Полный текст (924 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
(وليس حانثاً إذا ما وكلا ... في فعل ما يحلف ألا يفعلا)
(كفارة اليمين: عتق رقبه ... مؤمنة سليمة من معيبه)
(أو عشرة تمسكوا قد أدى ... من غالب الأقوات مدا مدا)
(أو كسوى بما يسمى كسوة ... ثوباً قباء أو رداً أو فروه)
(وعاجز صمام ثلاثاً كالرقيق ... والأفضل الولا، وجاز التفريق)
فيها أربع مسائل:
[ما تصح به اليمين]
الأولى: إنما تصح اليمين وتنعقد باسم الله، وهو ما لا يحتمل غيره، ولهذا لو قال: أردت به غير الله تعالى .. لم يقبل ظاهراً ولا باطناً؛ لأن اللفظ لا يصلح لغيره، وساء كان من أسمائه الحسنى؛ كالله والرحمن ورب العالمين ومالك يوم الدين، أم لا كالذي أعبده، أو أسجد له، أو أصلي له، أو الغالب إطلاقه على الله تعالى؛ بأن ينصرف إليه عند الإطلاق؛ كالرحيم والخالق والرازق والرب، إلا أن يريد به غيره، وأما ما استعمل فيه وفي غيره سواء؛ كالشيء والموجود والعالم والحي والغني .. فليس بيمين، إلا بنية له تعالى، أو بصفة تختص بالإله؛ كوعظمة الله تعالى، وعزته وجلاله وكبريائه، وكلامه وعلمه، وقدرته وسمعه، وبقائه ومشيئته وحقه، والقرآن والمصحف .. فينعقد بكل منها اليمين، إلا أن يريد به ظهور آثارها على الخلق، وبالعلم المعلوم، وبالقدرة المقدور، وبالحق العبادات، وبالقرآن الخطبة أو الصلاة، وبالمصحف الورق والجلد، وبالكلام الحروف والأصوات الدالة عليه، وبالسمع المسموع.
وخرج بذكر اسم الله تعالى وصفته: الحلف بغيرهما؛ كالنبي والكعبة فلا تنعقد به اليمين، بل بكره؛ لخبر "الصحيحين": "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبآئكم، فمن كان حالفاً .. فليحلف بالله أو ليصمت"، وكقول الشخص لمن حلف: (يميني في يمينك)، أو (يلزمني مثل ما يلزمك)، وكقوله: (إن فعلت كذا .. فأنا يهودي) أو (نصراني)، أو (بريئ من الله) أو (رسوله)، أو نحو ذلك؛ فلا كفارة بفعل ذلك، ثم إن قصد تبعيد نفسه
стр. 842
عنه .. لم يكفر، وليقل ندباً؛ كما صرح به النووي في "نكته": (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ويستغفر الله تعالى، وإن قصد الرضا بذلك إذا فعله .. كفر في الحال.
وتنعقد اليمين بالكناية مع النية؛ كما لو قال: (الله) ورفع أو نصب أو جر (لأفعلن كذا) فيمين إن نواها.
ولو قال: (أقسمت) أو (أقسم)، أو (حلفت) أو (أحلف)، أو (أولي بالله لأفعلن كذا) .. فيمين إن نواها، أو أطلق، وإن قصد خبراً ماضياً، أو مستقبلاً .. صدق.
ولو قال لغيره: (أحلف) أو (حلفت)، أو (أقسم) أو (قسمت)، أو (أولي) أو (آليت عليك بالله)، أو (أسألك) أو (سألتك بالله لتفعلن كذا) وأراد يمين نفسه .. فيمين يستحب للمخاطب إبراره فيها، وإلا .. فلا، ويحمل كلامه على الشفاعة في فعله.
وتنعقد اليمين بالتزام قربة أو نذر أو كفارة يمين؛ كقوله: (إن كلمت زيداً)، أو (إن لم أكلمه .. فعلي صلاة) مثلاً، أو (نذر) أو (كفارة يمين)، وهذا نذر اللجاج، فإذا وجد المعلق به .. لزمه كفارة يمين.
وأما في الثالث .. فللتصريح بها، أما في الأولين .. فلخبر مسلم: "كفارة النذر كفارة يمين"، ولأن القصد منهما المنع أو الحث، فأشبها اليمين بالله تعالى، وما ذكره هنا من لزوم الكفارة فيهما .. هو ما صححه الرافعي في "المحرر"، واعتمده البلقيني وقال: إنه الذي أفتى به الشافعي ﵁، والصحابة والتابعون ﵃، وصححه كثير من أصحابه.
وصحح النووي: التخيير بينهما وبين ما التزمه؛ لوجود شبه اليمين والنذر، أما شبه اليمين .. فمن جهة الامتناع، وأما شبه النذر .. فمن جهة التزام قربة، ولا سبيل إلى الجمع بينهما، ولا إلى تعطيلهما فوجب التخيير، وقال الرافعي: إن إيراد العراقيين يقتضي أنه المذهب، وعليه: يتخير في قوله: (فعلي نذر) بين كفارة يمين وقربة من القرب التي تلتزم بالنذر، وقال الماوردي: تتعيم الكفارة؛ تغليباً لحكم اليمين؛ لأن كفارتها معلومة، وموجب النذر المطلق مجهول.
стр. 843
أما الكفارة في الثالث .. فمتعينة كما جزم به في "الروضة" و"أصلها"، وسيأتي في كلامه في (باب النذر) حكاية الخلاف.
وخرج (بنذر اللجاج): نذر التبرر الشامل لنذر المجازاة، فيجب فيه ما التزمه كما سيأتي في بابه، والفرق بين نذر اللجاج ونذر المجازاة: أن السبب في الأول يرغب عنه، وفي الثاني يرغب فيه كالشفاء، ويرجع في ذلك كما قاله الرافعي إلى القصد، فلو قال: (إن رأيت فلاناً .. فعلي صوم): فإن ذكره لكراهته الرؤية .. فندر لجاج، أو لرغبته فيها .. فنذر مجازاة.
وخرج بـ (التحقيق): لغو اليمين؛ بأن سبق لسانه إلى لفظها بلا قصد؛ كقوله في حالة غضب أو لجاج، أو صلة كلام: (لا والله) تارة، و (بلى والله) أخرى، فلا تنعقد؛ إذ لا يقصد بها تحقيق شيء، ولقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [المائدة: ٨٩]، وجعل منه صاحب "الكافي": ما إذا دخل على صاحبه، فأراد أن يقوم له فقال: (لا والله)، وهو مما تعم به البلوى.
ولو قال: لا والله وبلى والله في كلام واحد .. قال الماوردي: الأولى لغو، والثانية منعقدة؛ لأنها استدراك مقصود منه، وفي معنى اللغو: ما لو حلف على شيء فسبق لسانه إلى غيره.
ولو حلف وقال: (لم أقصد اليمين) .. صدق، وفي الطلاق والعتاق والإيلاء .. لا يصدق في الظاهر؛ لتعلق حق الغير به، ولأن العادة جرت بإجراء لفظ اليمين بلا قصد بخلاف الطلاق وتالييه، فدعواه فيها تخالف الظاهر فلا تقبل.
ولو اقترن باليمين ما يدل على القصد .. لم يقبل قوله في الحكم.
ولو حلف لا يدخل الدار، ثم قال: (أردت شهراً): فإن كانت اليمين بطلاق أو عتاق .. لم يقبل في الحكم، ويلحق بهما الإيلاء؛ لتعلقه بحق آدمي، وإن كانت بالله تعالى ولم تتعلق بحق آدمي .. قبل ظاهراً وباطناً.
[لو حلف لا يفعل أمرين]
الثانية: إذا حلف لا يفعل أمرين؛ كأن لا يلبس هذين الثوبين، أو لا يأكل هذين الرغيفين، أو اللحم والعنب، أو التمر والزبيب، أو لا يدخل الدارين .. لم يحنث بأحدهما.
стр. 844
وخرج بقول الناظم: (وحالف لا يفعل الأمرين) ما لو حلف لا يفعل كلا منهما؛ بأن أعاد حرف النفي؛ كقوله: (والله؛ لا آكل اللحم ولا العنب)، أو (لا آكل التمر ولا الزبيب) .. فإنه يحنث بأحدهما؛ كما لو أعاد المحلوف به؛ كأن قال: (والله؛ لا آكل اللحم، والله؛ لا آكل العنب)، (والله؛ لا آكل التمر، والله؛ لا آكل الزبيب).
وصوره ما ذكره: ما إذا كان العطف بالواو، فإن كان بالفاء، أو بـ (ثم) .. كان حالفاً على عدم أكل العنب بعد اللحم، أو الزبيب بعد التمر بلا مهلة في الفاء، وبمهلة في (ثم) في قوله: (والله؛ لا آكل اللحم فالعنب)، أو (ثم العنب)، أو (التمر فالزبيب)، أو (ثم الزبيب) .. فلا يحنث إذا أكلهما معاً، أو العنب قبل اللحم، أو الزبيب قبل التمر أو بعده بمهلة في الفاء، وبلا مهلة في (ثم).
[إذا حلف لا يفعل شيئاً فوكل في فعله]
الثالثة: لو جلف ألا يفعل شيئاً، فوكل من فعله .. لم يحنث بفعل وكيله، فلو حلف لا يبيع أو لا يشتري، أو لا يزوج أو لا يطلق، أو لا يعتق أو لا يضرب، فوكل من فعله .. لم يحنث؛ لأنه لم يفعله، سواء أجرت عادته بالتوكيل فيه أم لا، وسواء لاق به أم لا.
نعم؛ إن نوى ألا يفعل ذلك بنفسه ولا بغيره .. حنث، أو لا ينكح أو لا يتزوج .. حنث بعثد وكيله له، لا بقبوله هو لغيره؛ لأن الوكيل في قبول النكاح سفير محض لا بد له من تسمية الموكل؛ وهذا ما جزم به في "المنهاج" كـ"أصله"، وحكاه في "الروضة" و"أصلها" عن البغوي، ومقابله عن الصيدلاني والغزالي.
ويحري مثل ذلك: فيما لو حلف لا يراجع من طلقها رجعياً، ثم وكل من يراجعها، سواء أقلنا: الرجعة ابتداء نكاح أم استدامة.
ولو حلف لا يبيع مال زيد، فباعه بإذنه .. حنث، وإلا .. فلا حنث؛ لفساد البيع، وهو في الحلف منزل على الصحيح، أو لا يهب له، فأوجب له فلم يقبل .. لم يحنث؛ لعدم تمام العقد، وكذا إن قبل ولم يقبض في الأصح؛ لأن مقصود الهبة من نقل الملك لم يحصل، ويحنث بعمرى ورقبى وصدقة؛ لأنها أنواع من الهبة، لا بإعارة ووصية ووقف؛ لأنها ليست بهبة، أو لا يتصدق .. لم يحنث بهبة في الأصح؛ لأنها الصدقة أخص من الهبة، أو لا يأكل
стр. 845
طعاماُ اشتراه زيد .. لم يحنث بما اشتراه مع غيره شركة، وكذا لو قال: (من طعام اشتراه) في الأصح، ويحنث بما اشتراه سلماً؛ لأنه نوع من الشراء.
ولو اختلط ما اشتراه بمشترى غيره .. لم يحنث بالأكل من المختلط حتى يتيقن أكله من ماله؛ بأن يأكل كثيراً كالكف والكفين؛ بخلاف القليل كعشر حبات وعشرين حبة، فيمكن أن يكون من مال الآخر.
