← Тараджим

Тараджим · id 321

تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين

ابن العطار

Полный текст (210 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني رحمه الله تعالى للإمام النووي وفي مقدمات تحقيقه تحفة الطالبين في ترجمة للإمام محيي الدين تصنيف علاء الدين علي بن إبراهيم ابن العطار (المتوفى سنة ٧٢٤ هـ) ضبط نصهما وعلّق عليهما وخرج أحاديثهما أبو عبيدة مشهور حسن آل سلمان الدار الأثرية

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني رحمه الله تعالى

стр. 4

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م الدار الأثرية عمّان - الأردن - تلفاكس: ٦٥٦٥٨٠٤٥/ ٠٠٩٦٢ خلوي: ٧٩٥٩٤٣٤٥٦/ ٠٠٩٦٢ - ص ب: ٩٢٥٥٩٥ - الرمز البريدي: ١١١٩٠ الرمز الإلكتروني: alatharya١٤٢٣@yahoo.com

стр. 5

مقدمة المحقق إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فهذا كتاب مهم ينشر لأوّل مرة، وهو لعالم رباني، وإمام متفنّن، وضع الله القبول لمؤلفاته، وأحسب ذلك لإخلاصه وعلمه وأدبه، وسليم قصده، ودقة عباراته، وبديع وصفه، وجودة سبكه، وحسن اختياره، وأمانة نقله، وعفّة لسانه، وتجرُّده للحق وعدم تعصّبه، وسلامة منهجه في دورانه مع الدليل، وإعطائه خواصه من الحاكمية والشمول والثبات والعصمة، وأنه قابل للعمل والتطبيق، مع التحرِّي في صحَّته، وإعمال قواعد أهل الصنعة في ذلك. ووضعتُ بين يدي هذا الكتاب -ألا وهو "الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني ﵀"- تعريفاً به، ودراسة مستقصاة عن المقدار الذي وصل إليه صاحبه فيه، وتتبّعت النقص الذي فيه، وجهدتُ في حصره وإثباته في مقدِّمته. واستحسنتُ البدء بالتعريف بصاحبه ومؤلفه، وهو الإمام الجليل العلامة محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦هـ)

стр. 6

رحمه الله تعالى بقلم صاحبه وأخصّ الناس به، وأقرب تلاميذه إليه، وأعرفهم به وبأحواله، وهو الإمام علاء الدين علي بن إبراهيم ابن العطار (ت ٧٢٤ هـ)، فقد أفرده بتصنيف سمّاه "تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين"، كان مرجعاً لمن أتى بعده، واعتمد عليه جمع من مترجمي النووي، وكانوا عيالاً عليه فيه، وكنت قد نشرته قديماً، فأعدت النظر فيه، وزدتُ عليه وصححت أخطاء طبعيّة وقعت فيه، وألحقتُ فيه زيادات مهمة، جلها تخصُّ مؤلفات النووي والتعريف بنسخها الخطية، وإظهار طبعاتها المستجدة، وإثبات جهود العلماء حولها، والزيادات تشمل مواطن أخرى متفرّقة فيه. والمرجو من الله أن أكون قد أصبتُ ووفّقتُ في ذلك، وأن يكتب لي الأجر في صنيعي هذا، الذي لا همَّ لي فيه إلَّا خدمة تراثنا المجيد، وديننا الحنيف، والله من وراء القصد. وكتب أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان السادس عشر من رمضان من سنة ألف وأربع مئة وست وعشرين من هجرة النبي ﷺ الأردن- عمان

стр. 7

مقدمة تحقيق "تحفه الطالبين " وتشتمل على الموضوعات التالية: - من أَفرد ترجمة الإمام النووي بكتاب مستقلٍّ. - تعريف بكتاب "تحفة الطالبين". - توثيق نسبته لمصنفه وأهميته. - تاريخ تصنيفه. - النسخة المعتمدة في التحقيق. - صور عن النسخة المعتمدة في التحقيق. - عملي في التحقيق. - ترجمة ابن العطار. - مصادر ترجمته. - ترجمته.

