← Тараджим

Тараджим · id 321

تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين

ابن العطار

Полный текст (210 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فنسألُ الله الكريم أن يوفِّقَ السلطانَ للسُّننِ الحسنةِ التي يُذكَرُ بها إلى يوم القيامة، ويحميهِ مِن السُّننِ السيِّئةِ. فهذه [نصيحَتُنا] (١) الواجبةُ علينا للسُّلطانِ، ونرجو من فضلِ اللهِ تعالى أن يُلْهِمَهُ الله فيها القَبولَ، والسلامُ عليكُم ورحمةُ الله. الحمدُ لله رب العالمين، وصلواتُه وسلامُه على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبِه" (٢). ومما كتبه رسالةٌ تَتعلَّقُ بالمكوسِ والحوادِثِ الباطلةِ. ومما كتبه رسالة بالأمداء والخيل، وأبطل الله تعالى ذلك على يد من يشاء من عباده في دولة السعيد ابن الظاهر (٣) -رحمهما الله تعالى-. ومما كتبه بسبب الفقهاء لما رُسِم (٤) بأن الفقيه لا يكون منزلاً في [٣٢] أكثر/ من مدرسة واحدة، وهذه صورته:

стр. 107

"بسم الله الرحمن الرحيم خَدَمَةُ الشَّرْعَ يُنْهونَ أنَّ الله تعالى أمرَنا بالتعاوُنِ على البر والتقوى، ونصيحَةِ وُلاةِ الأمورِ، وعامةِ المسلمين، وأخذ على العلماء العهد بتبليغ أحكام الدين ومناصحةِ المسلمين، وحثَّ على تعظيمِ حُرُماتِه، وإعظامِ شعائِر الدينِ، وإكرامِ العلماء وتباعِهم. وقد بلغَ الفقهاءَ بأنه رُسمَ في حقِّهِم بأنْ يُغَيروا عن وظائِفِهم، ويُقْطَعوا عن بعضِ مدارِسِهم، فتنكَّدَتْ بذلك أحوالُهم، وتضرروا بهذا التضييقِ عليهِم، وهُم محتاجونَ، ولهُم عِيالٌ، وفيهِم الصالِحِونَ، والمشتغِلونَ بالعلومِ، وإنْ كانَ فيهِم أفرادٌ لا يَلْتَحِقونَ بمراتِب غيرهم، فهم منتَسِبونَ إلى العلمِ، ومشارِكونَ فيهِ. ولا تَخْفى مراتِبُ أهلِ العلمِ، وفضلُهم وثناءُ الله تعالى عليهِم، وبيانُه مزيّتَهم على غيرِهم، وأنهم ورَثَةُ الأنبياءِ -صلواتُ الله وسلامُه عليهِم- وأن الملائِكَة ﵈ تضعُ أجنِحَتَها لهُم، ويستَغْفِرُ لهُم كُلُّ شيءِ، حتى الحيتانُ. واللائِقُ بالجَنابِ العالي إكرامُ هذه الطَّائِفةِ، والإحسانُ إليهِم، ومُعاضَدَتُهُم، ودفعُ المكروهاتِ عنهُم، والنَّظَرُ في أحوالِهم؛ بما فيهِ الرِّفقُ بهم؛ فقد ثبت في "صحيح مسلم" عن رسول الله ﷺ / أنه قال: [٣٣] "مَن وَليَ مِن أَمْرِ أُمَّتي شيْئاً، فَرَفَقَ بهِم؛ فارْفُقْ به" (١). وروى أبو عيسى الترمذي بإسناده عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه كان يقول لطلبةِ العلم: مرحباً بوصيةِ رسول الله ﷺ ، إن رسول الله ﷺ

стр. 108

قال: "إنَّ رجالًا يأتونكُم يتفَقَّهونَ في الدِّينِ، فإذا أَتَوْكُم؛ فاسْتَوْصوا بهِم خيراً" (١). والمسؤول أن لا يُغَيَّر على هذه الطائفةِ شيء، وتُسْتَجْلَبَ دعوتُهم لهذه الدولة القاهرة، وقد ثبت في "صحيح البخاري" أن رسول الله ﷺ قال: "هل تنصَرونَ وتُرْزقونَ إلَّا بضُعفائِكُم" (٢). وقد أحاطتِ العلومُ بما أجاب بهِ الوزيرُ نظامُ المُلْك (٣) حينَ أنكَرَ عليهِ السلطانُ صرفَ الأموالِ الكثيرةِ في جهةِ طلبةِ العلم، فقال: "أقمتُ لكَ بها جُنْداً لا تُرَدُّ سِهامُهُمْ بالأسْحارِ". فاسْتَصْوبَ فعْلَهُ، وساعَدَهُ عليهِ. والله الكريمُ يوَفِّقُ الجنابَ [دائماً] (٤) لمرضاتِه، والمسارعة إلى طاعاتِه.

стр. 109

والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم" (١). وله ﵀ رسائِلُ كثيرةٌ في كُلِّياتٍ تتعلَّقُ بالمسلمين وجزئيات، وفي إحياء سنن نيِّرات، وفي إماتة بدع مظلمات (٢)، وله كلام طويل في الأمْرِ بالمعروفِ/، والنَّهْيِ عن المنكرِ؛ مواجهاً به أهلَ المراتب [٣٤] العاليات. قال لي المحدث أبو العبَّاس أحمد بن فرح الإشبيلي ﵀ (٣) وكان له ميعادٌ على الشيخ -قدَّس الله روحه- في الثلاثاء والسبت، يومٌ يشرح في "صحيح البخاري"، ويومٌ يشرح في "صحيح مسلم"؛ قال: "كان الشيخ محيي الدين قد صار إليه ثلاث مراتب، كل مرتبة منها؛ لو كانت لشخصٍ شُدَّتْ إليه آباطُ الإبلِ من أقطارِ الأرض. المرتبةُ الأولى: العلم، والقيام بوظائفه. الثانية: الزهد في الدنيا وجميع أنواعها. الثالثة: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر" (٤). ...

стр. 110

١٧ - فصل: في ذكر المواثي التي رثاهُ بها العلماء قرأتُ على شيخِنا العلامة شيخ الأدب أبي عبد الله محمد بن أحمد ابن عمر بن أبي شاكر الحنفي الأربلي ﵀ (١)، وكان مدرِّساً للقايمازية بدمشق: قلتَ -رضي الله عنك- وكان ذلك في العشر الأول من شعبان سنة ست وسبعين وست مئة: عَز العَزاءُ وعَم الحادِثُ الجَلَلُ ... وخابَ بالمَوْتِ في تَعْميرِكَ الأمَلُ واسْتَوْحَشَتْ بَعْدَما كنْتَ الأنيسَ لها ... وساءهَا فَقْدُكَ الأسْحارُ والأصُلُ (٢) [٣٥] قَدْ كُنْتَ للدينِ نُوراً يُسْتَضاءُ بهِ ... مُسَدداً مِنْكَ فيهِ القَوْلُ والعَمَلُ/ وكُنْتَ تَتْلو كِتابَ اللهِ مُعْتَبِراً ... لا يَعْتَريكَ على تَكْرارِهِ مَلَلُ وكُنْتَ في سُنةِ المُخْتارِ مُجْتَهِداً ... أنْتَ باليُمْنِ والتَّوْفيقِ مُشْتَمِلُ وكُنْتَ زيناً لأهْل العِلْمِ مُفْتَخِراً ... على جَديدٍ كَساهُمْ ثوبُكَ السملُ (٣) وكُنْتَ أسْبَغَهُمْ ظِلاًّ إذا استْعَرَتْ ... هَواجِرُ الجَهْلِ والإِظْلالُ يَنْتَقِلُ كساكَ رَبُّكَ أوْصافَاً مُجَمَّلَةً ... يَضِيْقُ عَنْ حَصْرِها التَّفْصيلُ والجُمَلُ أَسْلَى (٤) كَمالُكَ عَنْ قَوْم مَضَوْا بَدَلاً ... وعَنْ كَمالِكَ لا مُسْلٍ ولا بَدَلُ فمِثْلُ فَقْدِكَ تَرْتَاعُ، العُقولُ لهُ ... وفَقْدُ مِثْلِكَ جُرْحٌ لَيْسَ يَنْدَمِلُ زَهِدْتَ في هذهِ الدُّنْيا وزُخْرُفِها ... عَزْماً وحَزْماً فَمَضْروبٌ بكَ المَثَلُ أعْرَضْتَ عَنْها احْتِقاراً غَيْرَ مُحْتَفِلٍ ... وأنْتَ بالسَّعْيِ في أُخْراكَ مُحْتَفِلُ

стр. 111

عَزَفْتَ عَنْ شَهَوات ما لِعَزْم فتى ... بها سواك إذا عنَّت له قبل أَسْهَرْتَ في العِلْم عَيْناً لَمْ تَذُقْ سِنَةً ... إلا وأنت في الحلم مشتغل يا لَهْفَ حَفْل عًظيم كُنْتَ بَهْجَتَهُ ... وحيله فعراه بعدك العطل وطالِبُو العِلْم مِن دان ومُغْتَرب ... نالوا بيمينك منه فوق ما أملوا حَارُوا لِغَيْبَةِ هادِيْهِم وضاقَ بهِمْ ... لفرط حزنٍ عليه السهل والجبل تُرَى درَى تُرْبَهُ مَن غَيبُوهُ بهِ ... أو نعشه من على أعواده حملوا / [٣٦] عَنَّاهُ شُغْلُهُمُ دهراً وعادَ لَهُم ... بلاعج الوجد (١) عن أشغالهم شغل يا (مُحْيي الدِّينِ) كَمْ غادرْتَ مِن كبد ... حرى عليك وعين دمعها هطل وكُمْ مُقام كَحَد السَّيْفِ لا جَلدٌ ... يقوى على هوله فيه ولا جدل أَمَرْتَ فيهِ بأمْرِ اللهِ مُنْتَضِياً (٢) ... سيفاً من العزم لم يصنع له خلل وكلم تَوَاضَعْتَ عنْ فَضْل وعَنْ شَرَفٍ ... وهمةٍ هامة الجوزاء تنتعل عالجْتَ نَفْسَكَ والأدواءُ شامِلةٌ ... حتى استقامت وحتى زالت العلل بَلَغْتَ بالتعَب الفَاني رِضَى مَلِكٍ ... ثوابه فى جنان الخلد متصل ضَيْفُ الكَريَم جَديرٌ أَنْ يُضافَ لهُ ... إلى الكرامة من ألطافه نزل بَرَرْتَ أَصْلَيْكَ (٣) في داريكَ مُحْتَسِباً ... فقد تكافأ فيك الحزن والجذل (٤) فَجَعْتَ بالأمْسِ لَيْلَا كُنْتَ سَاهِرَهُ ... لله والنوم قد خيطت به المقل وحَالَ (٥) نورُ نهارٍ كُنْتَ صائِمَهُ ... إذا الهجير بنار الشمس مشتعل لا زَالَ مَثْواكَ مَثْوى كُل عارِفَةٍ ... وروضه النضر من سحب الرضا خضل (٦)

стр. 112

إلى مَتَى بغُرورٍ نَطْمِئِنُّ ولا الـ ... مُلوكُ رُدَّ الرَّدَى عنهُمْ ولا الرُّسُلُ [٣٧] ولا حِمىً مِن حِمام (١) جَحْفَلٍ (٢) لَجبٍ (٣) ... ولا حُصونٌ مَنيعَاتٌ ولا قُلَلُ (٤) / يا لاهِياً لاهِياً عَنْ هَوْلِ مَصْرَعِهِ ... وضَاحِكُ السن مِنْهُ بَضْحَكُ الأجَلُ لا تُخْلِ نَفْسَكَ مِن زَاد فإنكَ مِن ... حينِ الولادِ مَعَ الأنْفاسِ مُرْتَحِلُ ومَا مَقامٌ يُديمُ السَّيْرَ يَتْبَعُهُ ... إلى مَحَل تَلاهُ سَائِقٌ عَجِلُ (٥) قال شيخُنا ناظمها: "نجزت -بحمد الله ومنه- خمسة وثلاثون بيتاً". (والجَلَلُ) -بفتح الجيم-: هو الأمر العظيم، ويستعمل في الحقير، وينصرف إلى أحدهما بالقرينة له. قال: (فَقْدُكَ): مرفوع الدال؛ تقديرُهُ: واستوحَشَتْ الأقدار، وساءها الفقدُ (٦). (السَّمَل) -بفتح الميم-: هو الخَلِق. (عزَفْتَ): أي: مِلْتَ بكراهة. (عَنَّتْ): أي: عرضت.

