن لم يفرغ من تكبيرة الإحرام؛ لوجوب الطلب حينئذ، ولأنه لم يشرع في المقصود .. فصار كما لو توهمه في أثناء التيمم، وهذا معنى قوله: (مع توهم الماء ... ) إلى آخره، وهذا بخلاف توهمه السترة؛ لعدم وجوب طلبها.
وفهم من كلامه: بطلان التيمم بتيقن الماء بالأولى، وخرج بقوله: (بلا شيء منع) ما لو
стр. 107
اقترن بمانع من استعماله؛ كعطش، وسبع يحول بينه وبينه، وسماع من يقول: (أودعني فلان ماء) وهو يعلم غيبته .. فلا يبطل التيمم حينئذ، وبقوله: (قبل ابتدا الصلاة) ما لو شرع فيا .. فلا يبطل تيممه بتوهم ولا شك ولا ظن.
وقد ذكر حكم اليقين في قوله: (أما فيها) يعني: إن تيقن القدرة على استعمال الماء في الصلاة فرضاً كانت أو نفلاً؛ بأن تيقن وجوده إن تيمم لفقده، أو حصل الشفاء إن تيمم لمرض أو نحوه .. يبطل التيمم إن وجب عليه قضاء فرضها؛ بأن تيمم الأول بموضع يندر فيه فقد الماء كالحضر، والثاني لبرد أو كان بجرحه دم كثير، أو وضع الساتر على حَدَث، أو عضو تيمم كما سيأتي، أو نحو ذلك؛ إذا لا فائدة في استمراره فيها حينئذ، وإلا بأن لم يجب عليه قضاء فرضها؛ بأن تيمم الأول بموضع يكثر فيه فقد الماء كالسفر، والثاني لغير ما ذكر .. فلا يبطل تيممه؛ لتلبسه بالمقصود بلا مانع من استمراره فيه؛ كوجود المكفر الرقبة في الصوم، ولأن إحباط الصلاة أشد ضرراً عليه من تكليفه شراء الماء بزيادة يسيرة.
ويبطل تيممه بسلامه من صلاته وإن علم تلفه قبله؛ لأنه ضعف بوجود الماء وكان مقتضاه بطلان الصلاة التي هو فيها، ولكن بقاءها لحرمتها.
وقوله: (ولكن أفضل ... ) إلى آخره؛ أي: الأفضل قطعها ليتوضأ، ويصلي بدلها لإتمامها فرضاً كانت أو نفلاً؛ كوجود المُكفِّر الرقبة في أثناء الصوم، وللخروج من خلال من حرم إتمامها، ويحرم قطع فريضة ضاق وقتها؛ لئلا يخرجها أو بعضها عنه مع إمكان أدائها فيه.
واستشكل عدم البطلان فيما ذكر بالبطلان فيما لو قلد الأعمى غيره في القبلة، ثم أبصر في الصلاة، مع أن الضرورة زالت فيهما؟ وأجيب عنه بأنه هنا قد فرغ من البدل وهو التيمم، بخلافه هناك؛ فإنه ما دام في الصلاة فهو مقلد.
ولو يُمِّم ميتٌ وصلي عليه ثم وُجِد الماء .. وجب غسله والصلاة عليه، سواء أكان في أثناء الصلاة أو بعدها، ذكره البغوي في "فتاويه"، ثم قال: ويحتمل ألا يجب، وما قاله في الحضر، أما السفر .. فلا يجب شيء من ذلك كالحي كما جزم به ابن سراقة في "تلقينه"، لكنه فرضه في الوجدان بعد الصلاة، فعلم أن صلاة الجنازة كغيرها، وإن تيمم الميت كتيمم الحي، ومن نوى شيئاً .. أتمه، ومن لم ينوه .. وجب الاقتصار على ركعتين، فإن رآه في ثالثة مثلاً .. أتمها.
