Полный текст (924 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
[ما يحرم التيمم به]
(حرامه: تراب مسجدٍ، وما ... في الشرع الاستعمال منه حُرِّما)
فيه مسألة:
وهي: أنه يحرم التيمم بتراب المسجد؛ تعظيماً له لأنه جزؤه، والمراد به: الجزء الداخل في وقفه، لا ما يجتمع فيه من حمل الريح ونحوه، وبكل تراب حرم الشارع استعماله كالمغصوب والمسروق؛ لما فيه من استعمال ملك الغير بغير إذنه.
ويؤخذ من كلام المصنف: صحة التيمم بالتراث الذي يحرم التيمم به؛ لإضافته (حرام) لضمير المتيمم وهو الأصح، وقيل: لا يصح إذا قلنا بأنه رخصة.
وقوله: (وما في الشرع ... ) إلى آخره من عطف العام على الخاص؛ فإن تراب المسجد مما حرم الشارع استعماله، وألف (حرما) للإطلاق، ويصح بناؤه للفاعل وللمفعول.
[مبطلات التيمم]
ثم شرع فيما يبطل التيمم فقال:
(مبطله: ما أبطل الوضوء مع ... توهُّم الماء بلا شيءٍ منع)
(قبل ابتدا الصلاة، أمَّا فيها ... فمن عليه واجبٌ يقضيها)
(أبطل، وإلا لا، ولكن أفضل ... إبطالها كي بالوضوء تفعل)
أي: أن التيمم يبطله ما أبطل الوضوء من الأسباب السابقة، ويزيد التيمم ببطلانه بتوهم الماء؛ أي: بأن يقع في وهم المتيمم لفقده - أي: ذهنه - وجوده بأن جوَّزه وإن زال سريعاً أو لم يكفه الماء أو ضاق الوقت؛ كأن يسمع قائلاً يقول: (عندي ماء أودعنيه فلان) بلا مانع منه، قبل ابتداء الصلاة؛ بأن لم يفرغ من تكبيرة الإحرام؛ لوجوب الطلب حينئذ، ولأنه لم يشرع في المقصود .. فصار كما لو توهمه في أثناء التيمم، وهذا معنى قوله: (مع توهم الماء ... ) إلى آخره، وهذا بخلاف توهمه السترة؛ لعدم وجوب طلبها.
وفهم من كلامه: بطلان التيمم بتيقن الماء بالأولى، وخرج بقوله: (بلا شيء منع) ما لو
стр. 107
اقترن بمانع من استعماله؛ كعطش، وسبع يحول بينه وبينه، وسماع من يقول: (أودعني فلان ماء) وهو يعلم غيبته .. فلا يبطل التيمم حينئذ، وبقوله: (قبل ابتدا الصلاة) ما لو شرع فيا .. فلا يبطل تيممه بتوهم ولا شك ولا ظن.
وقد ذكر حكم اليقين في قوله: (أما فيها) يعني: إن تيقن القدرة على استعمال الماء في الصلاة فرضاً كانت أو نفلاً؛ بأن تيقن وجوده إن تيمم لفقده، أو حصل الشفاء إن تيمم لمرض أو نحوه .. يبطل التيمم إن وجب عليه قضاء فرضها؛ بأن تيمم الأول بموضع يندر فيه فقد الماء كالحضر، والثاني لبرد أو كان بجرحه دم كثير، أو وضع الساتر على حَدَث، أو عضو تيمم كما سيأتي، أو نحو ذلك؛ إذا لا فائدة في استمراره فيها حينئذ، وإلا بأن لم يجب عليه قضاء فرضها؛ بأن تيمم الأول بموضع يكثر فيه فقد الماء كالسفر، والثاني لغير ما ذكر .. فلا يبطل تيممه؛ لتلبسه بالمقصود بلا مانع من استمراره فيه؛ كوجود المكفر الرقبة في الصوم، ولأن إحباط الصلاة أشد ضرراً عليه من تكليفه شراء الماء بزيادة يسيرة.
ويبطل تيممه بسلامه من صلاته وإن علم تلفه قبله؛ لأنه ضعف بوجود الماء وكان مقتضاه بطلان الصلاة التي هو فيها، ولكن بقاءها لحرمتها.
وقوله: (ولكن أفضل ... ) إلى آخره؛ أي: الأفضل قطعها ليتوضأ، ويصلي بدلها لإتمامها فرضاً كانت أو نفلاً؛ كوجود المُكفِّر الرقبة في أثناء الصوم، وللخروج من خلال من حرم إتمامها، ويحرم قطع فريضة ضاق وقتها؛ لئلا يخرجها أو بعضها عنه مع إمكان أدائها فيه.
واستشكل عدم البطلان فيما ذكر بالبطلان فيما لو قلد الأعمى غيره في القبلة، ثم أبصر في الصلاة، مع أن الضرورة زالت فيهما؟ وأجيب عنه بأنه هنا قد فرغ من البدل وهو التيمم، بخلافه هناك؛ فإنه ما دام في الصلاة فهو مقلد.
ولو يُمِّم ميتٌ وصلي عليه ثم وُجِد الماء .. وجب غسله والصلاة عليه، سواء أكان في أثناء الصلاة أو بعدها، ذكره البغوي في "فتاويه"، ثم قال: ويحتمل ألا يجب، وما قاله في الحضر، أما السفر .. فلا يجب شيء من ذلك كالحي كما جزم به ابن سراقة في "تلقينه"، لكنه فرضه في الوجدان بعد الصلاة، فعلم أن صلاة الجنازة كغيرها، وإن تيمم الميت كتيمم الحي، ومن نوى شيئاً .. أتمه، ومن لم ينوه .. وجب الاقتصار على ركعتين، فإن رآه في ثالثة مثلاً .. أتمها.
стр. 108
ولو رأت حائض الماء وهو يجامعها .. وجب النزع، لا إن رآه هو، ولو رآه مسافر قاصر فنوى الإقامة أو الإتمام .. بطلت صلاته.
وقد علم مما قررته: أنه لا يصح حمل قول المصنف: (أما فيها) على توهم الماء كما سبق إلى بعض الأوهام من ظاهره؛ ويدل لما قررته: تقييده بطلان التيمم بتوهم الماء قبل ابتداء الصلاة.
وقوله: (ابتدا) بالقصر للوزن، وقوله: (ابطل) يصح كونه ماضياً مبنياً للفاعل وهو ضمير يعود إلى التيقن الذي قدرته، ومفعوله ضمير يعود على التيمم؛ أي: أبطل تيقن القدرة على استعمال الماء تيمم المتيقن، أو مبنياً للمفعول وهو التيمم، ويصير التقدير: أما تيمم متيقن القدرة على استعمال فيها ... إلى قوله: (أُبطل) أي: التيمم، أو أمراً؛ أي: أما تيمم المتيقن المذكور .. أَبِطله أنت، وقد يتوهم أن المصنف توسع بحذف الفاء من قوله: (وإلا لا) وليس كذلك؛ إذ الإتيان؛ إذ الإتيان فيه بالفاء جائز لا واجب.
(وَرِدَّةٌ تُبطل لا التوضِّي ... جدِّد تيمُّماً لكل فرض)
[الرِّدة تبطل التيمم]
أي: الردة تبطل التيمم لا الوضوء؛ أي: والغسل؛ لأن التيمم للإباحة ولا إباحة مع الردة، والوضوء والغسل يرفعان الحدث.
[وجوب تجديد التيمم لكل فرض]
وقوله: (جدد) أي جدد أنت وجوباً تيمماً لكل فرض، سواء أكان مكتوبة، أم طوافاً، أو منذوراً؛ لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿فتمموا﴾، فاقتضى وجوب الطهر لكل صلاة، خرج الوضوء بالسنة، فبقي التيمم على مقتضاه؛ ولما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه قال: (تيمم لكل صلاة وإن لم يحدث)، ولأنه طهارة ضرورية فيتقدر بقدرها.
أما تمكين الحائض مراراً، وجمعه مع فرض آخر بتيمم .. فإنهما جائزان.
стр. 109
وخرج بقوله: (لكل لفرض) النفل؛ فإنه يستبيح منه بالتيمم مع الفرض ما شاء، وصلاة الجنازة كالنافلة وإن تعينت، وله جمع الطواف الواجب وركعتيه بتيمم لا الجمعة وخطبتها، ولو صلى بتيمم فرضاً وأعاده به ولو وجوباً .. جاز على الأصح.
[حكم الجبيرة وما يتعلق بها من مسائل]
(يمسح ذو جبيرةٍ بالماء مع ... تيممٍ، ولم يعده إن وضع)
(على طهارةٍ، ولكن من على ... عضو تيمُّمٍ لصوقاً جعلا)
(وجنباً خيره أن يقدِّما ... ألغسل أو يُقدَّم التيمما)
وليتيمم محدثٌ إذ غسلا ... عليه ثمَّ الوضوء كمَّلا)
فيها أربع مسائل:
الأولى: أن صاحب الجبيرة يمسحها جميعاً بالماء إذا كانت بأعضاء الطهر، ومثلها: للصوف حين يغسل المحدث حدثاً أصغر العليل، فلا ينتقل عن عضو حتى يكمله غسلاً ومسحاً وتيمماً عنه، ويمسحها ذو الحدث الأكبر متى شاء مع تيمم، أما مسحها .. فلقوله ﷺ في مشجوج احتلم واغتسل فدخل الماء شجته ومات: "إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب رأسه بخرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده"، رواه أبو داود وغيره، وأما تعميمها به؛ فلأنه مسح للضرورة كالتيمم.
وفهم من تقييده بالماء: أنها لو كانت في عضو التيمم .. لم يجب مسحها بالتراب؛ لأنه ضعيف لا يؤثر من فوق حائل، بخلاف الماء؛ فإن تأثيره فوقه معهود في الخف، لكنه يسن خروجاً من الخلاف، والتيمم بدل عن غسل العليل، ومسح الساتر له بالماء بدل عن غسل ما تحت أطرافه من الصحيح كما في "التحقيق" وغيره، وعليه يحمل قول الرافعي: إنه بدل عما تحت الجبيرة.
وقضية ذلك: أنه لو كان الساتر بقدر العلة فقط، أو بأزيد وغسيل الزائد كله .. لا يجب المسح وهو ظاهر، فإطلاقهم وجوب المسح .. جري على الغالب من أن الساتر يأخذ زيادة على
стр. 110
محل العلة، ومعلوم: أنه يجب غسل الصحيح من أعضاء الطهر ولو ما تحت أطراف الساتر من صحيح ولو بأجرة فاضلة عما مر في نظيره من الوضوء؛ لأن علة بعض العضو لا تزيد على فقده، ولو فقد .. وجب غسل الباقي.
الثانية: أن من غسل الصحيح ومسح الساتر وتيمم وصلى .. لا يعيد ما صلاه بذلك إن وضع الساتر على طهارة؛ أي: ولم يأخذ من الصحيح إلا ما لا بد منه للاستمساك؛ لأنه حينئذ وقد مسح بالماء كما تقدم وجوبه شبيهٌ بالخف، وماسحه لا يعيد.
وخرج بقوله: (إن وضع على طهارة) ما لو وضعه على حدث .. فإنه تجب عليه الإعادة؛ لانتفاء شبهه حينئذ بالخف؛ لأنه كان يجب عليه نزعه إن لم يخف منه ضرراً ليتطهر فيضعه على طهر.