стр. 113

(اللهَف): الخَوَر. (العَطَل) -بفتح العين والظاء-: هو ضدّ التحلِّي. (هامة الجَوْزاء): أعلاها. (البلاعج) -بكسر الباء الموحدة-: بعارض، وهو الحرق. (بررتَ أصليك في الدارين): من حيث إنهما صبرا على موته، فأُثيبوا عليه. ثم رثاه بأخرى، وخصني بها، وأرسلها إلي تعزيةً لي به؛ لأني كنتُ سرتُ إلى (نوى) صحبةَ قاضي القضاة أبي المفاخر محمد بن عبد القادر الأنصاري ﵀ لتعزية والده وأقاربه، وأقمتُ عندهم أياماً (١)، فلما عدت إلى دمشق؛ كتبها وأرسلها- ﵏:-/ [٣٨] نَبَأ أصَم بهِ وأصْمَى الناعِي ... فَجَنَى على الأبْصارِ والأسْماعِ غَدَتِ النُّفوسُ بهِ شَعاعاً إذْ بَدَتْ ... شَمْسُ الضُّحَى حُزْناً بغَيْرِ شُعاع أَوْدَى بِها خَوْفُ التفَرُّقِ قَبْلَهُ ... ما أشْبَهَ الأوْجالَ بالأوْجاعَ حَل المُصابُ بِرَبِّ كُلِّ فَضيلَةِ ... رَبَّاءِ كُل ثَنِيَّةِ (٢) طَلاَّعِ هاد إلى السنَن القَويم وسُنةِ الـ ... هادي جَميلِ مَناقِب ومَساعِ (يَحْيىَ) الذي أَحْيا الفَضَائِلَ سَعْيُهُ ... وهَدَى ببارِقِ ذهنِهَ اللماعِ القانِتُ القَوَّامُ والصوامُ والسـ ... ـاعِي بخَطْو في العُلوم وَسَاعِ هانَتْ عِلَى هِمَمِ لهُ إِلِّيةِ ... لكنهاَ عَزتْ عَلى الَأطْماعِ ما زَالَ أوْحَدَ دهرِهِ في عَصْرِهِ ... وإلى سَبيلِ الحَقِّ أفْضَلَ دَاع

стр. 114

طالَ الوَرَى طُرّاً بأعْلَى هِمَّةٍ ... في كل صالحةٍ وأطول باع وشَّاهُمُ (١) مُتَحَقِّقاً بِمعارِفٍ ... محمودة الأجناس والأنواع خَبَر جَليل جَلَّ في تَأبِينِهِ ... عن رثية الأشعار والأسجاع قد جُمِّعَتْ فيهِ خِلالُ سَمِيِّه ... ثبوتها بشهادة الإجماع نِعْمَ المَوَفَّقُ كانَ في أَقْوالِهِ ... وفعاله وموفق الأتباع [٣٩] فَقَدَتْهُ والآمالُ فيهِ فَسيحَةٌ ... إذ كان خير ذخيرةٍ ومتاع/ باتَتْ لِفَقْدِ حُنُوِّهِ في وَحْشَةِ ... وعلى الأسى محنية الأضلاع طوْبَى لهُ مِن واصِلِ حَسَناتِهِ ... بالصالحات لليله قطَّاع لَقِيَ المَنونَ لِقاءَ مُرْتاح إلى ... مولاه لا جزع ولا مرتاع يا لَهْفَ مَن كانَ السعيد بقُرْبِهِ ... ومنازل منه خلت ومرباع لا زَالَ مَثْواهُ بصَوْبِ سَحائِبِ الر ... ضوان روضاً دائم الإمراع (٢) وقرأ الصدرُ الرئيسُ الفاضلُ أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن مصعب ﵀ بدار الحديث النورية مرثاةً، نظمها وأنا أسمع، وكان قرأ على الشيخ -قدس الله روحه- قطعةً من "المنهاج في مختصر المحرر"، واستنسخ "الروضة" له، وقابلتُ له بعضها مع الشَّيخِ، وأصلحتُ بإملائه ﵀ مواضع منها: أأكْتُمُ حُزْنِي والمَدامِعُ تُبْديهِ ... لِفَقْدِ امْرئٍ كُلُّ البَرِيةِ تَبْكيهِ رَأى الناسُ مِنْهُ زُهْدَ (يَحْيى) سَمِيِّهِ ... وتَقْواهُ فيما كانَ يُبْدي ويُخْفيهِ ولَمْ يَرْضَ بالدُّنْيا ولا مالَ لحظَةً ... إلى عَيْشِها فالله لا شَك يُرْضِيْهِ فَلَيْسَ لهُ في زُهْدهِ وخُشُوعِهِ ... وتَجْريدِهِ في الناسِ مِثْلٌ يُدانيهِ

стр. 115

تَحَلَّى بأوْصافِ النَّبيِّ وصَحْبِهِ ... وتابعهم هدياً فمن ذا يناويه (١)؟ وشَمَّرَ عنْ ساقِ اجْتِهادٍ يُعَلِّمُ الـ ... جهول ويهديه السبيل ويكفيه/ [٤٠] وكانَ رَؤوفاً بالضَّعيفِ وطالبِ الـ ... ـعلوم يوفيه الجواب ويدنيه يُسَرُّ إذا ما سَدَّدَ الخَصْمُ حُجَّةً ... وإن ضل عن قصد المحجة يهديه ومَن جاءَ يَستَفْتيهِ يُمْني مَحَلَّهُ ... ويجلسه بالقرب منه ويفتيه تَصانِيفُهُ في كُلِّ عِلْم بَديعَةٌ ... وأبدع منها ما يقول ويمليه حَديث رسولِ الله والفقْهُ دأبُهُ ... يصنف في هذا وهذاك يرويه وَيتْلو كِتابَ الله سِرّاً وجَهْرةً ... ويفكر في تفسيره ومعانيه يَرَى المَوْتَ حُلْواً في إِماتَةِ بِدْعَةٍ ... وكم سنة أحيا بصدق مساعيه فَطُوبى لهُ ما شانَه (٢) طيبُ مَطْعَمٍ ... ولا ملبسٍ رقَّت ولانت حواشيه وآثَرَ مَع فَقْرٍ بهِ وخَصاصَةٍ ... على نفسه جوداً بما كان يحويه تَفَرَّقَ في أهْلِ العُلوم (٣) مَحاسِنٌ ... وقد جمعت أوصافهم كلها فيه شَكَا فَقْدَهُ عِلْمُ الحَدَيثِ وحِفْظُهُ ... وأهلوه والكتب الصِّحاح وقاريه ولاحَ على وَجْهِ العُلومِ كَآَبةٌ ... تخبر أن الدين قد مات مات محييه (٤) قَضَى ولهُ عِلْمٌ يُجَدِّدُ ذِكْرَهُ ... وينشره فالدهر هيهات يطويه وعَمَّ بِلادَ المُسْلِمينَ مُصابُهُ ... وخصَّ دمشقاً بالرزية ناعيه وكَمْ نِلْتُ مِن خَيْريَّةٍ في حَياتِهِ ... وبعد مماتي فى معادي أرجيه/ [٤١] وما كُنْتُ أرْجو أن أؤخَّرَ بَعْدَهُ ... فأندبه بعد الممات وأرثيه فلَوْ أنَّهُ يُفْدَى بأهْلي وجِيْرَتى ... ومالي ونفسي كنت والله أفديه

стр. 116

ولكِنَّهُ المَوْتُ الذي قَهَرَ الوَرَى ... فما مِنْهُمُ إلَّا مُجيبٌ لِداعِيهِ إذا عَدِمَ الإسلامُ أشْرَفَ أهْلِهِ ... فحُقَّ لَنا فى ذا المُصاب نُعَزِّيهِ فَحَيَّا الحَيَا قَبراً بهِ راحَ ساكِناً ... ليُرْوَى [ثَرَى] (١) ذاكَ الضَّريح وَواديهِ (٢) ورثاه الفقيهُ الفاضلُ الإمامُ الصدرُ الرئيسُ الأديبُ نجم الدين أبو العباس أحمد ابن شيخنا عماد الدين أبي عبد الله محمد بن أمين الدين سالم بن الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن صَصْرى التَّغْلِبي (٣) -بالتاء المثنَّاة والغين المعجمة- البلدي في شعبان سنة ست وسبعين وست مئة. وعَتبَهُ بعضُ مشايِخِهِ على ذلك، فبلغَني أنَّه أجابَ عَتَبَهُ بأنَّكَ إذا مُتَّ رَثَيْتُكَ بأحسنَ منها. فلما كان في سنة اثنتين وسبع مئة؛ وليَ قضاءَ القضاةِ بالشام، فتفضَّلَ، وحضرَ مَجْلِسي للحديث بدار الحديث النورية -رحم الله واقِفَها-[في جُمادى الأولى] (٤)، فأمرتُ قاريءَ الحديث أن يقرأها عليه؛ ليسمعَها الحاضرون منه، وتبركاً بذكر الشيخ -قدس الله روحه- وسمعتُها معهم [٤٢] لأرويها عنه لمن طلب ذلك -إن شاء الله تعالى-/. وتجوز الرواية عن الأحياء بلا كراهة عند جمهور العلماء، وكرهها الشافعي ﵀ خوف نسيان المروي عنه، واتهام الراوي، والله أعلم.

стр. 117

أعَيْنَي جِدّا بالدُّموعِ الهَوامِلِ ... وجُودِي بِها كالسَّرياتِ (١) الهَواطِلِ على الشيخ مُحْيي الدينِ ذي الفَضْل والتقى ... ورَبِّ الهُدَى والزهْدِ حاوِي الفَضائِلِ على قانِتٍ بَرٍّ طَهورٍ مُوَفَّقٍ ... على عالِمِ بالنُّسْكِ والدِّينِ عامِلِ على زاهِدٍ في طاعَةِ اللهِ جاهِدٍ ... على عابدٍ يَبْغِي رِضى اللهِ فاضِلِ على راغِب في الدينِ قدْ رَفَضَ الدُّنا ... فَغَالتْهُ مِنها حادِثاتُ الغوائِلِ وسِيلِي دماً فالدَّمْعُ لَيْسَ بنافِع ... غلِيلي ولا مُطْفٍ أوامَ مَفَاصِلِي لقَدْ كانَ فَرْدَاً في الزَّمانِ مُكَمَّلاً ... عَديمَ نظيرٍ أو شَبيهٍ مُساجِلِ (٢) لَقَدْ كانَ بَحْراً للفَضائِلِ طامياً ... غَزيرَ عُبابٍ ما لَهُ مِن سَواحِلِ لَقَدْ كانَ ذا فَضْلٍ ونُبْلٍ وسُؤدُدٍ ... سَمَا عَنْ مُساوٍ أَوْ عَديلٍ مُماثِلِ لَقَدْ كانَ عنْ دينِ الإلهِ مُناضِلاً ... فَأكْرِمْ بهِ مِن ديِّنٍ ومُناضِلِ لَقَدْ كانَ في الدُّنْيا الدنيَّةِ زَاهِداً ... فلَمْ يُلْهَ مِنْها قَط يَوْماً بطائِلِ لقَدْ كانَ في الأخْرى العَلِيَّةِ جاهِداً ... فَنَوَّلَهُ مِنْها بأشْرَفِ (٣) نائِلِ لَقَدْ كانَ بالمَعْروفِ للنَّاسِ آمِراً ... وناهِيَهُم عن مُنْكَراتٍ وباطِل/ [٤٣] فكَم قامَ في الإسلامِ حَق قِيامِهِ ... وما عاقَهُ عْن قَصْده ِعَذْلُ عاذِلِ (٤) وكَمْ مِن مُقام قامَ فيهِ بنُصْرَةِ الـ ... أنام مَقَامَ الذَّابلاتِ العَوامِلِ وكَمْ لِذَوي الجَاهاتِ واجَهَ مُعْلِناً ... بإِنْكَارِهِ عندَ الضُّحَى والأصائِلِ وكَمْ بالهُدَى والحَقِّ شافَهَ مُنْكِراً ... لمَنْ لَمْ يَكُنْ يُصْغِي لأقوالِ قائِلِ فإنْ هُوَ عنْ رُؤياهُ أصْبَحَ عاجِزاً ... يُبَلِّغُهُ إنْكارَهُ في الرَّسائِلِ تَنَزَّهَ عنْ دُنْياهُ يَرْجو إلهَهُ ... فعَوَّضَهُ عَنْ عاجِلاتٍ بآجِلِ وصَدَّ عِنِ الفاني ليُصْبحَ فائِزاً ... بِباقٍ مِن الأخْرى عَديمِ مُعادِلِ