[كفارة اليمين]
الرابعة: يتخير في كفارة اليمين بين عتق رقبة مؤمنة سليمة من عيب يخل بالعمل؛ كما سبق في الظهار، وإطعام عشرة مساكين، كل مسكين مد حب من غالب قوت بلده، وكسوتهم بما يسمى كسوة؛ للآية السابقة أول الباب، فلا يجوز أن يصرف إلى دون عشرة ولو في عشرة أيام، ولا إلى عشرة أو أكثر كل واحد دون مد، ولا أن يطعم خمسة ويكسو خمسة.
ويجوز أن يفاوت بينهم في الكسوة وقد بين نوعها بقوله: (ثوباً قباء أو ردا أو فروه) أي: أو إزاراً أو عمامة أو سراويل، أو منديلاً أو مقنعة، أو طيلساناً صوفاً وكتاناً وقطناً، وشعراً ولبداً اعتيد لبسه ولو نادراً، وحرير للنساء والرجال وإن لم يكن لهم لبسه، ولو كان ذلك عتيقاً لم تذهب قوته، أو ملبوس طفل أعطاه لكبير لا يصلح له؛ لوقوع اسم الكسوة عليه؛ كما يعطي ما للمرأة للرجل وعكسه.
ولا يشترط كونه مخيطاً، ولا سائر العورة، بخلاف الخف أو المنطقة، أو الدرع من حديد، أو نحوه من آلات الحرب، أو النعل أو المداس، أو القبع أو الخاتم، أو التكة أو القصادية؛ إذ لا تسمى هذه الأشياء كسوة، وإن كانت لبوساً .. يجب على المحرم الفدية بلبسها، والمبعض لا يعتق وإن كان له مال يفي بالعتق؛ لنقصه عن أهلية الولاء المستلزم للولاية والإرث.
وإذا عجز الحر أو المبعض عما مر .. صام ثلاثة أيام كالرقيق ولو مكاتباً لم يأذن له سيده.
والأفضل الولاء بين صومها؛ خروجاً من خلاف من أوجبه، وجاز التفريق بينها؛ لإطلاق الآية، ولبنائها على التخفيف، بخلاف كفارة الظهار والقتل، وإنما تعين الصوم على من ذكر؛ للآية السابقة، ويزيد العبد بانتفاء أهلية الملك، لكن ذلك لا يشمل المكاتب فهو ملحق بالقن؛ لعجز السيد عليه في الجملة.
والسفيه يصوم كالعبد، فلو فك حجره قبل الصوم: فإن اعتبرنا حال الأداء .. لم يجزه، أو
стр. 846
الوجوب .. فوجهان، فإن كان من أهل الصوم إلا أنه كان موسراً.
والمكاتب إن أذن له سيده في التكفير أو الكسوة .. جاز، أو بالإعتاق .. فلا، فإن كان الرقيق الحانث أمة أو عبداً وضره الصوم؛ لطول النهار وشدة الحر، وكان حلف وحنث بإذن سيده فيهما .. صام بلا إذن منه، أو وجدا بلا إذن .. لم يصم إلا بإذن منه؛ لأن حقه على الفور والكفارة على التراخي، وإن أذن في أحدهما فقط .. فالأصح: اعتبار الحنث لا الحلف؛ لأن الإذن في الحنث إذن في التكفير؛ كالإذن في الإحرام بالحج، فإنه إذن في أفعاله، والإذن في الحلف لا يستلزم الإذن في الحنث المستلزم للكفارة، فلا يكون الإذن فيه إذناً في التكفير.
والألف في قول الناظم: (وكلا) و (يفعلا) للإطلاق، وقوله: (رداً) بالتنوين، و (الولا) بالقصر للوزن.
* * *
стр. 847
باب النذر
بالذال المعجمة هو لغة: الوعد بخير أو شر، وشرعاً: قال الماوردي: الوعد بخير خاصة، وقال غيره: التزام قربة غير واجبة عيناً كما سيأتي: والأصل فيه: قوله تعالة: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ [الحج: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿يوفون بالنذر﴾ [الإنسان: ٧]، وخبر البخاري: "من نذر أن يطيع الله .. فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله تعالى .. فلا يعصه"، وخبر مسلم: "لا نذر في معصية الله تعالى، ولا فيما لا يمكله ابن آدم".
[حكم النذر]
وعن النص أنه مكروه، وجزم به النووي في "مجموعه" لأنه ﷺ نهى عنه وفال: "إنه لا يرد شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل".
وقال القاضي والمتولي والغزالي: إنه قربة، وهو قضية قول الرافعي: النذر تقرب فلا يصح من الكافر.
وقال النووي: النذر عمداً في الصلاة لا يبطلها في الأصح؛ لأنه مناجاة لله تعالى كالدعاء، وأجيب عن النهي بحمله على من ظن أنه لا يقوم بما التزمه، أو أن للنذر تأثيراً؛ كما يلوح به الخبر.
وقال ابن الرفعة في "الكفاية": والظاهر: أنه قربة في نذر التبرر دون غيره.
وقال في "المطلب": لا شك في كونه قربة إذا لم يكن معلقاً، وإلا .. فليس بقربة، بل قد يقال بالكراهة.
стр. 848
ثم هو قسمان: نذر تبرر، وهو نوعان: نذر مجازاة والتزام ابتداء، ونذر لجاج، وقد أخذ في بيانها فقال:
(يلزم بالتزامة لقربة ... لا واجب العين وذي الإباحة)
(باللفظ إن علقه بنعمة ... حادثة أو بأندفاع نقمة)
(أو نجز النذر، كـ (لله علي ... صدقة)، نذر المعاصي ليس شيء)
(ومن يعلق فعل شيء بالغضب ... أو ترك شيء بألتزامه القرب)
(إن وجد الشرط وألزم من حلف ... كفارة اليمين مثل ما سلف)
(كما به أفتى الإمام الشافعي ... وبعض أصحاب له كالرافعي)
(أما النواوي فقال: (خيرا ... ما بين تكفير وما قد نذرا)
(ومطلق القربة: نذر لزما ... نذر الصلاة: ركعتين قائما)
(والعتق ما كفارة قد حصلا ... صدقة أقل ما تمولا)
[أركان النذر وما يشترط فيها]
للنذر ثلاثة أركان: ناذر، ومنذور، وصيغة، وقد أشار إليها بما ذكره.
أما الناذر: فيعتبر كونه بالغاً عاقلاً مسلماً ولو رقيقاً أو مفلساً على ما سيأتي.
نعم؛ يصح نذر السكران كسائر تصرفاته.
وأما الصيغة: فكقول من يصح نذره: (لله علي كذا)، أو (علي كذا) بدون (لله) إذا العبادات إنما يؤتي بها لله تعالى، فالمطلق فيها كالمقيد على الأصح، بخلاف قوله: (مالي صدقة) لعدم الالتزام.
ولو قال: (لله علي كذا إن شاء)، أو (إن شاء زيد) .. لم ينعقد وإن شاء زيد؛ لعدم الجزم اللائق بالقرب.
ولو قال: (نذرت لله لأفعلن كذا) فإن نوى اليمين .. فيمين، وإن أطلق .. فوجهان، وجزم في "الأنوار" بأنه نذر، ولو قال: (نذرت لفلان كذا) .. لم ينعقد.
وأما المنذور: فهو قربة غير واجبة وجوب عين، سواء أكانت عبادة مقصودة بأن وضعت
стр. 849
للتقرب بها وعرف من الشارع الاهتمام بتكليف الخلق بإيقاعها عبادة؛ كصلاة وصوم وحج، واعتكاف وصدقة، أو فرض كفاية وإن لم يحتج في أدائه إلى بذل مال ومشقة؛ كصلاة جنازة، أم لا بأن لم تكن كذلك، وإنما هي أعمال وأخلاق مستحسنة رغب الشارع فيها؛ لعظم فائدتها، وقد يبتغي بها وجه الله تعالى فيثاب عليها؛ كعيادة المريض، وتطييب الكعبة وكسوتها، وتشميت العاطس، وزيارة القادم والقبور، وإفشاء السلام على المسلمين، وتشييع الجنائز.
وخرج بـ (القربة): المعصية، فلا يصح نذرها، والمباح كأكل ونوم، فلا يصح نذره؛ لخبر أبي داوود: "لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله"، فلو نذر ذلك وخالف .. لم تلزمه كفارة؛ كما صححه في "الروضة" و"أصلها"، وصوبه في "المجموع"، ورجح في "المنهاج" كـ"أصله" لزومها، وكذا في "الروضة" في نذر اللجاج.
وبـ (غير الواجبة): فرض العين ولو عوضاً فلا يصح نذره؛ إذ لا معنى لالتزامه بالنذر. ويشترط في المال المعين من صدقة وإعتاق وغيرهما: أن يكون ملكه، وإلا .. لم يصح نذره إلا إذا علقه بملكه؛ كقوله: (إن ملكت عبد فلان .. فعلي عتقه) فيصح، ثم إن قصد الشكر على تملكه .. فنذر تبرر، أو الامتناع منه .. فنذر لجاج؛ ذكره في "الروضة" و"أصلها".
وإنما يلزم النذر بالتزامه قربة ... إلى آخره إن علقه بنعمة حادثة، أو اندفاع نقمة؛ كقوله: (إن الله رزقني الله تعالى ولداً)، أو (شفى مريضي .. فعلي كذا)، أو نجز النذر؛ كقوله: (لله علي صوم) أو (صدقة) أو (عتق) فيلزمه؛ كما لو قال: (لله علي أن أصحي)، أو (أعتكف).
ومن يعلق فعل شيء من أفعاله، أو ترك شيء منها في حال الغضب، بالتزام فربة، ويسمى نذر اللجاج – بفتح اللام – والغضب ثم وجد المشروط .. لزمه كفارة يمين لما مر؛ كذا أفتى به الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، وذهب إليه الإمام أحمد، وهو قول عمر وابن عباس وابن
стр. 850
عمر وعائشة، وبه قال عطاء وطاووس وعكرمة، ورجحه جمع كثير من أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنهم؛ منهم الفوراني والإمام والبغوي والخوارزمي، قال البلقيني: وهو المعتمد عندهم في الفتوى، قال: ولم أجد التخيير في منصوصاته، وصححه الرافعي في "المحرر".
أما محيي الدين النووي رحمه الله تعالى فقال: الحالف مخير بين كفارة اليمين وبين الوفاء بما نذره؛ لما مر في (باب الأيمان).
وإذا نذر مطلق القربة .. لزمه نذر؛ يعني: أقل واجب في الشرع من ذلك، فإذا نذر الصلاة وأطلقها .. لزمه ركعتان يجب القيام فيهما، ولا يجوز القعود فيهما مع القدرة؛ لأنه أقل ما أوجبه الشرع، وهذا إذا أطلق، فإن قيد؛ بأن قال: (أصلي قاعداً) .. فله القعود قطعاً؛ كما لو صرح بركعة، فتجزئه قطعاً.
وإن نذر العتق وأطلق .. لزمه ما تحصل به الكفارة؛ وهو عتق رقبة مؤمنة سليمة مما يخل بالعمل من العيوب؛ تنزيلاً له على واجب الشرع؛ كما في نذر الصلاة وهو المنصوص في "الأم"، ومقتضى كلام الرافعي.
وصحح النووي حمل نذره على جائز الشرع، فتجزئ عنده الكافرة والمعيبة، قال: وهو الأرجح عند الأكثرين، والراجح في الدليل؛ لأن الأصل براءة الذمة فاكتفي بما يقع عليه الاسم، بخلاف الصلاة، فإن المقصود من الإعتاق تخليص الرقبة، وذلك لا يتفاوت فيه المعيب والسليم، والمقصود من الصلاة الكثرة، فحمل الإطلاق عليه، وإن نذر صدقة وأطلق .. لزمه أقل متمول؛ فإن ذلك قد يجب في الخلطة.
