[٧٤] رَوَّى الإلهُ تُرابَ تُرْبَتِك التي ... بك قد علت شرفاً وطاب شذاها/
وأتَتْكَ مِن رَب العِباد تَحِيةٌ ... حتي المعاد صباحها ومساها
ورثاهُ بعض المحبين ﵀ (١):
سَلْ رَبْعَ (٢) دارٍ قَدْ خَلَتْ إنْ أخْبَرا ... عن أهلها وبأهلها ما قد جرا
رَحَلوا فَلِمْ لا وَدَّعوا أترى بهم ... يا دار غلس ركبهم أم هجرا
أمْ في دُجُنَّة لَيْلِهِم كَي لا يرا ... هم حاسدٌ ومكاشحٌ بهم سرى
يا دارُ ما صنَعَ الزمان فحَدِّثي ... عنهم بصدق لا حديث مفترى
ففهِمْتُ مِنها حيثُ لَمْ تَنْطِقْ إذا ... نزل القضاء فأيما عين ترى
لا تَسْألني واسألِ الأقْدارَ هَلْ ... منهن يحمي مزدرى أو مدرى
سَلْ أيْنَ (سابورٍ) و (شابورٍ) وَكَمْ ... (كسرى) تخوَّنه الزمان و (قيصرا)
ما أضْعَفَ الإنسانَ بَلْ عَجبٌ لهُ ... يختار أن يبقى وليس مخيرا
ولَقَدْ أتَانا عَنْ فَرِيد زَمانِهِ ... خبرٌ فأرق للجفون أسهرا
جافى الجُنُوبَ عَنِ المَضاجِعِ ذِكْره ... ونفى الرُّقاد عن العيون ونفرا
يا لَيْتَ قَبْلَ سَماعِهِ أسْماعُنا ... صُمَّتْ وأعياننا لذلك لا ترى
يا مخبِراً (٣) عن هُلكِ (مُحْيي الدينِ) ما ... تخشى وتستحي به أن تجهرا
[٧٥] وشَقِيْقَةٍ أفْزَعْتَها لَمَّا أتى النـ ... ـاعي به إذ قمت أمشي القهقرى/
وأعَضُّ مِنْ وَجْدٍ عليهِ أنامِلي ... وأهيم منه تأسُّفاً وتحسُّرا
قالَتْ أوَيْحَكَ ما دهاكَ وما الذي ... لك قد أصاب وما الذي لك قد عرا
فأجَبْتُها ثَكِلَتْكِ أمُّكِ تَسْألي ... عمَّا جرا لي هل قليلٌ ما جرى
هذا دِعامَةُ دِيْنِنا بلْ كَسْره ... إن الرَّزيَّة فيه أم حبوكرى (٤)
стр. 145
لا تَحْسَبيهِ مِن الهِضاب فإنهُ ... -لمن الجبال- هو المنيعات الذُّرى
عَلاَّمَةٌ ولَئِنْ يَكُنْ علماؤنا ... جُمَّا فكل الصيد في جوف الفرا (١)
(يَحْيَى) وما أدْراكَ ما (يَحْيىَ) إذا ... عُدَّتْ مآثره التي لن تحصرا
لله قَبْرٌ عَنْ مَيامِنِ جاسِم (٢) ... واروا به جثمان أشعث أغبرا
أَتُرَى الذي واراه في ذاكَ [العَراً] (٣) ... أدرى لمن وارى به أم ما درى
قَبَروا الفَضَائِلَ كُلَّها في لَحْدِهِ ... والفضل ما من حقِّه أن يقبرا
ومُغسِّلٍ ماذا أرادَ بغُسْلِهِ ... إذ كان من دنس الذنوب مطهرا
هذا الثناءُ عليكَ (يَحْيى) دائماً ... منا فطيَّبه الإله وكثَّرا
ولَئِنْ تَمُتْ أحْيَيْتَ مَجْداً لم يَخَفْ ... بتغيُّر الأيام أن يتغيَّرا
ولَئِنْ تَكُنْ وُدِّعْتَ غَيْرَ مُذَمَّمٍ ... وحصلت فيما بين أطباق الثرى
لَكَ أسْوَةٌ بالمُصْطَفى المُعْطَى بِيَو ... م العرض هذاك اللِّوا والكوثرا/ [٧٦]
ولَقَدْ عَلِمْتَ بأنَّ تلْكَ سَجِيَّةٌ ... من عادلٍ ساوى (٤) بها بين الورى
ساوى (٤) بها بَينَ الحَقيرِ وبَيْنَ مَن ... بالمجد والعزِّ ارتدى وتأمَّرا
ولحِقْتَ فَضْلاً مَن تَقَدَّمَ حَيْثُ [مِن] (٥) ... أعمارهم قد كان عمرك أقصرا
لَم يُثْمِرِ العِلْمُ الشريفُ لعالِمٍ ... فيما رأينا مثل ما لك أثمرا
وقَّرْتَهُ بالزُّهْدِ ثُمَّتَ بالتُّقَي ... فنرى كما وقَّرته لك وقرا
وسَهِرْتَ إذ نِمْنَ العُيونُ وإنَّهُ ... عند الصباح ليحمد القوم السُّرَى
ولَتِلْكَ مَوْهِبَةٌ خُصِصْتَ بها ولو ... كانت بتشميرٍ لكل شَمَّرا
ولَقَدْ تَرَكْتَ الأهْلَ والأصْحابَ في ... موتٍ لفقدك لو تشاهد أحمرا
стр. 146
أجْفانُهُم يا ويحَهُم قَدْ حالَفَتْ ... طُولَ السُّهادِ (١) وحَرَّمَتْ طيبَ الكَرى
ولَئِنْ عليْكَ تَفَتَّتَتْ أكْبادُنا ... وتَقَطَّعَتْ مِن شأنِنا أنْ نُعْذَرا
أسَقى الغَمامُ (نوى) وعَمَّم أرْضَها ... حَتى ضَريحُكَ لَمْ يَزَلْ رَطْبَ الثرَى
سُحُبٌ تَروحُ وتَغْتَدي مَشْحُونَةً ... ماءً ورَيْحاناً ومِسْكاً أذْفَرا
ورثاهُ بعضُ المدرِّسين بالبادرائيَّة (٢) بدمشق ﵀:
سَقَى قَبْرَ يَحْيىَ في (نوي) كُل مُسْبِلٍ (٣) ... مِن الغَيْثِ عَرَّاض (٤) البَوارِقِ هَتَّانُ (٥)
[٧٧] ولا زالَ قَبْرٌ حَل فيهِ يَحِلُّهُ ... مِن اللهِ رِضوانٌ ورَوْحٌ وريحانُ/
حَوَى كاشفاً والنَّاسُ في غَفَلاتِهِم ... فَحازَ الهُدَى (يَحْيىَ) و (يَحْيىَ) لهُ شانُ
إذا سَخَنَتْ عَيْني بخِلٍّ (٦) فَقَدْتُهُ ... فلا بانَ (٧) خُلاَّني الثِّقاتُ بَلى بَانوا
وقَدْ كانَ لي حزنٌ يُكَدِّرُ (٨) عِيْشَتي ... فها أنا ذا لي مِنْ فِراقِيَ أحْزَانُ
لَقَدْ أنْجَبَتْ فيكَ ابنَةُ القَوْمِ إذْ أتَتْ ... بِمِثْلِكَ واسْتَعْلَتْ على الأرض حَوْرانُ
ورثاه بعض المحبين في الله تعالى ﵀ (٩):
стр. 147
بَكا العِلْمُ حيناً بعدَ حِينٍ على (يَحْيَى) ... وآلى (١) يَميناً بعدَهُ لَمْ يَكُنْ يَحْيا
وأُزْلفَتِ الجَنَّاتُ والحَورُ زُخْرِفَتْ ... سُروراً بمَنْ أنْكَى لنُقْلتِهِ العُلْيا
رُزِئنا بمَنْ فيهِ فوائِدُ جَمَّةٌ ... تَقِي نَقِي راغِبُ الزُّهْدِ في الدُّنْيا
عَليمٌ بأخْبارِ النبي وعالِمٌ ... بها وسَديدُ القَوْلِ في مُشكِل الفُتْيا
لهُ دَرَجاتُ العِلْم والزُّهْدِ والتُّقَى ... وتَصْنيفُ مَن حازَ العُلومَ وما [أَعْيا] (٢)
أضاءَتْ مِن "المِنهاج" مِنَّا مَناهِجٌ ... وراحَتْ بهِ عينُ الرِّيا والرَّدِى عَمْيا
وبَثَّ لنا مِن نَشْرهِ آيَ "رَوْضَةٍ" ... على زَهْرها مِن زُهْدهِ دائماً بُقْيا