الثالثة: أن من وضع الجبيرة، أو اللَّصوق على عضو تيممٍ ومسحه وغسل الصحيح كما مر وصلى .. تجب عليه إعادة ما صلاه به؛ لنقصان البدل والمبدل.
و(الجبيرة): ألواح تهيأ للكسر أو الخلع، و (اللَّصوق) بفتح اللام: ما كان على جرح من قطنة أو خرقة أو نحوها.
الرابعة: أن العليل إذا لم يكن عليه ساتر .. فالواجب حينئذ أمران: غسل الصحيح، والتيمم، ثم إن كان حدثه أكبر .. تخيَّر بين أن يقدم الغسل وأن يقدم التيمم؛ إذ لا ترتيب يبهما؛ لأن بدنه كعضو واحد، وإن كان حدثه أصغر .. وجب عليه التيمم وقت غسل العليل؛ رعاية لترتيب الوضوء، ثم يكمل الوضوء.
والأولى في القسمين تقديم التيمم؛ ليزيل الماء أثر التراب.
وأفهم كلامه: أنه لو كانت العلة على أكثر من عضو في الوضوء .. وجب لكل عضو عليل تيمم وقت غسله، وهو كذلك.
نعم؛ إن كانت في يديه أو رجليه .. كفاه تيمم واحد؛ لعدم وجوب الترتيب بينهما، لكن لسنِّيَّته يسن تيممان، قال في "المجموع": فإن قيل: إذا كانت العلة في وجهه ويده، وغسل صحيح الوجه أولاً .. جاز توالي تيممهما، فلم لا يكفيه تيمم واحد؛ كمن عمت العلة أعضاءه؟ فالجواب: أن التيمم هنا في طهر تحتم فيه الترتيب، فلو كفاه تيمم .. حصل تطهير الوجه واليد في حالة واحدة، وهو ممتنع، بخلاف التيمم عن الأعضاء كلها؛ لسقوط الترتيب بسقوط الغسل. انتهى.
стр. 111
وما قيل: من أن هذا الجواب لا يفيد؛ لأن حكم الترتيب باقٍ فيما يمكن غسله ساقطٌ في غيره، فيكفيه تيمم واحد عن والوجه واليدين .. رُدَّ بأن الطهر في العضو الواحد لا يتجزأ ترتيباً وعدمه، ومن ثمة لو عمت الرأس دون الثلاثة .. وجب أربعة تيممات.
وألف (جعلا) و (يقدِّما) و (التيمما) و (غسلا) للإطلاق.
[حكم من أراد صلاة فرض آخر بوضوء غسل فيه الصحيح وتيمم عن العليل]
(وإن يرد من بعده فرضاً وما ... أحدث فليُصلِّ إن تيمَّما)
(عن حدثٍ أو عن جنابةٍ، وقيل: ... يعيد محدثٌ لما بعد العليل)
أي: إن يرد من غسل الصحيح وتيمم كما مر وصلى به فريضة فرضاً آخر ولم يحدث .. صلى إن أعاد التيمم وحده، وما قيل: إنه لو تعدد؛ كأن تيمم في الأول أربعة تيممات أعادها .. مفرع على رأي الرافعي، ولا يعيد غسل الصحيح، سواء أكان حدثه أصغر أم أكبر؛ لأن الوضوء الكامل لا يعاد فكذا بعضه، ولأن ما غسله .. ارتفع حدثه وناب التيمم عن غيره فتم طهره، وإنما أعيد التيمم؛ لضعفه عن أداء الفرض لا لبطلانه، وإلا .. لم يتنقل به، واللازم باطل، بخلاف إغفال اللمعة.
وقيل: يعيد المحدث غسل ما بعد عليله ورجحه الرافعي؛ فإنه لما وجب إعادة تطهير عضو .. خرج ذلك العضو عن كونه تام الطهر، فإن أتمه .. وجب إعادة ما بعده؛ كما لو أغفل لمعة من وجهه مثلاً، بخلاف الغسل؛ غذ لا ترتيب فيه.
وخرج بـ (الفرض): النفل، فلا يعيد له شيئاً، وبقوله: (وما حدث): ما إذا أحدث؛ فإنه يعيد الطهر كله.
ولو غسل ذو الحدث الأكبر الصحيح، وتيمم عن علة في غير أعضاء الوضوء، ثم أحدث قبل أن يصلي فرضاً .. لزمه الوضوء لا التيمم؛ لأن تيممه عن غير أعضاء الوضوء فلا يؤثر فيه الحدث، ولو صلى فرضاً، ثم أحدث .. توضأ للنفل ولا يتيمم.
وألف (تيمما) للإطلاق.
стр. 112
[فاقد الطهورين]
(ومن لماءٍ وترابٍ فقدا ... الفرض صلى، ثم مهما وجدا)
(من ذين فرداً حيث يسقط القضا ... به فتجديدٌ عليه فُرضا)
فيهما مسألة:
وهي: أن من فقد الماء والتراب؛ كأن حبس بموضع لم يجد فيه واحداً منهما، أو وجد التراب ندياً ولم يقدر على تجفيفه بنار نحوها .. لزمه أن يصلي الفرض؛ لحرمة الوقت، ولاستطاعة فعله؛ كالعاجز عن السترة وإزالة النجاسة والاستقبال، وتكون صلاته صحيحة على الأصح، ولهذا تبطل بالحدث، وكذا برؤية أحد الطهورين في أثنائها في الأصح، قاله في "المجموع".
وخرج بفرض الوقت المشار إليه بآلة التعريف: الفائتة، والنافلة، ومس المصحف، وحمله، ومكث ذي الحدث الأكبر في المسجد، وقراءته القرآن في غير الصلاة، وقراءته فيها غير (الفاتحة)، ووطء منقطعة الحيض أو النفاس؛ فإنها تحرم، ولا يعرف من يباح له فرض دون نفل .. إلا من عدم الماء والتراب، أو السترة، أو عليه نجاسة عجز عن إزالتها، ولا يلزمه قضاء ذلك الفرض إلا إذا وجد الماء، أو التراب بمحل يسقط فيه الفرض بالتيمم.
وألف (فقدا) و (وجدا) و (فرضا) للإطلاق، ويجوز بناؤه للفاعل وهو الله تعالى، وللمفعول له وهو التجديد.
* * *
стр. 113
بابُ الحَيض
أي: والنفاس والاستحاضة، وترجم الباب الحيض؛ لأن أحكامه أغلب.
وهو لغة: السيلان، وشرعاً: دم جبلة يخرج من أقصى رحم المرأة في أوقات مخصوصة، والاستحاضة: دم علة يخرج من عرق فمه في أدنى الرحم يسمى العاذل بالذال المعجمة، وحكى ابن سيده إهمالها، والجوهري بدل اللام راء، وسواء أخرج إثر الحيض أم لا، والنفاس: الدم الخارج بعد فراغ رحم المرأة من الحمل.
(إمكانه من بعد تسعٍ، والأقل ... يومٌ وليلةٌ، وأكثر الأجل)
(خمسٌ إلى عشرةٍ، والغالب ... ستٌ، وإلا سبعةٌ تقارب)
فيهما مسألتان:
[أقل إمكان الحيض]
الأولى: أقل سن يمكن أن تحيض فيه المرأة استكمال تسع سنين قمرية تقريباً للاستقراء؛ لأن ما لا ضابط له في الشرع ولا في اللغة .. يرجع فيه إلى الوجود، وقد قال الشافعي: أعجل من سمعت من النساء يحضن نساء تهامة؛ يحضن لتسع سنين.
فلو رأت الدم قبل استكمال التسع بما لا يسع حيضاً وطهراً .. كان حيضاً، وما دامت المرأة حية .. فحيضها ممكن كما قاله الماوردي، وقال المحاملي: آخره ستون سنة.
[أقل الحيض وأكثره]
الثانية: أقل زمنه: يوم وليلة؛ أي: قدر ذلك متصلاً وهو أربع وعشرون ساعة، وأكثره: خمسة عشرة يوماً بلياليها وإن تقطع، وغالبه: ستة أو سبعة؛ للاستقراء فيها.
وحذف المصنف التاء من (خمس) و (ست) لكون المعدود محذوفاً؛ إذ هو سائغ حينئذ
стр. 114
لا للنظر إلى الليالي، وإلا .. لحذفها أيضاً من (عشرة) و (سبعة)، وحذفه الفاء من (سبعة) جائز على ندور؛ كما في خبر البخاري من قوله ﷺ : "فإن جاء صاحبها، وإلا .. استمتع بها".
[أقل النفاس وأكثره وغالبه]
(أدنى النفاس لحظةٌ، ستونا ... أقصاه، والغالب أربعونا)
أي: أقل النفاس: لحظة، وأكثره: ستون يوماً، وغالبه: أربعون يوماً فيما استقرأه الشافعي، وعبر بدل اللحظة في "التحقق" و"التنبيه" وغيرهما بـ (المجة) أي: الدفعة، وفي "الروضة" و"أصلها" بأنه لا حد لأقله؛ أي: لا يتقدر، بل ما وجد منه وإن قل .. يكون نفاساً، ولا يوجد أقل من مجة، ويعبر عن زمانها باللحظة، فالمراد من العبارات واحد.
وألف (ستونا) و (أربعونا) للإطلاق.
[أحكام المستحاضة وأقسامها]
(إن عبر الأكثر واستداما ... فمستحاضةٌ حوت أحكاما)
أي: إن جاوز الدم أكثر الحيض أو النفاس؛ فمن جاوز دمها ذلك .. فمستحاضة حوت أحكاماً كثيرة:
منها: أنه حدث دائم تصلي معه وتصوم وتوطأ والدم يجري، وتغسل فرجها وتحشوه بنحو قطنه إن كانت مفطرة ولم تتأذ به، فإن احتاجت إلى الشد .. فعلته إن لم تتأذ به، فتتوضأ في الوقت، وتستبيح فرضاً ونوافل كالمتيمم، وتجدد الاحتياط لكل فرض ولو لم تزل العصابة؛ كما لو انتقض طهرها، وتبادر بالصلاة، ولا يضر تأخيرها لمصلحة الصلاة كستر وانتظار جماعة، ولا خروج الدم بلا تقصير، والسلس يحتاج مثلها، فإن أخرت لغيرها .. بطل وضوؤها، ويبطل بالشفاء، وبانقطاع يسع الطهارة والصلاة.
стр. 115
ومنها: أنها تنقسم إلى:
مبتدأة مميزة وهي ذات قوي وضعيف؛ فالحيض: القوي إن لم ينقص عن أقله، ولم يجاوز أكثره، ولم ينقص الضعيف عن خمسة عشرة يوماً متصلة، والقوة: سوادٌ، ثم حمرةٌ، ثم شقرةٌ، ثم صفرة، والثخانة، والنتن، فإن استويا .. فالسابق، وغير مميزة لفقد شرط أو اتحاد صفته: فإن لم تعرف ابتداءه .. فكمتحيرة، وإن عرفته .. فحيضها يوم وليلة من أوله، وطهرها تسع وعشرون.
