Полный текст (924 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
وظهرت؛ لما مر في بابه، وذكره هنا تتمة للتقسيم، وقد يشمل كلامه ما لو نذر صوم شهر معين، فشهد به عدل .. فيكفي، وهو قضية ما في ((المجموع)) من أن فيه الخلاف في رمضان، قال بعضهم: لكن المشهور المفهوم من قول غيره: (لهلال رمضان): خلافه.
وخرج بقوله: (عدل بينا) مستور العدالة فلا تكفي شهادته، وهو أحد وجهين صحح في ((المجموع)) مقابلة كما مر.
[ما يشترط للمال أو ما يؤول إليه]
ويشترط رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ثم يمين المدعي للمال، أو ما يؤول إليه كالموضحة التي جهل تعيينها؛ بأن شهدوا بها وعجزوا عن تعيين محلها؛ فإنها لا توجب قصاصاً، وإنما تجب المال فقط.
وما قيل: من أن التمثيل بالموضحة المذكورة .. معدود من مفردات ((الحاوي الصغير))، وإن صريح كلام الغزالي والرافعي وغيرهما في (الجنايات): أن البينة الناقصة لا تثبت الأرش في هذه الصور .. ممنوع، فقد صرح الشيخان بأن كل جناية موجبة للمال؛ كقتل الوالد ولده، والحر العبد .. تثبت بالحجة الناقصة. انتهى.
أو حق مالي؛ كالخيار والأجل والشفعة، أو سبب للمال؛ كالإقالة والبيع، والضمان والحوالة والإجارة، والوصية بالمال والرد بعيب؛ لعموم قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا جلين فرجل وامرأتان﴾، مع خير مسلم: (أنه ﷺ قضى بشاهد ويمين)، والمعنى في تيسير ذلك: كثرة جهات المعاملات وعموم البلوى بها.
وفهم من قوله: (رجل وامرأتان) أنه لا فرق بين أن تتقدم شهادة الرجل على المرأتين وبين أن تتأخر، ولا بين أن يقدر على رجلين ويبين أن لا، وأنه مخير فيما يثبت برجل وامرأتين بين إثباته بهم وبرجل ويمين، وهو كذلك.
وفهم من قوله: (ثم اليمين) أنه يشترط أن يأتي بيمينه بعد شهادة الرجل بما يدعيه،
стр. 877
وتزكيته وتعديله، ويجب أن يذك فيحلفه صدق شاهده فيقول: (والله؛ إن شاهدي لصادق، وإني مستحق لكذا).
قال الإمام: ولو قدم ذكر الحق وآخر تصديق الشاهد .. فلا بأس، وذكر صدق الشاهد؛ ليحصل الارتباط بين اليمين والشهادة المختلفتي الجنس.
[ما يشترط لما يختص بمعرفته النساء]
ويشترط رجلان، أو رجل وامرأتان، أو أربع نسوة لما يختص بمعرفته النساء، أو لا يطلع عليه الرجال غالباً؛ كالرضاع من الثدي أو أن اللبن الذي شربه من هذه المرأة، والولادة، وعيب المرأة؛ كرتق وقرن وبرص ولو في وجهها وكفيها، والحيض والاستحاضة، والبكارة والثيوبة، واستهلال الولد، روى ابن أبي شيبة عن الزهري: (مضت السنة بأنه تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن؛ من ولادة النساء وعيوبهن)، وقيس بذلك غيره مما شاركه في الضابط المذكور.
وإذا قبلت شهادتهن في ذلك منفردات .. فقبول الرجلين والرجل والمرأتين أولى.
وعلم مما مر: أن ما لا يثبت برجل وامرأتين لا يثبت برجل ويمين، وأن ما ثبت بهم ثبت برجل ويمين، إلا عيوب النساء ونحوها، وأنه لا يثبت شيء بامرأتين ويمين.
وقول الناظم: (بينا) حال من (عدل)، وقوله: (يؤل) بحذف الواو للوزن، وقوله: (جهل) مبني للمفعول أو للفاعل، وقوله: (المال) و (سبب للمال) مجروران عطفاً على قوله: (بتسامع)، وقوله (نساً) بالتنوين وحذف الهمزة للوزن.
* * *
стр. 878
باب الدعوى
هي لغة: الطلب، ومنه قوله تعالى: ﴿ولهم ما يدعون﴾، وألفها للتأنيث، وشرعاً: إخبار عن وجوب حق للمخبر على غيره، والمدعي به قد يحتاج في إثباته إلى البينة؛ وهي الشهود، وسموا بها؛ لأن بهم تبيين الحق.
والأصل في ذلك: أخبار؛ كخبر مسلم: ((لو يعطي الناس بدعواهم .. لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعي عليه))، وروى البيهقي بإسناد حسن: ((ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) والمعنى فيه: أن جانب المدعى ضعيف؛ لدعواه خلاف الأصل، فكلف الحجة القوية، جانب المنكر قوي؛ فاكتفى منه بالحجة الضعيفة.
(إن تمت الدعوى بشيء علماً ... سأل قاض خصمه وحكما) (إن يعترف خصم، فإن يجحد وثم ... بينة بحق مدع حكم) (وحيث لا بينة فالمدعى ... عليه حلف حيث مدع دعا) (فإن أبى ردت على من أدعى ... وباليمين يستحق المدعى) (والمدعي عينا بها ينفرد ... إحداهما فهي لمن له اليد) (وحيث كانت معهما وشهدت .. بينتان حلفا وقسمت) (وحلف الحاكم من توجهت ... عليه دعوى في سوى حد ثبت) (لله والقاضي –ولو معزولاً- وشاهد والمنكر التوكيلا) (بتا كما أجاب دعوى حلفا ... ونفسي علم فعل غيره نفى)
[شروط سماع الدعوى]
أي: إن تمت الدعوى بشيء معلوم .. سأل القاضي خصمه؛ أي: المدعى عليه بالجواب، فيطالب العبد بالجواب فيما يقبل إقراره به؛ كقصاص وحد قذف، والسيد في
стр. 879
غيره؛ كأرش تعلق برقبته، والحرة أ, المجبر في دعوى النكاح، ولا يتوقف سؤاله على طلب المدعي.
وتمامها؛ بأن يكون المدعي والمدعي عليه مكلفين ملتزمين للأحكام.
وأن يذكر التلقي إن أقر بالمدعي به للمدعي عليه أو ملكه له، وألا يسبقها ما يناقضها، فلو ادعى على شخص شيئاً، ثم ادعى به على غيره .. لم تسمع.
وكونها ملزمة، فلو قال: (غصب لي كذا) أو (باعني) .. لم تسمع حتى يقول: (ويلزمه التسليم إلى)، وفي الدين: (لي في ذمته كذا وهو ممتنع من الأداء الواجب عليه)، ولا تسمع الدعوى بالدين المؤجل، وهذا إذا قصد بالدعوى تحصيل المدعى به.
فإن كان المقصود بها دفع المنازعة؛ بأن يكون المدعى به في يده وغيره ينازعه فيه، أو له بينة تشهد له بملكه ويخشى غيبتها وقت منازعته .. فلا يشترط التعرض لوجوب التسليم، فلو قال: (هذه الدار لي وهو يمنعنيها) .. صحت دعواه وسمعت بينته، وكذا لو قال: (كان له على كذا وقبضه وهو يطالبني به ظلماً).
وألا تكون بحد لله تعالى، إلا أن تعلق بها حق لآدمي؛ كقذف .. فتسمع، ولو ادعى سرقة مال .. سمعت دعواه بالمال، وحلف المدعى عليه، فإن نكل .. حلف المدعي وثبت المال، ولا يقطع؛ لأن حدود الله تعالى لا تثبت باليمين.
وقوله: (بشيء علما) أي: بأن ذكر في النقد جنسه ونوعه، وقدره وصفته إن اختلف بها الغرض، ومطلق الدرهم أو الدينار ينصرف إلى الشرعي، فلا حاجة إلى بيان وزنه، وفي العين التي تنضبط بالصفة؛ كالحبوب والحيوان والثبات صفات السلم.
ولا يشترط ذكر القيمة ولو كانت متقومة، وكذا إن كانت تالفة وهي مثلية، فإن كانت متقومة .. اشترط ذكر القيمة، وفي العقار الناحية والبلدة، والمحلة والسكة والحدود، وهذا إذا ادعى بمعين، فإذا ادعى ليعين له القاضي .. صحت دعواه مع كون المدعى به مجهولاً؛ كالمفوضة تطلب الفرض، والزوجة تطلب النفقة والكسوة، والمطلقة تطلب المتعة، وكالغرة والحكومة والوصية بمجهول والإقرار به، ونحو ذلك من مسائل كثيرة.
وفي النكاح تزويجها بولي وشاهدي عدل، ورضاها إن اعتبر، وفي نكاح الأمة العجز عن
стр. 880
طول الحرة، وخوف العنت، وفي دعوى الرضاع أنه ارتضع منها، أو معها في الحولين خمس رضعات متفرقات، ووصل اللبن إلى جوفه.
[إذا اعترف الخصم بحقه بعد الدعوى]
وبعد الدعوى إن يعترف الخصم بحقه .. حكم القاضي عليه، بطلب المدعي أن يحكم به، ويلزم القاضي المقر بالخروج من الحق الذي عليه، ويثبت الحق بالإقرار من غير قضاء القاضي، وإن جحد المدعي عليه؛ يعني: أنكر؛ كأن قال: (لا يستحق على شيئاً)، أو أصر على السكوت .. جعل كالمنكر الناكل عن اليمين، وللقاضي أن يقول للمدعي: (ألك بينة؟ ) وأن يسكت، فإن كان ثم –بفتح المثلثة؛ أي: هناك- بينة تشهد بحق المدعي .. حكم بها بطلب المدعي أن يحكم له بها؛ كأن يقول: (حكمت له بكذا)، أو (نفذت الحكم به) أو (ألزمت خصمه الحق)، ولا يجوز له الحكم قبل أن يسأل.
ومن قامت عليه بينة بحق .. ليس له تحليف المدعي على استحقاقه؛ لأنه كطعن في الشهود.
فإن ادعى أداءه، أو إبراءه منه، أو شراء عين من مدعيها، أو هبتها وإقباضها منه .. حلف خصمه على نفيه؛ وهو أنه ما تأدى منه الحق، ولا أبرأه منه، ولا باعه العين، ولا وهبه إياها؛ لاحتمال ما يدعيه، وكذا لو ادعى علمه بفسق شاهده أو كذبه؛ لأنه لو أقر بذلك .. بطلت الشهادة.
فإن استمهل من قامت عليه البينة ليأتي بدافع .. أمهل ثلاثة أيام؛ لأنها مدة قريبة، وحيث لا؛ أي: وإن لم يكن للمدعي بينة أصلاً، أو كانت وطلب المدعي يمينه .. حلف المدعى عليه إن دعي؛ أي: طلب المدعي يميه، فإن لم يطلبها .. لم يحلفه القاضي، فإن حلفه بدون طلبه .. لم يعتد بيمينه.
فإن ادعى عليه عشرة، فقال: (لا تلزمني العشرة) .. لم يكف حتى يقول: (ولا بعضها)، وكذا يحلف؛ لأن مدعي العشرة مدعٍ لكل جزء منها، فاشترط مطابقة الإنكار واليمين دعواه، فإن حلف على نفي العشرة واقتصر عليه .. فناكل، فيحلف المدعي على استحقاق دون عشرة بجزء ويأخذه.