стр. 8

من أفرد ترجمة الإمام النووي بكتاب مستقل إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفِرُه، ونعوذ بالله من شرور أنْفسِنا ومن سيِّئات أَعمالِنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هاديَ له. أما بعد: فقد اعتنى العلماء والباحثون قديماً وحديثاً بترجمة الإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي ﵀، وأفرده بالترجمة غير واحد، في كتبٍ لطيفةٍ مستقلَّة؛ منهم: - تلميذه الشيخ الإمام العالم الزاهد علاء الدين علي بن إبراهيم ابن داود ابن العطار الشافعي، في كتابنا هذا، وسيأتي-إن شاء الله تعالى- الكلامُ عليه. - الشيخ العلامة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر ابن عثمان بن محمد السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) (١) في كتاب "المنهل العَذْب الرَّويّ، في ترجمة الإمام النووي"، طُبع في القاهرة عن جمعية

стр. 9

النشر والتأليف الأزهرية، بعناية الشيخ محمود ربيع، سنة (١٣٥٤ هـ- ٩٣٥ م)، ثم طُبع طبعةٍ أنيقةٍ عن دار التراث بالمدينة النبوية، سنة ١٤٠٩هـ تحقيق محمد العيد الخطراوي. - الشيخ العلّامة جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت ٩١١ هـ)، في كتاب: "المنهاج السوي في ترجمة الإمام النووي"، طبع في بيروت عن دار ابن حزم، تحقيق: أحمد شفيق دمج، سنة (١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م). - محمد بن الحسن اللخمي (ت ٧٣٨ هـ) في أربع ورقات؛ كما قال السخاوي (١). - العلّامة الربّاني كمال الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن الشافعي القاهري المعروف بـ (ابن إمام الكاملية) (٢) وشيخها (ت ٨٧٤ هـ)، في جزء سمَّاه: "بغية الراوي في ترجمة الإمام النواوي". - العلامة أبو الفضل النويري خطيب مكة، في جزء سماه: "تحفة الطالب والمنتهي في ترجمة الإمام النووي". قال السخاوي: "وأفردها -أي: ترجمة الإمام النووي- أيضاً من مدَّة: العلامة الربَّاني كمال الدين إمام الكاملية وشيخها في جزء سمَّاه: "بغية الراوي في ترجمة النواوي"﵀ وقرأها -على ما بلغني- العلامة أبو الفضل النويري -خطيب مكة شرفها الله-.

стр. 10

وقد أخذها بعض الجماعة، فقال: إنه رتبها، وزاد عليها؛ لكونه استحسن جمعها، وما رضي وضعها، وسمَّاها "تحفة الطالب والمنتهي في ترجمة الإمام النووي"، ومن نفس التسمية يعلم المقصود. ولو فرض -على سبيل التنزُّل- أن صاحب "التحفة" لم تكثر أوهامه، وكان ما زعمه -والعياذ بالله- صحيحاً؛ ما كان يجمل به هذا القول، بل اللائق الأدب مع أهل العلم والولايات، وإنزالهم منازلهم في البدايات والنهايات، ومن لم يجعل الله له نوراً؛ فما له من نور، وكأني به -ألهمنا الله رشدنا- قد أخذ ما وقع لي من الزَّوائد الفرائد، التي لا أعلم مَن سبقني إليها؛ مِن غير عزو، غافلًا عن قول القائل (١): "شُكر العلم عزوُه لقائله". "ولا حول ولا قوة إلا بالله" (٢). - الشيخ شمس الدين محمد ابن الفخر عبد الرحمن بن يوسف البعلي؛ كما قال السخاوي (٣). - أحمد بن محمد السُّحَيْمي المصري الشافعي (ت ١١٧٨هـ). قال الأستاذ خير الدين الزِّرِكْلي في "الأعلام" (٨/ ١٤٩): "وأفردت ترجمته في رسائل؛ إحداها: للسُّحَيْمي".