سقى الوابِلُ الوَسْمِي (٣) أرضَ نَوى نَوا (٤) ... كَما حَلَّ فيها صادق الرَّأي والرُّؤيَا
وحَيَّا الحَيا ذاكَ الضَّرِيحَ ومَنْ بِهِ ... وسُقْياً لأرْضٍ حَلَّ في رَبْعَها سُقْيا
ورثاهُ بعضُ المحبين في الله تعالى ﵀ (٥):/ [٧٨]
بانَتْ مَسَرَّاتُنا مُذْ بانَ إخوانُ ... فأيْنَ مُعْتَبِرٌ فالدَّهْرُ حَيْرانُ
قدْ فارَقَتْ مِن نواحي الأرْضِ ساداتُها ... وغُيِّرَتْ بعْدَهُم للدَّهْرِ أزْمانُ
قَدْ نُقِصتْ مِثْلَ ما قَدْ قال ننقُصُها ... أطْرافَها (٦) فَافْتَكِرْ ما قالَ دَيَّانُ
стр. 148
أيْنَ الذينَ هُمْ كانوا ذَوِي حِكَمٍ؟ ... قد بان من قولهم للدين تبيان
أيْنَ الدين أقاموا الدِّينَ واجْتَهَدوا ... ولم يكن دأبهم غير الذي دانوا
بانُوا جَميعاً ولا أرْجُو رُجوعَهُمُ ... فدمعتي أصبحت حمراء مذ بانوا
يا (محييَ الدين) مُذْ فارَقْتَنا عَجِلاً ... قد هُدِّمَتْ لمشيد الدين أركان
أَرْكانُ بُنيانِهِ عَنْدَ النَّوَى عُدِمَتْ ... فكيف يبقى ولا أركان بنيان
قَدْ كُنْتَ في هذه الدُّنْيا على سِيَرٍ ... لم يستطع مثلها في الدهر إنسان
زَهِدْتَ فيها ولَمْ تُخْدع بِزُخْرُفِها ... ودام منك على الأصحاب إحسان
الناسُ في راحَةِ الدنْيا ولَذَّتِها ... وأنت عند جهاد النَّفس تعبان
وَهُمْ على دَعَةٍ في طيبِ مَرْقَدِهِمْ ... وأنت في حل علم الدين سهران
وأيْنَ ما كُنْتَ قد حازَتْ ملائكَةٌ ... حول المكان ولم يقربك شيطان
وكُنْتَ بَحْراً مُحيطاً للحَدِيثِ لَنا ... يفيض من موجه دُرٌّ ومرجان
[٧٩] وكنْتَ في المذْهَب المَنْصورِ مُجْتَهِداً ... وعنك ينقله شيبٌ وشبان/
لو كان يَلْقاك مِمًّنْ قَدْ مَضَى أحَد ... من الصحابة أو ممن له شان
لكانَ (طَلْحَةُ) فيما قُلْتَ مَرْتَضِياً ... وكان يثني عليك الحبر (سلمان)
وكان مَهْما رآكَ (الشافِعِي) فَرِحاً ... وكان ينصفك البحَّاث (نعمان)
قَدْ كنْتَ كاسْمِكَ (مُحْيي الدين) مُجْتَهِداً ... ومن دعائك نال النصر فرسان
سَلَكْتَ بينَ الوَرى سُبْلَ النجاةِ وقَدْ ... أقرَّ فيك لسان الوحي قرآن
بأنَّ جاهَكَ عندَ اللهِ مُرْتَفِعٌ ... وأن حظك من ذي العرش غفران
يَوْماً تكونُ عُصاةُ الناسِ قدْ جُمِعَتْ ... والنار ذات لظىً والرب غضبان
يَفِر ُّكُلُّ امرىء مِنْ هَوْلِ مَصْرَعِهِ ... من ابنه وأخيه وهو حيران
قَدْ فُتِّحَتْ لِلْوَرَى أبوابُ هاوِيَة ... ونارها انتشرت والجسم عريان
فعِنْدَ ذاكَ بلا ريبٍ عَلى عَجَلٍ ... بالبشر من ربِّنا يأتيك رضوان
وقَدْ تَرَى جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ قد فُتِحَتْ ... وعمَّ من طيبها روحٌ وريحان
تَدُومُ فيها بأفراحٍ على أبَدٍ ... ومنك في فرحٍ حُورٌ وولدان
стр. 149
مَتَى ذَكَرْنَاك قَدْ فاضَتْ مَدامِعُنا ... حَتى جَرَتْ مِن دموعِ العَيْنِ غُدْرانُ
يَنُوحُ كُل امرىءٍ مِنْ فَرْطِ لَوْعَتِهِ ... حَتَى لَقَدْ قَرِحَتْ بالدمْعِ أجْفانُ
مَن لا يَنوحُ إذا باتَتْ أحِبتهُ ... أوْ لا يَسيلُ على خَدَّيْه عِقْيانُ/ [٨٠]
الناسُ طُرّاً على ذِكْراكَ [في] (١) حُرَقٍ ... وليسَ يَعْرِضُ في ذِكْراكَ نِسْيانُ
قَدْ سالَ بَحْرُ دماءٍ مِن لواحِظِهِم ... مُذْ قامَ مُكْتَئِباً يَرْثيكَ (عُثْمانُ)
عَساكَ تَشْفَعُ فيهِ حَيْثُ قامَ غَداً ... لِيَنْمَحِي ذَنْبُهُ فاللهُ رَحْمانُ
فإنهُ مُذنِبٌ عاصٍ ومُعْتَرِفٌ ... وقد ْمَلا صُحْفَهُ سُوءٌ وعِصْيانُ
يا نَفْسُ لا تُخْدَعي باللهْوِ واتَّعِظي ... فإن رِبْحَكِ عندَ اللَّهْوِ خُسْرانُ
كَمْ مِن أناسِ مِن الأخْبار قَدْ عُدِموا ... كأنَّهُمْ ساعةً في الدَّهْرِ ما كانوا
لا تَطْمَعي في البقايا نَفْسُ بَعْدَهُمُ ... فإن كُل الوَرَى في الدَّهْرِ ضِيفانُ
...
١٨ - فصل
لما توفِّيَ ﵀ ودُفِنَ؛ أرادَ أهلُهُ وأقاربهُ وجيرانُه أن يبنوا على ضريحه قُبَّةً، وأجمعوا على ذلك؛ إذ جاء ﵀ في النوم إلى أكبر امرأةٍ من قرائبه -أظنُّها عمَّتَه- وقال لها: "قولي لأخي والجماعة لا يفعلوا هذا الذي قد عَزَموا عليه من البنيان؛ فإنه كُلما بنوا شيئاً؛ يُهْدَمُ عليهم".
فانتبهَتْ منزعجةً، فقصَّتْ عليهم الرُّؤيا، فامتنعوا من البنيان، وحوَّطوا على قبره بحجارةٍ تمنع الدَّوابَّ وغيرها (٢).
стр. 150
وقال لي جماعة من أقاربه وأصحابه بـ (نوى): إنهم سألوه يوماً أن لا ينساهم في عَرَصات القيامة، فقال لهم: "إنْ كانَ ثَمَّ جاهٌ، والله لا [٨١] دَخَلْتُ الجنة وأحدٌ / ممن أعرفه ورائي، ولا أدخُلُها إلَّا بعدَهم".
فرحمه الله، ورضي عنه، لقد جَمَعَتْ هذه الحكايةُ من الأدب مع الله ومن الكرم ما لا يخفى على متأمِّل فطن (١).
...
١٩ - فصل
كنتُ يوماً بين يديهِ لتصحيح درس عليه في "مختصر علوم الحديث" الأصغر له، فلما فرغتُ منهُ؛ قال لي: "رأيتُ الليلةَ في المنامِ كأنِّي كنتُ سابحاً في بحرِ، وكأني خرجتُ منه إلى شاطيء، وإذا
стр. 151
أنا بشخص قد غرق فيه، وقد تعلَّق بخشبة على وجهه لحظةً، ثم غرق".
قلتُ: يا سَيدي! علمتَ الشخصَ مَن هُو؟ قال: "نعم". قلتُ: مَن هُو؟ قالَ: "ابن النَّجَّار". قلتُ: فما أوَّلْتَه؟ قال: "يظهَرُ قليلًا، ثم يَخفى خَفاءً لا ظُهورَ بعدَه، مع نفاقِ قلبهِ".