стр. 118

فلَمْ يَكُ مِن حَظِّ لَهُ في حَياتِهِ ... وذاك على الإخلاص أقوى الدلائل ولَمْ يَكُ يَسْعى في سوى الزهْدِ والتقَى ... وقد كان فيه خير ساعٍ وفاعل ولَمْ يَكُ فعَّالاً سوى الخير والهُدى ... وهاتيك -والرحمن- أفعال عاقل تَعَزوْا جَميعَ الناسِ عنهُ فكُلُّكُم ... مصابٌ به من عالمين وجاهل فكَمْ قامَ فيما نابَكُم مِن مُلِمَّةِ ... وشغلٍ بما فيه من الحزن شاغل على قاصِديكُم بالنوائِب مُنْكِراً ... بلفظ وجيز للمواعظ شامل وكَمْ ذَب عنكُمْ مَرةً وحَماكُمُ ... بقول وعزم مثل حد المناصل (١) [٤٤] رَجاءَ ثَواب اللهِ لا قَصْدَ سُمْعَةِ ... ولا لحياء منكم وفواضل/ فأسْكَنَهُ الرحمنُ في دارِ خُلْدِهِ ... وبلَّغه منها أجل المنازل ورَثاهُ بعضُ فضلاء الحنفية (٢) ﵏ أجمعين-: مُصابٌ أَصابَ القَلْبَ والجَفْنَ أرقا ... وخطبٌ أتى بالحزن والصبر فرَّقا ورُزْءٌ تَفَشَّى المُسْلِمينَ بأسْرِهم ... وسهمٌ إلى عين الشريعة فوِّقا (٣) فأضْمَى صَميمَ القَلْبِ مِن كُل مُسْلِم ... وأصلا الحشا جمراً من الحزن محرقا ولَمْ يَعْدُ قَلْبَ الشافعيةِ نَصْلُهُ ... وإن كان قد عم المذاهب مطلقا لَقَدْ سَددَ الرَّامي السِّهامَ ولَمْ يَكُنْ ... ليخطي به سهم المنون مفوقا وخَطْبٌ يَجوبُ الأرضَ شَرْقاً ومَغْرِباً ... فأشأم في قطع البلاد وأعرقا

стр. 119

وعَمَّ جَميعَ الأرْضِ مِن كُلِّ وِجْهَةٍ ... وإن خص من دون الأقاليم (جلقا) (١) ومادَتْ نَواحي الأرض حُزْناً بأهْلِها ... وكادت قلوب الخلق أن تتمزقا وضاقَ الفَضاءُ الرحْبُ حَتى لَقَدْ غَدا ... كسم خياط (٢) أو من السم أضيقا وقَدْ حَكَمَتْ أيْدي المَنونِ بِمَنْ كسا ... على الدين والدنيا جمالاً ورونقا ومَنْ كانَ للدِّينِ الحَنيِفي عِصْمَةً ... يرد العدى عنه وللعين مؤنقا (٣) ومَن كَانَ حَلْياً للزَّمانِ وأَهْلِهِ ... وعقد نظام العلم والحلم والتقى لَقَدْ كانَ رُكْناً للشَّريعَةِ مانِعاً ... يصان به الإسلام طوعاً ومتقى/ [٤٥] وعَيْنَاً لأهْلِ الرُّشْدِ في المَحْلِ هاطِلَاً ... وصوباً (٤) على أهل الضلاله مصعقا ونوراً لدينِ اللهِ يَهْدِي ذَوي العَمَى ... وبدر تمام في سما الشرع مشرقا وعضباً (٥) يَصونُ الدينَ مِن كلُ مُلْحِدٍ ... وباغ صقيلاً (٦) ماضي الحد مطلقا إذا ما انْتَضاهُ الشَرْعُ مِن أَجْلِ حادِثٍ ... فرى هامة الخطب الجسيم وفلَّقا (٧) لَقَدْ هَفَتِ الأكْبادُ مِنَّا كآبةً ... وطارت أسىً من حزنها وتحرقا وأَوْدَي بِها عُظْمُ المُصاب ولَوْ فُدِي ... لكانت له الأرواح من كلِّنا وقا فأَصْبَحَتِ الأقطارُ واَلكَوْنُ كُلُّهُ ... لفقدك (محيي الدين) بيداء سملقا (٨) وأَقْفَرَ رَبعُ الزُّهْدِ والجُودِ والنُّهَى ... وربع الحِجَى (٩) والنسك والدين والتقى أسِفْتُ ولو رَدَّ القَضاءَ تَأَسُّفٌ ... لما كان مما بي إليك تطرقا

стр. 120

رَثَيْتُكَ لا أني ظَنَنْتُكَ مَيتاً ... وكيف وإحياء العلوم هو البقا وكَمْ مَئتٍ أحْيَيْتَهُ بعدَ مَوْتِه ... فأصبح أبداً (١) للصواب وأحذقا وكَمْ غامِضٍ أَوْضَحْتَ للناسِ غَمْضَهُ ... وإن كان قد أعيا الإمام المحقِّقا وكَمْ شَنَّفَ الأسْماعَ دُرًّا ولُؤلؤاً ... إذا ما شجى في مجلس منه منطقا بِلَفظٍ يَفوقُ الماءَ مِنْهُ عُذوبَةً ... بل اللؤلؤ الرطب الأنيق المنمقا [٤٦] ومُفْتَقِراً للعِلْمِ أَغْنَيْتَ فَقْرَهُ ... فأضحى غنياً بعد أن كان مملقا (٢) / وحَيْرانَ في قَفْرٍ مِن الغَيِّ بَلْقَعٍ (٣) ... هداه إلى سبل الرشاد وطرقا وكَمْ فاجِرٍ قَدْ راضَهُ بتَلَطُّفِ ... فعوض عن ذاك الفجور به تقى (أبا زَكَرِيا) ليسَ للمَرْءِ مَلْجأ ... يرد الردى عنه ولو جر فيلقا فكُل وإنْ طالَتْ جَريدَةُ عُمْرِهِ ... سينسخ في درج المنون محققا أَ (يَحْيىَ) لو أن المَوْتَ يَثْنيهِ عَنْ فَتى ... ثبات جنان لانثنى عنك أخرقا وما مَدَّ صَرْفُ الدَهْرِ نَحْوَكَ باعَهُ ... ولا ضم جنبيك الصفيح (٤) مُطبقا فَكَمْ مَوْطِنِ قدْ قُمْتَ فيهِ مُجاهِداً ... وطرف الردى فيه إليك (٥) محدقا لَئِنْ كانَ قَدْ وارى الثَّرَى حُسْنَ خَلْقِهِ ... فغير مطيقٍ أن يواري التخلقا وكَيْفَ يُواري الترْبُ عِلْماً غدا بهِ ... على سعةٍ صدر البسيطة ضيقا فَطُوبى لِقَبْرٍ ضَمَّهُ فَلَقَدْ غَدا ... يباهي به دار المقامة والبقا سَقَا قَبْرَهُ صَوْبَا غَمامٍ ورَحْمَةٍ ... إذا قيل أن قد أقلعا عنه أغدقا (٦)

стр. 121

ورَثاهُ صاحِبُنا الفقيهُ الفاضِلُ أبو عبد الله محمد المَنْبِجِيّ (١) -نَفَعَ الله به- أحدُ فقهاء المدرسة الناصرية بدمشق المحروسة والساكنِ بها، شاعر، أديبٌ، مفلِّق: سُبُلُ العُلوم تَقَطَّعَتْ أسْبابُها ... وتَعَطَّلَتْ مِن حَلْيِها طُلاَّبُها لِمُصيبَةٍ عَزَّ العَزاءُ لها كَما ... في النَاسِ قَدْ جَلَّتْ وجَل مُصابُها/ [٤٧] يا أيُّها الحَبْرُ الذي مِن بَعْدِهِ ... كُلُّ الفَضائِلِ أُغْلِقَتْ أَبوابُها أَضْحَى على الدُّنْيا لِفَقْدِكَ وَحْشَةٌ ... ما اعْتَادها مِن قَبْلِ ذا أَرْبابُها مُسْوَدَّةٌ أيَّامُها مُتَغَيرٌ ... أَحْوالُها مُسْتَوْحِشٌ مِحْرابُها للهِ أيُّ بِحارِ فَضْل غُيِّضَتْ (٢) ... مِنْ بَعْدِ ما زَخَرَتْ وعَجَّ عُبابُها (٣) مَنْ للمَسائِلِ أَعْضَلَتْ مَنْ لِلْفتا ... وَى أشْكَلَتْ عَنْ أَنْ يُرَدَّ جَوابُها مَن لِلتُّقَى مَنْ لِلْحيا مَنْ لِلْحِجى ... طُويَتْ لِفَقْدِ أَلِيفها أَثْوابُها قدْ كانَ ذا سَمْتٍ يقرُّ بِحُسْنِهِ ... فِي العَالمينَ شُيوخُها وشَبابُها ومَناقِبٍ مِثْلِ الكَواكِب سَافِرٍ ... عَنْها لحَظِّ النَّاظِرينَ نِقابُها حَسَناتُهُ أَرْبَتْ على قطرِ الحَيا ... فلأجْلِ ذلكَ أتْعِبَتْ كُتَّابُها ما عُذرُ أجْفانٍ عليهِ لَمْ يَدُمْ ... بِنَجيع دَمْع حَسْرَةً تَسْكابُها تَبّاً لِدُنْيا لا يَدُومُ سُرُورُها ... مَعَ أنها لا تَنْقَضي أوْصابُها فَنَعيمُها -أَنَّى نَظَرْتَ- شَقاؤها ... والشهْدُ (٤) مِنْها -إنْ تُحَقق- صابُها (٥) وكَذا المَنونُ إذا اعْتَبَرْتَ مَطِيَّةً ... مَرْهونَةً كُلُّ الوَرَى رُكَّابُها

стр. 122

فانْظُرْ لِنَفْسِكَ أيها المَغْرورُ مِن ... يَوم يَطولُ على النفوسِ حِسابُها [٤٨] في مَوْقِفٍ للنَّاسِ صَعْب لَمْ تُفِدْ ... أحسابُها فيهِ ولا أَنْسابُها/ [٤٨] واسْلُكْ كـ (مُحْيي الدينِ) سُبْلَ سَلامَةٍ ... تُقْصيكَ مِن نارٍ يَدُومُ عَذابُها عَزَفَتْ عنِ الدُنْيا الدنيةِ نَفْسُهُ ... وهِيَ التي عَدَدُ الحصى خُطَّابُها وتَخَيَّرَ الباقي على الفانِي وما ... أَصْباهُ مِنْها حَلْيُها وخِضَابُها أَطْنَبْتُ في نَظْمي المَراثيَ بَعْدَهُ ... لَوْ كَانَ تَشْفِي غُلتي إِطْنابُها فَسَقَى ضَرِيحاً حَلَّ فيهِ رَحْمَةٌ ... يَهْمِي على كَرِّ العُصورِ سَحَابُها وأَحَلَّه الرَّحْمنُ عالِيَ جَنَّةٍ ... مَأُنوسَةٍ رِضْوانُهُ بَوابُها (١) ورثاه قاريء دار الحديث الأشرفية، والآخذ عنه، الشيخ، الفاضل، المحدِّثُ، أبو الفضل، يوسف بن محمد بن عبد الله (٢) الكاتب، الأديب، المصري، ثم الدمشقي، وقال: "نَظَمْتُها راثياً مشايخي -رحمَهُم الله تعالى-". وسَمِعْتُها مِن لَفْظِهِ: الحَمْدُ للهِ العَظِيمِ الهَادي ... جَلَّتْ مَحامِدُهُ عَنِ التَّعْدادِ رَبٌّ عَلا في مَجْد وجَلالِهِ ... عَنْ مَنْ يُضاهِيهِ مِن الأنْدادِ جَل الذي هُو واحِدٌ في مُلْكِهِ ... مِن غَيْر صاحِبَةٍ ولا أَوْلادِ خَلَقَ الوَرَى والخَلْقَ إِظْهارَاً لِما ... يَخْفى مِن المُلْكِ العَظيمِ البادِي قَسَمَ الخَلائِقَ كَيْفَ شاءَ فَكُلُّهُم ... مُلْكٌ له مِن رائِح أوْ غادِي [٤٩] فَقَضى لِمَنْ قَدْ شاءَ بالإبْعادِ ... وقَضَى لِمَنْ قَدْ شاَءَ بالإسْعادِ/ وقَضاؤه عَدْلٌ فَلَيْسَ بجائِرٍ ... إذ كانَ مالِكَهُم بِلا تَرْدادِ