وإلى معتادة مميزة، فيقدم التمييز على العادة، فإن أمكن الجمع بينهما .. عمل بهما؛ وغير مميزة .. فترد إليها قدراً ووقتاً، وثبت بمرة، وأما العادة المختلفة .. فبمرتين، ثم إن اتسقت وعلمت اتساقها .. عملت بهن وإلا .. اغتسلت آخر كل نوبة واحتاطت إلى أكثر النوب.
وإلى متحيرة؛ بأن لم تعلم قدر عادتها ولا وفتها؛ فيلزمها ما لزم الطاهر، ويحرم عليها ما يحرم على الحائض إلا القراءة في الصلاة، ولها أن تصلي النوافل وتصومها وتطوفها، ويجب أن تغتسل لكل فريضة في وقتها، ولا يبطل الغسل بتأخير، وتصوم رمضان وثلاثين يوماً فيبقى عليها يومان وإن نقص، لا إن علمت أنه كان ينقطع ليلاً، والضابط: أن من عليها سبعة أيام فما دونها .. تصومها بزيادة يوم متفرقة في خمسة عشر، ثم تعيد صوم كل يوم غير الزيادة يوم سابع عشره، ولها تأخيره إلى خامس عشر ثانية، ومن عليها أربعة عشر فما دونها .. تصومه ولاء مرتين الثانية من السابع عشر، وتزيد يومين بينهما.
فإن حفظت الوقت .. فهي حائض حين لا يحتمل الطهر، وطاهر حين لا يحتمل الحيض، وإن احتملهما .. احتاطت، ولا يلزمها الغسل إلا لاحتمال الانقطاع.
وإن حفظت قدر عادتها .. فلا يخرجها عن التحير المطلق إلا أن حفظت معه قدر الدور وابتداءه.
وترد المبتدأة في النفاس إلى التمييز بشرط ألا يزيد القوي على ستين يوماً، ولا ضبط في الضعيف، وغير المميزة .. إلى اللحظة في الأظهر، والمعتادة المميزة .. إلى التمييز لا العادة، وغير المميزة الحافظة .. إلى العادة، وتثبت بمرة، وتحتاط المتحيرة.
وألف (استداما) للإطلاق.
стр. 116
[أكثر وقت الطهر وأقله وغالبه]
(لم ينحصر أكثر وقت الطهر ... أما أقله فنصف شهر)
فيه مسألتان:
الأولى: أنه لا أحد لأكثر وقت الطهر بالإجماع؛ لأن المرأة قد لا تحيض أصلاً، أو تحيض في عمرها مرة.
الثانية: أقله؛ أي: الطهر المعهود وهو الذي بين الحيضتين: خمسة عشر يوماً، وهي نصف الشهر الكامل؛ لأنه إذا كان أكثر الحيض خمسة عشر .. لزم أن يكون أقل الطهر: خمسة عشر، والمراد بالشهر في هذا الباب: ثلاثون يوماً.
واحترز بقولهم: (بين الحيضتين) عن الطهر بين الحيض والنفاس؛ فإنه يجوز أن يكون دون خمسة عشر يوماً، سواء أتقدم الحيض على النفاس؛ بناء على أن الحامل تحيض وهو الأظهر، بل لو اتصلت ولادتها بالدم .. كان حيضاً أيضاً، أم تأخر بأن رأت أكثر النفاس، ثم انقطع الدم، ثم عاد قبل خمسة عشر يوماً.
وغالب الطهر: بقية الشهر بعد غالب الحيض.
ثم شرع في بيان أحوال الحمل فقال:
(ثم أقل الحمل ستُّ أشهر ... وأربع الأعوام أقصى الأكثر)
(وثلث عامٍ غاية التصور ... وغالب الكامل تسع أشهر)
فيهما أربع مسائل:
[أقل مدة الحمل]
الأولى: أقل مدة الحمل: ستة أشهر؛ لان عثمان أتى بامرأة قد ولدت لستة أشهر فشاور القوم في رجمها، فقال ابن عباس: (أنزل الله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾، وأنزل: ﴿وفصاله في عامين﴾، فالفصل في عامين، والحمل في ستة
стр. 117
أشهر)، فرجعوا إلى قوله، فصار إجماعاً.
وسكت المصنف عن لحظة العلوق ولحظة الوضع؛ للعلم بهما.
[أكثر مدة الحمل]
الثانية: أكثر مدة الحمل: أربع سنين؛ للاستقراء، فقد قال مالك: (هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدق، وزوجها أيضاً رجل صدق، وحملت ثلاثة أبطن في اثني عشرة سنة كل بطن أربع سنين).
[غاية تصور الجنين]
الثالثة: غاية تصور الجنين - أي: نهايته -: أربعة أشهر؛ أي: مئة وعشرون يوماً؛ لخبر "الصحيحين": "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح"، وأما ما رواه مسلم من أنه: "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة .. بعث الله إليها ملكاً فصورها ... " الحديث .. فأجاب عنه الأستاذ وغيره: بأن بعثه الملك في الأربعين الثانية؛ للتصوير، وخلق السمع والبصر، والجلد واللحم والعظام، والتمييز بين الذكر والأنثى، وبعثه بعد الأربعين الثالثة؛ لنفخ الروح، وقد حصلت المغايرة بين البعثتين. انتهى.
والحديثان كالصريحين في هذا الجمع، ويمكن حمل كلام المصنف عليه بمعنى: أن غاية تصور الجنين نفخ الروح فيه، وسكت عن لحظة العلوق ولحظة الوضع؛ للعلم بهما.
[غالب مدة الحمل]
الرابعة: غالب مدة حمل الولد الكامل: تسعة أشهر؛ للاستقراء، وحذف التاء من (ست) و (أربع) و (تسع) للنظر لليالي أو للوزن.
стр. 118
(بالحَدَثِ الصلاة مع تطوُّف ... حَرَّم، وللبالغ حمل المصحف)
(ومشيه، ومع ذي الأربعة ... للجنب اقتراء بعض آية)
(قصداً، ولبث مسجدٍ للمسلم ... والمبحيض والنفاس حرِّم)
ألست مع تمتعٍ برؤية ... واللمس بين سرةٍ وركبة)
(إلى اغتسالٍ أو بديلٍ، يمتنع ... ألصَّوم والطلاق حتى ينقطع)
في هذه الأبيات ثلاثة مسائل:
[ما يحرم بالحدث الأصغر]
الأولى: أنه يحرم بالحدث الأصغر أمور:
الأول: الصلاة؛ للإجماع، ولخبر "الصحيحين": "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث .. حتى يتوضأ"، ومنها: صلاة الجنازة، وفي معناها خطبة الجمعة، وسجدة التلاوة والشكر، قال النووي: وأما سجود عوام الفقراء بين يدي المشايخ .. فحرام بالإجماع ولو بطهر، قال ابن الصلاح: ويخشى أن يكون كفراً، وقوله تعالى: ﴿وخروا له سجداً﴾ منسوخ أو مؤول، وظهار: أن التحريم المترتب على الحدث الأصغر والأكبر يرتفع بطهارة دائم الحدث وبالتيمم، وأن فاقد الطهورين يجب عليه أن يصلي الفريضة المؤداة.
الثاني: التطوف؛ أي: الطواف بالبيت بأنواعه؛ لأنه ﷺ توضأ له وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" رواه مسلم، ولخبر: "الطواف بمنزلة الصلاة، إلا أن الله قد أحل فيه المنطق، فمن نطق .. فلا ينطق إلا بخير" رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم.
الثالث والرابع: حمل المصحف ومسه على البالغ ولو كافراً، أما مسه ولو للبياض المتخلل والحواشي ومن وراء حائل وبغير أعضاء الوضوء .. فلقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾، بمعنى: المتطهرين، وهو خبر بمعنى النهي؛ كقوله تعالى: ﴿لا تضار والدةٌ بولدها﴾
стр. 119
على قراءة الرفع، ولو كان باقياً على أصله .. لزم الخلف في كلامه تعالى؛ لأن غير المتطهر يمسه، وأما حمله .. فلأنه أبلغ من مسه.
وخرج بالحمل والمس: قلبه أوراقه بعود أو نحوه .. فإنه يجوز كما صححه النووي؛ لأنه ليس بحمل ولا في معناه، وصحح الرافعي تحريمه؛ لأنه في معنى الحمل؛ لانتقاله الورقة بفعل القالب من جانب إلى آخر.
ومثل المصحف في التحريم: جرده وإن انفصل عنه، وظرفه المعد له إذا كان فيه، وما كتب لدرس قرآن كاللوح.
وخرج بـ (البالغ): الصبي المميز ولو جنباً، فلا يمنع من ذلك؛ لحاجة تعلمه ومشقة استمراره متطهراً، وبـ (المصحف): الحديث والفقه ونحوهما، والتفسير إذا كان قرآنه أقل منه؛ فلا يحرم مسها وحملها، ويجوز حمل المصحف في متاع إذا لم يكن هو المقصود بالحمل.
ويجب على العاجز عن الطهارة أخذ مصحف خاف عليه تنجساً أو كافراً أو تلفاً بنحو غرق أو حرق؛ للضرورة، ويجوز له أخذه إن خاف عليه ضياعاً.
[ما يحرم على الجنب]
الثانية: أنه يحرم على الجنب ولو كافراً مع هذه الأربعة شيئان:
أحدهما: اقتراء؛ أي: قراءة شيء من القرآن ولو بعض آية كحرف قصداً؛ أي: في حال كونه قاصد القراءة؛ للإخلال بالتعظيم، ولخبر الترمذي وغيره: "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن"، و (يقرأ): روي بكسر الهمزة على النهي، وبضمها على الخبر المراد به النهي، ذكره في "المجموع"، وسواء أقصد مع ذلك غيرها أم لا، فإن لم يقصدها بأن قصد غيرها، أو لم يقصد شيئاً .. فلا تحريم؛ لعدم الإخلال؛ لأنه لا يكون قرآناً إلا بالقصد كما قاله النووي وغيره، وظاهره: أن ذلك جارٍ فيما يوجد نظمه في غير القرآن؛ كالبسملة، والحمدلة، وما لا يوجد نظمه إلا فيه؛ كـ (سورة الإخلاص)، و (آية الكرسي)، وهو كذلك وإن خالف في الشق الثاني بعضهم.
стр. 120
وخرج بما ذكر: إجراء القرآن على قلبه ولو بنظره في المصحف، وتحريك لسانه وهمسه بحيث لا يسمع نفسه، وقراءة ما نسخت تلاوته، فلا تحرم؛ لأنها ليست بقراءة قرآن، بخلاف إشارة الأخرس، وتقدم أن فاقد الطهورين يقرأ (الفاتحة) فقط في الصلاة.
ثانيهما: لبث المسلم في المسجد ولو كان متردداً فيه؛ لقوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ الآية، قال ابن عباس وغيره: أي: مواضعها؛ لأنه ليس فيها عبور سبيل، بل في موضعها وهو المسجد، ونظيره قوله تعالى: ﴿لهُدِّمت صوامع وبيعٌ وصلوات﴾، ولخبر: "إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" رواه أبو داود وغيره، وحسنه ابن القطان.
وخرج بـ (اللبث): العبور؛ فإنه جائز؛ للآية، ولأنه لا قربة فيه، وفي اللبث قربة الاعتكاف ومع جوازه لا كراهة فيه، لكن الأولى ألا يعبر إلا لحاجة، قاله في "المجموع"، ثم نقل كراهته بلا حاجة عن المتولي والرافعي، وبها جزم في "الروضة" تبعاً لهما، قيل: وهو الموافق لما نقله في "المجموع" عن النص من كراهة عبور الحائض المسجد. انتهى، والفرق بينهما واضح.