стр. 11

- الشيخ عبد الغني الدَّقْر (معاصر)، في كتاب بعنوان: "الإمام النووي: شيخ الإسلام والمسلمين، وعمدة الفقهاء والمحدِّثين"، طبع في سوريا عن دار القلم، ضمن سلسلة: "أعلام التاريخ" (رقم ١٠)، آخر طبعاته سنة (١٤٠٧ هـ- ١٩٧٨م). - الشيخ علي الطنطاوي (معاصر)، في كتاب بعنوان: "الإمام النووي"، طبع في سورية عن دار الفكر، ضمن سلسلة "أعلام التاريخ" (رقم ٤)، أول طبعة له سنة (١٣٨٠هـ -١٩٦٠م). - الدكتور الشيخ محمود رجا مصطفى حمدان (معاصر)، في أطروحته للدكتوراه؛ بعنوان: "الإمام النووي وأثره في الفقه الإسلامي"، مقدمة لقسم الدراسات الإسلامية بجامعة البنجاب، بإشراف الدكتور خالد علوي، سنة (١٤٠٤ هـ-١٩٨٤ م)، مضروبة على آلة كاتبة. - الشيخ شحادة حميدي العَمْري، في أطروحته للماجستير، بعنوان: "الإمام النووي وجهوده في التفسير"، مقدمة لقسم أصول الدين في كلية الشريعة في الجامعة الأردنية، بإشراف الدكتور فضل حسن عبَّاس، سنة (١٤٠٧ هـ- ١٩٨٧ م)، مضروبة على آلة كاتبة. - الأستاذ أحمد عبد العزيز قاسم الحداد، له أطروحة ماجستير مطبوعة بعنوان: "الإمام النووي وأثره في الحديث وعلومه" نشر دار البشائر الإسلامية، سنة١٤١٣ هـ- ١٩٩٢ م. - الأستاذ يعقوب كوج يغيت، له أطروحة ماجستير سنة ١٤٠٩ هـ بعنوان: "محيي الدين النووي: حياته وآثاره ومنهجه في شرح صحيح مسلم"، وهي بإشراف الدكتور رمضان أيفالي، مقدمة لمعهد العلوم الاجتماعية في جامعة سلجوق، قونيا، في تركيا.

стр. 12

- الأستاذ حميد الداودي، له أطروحة بعنوان: "الإمام النووي المحدّث الفقيه من خلال كتابيه "المجموع" و"المنهاج"، قدمت لجامعة محمد الأول، في كلية الآداب، وجدة - المغرب، سنة ١٤١٤ هـ.

стр. 13

تعريف بكتاب "تحفة الطالبين " توثيق نسبته لمصنِّفه وأهميته: نسبة كتاب "تحفة الطالبين في ترجمة الإمام النووي محيي الدين" صحيحة لمصنِّفه ابن العطار، إذ ما من أحد ترجم للإمام النووي؛ إلاَّ ونقل منه، واعتمد عليه. فنقل منه -وأكثر- الذهبيُّ في ترجمة الإمام النووي في كتابيه: "تذكرة الحفاظ"، و"تاريخ الإسلام"، وكذلك السخاويُّ في "المنهل العذب الروي"، والسيوطيُّ في "المنهاج السوي"، إذ لا تمر فقرة من فقرات هذه الكتب؛ إلا وفيها: "قال ابن العطار". إلا أن الذهبي نقل نصوصاً صدَّرها بقوله: "قال ابن العطار"، ولم نجدها في الكتاب الذي بين أيدينا! وتنبَّه لهذا الأمر -قديماً- السخاويُّ؛ إذ قال: "قلتُ: وقد أفرد ترجمته بالتَّصْنيف خادمُه العلاَّمة علاء الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن داود الدِّمشقي، عُرف بـ (ابن العطار)، الذي كان لشدَّة ملازمته له، وتحقُّقه به؛ يقال له: (مختصر النووي)، استوفيتُ مقاصده هنا، وهو عمدتي، بل عمدة كلّ من أتى بعده".