وإذا ادعى مالاً مضافاً إلى سبب؛ كـ (أقرضتك كذا) .. كفاه في الجواب والحلف: (لا يستحق علي شيئاً).
стр. 881
واليمين يفيد قطع الخصومة في الحال؛ لا براءة، فلو أقام بعدها بينة بمدعاه .. عمل بها.
وتعتبر نية القاضي المستحلف للخصم، فلو ورى أو تأول خلافها أو استثنى؛ بحيث لا يسمعه القاضي .. لأم يدفع ذلك إثم اليمين الفاجرة، وفي ذلك خبر مسلم: ((اليمين على نية المستحلف))، وهو محمول على القاضي.
ولو حلف الإنسان ابتداء، أو حلفه غير القاضي من قاهر، أو خصم أو غيره .. فالاعتبار بنية الحالف، وتنفعه التورية.
ولو حلفه القاضي بالطلاق أو العتاق .. نفعته التورية، لأنه ليس له التحليف بهما.
ولو قال المدعى عليه حين طلب المدعي تحليفه: (قد حلفني مرة على ما ادعاه عند قاض، فليحلف أنه لم يحلفني عليه) .. مكن؛ لأن ما قاله محتمل غير مستبعد، فإن قال: (قد حلفني مرة عندك أيها القاضي)، فإن حفظ القاضي ما قاله .. لم يحلفه ومنع المدعى مما طلبه، وإن لم يحفظه .. حلفه، فإن أبى؛ أي: امتنع المدعى عليه من اليمين؛ كأن قال: (أنا ناكل)، أو قال له القاضي: احلف، فقال: (لا أحلف) .. ردت اليمين على المدعي فيحلف؛ لتحول الحلف إليه؛ فإذا حلف اليمين المردودة .. استحق ما ادعاه، وقضى له به، ولا يقضي له بنكوله؛ لأنه ﵊ رد اليمين على طالب الحق رواه الدارقطني والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
واليمين المردودة؛ كإقرار المدعي عليه لتنزل نكوله منزلة إقراره؛ لأنه به توصل إلى الحق.
فلو أقام المدعي عليه بينة بعدها بأداء أو إبراء .. لم تسمع؛ لتكذيبه لها بإقراره، فإن لم يحلف المدعي، ولم يتعلل بشيء .. سقط حقه من اليمين، وليس له مطالبة الخصم في هذا المجلس ولا غيره، ويصير امتناعه كحلف المدعى عليه، وإلا .. لرفع خصمه كل يوم إلى القاضي، والخصم ناكل وهو لا يحلف اليمين المردودة، ويطول الخطب.
وله أن يقيم البينة، وإن تعلل بإقامة بينة أو مراجعة حساب .. أمهل ثلاثة أيام، وإن استمهل المدعى عليه حين استحلف لينظر حسابه .. لم يمهل إلا برضا المدعي؛ لأنه مقهور بطلب الإقرار أو اليمين، بخلاف المدعي.
стр. 882
وإن ادعى اثنان عيناً ولا بينة لأحدهما، وانفرد أحدهما باليد عليها. فهي له مع يمينه، وعلى هذا: فالشخص تسمع دعواه بما في يده ويحلف عليه، وكذا لو كانت بيده وأقام غيره بها بينة، ثم أقام بها بينة .. قدمت بينة صاحب اليد وقضي له بها، لكن لا تسمع بينته إلا بعد بينة الخارج؛ لأنه وقت إقامتها.
ولو أزيلت يده ببينة، ثم أقام بينة مسنداً إلى ما قيل إزالة يده، واعتذر بغيبة شهوده .. سمعت وقدمت؛ لأنها إنما أزيلت لعدم الحجة وقد ظهرت، فينقض القضاء، وحيث كانت معهما؛ أي: في يدهما، وأقام كل منهما بينة .. بقيت كما كانت؛ لتساقطهما، وحلف كل واحد منهما أنها ملكه دون غريمه .. قسمت العين بينهما نصفين، وكذا إذا كانت في يد ثالث وأقام كل منهما بينة بها .. تساقطتا وكأن لا بينة، وتقسم بينهما.
ومتى أقاما بينتين متعارضتين .. رجحت إحداهما على الأخرى بأسباب:
منها: اليد كما م.
ومنها: إقرار صاحب اليد لأحدهما.
ومنها: قوة البينة؛ فلو أقام أحدهما شاهدين، والآخر شاهداً وحلف معه .. رجح الشاهدان، إلا إذا كانت اليد مع الآخر .. فيرجح باليد.
ومنها: زيادة العلم؛ فلو قال الخارج: (هو ملكي اشتريته منك) وأقام به بينة، وأقام الداخل بينة بأنه ملكه .. قدمت بينة الخارج.
ومنها: زيادة التاريخ؛ فلو أقام أحدهما بينة بأنها ملكه من سنة وآخر بينة بأنها ملكه من سنتين .. قدمت بينته، وله الأجرة والزيادة الحادثة من يومئذ، إلا إن كان لصاحب متأخرة التاريخ يد .. فإنها تقدم.
ولو أطلقت بينة، وأخت بينة أخرى .. فهما سواء، ولو شهدت بينة بإقرار المدعى عليه أمس بالملك للمدعي .. استديم الإقرار.
وأن تصرح البينة بالملك في الحال، ولو أقامها بملك جارية أو شجرة .. لم يستحق ثمرة موجودة، ولا ولداً منفصلاً، ويستحق حملها.
ولو اشترى شيئاً أخذ منه بحجة مطلقة .. رجع على بائعه بالثمن، ولو ادعى ملكاً مطلقاً، فشهدوا له مع سببه .. لم يضر.
стр. 883
[تحليف من توجهت عليه دعوى صحيحة وما يستثنى من ذلك]
وحلَف الحاكم وجوباً كلَ من توجهت عليه دعوى صحيحة ـ كدعوى الضرب والشتم الموجبين للتعزيز ـ لو أقر بمطلوبها .. ألزم به؛ لخبر: «اليمين على المدعى عليه»، ويستثنى من طرد هذه القاعدة صور؛ ذكر الناظم بعضها:
الأولى: حدود الله تعالى؛ كحد الزنا والشرب لا يجري فيها التحليف, فلا يخلف المدعى عليه, بل لا تسمع الدعوى بها عليه؛ لأنها ليست حقاً للمدعي, ومن له الحق لم يأذن في الطلب, بل أمر بالستر والإعراض ما أمكن.
نعم؛ لو تعلق بالحد حق آدمي؛ كما إذا قذف إنساناً, فطلب المقذوف حد القذف, فقال القاذف: حلفوه أنه ما زنى .. حلف؛ كما مر في القذف.
الثانية: أنه لا يحلف القاضي على تركه الظلم في حكمه وإن كانت الدعوى عليه بعد عزله لأن منصبه يأبى التحليف والابتذال.
الثالثة: أنه لا يحلف الشاهد إذا ادعِيَ عليه أنه تعمد الكذب, أو ما يوجب سقوط شهادته وإن انتفع المدعي بإقراره لذلك؛ لأنه منصبه يأبى التحليف.
الرابعة: أنه لا يحلف منكر وكالة من طالبه بحق على نفي علمه بها؛ لأنه لو أعترف بها .. لم يلزمه التسليم إليه؛ لأنه لا يأمن أن يجحدها المستحق؛ فلا معنى لتحليفه.
ويستثنى أيضاً: كال لو قال المدعى عليه: (أنا صبي) وهو محتمل. . لم يحلف, وقف الأمر حتى يبلغ؛ لأن حلفه يثبت صباه, وصباه يبطل يمينه, ففي تحليفه إبطال تحليفه.
وإذا حلف على فعل نفسه .. حلف بتّاً, أي: قطعاً في حالتي النفي والإثبات؛ لأنه يعرف حال نفسه ويطلع عليها؛ كما أجاب به في الدعوى.
فإن ادعى عليه عشرة مثلاً, أو أنه أقرضه عشرة, أو أنه غضبها منه: فإن اقتصر على الجواب المطلق؛ كأن قال: (لا يستحق عليً شيئاً) أو (لا يلزمني تسليم ما ادعى به إليه) .. حلف كذلك, وإن تعرض فى الجواب للجهة؛ كأن قال: (ما أقترضتها منه) , أو (ما غضبتها منه) .. حلف كذلك.
стр. 884
فإن أراد أن يقتصر على النفي المطلق .. لم يمكن منه, وكذا إن حلف على فعل غيره في الإثبات؛ لأن الوقوف عليه سهل, وإن كان على نفيه .. حلف على نفي علمه به؛ لعسر الوقوف على النفي المطلق, ولهذا لا تجوز الشهادة به, ولو حلف على البت .. اعتد به؛ كما قاله القاضي أبو الطيب وغيره, ويحمل على نفي العلم, ويجوز البت في الحلف بظن مؤكد؛ كأن اعتمد خطه, أو خط مورثه, ويحلف على البت في نفي جنابة رقيقه؛ لأنه ماله وفعله كفعله, وكذلك جنابة بهيمته؛ لأن ضمانها بتقصيره في حفظها لا بفعلها.
والألف في قول الناظم: (عُلما) و (حكما) و (التوكيلا) و (حلفا) في البيت الأخير للإطلاق, وقوله: (حَلَّفْ) فعل أمر, وقوله (إحداهما) بمعنى أحدهما, وقوله: (والمنكرِ) بالجر عطفاً على (حد? ) , (ونفيَ علم) بالنصب.
* * *
стр. 885
بابُ العِتق
بمعنى الإعتاق؛ وهو إزالة الرق عن الآدامي.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ , وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي: الإسلام, ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أي: بالعتق, كما قال المفسرون, وأمر الله تعالى بتحرير الرقبة في كواضع من الكفارة, وفي "الصحيحين": أنه ﷺ قال «أيما رجل أعتق امرأً مسلماً .. استنفذ الله بكل عضواً منه من النار حتى الفرج بالفرج»، وتظاهرت النصوص والإجماع على أنه قربه.
وأركانه ثلاثة: معتق, وعتيق, وصيغة.
(يِصح عِتْقٌ مِنْ مُكَلَّفٍ مَلَكْ ... صَرِيحُهُ: عِتْقٌ وتَحرِيرٌ وَفَكْ)
(رَقَبَةٍ, وَصَحّ بِالْكِنَايَهْ ... مَعْ نِيَّةٍ مِنْهُ كَـ (يَا مَوْلايَهْ))
(وَعِتْقُ جُزْءٍ مِن رَقِيقِهِ سَرَى ... أَوْ شِرْكَةٍ مَعْ غَيرِهِ إِذْ أيْسَرَا)
(فَأعْتِقْ عَلَيْهِ مَا بَقِي بِقِيمَتِهْ ... فِي الْحَالِ, وَالمُعْسِرِ: قَدْرَ حِصَّتِهْ)
(وَمَالِكُ الأُصُولِ وَالْفُرُوعِ ... يُعْتِقُ كَالمْيرَاثِ والْمَبِيعِ)
(لِمُعْتِقٍ حَقُّ الْوَلاءَ وَجَبَا ... ثُمَّ لِمَنْ بِنَفْسِهِ تَعَصَّبَا)
(وَلَو مَعَ اخْتِلافِ دِينٍ أَوجَبَهْ ... وَلا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلاَ الْهِبَهْ)
[صريح العتق وكنايته]
أي: يصح إعتاق كل مكلف مطلق التصرف ولو كافراً, مَلَكَ إعتاق ما أعتقه, فلا يصح إعتاق غير المكلف إلا السكران, ولا غير مطلق التصرف, ولا غير المالك بغير إذن, ولا إعتاق رقيق تعلق به حال الإعتاق حق لازم؛ كجناية ورهن ومالكُه معسر.