وخرج بـ (المسجد) غيره؛ كمصلى العيد والمدرسة والرباط، فلا يحرم لبثه فيها.
ومحل تحريم اللبث: عند عدم الضرورة، أما عندها .. فلا يحرم؛ كما لو احتلم فيه ولم يمكنه الخروج لخوف أو غلق باب أو نحوه، ويجب التيمم إن وجد غير تراب المسجد؛ كما ذكره جمع منهم القفال والروياني والنووي في "الروضة" أخذاً من قول "أصلها": (وليتيمم) بلام الأمر، ولا ينافيه قوله في "الشرح الصغير": ويحسن أن يتيمم؛ لأن الواجب حسن، على أنه قيل: إن قوله: (يحسن) مصحّف عن (يجب)، أما تراب المسجد وهو الداخل في وقفه لا المجتمع من ريح ونحوه .. فلا يتيمم به؛ كما لو لم يجد إلا تراباً مملوكاً لغيره، ذكره في "المجموع".
стр. 121
وقد قام المصنف تحريم التيمم بالتراب المذكور في (باب التيمم).
وخرج بـ (المسلم): الكافر، فلا يمنع من اللبث بالمسجد وإن كان مكلفاً بفروع الشريعة؛ لأنه لا يعتقد حرمته، بخلاف المسلم؛ كالحربي لا يضمن ما أتلفه؛ لأنه لم يلتزم الضمان، بخلاف المسلم والذمي والمعاهد والمستأمن والمرتد إذا أتلفوا، لكن ليس للكافر ولو غير جنب دخول المسجد إلا أن يكون له حاجة؛ كإسلام وسماع قرآن، لا كأكل وشرب، وأن يأذن له مسلم في دخوله إلا أن يكون له خصومة وقد قعد الحاكم فيه للحكم، قال في "المجموع": ولا يجوز تعليم القرآن للكافر المعاند، ويُمنع تعلَّمه في الأصح، وغير المعاند إن لم يرج إسلامه .. لم يجز تعليمه، وإلا .. جاز في الأصح
[ما يحرم بالحيض والنفاس]
الثالثة: أنه يحرم بالمحيض؛ أي: الحيض والنفاس هذه الأمور الستة، مع زيادة تحريم تمتع بوطء أو غيره كلمس بلا حائل بين سرة وركبة للحائض والنفساء؛ لآية: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾، ولخبر أبي داود بإسناد جيد كما في "المجموع": أنه ﷺ سئل عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض فقال: "ما فوق الإزار"، وخصَّ بمفهومه عموم خبر مسلم: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح"، ولأن المباشرة بما تحت الإزار تدعو إلى الجماع فحرمت؛ لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، أما التمتع بما عدا ما بين السرة والركبة ولو بوطء بلا حائل أو بما بينهما بحائل بغير وطء في الفرج .. فجائز.
وتعبير المصنف بـ (التمتع) تبع فيه "الشرحين" و "المحرر" و "الروضة" و "الكفاية"، قال جماعة من المتأخرين: وهو يشمل الرؤية بشهوة، وتبعهم المصنف فصرح بها، وهذا إنما يتمشى على القول بتحريمها، والأصح: خلافه.
والمراد بـ (التمتع) في عبارة الكتب المذكورة: المباشرة، وهي التقاء البشر بشهوة، ولهذا عبر بها النووي في "مجموعه" و "تحقيقه".
стр. 122
ويستمر تحريم ما مر بالجنابة والحيض والنفاس إلى اغتسال، أو بديل عنه وهو التيمم عند العجز عن الاغتسال، أما في غير التمتع .. فلأن تحريمه للحدث وهو باق إلى الطهر، وأما فيه .. فلآية: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾.
وبالحيض والنفاس يمتنع الصوم؛ للإجماع على منعه وعدم صحته، ويجب قضاؤه، بخلاف الصلاة.
ويمتنع بهما أيضاً: الطلاق من الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ أي: في الوقت الذي يشرعن فيه في العدة، وبقية الحيض والنفاس لا يحسب من العدة، والمعنى فيه: تضررها بطول مدة التربص.
ويستمر المنع من الصوم والطلاق حتى ينقطع الدم؛ لأن المنع من الصوم للحيض والنفاس، ومن الطلاق لتطويل العدة، وقد زال ذلك بالانقطاع، وبقاء الغسل لا يمنع ذلك كالجنابة.
وقوله: (الصلاة) مفعول مقدم لفعل الأمر وهو (حرِّم)، و (حمل المصحف) و (مسَّه) و (اقتراء بعض آية) و (لبثَ مسجد) منصوبات به، والإضافة في قوله: (لبثّ مسجد) بمعنى: (في)، واللام في قوله: (للبالغ) و (للجنب) و (للمسلم) بمعنى: (على) أو (من)، وقوله: (واللمسِ) بالجر عطفاً على (رؤيةِ)، أو بالنصب بفعل الأمر وهو (حرم).
* * *
стр. 123
كتاب الصلاة
هي: لغة: الدعاء بخير؛ قال تعالى: ﴿وصل عليهم﴾ أي: ادع لهم، وشرعاً: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، والمفروض منها في كل يوم وليلة خمس، وهو معلوم من الدين بالضرورة.
والأصل فيها قبل الإجماع: آيات؛ كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ أي: حافظوا عليها دائماً بإكمال واجباتها وسننها، وقوله تعالى: ﴿فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ أي: محتمة مؤقتة، وأخبار في "الصحيحين"؛ كقوله ﷺ : "فرض الله على أمتي ليلة الإسراء خمسين صلاة، فلم أزل أراجعه وأسأله التخفيف حتى جعلها خمساً في كل يوم وليلة"، وقوله للأعرابي: "خمس صلوات في الليلة" قال الأعرابي: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوَّع".
[شروط وجوب الصلاة]
(فرضٌ على مكلَّفٍ قد أسلما .... وعن محيضٍ ونفاسٍ سلما)
أي: الصلوات الخمس فرضٌ على كل مكلف؛ وهو البالغ العاقل قد أسلم، وسلم عن حيض ونفاس وإن لم تغتسل؛ للإجماع، ومثل المكلف: من زال عقله بسبب محرم كشرب دواء يزيل العقل بلا حاجة أو مسكر وقد علم حالهما، فيخرج بـ (المكلف): الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق"، وبـ (من قد أسلم): الكافر الأصلي، فلا تجب عليه وجوب مطالبة بها في الدنيا؛ لعدم صحتها منه، ولكن تجب عليه وجوب عقاب عليها في الآخرة؛ لتمكنه من فعلها بالإسلام بأن يسلم ثم يأتي بها؛ بناء على أن الكافر مخاطب بالفروع وهو
стр. 124
الأصح، وبقوله: (وعن محيض ونفاس سلما): الحيض والنفاس، فلا تجب عليهما ولو في زمن الردة، والسكر؛ لعدم صحتها منهما، وإسقاطها عنهما عزيمة.
وشمل قوله: (قد أسلما): المرتد فتجب عليه؛ لأنه التزمها بالإسلام، فلا تسقط عنه بالردة؛ كحق الآدمي، فيلزمه قضاؤها بعد إسلامه؛ تغليظاً عليه، فتعبيره به أحسن من تعبير غيره بـ (مسلم).
وقوله: (فرض) خبر مبتدأ محذوف عائد على الصلاة، وألف (أسلما) و (سلما) للإطلاق.
(وواجبٌ على وليِّ الشَّرعي ... أن يأمر الطِّفل بها لسبع)
(والضَّرب في العشر، وفيها إن بلغ ... أجزت، ولم يعد إذا منها فرغ)
فيهما ثلاث مسائل:
[أمر الطفل بالصلاة والضرب على تركها]
الأولى: أنه يجب على الولي الشرعي أباً كان أو جداً أو وصياً أو قيماً - قال في "المهمات": وفي معناه: الملتقط ومالك الرقيق، وكذا المودع والمستعير ونحوهما، فيما يظهر-: أن يأمر الطفل ذكراً كان أو أنثى بالصلاة لسبع سنين؛ أي: لتمامهما بشرط تمييزه؛ بأن يصير بحيث يأكل وحده، ويشرب وحده، ويستنجي وحده، قال الطبري: ولا يقتصر في الأمر على مجرد صيغة، بل لابد معه من التهديد. انتهى.
وأن يضربه على تركها في العشر من السنين ولو عقب استكمال التسع سنين؛ لخبر أبي داود بإسناد حسن: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" ورواه الحاكم وصححه، وكذا الترمذي بدون: "فرقوا بينهم في المضاجع".
وذكروا لاختصاص الضرب بالعشر معنيين: أنه زمن احتمال البلوغ بالاحتلام، وأنه حينئذ يحتمل الضرب، وعدل المصنف عن قول غيره: (لعشر) لئلا يتوهم استكمالها، ويجب على الولي أيضاً نهيه عن المحرمات، وتعليمه الواجبات؛ كالطهارة، وأجرة تعليم الفرائض من
стр. 125
ماله، ثم على الأب، ثم على الأم، والأصح: أن للولي أن يصرف من مال الطفل أجرة ما سوى الفرائض كالقرآن والحديث والآداب؛ لأنه يستمر معه وينتفع به.
[بلوغ الطفل في الصلاة بالسن]
الثانية: لو بلغ الطفل في الصلاة بالسن .. أجزأته ولو عن الجمعة ولو أمكنه إدراكها؛ لأنه صلاها بشرائطها، فلزمه إتمامها وأجزأته، وقد يجب إتمام العبادة وإن كان أولها تطوعاً؛ كحج تطوع، وصوم مريض شفي في أثنائه، وحذف المصنف همزة (أجزأت) تخفيفاً.
[بلوغ الطفل بعد فراغه من الصلاة]
الثالثة: لو بلغ بعد فراعه من الصلاة بالسن أو الاحتلام أو الحيض .. أجزأته ولو عن الجمعة، ولا تجب إعادتها؛ لأنه أداها صحيحة مع مراعاة معتبراتها؛ كأمة صلت مكشوفة الرأس، ثم عتقت في الوقت، بخلاف نظيره من الحج؛ لأنه لا يتكرر، فاعتبر وقوعه حال الكمال، ويستحب له الإعادة في الصورتين؛ ليؤديهما حال الكمال.
[أعذار تأخير الصلاة]
(لا عذر في تأخيرها إلاَّ لساة ... أو نومٍ أو للجمع أو للإكراه)
فيه مسألة:
وهي أنه لا عذر لأحد من أهل فرض الصلاة في تأخيرها عن وقتها؛ لئلا تفوت فائدة التأقيت إلا لساه؛ أي: ناسٍ؛ لخبر ابن حبان والحاكم في "صحيحهما" عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
أو نوم استغرق الوقت به أو غلبه، أو ظن تيقظه قبل خروج وقتها بزمن يسعها؛ لخبر مسلم عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى"، أما نومه بعد دخول وقتها وقد ظن عدم تيقظه فيه، أو قبل خروجه بزمن لا يسعها، أو شك فيه .. فحرام.