стр. 123

رَحِمَ الأنامَ فَأرْسَلَ الرُّسْلَ الكِرا ... م الراشدين بواضح الإرشاد واللهُ شَرَّفَنا [بفَضْلِ] (١) نَبِينا الـ ... مبعوث حقاً رحمة لعباد فأتَى بقُرْآنٍ عَظِيمٍ باهِرٍ ... فيه الهدي أكرم به من هاد وحَدِيْثهُ يَشْفِي الصُّدُورَ ونُوره ... تحيى القلوب به (٢) ويروي الصادي وأقامَ للدِّينِ المُبينِ أَئِمَّةً ... تهدي الورى فهم نجوم بلادي فَوُجودُهُمْ بَيْنَ الخَلائِقِ رَحْمَةٌ ... ومماتهم علمٌ لقرب معاد (٣) فَالْعِلْمُ مَقبوضٌ بِقَبْضِ نُفوسِهِم ... قد جاء ذاك عن النبي الهادي (٤) فَلَقَدْ فَقَدْنا سادَةً في دهرِنا ... نور العباد وعصمة الرواد (٥) ابنُ الصَّلاح إِمَامُنا حَبْرُ الوَرَى ... وبقية العلماء والعباد والشَّيْخ عِزُّ الدِّينِ أوْحَدُ دَهْرِهِ ... وكذا السخاوي الرحيب النادي وكَذا أبو عَمْرِو الإمامُ وشَيْخُنا الـ ... حبر الخطيب ملقب بعماد وكَذا شِهابُ الدِّينِ شَيْخٌ بارعٌ ... في كل علم ثابت الأطواد وكَذاكَ (مُحْيي الدِّينِ) فاقَ بِزُهْدِه ... وبفقهه الفقها مع الزهاد القانِتُ الأوَّابُ والحَبْرُ الذي ... نصر الشريعة دائماً بجهاد/ [٥٠]

стр. 124

تَبْكِيهِ دارٌ للحَدِيثِ وأَهْلُها ... لخلوها من فضله المعتاد لَمْ يَبْقَ بَعْدَكَ للصُّحيحِ مُعَرِّفٌ ... قد كنت فيه جهبذ النقاد مَنْ ذا يُبَيِّنُ مُرْسَلاً مِن مُسْنَدٍ ... أو من حيث عد في الأفراد أوْ كانَ مَقْطوعاً ضَعِيفاً مُعْضَلًا ... أو كان موضوعاً لذي إلحاد أوْ مَنْ يُبَيِّنُ مُنْكَراً في مَتْنِهِ ... أو من يعرف علة الإسناد مَنْ ذا لِدَفْع المُنْكَراتِ وقَدْ غَدَتْ ... بين الأنام كثيرة الترداد أَنْهَكْتَ جِسْمَكَ بالصِّيام مُواظِباً ... وسهرت غير ممتع برقاد تشْفي النفوسَ إذا أجَبْتَ سُؤالَ مَن ... يلقي عليك دقائق الإيراد وزَهَدْتَ في الدُنْيا وفي لَذاتِها ... فكتبت عند الله في الزهاد تَبْكِيهِ جامِعُ جِلَّقٍ لَما خَلا ... منه تهجده على الآباد يا حَبذا تِلكَ الخلائِقُ والنُّهَى ... ما كان أبردها على الأكباد ونَصَرْتَ دينَ اللهِ وَحْدَكَ جَاهِداً ... ودفعت عنه شبهة المراد (١) حَتى حَصَلْتَ على عُلوم جَمةٍ ... ونشرت أخبار النبي الهادي بالواضِحاتِ مِن الأدِلةِ جُلُّها ... نص القرآن بذهنك الوقاد [٥١] أوحِشْتِ جِلَّقُ إذ فَقَدْتِ وَأَهلها ... من بعد أنس خالص ووداد/ تَبْكيهِ صَحْبٌ كانَ يَجْمَعُ شَمْلَهُم ... فيه بشرح شارح لفؤاد يا حَبذا مِنْ مُسْتَشارٍ ناصِحٍ ... بمشورة تأتي بكل رشاد قَدْ كُنْتَ عَيْناً للبلادِ وأهْلِها ... تسقي بك الأرضون عند جماد قَدْ كُنْتَ نوراً للْبَلادِ وأَهْلِها ... قد عاد بعدك مبدلاً بسواد فَبَكَيْتُهُ لَما ثَوى بِثَرَى (نَوَى) ... ونأى فقد أصمى صميم فؤاد فَلَقَدْ سُلِبْناهُ وبُدِّلَ قُرْبُه ... لما حواه لحده ببعاد قَدْ كَان تُسْلِيْنا مَجِالِسُ عِلْمِهِ ... عن سالف الآباء والأجداد أَتُرَى تَعُودُ لَنا لَيالِي أُنْسِكُم ... هيهات لكن ذاك يوم معادي

стр. 125

حُقَّ البُكاءُ على الأنامِ لِفَقْدِهِم ... حُزْناً وحُقَّ تَفَتتُ الأكْبادِ تَرَكُوا مَنازِلَهُم وسَارُوا سُرْعَةً ... تَتْرى كَأنَّهُم حَدَاهُم حادِي غَدَتِ المَنونُ عليْهِمُ فتَتابَعوا ... فكأنَّما كانوا على مِيْعادِ ماذا أؤمِّلُ بَعْدَهم مِن لَذَّةٍ ... تَبْقى وهُمْ كانوا جَميعَ فُؤادِي [يا صائِراً هذا المَصيرَ أَلا اسْتَفِقْ ... مِنْ غَفْلَةٍ تُرْدِي وطُولِ رُقادِ] (١) واعْمَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ سُكْناكَ الثَّرَى ... وتَصِيرَ في لَحْدٍ مِن الألْحادِ لا تستطيعُ إذاً لِنَفْسِكَ حِيْلَةً ... واحْذَرْ إِلهَكَ فهْوَ بالمِرْصادِ ما النَّاسُ إلا غافِلونَ عِنِ الهُدى ... في هذهِ الدُنْيا سِوى الزُّهادِ/ [٥٢] يا رَبِّ فاجْبُرْ كَسْرَها فيمَنْ مَضَى ... مِنْهُم وأيْقِظْنا للاسْتِعْدادِ واختِمْ لنا بالخَيْرِ عنْدَ مَماتِنا ... أنْتَ الكَريمُ ومَلْجأ القُصَّادِ والحَمْدُ للهِ المُهَيْمِنِ دَائماً ... ثُمَّ الصَّلاةُ على النَّبيِّ الهَادِي والآلِ والأصْحابِ ثُمَّ سَلامُهُ ... ما غَرَّدَتْ وُرْقٌ على الأعْوادِ (٢) وقال الأديبُ الفاضلُ المحدِّثُ أبو الحسن عليُّ بن المظفر بن إبراهيم الكِنْديُّ (٣)، يرثي شَيْخَنا الإمامَ العلاَّمَةَ الحافظَ المُفْتي الزاهدَ الورعَ أنموذجَ الطِّرازِ الأوَّل، محيي الدين يحيى النواوي الشافعي ﵁، متقرباً بذلك إلى الله : لَهْفِي عَلَيْهِ سَيِّداً وحَصُورا (٤) ... سَنَداً لأعلامِ الهُدَى وظَهِيرا

стр. 126

ومُجاهِداً ومُجاهِراً في اللهِ لا ... يخشى مليكاً قاهراً وأميرا ومُشَيداً رُكْنَ الشَّريعَةِ ناصِحاً ... بالباقيات الصالحات مشيرا ما إنْ يُبالي راح مَعْذولاً إذا ... نصح الورى لله أو معذورا عَفٌّ عَنِ الدُّنْيا وكَمْ عَرَضَتْ لهُ ... حلا فأولاها قلى (١) ونفورا لَمْ يُصْبحِ الوَرِقُ (٢) المُزَخْرَفُ رائِقاً ... يوماً لدينه ولا النُّضارُ نضيرا [٥٣] هَجَرَ الكَرَى والطِّيِّباتِ تَوَرُّعاً ... إذ قام ديجوراً وصام هجيرا/ ما زالَ بِرُّ الوالِدَيْن شِعارَهُ ... مذ أوتي الحكم المبين صغيرا أحْيا شَريعَةَ أَحْمَدِ وأَفاضَها (٣) ... فأفادنا نشراً لها ونُشُورا يُفْتي فَيَفْتِنُ كُل حَبْرِ عِلْمُهُ ... مع أنه يهدي الهدى والنُّورا ما ماتَ (يَحْيىَ) إِنَّما جَبَلٌ هَوَى ... فأخاف ذلك يذبُلاً وثبيراً (٤) ما غاب عنهُ عالِمٌ بَلْ عالَمٌ ... كانت به التقوى أعزَّ نفيرا إِن المَدارِسَ (٥) وَحْشَةً لِفِراقِهِ ... أضحت دوارس لا تبين دثورا (٦) وكذا المَساجِدُ بالمصابِيح انْثنتْ ... تبدي عليه حرقةً وزفيرا يا مَنْ رَآه وهْوَ حَيٌّ لَوْ تَرى ... بعد الممات العالم النِّحريرا لَرَأيْتَ ثَمَّ مُسَوَّغاً ومُسَوَّراً (٧) ... لاقى حياءً وافراً وحُبُورا ذاكَ الشُّحوبُ مِن العِبادَة والأسَى ... في الله صارت (٨) نضرةً سرورا

стр. 127

تِلْكَ الزَّوايا والثِّيابُ الخُشْنُ قَدْ ... عادَتْ (١) عليهِ جَنَّةً وحَرِيرا آهاً على الأوَّاهِ والأوَّابِ مِن ... صِدْقِ المَقالِ لِنَفْسِهِ هِجِّيرى والطَّاهِرِ الأعْراضِ والأغْراضِ لا ... يُبْدي رِياءً للأنامِ وزُورا مَنْ كانَ يُسْتَسْقى (٢) بيُمْنِ دُعائِهِ ... صَوْبُ الغَمامِ فَيَسْتَجيبُ مَطيرا ودَرَيئةٌ عندَ الحَوادِثِ تَتَّقِي ... [عندَ المُلوكِ بها الوَرَى المَحْذورا] (٣) [ضَمتْ (نوى) الجولانِ مِن أخلاقِهِ] (٤) ... نوءاً إذا ضَنَّ السَّحابُ غَزيرا/ [٥٤] فالخصْبُ حالَفَ أَرْضَها حتى كأ ... نَّ الجَدْبَ عَنْها لَمْ يَكُنْ مَشْهورا وتَقَدَّسَتْ بقُدُومِهِ مِنْ قُدْسِهِ ... فِيها فبُورِكَ طاهِراً وطَهُورا (٥) ورثاه الشيخُ الفاضلُ أبو [محَمَّد] (٦) إسماعيلُ البُسطي ﵁، وتوفي ﵀ بعد وفاة الشيخ بأربعة وعشرين يوماً، ودُفِنَ مِن يومه بدمشق (٧): رزِيَّةُ (مُحْيي الدين) قد عَمَّتِ الوَرَى ... فلَسْتَ تَرَى إلَّا حَزيناً مُفَكِّرا فَطالِبُهُمْ لِلْعِلْمِ يَبْكِي لِفَقْده ... وجاهِلُهُمْ يَبْكي لعُرْفٍ تَنَكُّرا عَزيزٌ عليْنا فَقْدُهُ وفِراقُهُ ... ولكِنْ هِيَ الآجالُ لَنْ تتأخَّرا فَيَا زَوْرَةً قَدْ أَوْرَثَتْنَا تَحَيُّرا ... كَمَا أَوْرَثَتْهُ في الجِنانِ تبَخْتُرا لَقدْ عَطَّلَتْ مِنا دُروساً عَزيزَةً ... كَمَا عَطَّلَتْ أَوْراقَهُ والمَحابِرا وكُنَّا كَعِقْدٍ وهْو واسِطَةُ الضيا ... فَلَمَّا انْجَلى ذاكَ الضِّياءُ تَنَاثَرا