стр. 14

ووقع في كلام الذهبي في "سير النبلاء" (١) أنه في ست كراريس (٢)، والمتداول بالأيدي في كراس وشيء، فيُحتمل أن يكون كتب فيه جميع المراثي، ثم حذفها منه بعضُ النساخ، ووجدتُ في نسخةٍ وقفتُ عليها ما يُسْتَأنسُ به لذلك. وظاهر صنيع الذهبي في "تاريخه" مشعرٌ بكون التي وقف عليها فيها لم يستوفِ المراثي فيها. وقد وقفتُ على نسخة بجميع المراثي (٣) بخطّ تلميذه، شيخ شيوخنا، المسنِد، شهاب الدين أحمد ابن البدر حسن؛ لأبيه، وهو أبو عبد الله محمد ابن الواعظ أبي عبد الله محمد بن زكريا بن يحيى بن مسعود بن غنيمة السويداوي، عُرف هو وأبوه بـ: (القدسي)، كتبها بالخانقاه السميساطية بدمشق، وهي بسماعه على مؤلِّفها، بقراءة المحدّث ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن طغر بك بن الصيرفي؛ سوى ورقتين، فبقراءة السويداوي، وذلك في ثلاثة مجالس، آخرها يوم الأربعاء، سادس عشر ربيع الآخر، سنة أربع وعشرين وسبع مئة، بمنزل المؤلف، بدار الحديث النورية بدمشق، وصحح بخطه. وكتب السويداوي أن المصنف ابتدأ في تصنيفها في منتصف شعبان سنة ثمان وسبع مئة، ودعا له بقوله: "عافاه الله، وأحسن عقباه".

стр. 15

وسبب ذلك أنه كان أصيب بالفالج من قبيل سنين، ويحتمل أن يكون تصنيفاً آخر، وهو بعيد، لكن يستأنس له بما وجدته في كلام الذهبي مدرجاً في كلام ابن العطارة مما لم أقف عليه في النسختين" (١). انتهى. قلت: ولا يبعد أنَّ نقل الذهبي عن ابن العطار مما شافهه به، وهذا يؤكد مقولة السخاوي السابقة: "ويحتمل أن يكون تصنيفاً آخر، وهو بعيد"! ويستأنس لهذا بما قاله ابن العطار في كتابنا هذا (ص ٩٧): "ورأيت منه أموراً تحتمل مجلَّدات ". وما قاله ابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب" (٦/ ٦٤): "وله معه حكايات، واطلع على أحواله". وقد رأى الكتاني كتاب ابن العطار، وصرح أنه في مجلد، فقال في "فهرس الفهارس" (٢/ ٨٢٩) في ترجمة ابن العطار: "صاحب الشيخ محيي الدين النووي، وجامع ترجمته في مجلد، وقفت عليه بدمشق، وعليه خطه". وذكر هذا الكتاب ونسبه للمصنِّف جماعة؛ منهم: حاجي خليفة في "كشف الظنون" (١/ ٣٦٨)، وإسماعيل باشا البغدادي في "هدية العارفين" (١/ ٧١٧)، وعمر رضا كحالة في "معجم المؤلفين" (٧/ ٥)، وصلاح الدين المنجد في لمعجم المؤرخين الدمشقيين" (ص ١٢٨)، وقال: "في كراس على قول السخاوي، وستة كراريس على قول الذهبي". وغيرهم كثير.

стр. 16

تاريخ تصنيف الكتاب: قال السخاوي -فيما سبق- نقلًا عن ناسخ الأصل الذي كان بين يديه من ترجمة ابن العطار: "وكتب السويداوي أن المصنّف ابتدأ في تصنيفها منتصف شعبان سنة ثمان وسبع مئة". وذكر حاجي خليفة في "كشف الظنون" (١/ ٣٦٨) أن الشيخ ابن العطار ألفها سنة سبعين وسبع مئة!! وهذا خطأ، إذ وفاة ابن العطار -كما سيأتي- كانت سنة (٧٢٤ هـ)، فكيف يتصور صحة مقولته؟! ومما يوكِّد ما قاله السخاوي عدَّة أمور: أولاً: جاء على طرة النسخة الخطيَّة التي اعتمدناها في التحقيق ما يلي: "ابتدئ في تبييضها منتصف شعبان سنة ثمان وسبع مئة". ثانياً: صرَّح المصنِّف في كتابه أن ابن صَصْرى التَّغلبي -ممن رثى الإمام النووي- حضر مجلسه في سنة اثنتين وسبع مئة (١). وذكر الحسين بن صدقة -ممن رثى الإمام النووي أيضاً- وقال: "عفا الله عنه" (٢). وتدل هذه العبارة أن ابن صدقة كان ميتاً حينذاك، وإذا علمنا أن وفاته كانت بعد (٧٠٥هـ) -كما قال ابن حجر في "الدرر الكامنة" (٢/ ٥٧) - فلا أقل من أنه صنَّفه بعد هذه السنة بسنة واحدة.