والنذر ينزل على أقل واجب من جنسه، ولو نذر عتق كافرة معيبة .. أجزاه كاملة، فإن عين ناقصة .. تعينت؛ لتعلق النذر بالعين.
стр. 851
وقول الناظم: (ليس شيء) بالنصب خبر ليس، ووقف عليه بحذف الألف على لغة ربيعة، وقوله: (وألزم) فعل أمر، أو ماض مبني للفاعل فـ (كفارة) منصوبة به، أو مبني للمفعول فـ (كفارة) مرفوعة به. والألف في قوله: (نذرا) و (لزما) و (حصلا) و (تمولا) للإطلاق، وكذا في قوله: (خيرا) إن بني للمفعول، وإلا .. فبدل من نون التوكيد.
* * *
стр. 852
كتاب القضاء
أي: الحكم، وهو في الأصل يقال لإتمام الشيء وإمضائه وإحكامه، سمي بذلك؛ لأن القاضي يتمم الأمر ويحكمه ويمضيه.
والأصل فيه قبل الإجماع: آيات؛ كقوله تعالى: ﴿وأم احكم بينهم بما انزل الله﴾ [المائدة: ٤٩]، وقوله: ﴿فاحكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: ٤٢]، وقوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس﴾ [الزمر: ٢]، وأخبار: كخبر "الصحيحين": "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ .. فله أجر، وإن أصاب .. فله أجران"، وفي رواية صحح الحاكم إسنادها: "فله عشرة أجور"، وروى البيهقي خبر: "إذا جلس الحاكم للحكم .. بعث الله تعالى له ملكين يسددانه ويوفقانه، فإن عدل .. أقاما وإن جار .. عرجا وتركاه".
وما جاء في التحذير من القضاء؛ كقوله: "من جاء قاضياً .. ذبح بغير سكين". محمول على عظم الخطر فيه، أو على من يكره له القضاء، أو يحرم على ما سيأتي.
[حكم تولي القضاء]
وهو فرض كفاية في حق الصالحين له في الناحية، فيولي فيها أحدهم ليقوم به، فإن تعين له فيها واحد؛ بأن لم يصلح غيره .. لزمه طلبه، وقبوله إذا وليه، وإن لم يتعين له واحد؛ بأن كان معه غيره: فإن كان غيره أصلح وكان يتولاه .. فللمفضول القبول، ويكره طلبه، ويستحب للفاضل الطلب والقبول، وإن كان الأصلح لا يتولاه .. فهو كالمعدوم، وإن كان مثله .. فله القبول، ويندب له الطلب إن كان خاملاً يرجو به نشر العلم، أو كان محتاجاً إلى الرزق، ويحصل به من بيت المال، وإلا .. فالأولى له تركه، ويكره له الطلب، والاعتبار في التعين وعدمه بالناحية.
стр. 853
(وإنما يليه مسلم ذكر ... مكلف حز سميع ذو بصر)
(ذو يقظه عدل وناطق، وأن ... يعرف أحكام القرآن والسنن)
(ولغة والخلف مع إجماع ... وطرق الاجتهاد بالأنواع)
[شروط القاضي]
ذكر في هذه الأبيات أنه يشترط في القاضي عشرة أشياء: كونه مسلماً، ذكراً، مكلفاً، حراً، سميعاً، متيقظاً، ناطقاً، مجتهداً.
فلا يتولاه كافر ولو على كفار، وما جرت به عادة الولاة من نصب حاكم لهم .. فهو تقليد رياسة وزعامة، لا تقليد حكم، وإنما يلزمهم حكمه بالالتزام لا بإلزامه.
ولا امرأة؛ إذ لا يليق بها مجالسة الرجال، ورفه صوتها بينهم، ولا خنثى كالمرأة.
ولا غير مكلف؛ لأنه لا يعتبر قوله على نفسه، فعلى غيره أولى.
ولا رقيق أو مبعض؛ لنقصه وعدم فراغه.
ولا أصم ولا أعمى، ولا مغفل ولا فاسق، ولا أخرس وإن فهمت إشارته.
ولا جاهل أو مقلد، أو مختل الرأي بكر أو مرض، لعجزهم عن تنفيذ الأحكام وإلزام الحقوق. والاجتهاد لغة: استفراغ الوسع في تحقيق ما يستلزم المشقة، واصطلاحاً: استفراغ الوسع في تحصيل ظن بحكم شرعي.
وشرطه: أن يعرف أحكام القرآن، والسنن، ولغة العرب مفرداتها ومركباتها؛ لورود الشريعة بها، ولأن بها يعرف عموم اللفظ وخصوصه، وأقوال العلماء من الصحابة فمن بعدهم إجماعاً واختلافاً؛ لئلا يخالفهم في اجتهاده، وطرق الاجتهاد من حال الرواة قوة وضعفاً، والقياس مع الأنواع المذكورات.
فمن أنواع القرآن والسنة: العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والنص والظاهر، والناسخ والمنسوخ.
ومن أنواع الستة: المتواتر والآحاد، والمسند والمرسل.
стр. 854
ومن أنواع القياس: الأولى والمساوي والأدون، فيعمل بها؛ كقياس الضرب للوالدين على التأفيف لهما، وقياس إحراق مال اليتيم على أكله في التحريم فيهما، وقياس التفاح على البر في (باب الربا) بجامع الطعم المشتمل عليه مع القوت والكبل البر، ويقدم الخاص على العام المعارض له، والمقيد على المطلق، والناسخ والمتصل والقوي.
قال القاضي: ولا يشترط أن يكون في كل نوع من هذه مبرزاً؛ حتى يكون في النحو كسيبويه، وفي اللغة كالخليل، بل يكون في الدرجة الوسطى من جميع ما تقدم.
قال الشيخان: قال الأصحاب: وأن يعرف أصول الاعتقاد، قال الغزالي: وعندي أنه يكفي اعتقاد جازم، ولا التبحر في هذه العلوم، بل يكفى معرفة جمل منها، ولا يشترط حفظها عن ظهر القلب، بل يكفي أن يعرف مظائها من أبوابها، فيراجعها وقت الحاجة إليها، ثم اجتماع هذه الأمور إنما يشترط في المجتهد المطلق؛ الذي يفتي في جميع أبواب الشرع، ويجوز تجزي الاجتهاد؛ بأن يكون الشخص مجتهداً في باب دون باب، فيكفيه علم ما يتعلق بالباب الذي يجتهد فيه.
فإن تعذر جمع هذه الشروط؛ كما في زمننا، فولى سلطان ذو شوكة فاسقاً أو نحوه .. صحت ولايته، ونفذ قضاؤه للضرورة؛ لئلا تتعطل مصالح الناس، ولهذا ينفذ قضاء أهل البغي.
ويستحب للإمام إذا ولى قاضياً: أن يأذن له في الاستخلاف إعانة له، فإن نهاه عنه .. لم يستخلف، ويقتصر على ما يمكنه إن كانت توليته أكثر منه، فإن أطلق توليته فيما لا يقدر إلا على بعضه .. استخلف فيما يعجز عنه؛ لحاجته إليه، لا فيما يقدر عليه في الأصح، والقادر على ما وليه لا يستخلف فيه أيضاً في الأصح.
ولو أذن له الإمام في الاستخلاف .. قطع ابن كج بأنه يستخلف في المقدور عليه كغيره.
وما ذكر في الاستخلاف العام، أما الخاص؛ كتحليف وسماع بينة .. فقطع القفال بجوازه، قال غيره: هو على الخلاف؛ وهو مقتضى إطلاق الأكثرين، كذا في "الروضة" كـ"أصلها".
وشرط المستخلف كالقاضي، إلا أن يستخلف في أمر خاص كسماع بينة، فيكفي علمه بما
стр. 855
يتعلق به، ويحكم باجتهاده إن كان مجتهداً، أو اجتهاد مقلده إن كان مقلداً حيث ينفذ قضاء المقلد، ولا يجوز أن يشترط عليه خلافه، فلو شرطه .. لم يصح الاستخلاف، وكذا لو شرطه الإمام في تولية القاضي .. لم تصح توليته.
ولو حكم خصمان رجلاً في غير حدود الله تعالى .. جاز مطلقاً بشرط أهليته للقضاء، ولا ينفذ حكمه إلا على راض به، فيشترط رضا العاقلة في ضرب الدية عليهم، وإن رجع أحدهما قبل الحكم .. امتنع الحكم، ولا يشترط الرضا بعده.
ولو نصب الإمام قاضيين ببلد، وخص كلا منهما بمكان منه أو زمن، أو نوع؛ كالأموال أو الدماء أو الفروج .. جاز، وكذا إن لم يخص في الأصح؛ كالوكيلين والوصيين، إلا أن يشترط اجتماعهما على الحكم، فلا يجوز؛ لما يقع منهما من الخلاف في محل الاجتهاد.
وقول الناظم: (الفران) بنقل حركة الهمزة إلى الراء، وقوله: (الاجتهاد) بنقل حركة الهمزة إلى اللام.
[ما يستحب في القاضي]
(ويستحب كاتباً، ويدخل ... بكرة الاثنين، ووسطاً ينزل)
أي: يستحب كون القاضي كاتباً؛ لأنه قد يكتب إلى غيره، ويكتب غيره إليه، فلا يحتاج إلى كاتب، ولا قارئ ولا يشترط؛ لأنه ﷺ كان أمياً لا يكتب.
ويستحب أيضاً: أن يكون وافر العقل، حليماً متثبتاً، ذا فطنة وتيقظ، كامل الحواس والأعضاء، عالماً بلغة الذين يقضي بينهم، بريئاً من الشحناء، بعيداً من الطمع، صدوق اللهجة، ذا رأي وسكينة ووقار، ولا يكون جباراً تهابه الخصوم، فلا يتمكنون من استيفاء الحجة، ولا ضعيفاً يستخفون به، والأولى أن يكون قرشياً، ورعاية العلم والتقوى أهم من رعاية النسب، وصحح ابن الصلاح وتبعه النووي في مقدمة "المجموع": اشتراط معرفة الحساب؛ لتصحيح المسائل الفقهية بالنسبة إلى المفتي؛ وهو جار في القاضي، قال في "المطلب": وهو الصواب.
ويندب للإمام أن يكتب لمن يوليه القضاء ببلد كتاباً به؛ بما يحتاج إليه فيه، ويشهد بالكتاب
стр. 856
شاهدين يخرجان معه إلى البلد، يخبران بالحال من التولية وغيرها، ويكفي إخبارهما بها من غير كتاب، وتكفي الاستفاضة بها لا مجرد كتاب بها، ويبحث القاضي عن علماء البلد وعدوله قبل دخوله، فإن لم يتيسر .. فحين يدخل، ويدخل بلد حكمه بكرة يوم الإثنين.
قال في "الروضة": قال الأصحاب: فإن تعسر يوم الإثنين .. فالخميس، وإلا .. فالسبت، وينزل وسط البلد بفتح السين؛ ليتساوى أهله في القرب منه، وينظر أولاً في أهل الحبس؛ لأنه عذاب.
قال الماوردي: وقبل النظر فيهم يتسلم من المعزول المحاضر والسجلات، وأموال اليتامى، والضوال والأوقاف، ويؤخذ منه ما جزم به البلقيني: أنه يقدم على النظر فيهم أيضاً كل ما كان أهم منه؛ كالنظر في المحاجير الذين تحت نظره، وما أشرف على الهلاك من الحيوان في التركات وغيرها، وما أشرف من الأوقاف وأملاك محاجيره على السقوط؛ بحيث يتعين الفور في تداركه.