وكان مِن قصَّةِ المذكور أنَّه سعى في إحداث أمورٍ على المسلمين باطلة، فقام الشيخُ -قدَّس الله روحه- مع جماعة من علماء المسلمين، فأزالوها بإذن الله تعالى، ونصرَ الله الحقَّ وأهله، فَغَضِبَ لذلك؛ لكراهيتِه مصلحة المسلمين، ونصيحَة الدين، وبعثَ إلى الشيخِ يهَدِّدُهُ، ويقول: "أنت الذي تحزِّبُ العلماء عَلى هذا".
فكتَبَ إليه الشيخ -قدَّسَ الله روحَهُ- كتاباً هذا صورَتُه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله رب العالمين.
من يحيى النووي.
اعلم أيها المقصِّر فى التأهُّب/ لمعادِه، التاركُ مصلحَةَ نفسه في [٨٢] تهيئةِ جهازِهِ له وزاده، أني كنتُ لا أعلمُ كراهَتَكَ لنُصْرَةِ الدين، ونصيحةِ السلطان والمسلمين؛ حملًا منِّي لك على ما هو شأنُ المؤمنين؛ مِن إحسانِ الظنِّ بجميع الموحِّدين، وربما كنتُ أسمعُ في بعض الأحيانِ مَن يذْكُرُكَ بِغشِّ المسلمين، فأُنْكِرُ عليه بلساني وبقلبي؛ لأنها غيبةٌ لا أعلم صحَّتها، ولم أزَلْ على هذا الحال إلى هذه الأيام.
стр. 152
فجرى ما جرى من قول قائل للسُّلطان -وفَّقه الله لكريمِ الخيرات-: إنَّ هذه البساتين يَحِلُّ انتزاعُها مِن أهلها عندَ بعضِ العلماء، وهذا من الافتراء الصريح، والكذب القبيحِ، فوجب عليَّ وعلى جميعِ مَن عَلِمَ هذا من العلماء أن يُبَيِّنَ بطلان هذه المقالة، ودَحْضَ هذه الشناعة، وأنَّها خلافُ إجماع المسلمين، وأنَّه لا يقولُ بها أحدٌ من أئمَّةِ الدين، وأن يُنْهوا (١) ذلك إلى سلطان المسلمين، فإنَّه يجبُ على الناس نصيحته؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "الدِّينُ النصيحة؛ لله، ولكتابه، ولرسوله، وأئمَّة المسلمين، وعامَّتهم" (٢).
وإمام المسلمين في هذا العصر هو السلطان -وفّقه الله تعالى لطاعته، وتولاه بكرامته-.
وقد شاع بين الخواصِّ والعوام، أنَّ السلطانَ كثيرُ الاعتناءِ [٨٣] بالشَّرْعِ، ومحافظٌ على العملِ به، وأنَّه بَنَى المدرسة لطوائف/ العلماء، ورتَّبَ القضاة من المذاهب الأربعة، وأمر بالجلوس في دار العدل، لإقامة الشرع، وغير ذلك؛ مما هو معروف من اعتناء السُّلطان -أعزَّ الله أنصارَهُ- بالشرع، وأنَّه إذا طلبَ طالبٌ منهُ العملَ بالشرعِ؛ أمر بذلك، ولم يخالفه.
فلما افترى هذا القائلُ في أمرِ البساتين ما افتراه، ودلَّس على السلطان، وأظهر أن انتزاعها جائزٌ عند بعض العلماء، وغشَّ السلطان في ذلك، وبلغ ذلك علماء البلد؛ وجب عليهم نصيحةُ السلطان،
стр. 153
وتبيينُ الأمرِ له على وجهه، وأنَّ هذا خلافُ إجماع المسلمين، فإنَّه يجب عليهم نصيحةُ الدين، والسلطانِ، وعامَّةِ المسلمينَ.
فوفَّقهم الله تعالى للاتفاقِ على كَتْبِ كتاب يتضمَّن ما ذكرتُه، على جهةِ النَّصيحة؛ للدين، والسلطان والمسلمين، ولم يذكروا فيه أحداً بعينه، بل قالوا: مَن زعم جوازَ انتزاعِها؛ فقد كذب.
وكتب علماءُ المذاهب الأربعة خطوطَهم بذلك؛ لما يجب عليهم من النَّصيحةِ المذكورة، واتَّفقوا على تبليغها وليَّ الأمرِ -أدامَ الله نِعَمَهُ عليه- لينْصحوه، ويُبَيِّنوا حكمَ الشرع.
ثم بلَّغني جماعاتٌ متكاثِراتٌ في أوقاتٍ مختلفاتٍ -حصل لي العلم بقولهم- أنك كرهت سعيَهم في/ ذلك، وسارَعْتَ في ذمِّ فاعل [٨٤] ذلك، وأسندت معظم ذلك كله إليَّ، ويا حبذا ذلك من صنيع!
وبلَّغني عنك هؤلاء الجماعات أنَّك قلت: قولوا ليحيى: هو الذي سعى في هذا، فينكفّ عنه، وإلا أخذتُ منهُ دارَ الحديث.
وبلَّغني عنك هؤلاء الجماعاتُ أنَّك حلفتَ مراتٍ بالطلاق الثلاث أنَّك ما تكلَّمتَ في انتزاع هذه البساتين، وأنَّك تشتهي إطلاقَها!
فيا ظالم نفسه! أما تستحي من هذا الكلام المتناقض، وكيف يصح الجمع بين شهوتك إطلاقها (١) وأنَّك لم تتكلم فيها، وبين (٢) كراهتك السَّعيَ في إطلاقها ونصيحة السلطان والمسلمين؟
ويا ظالم نفسه! هل تعرَّض لك أحدٌ بمكروه، أو تكلَّم فيك بعينِك؟ وإنما قال العلماءُ: مَن قالَ هذا للسلطان فقد كذَبَ، ودلَّس
стр. 154
عليه، وغشَّه، ولم ينصحه. فإن السلطان ما يفعلُ هذا إلا لاعتقادِهِ أنه حلالٌ عند بعض العلماء، فبيَّنوا أنه حرامٌ عند جميعهم. وأنت [قد] (١) قُلْتَ: إنك لم تتكلم فيها، وحلفتَ على هذا بالطَّلاقِ الثلاث، فأيُّ ضررِ عليك في إبطال قولٍ كاذبٍ على الشرع، غاشٍّ مدلس على السلطان، وقد قلت: إنه غيرُك؟! وكيف تكره السَّعْيَ [٨٥] على شيءٍ قد أجمعَ الناسُ/ على استحسانِهِ؟! بل هو واجب على مَن قدر عليه.
وأنا -بحمد الله- من القادرين عليه بالطريق الذي سلكتُ، وأما نجاحُه، فهو إلى الله تعالى؛ مقلِّب القلوب والأبصار.
ثم إني أتعجَّب غايةَ العجب من اتِّخاذك إياي خَصماً، ويا حَبَّذا ذلك من اتخاذ، فإنِّي -بحمد الله تعالى- أحِبُّ في الله تعالى، وأبْغِضُ فيه، فأحِبُّ مَن أطاعهُ، وأبْغِضُ مَن خالفه، وإذا أخبرتَ عن نفسِكَ بكراهتِك السَّعْيَ في مصلحة المسلمين، ونصيحة السلطان؛ فقد دخلتَ في جملة المخالفين، وصرتَ ممَّن نُبْغِضهُ في الله ربِّ العالمين، فإنَّ ذلك من الإيمان؛ كما جاءت به الآثار الصحيحة، المنقولة بأسانيد الأئمة الأخيار (٢).
ارْضَ لِمَنْ غَابَ عَنْكَ غِيْبَتَهُ ... فَذاكَ ذَنْبٌ عِقابُهُ فِيهِ
ويا ظالم نفسه! أنا خاصمتُك، أو كالَمْتُك، أو ذكرتُك، أو بيني
стр. 155
وبينك مخاصمة، أو مُنازَعة، أو معاملةٌ في شيءٍ؟! فما بالك تكره فعل خيرٍ يَسَّرَني الله الكريمُ له؟! ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنهُم إلا أَن يُؤمِنُوا بِاللهِ اَلعزَيزِ الحميدِ﴾ (١).