стр. 126
أو للجمع بالسفر؛ بأن أخر الظهر بنية جمعها مع العصر، أو المغرب بنية جمعها مع العشاء؛ لما سيأتي في بابها، وأما تأخيرها بالجمع بالمطر أو بالنسك .. فحرام على الأصح.
أو للإكراه على تأخيرها؛ للخبر السابق، وتصويره مشكل؛ لأن من أكره على ترك الأفعال الظاهرة .. يمكنه إجراؤها على قلبه، وحمله في "المجموع" على الإكراه على التلبس بما ينافي الصلاة ويفسدها، وحمله بعضهم على الإكراه على أن يأتي بها على غير الوجه المجزئ من الطهارة ونحوها، وقد يمنع المحدث عن الوضوء والتيمم.
وقال التاج السبكي: المكره قد يدهش حتى عن الإيماء بالطرف ويكون مؤخراً معذوراً؛ كالمكره على الطلاق لا تلزمه التورية إذا اندهش قطعاً، وكذا إن لم يندهش على الأصح، وأما قولهم: (لا يترك الصلاة ما دام عقله ثابتاً) .. فإن الدهشة مانعة لثبوت عقله في تلك الحالة.
ويعذر في تأخيرها عن وقتها أيضاً للجهل بوجوبها عليه من غير تفريط في التعليم؛ كمن أسلم في دار الحرب وتعذرت هجرته، أو نشأ منفرداً ببادية ونحوها، ولخوف فوات الوقوف بعرفة على الأصح، بل يجب عليه، وللاشتغال بإنقاذ غريق، ودفع صائل عن نفس أو مال، أو بالصلاة على ميت خيف انفجاره كما أفتى به القاضي صدر الدين موهوب الجزري.
وقول الناظم: (أو للجمع) بدرج الهمزة؛ للوزن.
[مواقيت الصلاة]
(ووقت ظهرٍ: من زوالها إلى .... أن زاد عن مثلٍ لشيء ظللَّا)
(ثمَّ به يدخل وقت العصر .... واختير مثلي ظلِّ ذاك القدر)
(جاز إلى غروبها أن تفعلا .... ووقت مغربٍ بهذا دخلا)
(والوقت يبقى في القديم الأظهر .... إلى العشاء بمغيب الأحمر)
(وغاية العشاء فجرٌ يصدق .... معترضٌ يضيء منه الأفق)
(واختير للثُّلث، وجوِّزه إلى .... صادق فجرٍ، وبه قد دخلا)
(ألصُّبح، واختير إلى الإسفار .... جوازه يبقى إلى الإدبار)
стр. 127
ذكر في هذه الأبيات أوقات الصلوات الخمس؛ لأنها تجب بدخولها وتفوت بخروجها؛ والأصل فيها: قوله تعالى: ﴿فسبحن الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون﴾، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أرد بـ ﴿حين تمسون﴾: صلاة المغرب والعشاء، وبـ ﴿حين تصبحون﴾: صلاة الصبح، وبـ ﴿عشيا﴾: صلاة العصر، ﴿وحين تظهرون﴾: صلاة الظهر)، وخبر: "أمني جبريل عند البيت مرتين؛ فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكان الفيء قدر الشراك، والعصر حين كان ظل الشيء مثله، والمغرب حين أفطر الصائم - أي: دخل وقت إفطاره - والعشاء حين غاب الشفق، والفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد .. صلى بي الظهر حين كان ظله - أي: الشيء - مثله، والعصر حين كان ظله مثليه، والمغرب حين أفطر الصائم، والعشاء إلى ثلث الليل، والفجر فأسفر، وقال: هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين" رواه أبو داوود وغيره، وصححه الحاكم وغيره.
وقوله: "صلى بي الظهر حين كان ظله مثله" أي: فرغ منها حينئذ؛ كما شرع في العصر في اليوم الأول حينئذ، قاله إمامنا الشافعي نافياً به اشتراكهما في وقت؛ ويدل له خبر مسلم: "وقت الظهر: إذا زالت الشمس ما لم يحضر العصر".
والزوال: ميل الشمس عن وسط السماء المسمى بلوغها إليه بحالة الاستواء إلى جهة المغرب لا في الواقع، بل في الظاهر لنا؛ لأن التكليف إنما يتعلق به، وذلك بزيادة ظل الشيء على ظله حالة الاستواء، وحدوثه إن لم يبق عنده ظل كما في بعض البلاد التي على خط الاستواء، وقد يتصور في غيرها كمكة وذلك في ستة وعشرين يوماً قبل انتهاء طول النهار، ومثلها بعده، أو في يوم واحد وهو أطول أيام السنة نقلهما في "المجموع"، وبالثاني جزم في "الروضة" كـ "أصلها"، واليوم الذي ينتهي فيه الطول هو سابع عشر حزيران.
وبدأ المصنف كغيره بالظهر؛ تأسياً بإمامة جبريل، فوقت الظهر: من زوالها؛ أي: الشمس، فأعاد الضمير عليها وإن لم يتقدم لها ذكر؛ للعلم بها كما في قوله تعالى: ﴿حتى توارت
стр. 128
بالحجاب﴾، إلى أن زاد ظل الشيء على ظله حالة الاستواء مثله؛ لخبر جبريل السابق.
وللظهر خمسة أوقات: وقت فضيلة: أوله وسيأتي بيانه، ووقت اختيار: إلى آخر الوقت، ووقت عذر: وهو وقت العصر لمن يجمع، ووقت ضرورة: وهو إذا زال المانع وقد من بقي الوقت قدر تكبيرة، ووقت حرمة: وهو آخر وقتها بحيث لا يسعها، ويجريان في سائر الصلوات.
وقول المصنف: (إلى أن زاد عن مثل لشيءٍ ظللا) جرى على الغالب من وجود ظل عند الاستواء.
وقوله: (ظللا) أي: صار ذا ظل عند الاستواء، فاعتبر ذلك بقامتك، أو شاخص تقيمه في أرض مستوية من عصا أو نحوها، قال العلماء: وقامة الإنسان ستة أقدام ونصف بقدمه.
ثم يصير ظل الشيء مثله بعد ظل الاستواء، إن كان يدخل وقت العصر وهي الوسطى، ووقت اختيارها: إلى مصير ظل الشيء مثليه بعد ظل الاستواء، وجوازها: إلى غروب الشمس؛ لخبر جبريل مع خبر "الصحيحين": "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس .. فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس .. فقد أدرك العصر"، وخبر ابن أبي شيبة: "وقت العصر: ما لم تغرب الشمس"، وإسناده في "مسلم"، وخبر مسلم: "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى"، ظاهره: يقتضي امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الأخرى من الخمس؛ أي: في غير وقت الصبح؛ لما سيأتي في وقتها، وقوله في خبر جبريل بالنسبة إليها وإلى العشاء والصبح: "والوقت ما بين هذين" محمول على وقت الاختيار؛ جمعاً بين الأدلة.
قال في "المجموع": وللعصر خمسة أوقات: وقت فضيلة: من أول الوقت إلى أن يصير
стр. 129
ظل الشيء مثله ونصف مثله، ووقت اختيار: إلى أن يصير مثليه، ووقت جواز بلا كراهة: إلى اصفرار الشمس، ووقت جواز بكراهة: إلى غروب الشمس، ووقت عذر: وقت الظهر لمن يجمع.
ويدخل وقت المغرب بغروب الشمس؛ أي: متكاملة وإن بقي الشعاع، ويعرف في العمران بزوال الشعاع وإقبال الظلام، والوقت؛ أي: وقت المغرب يبقى في القديم الأظهر: إلى وقت العشاء بمغيب الشفق الأحمر، قال في "المجموع": بل هو الجديد أيضاً؛ لأن الشافعي علق القول به في "الإملاء" وهو من الكتب الجديدة على ثبوت الحديث فيه؛ فقد ثبت فيه أحاديث في "مسلم" منها حديث: "وقت المغرب: ما لم يغب الشفق"، ومنها حديث: "ليس في النوم تفريط" وأما حديث صلاة جبريل إياها في اليومين في وقت واحد .. فمحمولة على وقت الاختيار، وأيضاً أحاديث "مسلم" مقدمة عليه؛ لأنها متأخرة بالمدينة وهو متقدم بمكة، ولأنها أكثر رواة وأصح إسناداً، ولهذا خرجها مسلم في "صحيحه" دونه فقال: وعلى هذا: للمغرب ثلاثة أوقات: وقت فضيلة واختيار: أول الوقت، ووقت جواز: ما لم يغب الشفق، ووقت عذر: وقت العشاء لمن يجمع.
ومقابل الأظهر: أن وقتها يمتد بقدر تطهرٍ وسترٍ وسد جوعٍ، وخمس ركعات وأذان وإقامة، والاعتبار فيها بالوسط المعتدل.
ويدخل وقت العشاء بمغيب الشفق الأحمر، وغايته: الفجر الصادق، والاختيار: إلى ثلث الليل، والجواز: إلى الفجر الصادق وهو معترض؛ أي: منتشر يضيء منه الأفق؛ أي: نواحي السماء؛ لخبر جبريل، مع خبر: "ليس في النوم تفريط".
وخرج بـ (الأحمر): ما بعده من الأصفر والأبيض، وبـ (الصادق): الكاذب؛ وهو ما يطلع مستطيلاً بأعلاه ضوء كذنب السرحان وهو الذئب، ثم يذهب ويعقبه ظلمة، ثم يطلع الفجر الصادق.
وفي بلاد المشرق نواحي تقصر لياليهم فلا يغيب الشفق عندهم، فأول وقت العشاء في حقهم: أن يمضي بعد غروب الشمس قدر ما يغيب الشفق في مثله في أقرب البلاد إليهم.
قال في "المجموع": وللعشاء أربعة أوقات: وقت فضيلة: أول الوقت، ووقت اختيار:
стр. 130
إلى ثلث الليل على الأصح، ووقت جواز: إلى طلوع الفجر الصادق، ووقت عذر: وقت المغرب لمن يجمع.
ويدخل وقت الصبح بالفجر الصادق، والاختيار: إلى الإسفار بكسر الهمزة؛ أي: الإضاءة، والجواز: إلى الإدبار بكسرها؛ أي: إدبار الليل بأول طلوع الشمس؛ لما مر من خبر مسلم: "وقت صلاة الصبح: من طلوع الفجر الصادق ما لم تطلع الشمس"، وله أربعة أوقات: وقت فضيلة: أول الوقت، ووقت اختيار: إلى الإسفار، ووقت جواز بلا كراهة: إلى الحمرة التي قبل طلوع الشمس، ووقت جواز بكراهة: إلى الطلوع، وهي نهارية.
وألف (ظللا) و (تفعلا)، و (دخلا) في الموضعين للإطلاق.
[استحباب تعجيل الصلاة أول الوقت]
(وسن تعجيل الصلاة في الأول ... إذ أول الوقت بالأسباب اشتغل)
أي: يسن تعجيل الصلاة ولو عشاء في أول وقتها؛ بأن اشتغل فيه بأسبابها كالطهارة والستر والأذان؛ لقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات﴾، ومن المحافظة عليها تعجيلها، وقوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾، ولخبر ابن مسعود: سألت النبي ﷺ أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة لأول وقتها" رواه الدارقطني وغيره وصححوه، ولخبر: (كان رسول الله ﷺ يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثه) رواه أبو داود بإسناد صحيح.