ولا يصح الإعتاق إلا بلفظ صريح أو كناية, وصريحه: تحرير, وإعتاق, وفك رقبة, والمراد: الصبغ المشتملة على المشتقات من هذه الألفاظ: كـ (أنت عتيق) , أو (معتق) ,
стр. 886
أو (أعتقتك) , أو (حر) , أو (محرر) , أو (حررتك) , (يا حر) إذا لم يقصد مدحه بذلك, ولم يقصد نداءه باسمه القديم, أو (فكيك الرقبة) , أو (مفكوكها) , أو (فكيتها) , أو (فككتها) , فلو قال: (أنت إعتاق) , أو (تحرير) , أو (فك الرقبة) .. فهو كناية ولا أثر للخطأ في التذكير والتأنيث.
ويصح بالكناية مع نية منه: كـ (مولايهْ) بهاء السكت, (لا ملك لي عليك) , (لا سلطان) , (لا خدمة) , (أنت سائبة) , و (يا حر) للمسمى به في الحال, وألفاظ الطلاق والظهار, ويستثنى قوله (أنا منك طالق) , أو (مظاهر) , أو (حر) , وقوله للعبد: (اعتد) , أو (استبرئ رحمك).
ولو قال: (عتقك إليك) , أو (خيرتك) ونوى تفويض العتق إليه, فأعتق نفسه في الحال .. عتق, ولو قال: (أعتقتك على ألف) فقبل, أو (بعت نفسك بألف) فقبل, أو (أعتقني على ألف) فأجابه .. عتق في الحال ولزمه الألف, والولاء لسيده.
ولو أعتق حاملاً .. عتق حملها معها إن كان له وإن استثناه, ولو أعتقه وقد نفخ فيه الروح عتق دونها، وإلا .. لغا, ولو قال: (مضغة هذه حر) فهو إقرار بأن الولد أنعقد حراً وتصير به أم ولد إن أقر بوطئها.
[سرية العتق في مسألتين]
قوله: (وعتق جزء) أي: وعتق الجزء يسري في مسألتين:
الأولى إذا أعتق المالك جزءاً من رقيقه [شائعاً كنصف, أو معيناً كيد .. عتق ذلك الجزء] ثم سرى العتق إلى الباقي موسراً لقوته كما في الطلاق.
الثانية: إذا أعتق نصيبه من رقيق .. سرى العتق إلى باقية في الحال إن أيسر بقيمته حينئذ, وإن أيسر بقيمة بعضه .. سرى إليه كذلك, والمعسر يعتق عليه قدر حصته؛ لخبر "الصحيحين": «من أعتق شركاً له في عبد, وكان له مال يبلغ ثم العبد .. قوم العبد عليه قيمة عدل, فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد, وإلا .. فقد عتق منه ما عتق» وفي
стр. 887
رواية: «من أعتق شركاً له في عبد, وكان له مال يبلغ قيمه العبد .. فهو عتيق» ,وفى رواية: «إذا كان العبد بين اثنين, فأعتق أحدهما نصيبه وكان له مال .. فقد عتق كله».
وأمَّا رواية: «فإن لم يكن له مال .. قوم العبد عليه قيمه عدل, ثم استسعى لصاحبه في قيمته غير مشقوق عليه» .. فمدرجة فى الخبر كما قاله الحفاظ.
ويقاس الموسر ببعض الباقي على الموسر بكله في السراية، والقول فى قدر القيمة قول المعتق, ولا فرق في السراية بين كون المعتق مسلماً وكونه كافراً, واستيلاد أحد الشريكين الموسر يسري كالعتق, وعليه قيمة حصة شريكه وقسطها من مهر المثل, ولا قيمتها من الولد فإن كان معسراً .. لم يسر, ولا يسري تدبير, ولا يمنع السراية دين مستغرق.
ولو قال شريكه الموسر: (أعتقت نصيبك فعليك قيمة نصيبي) .. صدق بيمينه, فإن نكل .. حلف المدعي واستحق القيمة, ولا يعتق نصيب المدعى عليه بهذه اليمين؛ لأن الدعوى إنما توجهت عليه لأجل القيمة, واليمين المردودة لا تُثْبِت إلا ما توجهت الدعوى به مؤاخذة له بإقراره, ويعتق نصيب المدعي بإقراره, ولا يسري إلى نصيب المنكر.
ولو قال لشريكه: (إن أعتقت نصيبك فنصيبي حر بعد نصيبك) , فأعتق وهو موسر .. سرى إلى نصيب المعلًّق وعليه قيمته فإن كان معسراً .. لم يسر وعتق على المعلق نصيبه, وقيمة السراية موزعة على عدد الرؤوس, وشرط السراية: إعتاقه باختياره, فلو ورث بعضَ بعضَه .. لم يسر عتقه إلى باقيه, وألَّا تكون مستولدة لمعسر, والمريض معسر إلا في ثلث ماله, والميت معسر.
قوله: (ومالك الأصول والفروع يعتق) أي: ومن ملك أحد أصوله من أب أو جد , أو أم أو جدة وإن علوا, أو أحد فروعه من ولد أو ولد ولد أو سلفوا .. عتق عليه بمجرد الملك؛ لخبر مسلم «لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه» أي: بالشراء, وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ دلَّ على نفي اجتماع الولدية والعبدية, وسواء الملك الاختياري بالشراء ونحوه, والقهري بالإرث.
стр. 888
وخرج بـ (الأصول والفروع) غيرهم من الأقارب؛ كالإخوة فلا يعتق أحد منهم عليه, ولا يشتري لطفل أو نحوه بعضه, ولو وهب له, أو أوصي له به: فإن كان كاسباً .. فعليه الولي قبوله ويعتق عليه, وينفق من كسبه, وإلا .. فإن لم تلزمه نفقته .. وجب على الولي القبول, ونفقته في بيت المال, وإن لزمته .. حرم القبول, ولو ملك في مرض موته بعضه بلا عوض عتق من رأس المال.
[ثبوت حق الولاء للمعتق]
ويثبت للمعتق حق الولاء على عتيقه وإن أعتقه بعوض, أو عتق عليه؛ لخبر "الصحيحين": «أنما الولاء لمن أعتق» فيرثه إن لم يكن له وارث من النسب, أو لم يستغرق, فيرث الفاضل, ثم الولاء لعصبة المعتق بنفسه الأقرب فالأقرب؛ لخبر: «الولاء لحمة كلحمة النسب» رواه ابن حبان وابن خزيمة والحاكم, وقال: صحيح الإسناد, فلا ترث امرأة بولاء إلا من عتيقها وأولادها وعتقائه.
ويثبت الولاء للمعتق ولو مع اختلاف الدين وإن لم يتوارثا, ولعصابته في حياته, ولا يصح بيع الولاء ولا هبته؛ لأنه معنى يورث به فلا ينتقل بالبيع والهبة كالقرابة.
والألف في قول الناظم: (أيسرا) و (وجبا) و (تعصبا) للإطلاق, وقوله: (فأعتق) فعل أمر حذف همزته للوزن, وقوله: (بقي) بسكون الياء وصله بنية الوقف.
* * * *
стр. 889
بابُ التدبير
هو لغةً: النظر في عواقب الأمور, وشرعاً: تعليق عتق بالموت.
والأصل فيه قبل الإجماع: خبر "الصحيحين": «أن رجلاً دبَّر غلاماً ليس له مال غيره, فباعه النبي ﷺ » فتقريره له وعدم إنكاره له: يدل على جوازه.
وأركانه ثلاثة: محل, وصيغة, وأهل.
الأول: المحل؛ وهو الرقيق غير المستولدة ولو مكاتباً, أو معلقاً بصفة.
الثاني: الصبغة وستأتي.
الثالث: الأهل؛ فلا يصح تدبير غير المكلف إلا السكران, وتدبير المرتد موقوف؛ إن أسلم .. صح, وإلا .. فلا.
(كَقَوْلِهِ لِعَبْدِهِ: (دَبَّرْتُكَا) ... أَوْ (أَنْتَ حُرٌّ بعدَ مَوتِي) ذَلِكَا)
يَعْتِقُ بَعدَهُ مِن الثُّلْثِ لِمَالْ ... وَيَبْطُلُ التَّدْبِيرُ حَيثُ المِلْكُ زالْ
أي: التدبير؛ كقول الشخص لعبده أو أمته: (دبرتك) ,أو (أنت مدبر) ,أو (أنت حر بعد موتي) , أو (أعتقتك بعد موتي).
وينعقد بالكناية مع النية؛ كـ (خليت سبيلك بعد موتي) , ومضافاً إلى جزء كـ (دبرت ربعك) , ولا يسرى كما مر, ومقيداً؛ كـ (إن مت في ذا الشهر أو المرض .. فأنت حر) , فإن مات على الصفة المذكورة .. عتق وإلا .. فلا, أو (إن قرأت القرآن .. فأنت حر بعد موتي) فقرأه جميعاً .. صار مدبراً, أو بعضه .. فلا, ومعلقاً؛ كـ (إن دخلت الدار .. فأنت حر بعد موتي) فيعتق بعد موته إن دخلها قبله, فإن قال: (إن مت ثم دخلت .. اشترط دخوله بعد الموت)
وهو على التراخي, وليس للوارث بيعه قبل الدخول.
стр. 890
ولو قال: (إذا مت ومضى شهر .. فأنت حر) .. فللوارث استخدامه في الشهر لا بيعه.
ولو قال: (إن شئت .. فأنت مدبر) , أو (أنت حر بعد موتي إن شئت) .. اشترطت المشيئة على الفور، فإن قال: (متى شئت) .. فللتراخي ويشترط المشيئة في الصورتين قبل موت السيد.
ويعتق المدبر بعد موت سيده من ثلث ماله بعد الدين كالوصية, فيعتق كله إن خرج من الثلث, وإلا .. عتق منه بقدره, وسواء في اعتباره من الثلث وقع في الصحة أو في المرض.
ولو علق عتقاً على صفة تختص بالمرض؛ كـ (إن دخلت الدار في مرض موتي .. فأنت حر) .. عتق من الثلث، وإن احتملت الصحة والمرض فوجدت في المرض .. عتق من رأس المال إن لم توجد باختيار السيد، وإلا .. فمن الثلث.
وللسيد إزالة ملكه عن المدبر ببيع أو نحوه؛ لأنه ﷺ باع مدبر رجل من الأنصار رواه الشيخان، ولأنه تعليق عتق بصفة لا وصية للعبد بعتقه, فلو زال ملكه عنه .. بطل التدبير, ولو عاد ملكه إليه .. لم بعد التدبير، ولا يصح رجوعه عنه بالقول.
ولو علق بصفة .. صح وعتق بالأسبق, ففي سبق الموت العتق بالتدبير.
وله وطء مدبرته ولا يكون رجوعاً عن التدبير، فإن أولدها .. بطل تدبيره، ويتبع المدبرةَ حملُها الحاصل عند التدبير, أو موت السيد.
ولو ادعى رقيقه التدبير فأنكر .. فليس برجوع, بل يحلف أنه ما دبره.