وقبل جلوسه للنظر في المحبوسين يأمر منادياً ينادي يوماً، أو أكثر بحسب الحاجة: ألا إن القاضي ينظر في أمر المحبوسين يوم كذا، فمن له محبوس .. فليحضر، ويبعث إلى الحبس أميناً أو أمينين؛ ليكتب اسم كل محبوس وما حبس به، ومن حبس له في ورقة.
فإذا جلس اليوم الموعود وحضر الناس .. صبت الأوراق بين يديه، وأخذ واحدة واحدة، ونظر في الاسم المثبت فيها، وسأل عن خصمه، فمن قال: (أنا خصمه) .. بعث معه ثقة إلى الحبس ليأخذ بيد محبوسه ويحضره.
فإذا حضر عنده .. سأل المحبوس عن سبب حبسه، فإن اعترف بالحق .. عمل معه مقتضى الاعتراف، وإن قال: (حبست ظلماً) .. فعلى خصمه حجة بأنه حبسه بحق، فإن لم يقمها .. صدق المحبوس بيمينه، ويطلقه إن ثبت ما ادعاه بحلفه أو بينة، أو اعتراف خصمه، أو يعلم القاضي.
(وإن كان خصمه غائباً ... خلاه في الحبس وبحث عنه)
وإن ادعى الجهل بسبب حبسه، أو قال: (لا خصم لي) .. نودي عليه لطلب الخصم ثلاثة أيام؛ كما في "البحر" وغيره، ولا يحبس مدة النداء، ولا يخلى بالكلية، بل يراقب، فإن
стр. 857
حضر خصمه في هذه والتي قبلها وأقام حجة على الحق، أو على أن القاضي حكم عليه بذلك .. فذاك، وإلا .. أطلقه، ويحلف النافي على ما يدعيه؛ لأن الحبس بلا خصم خلاف الظاهر.
ويطلق من حبس للتعزيز إن رأى إطلاقه، وإن رأى مصلحة في إدامة حبسه .. أدامه.
ثم ينظر في الأوصياء على الأطفال ونحوهم؛ لأنهم يتصرفون في حق من لا يملك المرافعة، فمن ادعى وصاية .. سئل عن حالها، وعن حاله وتصرفه، فمن وجده مستقيم الحال قوياً .. أقره، أو فاسقاً. أخذ المال منه، أو ضعيفاً .. عضده بمعين.
فإن قال الموصي: (فرقت ما أوصى به) فإن كان لمعينين .. لم يتعرض له، أو بجهة عامة وهو عدل .. أمضاه، أو فاسق .. ضمنه بتعديه، وغير الوصي إذا فرق ما هو لمعينين .. وقع الموقع؛ لأن لهم أن يأخذوه من غير واسطة، أو لجهة عامة .. ضمن.
وقول الناظم: (الاثنين) بنقل حركة الهمزة إلى اللام.
(ومجلس الحكم يكون بارزاً ... متسعاً من وهج حر حاجزاً)
(يكره بالمسجد حيث قصدا ... حكم، خلاف مالك وأحمدا)
(ونصب بواب وحاجب بلا ... عذر، وإلا فأميتا عاقلاً)
(وحكمه مع ما بخل فمره ... – كغصب لحظ نفس – يكره)
(ومرض وعطش وجوع ... حقن نعاس ملل وشيع)
(حر وبرد فرح وهم ... والقاض في ذي نافذ للحكم)
[ما يستحب في مجلس القضاء]
أي: يستحب كون مجلس الحكم بارزاً؛ أي: ظاهراً ليهتدي إليه كل واحد، فسيحاً متسعاً، حتى لا يزدحم فيه الخصوم ويتضرر الشيخ الكبير والعجوز ونحوهما.
وأن يكون حاجزاً؛ أي: مصوناً من وهج الحر أذى البرد والريح، والغبار والدخان؛ كأن يكون في الصيف في مهب الرياح وفي الشتاء في كن، هذا إن اتحد المجلس، فإن تعدد وحصل زحام .. اتخذ مجالس بعدد الأجناس، فلو اجتمع رجال وخناثي ونساء .. اتخذ ثلاثة مجالس؛ قاله ابن القاص.
стр. 858
وينبغي ارتفاع محل جلوسه كدكة، وأن يتوجه للقبلة غير متكئ، وحسن أن يوضع له فراش ووسادة؛ ليعرفه الناس، ويكون أهيب للخصوم، وأرفق به فلا يمل.
ويكره القضاء في المسجد إذا اتخذ بقصد الحكم فيه؛ صوناً له عن ارتفاع الأصوات واللغط الواقعين بمجلس الحكم عادة، وقد يحتاج لإحضار المجانين والصغار، والحيض والكفار، ولخبر ابن ماجه والطبراني في "الكبير": "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، وشراءكم وبيعكم، وخصوماتكم"، بخلاف اتخاذه مجلساً للفتوى، وتعليم القرآن والعلم فلا يكره.
ولو اتفقت قضية أو قضايا وقت حضوره في المسجد لصلاة أو غيرها .. فلا بأس بفصلها؛ للاتباع، رواه البخاري، وهذا مخالف لمالك وأحمد حيث قالا: لا يكره القضاء في المسجد، فقد روي عن عمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم: أنهم كانوا يقضون في المسجد، وقال مالك رضي الله تعالى عنه: القضاء في المسجد من أمر الناس القديم، وقال الشعبي: رأيت عمر ﵁ مستنداً؛ يعني: إلى القبلة، يقضي بين الناس، ولأن القضاء قرية وإنصاف بين الناس فلم يكره في المسجد.
[ما يكره للقاضي]
ويكره للقاضي حال جلوسه للحكم نصب حاجب يحجب الناس عن الوصول إليه؛ لخبر الترمذي: "من ولي من أمور المسلمين شيئاً واحتجت دون حاجتهم .. احتج الله دون حاجته، وفقره وفاقته"، واتخاذ بواب يمنع الناس ويغلق الباب دونهم، خصوصاً إن كان يغلقه عن الفقراء ويفتحه للأغنياء والرؤساء، وهذا لم يكن عذر، فإن كان لزحام، أو لم يجلس للحكم؛ بأن كان في وقت خلواته .. لم يكره نصبهما.
قال الماوردي: إنما يكره الحاجب إذا كان وصول الخصم موقوفاً على إذنه، وأما من وظيفته ترتيب الخصوم وإعلامه بمنازل الناس؛ وهو المسمى في زماننا بالنقيب .. فلا بأس باتخاذه، وصرح القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ باستحبابه فقالوا: يستحب أن يتخذ حاجباً يقوم على رأسه إذا قعد، ويقدم الخصم ويؤخرهم.
стр. 859
قال ابن أبي الدم: وهذا هو الصحيح في زماننا، وإن لم يكره .. فيشترط كونه عدلاً أميناً عفيفاً عاقلاً؛ صرح به الماوردي والروباني.
واستحب ابن خيران: كونه كهلاً كثير الستر على الناس.
واسحب ابن المنذر كونه خصياً لمكان النساء، قال الصيمري: لا وجه له؛ لأن الشيخ الكبير يؤمن منه الخوف عليهن.
ويكره حكم القاضي مع وجود شيء مما يخل بفكره؛ كغضب لحظ نفسه، ومرض مؤلم، وعطش وجوع، وحقن ونعاس، وملل وشبع، وحر وبرد، وفرح وهم؛ لخبر "الصحيحين": "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان"، ورواه ابن ماجه بلفظ: "لا يقضي القاضي ... "، وفي "صحيح أبي عوانة": "لا يقضي القاضي وهو غضبان مهموم، ولا نصاب محزون، ولا يقضي وهو جائع"، وفي معنى ذلك سائر ما يخل بالفكر.
وخرج بقول الناظم: (لحظ نفس): الغضب لله تعالى، وقد استثناه البغوي والإمام وغيرهما، واستغربه في "البحر".
قال البقلقيني: والمعتمد: الاستثناء؛ لأن الغضب لله تعالى يؤمن معه التعدي، بخلاف الغضب لحظ النفس، وقال الأذرعي: الراجح من حيث المعنى، والموافق لإطلاق الأحاديث وكلام الشافعي ﵁ والجمهور: أنه لا فرق؛ لأن المحذور تشويش الفكر، وهو لا يختلف بذلك.
نعم؛ تنتفي الكراهة إذا دعت الحاجة إلى الحكم في الحال، وقد يتعين الحكم على الفور في صور كثيرة، ولو حكم في هذه الأحوال .. نفذ حكمه؛ لقصة الزبير المشهورة، وفعله ﷺ محمول على التشريع.
والألف في قول الناظم: (قصدا) و (أحمدا) للإطلاق، وقوله: (والقاض) بحذف الياء.
стр. 860
(تسوية الخصمين في الإكرام ... فرض، وجاز الرفع بالإسلام)
(هدية الخصم لمن لم يعتد ... قبل القضا: حرم قبول ما هدى)
(ولم يجز تلقين مدع، ولا ... تعيين قوم غيرهم لن يقبلا)
(وإنما يقبل قاض ما كتب ... قاض إليه حين مدع طلب)
(بشاهدين ذكرين شهدا ... بما حواه جين خصم جحدا)
فيها أربع مسائل:
[التسوية بين الخصمين فرض]
الأولى: التسوية بين الخصمين في كل إكرام فرض على القاضي في دخول عليه، بأن يأذن لهما فيه، وقيام لهما، ونظر إليهما، واستماع لكلامهما، وطلاقة وجه لهما، وجواب سلام منهما، ومجلس؛ بأن يجلسهما إن كانا شريفين بين يديه، أو أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وكذا سائر أنواع الإكرام، فلا يخص أحدهما بشيء منها؛ لأن تخصيص أحدهما بكسر قلب الآخر، ويمنعه أن يلحن بحجته، فلم سلم الخصمان معاً. أجيابهما، أو أحدهما .. قال الرافعي: قال الأصحاب ينتظر سلام الآخر فيجيبهما معاً، وقد يتوقف فيه مع طول الفصل، وذكروا أنه لا بأس أن يقول للآخر: سلم، فإذا سلم .. أجابهما، قال: وفيه اشتغال منه بغير الجواب، ومثله يقطع الجواب عن الخطاب، وكأنهم احتملوا ذلك؛ لئلا يبطل معنى التسوية، وما نقله عن الأصحاب أولاً .. قال الزركشي: حكاه الإمام عن القاضي وحده ثم زيفه، وحكى الماوردي في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: يرده عليه في الحال، ثانيها: بعد الحكم، ثالثها: يرد عليهما معاً في الحال، ولم يحك ما نقله الرافعي وجهاً، بل عزاه لبعض الفقهاء؛ يعني: من غير أصحابنا، والمختار ما مال إليه الإمام: من وجوب الرد في الحال، وبه جزم القاضي أبو الطيب، وشريح الروياني وغيرهما، وصححه الجرجاني. انتهى، وسبقه إلى الإسنوي وأطال فيه، ثم قال: فتلخص أن ما نسبه الرافعي إلى
стр. 861
الأصحاب .. غلط أوقعه فيه البغوي للقاضي. انتهى.
وجاز القاضي رفع المسلم على الكافر في المجلس؛ بأن يجلس المسلم أقرب إلى القاضي؛ كما جلس على ﵁ بجنب شريح في خصومه له مع يهودي، وقال: لو كان خصمي مسلماً .. لجلست معه بين يديك، ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تساووهم في المجلس" وراه البيهقي في "سننه"، وفي سائر وجوه الإكرام حتى في التقديم في الدعوى؛ كما بحثه بعضهم.
ويقدم القاضي عند اجتماع الخصوم المسافر الذي تهيأ للسفر وخاف انقطاعه عن رفقته إن تأخر على المقيم؛ لئلا يتضرر، ثم يقدم بعد المرأة على غيرها؛ طلباً لسترها.