ولو لم يحتج إلى أسبابها وأخر بقدرها .. حصلت الفضيلة، ولا يكلف عجلة زائدة على العادة، ولا يضر التأخير لأكل لقم وكلام قصير، وتحقق الوقت وتحصيل الماء، وإخراج خبث يدافعه ونحو ذلك؛ لأنه حينئذ لا يعد متوانياً ولا مقصراً.
стр. 131
وقد علم: أن الصلاة تجب بأول وقتها وجوباً موسعاً فلا يأثم بتأخيرها إن عزم على فعلها فيه ولو مات قبل فواتها.
وقول المصنف: (الأول) بضم الهمزة وفتح الواو جمع أوَّل باعتبار الأوقات الخمسة، و (أوَّل) منصوب بـ (اشتغل)، و (بالأسباب) بنقل حركة همزها إلى الساكن قبلها متعلق به أيضاً، و (إذ) في كلامه: ظرفية أو تعليلية.
[استحباب الإبراد بفعل الظهر وشروطه]
وما تقدم من أنه يسن تعجيل الصلاة لأول وقتها .. محله ما لم يعارضه ما هو أرجح منه، فإن عارضه .. يسن تأخيرها، وذلك في مسائل كثيرة ذكر المصنف هنا منها: مسألة الإبراد بالظهر فقال:
(وسنَّ الآبراد بفعل الظُّهر ... لشدَّة الحرِّ بقطر الحرِّ)
(لطالب الجمع بمسجدٍ أتي ... إليه من بعدٍ خلاف الجمعة)
أي: وسن لمريد الصلاة الإبراد بفعل الظهر؛ أي: تأخيره؛ لشدة الحر إلى أن يصير للحيطان ظل يمشي فيه قاصد الجماعة، ولا يجاوز به نصف الوقت، بقطر الحر، لطالب الجمع؛ أي: الجماعة إماماً كان أو مأموماً، بمسجد؛ أي: ونحوه من أمكنة الجماعة، أتي للصلاة إليه من بعد؛ لكثرة الناس فيه، أو فقه إمامه أو نحوه؛ أي: ولا يجد كنا يمشي فيه؛ والأصل فيه: خبر "الصحيحين": "إذا اشتد الحر .. فأبردوا بالصلاة"، وفي رواية للبخاري: "بالظهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم" أي: هيجانها، ولأن في تعجيل الصلاة في شدة الحر مشقة تسلب الخشوع أو كماله.
وما ورد مما يخالف ذلك .. منسوخ، فلا يسن الإبراد في غير شدة الحر ولو بقطر حار، ولا في قطر بارد أو معتدل وإن اتفق فيه شدة الحر، ولا لمن يصلي منفرداً أو جماعة ببيت، أو بمسجد حضره جماعة لا يأتيهم غيرهم، أو يأتيهم غيرهم من قرب، أو من بعد لكن يجد كناً يمشي فيه؛ إذ ليس ذلك كثير مشقة، وسن الإبراد أيضاً لمنفرد يريد فعل الظهر في
стр. 132
المسجد؛ كما أشعر به كلام الرافعي ونبه عليه الإسنوي.
ويؤخذ مما تقرر: أن المراد بالبعد: ما يذهب معه الخشوع أو كماله.
وقوله: (خلاف الجمعة) أي: بإسكان الميم، فلا يسن الإبراد بها؛ لخبر "الصحيحين" عن سلمة: (كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس)، ولشدة الخطر في فواتها المؤدي إليه تأخيرها بالتكاسل؛ لكون الجماعة شرطاً في صحتها وقد لا يدركها بعضهم، ولأن الناس مأمورون بالتبكير إليها فلا يتأذون بالحر، وما في "الصحيحين": من (أنه ﷺ كان يبرد بها) .. بيان للجواز فيها؛ جمعاً بين الأخبار.
وخرج بقوله: (بفعل الظهر) أذانها فلا يسن الإبراد به، وقوله: (الإبراد) بنقل حركته لساكن قبلها، واللام في قوله: (لشدة الحر) تعليلية، أو بمعنى: (في) أو (عند).
(صلاة ما لا سببٌ لها امنعا ... بعد صلاة الصبح حتى تطلعا)
(وبعد فعل العصر حتى غربت ... وعندما تطلع حتى ارتفعت)
(والاستوا - لا جمعةٍ - إلى الزَّوال ... والاصفرار لغروبٍ ذي كمال)
(أمَّا الَّتي لسببٍ مقدَّم ... - كالنذر والفائت- لم تحرم)
(وركعتا الطواف والتحية ... والشكر والكسوف والجنازة)
(وحرم الكعبة، لا الإحرام ... ونكره الصلاة في الحمام)
(مع مسلخٍ، وعطنٍ، ومقبره ... ما نبشت، وطرقٍ، ومجزره)
(مع صحةٍ كحاقنٍ وحازق ... وعند مأكولٍ: صلاة التائق)
في هذه الأبيات مسألتان:
[الأوقات التي تكره فيها الصلاة]
الأولى: أن الصلاة التي لا سبب لها متقدم ولا مقارن تمتنع؛ أي: تحرم، ولا تنعقد بعد فعلين، وفي ثلاثة أوقات كما سيأتي: بعد فعل فرض صلاة الصبح أداء حتى تطلع الشمس،
стр. 133
وبعد فعل فرض العصر أداء ولو في وقت الظهر لجمع التقديم حتى تغرب الشمس؛ للنهي عن الصلاة فيهما في خبر "الصحيحين"، وخرج بفرض الصبح والعصر: سنتهما فلا تحرم الصلاة بعد فعلهما، وعندما تطلع الشمس حتى ترتفع قدر رمح تقريبا في رأي العين، وإلا .. فالمسافة طويلة جدا، وعند الاستواء؛ بأن تصير في وسط السماء إلى الزوال عنه، وهو وقت لطيف جدا لا يتسع لصلاة، إلا أن التحريم بها قد يقع فيه فلا ينعقد، وعند الاصفرار حتى يتم غروب الشمس؛ للنهي عنها في خبر مسلم، وليس فيه ذكر الرمح.
ويستثنى من تحريم الصلاة عند الاستواء: يوم الجمعة، فلا تحرم الصلاة فيه على أحد وإن لم يحضر الجمعة؛ لاستثنائه في خبر أبي داوود وغيره، وفيه: "أن جهنم لا تسجر يوم الجمعة" أي: لا توقد، ولا يضر كونه مرسلا؛ لاعتضاده بأنه ﷺ استحب التبكير إليها، ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير استثناء.
أما الصلاة التي لها سبب متقدم أو مقارن .. فلا تحرم فيها؛ كالنذر والفائت ولو نقلا اتخذه وردا، وركعتي الطواف والوضوء والتحية؛ أي: بأن دخل المسجد بنية غيرها كاعتكاف، أو بنيتهما، أو بلانية، أما الداخل بنيتها فقط .. فتحرم منه؛ كما لو أخر الفائتة ليقضيها في تلك الأوقات، وسجدة التلاوة والشكر، وصلاة كسوف الشمس أو القمر، وصلاة الجنازة؛ أما التحية .. فلخبر "الصحيحين": "إذا دخل أحدكم المسجد .. فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"، وأما الفائتة .. فلخبر: "فليصلها إذا ذكرها"، وخبر "الصحيحين": أنه ﷺ صلى بعد صلاة العصر ركعتين وقال: "هما اللتان بعد الظهر"، وأما الجنازة .. فقد نقل ابن المنذر الإجماع على أنها تفعل بعد الصبح والعصر، وأما غير الفائتة مما ذكر .. فبالقياس عليها؛ ولأن الأدلة الطالبة لهذه الصلوات عامة في الأوقات خاصة بتلك الصلوات، وأحاديث النهي بالعكس، ورجحت الأولى؛ بأنها لم يدخلها تخصيص، وأحاديث النهي دخلها التخصيص بالفائتة للحديث، وصلاة الجنازة؛ للإجماع كما مر.
ويستثنى من تحريم الصلاة في الأوقات المكروهة: حرم الكعبة؛ أي: الحرم المكي، فلا
стр. 134
تحرم الصلاة فيه بحال؛ لخبر: "يا بني عبد مناف؛ لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، ولما فيه من زيادة فضل الصلاة.
نعم؛ هي خلاف الأولى كما في "مقنع المحاملي" خروجا من خلاف مالك وأبي حنيفة. وخرج بـ (حرم مكة): الحرم المدني؛ فلا تستثنى الصلاة فيه.
أما الصلاة التي سببها متأخر كالإحرام؛ أي: كركعتي الإحرام والاستخارة .. فتحرم فيها؛ لأن سببهما وهو الإحرام والاستخارة متأخر عنهما.
والمراد بالمتقدم وقسيميه بالنسبة إلى الصلاة كما في "المجموع"، وإلى الأوقات المكروهة كما في "الروضة" و"أصلها"، والأول منهما أظهر كما قاله الإسنوي وغيره، وعليه جرى ابن الرفعة، فعليه: صلاة الجنازة سببها متقدم، وعلى الثاني: قد يكون متقدما وقد يكون مقارنا بحسب وقوعه في الوقت أو قبله.
[أمكنة وأحوال تكره الصلاة فيها]
الثانية: تكره الصلاة كراهة تنزيه في أمكنة، منها: الحمام مع مسلخه، وعطن الإبل؛ أي: الموضع الذي تنحى إليه الإبل الشاربة ليشرب غيرها كما قاله الشافعي رضي الله تعالى عنه وغيره، أو لتشرب هي عللا بعد نهل كما قاله الجوهري وغيره، ومقبرة -بتثليث حركة الباء- ما نبشت، وطرق؛ أي: في البنيان دون البرية، ومجزرة بفتح الزاي؛ أي: موضع جزر الحيوان؛ أي: ذبحه؛ للنهي عن الصلاة في المذكورات، رواه الترمذي.
وألحق بالحمام مواضع الخمر والحانة والمكس، والكنائس، والبيع، والحشوش ونحوها، والمعنى في الكراهة فيها: أنها مأوى الشياطين، وفي عطن الإبل: نفارها السالب للخشوع، وألحق به مأواها ليلا؛ للمعنى المذكور فيه، بخلاف عطن الغنم، ومراحها؛ أي: مأوها ليلا، والبقر كالغنم كما قاله ابن المنذر وغيره، وفي المقبرة والمجزرة؛ أي: ونحوهما كالمزبلة: نجاستها فيما يحاذي المصلي، ومن هنا يعلم: أنها لا تكره في مقبرة الأنبياء عليهم
стр. 135
الصلاة والسلام، وفي الطرق: اشتغال القلب بمرور الناس فيها وقطع الخشوع.
ومحل كراهة الصلاة فيما مر: إذا اتسع وقتها، وإلا .. فلا تكره.
وخرج بما ذكر: الصلاة على سطح الحمام والحش ونحوهما؛ فلا تكره، وبقوله: (ما نبشت): ما إذا نبشت، فلا تصح الصلاة فيها ما لم يحل طاهر، والمشكوك في نبشها كالتي ما نبشت.