ولو وجد مع مدبر مال فقال: كسبته بعد موت السيد, وقال الوارث: قبله .. صدق المدبر بيمينه؛ لأن اليد له, وتقدم بينته.
والألف فى قول الناظم: (دبرتكا) و (ذلكا) للإطلاق.
* ... * *
стр. 891
بابُ الكِتابة
بكسر الكاف, وقيل: بفتحها كالعتاقة, وهى لغة: الضم والجمع, وشرعاً: عقد عتق بلفظها بعوض منجم بنجمين فأكثر, وهي خارجة عن قواعد المعاملات؛ لدورانها بين السيد ورقيقه؛ ولأنها بيع ماله بماله.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾، وخبر: «من أعان غارما أو غازيا, أو مكاتباً في فك رقبته .. أظله الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله» , وخبر: «المكاتب عبد ما بقى عليه درهم)» رواهما الحاكم وصحح إسنادهم.
وأركانها أربعة: سيد, ومكاتب, وعوض, وصيغة.
(إِذا كَسُوبٌ ذُو أَمَانَةٍ طَلَبْ ... مِنْ غيرِ مَحْجُورٍ عليهِ تُستَحَب)
(وَشَرْطُهَا: مَعْلُومُ مَالٍ وَأَجَلْ ... نَجْمَانِ أو أكثَرُ مِنْهَا لا أَقَلْ)
(وَالفَسْخُ لِلعْبدِ مَتَى شاءَ انْفَصَلْ ... لاَ سَيِّدٍ إِلاَّ إذا عَجْزٌ حَصَلْ)
(أَجِزْ لَهُ تَصَرُّفَاً كَالحُرِّ لاَ ... تَبَرُّعاً وخَطَرَاً إذ فَعَلاَ)
(وَحَطُّ شيءٍ لازِمٌ للمَوْلَى ... عَنهُ, وَفِي النَّجْمِ الأَخِيرِ أَوْلَى)
(وَهْوَ رقيقٌ مَا بَقِي عَلَيْهِ ... شَيءٌ إِلَى أَدَائِهِ إليهِ)
[استحباب الكتابة إذا طلبها الرقيق]
أي تستحب الكتابة إذا طلبها رقيق كسوب أمين, وبهما فسر الشافعي رضي الله تعالى عنه (الخير) فى الآية, واعتبرت الأمانة؛ لئلا يضيع ما يحصله فلا يعتق, والقدرة على الكسب؛ ليوثق بتحصيل النجوم, وإنما لم تجب حينئذ؛ قياساً على التدبير وشراء القريب,
стр. 892
ولئلا يبطل أثر الملك, وتحتكم المماليك على المالكين, ولا تكره بحال؛ لأنها عند فقد الوصفين قد تفضي إلى العتق.
نعم؛ إن كان الرقيق فاسقاً بسرقة أو نحوها, وعلم سيده أنه لو كاتبه مع العجز عن الكسب لاكتسب بطريقة الفسق .. قال الأذرعي: فلا يبعد تحريمها؛ لتضمنها التمكين من الفساد.
ولا تصح كتابة مرهون ومُكرىً.
[شرط السيد وعوض الكتابة]
وشرط السيد: أهلية التبرع, فلا تصح من صبي ومجنون ومحجور عليه بسفه وأوليائهم, ومكره.
وشرط العوض: كونه معلوماً مؤجلاً بأجل معلوم ولو كان المكاتب مبعضاً؛ إتباعا للسلف, ولأن الرقيق لا قدرة له في الحال, بنجمين ولو قصيرين في مال كثير أو أكثر؛ إتباعاً للسلف والخلف, ولو كفى نجم .. لفعلوه مبادة إلى القربات, ولأن الكتابة عقد إرفاق, ومن تتمة الإرفاق التنجيم.
ولا بأس بكون المنفعة ولو في الذمة حالة؛ لقدرته على الشروع فيها، ومن التنجيم بنجمين في المنفعة أن يكاتبه على بناء دارين موصوفتين في وقتين معلومين, وشرط المنفعة التي يمكن الشروع فيها في الحال كالخدمة: اتصالها بالعقد، ولا بد فيها من ضميمة, كخدمة شهر الآن, ودينار بعد يوم منه, بخلاف ما لو اقتصر على خدمة شهرين وصرح بأن كل شهر نجم.
وتصح كتابة من باقيه حر, ولو كاتبه كله .. صح في الرق وبطل في غيره, ولو كاتب بعض رقيق .. فسدت مطلقاً؛ لأنه عقد معاوضة فاشترط فيه معرفة العوض كالبيع, ولو ترك لفظ التعليق ونواه .. كفى, ويقول المكاتب: (قبلت)
[فسخ الكتابة]
قوله: (والفسخ) أي: إن الكتابة جائزة من جهة المكاتب؛ لأن الحظ له فيها, فأشبه المرتهن، فله فسخها متى شاء, فينفصل منها وله ترك الأداء وغن كان معه وفاء, فلا يجبر على الأداء, ولازمة من جهة السيد فليس له فسخها كالراهن؛ لأنها حق عليه, إلا إذا حصل من
стр. 893
المكاتب عجز عن أداء النجم أو بعضه عند محله .. فللسيد فسخها إن شاء بنفسه؛ كالبائع عند إفلاس المشترى بالثمن، وإن شاء بالحاكم، وليس على الفور، وكعجزه امتناعه من الأداء مع القدرة عليه، وحلول النجم وهو غائب، أو غيبته بعد حلوله بغير إذن السيد.
ولو استمهل عند الحلول .. سن إمهاله، وأن كان معه عروض .. لزمه إمهاله لبيعها؛ لأنها مدة قريبة، فأن عرض كساد .. فله ألا يزيد على ثلاثة أيام؛ للضرر الناجز في حقه، كما لو استمهله لإقامة البينة على أداء المال، وإن كان ماله غائباً .. أمهله إلى إحضاره إن كان دون مرحلتين، وإلا .. لم يجب.
ولو غاب وله مال حاضر .. فليس للقاضي الأداء منه، ويمكن السد من الفسخ؛ لأنه ربما عجز نفسه لو كان حاضراً.
ولا تنفسخ بجنون المكاتب، ويؤدي القاضي عنه إن وجد له مالاً، ورأى له مصلحة في الحرية، وإن لم يجد له مالاً .. مكن السيد من الفسخ، فإذا فسخ ثم أفاق وظهر له مال .. دفعه إلى السيد وحكم بعتقه، ونقض التعجيز.
ولا تنفسخ بجنون السيد، فإن دفع المال إلى وليه .. عتق، أو إلى سيده .. لم يعتق، فإن تلف في يده .. لم يضمن، ولوليه تعجيزه، ولا بإغماء السيد والحجز عليه بسفه، ولا بإغماء المكاتب.
[تصرف المكاتب]
قوله: (أجز له تصرفاً كالحر) أي: يجوز للمكاتب أن يتصرف كالحر في معظم التصرفات، فيبيع ويشترى، ويؤجر ويستأجر، ويأخذ بالشفعة، ويقبل الهبة والصدقة والوصية، ويصطاد ويحتطب، ولو أجر نفسه أو ماله مدة فعجزه السيد فيها .. انفسخ العقد، ولا يصح منه تصرف فيه تبرع أو خطر إلا بإذن سيده؛ كهبته وقراضه، وإقراضه، وتصدقه وتبسطه في الملابس والمآكل، وإنفاقه على الأقارب، وشرائه بالمحاباة، وتسليمه الثمن قبل قبض المبيع، واتهاب من يعتق عليه إن عجز عن الكسب، وإلا .. استحب قبوله ويكاتب عليه، وليس له الإعتاق والتسري ولو بإذن سيده.
[لزوم حط شيء من نجوم الكتابة]
قوله: (وحط شيء لازم للمولى) أي: وحط شيء من نجوم الكتابة عن المكاتب لازم لسيده، ويقوم مقامه دفعه إليه بعد قبضه، وغيره من جنسه؛ لقوله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله
стр. 894
الذي آتاكم﴾ فسر الإيتاء بما ذكر؛ لأن القصد منه الإعانة على العتق، والحط أولى من الدفع؛ لأنه المنقول عن أكثر الصحابة رضى الله تعالى عنهم، ولأن ما يدفعه إليه قد ينفقه في جهة أخرى، وفي النجم الأخير أولى؛ لأنه أقرب إلى العتق، ويكفى ما يقع عليه الاسم، ولا يختلف بكثرة المال وقلته، فإن اختلفا فيه .. قدره الحاكم باجتهاده.
ووقت ووجوبه: قبل العتق، ويجوز من حين الكتابة، وبعد الأداء والعتق قضاء، ويستحب الربع، وإلا .. فالسبع.
[المكاتب رقيق ما بقي عليه شيء]
وهو- أي: المكاتب- رقيق ما بقي عليه شيء من مال الكتابة وإن قل، حتى يؤديه إلى السيد؛ لخبر: "المكاتب قن ما بقي عليه درهم" رواه أبو داوود والنسائي وابن حبان في "صحيحه"، وقال في "الروضة": إنه حديث حسن.
وخرج بقوله: (ما بقي عليه شيء إلى أدائه إليه): إبراؤه منه، فإنه يعتق به كما يعتق بالأداء.
ولو أتى المكاتب بمال فقال السيد: (هو حرام) .. صدق المكاتب، ويقال لسيده: (خذه أو أبرئه عن قدره)، فإن أبى .. قبضه القاضي، فإن كان قدر النجوم .. عتق، فإن نكل .. حلف السيد لغرض امتناعه من الحرام، وتسمع بينته.
ولو خرج المؤدى مستحقاً .. رجع السيد ببدله وهو مستحقه، فإن كان في النجم الأخير .. بان أن لا عتق وإن قال عند أخذه: (أنت حر) لأنه بناه على ظاهر الحال من صحة الأداء وقد بان عدمها، أو معيباً .. رده وأخذ بدله، وله أن يرضى به.
[المكاتبة الباطلة والفاسدة]
وهذه الأحكام المتقدمة في الكتابة الصحيحة، وغيرها تنقسم إلى باطلة، وفاسدة.
فأما الباطلة: وهي ما اختل بعض معتبراتها؛ كأن كان السيد صبياً أو مجنوناً أو مكرهاً، أو الرقيق كذلك، أو كاتب الولي رقيق موليه، أو كان عوضها غير مقصود؛ كالدم والحشرات، أو لم يجر فيها ذكر عوض .. فهي لاغية.
стр. 895
وأما الفاسدة: وهي ما اختلت صحتها لعوض محرم مقصود، أو شرط فاسد؛ كشرط أن يبيعه كذا، أو أجل فاسد .. فهي كالصحيحة في أمور؛ منها: استقلاله بالكسب، وأخذ أرش الجناية عليه، ومهر شبهة في الأمة، وعتقه بالأداء، وتبعية كسبه له، وكالتعليق في أمور منها:
أنه لا يعتق بإبراء، ولا بأداء الغير عنه تبرعاً، وتبطل بموت سيده قبل الأداء، وتصح الوصية برقبته، ولا يصرف له سهم المكاتبين.
وتخالفهما في أمور؛ منها: أن للسيد فسخها بنفسه أو بالحاكم، وأنه لا يملك ما يأخذه بل يرجع المكاتب به إن كان متقوماً بخلاف غيره؛ كالخمر فلا يرجع فيه بشيء، فإن تلف ..