стр. 128

وكانَ كَبَدْرٍ نحْنُ هالَةُ أفْقِهِ ... فلما دنا منه الأفول تغيرا وعاش الذي قَدْ عاش وهُو مُجاهِدٌ ... فلما أتاه الموت مات مهاجرا وفي رابعِ العِشْرينَ مِن رَجَب سَرَى ... إلى الله يا بشراه ذكراً مُعَطَّرا [٥٥] نوى سِتْرَهُ بعدَ المَماتِ تَواضُعاً ... فسار (نوى) حتى ثوى متسترا/ وَبرَّ أباه إِذ فَداه بِروحِهِ ... فيا حبذا براً لديه موفرا تَواضَعَ عِنْدَ المَوْتِ فازْدادَ رِفْعَةً ... ونودي له بعد الصلاة كما جرى وقاضي قُضاةٍ (١) المُسْلِمينَ سَعَى لهُ ... إلى قبره بعد الممات وكبرا فتاويهِ كانتْ تُسْتَفادُ بفِعْلِهِ ... فأوجب ذاك الحكم أن لا تكثرا خَمِيْصُ الحَشَا (٢) مِمَّا بهِ مِن قَنَاعَةٍ ... ولكنه ملآن دُرّاً وجوهراً ذَليلٌ سَاوَى المؤمِنينَ بِليْنِهِ ... عزيزٌ إذا ما الشرع يوما تكدرا تَحَلَّى قَميصَ العِلْمِ مِن فَضْلِ رَبهِ ... فما كان يخفيه بمصقوله ترى فَيا عاتِبيهِ في رَثاثَةِ طِمْرِهِ (٣) ... فعند صباح القوم يستحمد السرى (٤) لقدْ شَرَحَ "التنبيهَ" شَرْحاً مُهذَّباً ... وبينهُ للطالبين وفسراً وأَوْضَحَ فيه -قدَّس الله رُوحَه- ... بحسن عباراتٍ وزاد وكثرا وكَمْ مُشْكِلاتِ عُجمَتْ فأَزالَهَا ... بحسن بيان لا حجاج ولا مرا ولا خاصَمَ الأقرانَ يومَ جِدالِهِ ... ولا دق كما قط يوماً على الثرى قَديرٌ على شَرْح الكِتابِ بسُرْعَةٍ ... ويشرح في سطرين إن شئت أشهرا تَصَدَّى لِنَقْلِ اَلعِلْم منهُ تبَرُّعاً ... وكان ثواب الله أوفى وأوفرا [٥٦] وما زالَ في دارِ الحَديثِ مُقامُهُ ... فسار إلى دار المقام لينظرا/

стр. 129

(رواحِيَّة) كانت مَحَلَّ دروسِهِ ... فراح إلى روح النعيم بما قرا (١) فهذا هُو الفَضْلُ المُبينُ حَقيقةً ... وإن كنت في وصفي له لمقصرا سَلامٌ على تِلْكَ المَقابِرِ مِن (نوى) ... لقد جاورت مسكاً ونداً وعنبرا ويا قَبْرَهُ يَهْنيكَ ما حُزْتَ مِنْ تُقَى ... ومن ورع مرض وفقهاً محبراً سُقيتَ الحَيا ما دامَتِ الأرض فمَسْجداً ... وما تليت ﴿إنا وجدنه صابراً﴾ (٢) جَزَاهُ إِلهِي في الجِنانِ مَساكِنا ... ورضوانه منه عليه له قرا ورَثاهُ تِلميذُه الفقيه المقريء أبو العباس أحمد الضرير الواسطي (٣) الملقَّب بالجلال: لقَدْ ذَهبَ الحَبْرُ الجَليلُ الموفَّقُ ... وعدنا حيارى والدموع تدفق على رَجُلٍ ما في البَرِيَّة مِثْلُهُ ... فيا عجباً من ذا يجاري ويلحق بِزُهْدٍ وإِحْسانٍ وعِلْم ورأفَةٍ ... وأمر بمعروف وبالحق ينطق ولَمْ تَرْدَعَنْهُ في الإِله مَخافَةٌ ... ولم يخش من خلق لعمري ويفرق لِوَجْهِ إِلهِ العَرْشِ قَدْ كانَ فِعْلُهُ ... [وقد] (٤) كان ذا قلب من الله يشفق ولكِنَّهُ قَدْ أَتْعَبَ النَّاسَ بَعْدَهُ ... بما قد رأوا منه فذاك محقق فمَنْ لِعُلومِ الشَّرْعِ بعْدَكَ مُوضِحٌ ... لطالبها أنى لها من يحقق / [٥٧] ومَنْ لامْرِيءِ تَبْغي الفَتاوى تَخلُّصاً ... ويجمع شملاً فالصحاب تفرقوا ويا أَسَفَى ضاعَتْ عُلومٌ كَثيرةٌ ... لفقدك (محيي الدين) إني مصدق فأسْألُ رَبَّ العَرْشِ يُؤْويكَ جَنَّةً ... تخلد فيها بالنعيم وترزق ورثاهُ بعضُ الإِخوانِ أَيْضاً (٥):

стр. 130

شُؤونَ دَمْعيَ لَيْس الصَّبْرُ مِن شاني ... سُحِّي (١) أَسىً لا تَشُحِّي (٢) بالدم القاني يا صاح لَنْ تَنْصَحَ العَيْنانِ رَبَّهما ... إِنْ لَمْ يَقْض مِنْهُما في الحُزْنِ عَيْنانِ مَن ذا يَقارِبُني فى الحُزْنِ بعدَكَ (محـ ... يي الدين) فالسقْمُ أصْماني وأَضْناني والحُزْنُ ماتِحُ (٣) تأموري (٤) ومانِحُهُ ... إِنْسَانُ عَيْني والأحْواضُ أَجْفاني أما كَفاني بِتَبْريحٍ الفِراقِ وما ... كابَدْتُهُ مِن صَباباتي وأشْجاني حَتَّى رُميتُ بِرُزْءٍ فتَّ في كَبِدي ... وخانَني جَلَدي فيه وسُلْواني فَلي هُنالِكَ صَعْقَاتُ الكَليع لدَكْ ... كِ الطُّورِ أَعْني بهِ موسى بنَ عِمْرانِ فلا لعاً (٥) لكَ يا ناعي لعلكَ لم ... تَكُنْ على ثقةٍ مِنْهُ وإِيقانِ لَمْ تَدْرِ وَيْحَكَ مَن تَنْعَى نَعَيْتَ لنا ... بَحْراً حَوا غَايَتَي عِلْمٍ وِإحْسانِ نَعَيْتَ بَدْرَ تَمام يُسْتَضاءُ بهِ ... لمْ يَرْمِهِ دَهْره يَوْماً بنُقْصانِ [٥٨]، لقَدْ وُترْتُ إِماماً عالماً وَرِعاً ... أَعْدَدْته للزَّمانِ الجائِرِ اَلجَاني/ وارحمتا للعلوم بعدَ مَصْرَعِهِ ... فكَمْ لها مِن كآباتٍ وأَحْزانِ! لَهْفي عليهِ لقدْ كانَتْ خَلائِقُهُ ... مَجْبولَةً فيهِ مِن زُهْدٍ وإِيْمانِ إِنْ تَنْقَطِعْ مِنْهُ أَسْبابُ الرَّجاءِ فَلِي ... حُزْنٌ أعانيهِ ما كَرَّ الجَديدانِ لَمْ أَدْعُ صَبْريَ إِلا صُدَّ مُنْهَزِماً ... والدَّمْعُ لم أَدْعُهُ إِلَّا ولَبَّاني سَقْياً لتُرْبَةِ قَبْرٍ ضَمَّهُ فَلَقَد ... ضَمَّ العِظامَ العظامَ القَدْر والشَّانِ أصْبَحْتُ مِن بعد كالطَيْرِ يلْتَمِسُ الن ... هوض أَنى وقَدْ هِيضَ (٦) الجَناحانِ يا لائِمي إِنَّ قَلْبي عنكَ في شُغُلٍ ... دع الملامَ فما للصَّبِّ (٧) قَلْبانِ

стр. 131

فَقَدْ سَقَتْني كُؤوسُ الحُزْنِ فادِحَةً ... للنار قادحة في قلبي العاني إِنَّ الاَمامَ الذي في التُّرْب خُطَّ لهُ ... لَحْدٌ وإن عجَّ عن أهل وأوطان مِنْ قَبْلِهِ ما رأَيْنا العِلْمُ منْدَرِجاً ... والزهد والمجد في أثناء أكفان أَحيا الشَّرائِعَ والأَحْكام حيثُ له ... بشرعة المصطفى علم بتبيان نَفْسِي تَطيرُ شَعاعاً مِنْ تَذَكُّرِهِ ... والسقم منتشر فى طي جثماني آهاً لها لوعةً في القَلْبِ مُصْعِدةً ... تنفس الروح عن لفحات نيران كَمْ يَخْفِقُ القَلْبُ مِني حينَ أَذْكُرُهُ ... فلست أنسى أخاً ما كان ينساني سَقْياً ورَعْياً لِقَبْرٍ هِيْلَ فيهِ على ... غصنٍ نضير بماء العلم ريان / [٥٩] يَرْتاحُ قَلْبي لَقَبْرٍ في (نوى) فلَقَدْ ... عيلت إليه صباباتي وأشجاني سُبْحانَ مَنْ بِنَعيمِ الخُلْدِ نَعَّمَهُ ... وبالأسى بعده والبث أشقاني الموْتُ أَرْوَحُ مِن رَوْحِ الحَياةِ ولا ... أقول إنهما من بعده سيان خَطْبٌ تَرَفَّعَ عَنْ شَق الجُيوبِ لهُ ... فقد شققت حياتي دون قمصان خَطْبٌ أَفاضَ فلا أَهْلاً بِمَقْدَمِهِ ... علي جلباب حزن منه غثاني الحمدُ للهِ هذا مِن مَقادرِهِ ... فكل حي عليها هالك فاني لَوْ رَدَّ عنه الرَّدَى باسٌ لَبَادرَهُ ... أسدٌ تبادر من شيب وشبان لكِنَّهُ المَوْتُ غَلَّاب بِكَرَّتِه ... لكل أغلب (١) من إنس ومن جان يا مَنْ بهِ يُقْتَدى في كُل مُشْكِلَةٍ ... وما له في علو الشأن من ثاني مَلأتَ قَلْبِيَ حُزْناً لا تُقادُ لهُ ... من بعد فقدك والتسهيد يغشاني قَدْ ساوَرَتْنيَ أفْكارٌ مُبَرِّحَةٌ ... حتى لقد هدمت صبري وجثماني والعَيْنُ باكِيَةٌ بالدَّمْعِ جارَيَةٌ ... وعنك يا سيدي قد عز سلواني أفْضى أَخُونا لِما أَفْضى النَّبِيُّ لَهُ ... وصاحباه وصنواه الشهيدان فأَسْألُ اللهَ رَبِّي أنْ يُبَشِّرَهُ ... برحمة أبداً منه ورضوان