بل أنتَ لسوءِ نَظَرِكَ لنفسك تتأذى على نفسكَ، وتُشْهِدُ الشهودَ بكراهة هذه النصيحة، التي هي مصرِّحة بأنَّك أنت الذي/ تكلَّمتَ في [٨٦] هذه البساتين، وأنَّ الطلاقَ واقعٌ عليكَ، وما أبعدَ أن تكون شبيهاً بمن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠)﴾ [محمد: ٣٠] (٢).
ويا عدوَّ نفسه! أتُراني أكرَهُ مُعاداةَ مَن سَلَكَ طريقَتكَ هذه، بل -واللهِ- أُحِبها، وأوثرها، وأفعَلُها بحَمْدِ الله تعالى، فإنَّ الحُبَّ في الله، والبُغْضَ فيهِ، واجبٌ عليَّ وعليكَ، وعلى جَميعِ المكَلَّفينَ، ولستُ أدري أيَّ غرضٍ لك في حِرْصِكَ في الإنكار على السَّاعين في إعظام حُرُماتِ الدِّين، ونصيحة السلطان والمسلمين.
فيا ظالِمَ نفسه! انْتَهِ عن هذا، وارجِعْ عن طَريقةِ المباهتينَ المعاندين.
وأعْجَبُ مِن هذا تكْريرُك الإرسالَ إليَّ -بزعمك الفاسد- كالمتوعد-: إنْ لم يَنْكَفَّ أخذتُ منهُ دارَ الحديث.
فيا ظالِمَ نَفسِه! وجاهِلَ الخيرِ وتاركه! أطَّلَعْتَ على قلبي أني متهافِت عليها، أو علمتَ أني منحَصِرٌ فيها، أو تحقَّقْتَ أني معتمِدٌ عليها، مستَنِدٌ إليها، أو عَرَفْتَ أني أعتقدُ انحصارَ رزقي فيها. أو ما
стр. 156
علمتَ -لو أنصفتَ- كيف كان ابتداءُ أمرها، أو ما كنتَ حاضراً مشاهِداً أخذي لها؟!
ولو فُرِضَ تهافُتي عليها؛ أكنْتُ أوْثرُها على مصلحةٍ عامةٍ للمسلمين، مشتملةٍ على نصيحة الله، وكتابه، ورسوله ﷺ ، [٨٧] والسُّلطان، وعامة المسلمين/؟! هذا ما لم أفْعَلْهُ ولا أفعله [إن شاء الله تعالى.
وكيف تتوهم] (١) أنِّي أترك نصيحةَ الله ورسوله وسلطان المسلمين وعامَّتِهم؛ مخافة مِن خيالاتك؟! إن هذه لغباوة منك عظيمة.
[ويا عجباً منك] (٢)! كيفَ تقول هذا؟! أنتَ ربُّ العالمين؟! بيدك خزائنُ السماوات والأرض، وعليك رزقي ورزق الخلائق أجمعين؟! أم أنت سلطان الوقت؛ تحكم في الرَّعيَّة بما تُريد؟!
فلو كنتَ عاقلاً؛ ما تهَجَّمْتَ على التَّفَوُّهِ بهذا الذي لا ينبغي أن يقولَه إلا ربُّ العالمين، أو سلطان الوقت؛ مع أن سلطان [الوقت] (٣) منزَّهٌ عن قولِك الباطلِ، مرتفعُ المَحَلِّ عن فعْلِ ما ذكرتَ.
يا ظالِمُ! فإنْ كنتَ تقولُ هذا استقلالاً منك؛ فقد افتأتَّ (٤) عليهِ، واجْتَرَأتَ على أمر عظيم، ونسبتَه إلى الظلم عدواناً، وإنْ كنت تقوله عنه؛ فقد كذبتَ عليه، فإنه -بحمد الله- حَسَنُ الاعتقاد في الشَّرْع، وذلك من نِعَمِ الله تعالى عليه، والسلْطان -بحمد الله وفضله- أكثرُ
стр. 157
اعتقاداً في الشَّرْع مِن غيره، ومعظم حُرُماته، وليس هو ممن يقابلُ ناصِحَهُ بهذيانات الجاهلين، وتُرَّهات المخالفين، بل يقبلُ نصائِحَهُم؛ كما أمره الله تعالى.
واعلم أيَّها الظالمُ نفسه! أني -والله الذي لا إله إلَّا هو- لا أترُكُ شيئاً أقْدِرُ عليه من السعي في مناصحةِ الدين والسُّلطان والمسلمين في/ هذه القضيَّة، وإنْ رغمتْ أنوفُ الكارِهين، وإنْ كَرِهَ ذلك أعداءُ [٨٨] المسلمين، وفَرِقَ حزبُ المخذِّلين، وسترى ما أتكلم به -إن شاء الله تعالى- عند هذا السلطان -وفقه الله تعالى لطاعته، وتولاَّه بكرامته (١) - في هذه القضية؛ غيرةً على الشرعِ، وإعظاماً لحُرمات الله تعالى، وإقامةً للدِّين، ونصيحةً للسلطان وعامة المسلمين.
ويا ظالم نفسه! أجْلِبْ بخَيْلِكَ ورَجِلِكَ إنْ قدَرْتَ! واسْتَعِنْ بأهل المشرقين وما بين الخافقَيْن، فإني -بحمد الله- في كِفايَةٌ تامة، وأرجو من فضلِ الله تعالى أنك لا تَقْوى لمنابذةِ أقل الناس مرتبةً، وأنا -بحمد الله تعالى- مِمن يَوَدُّ القتلَ في طاعةِ الله تعالى.
أتَقْوى يا ضعيف الحيلِ لمنابذتي؟! أبلَغَكَ يا هذا أنِّي لا أؤمِنُ بالقدر؟! أو بلغكَ أني أعتقِدُ أنَّ الآجالَ تنقُصُ، وأن الأرْزاقَ تتغيرُ (٢)؟! أما تفكرُ في نفسك في قبيح ما أتَيْتَهُ من الفعال، وسوء ما نطَقْتَ بهِ من المقالِ؟!
стр. 158
أيا ظالمَ نفسه! مَن طلب رضى الله تعالى تردُّه خيالاتُك، وتمويهاتُك، [وأباطيلُك] (١)، وتُرُّهاتُك؟
وبعد هذا كله، أنا أرجو من فضل الله تعالى أنَّ الله يوفق السلطان -أدام الله نِعَمَهُ عليه- لإطلاقِ هذه البساتين، وأن يفعَلَ فيها ما تقرُّ به [٨٩] أعيُنُ المؤمنين، ويُرْغِمُ أنفَ المخالفينَ، فإن الله/ تعالى قال: ﴿وَاَلْعاقبَةُ للمتقين﴾ (٢).
والسلْطانُ -بحمد الله تعالى- يفعل الخيراتِ، فما يترُكُ هذه القضيَّةَ تفوتُه.
واعلَمْ أنك عندي -بحمد الله تعالى- أقلُّ ممُّن أهتم بشأنك، أو ألتفتُ إلى خيالاتِك وبطلانِك، ولكنِّي أردتُ أن أعرفَكَ بعضَ أمري؛ لتدخلَ نفسكَ في منابذةِ المسلمين بأسرِهم، ومنابذةِ سلطانِهم -وفَّقه الله تعالى- على بصيرةٍ منك، وترتفع عنك جهالةُ بعضِ الأمر؛ ليكون دخولُك بعد ذلك معاندةً لا عذرَ لك فيها.
ويا ظالِمَ نفسِه! أتتوهَّمُ أنه يَخْفى عليَّ وعلى مَن سلَكَ طريقَ نصائحِ المسلمينَ وولاةِ الأمرِ وحُماةِ الدينِ، أنَّا لا نعتَقِدُ صِدْقَ قولِ الله تعالى: ﴿وَاَلعاقبَةُ للمتقين﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ المَكرُ اَلسيئ إِلا بِأهلِه﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَاَلذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلنا﴾ (٤).
стр. 159
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَكاَن حَقَّا علينَا نَصْرُ اَلْمُؤمنِينَ﴾ (٢).
وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتى ظاهرين على الحق، لا يضرُّهم خذلان من خذلهم" (٣).
والمراد بهذه الطائفة أهل العلم؛ كذا قال أحمد بن حنبل ﵁ وغيره من أولي النُّهى والفهم (٤).
وقوله ﷺ : "والله فى عون العبدِ ما كانَ العبدُ/ في عونِ أخيه" (٥). [٩٠]
هذا فيمَنْ كانَ في عْونِ واحدٍ من النَّاس، فكيفَ الظَّنُّ بمَنْ هُو في عَوْنِ المسلمين أجمعينَ؛ مع إعظامِ حُرُماتِ الشَّرْعِ، ونصيحة السلطان، وموالاته، وبذل النَّفس في ذلك؟!