стр. 17

النسخة المعتمدة في التحقيق: اعتمدتُ في تحقيق هذا الكتاب على نسخة خطية نفيسة، بخط العالم الفقيه الشيخ جمال الدين داود بن إبراهيم بن داود، أبي سليمان، الدمشقي، الشافعي، أخي المصنِّف، إذ جاء في آخرها ما نصه: "ووقع الفراغ من هذه الترجمة يوم الخميس، سابع ربيع الآخر، سنة أربع وأربعين وسبع مئة، على يد الفقير إلى الله تعالى: داود بن إبراهيم بن داود ابن العطار، عفا الله عنه، وعن والديه، وعن جميع المسلمين". قال الذهبي في ترجمة الناسخ: "سمع الكثير، ونسخ كتباً كباراً، وله أثْباتٌ وأصولٌ، وليَ مشيخة القَلِيجيَّة بعد أخيه، حدثنا عن ابن أبي الخَيْر وغيره، وله أجزاء عالية، وفيه تعبُّدٌ وخير، ولد سنة خمس وستين وست مئة [٦٦٥ هـ- ١٢٩٧ م]، وهو أحدُ إخْوتي من الرَّضاعة" (١). وتوفي ليلة الخميس ثالث جمادى الآخرة من سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة (٢). وعارضها الناسخ على نسخة المصنِّف، فجاء في هامش اللوحة الأخيرة من المخطوط ما نصُّه: "بلغ معارضة بأصل مؤلِّفه بخطه ﵀ كتبه إبراهيم بن داود".

стр. 18

وخطها واضح ومقروء؛ إلا أن الرطوبة أصابت قسماً يسيراً جدّاً منها، فلم تؤثر إلا على الكلمة الأخيرة من السطر الأول من اللوحات الأخيرة التي على اليمين، وعلى الكلمة الأولى من السطر الأول -والثاني في بعض الأحايين- من أغلب اللوحات الأخيرة التي على الشمال. والمخطوط يقع في (٤٦) ورقة، في كل ورقة لوحتان، عدا الغلاف، وورقة بعده؛ فيها كثير من التملكات، وثَبَتٌ في أسماء من قرأه، وتكررت فيه هذه العبارة: "طالع هذه الترجمة الميمونة متبركاً بمآثر المترجَم العبدُ الفقير إلى الله تعالى ... ". وعلى الغلاف ما صورته: "تحفة الطالبين في ترجمة شيخنا الإمام النووي محيي الدين، قدس الله روحه، ونوَّر ضريحه. تصنيف: الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد علاء الدين علي بن إبراهيم بن داود ابن العطار الشافعي -عفا الله عنهم-". وعليها تملكات كثيرة؛ من بينها: "الحمد لله، مِن نعم الله على عبده: محمد بن أحمد بن عبد الهادي" (١). ****