стр. 132

[٦٠] مِني السلامُ عليهِ كُلما سَجَعَتْ ... قُمْرِيةٌ (١) هَتَفَتْ مِن فَوْقِ أغْصانِ/ ورثاه بعض المحبين أيضاً (٢): وجَدَتْ عليكَ [شَريعَةُ] (٣) الإِسلام ... أسَفاً يُلازِمُها مَدى الأيامِ واسْتَوْدَعَتْ منكَ الرعيةُ في الثرى ... كَهْفَ الأرامِلِ كافِلَ الأيْتامِ ولَقَدْ حَكَمْتَ فكانَ حُكْمُكَ قائماً ... فينا بأمْرِ اللهِ خيرَ قِيامِ تاللهِ ما أخَذَتْكَ لَوْمَةُ لائِم ... في اللهِ حالَ النَّقْضِ والإبرام أعطاكَ رَبُّكَ في كِلا الدارَيْنِ مِن ... قَسْم السعَادةِ أوْفَرَ الأقْسامِ ولَقَدْ حَماكَ مِن النقائِصِ كُلها ... إذْ كُنتَ عنْ شَرْع النبي تُحامِي وسلامَةُ الدُنْيا دليلُ سَلامَةِ الـ ... أخْرَى مِن التبِعاتِ والآثام عَجَبِي لِقَبْرِكَ كَيْفَ لَمْ يَنْهَر لهُ ... لَحْدٌ وفيهِ بَحْرُ عِلْم طامِي (٤) لَكَ رُتْبَة ٌكَمْ رامَها كُفْؤٌ لها ... فَتَمَنعَتْ وغَلَتْ على المُسْتام ما بالُ دمْعِيَ بعْدَ فَقْدِكَ خَانَني ... حتى المَدامِعُ ما وفَتْ بذِمامي (٥) أَيْنَ الوفاءُ وما العيونُ قَريحَةٌ ... لما فُقِدْتَ ولا الجُفونُ دوامي أسِفي عليكَ ولو وجَدْتُ وسيلَةً ... تُدْني حِمَاميَ ما كَرِهْتُ حِمامي أما المَدارِسُ فاسْتَمَرَّ ظَلامُها ... إِذْ غابَ عَنْها منكَ بَدْرُ تَمام [٦١] وكَذا المَسائِلُ عادَ حُسْنُ وُضوحها ... في غايَةِ الإشكالِ والإبهامِ/ ولَقَدْ رَدَدْتَ على الأجانِب حَقَّهُم ... وأخَذْتَ حَقَّا مِن ذَوي الأرْحامِ حُكْمٌ تَنَزه أنْ يُخالِطَهُ الهوى ... إِنَّ الهَوى إِلْبٌ على الحُكَّامِ ما كانَ ما أَعْطَيْتَهُ وسَلَبْتَهُ ... إِلا كَطَيْفٍ زائِرٍ بِمَنامِ

стр. 133

حَذَاراً فَوي الأرْحامِ أَنْ يَعْتاقَكُم ... عَنْ رُشْدِكُم حُلُم مِن الأحْلامِ وأرَى حَقيقةَ عَيْشِهِ كَمَجازها ... ما أَشْبَهَ الإِيجادِ بالإِعدامِ! مَوْلايَ (مُحْيي الدينِ) كَم أَوْلَيْتَ مِن ... نِعَمِ تَعُمُّ العالَمينَ حُسامِ بالرُّغْمِ مِنا أَنْ يَكونَ مُحَجباً ... في التُّرْبِ تحْتَ صفائِحٍ ورُغامِ حَسْبُ المَنايا اُّنهُنَّ فَجَعْنَنا ... في شَيْخِنا ودِعامَةِ الإسْلام قَد رُجتِ الأرْضُ الفضاءُ لِفَقْدهِ ... وتزَعْزَعَتْ برواسيَ الأعْلامِ لو أنهُ يُفْدَى لقَلَّ لهُ الفِدا ... بالناسِ والَأمْوالِ والأنْعامِ إِنْ كانَ قدْ عَلِقَتْهُ أشْراكُ الرَّدَى ... مِن بَعْدِ عِلْمِ نافِذِ الأحْكامِ فلَهُ بأرْبابِ الخِلافَةِ أسْوَةٌ ... وأئِمَّةِ الإِسْلامِ والحُكامِ أيْنَ القُرونُ السالفونَ و (مالِكٌ) ... و (سَريّ) و (الشِّبْلِي) و (البِسطامي) أينَ المُعَمرُ ألفَ عام صاحِبُ الـ ... ـفُلْكِ المُداب بفُلْكِهِ العَوَّام حَتى نَجا ومِن المنيةِ مَا نَجا ... مِنْ بَعْدِ طولِ العُمْرِ والأعْوامِ/ [٦٢] أينَ المُعَمرُ عُمْرَ سَبْعَةِ أَنْسُرِ ... أَيْنَ (الخَليلُ) مُكَسرُ الأصْنامِ أيْنَ (الكَليمُ) المُسْتَجابُ دُعاؤهُ ... بالشامِ حينَ دَعا على (بَلْعام) أيْن النبيُّ (مُحَمدُ) الهادي إلى ... سُبُلِ الهُدَى وحُلولِ دارِ مُقامِ (١) لا يُبعِدَنْكَ اللهُ يا شَيْخَ الوَرَى ... وسَقَى ضَرِيْحَكَ كُل غَيْثِ هامِي يا خَيْرَ مَن فُجِعَ الأنامُ بفَقْده ... بعْدَ النبي وبَعْدَ كُل إِمام (١) حاشاكَ تُصْبحُ ضِمْنَ لَحْدِ ضَيِّقٍ ... مِنْ بَعْدِ وُسْعِ مَدارِسٍ لِقيامِ إِنْ كانَ عاجَلَكَ القَضاءُ وصُرِّمَتْ ... مِنْ عُمْرِكَ الأعَوامُ بالأيامِ فَلَقَدْ تَرَكْتَ العَيْنَ بَعْدَكَ ثَرَّة (٢) ... تَبْكِي لِفَقْدِكَ والقُلوبُ دوامي حَيثْ ثَراكَ سَحَائِبٌ هَطَّالَةٌ ... مَصْحُوبَةٌ بِتَحِيةِ وسَلامِ (١)

стр. 134

وإِذا الحَياءُ أَتَتْكَ مِنْهُ تَحِيةٌ ... في كُلِّ شَهْرٍ مرةً أوْ عامِ فَعَلَيْكَ مِنِّي كُل يَوْمٍ رَحْمَةٌ ... أَدْعو بها وتَحِيتِي وسَلامي وقالَ المهذبُ عمرو بن عليّ الزَّرْعِي (١) يَرْثيهِ: أيُّ عُذْرٍ لِمُقْلَةٍ غَيْرِ عَبْرى ... بَعْدَ (يَحيْى) ومُهْجَةِ غَيْرِ حَرى غاصَ بَحْرُ العُلوم بَعْدَ عُباب ... ثُم أضْحَى بعدَ العُذوبَةِ بَحْرا (٢) [٦٣] أيْنَ عِلْمُ (يَحيْىَ) إِذاَ ماتَ (يَحْيىَ) ... وحَديثٌ على المَنابرِ يُقْرا/ وعَهِدْتُ الدِّيارَ [يُبْكَى] (٣) عليها ... حينَ تَضْحَى مِن الأَحِبةِ قَفْرا ولَدارُ الحَديثِ تَبْكي عليهِ ... حِيْنَ أضْحَتْ مِن البَلاغَةِ صِفْرا عُطِّلَتْ بَعْدَهُ المَدارِسُ طُرّاً ... مَنْ جَوادِ في حَلْبَةِ الدَّرْسِ أحْرا يُفْحِمُ الخَصْمَ في الجِدالِ بِبَحْثٍ ... يَذَرُ اللوْذَعي (٤) بالغَيِّ مُغْرى لا يَشوبُ الجِدالَ منهُ بلفْظٍ ... غيرِ فقهٍ وليسَ يَنْطِقُ هُجْرا (٥) فَقَضى نَحْبَهُ وعاشَ حَميدًا ... رَبَّ فَضْلِ مِن كُلِّ عَيْب مُبرَّا زاهِداً في نَعيمِ دنْياهُ حَتَّى ... يَتَقاضاهُ مِن نَعيم الَأخْرى تَرَكَ الطيِّباتِ في هذهِ الدُّنْ ... ـيا ولَذاتِها لِيُحرِزَ أجْرا وغَدا قانِعاً بأيْسَرِ قُوتٍ ... وهُو عِنْدَ الأنام أعْظَمُ قَدْرا وعَصَى النفْسَ في طِلاب هَواها ... وأطاعَ الإلهَ سَرّاً وجَهْرا يَنْصُرُ الحَق في المَحَافِلِ إِذ ... لا يَسْتَطيعُ الأنامُ للحَقِّ نَصْرا فِبِحَقٍّ تَبْكي العُيونُ عَلَيْهِ ... بِدِماءٍ وتَنْثُرُ الدمْعَ نَثْرا فَلَقَدْ أَوْحَشَ المَجالِسَ مِنْهُ ... صَدْرُهَا الحَبْرُ حيْنَ آنسَ قَبْرا

стр. 135

كُنْتَ للعِلْمِ يا (أبا زٌكَريّا) ... وعاءً وللنوائِبِ [الحادثات] (١) ذُخْرا عالِماً عامِلًا وكَمْ رَبِّ عِلْم ... يَعِظُ النَّاسَ وهُو بالوَعْظِ أَحْرى/ [٦٤] كُنْتَ للناسِ في المُلِمَّاتِ ذُخْراً ... أعْظَمَ اللهُ فيكَ للناسِ أجْرا وسَقَتْ قَبْرَكَ السحائِبُ مِمَّا ... وَسَقَتْ مِن بِحارِ ذي العَرْشِ قَطْرا لِتَفوحَ الرِّياضُ حَوْلَكَ طِيْبا ... مِثْلَ ما فاحَ طِيْبُ ذِكْرِكَ عِطْرا ورثاه الحُسين بن صدقة الموصلي (٢) -عفا الله عنه-: خَطْبٌ ألَم وهَتْ لَهُ الأصْلادُ (٣) ... وتَفَطَّرَتْ بهُجومِهِ الأطْوادُ وهَمَتْ عُيونُ أوْلي النُّهَى بمَدامعٍ ... مُنْهَلَّةٍ وتَصَدَّعَتْ أكْبادُ هذا أوانُ المَوْتِ فِيما بَيْنَنَا ... مُتَخَيِّرٌ فكأنهُ نَقَّادُ ذَهبَ الإِمامُ العالِمُ الحَبْرُ الذي ... كانَتْ تُحَصِّلُ نَفْعَهُ العُبادُ تَبْكِيكَ يا (يَحْيى) الفَتَاوى دَائِماً ... والسُّنَّةُ البَيْضاءُ والإِسنادُ يا أيُّها الناعِي إِلَيْنا سَيِّداً ... فيهِ جِدالٌ باهِرٌ وجِلادُ مَنْ للمَسائِلِ بعْدَهُ إِنْ أَشْكَلَتْ ... وبِمَنْ سِواهُ يَقْتَدي الزُّهَّادُ ما زالَ بالمَعْروفِ فِيْنا آمِراً ... ولَنا بنورِ عُلومِهِ إِرْشادُ يا (مُحْيى الدِّينِ) الحَنيفِ سقا ثرىً ... واراكَ مِن كَرَمِ الإِلهِ عِهَادُ (٤) وأَباحَكَ الحُسْنَى وحُسْنَ جِوارِهِ ... مَعَ أهْلِهِ وزِيادةً تُزْدادُ/ ورثاه بعضُ المحبِّين أَيضاً (٥) /: [٦٥]

стр. 136

حبيب نعاك فَقَلْبُهُ مَقْرُوحُ ... وبكى عليك فدمعه مسفوح وغَدَا يُعَفِّرُ خَدَّهُ بِمَدَامِعِ ... تجري عليك دماً وأنت طريح أَتُرَاكَ يا قَمَراً تَحَجبُ بالثرَى ... وجماله تحت التراب يلوح شاهَدْتُ بَعْدَكَ حَالَ مَن فارقْتَهُ ... أنت الحياة له وأنت الروح مُتَوَجِّعَ الأحْشاء بَرَّحَ حُزْنَهُ ... [أسفٌ] (١) يؤجِّج وقده التبرج أمْسَى لَهُ قَلْبٌ كَليمٌ نارُهُ ... يصلى الخليل بها وأنت ذبيح ولَقَدْ رأيْتُكَ فَوْقَ أَعْوادِ الرَّدَى ... وأمامك التهليل والتسبيح والناسُ كالطُّوفانِ وهِيَ سَفِيْنَةٌ ... تجري بأدمعنا وشخصك نوح والكَوْنُ يَنْدِبُ ما أَصابَكَ سَهْمُهُ ... والجو يبكي والغمام ينوح وعَلَيْكَ قَدْ رَقَّ الصَّبَا فَنَسيمُهُ ... قلقٌ بقبرك يغتدي ويروح مُتَصَعدُ الأنْفاسِ إِلا أَنَّهُ ... بجميل وصفك بالعبير يفوح فالآنَ مَثْواكَ القُلوبُ وإِنْ يَكُنْ ... أخفاك عن نظر العيون ضريح حاشاكَ مِن بَعْدِ الوَقارِ بأنْ تُرَى ... ميتاً وأنت معفَّرٌ مطروح لا تُعْرِضَنْ عَنَّا بوَجْهكَ مُغْضَباً ... إن الوداد كما عهدت صحيح [٦٦] لَمْ يَبْقَ خِلٌّ نَاظِرَ أوْ سامِعٌ ... إلا عليك فؤاده مجروح/ وَيوَدُّ لَوْ جُعِلَتْ وِقاءَكَ نَفْسُهُ ... ودوام مجدك بالبقاء صريح ثُمَّ انْثَنَى أسِفَاَ يُرَدِّدُ شَجْوَهُ ... ودموعه فوق الخدود تسوح كَيْفَ التَّصَبُّرُ وهُو فِيْكَ مَلاَمَةٌ ... وبما التسلي وهو عنك قبيح أمْ كَيْفَ [أكْتُمُ] (٢) فيكَ فَرْطَ تَوَجُّعي ... وأخو الجوى (٣) بدموعه مفضوح لَوْ لَمْ يكُنْ جَارَ الحِمَى ما شَاقَني ... برقٌ يضيء بسفحه ويلوح