стр. 108
ولو رأت حائض الماء وهو يجامعها .. وجب النزع، لا إن رآه هو، ولو رآه مسافر قاصر فنوى الإقامة أو الإتمام .. بطلت صلاته.
وقد علم مما قررته: أنه لا يصح حمل قول المصنف: (أما فيها) على توهم الماء كما سبق إلى بعض الأوهام من ظاهره؛ ويدل لما قررته: تقييده بطلان التيمم بتوهم الماء قبل ابتداء الصلاة.
وقوله: (ابتدا) بالقصر للوزن، وقوله: (ابطل) يصح كونه ماضياً مبنياً للفاعل وهو ضمير يعود إلى التيقن الذي قدرته، ومفعوله ضمير يعود على التيمم؛ أي: أبطل تيقن القدرة على استعمال الماء تيمم المتيقن، أو مبنياً للمفعول وهو التيمم، ويصير التقدير: أما تيمم متيقن القدرة على استعمال فيها ... إلى قوله: (أُبطل) أي: التيمم، أو أمراً؛ أي: أما تيمم المتيقن المذكور .. أَبِطله أنت، وقد يتوهم أن المصنف توسع بحذف الفاء من قوله: (وإلا لا) وليس كذلك؛ إذ الإتيان؛ إذ الإتيان فيه بالفاء جائز لا واجب.
(وَرِدَّةٌ تُبطل لا التوضِّي ... جدِّد تيمُّماً لكل فرض)
[الرِّدة تبطل التيمم]
أي: الردة تبطل التيمم لا الوضوء؛ أي: والغسل؛ لأن التيمم للإباحة ولا إباحة مع الردة، والوضوء والغسل يرفعان الحدث.
[وجوب تجديد التيمم لكل فرض]
وقوله: (جدد) أي جدد أنت وجوباً تيمماً لكل فرض، سواء أكان مكتوبة، أم طوافاً، أو منذوراً؛ لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿فتمموا﴾، فاقتضى وجوب الطهر لكل صلاة، خرج الوضوء بالسنة، فبقي التيمم على مقتضاه؛ ولما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه قال: (تيمم لكل صلاة وإن لم يحدث)، ولأنه طهارة ضرورية فيتقدر بقدرها.
أما تمكين الحائض مراراً، وجمعه مع فرض آخر بتيمم .. فإنهما جائزان.
стр. 109
وخرج بقوله: (لكل لفرض) النفل؛ فإنه يستبيح منه بالتيمم مع الفرض ما شاء، وصلاة الجنازة كالنافلة وإن تعينت، وله جمع الطواف الواجب وركعتيه بتيمم لا الجمعة وخطبتها، ولو صلى بتيمم فرضاً وأعاده به ولو وجوباً .. جاز على الأصح.
[حكم الجبيرة وما يتعلق بها من مسائل]
(يمسح ذو جبيرةٍ بالماء مع ... تيممٍ، ولم يعده إن وضع)
(على طهارةٍ، ولكن من على ... عضو تيمُّمٍ لصوقاً جعلا)
(وجنباً خيره أن يقدِّما ... ألغسل أو يُقدَّم التيمما)
وليتيمم محدثٌ إذ غسلا ... عليه ثمَّ الوضوء كمَّلا)
فيها أربع مسائل:
الأولى: أن صاحب الجبيرة يمسحها جميعاً بالماء إذا كانت بأعضاء الطهر، ومثلها: للصوف حين يغسل المحدث حدثاً أصغر العليل، فلا ينتقل عن عضو حتى يكمله غسلاً ومسحاً وتيمماً عنه، ويمسحها ذو الحدث الأكبر متى شاء مع تيمم، أما مسحها .. فلقوله ﷺ في مشجوج احتلم واغتسل فدخل الماء شجته ومات: "إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب رأسه بخرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده"، رواه أبو داود وغيره، وأما تعميمها به؛ فلأنه مسح للضرورة كالتيمم.