واعْلَمْ أني والله لا أتعرَّضُ لك بمكروهٍ سوى أني أبْغِضُكَ لله تعالى، وما امتناعي عن التعرُّض لك بمكروهٍ عن عجزٍ، بل أخافُ الله ربَّ العالَمين من إيذاءِ مَن هُو مِن جملةِ الموحِّدين.
стр. 160
وقد أخبرني مَن أثِقُ بخبرِهِ وصلاحِهِ، وكراماتِه وفَلاحِه؛ أنَّك إنْ لم تُبادرْ بالتَّوْبَةِ؛ حلَّ بك عقوبةٌ عاجلةٌ، تكونُ بها آيةً لمَن بعدكَ، لا يأثَمُ بها أحدٌ مِن النَّاسِ، بل هو عدلٌ من الله تعالى، يوقِعُهُ بكَ؛ عبرةً لمَنْ بعدَكَ، فإنْ كنتَ ناظراً لنفسِكَ؛ فبادرْ بالرُّجوعِ عن سوء فعالِك، وتَدارَكْ ما أسْلَفْتَهُ مِن قبيحِ مقالِك، قبلَ أنْ يَحِلَّ بكَ ما لا تُقالُ فيهِ عَثَرَتُك، ولا تغترَّ بسلامَتِك وثروتك ووصلتِك، وأفْكِرْ في قول القائل:
قَدْ نادَتِ الدُّنْيا على نَفْسِها ... لَوْ كانَ في العالَمِ مَنْ يَسْمَعُ
كَمْ واثِقٍ بالعُمْرِ وارَيْتُهُ ... وجامِعٍ بَدَّدْتُ ما يَجْمَعُ
والسَّلام على مَن اتَّبَع الهدى، والحمد لله رب العالمين (١).
...
٢٠ - فصل
ذكر لي صاحِبُنا الشيخُ أبو العبَّاس أحمد ابن الشيخ أبي عبد الله [٩١] محمد بن/ الحسن بن سالم الشافعي (٢) -جعَلَ الله في بقيَّتِه البركة- غير مرَّة قال: "ذكر لي الشيخُ الصالحُ الصدوقُ المُعَمَّرُ أبو القاسم بن عُمَيْر المِزِّي -وكان من الأخيار-: أنه رأى فيما يرى النَّائِم بالمِزَّةِ راياتٍ كثيرةً؛ قال: وسمعتُ نوبةً تُضْرَبُ، فتعجَّبْتُ من ذلك! فقلتُ:
стр. 161
ما هذا؟ فقيلَ لي: الليلة قُطِّبَ (١) يحيى النَّواوي. فاستيقظتُ من منامي، ولم أكن أعرف الشيخ، ولا سمعتُ به قبلَ ذلك".
فدخل المدينة -يعني دمشق- في حاجة؛ قال: "فذكرتُ ذلك لشخصٍ، فقال: هو شيخُ دار الحديث الأشرفيَّة، وهو الآن جالسٌ فيها لميعادها، فاستدلَلْتُ عليها، ودخَلْتُها، فوجدْتُه جالساً فيها، وحولَه جماعةٌ، فوقَعَ بصرُهُ عليَّ، فنهض إلى جهتي، وترك الجماعة، ومشى إلى طرف إيوانِها، ولم يترُكْني أكَلِّمُه، وقال: "اكْتُمْ ما معك، ولا تُحَدِّثْ بهِ أحداً".
ثم رجع إلى موضعه، ولم يَزِدْ على ذلك، ولم أكُن رأيتُه قبلَها، ولم أجْتَمِعْ بهِ بعدها" (٢).
آخره، والحمد لله وحده، وصلواته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 162
ووقع الفراغ من هذه الترجمة يوم الخميس سابع ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وسبع مئة، على يد الففير إلى الله تعالى داود بن إبراهيم [٩٢]، ابن/ داود العطار، عفا الله عنه، وعن والديه، وعن جميع المسلمين.
стр. 163
تتمة في تحذير الإمام النووي من البدع
إن الإمام النووي الذي أكرمه الله ﵎ بالعيش مع كلام أفضل خلق الله محمد ﷺ ، وقضى أغلب أوقاته في سماع الحديث الشريف من أفواه كبار الحُفَّاظ في الشام؛ متعرِّفاً بذلك على دقائق سنَّة رسول الله ﷺ ، وكان حريصاً على الالتزام الكامل بكل ما يتعلمه من الكتاب والسنة، فجمع في ذلك بين العلم والعمل.
ومن خلال حياته في القرن السابع الهجري رأى بعض الناس يقومون بتصرفات على خلاف سنة أبي القاسم ﵊، وجاؤوا بأشياء لا أصل لها في دين الله ، وقد قام الإمام النووي بدوره، فنبَّه الناس لخطر ذلك، وحذَّرهم منها، ومن الاغترار بأصحابها، داعياً لهم للتمسك الكامل بالكتاب والسنَّة، ونبذ ما عدا ذلك.
وفيما يلي أمثلة حيَّة على ذلك:
سُئِل الشيخ محيي الدين: هل هذا الحديث الذي يقوله عوامُّ أهل الشام أن النبي ﷺ قال: "مَن زارني وزار أبي إبراهيم في سنة واحدة؛ ضَمِنْتُ له على الله الجنَّة" (١).
стр. 164
ويقولون: "مَن حجَّ؛ فليُقَدِّسْ حجته في سنته".
يعنون: يزور بيت المقدس في سنة الحج.
هل لهذين أصل أم لا؟
وقد أجاب على ذلك الإمام النووي بقوله: "الحديث المذكرر باطل وموضوع، ولا أصل لواحد من هذين الأمرين المذكررين، لكن زيارة الخليل ﷺ وبيت المقدس فضيلة لا تختص بالحاج، ولو تركهما الحاج؛ لم يؤثر ذلك في صحة حجّه" (١).
ويقول الشيخ محيي الدين عن ذلك أيضاً (٢): "وهذا باطل؛ ليس هو مرويّاً عن النبي ﷺ ، ولا يُعْرَف في كتاب صحيح ولا ضعيف، بل وضعه بعض الفجرة".
وقد حذَّر ﵀ من رواية الحديث الموضوع والضعيف، وعدم بيان حاله، وأن مَن يفعل ذلك؛ فهو داخل في قوله ﷺ : "إنَّ كذباً عليَّ ليس كَكَذِبٍ على أحدٍ، فمَن كذب علي متعمداً؛ فَلْيَتبوَّأ مقعده من النار" (٣).
وبين ﵀ أنْ لا فرقَ في ذلك بين ما كان في الأحكام، وما لا حكم فيه؛ كالترغيب، والترهيب، والمواعظ، وغير ذلك، فقال: "لا
стр. 165
فرق في تحريم الكذب عليه ﷺ بين ما كان في الأحكام وما لا حكم فيه؛ كالترغيب، والترهيب، والمواعظ، وغير ذلك، فكلُّه حرام، من أكبر الكبائر، وأقبح القبائح، بإجماع المسلمين الدين يُعتدُّ بهم في الإجماع؛ خلافاً للكَرَّامية، الطائفة المبتدعة في زعمهم الباطل أنه يجوز وضع الحديث في الترغيب والترهيب، وتابعهم على هذا كثيرون من الجهلة الدين ينسبون أنفسهم إلى الزُّهد، أو ينسبهم جهلةٌ مثلُهم.
وشُبْهَةُ زعمهم الباطل أنه جاء في رواية: "من كذبَ عليَّ متعمداً؛ ليضلَّ به؛ فليتبوأْ مقعَدَهُ مِن النار" (١).
وزعمَ بعضُهم أن هذا كذب له ﵊ لا كذب عليه.
وهذا الذي انتحلوه وفعلوه واستدلوا به غاية الجهل، ونهاية الغفلة، وأدلّ الدلائل على بُعدهم من معرفة شيء من قواعد الشرع، وقد جمعوا فيه جملًا من الأغاليط اللائقة بعقولهم السخيفة، وأذهانهم البعيدة الفاسدة، فخالفوا قول الله : ﴿وَلَا تَقفُ مَا ليَس لَكَ بِه عِلم إِنَ اَلسمَعَ وَاَلبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئكَ كانَ عَنْهُ مَسئُولا﴾ (٢) وخالفوا صريحَ هذه الأحاديث المتواترة، والأحاديث الصريحة المشهورة في إعظامِ شهادةِ الزُّورِ.