стр. 137

كَلا ولولا طِيْبُ ذِكْرِكَ ما حَلا ... ذكرٌ بسمعي رنده (١) والشيح (٢) فلأبْكِيَنكَ بالدِّماءِ إِذا قَضَى ... دمعي عليك صبابةً وأنوح ولَوِ ارْعَوَيْتُ (٣) شَرَحْتُ رُزْئي إِنما ... عندي [لمختصر] (٤) الخطوب شروح فَعَلَيْكَ رِضْوانُ الإِلهِ مُؤَبدا ... يهدي إليك وروحه والروح ورَثاهُ أيضاً بعض الإخوانِ (٥): سَيْفُ الحِمَامِ على البَرِيةِ مُنْتَضَى ... صبراً وتسليماً بما حكم القضا وأَحَقُّ مَا يَبْدَا اللبِيْبُ بنَفْسِهِ ... إن كان مما يدعي طلب الرضا وأَعَزُّ مَنْ يُبْكَى عليهِ تًأسُّفَاً ... محيي الشرائع نورة ملأ الفضا الزاهِدُ الوَرعُ التقِيُّ ومَنْ بهِ ... عز العزا كالمصطفى والمرتضى ما زَالَ يَقْضِي عُمْرَهُ بلَطَافةٍ ... من خلقه متفضلاً حتى قضى / [٦٧] أذَويهِ لا تَتَجَلدُوا لِمُلِمةٍ ... لو نالت الصخر الأصم ترضرضا لَوْ كانَ (مُحْيي الدِّينِ) (يَحيْىَ) يُفْتَدى ... لفديته بحشاشتي خوف القضا فعَلَيْكَ (مُحْيي الدًينِ) أَوْلَى مَا جَرى ... دمعٌ يفيض وفي الحشا جمر الغضا فَلِمَنْ أعَزِّي والعَزاءُ مُمَنَّعُ ... مني بخطب قد أمض وأمرضا لِلْعالِمينَ العامِلينَ ومَنْ بِهِمْ ... أرجو النجاة من التردي في لظا لكِنني أرْجُو بـ (يَحْيىَ) مِنْهُمُ (٦) ... غفران ربي من ذنوبي ما مضى

стр. 138

فاسْمَعْ فَرِيْدَ العَصْرِ أكْرَمَ سامعٍ ... قَوْلاً يُريكَ الحَقَّ أَبْلَجَ أبْيَضا قَدْ كانَ أقْرَضَكَ الإِلهُ عُلومَهُ ... في الدِّينِ فاسْتَوْفى الذي قَدْ أفْرَضا إِنْ كانَ (يَحْيىَ) قَدْ حَواهُ لَحْدُهُ ... فكذا الرسولُ وبَعْلُ (فاطِمَةَ) الرضى لِكِنَّ ذلكَ سُنَّةٌ مَحْكُومَةٌ ... بَيْنَ الأنام وذاكَ أُسْوَةُ مَنْ مَضى فَلِيَهْنِكَ البُشْرى بصَبْرِكَ والذي ... تَرْجُوهُ باَلصَّبْرِ الجَميلِ مُعَوَّضا يا سَيِّدي إِن الَرَّزِيةَ لمْ تَزَلْ ... بينَ الأنام على تَصارِيفِ القَضَا لَكنَّ مِثْلَ عَزائِنا في شَيْخِنا ... (يَحْيى) التقَي الزاهِدِ الندبِ الرضى هَلْ عَنْهُ مِن عِوَضِ يَقومُ مَقامَهُ ... هَيْهَاتَ أَنْ يُلْقَى لهُ مُتَعَوَّضَا [٦٨] وجَماعَةَ الإِخوانِ يَدْعو خُفْيَةً ... وتَضَرُّعاً وتَذَلُلاً وتَعَرُّضا/ والرَّبُّ مُطَّلِعٌ وقَدْ سَمِعَ النِّدا ... وأَفاضَ نُوراً ساطِعاً مَلأ الرُّبا فَسَقَى ثَرَى جَدَثٍ حَواهُ عارِضٌ ... ما مَرَّ بالأرَضينَ إلا رَوَّضا وسَما عَلَيْهِ بارِقٌ مِن رَحْمَةٍ ... لَمْ تَخْبُ نارٌ بالإِضا إلا أَضا أسَفِي عَلى مُحْيي العُلوم ونورِها ... ما زالَ صدْراً في العُلُوِّ مُعَرَّضا فلئنْ (١) قَضى وعَفَتْ مَراقِي اَلمَجْدِ مِنْ ... آثارهِ فالذِّكْرُ مِنْهُ ما انْقَضا مِنْ نَشْرِهِ عَبِقَ الوُجودُ وإِنَّهُ ... ذُخْرٌ لكُلِّ مُؤَملٍ يَرْجُو الرِّضى ورثَاهُ الفاضِلُ أبو محمد عبد الله الأندلسي ﵀ (٢): يا دَهْرُ أقْصِرْ فما أبْقَيْتَ مِنْ ثارِ ... كَمْ ذا تُجَرِّعُ أرْزاءً بتَكْرَارِ غَيَّبْتَ عَنْ دِيْنِنا مُحْيي مَعالِمِهِ ... فَأنْثر زينَتهُ مِن بَعْدِ إِظْهارِ يا فَجْعَةً نكأتْ قَرْحَ الجَوانحِ واسْـ ... ـتَدْمَتْ عُيونُ الوَرَى [مِن] (٣) خَطْبِها الطَّارِي

стр. 139

تَبْكِي وهَلْ يَنْفَعُ الثكْلى تَعَدُّدها ... أوْ هَلْ يَرُدُّ فقيداً دَمْعُها الجَاري مَن لِلحَديثِ ومَنْ للفِقْهِ بعدَكَ يا ... مَنْ كانَ يَدْحَضُ مَنْكوراً بإنْكارِ مَن لِلْمَعارِفِ مَنْ للعُرْفِ يُظْهِرُهُ ... بِحُسْنِ نُصْح وتَسْلِيكِ وإِعْذارِ مَنْ للزَّهادَةِ والنَّهْج القَويمِ ومَن ... للصَّوْم والنُّسكِ في حِلْم وإِيْثارِ أرْمَضْتَ عينَ عُلومِ كُنْتَ مُصْلِحَها ... فاليَوْمُ مَرْهاؤُها (١) تَبْكِيَ بإكْبارِ/ [٦٩] لله درّك كَمْ أحييتَ مِنْ رَمَقٍ ... بِحُسْنِ فَتْوَى وتَفْسيرِ وأَخْبارِ وكمْ عَذَلْتَ أخا جَهْلِ لمَعْذَلَةِ ... ورُضْتَ أَشْوَسَ (٢) هَذَّاراً (٣) بإنْذارِ فاليَوْمَ أضْحَى بَدِيُّ الفَضْلِ مُنْتَدِباً ... ومُعْلِمُ النَّفْعِ يَشْكو فَرْطَ إِضْرارِ وللدُّروسِ دروسٌ غَيْرُ مُرتَسَمٍ ... وإِنْسُها مِن تَلافي أنْسِها عارِ ما لي أرى المَوْتَ يَهْوى نَقْلَ صَفْوَتِنا ... عنَّا ويُلْحِقَ أخباراً بأخْبارِ كأنَّ بَيْنَهُمُ مِيعادَ مُجْتَمَعٍ ... أو اسْتَقَلُّوا قِلَىً في هذهِ الدَّارِ كأنَّهُم رَكْبُ سَبْقِ أُعْبِطوا نَفَلَاً ... فأُعْجِلوا عَنْ وَداِع الأهْلِ والجَارِ فَيَا لَها حَسْرَةً تَهْمِي الدُّموعُ لَها ... يَمْضِي الخِيارُ ويَبْقى عِبءُ أَوْزَارِ أعارَنا الدَّهْرُ مِنْهُم مَنْعَةً زَمَناً ... ثُمَّ اسْتَرَدَّ ولمْ نَظْفَرْ بأوْطارِ يا نَفْسُ نوحِي فَما لَلْمَوْتِ باقيةٌ ... لا بُدَّ حاديكِ يَوْماً خَلْفَهُم سارِ ولَيْسَ يُجْدِيكِ إِلا ما ادَّخَرْتِ فَبَا ... درِي قَبْلَ إِرْقالٍ (٤) وإِحْضارِ (٥) فإنْ تُعَزَّ يَعِزَّ الصَّبْرُ عَنْكَ وقَدْ ... يَلْقَى المُصابُ تَشَفيهِ بِتَذْكارِ لَقَدْ فَقَدْناكَ فَقْدَ القَلْبِ مُهْجَتَهُ ... والعَيْنِ رُؤيَتَها مِن بَعْدِ إبْصارِ وحَجبَ التربُ تِرْبَ الفَضْلِ واشْتَمَلَ الضـ ... ـريحُ مِنْكَ على كَنْزٍ وَأنْوارِ

стр. 140

[٧٠] فالله يُخْلِفُنا خَيْراً ويأجُرُنا ... إِلَيْكَ مَرْجِعُنا يا خَيْرَ غَفَّارِ/ وفي النبي لَنا وَعْظٌ وصُحْبتِهِ ... صَلَّى عَلَيْهِمْ إِلهٌ خالِقٌ بَارِي ورثاه الفاضل الأديب أبو محمد سليمان بن علي؛ عُرف بالعفيف التلِمْساني (١): نَعَمْ بَعْدَ (يَحْيىَ) مَعْهَدُ الفَضْلِ دارِسُ ... فما أنْصَفَتْ إِنْ لَمْ تنحْهُ المَدارِسُ في صَبْرُ مت عندي ويا حُزْنُ فَلْتَعِشْ ... فإن (النواوِي) قَدْ حَوَتْهُ النواوِسُ (٢) بَكَتْهُ مساعيهِ التي بَذَّت الألى ... سَعَوْا للعُلا في رَكضِهِمْ (٣) وهُو جالِسُ وناحَتْ عليهِ وُرْقُ أَوْراقِهِ وما ... لهَا مِنْ سِوى الأقلام قَصْبُ مُوايِسُ (٤) وأقْسِمُ ما نَفْسٌ بَكَتْهُ نَفِيْسَةٌ ... إذا لَمْ تُساعِدْها اَلدُّموعُ النَّفائِسُ تَلَهَّبَ قَلْبُ البَرْقِ والرَّعْدُ صارخٌ ... أَسَىَ ودموعُ الغادِياتِ بَواجِسُ (٥) وظَلّ وباتَ اللؤلُؤ الرَّطْبُ حاسِداً ... مَدامِعَ فيهِ درُّها مُتَجانِسُ ومَثْوَى الثُّرَيَّا فيهِ قَدْ حَسَدَ الثَّرَى ... فَماذا عَسَى فيهِ تَقولُ المَجالِسُ لَقَدْ كانَ يُحْيى الليلَ (يَحْيىَ) مُسَهُّدُ الـ ... جُفونِ وجَفْنُ النجْم في الأفْقِ ناعِسُ وَيطْوي (٦) على الدَّاءِ الدفينِ مِن الطوى (٧) ... أضَالِعَ ما فيها سِوى الذكْرَ هاجِسُ