نعم؛ إن كثر المسافرون أو النساء .. قدم بالسبق، ثم بالقرعة؛ كما في بعض كل منهما مع الآخر.
قال في "الروضة" كـ"أصلها": وينبغي ألا يفرق بين كونهم مدعين ومدعى عليهم، وتقديهم رخصة غير واجب، وقيل: واجب، واختار في الروضة: أنه مندوب.
ثم بعد المرأة يقدم وجوباً السابق لمجلس الحكم، والعبرة بسبق المدعي دون المدعى عليه، ثم من خرجت له القرعة، فإن عسر الإقراع لكثرتهم .. كتب أسمائهم في رقاع ووضعت بين يجيه؛ ليأخذ واحدة واحدة، فيسمع دعوى من خرج اسمه، ويقدم السابق والقارع في خصومة واحدة، فلا يثنى بأخرى؛ دفعاً للضرر عن الباقين، فينتظر فراغهم، أو يحضر في مجلس آخر.
وأما المقدم بالسفر .. فقال النووي: الأرجح: أنها إن كانت قليلة أو خفيفة بحيث لا تضر بالباقيين إضراراً بيناً .. قد بجميعها، وإلا .. فبواحدة؛ لأنها مأذون فيها، وقد يقنع بواحدة ويؤخر الباقي إلى أن يحضر، واعترضه الإسنوي: بأن ما ذكره من التقديم بواحدة .. ممنوع، بل القياس على ما قاله: أن يسمع في عدد منها لا يضر بالباقين. انتهى.
وقال بعضهم: والظاهر: أن المرأة في ذلك كالمسافر، وأن الخنثى كالمرأة.
стр. 862
[حكم الهدية للقاضي وما يتعلق به]
الثانية: هدية من له خصومة إلى القاضي حرام، فيحرم عليه قبولها ولو عهد ذلك منه قبل القضاء؛ لخبر: "هدايا العمال غلول" وراه البيهقي بإسناد حسن، وروي: "هدايا العمال سمحت"، وروي: "هدايا السلطان سحت"، ولأنها تدعو إلى الميل إليه، فلا يملكها القاضي لو قبلها، فيجب عليه ردها إلى مالكها، فإن تعذر .. وضعها في بيت المال؛ كمن لم يعتد قبل القضاء الهدية إلى القاضي ولا خصومة له؛ فإنه يحرم على القاضي قبول هديته في محل هديته في محل ولايته؛ للخبر السابق، ولأن سببها العمل ظاهراً، بخلافها في غير محل ولايته؛ فإنها لا يحرم قبولها؛ كما في "الروضة" و"أصلها".
وإن كان يهدي إليه قبل ولايته القضاء ولا خصومة له .. جاز قبولها إذا كانت بقدر العادة؛ لأنها ليست حادثة بسبب العمل، والأولى ألا يقبلها؛ لأنه أبعد عن التهمة أو يثبت عليها، أما إذا زادت على العادة .. فكما لو لم يعهد منه؛ قاله في "الروضة" كـ"أصلها"، وقضيته: تحريم الجميع.
وقال الروياني نقلاً عن المذهب: إن كانت الزيادة من جنس الهدية .. جاز قبولها؛ لدخولها في المألوف، وإلا .. فلا، والضيافة والهبة كهدية.
وأما الرشوة: وهي ما يبذل للقاضي ليحكم بغير الحق، أو ليمتنع من الحكم بالحق .. فحرام مطلقاً.
ولا ينفذ حكم القاضي لنفسه ورقيقه وشريكه في المشترك، وأصله وفرعه، ورقيق كل منهما، وشريكه في المشترك، ويحكم له ولهؤلاء الإمام، أو قاض أو نائبه.
وإذا أقر المدعى عليه، أو نكل فحلف المدعي، أو أقام بينة وسأل القاضي أن يشهد على إقراره أو يمينه، أو الحكم بما ثبت والإشهاد به .. لزمه، وكذا إذا حلف المدعى عليه وسأله الإشهاد ليكون حجة له .. فلا يطالب مرة أخرى.
وإذا حكم باجتهاد ثم بان خلاف نص الكتاب أو السنة، أو الإجماع أز قياس جلي .. تبين
стр. 863
بطلانه، بخلاف القياس الخفي، والقضاء فيما باطن الأمر فيه بخلاف ظاهره ينفذ ظاهراً لا باطناً.
فلو حكم بشهادة زور بظاهري العدالة .. لم يحصل بحكمه الحل باطناً، سواء المال والنكاح وغيرهما، وما باطن الأمر فيه كظاهره؛ بأن ترتب على أصل صادق ينفذ القضاء فيه باطناً أيضاً قطعاً إن كان في محل اتفاق المجتهدين، وعلى الأصح عند البغوي وغيره: إن كان في محل اختلافهم وإن كان القضاء لمن لا يعتقده؛ لتتفق الكلمة ويتم الانتفاع.
ولا يقضي بخلاف علمه بالإجماع؛ كأن علم أن المدعي أبرأ المدعي عليه مما ادعاه، وأقام به بينة، أو أن المدعي قتله -وقامت به بينة- حي، فلا يقضي بالبينة فيما ذكر.
ويقضي بعلمه ولو في الطلاق والعتق؛ كما يقضي بالحجة، بل أولى سواء أعلم ذلك في زمن ولايته ومكانها، أم في غيرهما، وسواء أكان في الواقعة بينة أم لا، وذكر الماوردي والروياني: أنه لا ينفذ الحكم بالعلم إلا مع التصريح بأن مستنده علمه بذلك؛ كأن يقول: (قد علمت أن له عليك ما ادعاه، وحكمت عليك بعلمي) كما يقضي بعلمه في تعديل الشهود وجرحهم، وفي التقويم لما يحتاج لتقويمه وإن لم يكن معه مقوم آخر، إلا في حدود الله تعالى وتعازيره؛ لندب الستر في أسبابها، بخلاف عقوبات الآدمي وحقوقه تعالى المالية.
[حرمة تلقين المدعي]
الثالثة: يحرم على القاضي تلقين مدع كيف يدعي؛ لما فيه من كسر قلب الآخر، وتعيين قوم من الشهود ولا يقبل غيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾، ولأن فيه إضراراَ بالناس؛ لأن كثيراً من الوقائع التي يحتاج إلى البينة فيها لا يطلع عليها المعينون، لكن له أن يرتب شهوداً يشهدهم الناس، فيستغنون بإشهادهم عن تعديلهم، ويستغني الحاكم عن الكشف عن حالهم.
[القضاء على الغائب]
الرابعة: إنما يقبل القاضي الذي في بلد الخصم كتاب القاضي على الغائب إذا سمع البينة على الغائب وقبلها، وثبت عنده المال على الغائب، وكتب إلى قاضي البلد الذي فيه المدعي عليه، وذلك حين يطلب المدعي منه ذلك ويكتب، فإذا وصل الكتاب إلى القاضي .. لا يقبله
стр. 864
إلا بشاهدين عدلين ذكرين شهدا على القاضي بما حواه كتابه حين أشهدهما على نفسه، وختم الكتاب، وذكر فيه نقش خاتمه الذي ختم به من نسخة مع الشاهدين غير مختومة للمطالعة.
ويكتب القاضي اسم نفسه، واسم المكتوب إليه في باطن الكتاب، وعلى العنوان.
ثم المكتوب إليه يحضر الخصم، فإن أقر .. استوفى الحق منه، وإن جحد ذلك .. شهد الشاهدان عليه بما يعلمانه.
ويجوز القضاء على الغائب بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو رجل ويمين كالحاضر، ويجب أن يحلف يميناً أخرى؛ لنفي المسقط في الصر الثلاث، والقاضي بعد سماع البينة قد يحكم وينهي إلى حاكم آخر، وقد يقتر على السماع وينهيه، و (الإنهاء): أن يشهد عدلين بذلك.
ويستحب كتاب يذكر فيه ما يتميز به المحكوم عليه، ويختمه كما مر، فإن قال: (لست المسمى فيه) .. صدق بيمينه، وعلى المدعي البينة على أنه اسمه ونسبه، فإن أقامها فقال: (لست المحكوم عليه) .. لزمه إن لم يكن هناك مشارك له في الاسم والصفات عاصر المحكوم عليه، وإن وجد المشارك واعترف .. طولب به، وخلص الأول، وإلا .. فيحتاج إلى مزيد صفة يتميز بها المشهود عليه.
ولو حضر قاضي بلد الغائب إلى بلد الحاكم فشافهه بحكمه .. أمضاه إذا عاد إلى بلده، والأولى تسمية البينة، وكتاب الحكم يُمضي مع قرب المسافة وبعدها، وسماع البينة لا يُمضي إلا فيما فوق مسافة العدو.
والألف في قول الناظم: (يقبلا) و (جحدا) للإطلاق.
стр. 865
كتاب القسمة
هي: تمييز الحصص بعضها عن بعض، والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى ﴿وإذا حضر القسمة﴾ الآية، وخبر: "الشفة فيما لم يقسم"، (وكان ﷺ يقسم الغنائم بين أربابها) رواه الشيخان، والحاجة داعية إليها، فقد يتبرم الشريك من المشاركة، ويقصد الاستبداد بالتصرف.
(يجبر حاكم عليها الممتنع ... في متشابه وتعديل شرع) (إن لم يضر طالباً للقسمة ... وقسم رد بالرضا والقرعة) (وينصب الحاكم حرا ذكرا ... كلف عدلاً في الحساب مهرا) (ويشرط اثنان إذا يقوم ... وحيث لا تقويم فرد يقسم)
الأعيان المشتركة قسما:
[قسمة ما يعظم الضرر بقسمته]
أحدهما: ما يعظم الضر في قسمته؛ كجوهرة وثوب نفيسين، وزوجي خف، إن طلب الشركاء كلهم قسمته .. لم يجبهم القاضي، ولا يمنعهم إن قسموا بأنفسهم إن لم تبطل منفعته؛ كسيف يكسر، بخلاف ما تبطل منفعته .. فإنه يمنعهم؛ لأنه سفه، وما يبطل نفعه بالمقصود؛ كحمام وطاحونة صغيرين .. لا يُجاب طالب قسمته، ولم يجبر عليها الآخر؛ لوجود الضرر.
[قسمة ما لا يعظم الضرر بقسمته]
وما لا يعظم ضرره .. قسمته أنواع ثلاثة:
[قسمة الإفراز]
أحدها: قسمة المتشابهات بالأجزاء؛ كمثلي من حبوب ودراهم وأدهان ونحوها، ودار متفقة الأبنية، وأرض مشتبهة الأجزاء، فتعدل السهام كيلاً في المكيل، أو وزناً في الموزون،
стр. 866
أو ذرعاً في المذروع بعدد الأنصباء إن استوت؛ كأثلاث لزيد وعمرو وبكر، ويكتب في كل رقعة اسم ريك، أو جزء مميز بحد أو جهة، وتدرج في بنادق، ثم تجعل الرقاع في حجر من لم يحضرها حين الكتابة والإدراك، ثم يخرج رقعة على الجزء الأول إن كتب الأسماء، فيعطي لمن خرج اسمه، أو على اسم زيد إن كتب الأجزاء، فيعطي ذلك الجزء، ويفعل ذلك في الرقعة الثانية فيخرجها على الجزء الثاني، أو على اسم عمرو، ويتعين الثالث للباقي إن كانت أثلاثاً.