رجع عليه بمثله أو قيمته، ويرجع عليه السيد بقيمته يوم عتقه، فإن كانا من جنس واحد من نقد البلد .. تقاصا، فيسقط أحد الدينين المتساويين بالآخر بلا رضا، ويرجع صاحب الفضل به.
وتبطل الفاسدة بجنون السيد وإغمائه والحجر عليه بسفه، لا بجنون الرقيق وإغمائه.
وقول الناظم: (منها) بإفراد الضمير من إطلاق الجمع على اثنين كما هو أحد الرأيين؛ إذ هو راجع إلى قوله: (نجمان)، والألف في قوله: (فعلا) للإطلاق، وقوله: (بقي) بسكون الياء وصله بنية الوقف.
стр. 896
باب الإيلاد
وفي نسخة: (عتق أم الولد)
(لأمة له تكون ملكا ... أو بعضها يوجب عتق تلكا)
(بمؤته، ونسلها بها التحق ... من غيره من بعد الإيلاد عتق)
(من رأس مال قبل دين، واكتفي ... بوضع ما فيه تصور خفي)
(جاز الكرا، وخدمة، جماع ... لا هبة، والرهن، وابتياع)
(ومولد بالاختيار جارية ... لغيره منكوحة أو زانية)
(فالنسل قن مالك، والفرع حر ... من وطؤه بشبهة أو حيث غر)
(أو بشراء فاسد، فإن ملك ... ذي بعد لم تعتق عليه إن هلك)
(لكن عليه قيمة الحر ثبت ... بحمد ربى "زبد الفقه" انتهت)
فيها ثلاث مسائل:
[ما يترتب على إيلاد الرجل أمته]
الأولى: إذا أولد الرجل أمة يملكها، أو يملك بعضها بوطء مباح، أو حرام بسبب نسب، أو رضاع أو مصاهرة، أو حيض أو إحرام، أو نكاح أو نحوها، أو باستدخال ذكره أو منيه المحترم .. انعقد الولد حراً، وعتقت بموته، الأصل في ذلك: أخبار؛ منها: قوله ﵊ في مارية أم ولده: "أعتقها ولدها" أي: أثبت لها حق الحرية، رواه ابن ماجه وغيره، وصححه الحاكم وغيره، وقوله ﷺ : "أيما أمة ولدت من سيدها .. فهي حرة عن دبر منه" رواه ابن ماجه وغيره، وصحح الحاكم إسناده، وخبر: "أمهات الأولاد لا يبعن ولا يوهبن ولا يورثن، يستمتع منها سيدها ما دام حياً، فإذا مات ..
стр. 897
فهي حرة" رواه الدارقطني والبيهقي، وصححا وقفه على عمر رضى الله تعالى عنه، وصحح ابن القطان رفعه وحسنه وقال: رواته كلهم ثقات.
واستشهد البيهقي بقول عائشة رضى الله تعالى عنها: (لم يترك رسول الله ﷺ ديناراً ولا درهماً، ولا عبداً ولا أمة) وكانت مارية من جملة المخلف عنه، فدل على أنها عتقت بموته.
وسبب عتق أم الولد انعقاده حراً؛ للإجماع، ولخبر "الصحيحين": أن من أشراط الساعة: "أن تلد الأمة ربتها"، وفي رواية: "ربها" أي: سيدها، وولد المشتركة ينعقد حراً، ويسري الاستيلاد إلى حصة شريكه منها إن أيسر بقيمتها، وعتقت بموته، وإلا ... عتق نصيبه، وكأمته أمة فرعه التي لم يستولدها، وأمة مكاتبه، ومحل ما ذكره: إذا لم يزاحم حق الغير، وإلا ... فلا ينفذ الإيلاد؛ كإيلاد المعسر المرهونة.
ونسلها؛ أي: أولاد أم الولد بعد إيلادها من غير السيد من زوج، أو زنا، حكمهم كحكمها: يلتحقون بها في حكم الحرية، فيعتقون بموت السيد وإن ماتت في حياته؛ لأن الولد يتبع أمه في الرق والحرية، وكذا في سبيها.
وخرج بقوله: (من بعد الإيلاد): أولادها قبل الإيلاد من زوج أو زنا، فإنهم لا يعتقون بموت السيد، وله بيعهم؛ لحدوثهم قبل ثبوت حق الحرية للأم، وشمل (موته): ما لو قتلته أو ولده.
وعتق المستولدة وأولادها من رأس مال السيد مقدماً على دينه؛ لأن إيلادها بمنزلة استهلاكها.
وكما يثبت الإيلاد بانفصال الولد حياً أو ميتاً .. يثبت حكمه، ويكتفى بوضع المضغة التي ظهر فيها تصور خفي من خلقة الآدميين ولو لأهل الخبرة؛ لما روى البيهقي عن عمر رضى الله تعالى عنه: أنه قال في أم الولد: (أعتقها ولدها وإن كان سقطاً).
стр. 898
وخرج بقوله: (تصور خفي): ما لو قالوا: إنه أصل آدمي، ولو بقي .. لتصور، فلا يثبت به الإيلاد، ولا تجب به غرة؛ لأنه لا يسمى ولداً.
[كراء المستولدة ووطؤها]
الثانية: جاز للسيد كراء المستولدة واستخدامها، وكذا وطؤها إذا لم يمنع منه مانع، وله أرش جناية عليها وعلى أولادها التابعين لها، وقيمتهم إن قتلوا؛ لبقاء ملكه لهم، وله تزويجها بغير إذنها، ولا يجوز له هبتها ولا رهنها ولا بيعها؛ أي: أو نحوه مما يؤول إلى نقل ملكها إلى غيره؛ لما مر، ولأن الهبة والبيع نقل الملك إلى الغير، والرهن تسلط عليه، وكما تحرم هذه الأمور .. تبطل.
نعم؛ يصح بيعها من نفسها؛ لأنه عقد عتاقة في الحقيقة.
[حكم من أولد جارية غيره]
الثالثة: من أولد باختياره غير مكره جارية غيره بنكاح لا غرور فيه، أو زناً .. فولده رقيق لمالكها بالإجماع، وولده حر من وطئه أمة غيره بشبهة؛ كأن ظنها أمته، أو زوجته الحرة، أو بنكاح غر بحريتها فيه، أو بشراء فاسد ظن صحته؛ عملاً بظنه.
وقوله: (بالاختيار) بيان لكون الوطء زنا، لا لكون ولد المكره ينعقد حراً، ولو ظن بالشبهة أنها زوجته الأمة .. فالولد رقيق، فإن ملك المولد أمة الغير بعد أن أولدها .. لم تعتق بموته، أما في الحال الأول والثالث .. فلانتفاء علوقها بحر، وأما في الثاني .. فلانتفاء ملكه لها حين علوقها بالحر، وعلى المولد قيمة ولده الحر يوم انفصاله لسيد أمه؛ لتفويته رقه بظنه.
والألف في قول الناظم: (تلكا) للإطلاق، وقوله: (الإيلاد) بنقل حركة الهمزة إلى اللام قبلها.
ثم إن الناظم حمد الله تعالى على انتهاء "زبد الفقه"، وقد مر معنى الحمد لغة وعرفاً، ولما كانت هذه المنظومة مسماة بـ"الصفوة" التي اشتق منها علم التصوف .. ناسب ألا تخلو عن قطعة منه؛ ليوافق الاسم المسمى، وكان الختم به أولى؛ لتكون خاتمة الفقيه تطهير قلبه، وتصفية سريرته؛ ليلقى الله الكريم بقلب سليم، ولهذا ختمها الناظم به فقال:
стр. 899
خاتمة
[في علم التصوف]
وفي بعض النسخ: (في علم التصوف المصفي للقلوب) وهو كما قال الغزالي: تجريد القلب لله ، واحتقار ما سواه، قال: وحاصله يرجع إلى عمل القلب والجوارح.
(من نفسه شريفة أبيه ... يربأ عن أموره الدنيه)
(ولم يزل يجتح للمعالي ... يسهر في طلابها الليالي)
(ومن يكون عارفاً بربه ... تصور ابتعاده من قربه)
(فخاف وارتجى وكان صاغيا ... لما يكون آمراً وناهيا)
(فكل ما أمره يرتكب ... وما نهى عن فعله يجتنب)
(فصار محبوباً لخالق البشر ... له به سمع وبطش وبصر)
(وكان لله ولياً، إن طلب ... أعطاه، ثم زاده مما أحب)
[تعاطى معالي الأمور واجتناب دنيها]
أي: من نفسه شريفة أبية؛ أي: تأبى إلا العلو الأخروي .. يربأ بالهمز؛ أي: يرتفع عن أموره الدنية من الأخلاق المذمومة؛ كالكبر والغضب، والحقد والحسد، وسوء الخلق وقلة الاحتمال، ولم يزل يجنح بفتح النون وضمها؛ أي: يميل للمعالي من أموره من الأخلاق المحمودة؛ كالتواضع والصبر، وسلامة الباطن والزهد، وحسن الخلق وكثرة الاحتمال، ويسهر الليالي في طلبها؛ كما يقال: ومن طلب العلا سهر الليالي.
وحاصله: أنه يتعاطى معالي الأمور في الظاهر والباطن، ويتجنب رديئها، والدنيا التي قال فيها النبي ﷺ : "لو كانت الدنيا تزن عند الله تعالى جناح بعوضة .. ما سقى
стр. 900
منها كافراً شربة ماء"، وقال: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالم أو متعلم"، ولو لم يكن في محبة الدنيا من المفسدة إلا الاشتغال بها عن الله تعالى.
وقد قال بعضهم لولده: يا بنى؛ لا تغبطن أهل الدنيا عن دنياهم، فوالله؛ ما نالوها رخيصة، ووالله؛ ما نالوها حتى فقدوا الله تعالى.
وما ذكره الناظم هو عالي الهمة، وسيأتي دنيها، وهذا مأخوذ من حديث: "إن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها" أي: دنيها رواه البيهقي في "شعب الإيمان"، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، فالمعالي والسفساف: كلمتان جامعتان لأسباب السعادة والشقاوة.
[آثار معرفة الله ]
ومن يكون عارفاً بربه بما يعرف به من صفاته .. تصور ابتعاده لعبده بإضلاله، وإرادة الشر به من قربه له بهدايته وتوفيقه .. فخاف عقابه، ورجا ثوابه، وكان عبداً صاغياً لما يكون آمراً به وناهياً عنه، فكل ما أمره به .. يرتكبه، وكل ما نهي عن فعله .. يجتنبه، فصار محبوباً لخالق البشر، والمخلوقات بأسرها.
له بربه سمع وبطش وبصر، فترتب على محبة الله تعالى له صيانة جوارحه وحواسه، فلا يسمع إلا الله، ولا يبصر إلا له، ولا يبطش إلا لأجله؛ كما قال ﷺ : "من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله .. فقد استكمل الإيمان"، وكما كانت حاله ﷺ : أنه ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات الله، فيكون هو ينتقم لله.
وكان لله ولياً، إن طلب منه .. أعطاه، وإن استعاذ به .. أعاذه، ثم زاده مما أحب.
قال بعضهم: العارف عند أهل التصوف: من عرف الحق تعالى بأسمائه وصفاته، ثم صدق الله تعالى في جميع معاملاته، ثم تنقى عن أخلاقه المذمومة وآفاته، ثم طال بالباب
стр. 901
وقوفه، ودام بالقلب عكوفه، فحظي من الله تعالى بجميع آماله، وصدق الله تعالى في جميع أحواله، وانقطعت عنه هواجس نفسه، ولم يصغ بقلبه إلى خاطر يدعوه إلى غيره.