стр. 19

صورة عن طرة النسخة المعتمدة في التحقيق

стр. 20

صورة عن اللوحة الأولى من المخطوط

стр. 21

صورة عن اللوحة الأخيرة من المخطوط

стр. 22

عملي في التحقيق يتلخص عملي في هذا الكتاب بما يلي: أوَّلاً: قمتُ بنسخ المخطوط، وضبطتُ نصه، ومن ثم قابلتُه بالأصل مرة أخرى؛ خشية السقط والتحريف أثناء النسخ. ثانياً: ذكرتُ في الهامش مَن نقل عبارة المصنِّف، ووجدتُ -كما أشرتُ سابقاً- أن السخاوي والسيوطي قد نقلا -وأكثرا جدّاً- عن المصنِّف، فكأن كتابيهما نسخ أُخرى -غير النسخة المعتمدة في التحقيق- لولا الأخطاء، والتصحيفات، والنقص في بعض العبارات منهما. ثالثاً: ذكرتُ في الهامش الزيادات الواقعة في نسخة الذهبي -على حدِّ تعبير السخاوي-. رابعاً: عرَّفت ببعض الغريب الواقع في الكتاب. خامساً: أشرتُ إلى مصادر ترجمة الأعلام الوارد ذكرهم في الكتاب، وآثرتُ ذكر المصادر دون الترجمة -إلا للنزر اليسير منهم- خوف الإطالة. سادساً: عرَّفت بالأماكن التي وردت في النص. سابعاً: اعتنيتُ بالكتب التي ذكرها المصنِّف للنووي، فبيَّنتُ

стр. 23

المطبوع من المخطوط، وبيَّنتُ الكتاب الذي طُبع أكثر من مرة، ومكان طبعه، واسم محقِّقه -إن وجد-، ومن ثمَّ ذكرتُ ثبتاً في الكتب التي لم يذكرها ابن العطار، وبيَّنتُ -كذلك- مطبوعها من مخطوطها، وأماكن وجود مخطوطاتها، والكتب التي نُسبت للإمام النووي خطأ، وأسهبتُ في هذا (١)، لأن كتابنا هذا أهم مرجع للمحققين والدارسين لحياة الإمام النووي وتصانيفه، فأكون بهذا العمل قد وفَّرتُ عليهم وقتاً طويلًا، وجهداً عظيماً، ولا أخفي على القارئ أن هذا العمل من أهم بواعثي على تحقيق هذا الكتاب. ثامناً: عزوتُ الآياتِ القرآنية إلى أماكنها، فذكرتُ السورة ورقم الآية، وخرَّجتُ الأحاديث النبوية؛ ذاكراً درجتها من الصحة والحسن والضَّعف. تاسعاً: ألحقتُ بكتابنا هذا تتمة فيها: تحذير الإمام النووي من البدع (٢). عاشراً: وأخيراً ... ذيَّلت الكتاب بمجموعة فهارس، تسهل على القاريء الوقوف عى مبتغاه. وأخيراً ... الله تعالى أسأل، وباسمه وصفاته أتوسل، أن يكتب لي أجرين في كل ما علَّقتُ عليه، وأن يرزقني فهماً في كتابه، ثم في سنَّة نبيِّه ﷺ ، قولاً وعملاً يؤدِّي به عنَّا حقَّه، ويوجب لنا نافلة مزيدِه، إنه سميعٌ مجيب.

стр. 24

ترجمة الإمام ابن العطار (١)

стр. 25

اسمه ونسبه ولقبه وولادته: هو الإمام الفقيه المفتي الزاهد المحدِّث بقيَّة السلف علاء الدين علي بن إبراهيم بن داود بن سلمان بن سليمان أبو الحسن ابن العطار الشافعي. ولد يوم عيد الفطر، سنة أربع وخمسين وست مئة [٦٥٤ هـ- ١٢٥٦ م]، كان أبوه عطاراً، وجدُه طبيباً. اشتغل على الشيخ محيي الدين النووي، ولازمه حتى كان يقال له: "مختصر النووي"، وقد يختصر، فيقال: "المختصر". ... شيوخه: - سمع على: أحمد بن عبد الدائم، وإسماعيل بن أبي اليُسْر،