وتعيين من يبتدئ به من الشركاء والأجزاء منوط بنظر القاسم، فإن اختلفت الأنصباء؛ كنصف وثلث وسدس في أرض .. جزئت الأرض على أقل السهام وهو السدس، فتكون ستة أجزاء، وقسمت كما سبق، ويحترز عن تفريق حصة واحد، وهو في غي الأقل في كتابة الأجزاء في ست رقاع إذا بدئ بصاحب السدس، وخرج على اسمه الجزء الثاني أو الخامس، فنتفرق حصة غيره، فيبدأ بمن له النصف مثلاً، فإن خرج على اسمه الجزء الأول أو الثاني .. أعطيهما والثالث، ويثني بصاحب الثلث، فإن خرج على اسمه الجزء الرابع .. أعطيه والخامس، وتعيين السادس لصاحب السدس.
وفي كتابة الأسماء زيد وعمرو وبكر في ثلاث رقاع أو ست، إن خرج اسم بكر صاحب السدس على الجزء الأول .. أخذه، وإن خرج على الثاني اسم عمرو صاحب الثلث .. أخذه مع الثالث، وتعينت الثلاثة الباقية لزيد صاحب النصف، ولا يخفى الحكم لو خج اسم زيد قبل عمرو، أو اسم أحدهما أولاً وتوسط بينهما اسم بكر، ولا تفريق لحصتهما في ذلك.
[قسمة التعديل]
ثانيها: قسمة التعديل؛ بأن تعدل السهام بالقيمة؛ كأرضٍ تختلف قيمة أجزائها بحسب قوة إثبات وقرب ماء، فإذا كانت لاثنين نصفين وقيمة ثلثها المشتمل على ما ذكر كقيمة ثلثيها الخالي عن ذلك .. جعل الثلث سهماً والثلثان سهماً، وأقرع بكتابة الاسمين أو الجزأين نحو ما تقدم، فمن خرج له جزء .. أخذه.
ولو استوت قيمة دارين أو حانوتين لاثنين بالسوية فطلب جعل كل منهما لواحدٍ .. فلا إجبار في ذلك، تجاور ما ذكر أو تباعد؛ لشدة اختلاف الأغراض باختلاف المحال والأبنية.
ولو اشتركا في دكاكين صغار متلاصقة لا تحتمل آحادها القسمة، فطلب أحدهما قسمتها أعياناً .. فالأصح: الإجبار، أو استوت قيمة عبيدٍ، أو ثياب من نوع .. اجبر الممتنع؛ لقلة اختلاف الأغراض فيها، أو نوعين كعبدين تركي وهندي، أو ثوبين إبريسم وكتان .. فلا إجبار في ذلك.
стр. 867
[قسمة الرد]
ثالثها: قسمة الرد؛ كأن يكون في أحد الجانبين من الأرض بئر، أو شجر لا تمكن قسمته، فيرد من يخرج له بالقرعة قسط قيمته، فإن كانت ألفاً وله النصف .. رد خمس مئة.
وقسمة المتشابهات إفراز بمعنى أنها تعين أن ما خرج لكل من الشريكين مثلاً هو الذي ملكه.
[إجبار الحاكم الممتنع على القسمة]
وكل من قسمة التعديل والرد بيع، ويجب الحاكم على القسمة الممتنع منها في قسمة المتشابهات وقسمة التعديل؛ إذ لا ضر عليه فيها، وإلحاقاً للتساوي في القيمة بالتساوي في الأجزاء، وإنما دخلها الإجبار للحاجة؛ كما يبيع الحاكم مال المديون جبراً.
وإنما يجبر الحاكم الممتنع فيما ذكر إن لم تضر القسمة طالبها، فلو كان له عشر دار لا يصلح للسكنى، والباقي لآخر يصلح للسكنى فطلبها .. لم يجبر الآخر؛ لأن طلبه تعنت بخلاف الآخر، وقسمة الرد لا إجبار فيها؛ لأن الزيادة المأخوذة لا شركة فيها، وإنما يقع الإجبار في المشترك، بل لابد من الرضا بعد خروج القرعة؛ لأنها بيع، والبيع لابد فيه من الرضا؛ كقولهما: (رضينا بهذه القسمة)، أو (بما أخرجته هذه القرعة).
ثم قد يقسم الشركاء، أو منصوبهم أو منصوب الإمام.
[الشرط في القاسم]
ويشترط أن ينصب حراً ذكراً مكلفاً عدلاً في الحساب مهر؛ بأن يعلم المساحة والحساب؛ لأنه يلزم كالحاكم، وليوصل إلى كل ذي حق حقه.
قال الماوردي: وأن يكون نزهاً قليل الطمع حتى لا يدلس ولا يخون.
وأفهم كلام الناظم ككثير: أنه لا يشترط معرفته التقويم، قال ابن الرفعة: وهو الذي أورده القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ.
ومنصوب الشركاء لا يشترط فيه العدالة والحرية؛ لأنه وكيل لهم، وقضيته: عدم اشتراط الذكورة أيضاً، وهو واضح، ومحكم كمنصوب الإمام.
стр. 868
ويشترط للقسمة إذا كان فيها تقويم اثنان؛ لأنهما شاهدان بالقيمة.
نعم؛ إن جعل الإمام القاسم حاكماً في التقويم .. جاز فيعمل فيه بعدلين، ويقسم بنفسه، وله أن يقضي فيه بعلمه، وحيث لا تقويم في القسمة .. فيكفي فيها قاسم واحد كالحاكم، سواءً أنصبه الإمام أم الشركاء، ويجعل الإمام رزق منصوبه من بيت المال، فإن لم يكن .. فأجرته على الشركاء، فإن استأجروه وسمى كل قدراً .. لزمه، وإن أطلقوا المسمى .. فالأجرة موزعة على قدر حصصهم المأخوذة، لا بعدد رؤوسهم؛ لأنها من مؤن الملك كالنفقة.
والألف في قول الناظم: (مهرا) للإطلاق، والمهارة في الشيء: الحذق فيه.
* * *
стр. 869
باب الشهادة
مصدر شهد، وهي لغة: الخبر القاطع، وشرعاً: إخبار بحق لغير المخبر على غيره على وجه مخصوص.
والأصل فيها: آيات؛ كقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾، وقوله: ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾، وأخبار؛ كخبر الصحيحين: ((ليس لك إلا شاهداك أو يمينه))، وخبر: أنه ﷺ سئل عن الشهادة، فقال للسائل: "ترى الشمس؟ "، فقال: عم، فقال: "على مثلها فاشهد أو دع" رواه البيهقي والحاكم وصحح إسناده.
وتتحقق: بشاهد، ومشهود له، ومشهود عليه، ومشهود به، وبدأ بالأول فقال:
(وإنما تقبل ممن أسلما ... كلف، حرا، ناطقا، قد علما) (عدلاً، على كبيرة ما أقدما ... طوعاً، ولا صغيرة ما لزما) (أو ناب مع قرائن أن قد صلح ... والاختيار سنة على الأصح) (مروءة المثل له، وليس جار ... لنفسه نفعاً ولا دافع ضار) (أو أصل أو فرع لمن يشهد له .. كما على عدوه لن نقبله) (ويشهد الأعمى ويروي إن سبق ... تحمل أو بمقر اعتلق) (وبتسامع نكاح وحمام ... وقف ولاء نسب بلا اتهام)
فيها مسألتان:
[ما يعتبر لقبول الشهادة]
الأولى: يعتبر في قبول الشهادة أمور:
أولها: الإسلام؛ فلا نقبل شهادة الكافر ولو على أهل دينه؛ لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾.
стр. 870
ثانيها: التكليف؛ فلا نقبل شهادة غير المكلف كإقراره بل أولى.
ثالثها: الحرية؛ فلا تقبل شهادة غير الحر ولو مكاتباً أو مبعضاً كسائر الولايات؛ إذ في الشهادة نفوذ قول على الغير.
رابعها: النطق؛ فلا تقبل شهادة الأخرس وإن فهمت إرادته؛ لأنها لا تفصح عن المراد، وإنما صحت تصرفاته بها للحاجة.
خامسها: العلم بالعدالة وظهورها؛ فلا تقبل شهادة من لم تثبت عدالته كالفاسق؛ لقوله تعالى: ﴿واشهدوا ذوي عدل منكم﴾، ولقوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾، ولأن الحاكم لا يحكم إلا بشهادة من يغلب على ظنه صدقها.
و(العدل): من لم يقدم على كبيرة مختاراً؛ وهي ما لحق صاحبها ووعيد شديد ينص كتاب أو سنة؛ كالقتل والزنا واللواط، وشرب المسكر والسرقة، والغصب والقذف، والنميمة وشهادة الزور، واليمين الفاجرة وقطيعة الرحم، والعقوق والفرار، وإتلاف مال اليتيم والربا، والسحر والوطء في الحيض وخيانة الكيل أو الوزن، وتقديم الصلاة على وقتها أو تأخيرها عنه، والكذب على سيدنا رسول الله ﷺ ، وضرب المسلم وسب الصحابي، وكتمان الشهادة، والرشوة والدياثة والقيادة والسعاية، ومنع الزكاة واليأس من الرحمة، والأمن من المكر، وأكل لحم الخنزير والميتة، والفطر في رمضان والغلول والمحاربة، ولا لازم صغيرة وأصر عليها؛ وهي كل ذنب ليس بكبيرة، والإصرار عليها: الإكثار من نوع أو أنواع منها، فتنتفي به العدالة إلا أن تغلب طاعات المصر على ما أعليه فلا يضر، والصغيرة: كالنظر إلى ما لا يجوزن والغيبة والسكوت عليها، والكذب الذي لا حد فيه ولا ضرر، والإشراف على بيوت الناس، وهجر المسلم فوق ثلاث، والجلوس مع الفساق إيناساً لهم، واللعب بالنرد، واستعمال آلة من شعار شربة الخمر؛ كطنبور وعود، وصنج ومزمار عراقي، واستماعها، واللعن ولو لكافر أو بهيمة، وليس حرير وجلوس عليه، والهجو والسفاهة.
وخرج يقول الناظم: (طوعاً): من أقدم على كبيرة مكرهاً؛ فإنه عدل.
قوله: (أو تاب) أي: ما أقدم على كبيرة مختاراً، ولا أصر على صغيرة، أو فعل ذلك لكنه تاب مع قرائن تغلب على الظن بأنه قد صلح.
فيشترط في توبة معصية قولية القول؛ فيقول القاذف: (قذفي باطل، وأنا نادم عليه،
стр. 871
ولا أعود إليه)، ويقول شاهد الزور: (شهادتي باطلة، وأنا نادم عليها، ولا أعود إليها).
ويشترط في توبة المعصية الفعلية؛ كالزنا والشرب والسرقة: إقلاع عنها، وندم عليها، وعزم ألا يعود إليها، ورد ظلامة آدمي إن تعلقت به من مال وغيره، فيؤدي الزكاة لمستحقيها، والمغصوب إن بقي، وبدله إن تلف لمستحقه، ويمكن مستحق القصاص والقذف من الاستيفاء.
ويشترط اختباره بعد توبته مدة يظن بها صدقه؛ وهي سنة على الأصح؛ لأن لمضي الفصول الأربعة أثراً في تهييج النفوس لما تشتهيه، فإذا مضت بالسلامة .. أشعر ذلك بحسن السيرة، وقد اعتبر الشرع السنة في العنة والزكاة والجزية.
نعم؛ من قذف بصورة شهادة لم يتم نصابها، أو خفي فسقه وأقربه ليحد .. تقبل شهادته عقب توبته؛ وكذا من أسلم بعد ردته؛ لإتيانه بضد الكفر، فلم يبق معه احتمال، وقيده الماوردي بما إذا أسلم مرسلاً، فإن أسلم عند تقديمه للقتل .. اعتبر مضي المدة، ومقابل الأصح: أنها تقدر بستة أشهر، وقيل: لا تقدر بمدة، ويختلف الظن بالأشخاص وأمارات الصدق.