وخالَفوا إجماعَ أهلِ الحلِّ والعَقْد، غير ذلك من الدلائل القطعيات في تحريم الكذب على آحاد الناس، فكيف بمَن قوْلُه شرعٌ، وكلامُه وحي؟!
стр. 166
وإذا نُظِر في قولهم؛ وُجِد كذباً على الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤] (١).
ومن أعجب الأشياء قولُهم: هذا كذب له! وهذا جهلٌ منهم بلسانِ العرب وخطاب الشرع، فإن كل ذلك عندهم كذب عليه.
وأما الحديث الذي تعلَّقوا به؛ فأجاب العلماء عنه بأجوبة:
أحسنُها وأخصرُها: أن قولَه: "ليضلَّ الناس"؛ زيادة باطلة، اتفق الحفاظ على إبطالها، وأنها لا تُعرف صحيحة بحال.
الثاني: جواب أبي جعفر الطحاوي: أنها لو صحت؛ لكانت للتأكيد؛ كقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ليضل الناس﴾ [الكهف: ١٥] (٢).
الثالث: أن اللام في "ليضلّ" ليست لام التعليل، بل هي لام الصيرورة والعاقبة، معناه: أن عاقبة كذبه ومصيره إلى الإضلال به؛ كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا (٨)﴾ [القصص: ٨] (٣).
ونظائره في القرآن وكلام العرب أكثر من أن يحصر، وعلى هذا يكون معناه: فقد يصير أمر كذبه إضلالًا.
وعلى الجملة: مذهبهم أركُّ من أن يُعتنى بإيراده، وأبعد من أن يُهْتَمَّ بإبعاده، وأفسد من أن يُحتاجَ إلى إفساده، والله أعلم.
الرابعة: يحرمُ رواية الحديث الموضوع على عرف كونه موضوعاً، أو غلب على ظنه وضعه، فمَن روى حديثاً -علم أو
стр. 167
ظن وضعه-، ولم يبين حالَ روايته وضعَهُ؛ فهو داخل في هذا الوعيد، مندرجٌ في جملة الكاذبين على رسول الله ﷺ .
ويدلُّ عليه أيضاً الحديث السابق: "مَن حدث عني بحديث يُرى أنه كذب؛ فهو أحد الكاذبَيْن" (١).
ولهذا قال العلماء: ينبغي لمن أراد رواية حديث، أو ذِكْرَه، أن ينظر، فإن كان صحيحاً أو حسناً؛ قال: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعله، أو نحو ذلك من صيغ الجزم. وإن كان ضعيفاً؛ فلا يقل: قال، أو فعل، أو أمر، أو نهى، وشبه ذلك من صيغ الجزم، بل يقول: رُوِيَ عنه كذا، أو جاء عنه كذا، أو يُرْوَى، أو يُذْكَر، أو يُحْكَى، أو يُقال، أو بلغَنا، وما أشبهه، والله سبحانه أعلم" (٢).
وسُئِلَ الإمام النووي عن الذي يفعله بعض المصلين بالناس في صلاة التراويح، وهو قراءة سورة (الأنعام) في الركعة الأخيرة من صلاة التراويح في الليلة السابعة من شهر رمضان أو غير السابعة هل هو سنة أو بدعة؟ فقد قال قائل بأنها: نزلت جملة واحدة، فهل هذا ثابت في الصحيح أم لا، وهل فيه دليل لما يفعلونه، فإن كانت بدعة؛ فما سبب كراهتها؟
وقد أجاب الشيخ على ذلك بقوله: "هذا الفعلُ المذكورُ ليس سنة، بل هو بدعة مكروهة، ولكراهتها أسباب:
منها: إيهام كونها سُنَّة.
стр. 168
ومنها: تطويل الركعة الثانية على الأولى، وإِنما السُّنةُ تطويل الأولى. ومنها: التطويل على المأمومين وإنما السنة التخفيف.
ومنها: هذُّ القراءة، وهَذْرَمَتها.
ومنها: المبالغة في تخفيف الركعات قبلها.
وغير ذلك من الأسباب.
ولم يثبت نزول (الأنعام) دفعة واحدة، ولا دلالة فيه لو ثبت لهذا الفعل، فينبغي لكل مصلٍّ اجتناب هذا الفعل، وينبغي إشاعة إنكار هذا، فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة في النهي عن محدثات الأمور، وأن كل بدعة ضلالة، ولم يُنْقَل هذا الفعل عن أحد من السلف، وحاشاهم" (١).
وسئل عن القراءة التي يقرؤها بعض الجهلة على الجنائز بدمشق؛ بالتمطيط الفاحش، والتغنِّي الزائد، وإدخال حروف زائدة في كلمات، ونحو ذلك مما هو مشاهد منهم؛ هل هو مذموم أم لا؟
وقد أجاب على ذلك بقوله: "هذا منكر ظاهر، ومذموم فاحش، وهو حرام بإجماع العلماء، وقد نقل الإجماع فيه الماوردي، وغير واحد، وعلى ولي الأمر -وفقه الله تعالى- زجرهم عنه، وتعزيرهم، واستتابتهم، ويجب إنكاره على كل مكلَّف تمكَّن من إنكاره" (٢).
وقال في "الأذكار": "وأما ما يفعله الجهلةُ من القراءة على الجَنازة بدمشق وغيرها؛ من القراءة بالتَّمطيط، وإخراج الكلامِ عن مواضعِهِ، فحرامٌ بإجماعِ العلماء" (٣).
стр. 169
وحذَّر الإمام النووي من الاجتماع للتَّعْزِية بقوله: "وأما الجلوسُ للتعزية؛ فنصَّ الشافعي، والمصنف -أي الشيرازي صاحب "المهذب"-، وسائرُ الأصحاب؛ على كراهته، ونقله الشيخ أبو حامد في "التعليق"، وآخرون عن نص الشافعي (١)؛ قالوا: يعني بالجلوس لها: أن يجتمع أهل الميت في بيتٍ فيقصدهم مَن أراد التعزية".
قال: "قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفَهُم؛ عزاهُم، ولا فرقَ بين الرجال والنساء في كراهةِ الجلوس لها" (٢).
وسُئِل َرحمه الله عن صلاة الرغائب المعروفة في أول ليلة جمعة من شهر رجب؛ هل هي سنة وفضيلة أم بدعة؟
وقد أجاب على ذلك بقوله: "هي بدعة قبيحة، منكرة أشد الإنكار، مشتملة على منكرات، فيتعيَّن تركها، والإعراض عنها، وإنكارها على فاعلها، وعلى ولي الأمر -وفَّقه الله تعالى- منع الناس من فعلها؛ فإنَّه راع، وكل راع مسؤول عن رعيته، وقد صنَّف العلماء كتباً في إنكارها، وذمِّها، وتسفيه فاعلها، ولا يُغْتَرَّ بكثرة الفاعلين لها في كثير من البلدان، ولا بكونها مذكررة في "قوت القلوب"، و"إحياء علوم الدين"، ونحوهما؛ فإنها بدعة باطلة" (٣).
ويقول بعد ذلك (٤): "وقد أمر الله تعالى عند التنازع بالرجوع إلى
стр. 170
كتابه، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩] (١).
ولم يأمر باتِّباع الجاهلين، ولا بالاغترار بغلطات المخطئين".
وقال في "شرح صحيح مسلم" (٨/ ٢٠) عند حديث النهي عن تخصيصِ ليلة الجمعة بصلاةِ ويومِها بصيامٍ: "وفي هذا الحديث: النهيُ الصريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاةٍ من بين الليالي، ويومها بصومٍ، وهذا متفق على كراهيته.
واحتجَّ به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتَدَعة، التي تسمَّى (الرغائب)، قاتَلَ الله واضعَها ومخترِعَها، فإنها بدعة منكرة، من البدع التي هي ضلالة وجهالة، وفيها منكراتٌ ظاهرةٌ، وقد صنَّف جماعةٌ من الأئمَّة مصنَّفاتٍ نفيسةً في تقبيحها، وتضليل مصليها ومبتدعها، ودلائل قبحها وبطلانها وتضلُّل فاعلها أكثر من أن تُحْصَر، والله أعلم".
وقال في "شرح المهذب" (٤/ ٥٦): "ولا يُغْتَرَّ ببعض من اشتبهَ عليه حكمها من الأئمة، فصنَّف ورقاتٍ في استحبابها؛ فإنه غالط في ذلك. وقد صنَّف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي (٢)، كتاباً نفيساً في إبطالهما، فأحسن فيه وأجاد، ﵀".