وقال ابن عبد السلام في "قواعده" في إصلاح القلوب؛ التي تصلح الأجساد بصلاحها، وتفسد بفسادها: تطهيرها من كل ما يباعد عن الله، وتحليها بكل ما يقرب إلى الله ويزلف لديه، من الأحوال والأقوال والأعمال، وحسن المآل، ولزوم الإقبال عليه، والإصغاء إليه، والمثول بين يديه كل وقت من الأوقات وحال من الأحوال، على حسب الإمكان من غير أداء إلي السآمة والملال.
قال: ومعرفة ذلك هي الملقبة بعلم الحقيقة، وليست الحقيقة خارجة عن الشريعة، بل الشريعة طافحة بإصلاح القلوب بالمعارف والأحوال والعزوم والنيات، وغير ذلك. انتهى.
قال بعضهم: علامة محبة الله تعالى: بغض المرء نفسه؛ لأنها مانعة له من المحبوب، فإذا وافقته نفسه في المحبة .. أحبها، لا لأنها نفسه، بل لأنها تحب محبوبه.
وما ذكره الناظم .. مأخوذ من حديث البخاري عن النبي ﷺ عن الله تعالى: "من آذى لي ولياً .. فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته .. كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني .. أعطيته، وإن استعاذ بي .. لأعيذنه"، زاد ابن أبي الدنيا: "وفؤاده الذي يعقل به، ولسانه الذي يتكلم به".
والمراد: أن الله تعالى يتولى محبوبه في جميع أحواله، فحركاته وسكناته به تعالى؛ كما أن أبوي الطفل لمحبتهما له التي أسكنها الله في قلوبهما .. يتوليان جميع أحواله، فلا يأكل إلا بيد أحدهما، ولا يمشى إلا برجله ... إلى غير ذلك، ففنيت صفاته، وقامت صفات الأبوين مقامها؛ لشدة اعتنائهما بحفظه.
وفي الحديث: "اللهم؛ كلاءة ككلاءة الوليد"، فكذلك حال الولي مع الرب ، واتخاذ الله ولياً يحتمل أن يكون فعيلاً بمعنى فاعل؛ أي: ولي أمر الله تعالى، أو
стр. 902
قال بعضهم: إذا أراد الله أن يوالي عبده .. فتح عليه باب ذكره، فإذا استلذ الذكر .. فتح عليه باب القرب، ثم رفعه إلى مجالس الأنس، ثم أجلسه على كرسي التوحيد، ثم رفع عنه الحجب، وأدخله دار القرب، وكشف له الجلال والعظمة، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة .. خرج من حبسه ودعاوى نفسه، ويحصل حينئذ في مقام العلم بالله فلا يتعلم بالخلق، بل بتعليم الله تعالى وتجليه لقلبه، فيسمع ما لا يسمع، ويفهم ما لا يفهم.
(وقاصر الهمة لا يبالي ... يجهل فوق الجهل كالجهال)
[قاصر الهمة جاهل لا يبالي بمعالي الأمور]
أي: وقاصر الهمة دنيها؛ بأن جنح إلى سفساف الأمور، وعدل عن معاليها، فلا يرفع نفسه بالمجاهدة؛ لأنه أسرته الشهوة وميل النفس إلى الراحة، فصار لا يبالي هل قربه الله أو أبعده؟ ! فلا يتعلم أمره ولا نهيه، ولا يعمل بمقتضى واحد منهما لو علمه، ولا يبالي بما اكتسبه من المال هل هو من حلال أو حرام؟ ! ولا ما عمله من الأعمال هل يوافق الشرع أو لا؟ ! ولا يبالي في أفعاله هل تسخط الرب أو ترضيه؟ ! وقد أعرض عن أخراه وانهمك في دنياه.
وقد قال العلماء: الخسيس: من باع دينه بدنياه، وأخس الأخساء: من باع دينه بدنيا غيره، وهو متكل بجهله وغروره على عفو الله تعالى وكرمه بلا خوف ولا عمل، فيجهل فوق جهل الجاهلين.
فالجهل أول داء النفس، ثم حب الأشياء، ثم قلة المبالاة، ثم الجرأة، ثم قلة الحياء، ثم المنى بفوز الآخرة، وهذا حال من ركبته النفس الأمارة بالسوء، وأول منزل من منازل السالك ذبح نفسه بسكين الرياضة.
[ما يترتب على معرفة عالي الهمة ودنيها]
(فدونك الصلاح أو فسادا ... أو سخطاً أو تقريباً أو إبعادا)
أي: فدونك أيها المخاطب بعد أن عرفت حال عالي الهمة ودنيها، وعلمت أن الله تعالى
стр. 903
مطلع على أقوالك وأعمالك وما في قلبك، ومجازيك على جميع أعمالك من ثواب أو عقاب، فخذ لنفسك أيهما ترضاه: صلاحاً منك موجباً للفوز بالنعيم المقيم، أو فساداً تستحق به العذاب الأليم في نار الجحيم، أو رضاً أو سخطاً، أو تقريباً من الله والجنة أو إبعاداً عنهما، أو سعادة من الله تعالى أو شقاوة، أو نعيماً منه وجحيماً.
فأفاد الناظم بـ (دونك): الإغراء بالنسبة إلى الصلاح وما يناسبه، والتحذير بالنسبة إلى الفساد وما يناسبه، ونظيره: ﴿اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير﴾.
وقوله الناظم: (أو تقريباً أو إبعاداً) بحذف الهمزة فيهما للوزن.
(وزن بحكم الشرع كل خاطر ... فإن يكن مأموره فبادر)
(ولا تخف وسوسة الشيطان ... فإنه أمر من الرحمن)
(وإن تخف وقوعه منك على ... منهي وصف مثل إعجاب فلا)
(وإن يك استغفارنا يفتقر ... لمثله فإننا نستغفر)
(فاعمل وداو العجب حيث يخطر ... مستغفراً، فإنه يكفر)
(وإن يكن مما نهيت عنه ... فهو من الشيطان، فاحذرنه)
(فإن تمل إليه كن مستغفراً ... من ذنبه، عساه أن يكفرا)
[أقسام خواطر النفس]
أي: وزن أنت بحكم الشرع كل خاطر خطر لك، ولا يخلو حاله بالنسبة إليك من حيث الطلب من أن يكون مأموراً به، أو منهياً عنه، أو مشكوكاً فيه، فإن كان الخاطر مأموراً به؛ إما على طريق الوجوب أو الاستحباب .. فبادر إلى فعله، فإنك إن توقفت برد الأمر .. وهبت ريح التكاسل.
ولا تخف؛ أي: لا تترك المأمور به من صلاة أو غيرها؛ خوفاً من وسوسة الشيطان، فإنك لا تقدر على صلاة بلا وسوسة، فقد اجتهد الأكابر أن يصلوا ركعتين بلا وسوسة من الشيطان وحديث النفس بأمور الدنيا فعجزوا، ولا مطمع فيه لأمثالنا، فإنه أمر من الرحمن رحمك به حيث أخطره ببالك.
ثم الخاطر الذي من الرحمن ينقسم إلى: ملكي، وإلهامي؛ فالملكي: ما يلقيه الملك
стр. 904
الذي على يمين القلب فيه، والإلهامي: إيقاع شيء في القلب ينشرح له الصدر، والفرق بينهما: أن إلقاء الملك قد تعارضه النفس والشيطان بالوساوس، بخلاف الخواطر الإلهية؛ فإنها لا يردها شيء، بل تنقاد لها النفس والشيطان طوعاً وكرهاً، وإذا كان الخاطر مباحاً؛ كالأكل والنوم وغيرهما .. فجدد له نية صالحة؛ ليصير مأموراً به؛ كأن تنام وقت القيلولة؛ لتنشط للعبادة في الليل؛ كما تقدم في (المقدمة) في قول الناظم:
(لكن إذا نوى بأكله القوى ... لطاعة الله له ما قد نوى)
[خوف العجب ليس مانعاً من العمل]
وإن تخف وقوعه؛ أي: المأمور به على وصف منهي عنه؛ مثل: إعجاب أو رياء .. فلا بأس عليك في وقوعه عليه من غير قصد له، فلا يكون ذلك مانعاً لك من المبادرة إليه، أقم الأمر واحترز عن المنهي.
وخرج بقوله: (وقوعه): إيقاعه؛ بأن أوقعته عليه قاصداً له، فإن ذلك محبط للعمل، موجب للإثم، فاستغفر الله تعالى، وتب إليه منه كما سيأتي.
وقد قال الفضيل: العمل لأجل الناس شرك، وترك العمل لأجل الناس رياء، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.
وإن يك استغفارنا يفتقر لاستغفار مثله؛ لنقصه بغفلة قلوبنا معه، بخلاف استغفار الخلص ورابعة العدوية منهم، وقد قالت: (استغفارنا يحتاج إلى استغفار) هضماً لنفسها .. لا يوجب ترك الاستغفار منا المأمور به؛ بأن يكون الصمت خيراً منه، بل نستغفر وإن احتاج إلى استغفار؛ لأن اللسان إذا ألف ذكراً ... أوشك أن يألفه القلب فيوافقه فيه.
قال الغزالي في "الإحياء" في (باب التوبة): لا تظن أن رابعة تذم حركة اللسان بالاستغفار من حيث إنه ذكر الله تعالى، بل تذم غفلة القلب، فهو محتاج إلى الاستغفار من غفلة قلبه لا من حركة لسانه، فإن سكت عن الاستغفار باللسان أيضاً .. احتاج إلى استغفاريين، قال: وهذا معنى قول القائل الصادق: (حسنات الأبرار سيئات المقربين)
стр. 905
[دواء العجب]
ثم استشهد الناظم لما قرره بقول السهروردي- بضم السين- صاحب "عوارف المعارف"، وقد سأله بعض أئمة خرسان فقال: القلب مع الأعمال يداخله العجب، ومع ترك الأعمال يخلد إلى البطالة، فأجابه بقول: لا تترك الأعمال، وداو العجب حيث لك؛ بأن تعلم أن ظهوره من النفس، فاستغفر الله منه إذا وقع قصداً؛ فإن ذلك كفارنه، ولا تدع العمل رأساً؛ فإنه من مكائد الشيطان.
قال الإمام في "المطلب": من مكائد الشيطان ترك العمل؛ خوفاً من أن يقول الناس: إنه مرائي، وهذا باطل، فإن تطهر العمل من نزغات الشيطان بالكلية متعذر، فلو وقتنا العبادة على الكمال .. لتعذر الاشتغال بشيء من العبادات، وذلك بموجب البطالة، وهي أقصى غرض الشيطان.
وقال النووي: ولو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس والاحتراز من تطرق ظنونهم .. لاستد عليه أكثر أبوب الخير، وضيع على نفسه شيئاً عظيماً من مهمات الدين، وليس هذا طريقة العارفين.
ولقد أحسن من قال: سيروا إلى الله عرجاً ومكاسير، ولا تنتظروا الصحة، فإن انتظار الصحة بطالة.
وحكي عن الشافعي رضى الله تعالى عنه أنه قال: إذا خفت على عملك العجب .. فاذكر رضا من تطلب، وفي أي نعيم ترغب، ومن أي عقاب ترهب، وأي عافية تشكر، وأي بلاء تذكر، فإنك إذا فكرت في واحدة من هذه الخصال .. صغر في عينك عملك.