وما ذكر في بيان التوبة .. محله في التوبة في الظاهر؛ وهي المتعلق بها الشهادة والولاية.
أما التوبة فيما بينه ويبين الله تعالى؛ وهي التي يسقط بها الإثم .. فلا يشترط فيها مضي مدة، وحد الله تعالى كالزنا والشرب إن لم يظهر عليه أحد .. فله أن يظهره ويقربه؛ ليقام عليه الحد، وله أن يستر على نفسه وهو الأفضل، وإن ظهر .. فقد فات الستر، فيأتي الإمام ويقر به ليقيم عليه الحد.
سادسها: أن تكون له مروءة؛ وهي تخلقه بخلق أمثاله في زمانه ومكانه، فمن لا مروءة له .. لا حياء له، ومن لا حياء له .. يقول ما شاء، وترك المروءة يشعر بترك المبالاة، وبدل على خيل في العقل، فالأكل في سوق، والشرب فيها لغير سوقي، إلا إذا غلبه الجوع أو العطش، والمشي فيها مكشوف الرأس أو البدن غير العورة ممن لا يليق به مثله، وقبلة زوجة أو أمة بحضرة الناس، وإكثار حكايات مضحكة، وليس فقيه قباء، أو قلنسوة في بلد لا يعتاد للفقيه، وإكباب على لعب الشطرنج، أو على اللعب بالحمام بالتطيير والمسابقة، أو على غناء أو سماعه، وإدامة رقص .. يسقطها.
стр. 872
ويختلف مسقطها بالأشخاص والأحوال والأماكن، فيستقبح من شخص دون آخر، وفي حال دون حال، في بلد د آخر كما علم مما مر، وحرفة دنية كحجامة وكنس ودبغ ممن لا يليق به .. تسقطها، لإشعارها بالخسة إن لم يعتدها، وإلا .. فلا في الأصح.
سابعها: عدم التهمة، وتهمته أن يجر إليه بشهادته نفعاً، أو يدفع عنه بها ضرراً، فترد شهادته لعبده المأذون له أو المكاتب، وغريم له ميت، أو عليه حجر فلس، وبما هو وكيل فيه، وببراءة من ضمنه، وبجراحة مورثه قبل اندمالها، وترد شهادة عاقلة بفسق شهود قتل يحملونه، وغرماء مفلس بفسق شهود دين آخر.
وترد شهادته لفرعه، أو أصله وإن قبلت عليه، ومنه أن تتضمن شهادته دفع ضرر عنه؛ كأن يشهد للأصل الذي ضمنه فرعه، أو أصله بالأداء أو الإبراء.
نعم؛ لو ادعى السلطان على شخص بمال لبيت المال، فشهد له به أصله أو فرعه .. قبل؛ كما قاله الماوردي؛ لعموم المدعي به، ولو شهد لأصله أو فرعه ولأجنبي .. قبلت للأجنبي، وتقبل لكل من الزوجين، ولأخ وصديق، ولا تقبل شهادته على عدوه دنيا- وإن قبلت له –للتهمة، فترد شهادته بزنا زوجته ولو مع ثلاثة.
وتقبل شهادة المسلم على الكافر، وكذا السني على المبتدع وعكسه؛ إذ العداوة دينيه وهو من يبغضه، بحيث يتمنى زوال نعمته، وبحزن بسروره، ويفرح بمصيبته، وذلك قد يكون من الجانبين، وقد يكون من أحدهما فيختص برد شهادته على الآخر، وإن أفضت العداوة إلى الفسق .. ردت شهادته مطلقاً.
ومن خاصم من يريد أن يشهد عليه وبالغ، فلم يجبه ثم شهد عليه .. قبلت شهادته، وإلا .. لاتخذ ذلك ذريعة إلى إسقاط الشهادات، ولو زالت العداوة ثم أعادها .. لم تقبل.
ولا تقبل شهادة مغفل لا يضبط، ولا مبادر بالشهادة قبل أن يسألها؛ إذ كل منهما متهم، لكن تقبل شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى؛ كالصلاة والزكاة والصوم؛ بأن يشهد بتركها، وفيما له فيه حق مؤكد؛ كطلاق وعتق وعفو عن قصاص، وبقاء عدة وانقضائها؛ بأن يشهد بما ذكر ليمنع من مخالفة ما يترتب عليه، وحد الله تعالى؛ بأن يشهد بموجبه، والأفضل فيه
стр. 873
الستر، وكذا النسب على الصحيح؛ لأن في وله حق الله تعالى.
وصورتها: أن يقول الشهود للقاضي ابتداءً: (نشهد على فلان بكذا، فأحضره لنشهد عليه)، فإن ابتدؤوا وقالوا: (فلان زنى) .. فهم قذفة، وإنما تسمع عند الحاجة إليها، فلو شهد اثنان أن فلاناً أعتق عبده، أو أنه أخو فلانة من الرضاع .. لم يكف حتى يقولا: (إنه يسترقه)، أو (إنه يريد نكاحها)، أو (متزوج بها).
وما تقبل فيه: هل تسمع فيه الدعوى؟ فيل: لا؛ اكتفاء بالبينة، ولأنه لا حق للمدعي فيه ومن له الحق لم يأذن في الطلب، وقيل: نعم؛ لأن البينة قد لا تساعد، ويراد استخراج الحق بإقرار المدعى عليه؛ كذا في "الروضة" و"أصلها" هنا، وقضية كلامهما في (السرقة) وآخر (القضاء): ترجيح الثاني، صححه البلقيني، وهو محمول على غير حدود الله تعالى، فقد جزم في "الروضة" و"أصلها" في (الدعاوي) بعدم سماعها فيها؛ أي: إذا لم يتعلق بها حق آدمي.
[شهادة الأعمى وروايته]
الثانية: تقبل شهادة الأعمى وروايته إن سبق تحمله العمى، وكان المشهود له وعليه معروفي الاسم والنسب، بخلاف مجهوليهما، أو أحدهما، أو تعلق بمقر في أذنه بطلاق أو عتق، أو مال لرجل معروف الاسم والنسب حتى شهد عليه عند قاض، وتقبل شهادته أيضاً فيما يثبت بالاستفاضة كالبصير؛ وهي التسامع من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب؛ لكثرتهم، فيقع العلم، أو الظن القوي بخبرهم من نكاح وحمام بكسر الحاء؛ أي: موت، ووقف، وولاء ونسب وعتق، وملك بلا اتهام؛ أي: معارض، أما في الموت .. فلأن أسبابه كثيرة ومنها ما يخفى، ولأنه يقع في الأفواه فينتشر كالنسب وغيره، وأما باقيها .. فلأن مدتها تطول فتعسر إقامة البينة على ابتدائها، فمست الحاجة إلى إثباتها بالتسامع.
ومما يثبت بالتسامع: ولاية القضاء ونحوه، والجرح والتعديل، وكذا الرشد كما أفتى به ابن الصلاح، والإرث؛ بأن شهد بالتسامع أن فلاناً وارث فلان لا وارث له غيره؛ كما نص عليه في "البويطي".
стр. 874
أما إذا كان هناك معارض؛ كإنكار المنسوب نسبه إليه، أو طعن بعض الناس فيه، أو منازع له في الملك المشهود له به .. فلا تجوز الشهادة بالتسامع؛ لاختلاف الظن حينئذ.
ولا يكفي في التسامع ول الشاهد: (أشهد أني سمعت الناس يقولون كذا) وإن كانت شهادته مبنية عليه، بل يشهد أن هذه زوجة فلان، أو أن فلاناً مات، أو أن هذا وقف، أو أن هذا ابن فلان؛ لأنه قد يعلم خلف ما سمعه، ولأن ذكره يشعر بعدم جزمه بالشهادة.
والألف في قول الناظم: (أسلما) و (علما) و (أقدما) و (لزما) للإطلاق، وقوله: (قرائن أن قد) بصرفه ودرج همزة (أن) للوزن، ويجوز في قوله: (أصل أو فرع) رفعهما وجرهما عطفاً على جار المجرور على التوهم؛ كقولهم: ليس زيد قائماً ولا قاعدٍ بالخفض على توهم دخول الباء في خبر ليس، وكقول زهير:
(بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئاً إذا كان جاثياً)
فيكون التقدير هنا: وليس الشاهد بأصل أو فرع للمشهود له.
وقوله: (وقف ولاء نسب) معطوفات على (نكاح) مع حذف العاطف.
(وللزنا: أربعة أن أدخله ... في فرجها كمرود في مكحله) (وغيره اثنان كإقرار الزنا ... ولهلال الصوم: عدل بينا) (ورجل وامرأتان، أو رجل ... ثم اليمين: المال أو مهما يؤل) (إليه، كالموضحة التي جهل ... تعيينها أو حق مال كالأجل) (أو سبب للمال كالإقالة ... والبيع والضمان والحوالة) (ورجل وامرأتا، أربع ... نا لما الرجال لا تطلع) (عليه كالرضاع والولادة ... وعيبها والحيض والبكارة)
[ما يشترط للشهادة على الزنا واللواط]
أي: يشترط للزنا؛ أي: وللواط، ووطء الميتة أو البهيمة أربعة من الرجال موصوفين بما مر؛ لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنت ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾، وقوله تعالى: ﴿لولا جاءوا عليه
стр. 875
بأربعة شهداء﴾، وقوله تعالى: ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾، ولما فيه وفي إثارته من القبائح الشنيعة فغلظت الشهادة فيه؛ ليكون أستر، ويشترط أن يذكروا فيها المزني بها، فقد يظنون وطء المشتركة وأمة ابنه زناً، وأن يفسروا الزنا كما ذكره بقوله: (أن أدخله) بفتح همزة (أن) أي: يشهدون بأنه أدخل ذكره، أو حشفته أو قدرها منه في فرجها على سبيل الزنا، فقد يظنون المفاخذة زنا، وفي الخبر: ((زنا العينين النظر))، بخلاف شهادتهم بوطء الشبهة يكفي إطلاقها؛ لأن المقصود المال، ولهذا يثبت بما يثبت به المال.
وقوله: (كمرود في مكحلة) ليس شرطاً، بل أحوط، قال ابن الرفعة: واعتبر القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما ذكر مكان الزنا وزمانه؛ وهو ما في "التنبيه" في المكان تبعاً للشيخ أبي حامد، ورأى الماوردي: أنه إن صرح بعض الشهود بذلك .. وجب سؤال الباقين عنه، وإلا .. فلا.
[ما يشترط للشهادة على ما ليس مالاً ولا يؤول إليه]
ويشترط لغيه مما ليس مالاً ولا يؤول إليه ويطبع عليه الرجال غالباً: رجلان موصوفان بما مر، وذلك كالإقرار بالزنا أو غيره، والطلاق والرجعة، والإسلام والشهادة على الشهادة، والنكاح والموت، والإعسار والعتق، وانقضاء العدة بالأشهر، والخلع من جانب المرأة، والولاية، والجرح والتعديل، والكتابة من جهة الرقيق والتدبير، والإيلاد والوكالة، والوصاية والإحصان، والظهار واللعان، والنسب واستيفاء العقوبات، والكفالة بالبدن، وعقوبة لله تعالى؛ كحد الشرب وقطع الطريق والقتل بالردة، أو لآدمي؛ كالقصاص في النفس أو الطرف وإن عفي على مال؛ لأنه تعالى نص على الرجلين في الطلاق والرجعة والوصية، وصح في الخبر: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل))، وروى مالك عن الزهري: مضت السنة أنه لا تجوز شهادة النساء في الحدود، ولا في النكاح والطلاق.
وقيس بالمذكورات غيرها مما يشاركها في الضابط المذكور.