стр. 171
وسُئِلَ عن مقبرة مسبلة للمسلمين، بنى إنسان فيها مسجداً، وجعل فيها محراباً؛ هل يجوز ذلك؟ وهل يجب هدمه؟
وقد أجاب على ذلك بقوله: "لا يجوز ذلك، ويجب هدمه" (١).
وسُئِلَ عن السجود الذي يفعله بعض الناس بين يدي المشايخ ونحوهم؛ ما حكمه؟
وقد أجاب على ذلك بقوله: "هو حرامٌ شديد التحريم" (٢).
وحول بعض بدع الناس في المدينة المنورة يقول الشيخ محيي الدين (٣): "من جهالات العامَّة وبدعهم: تقرُّبهم بأكل التمر الصيحاني في الروضة الكريمة، وقطعهم شعورهم، ورميها في القنديل الكبير، وهذا من المنكرات المستشنعة، والبدع المستقبحة".
وحول قيام بعض الناس بأشياء منكرة عند قبر المصطفى ﷺ يقول الإمام النووي (٤): "لا يجوز أنْ يُطافَ بقبره ﷺ ويُكْرَهُ إِلْصاق الظهر والبطن بجدار القبر، قاله أبو عبد الله الحليمي وغيره، وقالوا: يُكْرَه مسحه باليد، وتقبيله، بل الأدب أن يبعد منه؛ كما يبعد منه لو حضر في حياته ﷺ ، هذا هو الصواب الذي قال العلماء، وأطبقوا عليه، ولا يغترَّ بمخالفة كثير من الهوام، وفعلهم ذلك، فإنّ الاقتداء والعمل إنما يكون بالأحاديث الصحيحة، وأقوال العلماء، ولا يُلْتَفَت إلى محدَثات العوام وغيرهم، وجهالاتهم".
стр. 172
ويقول بعد ذلك (١): "ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة؛ فهو من جهالته وكفلته؛ لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع، وكيف ينبغي الفضل في مخالفة الصواب؟! ".
وحول قيام كثير من الحجاج بالوقوف على جبل الرحمة في عرفات، وتفضيل ذلك على غيره من أرض عرفات؛ يقول رحمه الله تعالى (٢): "وأما ما اشْتُهِر عند العوامِّ من الاعتناء بالوقوف على جبل الرحمة الذي هو بوسط عرفات، وترجيحهم له على غيره من أرض عرفات، حتى ربما توهَّم من جهلتهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه؛ فخطأ ظاهر، ومخالف للسنة، ولم يذكر أحد ممَّن يُعْتَمَدُ في صعود هذا الجبل فضيلة يختص بها، بل له حكم سائر أرض عرفات؛ غير موقف رسول الله ﷺ ، إلَّا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، فإنَّه قال: "يُسْتَحَبُّ الوقوف عليه".
وكذا قال الماوردي في "الحاوي": "يُسْتَحَبُّ قصد هذا الجبل الذي يقال له: جبل الدعاء".
وقال: "وهو موقف الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-".
وذكر البندنيجي نحوه.
وهذا الذي قالوه لا أصل له، ولم يرد في حديث صحيح ولا ضعيف، فالصواب الاعتناء بموقف رسول الله ﷺ ، وهو الذي خصَّه العلماء بالذكر وحثُّوا عليه، وفضّلوه، وحديثه في "صحيح مسلم" (٣).
стр. 173
هكذا نصَّ عليه الشافعي، وجميع أصحابنا، وغيرهم من العلماء".
وحول صلاة الناس ركعتين إذا فرغوا من السعي يقول: "قال الشيخ أبو محمد الجُوَيْني: رأيتُ الناسَ إذا فرغوا من السعي؛ صلَّوا ركعتين على المروة. قال: وذلك حسن، وزيادة طاعة ولكن لم يثبت ذلك عن رسول الله عن ﷺ ".
هذا كلام أبي محمد!!
وقال أبو عمرو بن الصلاح: ينبغي أن يُكرَهَ ذلك؛ لأنه ابتداء شعار، وقد قال الشافعي ﵀: ليس في السعي صلاة.
وهذا الذي قاله أبو عمرو أظهر، والله أعلم" (١).
وحول بعض الأشياء التي ابْتُدِعت في يوم الجمعة يقول (٢): "يُكْرَهُ في الخطبة أمور ابتدعها الجهلة:
منها: التفاتُهم في الخطبة الثانية، والدق على درج المنبر في صعوده، والدعاء إذا انتهى إلى صعوده قبل أن يجلس، وربما توهَّموا أنها ساعة الإجابة، وهذا جهل؛ فإنَّ ساعة الإجابة إنما هي بعد جلوسه.
ومنها: المجازفة في أوصاف السلاطين في الدعاء لهم.
ومنها: مبالغتهم في الإسراع في الخطبة الثانية".
وحذر ﵀ من اعتقاد الجاهلية من كراهة التزوُّج والدُّخول في
стр. 174
شهر شوال، فقال معلِّقاً على قول عائشة ﵁: "تزوَّجني رسول الله ﷺ في شوَّال، وبنى بي في شوَّال، فأيُّ نساء رسول الله ﷺ كان أحظى عندَهُ مني؟! قال: وكانت تستحبُّ أن تُدْخِلَ نساءَها في شوّال" (١):
"فيه استحباب التزويج والتزوُّج والدُّخول في شوَّال، وقد نصَّ أصحابُنا على استحبابه، واستدلُّوا بهذا الحديث، وقصدت عائشة بهذا الكلام رد ما كانت الجاهلية عليه، وما يتخيَّله بعضُ العوامِّ اليوم؛ من كراهة التزوُّج والتزويج والدُّخول في شوال، وهذا باطل لا أصل له، وهو من آثار الجاهلية، كانوا يتطيَّرون لما في اسم شوَّال من الإشالة والرفع" (٢).
وحذر كثيراً من كثير من آراء الفِرَقِ والطّوائف المبتدعة؛ مثل: القدرية (٣) والمعتزلة (٤)، والخوارج، والروافض (٥).
فحذر من أكاذيب الروافض على علي ﵁ بقوله: " ... أشار بذلك إلى ما أدخلته الروافض والشيعة في علم علي ﵁ وحديثه، وتقولوه عليه من الأباطيل، وأضافوهُ إليه من الروايات والأقاويل المفتعلة والمختلقة، وخلطوه بالحق، فلم يتميَّز ما هو صحيح عنه مما اختلقوه" (٦).
стр. 175
وحذَّر من قولهم بالرّجعة، فقال: "الرجعة: ما تقولهُ الرافضة وتعتقده بزعمها الباطل: أن عليّاً ﵁ في السحاب! فلا نخرج -يعني مع مَن يَخرج من ولده- حتى ينادى من السماء: أنِ اخرجوا معه!! وهذا نوعٌ من أباطيلهم، وعظيم من جهالاتهم، اللائقة بأذهانهم السخيفة، وعقولهم الواهية" (١).
وأكتفي بهذا القدر من الأمثلة الواضحة حول موقف الشيخ الإمام النووي من البدع وأصحابها، ووجدنا ميزانه في ذلك أن ما وافق السنَّة هو الحق الذي لا بدَّ من اتباعه والسير على وفقه، وما خالف السنة من أشياء محدثة مبتدعة لا بدَّ من تجنُّبِها والابتعاد عنها ابتعاداً كُليّاً.
وقد لاحظنا فيما مضى أنه إذا سُلِمَ عن شيء ووجد فيه مخالفة لهدي رسول الله ﷺ ؛ نبَّهَ إلى ذلك، وحذر تحذيراً شديداً من الاغترار بفعل مَن يخالف هَدْيَ المصطفى ﵊، وذلك أنه لا فيمة لأيِّ فعلٍ إذا كان على خلاف الكتاب والسنة.
وكان كثيراً ما يتعرض في مصنفاته لبعض البدع ومحدَثات الأمور؛ ببيان خطرها، والدعوة لأجل تجنُّبها، والابتعاد عنها.
وقد أكرم الله ﵎ الإمام النووي بأن يكون مجدِّداً لدين الله، وذلك بأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وإحيائه للسنة، وقمعه للبدعة.
...
стр. 176
المصادر والمراجع
- الآجري: محمد بن الحسين بن عبد الله (ت ٣٦٠ هـ).
١ - "الشريعة": مطبعة السنة المحمدية، مصر، الطبعة الأولى، سنة ١٣٦٩هـ / ١٩٥٠م.