وتصح الصلاة في الأمكنة المكورهة؛ لخبر "الصحيحين": "وجعلت لي الأرض مسجدا، وتربتها طهورا"، بخلافها في الأوقات المكروهة، والفرق: أن تعلقها بالوقت أشد من تعلقها بالمكان؛ لتوقفها على أوقات مخصوصة دون أمكنة مخصوصة، فكان الخلل في الوقت أعظم، ومع هذا صحت في المكان وإن كان النهي للتحريم كالمغصوب.
وقوله: (كحاقن) أي: بالنون؛ أي: مدافع للبول؛ فإن صلاته تكره كراهة تنزيه مع صحتها، وفي معناه: الحاقب بالموحدة، وهو المدافع للغائط، وحازق بالزاي، وهو المدافع للريح، وقيل: هو الحازق خفه على رجله لضيقه، وكراهة الصلاة مع ما ذكر؛ لإذهابه الخشوع، فيستحب أن يفرغ نفسه من هذه الأشياء ثم يصلي وإن فاتته الجماعة، وأما تحريم هذه الأشياء عند غلبة الظن بحصول الضرر بها .. فلأمر خارج عن الصلاة، وهذا: كما تكره صلاة التائق بالمثناة؛ أي: المشتاق إلى المأكول؛ أي: أو المشروب وقد حضره أو قرب حضوره؛ لخبر مسلم: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان"، ولخبر "الصحيحين": "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة .. فابدؤوا بالعشاء، ولا يعجلن حتى يفرغ منه".
ومحل الكراهة: عند اتساع الوقت، فإن ضاق .. وجب عليه أن يصلي مدافعا وجائعا وعطشانا؛ لحرمة الوقت ولا كراهة.
وقول المصنف: (صلاة ما لا سبب لها) مفعول مقدم لـ (امنعا)، وألفه بدل من التوكيد، وألف (تطلعا) للإطلاق، وأعاد الضمائر في (تطلعا) و (غربت) و (تطلع) و (ارتفعت) على الشمس وإن لم يتقدم لها ذكر؛ للعلم بها، وقصر (الاستوا) للوزن.
стр. 136
[الصلوات المسنونة]
ثم شرع في بيان الصلاة المسنونة فقال.
(مسنونها: العيدان والكسوف ... كذاك الاستسقاء والخسوف)
المسنون والنقل والتطوع والمندوب والمستحب والمرغب فيه ما عدا الفرض، وأفضل العبادات البدنية بعد الإسلام: الصلاة، وتطوعها أفضل التطوع، وهو قسمان: قسم تسن الجماعة فيه وهو أفضل من القسم الآخر؛ لأن مشروعية الجماعة فيه تدل على تأكيد أمره، ومشابهته للفرائض، لكن الأصح: تفضيل الراتبة على التراويح.
وأفضل القسم الأول: العيدان؛ أي: صلاة عيد الفطر وصلاة عيد الأضحى؛ لشبههما بالفرض في الجماعة وتعين الوقت، وللخلاف في أنهما فرضا كفاية، وأما خبر مسلم: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" .. فمحمول على النقل المطلق، وجرى ابن المقري في "شرح إرشاده" على تساوي العيدين في الفضيلة، وعن ابن عبد السلام أن عيد الفطر أفضل، وكأنه أخذه من تفضيلهم تكبيره على تكبير الأضحى؛ لأنه منصوص عليه، ولكن الأرجح في النظر كما قال الزركشي: تفضيل عيد الأضحى؛ لأنه منصوص عليه، ولكن الأرجح في النظر كما قاله الزركشي: تفضيل عيد الأضحى؛ لأنه شهر حرام، وفيه نسكان: الحج، والأضحية، قيل: إن عشره أفضل من العشر الأخير من رمضان. انتهى، وبه جزام ابن رجب الحنبلي؛ ويدل له خبر أبي داوود عن عبد الله بن قرط: أن رسول الله ﷺ قال: "إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر".
ثم صلاة كسوف الشمس، ثم صلاة خسوف القمر؛ لخوف فوتهما بالانجلاء كالمؤقت بالزمان، ولدلالة القرآن عليهما قال تعالى: ﴿لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله﴾ الآية، ولأنه ﷺ لم يترك الصلاة لهما، بخلاف الاستسقاء؛ فإنه تركه أحيانا، وأما تقدم الكسوف على الخسوف .. فلتقدم الشمس على القمر في القرآن والأخبار؛ ولأن الانتفاع بها أكثر من الانتفاع به، وقد قيل: إن نوره مستمد من نورها، وقد اشتهر اختصاص الكسوف بالشمس والخسوف بالقمر فأطلقهما المصنف؛ بناء على ما اشتهر من الاختصاص،
стр. 137
وعلى قول الجوهري: إنه الأجود، وإن كان الأصح عند الجمهور: أنهما بمعنى.
ثم صلاة الاستسقاء؛ لطلب الجماعة فيها كالفريضة.
ثم شرع في بيان القسم الذي لا تسن الجماعة فيه فقال:
[صلاة الوتر]
(والوتر ركعة لإحدى عشر ... بين صلاة للعشا والفجر)
أي: ثم الأفضل بعد ما مر صلاة الوتر؛ لخبر: "أوتروا؛ فإن الله وتر يحب الوتر" رواه أبو داوود، وصحح الترمذي، ولخبر: "الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس .. فليفعل، أو بثلاث .. فليفعل، أو بواحدة .. فليفعل" رواه أبو داوود بإسناد صحيح، وصححه الحاكم على شرط الشيخين.
والصارف عن وجوبه: قوله تعالى: ﴿والصلوة الوسطى﴾ إذ لو وجب .. لم يكن للصلوات وسطى، وخبر: "إن الله افترض عليكم خمس صلوات في اليوم والليلة"، وخبر: هل علي غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع".
وقول المصنف: (ركعة) بدل من (الوتر)، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو ركعة إلى إحدى عشرة ركعة؛ للأخبار الصحيحة فيه؛ بأن يوتر بواحدة، أو بثلاث، أو بخمس، أو بسبع، أو تسع، أو إحدى عشرة ركعة وهي أكثر الأخبار الصحيحة، كخبر "الصحيحين" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة).
ووقته: بين فعل صلاة العشاء- وإن جمعها تقديما، أو لم يصل بعدها نافلة - وطلوع الفجر؛ للإجماع، ولخبر: "إن الله قد أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم؛ وهي
стр. 138
الوتر، فجعلها لكم من العشاء إلى طلوع الفجر" رواه أبو داوود والترمذي، وصححه الحاكم وابن السكن.
و(الوتر) بكسر الواو وفتحها، وقوله: (للعشا) بالقصر؛ للوزن.
لمن صلى الوتر أكثر من ركعة الفصل؛ بأن يسلم من كل ركعتين وهو أفضل؛ لأنه أكثر أخبارا وعملا، وظاهر: أن العدد الكثير الموصول أفضل من العدد القليل المفصول؛ لزيادة العبادة، والوصل بتشهد أو بتشهدين في الأخيرتين؛ للاتباع، رواه مسلم، فيمتنع تشهده في غير الأخيرتين وزيادته على تشهدين؛ لأنه خلاف المنقول، وأصح الأوجه: أن التشهد أفضل من التشهدين.
وتأخير الوتر أفضل لمن كان له تهجد أو وثق باستيقاظه؛ لخبر "الصحيحين": "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل الوتر"، ولخبري مسلم: "بادروا الصبح بالوتر"، و"من خاف ألا يقوم آخر الليل .. فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره .. فليوتر آخر الليل؛ فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل"، فإن لم يكن له تهجد ولم يثق باستيقاظه .. فتقديم الوتر أفضل؛ لما مر، وخبر أبي هريرة: (أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام)، فإنه محمول على من لا يثق بالقيام آخر الليل؛ جمعا بين الأخبار، ولو أوتر ثم تهجد .. لم يعده؛ لخبر: "لا وتران في ليلة" رواه أبو داوود والترمذي وحسنه.
[رواتب الفرائض]
(ثنتان قبل الصبح، والظهر كذا ... وبعده، ومغرب، ثم العشا)
(وسن ركعتان قبل الظهر ... تزاد كالأربع قبل العصر)
стр. 139
أي: أن رواتب الفرائض المؤكدة عشر ركعات: ركعتان قبل فرض الصبح وهما أفضلهما؛ لخبر "الصحيحين" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر)، وخبر مسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها"، وركعتان قبل فرض الظهر، وركعتان بعده، وركعتان بعد فرض المغرب، وركعتان بعد فرض العشاء؛ للاتباع رواه الشيخان.
وسن أن تزاد ركعتان قبل الظهر؛ أي: وركعتان بعده؛ لخبر: "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها .. حرمه الله على النار" رواه الترمذي وغيره وصححوه.
والجمعة كالظهر، وأربع قبل العصر؛ لخبر: "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا" رواه الترمذي وحسنه، وابن حبان وصححه، وسن أيضا ركعتان خفيفتان قبل المغرب كما سيأتي في كلامه، وركعتان قبل العشاء.
و(ثم) في قوله: (ثم العشا) للترتيب الذكري لا المعنوي؛ إذ الثمان ركعات في مرتبة واحدة.
(ثم التراويح فندبا تفعل ... ثم الضحى، وهي ثمان أفضل)
(ثنتان أدناها، ووقتها هوا ... من ارتفاع الشمس حتى الاستوا)
فيهما مسألتان:
[صلاة التراويح]
الأولى: ثم الأفضل بعد الرواتب والتراويح؛ لسنية الجماعة فيها، وقوله: (فندبا تفعل) تأكيد، وهي عشرون ركعة بعشر تسليمات، وذلك خمس ترويحات، كل ترويحة أربع ركعات بتسليمتين؛ والأصل فيها: خبر "الصحيحين" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنه ﷺ صلاها ليالي فصلوها معه، ثم تأخر فصلى في بيته باقي الشهر، وقال: "خشيت أن
стр. 140
تفرض عليكم فتعجزوا عنها"، ولأن عمر جمع الناس على قيام شهر رمضان الرجال على أبي بن كعب، والنساء على سليمان ابن أبي حثمة، رواه البيهقي، وأما خبر: (ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على أحد عشرة ركعة) .. فمحمول على الوتر.
قال الحليمي: والسر في كونها عشرين ركعة: أن الرواتب المؤكدة في غير رمضان عشر ركعات فضوعفت فيه؛ لأنه وقت جد وتشمير.
ولو صلاها أربعا أربعا بتسليمه .. لم تصح؛ لشبهها بالفرائض في طلب الجماعة؛ فلا تغير عما ورد، بخلاف الرواتب والضحى.
ولأهل المدينة فعلها ستا وثلاثين ركعة؛ لأن العشرين خمس ترويحات، وكان أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين سبعة أشواط، فجعل أهل المدينة بدل كل أسبوع ترويحة، ولا يجوز ذلك لغيرهم؛ لأن لأهلها شرفا بهجرته ﷺ ومدفنه.
ووقتها: بين فعل فرض العشاء وطلوع الفجر.
[صلاة الضحى]
الثانية: ثم الأفضل بعد التروايح الضحى؛ لأنها مؤقتة بزمان، وأفضلها: ثمان ركعات؛ أي: وأكثرها: اثنتا عشرة ركعة، كذا في "الروضة" كـ"أصلها"، والأكثرون - كذا في "المجموع" -أن أكثرها: ثمان، وصححه في "التحقيق" لخبر "الصحيحين" عن أم هانئ: (أن النبي ﷺ صلاها ثمان ركعات) وعنها أيضا: (أنه ﷺ يوم الفتح صلى سبحة الضحى ثمان ركعات، يسلم من كل ركعتين) رواه أبو داوود بإسناد صحيح، وما قيل من أن هذا لا يدل على أن ذلك أكثرها .. رد بأن الأصل في العبادات التوقيف ولم تصح الزيادة على ذلك.