وفهم من تقييده بالماء: أنها لو كانت في عضو التيمم .. لم يجب مسحها بالتراب؛ لأنه ضعيف لا يؤثر من فوق حائل، بخلاف الماء؛ فإن تأثيره فوقه معهود في الخف، لكنه يسن خروجاً من الخلاف، والتيمم بدل عن غسل العليل، ومسح الساتر له بالماء بدل عن غسل ما تحت أطرافه من الصحيح كما في "التحقيق" وغيره، وعليه يحمل قول الرافعي: إنه بدل عما تحت الجبيرة.
وقضية ذلك: أنه لو كان الساتر بقدر العلة فقط، أو بأزيد وغسيل الزائد كله .. لا يجب المسح وهو ظاهر، فإطلاقهم وجوب المسح .. جري على الغالب من أن الساتر يأخذ زيادة على
стр. 110
محل العلة، ومعلوم: أنه يجب غسل الصحيح من أعضاء الطهر ولو ما تحت أطراف الساتر من صحيح ولو بأجرة فاضلة عما مر في نظيره من الوضوء؛ لأن علة بعض العضو لا تزيد على فقده، ولو فقد .. وجب غسل الباقي.
الثانية: أن من غسل الصحيح ومسح الساتر وتيمم وصلى .. لا يعيد ما صلاه بذلك إن وضع الساتر على طهارة؛ أي: ولم يأخذ من الصحيح إلا ما لا بد منه للاستمساك؛ لأنه حينئذ وقد مسح بالماء كما تقدم وجوبه شبيهٌ بالخف، وماسحه لا يعيد.
وخرج بقوله: (إن وضع على طهارة) ما لو وضعه على حدث .. فإنه تجب عليه الإعادة؛ لانتفاء شبهه حينئذ بالخف؛ لأنه كان يجب عليه نزعه إن لم يخف منه ضرراً ليتطهر فيضعه على طهر.
الثالثة: أن من وضع الجبيرة، أو اللَّصوق على عضو تيممٍ ومسحه وغسل الصحيح كما مر وصلى .. تجب عليه إعادة ما صلاه به؛ لنقصان البدل والمبدل.
و(الجبيرة): ألواح تهيأ للكسر أو الخلع، و (اللَّصوق) بفتح اللام: ما كان على جرح من قطنة أو خرقة أو نحوها.
الرابعة: أن العليل إذا لم يكن عليه ساتر .. فالواجب حينئذ أمران: غسل الصحيح، والتيمم، ثم إن كان حدثه أكبر .. تخيَّر بين أن يقدم الغسل وأن يقدم التيمم؛ إذ لا ترتيب يبهما؛ لأن بدنه كعضو واحد، وإن كان حدثه أصغر .. وجب عليه التيمم وقت غسل العليل؛ رعاية لترتيب الوضوء، ثم يكمل الوضوء.
والأولى في القسمين تقديم التيمم؛ ليزيل الماء أثر التراب.
وأفهم كلامه: أنه لو كانت العلة على أكثر من عضو في الوضوء .. وجب لكل عضو عليل تيمم وقت غسله، وهو كذلك.
نعم؛ إن كانت في يديه أو رجليه .. كفاه تيمم واحد؛ لعدم وجوب الترتيب بينهما، لكن لسنِّيَّته يسن تيممان، قال في "المجموع": فإن قيل: إذا كانت العلة في وجهه ويده، وغسل صحيح الوجه أولاً .. جاز توالي تيممهما، فلم لا يكفيه تيمم واحد؛ كمن عمت العلة أعضاءه؟ فالجواب: أن التيمم هنا في طهر تحتم فيه الترتيب، فلو كفاه تيمم .. حصل تطهير الوجه واليد في حالة واحدة، وهو ممتنع، بخلاف التيمم عن الأعضاء كلها؛ لسقوط الترتيب بسقوط الغسل. انتهى.
следующие страницы →