وإن يك الخاطر مما نهاك الله تعالى عنه .. فاحذر من فعله، فإنه من وسوسة الشيطان، أو من دسيسة النفس الأمارة بالسوء.
والفرق بينهما: أن خاطر النفس لا ترجع عنه، وخاطر الشيطان قد ينقله إلى غيره إن صمم الإنسان على عدم فعله؛ لأن قصده الإغواء لا خصوص قضية معينة، فإن تمل النفس إلى فعله،
стр. 906
أو فعلته .. فكن تائباً إلى الله تعالى خائفاً منه مستغفراً، ولا تيأس من رحمة الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم﴾.
وحذف الفاء الداخلة على الجواب، وهو قوله: (كن) للضرورة عند الجمهور، وأجازه المبرد في الاختيار، وقال بعضهم: لا يجوز إلا في ضرورة أو ندور، ويقاس بهذا نظائره السابقة واللاحقة.
والألف في قوله: (يكفرا) للإطلاق.
[مراتب ما يقع في النفس من المعصية]
(فيغفر الحديث للنفس وما ... هم إذا لم تعمل أو تكلما)
ما يقع في النفس من المعصية له مراتب:
الأولى: الهاجس؛ وهو ما يلقى فيها، ولا يؤاخذ به إجماعاً؛ لأنه ليس من فعل العبد، وإنما هو وارد لا يستطاع دفعه.
الثانية: الخاطر، وهو جريانه فيها، وهو مرفوع أيضاً.
الثالثة: حديث النفس، وهو ترددها بين [فعل] الخاطر المذكور وتركه، وهو مرفوع أيضاً؛ لخبر "الصحيحين": "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم به".
الرابعة: الهم، وهو قصد الفعل، وهو مرفوع أيضاً؛ لقوله تعالى: ﴿إذ همت طائفتان﴾ الآية، ولو كانت مؤاخذة .. لم يكن الله وليهما، ولقوله ﷺ : "من هم بسيئة ولم يعملها .. لم تكتب" أي: عليه، رواه مسلم، وفي رواية له: "كتبها الله تعالى عنده حسنة كاملة"، زاد في أخرى: "إنما تركها من جراي" أي: من أجلي، وهو بفتح الجيم وتشديد الراء.
وقضية ذلك: أنه إذا تكلم كالغيبة، أو عمل كشرب المسكر .. انضم إلى المؤاخذة بذلك
стр. 907
مؤاخذة حديث النفس والهم به، وفي هذه المرتبة تفترق الحسنة والسيئة؛ فإن الحسنة له تكتب، والسيئة لا تكتب عليه، بخلاف الثلاث الأول؛ فإنها لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، واقتصر الناظم على هذين المرتبتين؛ لوضوح الأمر في الأوليين.
الخامسة: العزم، وهو قوة القصد والجزم به وهو مؤاخذ به؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾، ولخبر "الصحيحين": "إذا التقى المسلمان بسيفيهما .. فالقاتل والمقتول في النار"، قيل: يا رسول الله؛ هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصاً على قتل أخيه".
وقول الناظم: (أو تكلما) بنقل حركة همزته إلى الساكن قبلها، وألفه للإطلاق.
[مجاهدة النفس إذا همت بالمعصية]
(فجاهد النفس بألا تفعلا ... فإن فعلت تب وأقلع عجلاً)
أي: فجاهد النفس الأمارة بالسوء وجوباً إذا همت بمعصية الله تعالى؛ لحبها بالطبع ما نهيت عنه لتطيعك في الاجتناب؛ كما تجاهد من يقصد اغتيالك، بل أعظم؛ لأنها تقصد لك الهلاك الأبدي باستدراجها لك من معصية إلى أخرى حتى توقعك فيما يؤديك إلى ذلك، فإنها حينئذ أكبر أعدائك، وفي الحديث: "أعدى عدو لك نفسك التي بين جنبيك".
وقال بعضهم: معالجة المعصية إذا خطرت حتى لا تقع .. أهون من معالجة التوبة حتى تقبل؛ لأن ذلك بكف النفس، والتوبة بالندم والأسف والبكاء، ثم لا يدرى أقبلت توبته أم لا؟ فإن فعلت الخاطر المذكور لغلبة الإمارة عليك .. فتب على الفور وجوباً، وأقلع عن المعصية عاجلاً؛ ليرتفع عنك إثم فعله بالتوبة التي وعد الله تعالى بقبولها فضلاً منه، ومما تتحقق به الإقلاع كما سيأتي.
وقبول التوبة من الكفر قطعي، وفي قبول التوبة من المعصية قولان: قال النووي: الأصح: أنه ظني، وقال بعضهم: الصحيح: أنه قطعي، والواقع في المعصية إن كان لاهياً
стр. 908
عن النهى والوعيد .. فهو من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وإن استحضر النهي والوعيد وأقدم عليها تجرؤاً .. فهو هالك، أو تسويفاً .. فمغرور؛ لتركه ما وجب عليه وتعلقه بما قد لا يقدر عليه وهو التوبة.
والنفوس ثلاثة:
الأمارة: وهي أشرهن.
الثانية: اللوامة: التي يقع منها الشر، لكنها تساء به وتلوم عليه وتسر بالحسنة؛ كما قال ﷺ : "من سرته حسنته وساءته سيئته .. فهو مؤمن".
الثالثة: المطمئنة: التي اطمأنت إلى الطاعة، ولم تواقع معصية.
والألف في قول الناظم: (تفعلا) للإطلاق.
(وحيث لا تقلع لاستلذاذ ... أو كسل يدعوك باستحواذ)
(فاذكر هجوم هاذم اللذات ... وفجأة الزوال والفوات)
(وإعرض التوبة، وهي الندم ... على ارتكاب ما عليك يحرم)
(تحقيقها إقلاعه في الحال ... وعزم ترك العود في استقبال)
(وإن تعلقت بحق آدمي ... لابد من تبرئة للذمم)
(وواجب إعلامه إن جهلا ... فإن يغب فابعث إليه عجلا)
(فإن يمت فهو لوارث يري ... إن لم يكن فأعطها للفقرا)
(مع نية الغرم له إذا حضر ... ومعسر ينوي الأدا إذا قدر)
(فإن يمت من قبلها ترجى له ... مغفرة الله بأن تناله)
[ذكر الموت باعث على الإقلاع عن فعل المعصية]
أي: وحيث لا تقلع عن فعل الخاطر المذكور؛ لاستلذاذ به وبقاء حلاوته في قلبك يدعوك إليه، أو كسل عن الخروج منه يدعوك إلى ترك العمل مع استحواذ الشيطان عليك، فالباء في قوله: (باستحواذ) بمعنى مع، أو سببية .. فتذكر هجوم هاذم اللذات، وفجأة الزوال، والفوات للتوبة وغيرها من الطاعات؛ فإن تذكر ذلك باعث شديد على الإقلاع عما يستلذ به، أو
стр. 909
ما يكسل عن الخروج منه؛ لأنه مكدر للعيش، ومقصر للأمل، وباعث على العمل؛ قال ﷺ : "أكثروا ذكر هاذم اللذات" رواه الترمذي، زاد ابن حبان: "فإنه ما ذكره أحد في ضيق .. إلا وسعه، ولا ذكره في سعة .. إلا ضيقها عليه".
(وهاذم) بالذال المعجمة؛ أي: قاطع، واللذات المقطوعة بالموت ثلاثة:
أدونها: الحسية؛ وهي قضاء شهوتي البطن والفرج ومقدماته.
وأوسطها: اللذات الخيالية الحاصلة من الاستعلاء والرياسة؛ وهي أشدها التصاقاً بالعقلاء، ولذلك قيل: آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرياسة.
وأعلاها: اللذات العقلية الحاصلة بسبب معرفة الأشياء والوقوف على حقائقها؛ وهي اللذة على الحقيقة.
وإن كان عدم الإقلاع للقنوط واليأس من رحمة الله تعالى وعفوه عما فعلت لشدته، أو لاستحضار عظمة الله ونقمته .. فخف مقت ربك؛ أي: شدة عقاب مالكك الذي له أن يفعل في عبده ما يشاء، حيث أضفت إلى الذنب اليأس من العفو عنه، وقد قال: ﴿إنه لا يأيس من روح الله﴾ أي: رحمته ﴿إلا القوم الكافرون﴾.
واذكر سعة رحمته التي لا يحيط بها إلا هو؛ أي: استحضرها .. لترجع عن قنوطك، وكيف تقنط وقد قال تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً﴾ أي: غير الشرك؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾، وقد قال ﷺ : "والذي نفسي بيده؛ لو لم تذنبوا .. لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" رواه مسلم، وقال ﷺ : "لله أفرح بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض فلاة عليها طعامه وشرابه .. " الحديث المشهور.
[بيان التوبة وشروطها]
واعرض التوبة، وهي الندم على ارتكاب ما عليك يحرم من حيث إنه محرم، فالندم على شرب الخمر؛ لإضراره بالبدن ليس التوبة التي هي الندم المذكور، على قلبك ومحاسنها
стр. 910
وفضائلها؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾، وقوله ﷺ : "التائب حبيب الله، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له"، واذكر مقدماتها الثلاث:
إحداها: فبح الذنوب.
والثانية: ذكر عقوبة الله تعالى، وأليم سخطه الذي لا طاقة لك به.
الثالثة: ذكر ضعفك، وكونك لا تحمل حر الشمس، ولطمة شرطي، وقرصة نملة، كيف تقدر على حر نار جهنم التي أوقد عليها ثلاثة آلاف سنة؟ !
فإذا عرضا هذه الأشياء على قلبك .. حملتك على التوبة، وذكر القشيري بإسناده إلى الحنيد قال: دخلت على السري يوماً فرأيته متغيراً، فقلت: مالك؟ فقال: دخل علي شاب فسألني عن التوبة؟ فقلت له: ألا تنسى ذنبك، فعارضني وقال: بل التوبة أن تنسى ذنبك، فقلت: الأمر عندي ما قال الشاب، فقال: لم؟ فقلت: لأني إذا كنت في حال الجفاء، ونقلني إلى حال الوفاء .. فذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء.
وفسر الناظم التوبة بالندم؛ لأنه روحها الذي تحيا به، وركنها الأعظم، وروى ابن ماجه بإسناد لين: "الندم توبة" ومعناه: أن الندم لتعظيم الله وخوف عقابه مما يبعث على التوبة، فلما كان من أجزائها أو أسبابها .. سماه بها مجازاً.
وقد كانت التوبة في بني إسرائيل بقتل النفس؛ كما قال تعالى: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾، وتوبة هذه الأمة: إفناء نفوسهم عن مرادها مع بقاء رسوم الهياكل، ومثل هذا الإفناء كمثل من أراد كسر لوزة في قارورة، فحقيقة التوبة إقلاعه عن المعصية في الحال؛ حياء من الله تعالى وخوفاً من عقابه؛ إذ يستحيل أن يحصل الندم الحقيقي على شيء مع بقائه عليه، وملازمته له في الحال، وعزمه على ألا يعود إليه في الاستقبال؛ كما لا يعود اللبن إلى الضرع بعد أن خرج منه، وهذه هي التوبة النصوح.