стр. 141

وُيرْضِي جَليسَ الخَيْرِ مُمْتِعُ بَحْثِهِ ... فَينْقادُ للحَق المُماري (١) المُمارِسُ (٢) فإِنْ تَضْحَكِ الأخْرى سُروراً بمِثْلِهِ ... فوَجْهُكِ يا دُنْيا مِن الفَقْدِ عابِسُ وكُنْتِ به مِثْلَ العَروسِ فأصْبَحَتْ ... لَدَيْهِ مِن الحُوْرِ الحِسانِ عَرائِسُ/ [٧١] فللهِ غُصْنٌ بَعْدَما تَم زَهْرُهُ (٣) ... وأَيْنَعَ أَضْحَى رَطْبُهُ وهُو يابِسُ وبَدْرُ تَمام والبُدورُ مَتَى تَغِبْ ... تُرَجَّ وهذا مِنْهُ قَلْبِيَ آيِسُ فأُقْسِمُ ما النُّعْمَى بِها القَلْبُ ناعِمٌ ... عليهِ ولا البُؤسَى بها القلبُ بائِسُ [وهَيْهاتَ لو أنِّي صديقٌ وماتَ لَم ... أعِشْ بَعْدَهُ لما حَوَتْهُ الرَّوامِسُ (٤) فيا دهرُ هَلْ كانَتْ مَناياهُ أكْؤساً ... مُلِئْتَ بها سُكْراً فرأسُكَ ناكِسُ] (٥) ويا كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَهُ صارَ ليلَةً ... أمَا تَنْجَلِي بالصُّبْح مِنْكَ الحَنادِسُ (٦) لقدْ أجْفَلَتْ (٧) غُرُّ المسائِل بَعْدَهُ ... وعَهْدِي بِها مِنَ قَبْلُ وهِيَ أوانِسُ تُطارِدُ مِنْهُنَّ الشَّرودَ كأنها ... مَهاً تَدرِبْها (٨) بالقِسِي (٩) الفَوارِسُ ولو أَنهُ فِينا لعُدْنا وكُنَّسُ الـ ... جَواري (١٠) لَدَيْنا لا الظِّباءُ الكَوَانِسُ لهُ في رَسولِ الله والآلِ أُسْوَةٌ ... وأصْحابُهُ عنهُمْ تَقَرّى الفَرادسُ (١١)

стр. 142

أبَوْا أَنْ يَؤوبوا نَحْوَ دُنْيا دنيةٍ ... ملابسها يغرى بها وهو لابس وكانَتْ لَيالِيهِ كأيامِهِ سَنىً ... فأيامنا مثل الليالي دوامس (١) سَقَى عَهْدَهُ عَهْدٌ فإنا عِصابَةٌ ... مدامعها تسقي الذي الحزن غارس وكَيْفَ نُبَكِّيهِ ونَعْلَمُ أنهُ ... على ما إليه صار كان ينافس (٢) ورثاه تلميذه الفقيه الأديب الأمين سلطان إمام الرواحية (٣): بَكَتِ العُلومُ لِفَقْدِ مَن أَحْياها ... من بعد طول خمولها وخفاها [٧٢] ذَهبَتْ لمذْهبِهِ المذاهِبُ بعْدَما ... جلَّى مآخذها وشدَّ عراها/ وغَدَتْ مُوَدِّعة لهُ توديعَ مَن ... [قد] (٤) أقسمت أن لا ينال حباها أفَلَتْ (٥) شُموسُ سُعودِنا مِن بَعْدِهِ ... والعين فارقها الكرى (٦) وقلاها يا لَلرِّجالِ رَزيَّةً (٧) عَمَّت فَلا ... جبرٌ لها من ذا يطيق دوامها قد أظْلَمَ الأفُقُ المُنيرُ لِفَقْد مَن ... حاز الفضائل كلها وحواها أضْحَى على الأقْطارِ مِنْهُ وَحْشَةٌ ... حتى تشابه صبحها بمساها لله أيَّةُ حَسْرَةٍ أبْنا (٨) بِها ... إذ فارقت تلك النفوس شفاها السيدُ القوامُ والحَبْرُ الذي ... أعيت مناقبه لمن جاراها والناسِكُ القَوَّامُ ذاكَ (٩) المُقْتَدي ... بأئمةٍ في العلم طاب ثناها

стр. 143

يا مُحْيِياً للدِّينِ بَعْدَ إماتَةٍ ... ومؤيِّداً لشريعةٍ أسْماها يا آمِراً بالعُرْفِ يُرْضِي رَبَّهُ ... بُوِّئتَ مِن دَارِ النَّعِيمِ عُلاها يَبْكِيكَ ذا الليلُ البَهيمُ فطالَ ما ... قَدْ قُمْتَ فيهِ مُسَبِّحاً أوَّاها وكذاكَ صَوْمُكَ في الهَواجِرِ دائباً ... سَيَّانَ عندَكَ حَرُّها وشِتَاها يا زاهِداً نِلْتَ المَعالي والرِّضا ... يا عارِفاً عَيْبَ الدُّنا وفَنَاها أعْرَضْتَ عنها إذ أَتَتْكَ مُطيعَةً ... ورَغِبْتَ في أخْرى يَدُومُ بَقاها خَطَبَتْكَ حُورٌ في جِنانٍ زُينتْ ... لِقُدومِ نَفْسٍ قَدْ زَكا مَسْعاها/ [٧٣] أَلِجَنَّةِ الفِرْدَوْسِ بُشْرَى بالَّذي ... قَدْ حَلَّها طُوبَى لهُ سُكْناها فالسُّنّةُ الغَرَّاءُ تَبْكِي فَقْدَهُ ... إذْ مِنْ أَغاليطِ الرُّواةِ حَماها وكَذاكَ مَذهْبُ ابنِ إدْريسَ الذي ... فاقَ الأئمَّةَ سُؤدَداً فَعَلاها فاليَوْمَ بُنْيانُ القَواعِدِ قَدْ هَوى ... مِنْ بَعْدِ تَشْييدٍ وحُسْنِ بِناها مَنْ للمسائِلِ كاشِفاً عَنْ سِرِّها ... إذْ أعْضَلَتْ وتَعَسَّرَتْ فَتْواها قدْ كُنْتَ توضِحُها بلَفْظٍ موجَزٍ ... فيَطيبُ مِنْكَ جُدَّادها (١) وجَنَاها وإذا تَحِلُّ بنا النَّوازِلُ مَنْ لَنا ... في رَفْعِها عَنَّا وحَلِّ عُراها أَمْ مَنْ تُرَضِّيهِ لدَفْعِ كَريهَةِ ... يَوْماً إذا ما عَمَّنا بَلْواها قَدْ كُنْتَ (مُحيي الدين) حِصْناً مانِعاً ... عَنَّا فَوا أسَفا عليكَ وآها فَلَقَدْ غَدَوْتَ مُكَرَّماً في صُحْبَةٍ ... كانَتْ نُفوسُهُمُ لَدَيْكَ سَفاها فالآنَ شُتِّتَ شَمْلُهُم وتَفَرَّقوا ... حَيْرَى سُكارَى ليْسَ مِنْ صَهْباها (٢) فلَوْ أنَّ نَفْساَ تُفْتَدى لَفَدَتْكَ مِن ... كَأسِ الحِمامِ نُفوسُنا بِدِماها لكِنَّ كاساتِ المَنونِ دَوائِر ... لَمْ يَعْدُها مَنْ لِلْحُصونِ بَناها قَدْ أَكْثَرَتْ فيكَ الرُّثاةُ وما أرى ... تُجْدي سِوَى تَذْكَارِهَا وغِناها

стр. 144

[٧٤] رَوَّى الإلهُ تُرابَ تُرْبَتِك التي ... بك قد علت شرفاً وطاب شذاها/ وأتَتْكَ مِن رَب العِباد تَحِيةٌ ... حتي المعاد صباحها ومساها ورثاهُ بعض المحبين ﵀ (١): سَلْ رَبْعَ (٢) دارٍ قَدْ خَلَتْ إنْ أخْبَرا ... عن أهلها وبأهلها ما قد جرا رَحَلوا فَلِمْ لا وَدَّعوا أترى بهم ... يا دار غلس ركبهم أم هجرا أمْ في دُجُنَّة لَيْلِهِم كَي لا يرا ... هم حاسدٌ ومكاشحٌ بهم سرى يا دارُ ما صنَعَ الزمان فحَدِّثي ... عنهم بصدق لا حديث مفترى ففهِمْتُ مِنها حيثُ لَمْ تَنْطِقْ إذا ... نزل القضاء فأيما عين ترى لا تَسْألني واسألِ الأقْدارَ هَلْ ... منهن يحمي مزدرى أو مدرى سَلْ أيْنَ (سابورٍ) و (شابورٍ) وَكَمْ ... (كسرى) تخوَّنه الزمان و (قيصرا) ما أضْعَفَ الإنسانَ بَلْ عَجبٌ لهُ ... يختار أن يبقى وليس مخيرا ولَقَدْ أتَانا عَنْ فَرِيد زَمانِهِ ... خبرٌ فأرق للجفون أسهرا جافى الجُنُوبَ عَنِ المَضاجِعِ ذِكْره ... ونفى الرُّقاد عن العيون ونفرا يا لَيْتَ قَبْلَ سَماعِهِ أسْماعُنا ... صُمَّتْ وأعياننا لذلك لا ترى يا مخبِراً (٣) عن هُلكِ (مُحْيي الدينِ) ما ... تخشى وتستحي به أن تجهرا [٧٥] وشَقِيْقَةٍ أفْزَعْتَها لَمَّا أتى النـ ... ـاعي به إذ قمت أمشي القهقرى/ وأعَضُّ مِنْ وَجْدٍ عليهِ أنامِلي ... وأهيم منه تأسُّفاً وتحسُّرا قالَتْ أوَيْحَكَ ما دهاكَ وما الذي ... لك قد أصاب وما الذي لك قد عرا فأجَبْتُها ثَكِلَتْكِ أمُّكِ تَسْألي ... عمَّا جرا لي هل قليلٌ ما جرى هذا دِعامَةُ دِيْنِنا بلْ كَسْره ... إن الرَّزيَّة فيه أم حبوكرى (٤)

стр. 145

لا تَحْسَبيهِ مِن الهِضاب فإنهُ ... -لمن الجبال- هو المنيعات الذُّرى عَلاَّمَةٌ ولَئِنْ يَكُنْ علماؤنا ... جُمَّا فكل الصيد في جوف الفرا (١) (يَحْيَى) وما أدْراكَ ما (يَحْيىَ) إذا ... عُدَّتْ مآثره التي لن تحصرا لله قَبْرٌ عَنْ مَيامِنِ جاسِم (٢) ... واروا به جثمان أشعث أغبرا أَتُرَى الذي واراه في ذاكَ [العَراً] (٣) ... أدرى لمن وارى به أم ما درى قَبَروا الفَضَائِلَ كُلَّها في لَحْدِهِ ... والفضل ما من حقِّه أن يقبرا ومُغسِّلٍ ماذا أرادَ بغُسْلِهِ ... إذ كان من دنس الذنوب مطهرا هذا الثناءُ عليكَ (يَحْيى) دائماً ... منا فطيَّبه الإله وكثَّرا ولَئِنْ تَمُتْ أحْيَيْتَ مَجْداً لم يَخَفْ ... بتغيُّر الأيام أن يتغيَّرا ولَئِنْ تَكُنْ وُدِّعْتَ غَيْرَ مُذَمَّمٍ ... وحصلت فيما بين أطباق الثرى لَكَ أسْوَةٌ بالمُصْطَفى المُعْطَى بِيَو ... م العرض هذاك اللِّوا والكوثرا/ [٧٦] ولَقَدْ عَلِمْتَ بأنَّ تلْكَ سَجِيَّةٌ ... من عادلٍ ساوى (٤) بها بين الورى ساوى (٤) بها بَينَ الحَقيرِ وبَيْنَ مَن ... بالمجد والعزِّ ارتدى وتأمَّرا ولحِقْتَ فَضْلاً مَن تَقَدَّمَ حَيْثُ [مِن] (٥) ... أعمارهم قد كان عمرك أقصرا لَم يُثْمِرِ العِلْمُ الشريفُ لعالِمٍ ... فيما رأينا مثل ما لك أثمرا وقَّرْتَهُ بالزُّهْدِ ثُمَّتَ بالتُّقَي ... فنرى كما وقَّرته لك وقرا وسَهِرْتَ إذ نِمْنَ العُيونُ وإنَّهُ ... عند الصباح ليحمد القوم السُّرَى ولَتِلْكَ مَوْهِبَةٌ خُصِصْتَ بها ولو ... كانت بتشميرٍ لكل شَمَّرا ولَقَدْ تَرَكْتَ الأهْلَ والأصْحابَ في ... موتٍ لفقدك لو تشاهد أحمرا
следующие страницы →