ويشترط لإثبات هلال صوم رمضان لأجل وجوب الصوم فقط: عدل واحد عدالته بانت
стр. 876
وظهرت؛ لما مر في بابه، وذكره هنا تتمة للتقسيم، وقد يشمل كلامه ما لو نذر صوم شهر معين، فشهد به عدل .. فيكفي، وهو قضية ما في ((المجموع)) من أن فيه الخلاف في رمضان، قال بعضهم: لكن المشهور المفهوم من قول غيره: (لهلال رمضان): خلافه.
وخرج بقوله: (عدل بينا) مستور العدالة فلا تكفي شهادته، وهو أحد وجهين صحح في ((المجموع)) مقابلة كما مر.
[ما يشترط للمال أو ما يؤول إليه]
ويشترط رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ثم يمين المدعي للمال، أو ما يؤول إليه كالموضحة التي جهل تعيينها؛ بأن شهدوا بها وعجزوا عن تعيين محلها؛ فإنها لا توجب قصاصاً، وإنما تجب المال فقط.
وما قيل: من أن التمثيل بالموضحة المذكورة .. معدود من مفردات ((الحاوي الصغير))، وإن صريح كلام الغزالي والرافعي وغيرهما في (الجنايات): أن البينة الناقصة لا تثبت الأرش في هذه الصور .. ممنوع، فقد صرح الشيخان بأن كل جناية موجبة للمال؛ كقتل الوالد ولده، والحر العبد .. تثبت بالحجة الناقصة. انتهى.
أو حق مالي؛ كالخيار والأجل والشفعة، أو سبب للمال؛ كالإقالة والبيع، والضمان والحوالة والإجارة، والوصية بالمال والرد بعيب؛ لعموم قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا جلين فرجل وامرأتان﴾، مع خير مسلم: (أنه ﷺ قضى بشاهد ويمين)، والمعنى في تيسير ذلك: كثرة جهات المعاملات وعموم البلوى بها.
وفهم من قوله: (رجل وامرأتان) أنه لا فرق بين أن تتقدم شهادة الرجل على المرأتين وبين أن تتأخر، ولا بين أن يقدر على رجلين ويبين أن لا، وأنه مخير فيما يثبت برجل وامرأتين بين إثباته بهم وبرجل ويمين، وهو كذلك.
وفهم من قوله: (ثم اليمين) أنه يشترط أن يأتي بيمينه بعد شهادة الرجل بما يدعيه،
стр. 877
وتزكيته وتعديله، ويجب أن يذك فيحلفه صدق شاهده فيقول: (والله؛ إن شاهدي لصادق، وإني مستحق لكذا).
قال الإمام: ولو قدم ذكر الحق وآخر تصديق الشاهد .. فلا بأس، وذكر صدق الشاهد؛ ليحصل الارتباط بين اليمين والشهادة المختلفتي الجنس.
[ما يشترط لما يختص بمعرفته النساء]
ويشترط رجلان، أو رجل وامرأتان، أو أربع نسوة لما يختص بمعرفته النساء، أو لا يطلع عليه الرجال غالباً؛ كالرضاع من الثدي أو أن اللبن الذي شربه من هذه المرأة، والولادة، وعيب المرأة؛ كرتق وقرن وبرص ولو في وجهها وكفيها، والحيض والاستحاضة، والبكارة والثيوبة، واستهلال الولد، روى ابن أبي شيبة عن الزهري: (مضت السنة بأنه تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن؛ من ولادة النساء وعيوبهن)، وقيس بذلك غيره مما شاركه في الضابط المذكور.
وإذا قبلت شهادتهن في ذلك منفردات .. فقبول الرجلين والرجل والمرأتين أولى.
وعلم مما مر: أن ما لا يثبت برجل وامرأتين لا يثبت برجل ويمين، وأن ما ثبت بهم ثبت برجل ويمين، إلا عيوب النساء ونحوها، وأنه لا يثبت شيء بامرأتين ويمين.
وقول الناظم: (بينا) حال من (عدل)، وقوله: (يؤل) بحذف الواو للوزن، وقوله: (جهل) مبني للمفعول أو للفاعل، وقوله: (المال) و (سبب للمال) مجروران عطفاً على قوله: (بتسامع)، وقوله (نساً) بالتنوين وحذف الهمزة للوزن.
* * *
стр. 878
باب الدعوى
هي لغة: الطلب، ومنه قوله تعالى: ﴿ولهم ما يدعون﴾، وألفها للتأنيث، وشرعاً: إخبار عن وجوب حق للمخبر على غيره، والمدعي به قد يحتاج في إثباته إلى البينة؛ وهي الشهود، وسموا بها؛ لأن بهم تبيين الحق.
والأصل في ذلك: أخبار؛ كخبر مسلم: ((لو يعطي الناس بدعواهم .. لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعي عليه))، وروى البيهقي بإسناد حسن: ((ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) والمعنى فيه: أن جانب المدعى ضعيف؛ لدعواه خلاف الأصل، فكلف الحجة القوية، جانب المنكر قوي؛ فاكتفى منه بالحجة الضعيفة.
(إن تمت الدعوى بشيء علماً ... سأل قاض خصمه وحكما) (إن يعترف خصم، فإن يجحد وثم ... بينة بحق مدع حكم) (وحيث لا بينة فالمدعى ... عليه حلف حيث مدع دعا) (فإن أبى ردت على من أدعى ... وباليمين يستحق المدعى) (والمدعي عينا بها ينفرد ... إحداهما فهي لمن له اليد) (وحيث كانت معهما وشهدت .. بينتان حلفا وقسمت) (وحلف الحاكم من توجهت ... عليه دعوى في سوى حد ثبت) (لله والقاضي –ولو معزولاً- وشاهد والمنكر التوكيلا) (بتا كما أجاب دعوى حلفا ... ونفسي علم فعل غيره نفى)
[شروط سماع الدعوى]
أي: إن تمت الدعوى بشيء معلوم .. سأل القاضي خصمه؛ أي: المدعى عليه بالجواب، فيطالب العبد بالجواب فيما يقبل إقراره به؛ كقصاص وحد قذف، والسيد في
стр. 879
غيره؛ كأرش تعلق برقبته، والحرة أ, المجبر في دعوى النكاح، ولا يتوقف سؤاله على طلب المدعي.
وتمامها؛ بأن يكون المدعي والمدعي عليه مكلفين ملتزمين للأحكام.
وأن يذكر التلقي إن أقر بالمدعي به للمدعي عليه أو ملكه له، وألا يسبقها ما يناقضها، فلو ادعى على شخص شيئاً، ثم ادعى به على غيره .. لم تسمع.
وكونها ملزمة، فلو قال: (غصب لي كذا) أو (باعني) .. لم تسمع حتى يقول: (ويلزمه التسليم إلى)، وفي الدين: (لي في ذمته كذا وهو ممتنع من الأداء الواجب عليه)، ولا تسمع الدعوى بالدين المؤجل، وهذا إذا قصد بالدعوى تحصيل المدعى به.
فإن كان المقصود بها دفع المنازعة؛ بأن يكون المدعى به في يده وغيره ينازعه فيه، أو له بينة تشهد له بملكه ويخشى غيبتها وقت منازعته .. فلا يشترط التعرض لوجوب التسليم، فلو قال: (هذه الدار لي وهو يمنعنيها) .. صحت دعواه وسمعت بينته، وكذا لو قال: (كان له على كذا وقبضه وهو يطالبني به ظلماً).
وألا تكون بحد لله تعالى، إلا أن تعلق بها حق لآدمي؛ كقذف .. فتسمع، ولو ادعى سرقة مال .. سمعت دعواه بالمال، وحلف المدعى عليه، فإن نكل .. حلف المدعي وثبت المال، ولا يقطع؛ لأن حدود الله تعالى لا تثبت باليمين.
وقوله: (بشيء علما) أي: بأن ذكر في النقد جنسه ونوعه، وقدره وصفته إن اختلف بها الغرض، ومطلق الدرهم أو الدينار ينصرف إلى الشرعي، فلا حاجة إلى بيان وزنه، وفي العين التي تنضبط بالصفة؛ كالحبوب والحيوان والثبات صفات السلم.
ولا يشترط ذكر القيمة ولو كانت متقومة، وكذا إن كانت تالفة وهي مثلية، فإن كانت متقومة .. اشترط ذكر القيمة، وفي العقار الناحية والبلدة، والمحلة والسكة والحدود، وهذا إذا ادعى بمعين، فإذا ادعى ليعين له القاضي .. صحت دعواه مع كون المدعى به مجهولاً؛ كالمفوضة تطلب الفرض، والزوجة تطلب النفقة والكسوة، والمطلقة تطلب المتعة، وكالغرة والحكومة والوصية بمجهول والإقرار به، ونحو ذلك من مسائل كثيرة.
وفي النكاح تزويجها بولي وشاهدي عدل، ورضاها إن اعتبر، وفي نكاح الأمة العجز عن
стр. 880
طول الحرة، وخوف العنت، وفي دعوى الرضاع أنه ارتضع منها، أو معها في الحولين خمس رضعات متفرقات، ووصل اللبن إلى جوفه.
[إذا اعترف الخصم بحقه بعد الدعوى]
وبعد الدعوى إن يعترف الخصم بحقه .. حكم القاضي عليه، بطلب المدعي أن يحكم به، ويلزم القاضي المقر بالخروج من الحق الذي عليه، ويثبت الحق بالإقرار من غير قضاء القاضي، وإن جحد المدعي عليه؛ يعني: أنكر؛ كأن قال: (لا يستحق على شيئاً)، أو أصر على السكوت .. جعل كالمنكر الناكل عن اليمين، وللقاضي أن يقول للمدعي: (ألك بينة؟ ) وأن يسكت، فإن كان ثم –بفتح المثلثة؛ أي: هناك- بينة تشهد بحق المدعي .. حكم بها بطلب المدعي أن يحكم له بها؛ كأن يقول: (حكمت له بكذا)، أو (نفذت الحكم به) أو (ألزمت خصمه الحق)، ولا يجوز له الحكم قبل أن يسأل.
ومن قامت عليه بينة بحق .. ليس له تحليف المدعي على استحقاقه؛ لأنه كطعن في الشهود.
فإن ادعى أداءه، أو إبراءه منه، أو شراء عين من مدعيها، أو هبتها وإقباضها منه .. حلف خصمه على نفيه؛ وهو أنه ما تأدى منه الحق، ولا أبرأه منه، ولا باعه العين، ولا وهبه إياها؛ لاحتمال ما يدعيه، وكذا لو ادعى علمه بفسق شاهده أو كذبه؛ لأنه لو أقر بذلك .. بطلت الشهادة.
فإن استمهل من قامت عليه البينة ليأتي بدافع .. أمهل ثلاثة أيام؛ لأنها مدة قريبة، وحيث لا؛ أي: وإن لم يكن للمدعي بينة أصلاً، أو كانت وطلب المدعي يمينه .. حلف المدعى عليه إن دعي؛ أي: طلب المدعي يميه، فإن لم يطلبها .. لم يحلفه القاضي، فإن حلفه بدون طلبه .. لم يعتد بيمينه.
فإن ادعى عليه عشرة، فقال: (لا تلزمني العشرة) .. لم يكف حتى يقول: (ولا بعضها)، وكذا يحلف؛ لأن مدعي العشرة مدعٍ لكل جزء منها، فاشترط مطابقة الإنكار واليمين دعواه، فإن حلف على نفي العشرة واقتصر عليه .. فناكل، فيحلف المدعي على استحقاق دون عشرة بجزء ويأخذه.
وإذا ادعى مالاً مضافاً إلى سبب؛ كـ (أقرضتك كذا) .. كفاه في الجواب والحلف: (لا يستحق علي شيئاً).
следующие страницы →