فإن قلت: إنما يمنعني من التوبة أني أعلم من نفسي أني أعود إلى الذنب، ولا أثبت على التوبة فلا فائدة في ذلك .. فاعلم أن هذا كما قال الغزالي: من غرور الشيطان، من أين لك
стр. 911
هذا العلم؟ فعسى أن تموت تائباً قبل معاودة الذنب، وأما خوف العود .. فعليك العزم والصدق في ذلك، فبذلك تتخلص من ألم الذنب، وتكون بين إحدى الحسنيين، والله ولي التوفيق والهداية.
وإن تعلقت بحق آدمي وهي أشكل وأصعب من غيرها .. فلا بد فيها من براءة الذمة عنه، سواء أكانت في مال أن نفس، أم عرض أم حرمة أم دين، فما كان من المال .. فيجب أن ترده إلى مالكه، أو من يقوم مقامه من ولي أو وصي، أو من يقوم مقامهما.
وما كان في النفس .. فتمكنه من القصاص، أو أولياءه حتى يقتصوا منك أو يجعلك في حل.
وما كان في العرض؛ كأن اغتبته أو بهته أو شتمته .. فحقك أن تكذب نفسك بين يدي من فعلت ذلك عنده، وتستحل من صاحبه إن أمكنك إذا لم تخض هيجان فتنة، وإلا .. فالرجوع إلى الله تعالى ليرضيه عنك والاستغفار الكثير لصاحبه.
وما كان في حرمة؛ بأن خنته في أهله أو ولده أو أمته .. فلا وجه للاستحلال والإظهار؛ فإنه يولد فتنة وحقداً في القلوب، بل تتضرع إلى الله ليرضيه عنك، ويجعل له خيراً في مقابلته، فإن أمنت الفتنة وهيجانها وهو نادر .. فتستحل منه.
وما كان في الدين؛ بأن كفرته أو بدعته، أو ضللته في دينه .. فهو أصعب، فتحتاج إلى تكذيب نفسك بين يدي من قلت ذلك له، أو تستحل من صاحبه إن أمكنك، وإلا .. فالابتهال إلى الله تعالى بأن يرضيه عنك، والندم على فعله.
وواجب عليك إعلام المستحق بما وجب له عليك إن جهل استحقاقه؛ بأن تعترف عند ولي الدم مثلاً، وتحكمه في نفسك، فإن شاء .. عفا عنك، وإن شاء .. قتلك، ولا يجوز لك الإخفاء، بخلاف ما لو زنا أو شرب، أو باشر ما يجب فيه حد الله تعالى .. فإنه لا يلزمه أن يفضح نفسه، بل عليه أن يسترها.
فإن يغب المستحق عن البلد .. فاذهب إليه، أو ابعث له ما يستحقه في ذمتك، أو ما يحصل به الإبراء عجلاً بلا تأخير، فإن انقطع خبره .. رفع أمره إلى قاض مرضي.
فإن يمت المستحق .. فهي؛ أي: الظلامة أو تبرئة ذمتك لوارث ترى؛ أي: تعلمه بدفع الحق إليه، أو إبرائه إياك منه.
فإن لم يكن له وارث، أو انقطع خبره .. فادفعه إلى قاض تعرف سيرته وديانته، فإن تعذر
стр. 912
الحاكم المرضي .. فأعط قدر ما عليك للفقراء صدقة عن المستحق، قال الإسنوي: ولا يختص بالصدقة، بل هو مخير بين أن يدفعه إلى مصالح المسلمين، وبين أن يدفعه إلى قاض بشرطه ليصرفه في المصالح إن وجده، وبين أن يتصدق به عن المستحق مع نية الغرم للمالك إن وجده، أو وارثه وقدر على وفائه.
فإن كان معسراً لا يقدر عليه .. نوى الغرامة إذا قدر عليه، أو على شيء منه، وإن لم يمكن شيء من ذلك .. فليكثر من الحسنات؛ ليؤخذ منها عوضاً عنه يوم القيامة، ويكثر الرجوع إلى الله تعالى بالتضرع والابتهال إليه؛ ليرضي عنه خصمه يوم القيامة ويعوضه عنه، وإن يمت من عليه الظلامة من قبلها؛ أي: استيفائها .. فالمرجو من تكرم الله تعالى أن تناله مغفرته.
قال النووي: ظواهر السنة الصحيحة تقتضي ثبوت المطالبة بالظلامة وإن مات معسراً عاجزاً إذا كان عاصياً بالتزامه، فأما إذا استدان في موضع يباح له الاستدانة فيه، واستمر عجزه عن الوفاء، أو أتلف شيئاً خطأ وعجو عن غرامته .. فالظاهر أن هذا لا مطالبة في حقه في الآخرة؛ إذ لا معصية منه، والمرجو من الله أن يعوض صاحب الحق؛ كما أشار إليه إمام الحرمين في أول (كتاب النكاح).
والألف في قول الناظم: (جهلا) للإطلاق، وقوله: (الأدا) بالقصر للوزن.
(وإن تصح توبة وانتقضت ... بالذنب لا يضر صحة مضت)
(وتجب التوبة من صغيرة ... في الحال كالوجوب من كبيرة)
(ولو على ذنب سواه قد أصر ... لكن بها يصفو عن القلب الكدر)
فيها ثلاث مسائل:
[نقض التوبة بالذنب لا يقدح في صحتها الماضية]
الأولى: إذا صحت توبة العبد من الذنب بشرطها، ثم نقض التوبة بذنب آخر ولو كبيراً .. لم يقدح في توبته، ولا يضر ذلك في صحتها الماضية؛ هذا معنى قوله: (لا يضر صحة مضت)، وفي بعض النسخ: (توبة مضت)، وذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين﴾ و (التواب) من أبنية المبالغة الدالة على التكرار، فلا يطلق إلا على من تكرر منه التوبة مرات،
стр. 913
وإطلاقه يقتضي أنه تتكرر منه التوبة، سواء أوقعت منه معصية أخرى مع التوبة أم لا.
وروى مسلم والنسائي عن أبي موسى: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يبسط يده بالليل؛ ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار؛ ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها".
وروى الحاكم عن جابر: (من سعادة المرء أن يطول عمره، ويرزقه الله تعالى الإنابة).
وروى ابن ماجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء ثم تبتم .. لتاب الله عليكم".
وروى عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، ولم يقل: التائب من الذنوب كلها.
وروى عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: "الندم توبة" ولم يشترط الندم عن كل ذنب، وروى أبو داوود عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم مئة مرة"، ولفظ الترمذي: "ولو فعله" أي: فعل الذنب "في اليوم سبعين مرة".
وخالف فيه القاضي أبو بكر فقال بانتقاض توبته الأولى، فيؤاخذ بذلك الذنب الذي تاب منه، والصحيح خلافه؛ كمن ترك صلاة فقضاها، ثم ترك أخرى، فالأولى التي قضاها بشروطها صحت منه، وبرئت ذمته منها، وسقط التكليف بها، فلا يطالب بها ثانياً؛ لما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: "إذا أذنب عبدي ذنباً فقال: يا رب؛ إني أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ به .. فغفر له، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب؛ اغفر لي ... " فذكر مثله
стр. 914
مرتين، وفي آخره: "اعمل ما شئت؛ فقد غفرت لك"، قال القرطبي: فيه دليل على صحة التوبة بعد نقضها بمعاودة الذنب؛ لأن التوبة الأولى طاعة قد انقضت وصحت، وهو محتاج بعد مواقعة الذنب الثاني إلى توبة أخرى مستأنفة، والعود إلى الذنب أقبح من ابتدائه؛ لأنه انضم إلى الذنب نقض التوبة، والعود إلى التوبة أحسن من ابتدائها؛ لأنه انضم إليها ملازمة الإلحاح بباب الكريم، وأنه لا غافر للذنب سواه، وهذه فائدة اسمه تعالى (الغفار) و (التواب).
[وجوب التوبة]
الثانية: تجب التوبة؛ لقوله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعاً أيه المؤمنون﴾، قال بعضهم: وإنما وجبت توبة العبد من المعصية لتقبل نوافل العبادة منه، فإن رب الدين لا يقبل الهدية ممن هو غضبان عليه بإصراره على المعاصي، وكيف يقبل منك تبرعك بالهدية ودينه الذي فرضه عليك لم تقضه؟ !
وكما تجب التوبة من الكبائر .. تجب من الصغائر خلافاً لأبي هاشم، ولم يستحضر إمام الحرمين في "الإرشاد" مخالفته في ذلك، فحكى الإجماع على الأول، وتوقف السبكي في وجوب التوبة منها عيناً وقال: لعل وقوعها مكفرة بالصلاة واجتناب الكبائر يقتضي أن الواجب إما التوبة أو فعل ما يكفرها، وخالفه ولده تاج الدين فقال: الذي أراه: وجوب التوبة عيناً على الفور عن كل ذنب.
نعم؛ إن فرض عدم التوبة عن الصغيرة، ثم جاءت المكفرات .. كفرت الصغيرتين، وهما تلك الصغيرة وعدم التوبة منها.
[صحة التوبة مع الإصرار على ذنب آخر]
الثالثة: تجب التوبة، وتصح عن كل ذنب مع الإصرار على ذنب آخر، خلافاً للمعتزلة في قولهم: لا يكون تائباً من أصر على ذنب سواه؛ بناء على أصلهم في القبيح العقلي؛ لأن الكل في القبح على حد سواء، ويرد عليهم قوله تعالى: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم﴾.
стр. 915
قال الكلبي: العمل الصالح: التوبة من الذنوب مع الاعتراف بها.
وقال الطبري وغيره: الصالح: الاعتراف [و] التوبة والندم على الذنوب، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: ("عسى" من الله تعالى واجبة).
وإذا صحت التوبة من العبد .. صفا قلبه من كدورات المعصية، لكن التصفية من سائر المعاصي من أوصاف كمال التوبة لا من شروطها.
وعند الصوفية: توبة السالك من المعاصي لا تصير مفتاحاً للمقامات حتى يتوب عن جميع الذنوب؛ لأن كدورة بعض القلب واسوداده بالذنب يمنع من السير إلى الله ، ويبعد عنه، وعلامة قبول التوبة: أن يفتح على التائب باب من الطاعة لم يكن قبل ذلك.
[وجوب الإمساك عن الفعل إذا تشكك فيه أو اشتبه عليه]
(وواجب في الفعل إذ تشكك ... أمرت أو نهيت عنه تمسك)
أي: وواجب على المكلف إذا شك في الفعل الذي خطر في سره: أهو مما أمر به، أو مما نهي عنه .. أن يمسك عن فعله؛ حذراً من الوقوع في المنهي عنه إذا كان الأمر أمر إباحة، والنهي نهي تحريم، فإذا اشتبه .. غلب التحريم؛ كما إذا شك في امرأة هل أجنبية داخلة في قوله تعالى: ﴿فانكحوا﴾، أو محرم داخلة في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ الآية، أو شك في لحم هل هو مما أبيح أكله بقوله تعالى: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾، أو مما نهى عنه بقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ فيجب عليه أن يمسك عن نكاح المرأة، وأكل اللحم.
ولا يجوز له أن يجتهد في المرأة واللحم؛ إذ لا علامة تمتاز بها المحرم عن الأجنبية، وكذلك اللحم، لكن لو اشتبهت بأجنبيات غير محصورات .. جاز له النكاح؛ لئلا يؤدي إلى سد باب النكاح، وقد يترجح الإمساك ولا يجب؛ فإنه من باب الشبهة، وتركها ورع لا وجوب؛ لقوله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" رواه الترمذي وابن ماجه.
следующие страницы →