- الإبراهيم: محمد عقلة (معاصر).
٢ - "أبو إسحاق الشيرازي وأثره في الفقه الإسلامي": رسالة دكتوراه، مضروبة على الآلة الكاتبة.
- الإسفرائيني: أبو عوانة (ت ٣١٠ هـ).
٣ - "المسند": دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الهند، دون تاريخ.
- الإسنوي: جمال الدين عبد الرحيم (ت ٧٧٢ هـ).
٤ - "طبقات الشافعية": تحقيق عبد الله الجبوري، بغداد، سنة ١٣٩٠هـ.
- الأصبهاني: أحمد بن عبد الله أبو نُعيم (ت ٤٣٠ هـ).
٥ - "حلية الأولياء": دار الكتاب العربي، بيروت، سنة ١٣٨٧ هـ/ ١٩٦٧م، الطبعة الثانية.
- الألباني: محمد ناصر الدين (معاصر).
٦ - "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل": المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، سنة ١٣٩٩هـ/ ١٩٧٩م.
٧ - "سلسلة الأحاديث الصحيحة": مكتبة المعارف، بيروت.
٨ - "سلسلة الأحاديث الضعيفة": مكتبة المعارف، بيروت.
- البخاري: محمد بن اسماعيل (ت ٢٥٦ هـ).
٩ - "الأدب المفرد": دار البشائر الإسلامية، خرج أحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، صنع فهارسه رمزي دمشقيَّة، الطبعة الثالثة، سنة ١٤٠٩هـ/ ١٩٨٩م.
стр. 177
١٠ - "التاريخ الصغير": دار الوعي، حلب، ودار التراث، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة ١٣٩٧هـ/ ١٩٧٧م، تحقيق: محمود إبراهيم زايد.
١١ - "التاريخ الكبير": مصورة الطبعة الهندية، بيروت، تحقيق: عبد الرحمن المعلِّمي اليماني.
١٢ - "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه المشتهر بـ (الصحيح) ": المكتبة السلفية، مصر.
- البغدادي: أحمد بن علي بن ثابت (ت ٤٦٣ هـ).
١٣ - "تاريخ بغداد": دار الكتاب العربي، بيروت.
١٤ - "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع": مكتبة المعارف، الرياض، سنة ١٤٠٣هـ / ١٩٨٣م، تحقيق: د. محمود الطحان.
١٥ - "شرف أصحاب الحديث": دار إحياء السنة النبوية، كلية الإلهيات، جامعة أنقرة، تحقيق: الدكتور محمد سعيد خطيب أوغلي.
١٦ - "الفقيه والمتفقه": دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، سنة ١٤٠٠هـ / ١٩٨٠م.
- البغدادي: إسماعيل باشا بن محمد الأمين.
١٧ - "إيضاح المكنون": دار الفكر، سنة ١٤٠٢هـ / ١٩٨٢ م.
١٨ - "هدية العارفين": دار الفكر، سنة ١٤٠٢هـ / ١٩٨٢ م.
- البغوي: الحسين بن مسعود الفرَّاء (ت ٥١٦ هـ).
١٩ - "شرح السنة": المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، سنة ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣ م.
٢٠ - "معالم التنزيل": دار الفكر، بيروت، دون تاريخ.
- البيهقي: أحمد بن الحسين (ت ٤٥٨ هـ).
٢١ - "الأسماء والصفات": دار إحياء التراث العربي، بيروت، دون تاريخ.
стр. 178
٢٢ - "الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد": دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الأولى، سنة ١٤٠١ هـ / ١٩٨١م، علق عليه: أحمد عصام كاتب.
٢٣ - "السنن الكبرى": دار الفكر، بيروت، وهي مصورة عن مطبعة حيدر آباد.
٢٤ - "المدخل إلى السنن الكبرى": دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، دراسة وتحقيق: الدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي، دون تاريخ.
- التّجيبي: القاسم بن يوسف (ت ٧٣٠ هـ).
٢٥ - "برنامج التجيبي": الدار العربية للكتاب، ليبيا، سنة ١٩٨١م، تحقيق: عبد الحفيظ منصور.
الترمذي: أبو عيسى محمد بن عيسى (ت ٢٧٩هـ).
٢٦ - "السنن": دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، سنة ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣م، تحقيق وشرح: أحمد شاكر.
- ابن تغري بردي: أبو المحاسن يوسف الأتابكي (ت ٨٧٤ هـ).
٢٧ - "الدليل الشافي على المنهل الصافي": نشر مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى، سنة ١٩٨٣م، تحقيق: فهيم محمد شلتوت.
٢٨ - "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة": المؤسسة المصريّة العامة، القاهرة، سنة ١٩٢٩ - ١٩٧٢م.
- ابن الجارود: أبو محمد عبد الله بن علي (ت ٣٠٧ هـ).
٢٩ - "المنتقى من السنن المسندة عن رسول الله ﷺ ": دار القلم، بيروت، الطبعة الأولى، سنة١٤٠٧هـ / ١٩٨٧ م.
- الجبوري: عبد الله (معاصر).
٣٠ - "فهرس المخطوطات العربية في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد":
стр. 179
الطبعة الأولى، نشر وزارة الأوقاف، بغداد، سنة ١٣٩٣ هـ/ ١٩٧٢م.
- ابن جرير: محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ).
٣١ - "جامع البيان في تفسير القرآن": دار المعرفة، بيروت، سنة ١٣٩٨ هـ /١٩٧٨ م.
- ابن الجعد: علي بن الجعد (ت ٢٣٠ هـ).
٣٢ - "مسند علي بن الجعد": مكتبة الفلاح، الكويت، تحقيق: الدكتور عبد المهدي بن عبد الهادي.
- الحاكم: أبو عبد الله الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ).
٣٣ - "المستدرك": مصورة الطبعة الهندية، دار الفكر، بيروت، دون تاريخ.
- ابن حِبَّان: أبو حاتم محمد بن حبان التيمي (ت ٣٥٤ هـ).
٣٤ - :"روضة العقلاء": دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ١٣٩٧ هـ / ١٩٧٧م، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد ومحمد عبد الرزاق حمرة، ومحمد حامد الفقي.
٣٥ - "الصحيح": دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، سنة ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧ م، مع ترتيبه "الإحسان" للأمير علي بن بلبان (ت ٧٣٩ هـ)، وطبعة مؤسسة الرسالة، تحقيق جماعة من الباحثين.
٣٦ - "المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين": دار الوعي، حلب، الطبعة الأولى، سنة ١٣٩٦ هـ، تحقيق: محمود إبراهيم زايد.
- ابن حجر العسقلاني: أحمد بن علي (ت ٨٥٢هـ).
٣٧ - "تهذيب التهذيب": طبعة مصورة عن مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند، سنة ١٣٢٧ هـ.
стр. 180
٣٨ - "فتح الباري بشرح صحيح البخاري": طبعة مصورة عن المكتبة السلفية، مصر.
٣٩ - "النكت الظِّراف": مطبوع بحاشية "تحفة الأشراف".
الحسيني: أبو بكر بن هداية الله (ت ١٠١٤هـ).
٤٠ - "طبقات الشافعية": دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثانية، سنة ١٩٧٩م، تحقيق: عادل نويهض.
- حمدان: محمود رجاء مصطفى (معاصر).
٤١ - "الإمام النووي وأثره في الفقه الإسلامي": رسالة دكتوراه، مقدمة لقسم الدراسات الإسلامية بجامعة البنجاب، سنة ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م.
- الحموي: ياقوت بن عبد الله.
٤٢ - "معجم البلدان": دار صادر، بيروت، دون تاريخ.
- الحميدي: عبد الله بن الزبير (ت ٢١٩ هـ).
٤٣ - "المسند": عالم الكتب، بيروت، مكتبة المثنى، القاهرة، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.
- ابن حنبل: أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ).
٤٤ - "المسند": دار الفكر، مصورة الطبعة الميمنية.
- ابن خلكان: أبو العباس أحمد بن محمد (ت ٦٨١ هـ).
٤٥ - "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان": دار صادر، بيروت، تحقيق: الدكتور إحسان عباس.
- خليفة: حاجي.
٤٦ - "كشف الظنون": دار الفكر، بيروت، سنة١٤٠٢هـ / ١٩٨٢ م.
- الدارمي: عبد الله بن عبد الرحمن (ت ٢٥٥ هـ).
٤٧ - "سنن الدارمي": دار الكتب العلمية، بيروت.
- أبو داود: سليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٧٥هـ).