стр. 141
وأقلها: ركعتان؛ لخبر أبي هريرة السابق، ولخبر مسلم: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، ويجزئ عن ذلك ركعتان يصليهما من الضحى".
وأدنى الكمال: أربع، وأكمل منه: ست، ويسن أن يسلم من كل ركعتين.
ووقتها: من ارتفاع الشمس إلى استوائها كما جزم به الرافعي، وفي "المجموع" و"التحقيق": إلى الزوال، ووقتها المختار: ربع النهار.
وألف (هوا) للإطلاق.
(والنفل في الليل من المؤكد ... وندبوا تحية للمسجد)
(ثنتان في تسليمة لا أكثرا ... تحصل بالفرض ونفل آخرا)
(لا فرد ركعة ولا جنازة ... وسجدة للشكر أو تلاوة)
(كرر بتكرير دخول يقرب ... وركعتان إثر شمس تغرب)
فيها ثلاث مسائل:
[النفل المطلق]
الأولى: النفل المطلق- وهو غير المؤقت وذي السبب- في الليل من المسنون المؤكد، فهو أفضل من النفل المطلق في النهار؛ لخبر مسلم: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل"، ولقوله ﷺ لأبي ذر: "الصلاة خير موضوع استكثر منها أو أقل" رواه ابن حبان والحاكم في "صحيحيهما".
والأفضل أن يسلم من كل ركعتين؛ لخبر: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" صححه البخاري والخطابي والبيهقي وغيرهم، وإذا زاد على ركعة .. فله أن يتشهد في كل ركعتين أو
стр. 142
ثلاث أو أكثر؛ لأن ذلك معهود في الفرائض في الجملة، وليس له أن يتشهد في كلا ركعة وإن جاز له أن يتنقل بركعة مفردة؛ لأنه اختراع صورة في الصلاة لم تعهد.
[تحية المسجد]
الثانية: ندبوا؛ أي: الأئمة تحية للمسجد لداخله، ثنتان في تسليمة؛ أي: هي ثنتان، فهو خبر مبتدأ محذوف لا أكثر؛ أي: لا يزيد على تسليمة واحدة، فله أن يصليها مئة ركعة فأكثر بتسليمة وتكون كلها تحية؛ لاشتمالها على ركعتين، فإن سلم من ركعتين وزاد عليهما بنيتها في وقت الكراهة .. لم يصح، أو في غيره .. فكذلك إن علم امتناعه، وإلا .. انعقدت نافلة مطلقة؛ والأصل في ذلك: خبر "الصحيحين": "إذا دخل أحدكم المسجد .. فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"، فيكره له أن يجلس من غير تحية بلا عذر.
وظاهر كلامه كغيره: أنه لا فرق في سنها بين مريد الجلوس وغيره، لكن قيده الشيخ نصر بمريده؛ ويؤيده الخبر المذكور، والظاهر كما قاله الزركشي: أن التقييد بذلك خرج مخرج الغالب، وأن الأمر بذلك معلق على مطلق الدخول؛ تعظيما للبقعة وإقامة للشعار، كما يسن لداخل مكة الإحرام، سواء أراد الإقامة بها أم لا.
وتحصل التحية بالفرض ولو قضاء أو نذرا، وبنفل آخر غيرها، سواء أنواها مع ذلك أم أطلق؛ لأن القصد بها ألا تنتهك حرمة المسجد بلا صلاة، وكلامهم كالصريح أو صريح في حصول فضلها وإن لم تنو، لما مر، وإن بحث بعض المتأخرين كالأذرعي عدم حصوله حينئذ.
ولا تحصل بركعة وصلاة جنازة وسجدة شكر أو تلاوة؛ للخبر السابق، وتحصل بصلاة ركعتين أولهما من قيام وثانيهما من جلوس.
ويتكرر سن التحية بتكرر دخول يقرب كما يتكرر عند بعده؛ إذ المسبب يتجدد بتجدد سببه؛ كتكرر سجدة التلاوة بتكرر آيتها ولو قربت، ويفوت بجلوسه قبل فعلها وإن قصر الفصل إلا بجلوس قصير سهوا أو جهلا.
وتكره تحية المسجد في صور، منها: إذا دخل والإمام في المكتوبة، أو في الإقامة أو قربت بحيث تفوته تكبيرة الإحرام لو اشتغل بها، أو دخل المسجد الحرام، بل يطوف، والأصح: عدم ندبها للخطيب عند صعوده المنبر.
стр. 143
[استحباب ركعتين قبل المغرب]
الثالثة: تسن ركعتان قبل المغرب؛ لخبر "الصحيحين": "بين كل أذانين صلاة"، والمراد: الأذان والإقامة، ولخبر البخاري: "صلوا قبل صلاة المغرب" أي: ركعتين كما رواه أبو داوود، ويسن تخفيفهما كما في "المنهاج" كـ"المحرر" و"الشرح الصغير"، قال في "المجموع": واستحبابهما قبل شروع المؤذن في الإقامة، فإن شرع فيها .. كره الشروع في غير المكتوبة.
وألف (أكثرا) و (آخرا): للإطلاق.
[ما يقضى من النوافل]
(وفائت النفل المؤقت اندب ... قضاءه لا فائتاً ذا سبب)
أي: وفائت النفل المؤقت وإن لم تشرع له جماعة كنفل اتخذه ورداً .. اندب؛ أي: أنت قضاءه مطلقاً من غير تقييد بوقت؛ كقضاء الفرائض بجامع التأقيت، ولخبر "الصحيحين": "من نام عن صلاة أو نسيها .. فليصلها إذا ذكرها"، ولأنه ﷺ (قضى بعد الشمس ركعتي الفجر)، و (بعد العصر الركعتين اللتين بعد الظهر) رواه مسلم وغيره، ولخبر أبي داوود بإسناد حسن: "من نام عن وتره أو نسيه .. فليصله إذا ذكره"، لا فائتاً ذا سبب؛ كالكسوف والاستسقاء والاستخارة والتحية، فإنه لا يقضى؛ إذ فعله لعارض وقد زال، وكذلك النفل المطلق لا يقضى كما اقتضاه كلامه.
نعم؛ إن شرع فيه ثم أفسده .. قضاه كما ذكره الرافعي في صوم التطوع، والقضاء فيه بمعناه اللغوي.
стр. 144
(والفور والترتيب فيما فاتا ... أولى لمن لم يختش ألفواتا)
فيه مسألتان:
[الفور في قضاء الفوائت]
الأولى: الفور في قضاء ما فاته من الصلوات؛ أي: بعذر كنوم ونسيان أولى؛ تعجيلاً لبراءة ذمته، وتداركاً لما فاته من الخلل، فإن أخره .. جاز له؛ لأنه ﷺ فاتته صلاة الصبح في الوادي فلم يقضها حتى خرج منه، أما ما فاته بغير عذر .. فالفور في قضائه واجب؛ لأن توسعة الوقت في القضاء رخصة، والرخصة لا تناط بالمعاصي، ولأنه مفرط في تأخير بغير عذر.
[الترتيب في قضاء الفوائت]
الثانية: الترتيب في قضاء ما فاته من الصلوات أولى؛ لترتيبه ﷺ فوائت الخندق حين أخر الظهر والعصر والمغرب والعشاء إلى هوي من الليل، وللخروج من الخلاف، وإنما لم يجب ترتيبها؛ لأنها عبادات مستقلة، وترتيبها من توابع الوقت وضروراته، فلا يعتبر في القضاء كصيام أيام رمضان، ولأنها ديون عليه فلا يجب ترتيبها إلا بدليل، [و] فعله ﷺ المجرد إنما يدل عندنا على الاستحباب.
وقوله: (لمن لم يختش الفواتا) أي: أن أولوية الفور في قضاء ما فاته وأولوية ترتيبه كلاهما لمن لم يخف فوات الصلاة الحاضرة بأن اتسع وقتها، فإن خاف فوتها .. قدمها على الفائتة وجوباً؛ لئلا تصير فائتة، فإن شرع في الفائتة ثم بان ضيق وقت الحاضرة .. وجب قطعها، ولو تذكر الفائتة ي أثناء الحاضرة .. لم يقطعها ضاق الوقت أو اتسع.
وتعبيره بـ (الفوات) كالرافعي في كتبه والنووي في "منهاجه" .. يقتضي استحباب الفورية والترتيب إذا أمكنه فعل الفائتة وإدراك ركعة من الحاضرة في وقتها، وبه صرح ابن الرفعة؛ بناءً على أن الكل أداء، لكن مقتضى تعبير "الروضة" بالضيق خلافه، ومال إليه الإسنوي
стр. 145
وغيره؛ لامتناع إخراج البعض عن الوقت في الأصح.
ولو خاف فوات جماعة الحاضرة ووقتها متسع .. فالأفضل عند النووي: أن يصلي الفائتة أولاً منفرداً؛ لأن الترتيب مختلف في وجوبه، والقضاء خلف الأداء مختلف في جوازه، لكن قال الإسنوي: إن الأفضل البداءة بالحاضرة جماعة، ونقله عن جمع، وقال: كأن ما قالهالنووي من تفقهه وهو مردود؛ للخلاف في الجماعة أيضاً، وامتازت بالخلاف عندنا، ورد بأن النووي لم ينفرد به، بل سبقه إليه جماعة، وبأن الخلاف في الترتيب خلاف في الصحة، فرعايته أولى من الجماعة التي هي من التكملات.
وشمل إطلاقهم: أولوية ترتيب الفوائت ما زاد على صلوات يوم وليلة وهو كذلك؛ خروجاً من خلاف أحمد وإن قال مالك وأبو حنيفة: لا يجب الترتيب فيما زاد على صلوات يوم وليلة، وما إذا فاتت كلها بعذر أو بغيره، أو بعضها بعذر وإن تأخر، وهو كذلك، وإن استشكل بعض المتأخرين القسم الأخير منها.
وألف (فاتا) و (الفواتا) للإطلاق.
[دخول وقت رواتب الفرائض وخروجها]
(وجاز تأخير مقدم أدا ... ولم يجز لما يؤخر ابتدا)
(ويخرج النوعان جمعاً بانقضا ... ما وقت الشرع لما قد فرضا)
أي: جاز تأخير راتب مقدم على الفرض عن فعله حال كونه أداء؛ لامتداد وقته بامتداد وقت فرضه وإن خرج وقته المختار بفعله، وقد يؤمر بتأخيره عنه كمن حضر والإمام فيه؛ لخبر:
"إذا أقيمت الصلاة .. فلا صلاة إلا المكتوبة"، ولا يجوز الابتداء بالرواتب المؤخرة عن الفرض قبل فعله؛ لأن وقته إنما يدخل بفعله، ويخرج النوعان؛ أي: الراتب المقدم والراتب المؤخر بانقضاء وقت الفرض المقدر له شرعاً؛ لأنهما تابعان له.
وألف (فرضا) للإطلاق.
следующие страницы →