стр. 26

وعبد الوهاب بن الناصح، والكمال بن عبد، وابن أبي الخير، وجمال الدين بن مالك، وابن النشبي، والكمال بن فارس، وأخذ العربية عن ابن مالك، وغيره. - وسمع بالحرمين، ونابلس، والقاهرة؛ من عدَّة أشياخ يزيدون على المئتين، وخرَّج له أخوه لأمه من الرَّضاعة الشيخ شمس الدين الذهبي معجماً. قال الذهبي: "خرَّجتُ له معجماً في مجلَّد، ... انتفعتُ به، وأحسنَ إليَّ باستجازته لي كبار المشيخة". وأفاد ابن السبكي أنه نيَّف فيه على ثمانين شيخاً. وتجد مجموعة من شيوخه في جزئه "التساعيات"، وهنالك عدد لا بأس من شيوخه في كتابه هذا "تحفة الطالبين"، وانظر قائمة في اثنين وأربعين نفساً منهم في مقدمة تحقيق "شرح العمدة" له (١٥ - ١٨). ... علاقته مع الإمام النووي: كان الشيخ علاء الدين ابن العطار شديد المحبة لشيخه النووي، وكانت بينهما مودَّة أكيدة، واجتماع دائم، ومذاكرات، ودراسات، وكان الإمام النووي يحبُّه ويسرّ برؤيته. قال ابن العطار: " ... فبلغني مرضه، فذهبتُ من دمشق لعيادته، ففرح ﵀ بذلك" (١). وكانت لابن العطار منزلة خاصة عند شيخه الأمام أبي زكريا،

стр. 27

وكانت للإمام النووي عناية خاصة من تلميذه ابن العطار أيضاً. قال ابن العطار: "كان -أي: الإمام النووي- رفيقاً بي، شفيقاً عليَّ، لا يمكِّن أحداً من خدمته غيري على جَهدِ مني في طلب ذلك منه، مع مراقبته لي ﵁ في حركاتي وسكناتي، ولطفه بي في جميع ذلك، وتواضعه معي في جميع الحالات، وتأديبه لي في كلِّ شيء حتى الخطرات، وأعجز عن حصر ذلك" (١). وكان الإمام النووي يثق بمقدرة تلميذه، ويعتقد فيه الصلاح والتقوى، فها هو يقول عنه: " ... وقد أخبرني مَن أثق بخبره وصلاحه وكراماته وفلاحه ... " (٢). أما عن ثقته بمقدرة تلميذه العلميَّة؛ فالدليل عليها ما قال التلميذ عن نفسه: " ... وأذِنَ لي ﵁ في إصلاح ما يقع لي في تصانيفه، فأصلحْتُ بحضرته أشياء، فكتبه بخطِّه، وأقرَّني عليه (٣)، ودفع إليَّ ورقةً بعدَّةِ الكتب التي كان يكتب منها ويصنِّف بخطه، وقال لي: إذا انتقلتُ إلى الله تعالى؛ فأتمم "شرح المهذب" من هذه الكتب، فلم يُقدَّر ذلك لي" (٤). ومن شدَّة إعجاب ابن العطار بشيخه الإمام النووي -ويحق له ذلك - فقد انقطع فترة تزيد عن ست سنوات إلى التلمذة عليه، والأخذ

стр. 28

منه، فها هو يقول: "وكانت مدَّة صحبتي له؛ مقتصراً عليه دون غيره، من أوَّل سنة سبعين ويست مئة وقبلها بيسير إلى حين وفاته" (١). وحفظ ابن العطار كتاب "التنبيه" بين يدي شيخه النووي. ... طلبه للعلم ومرضه وتدريسه: نسخ الشيخ علاء الدين الأجزاء، وكتب الطباق، وغلب عليه الفقه. قال الذهبي: "سمع وكتب الكثير، وحدَّث، ودرَّس، وأفتى، وولِيَ مشيخة النُّورية، والغوصيّة، والقليجية (٢)، وغير ذلك". أصيب بفالج سنة (٧٠١ هـ)، وكان يُحْمَل في مِحَفَّة، ويُطاف به، وكتب بشماله مدَّة. وباشر الشيخ علاء الدين مشيخة المدرسة النورية من سنة أربع وتسعين إلى سنة وفاته مدة ثلاثين سنة. ... مدحه وثناء العلماء عليه: مدحه كل مَن ترجم له، فقال عنه تلميذه الذهبي: "كان صاحب معرفة حسنة، وأجزاء، وأصول". وقال أيضاً: "له فضائل، وتألُّه -أي: عبادة-، واتِّباع".

стр. 29

وقال النُّعيمى: "وكان فيه زهد، ويفيد، ويأمر بالمعروف على عادة [شيخه] في أخلاقه، وله أتباع ومحبُّون". وقال ابن هدايته الله: "كان ديِّناً ورعاً". وقال ابن العماد الحنبلي: "وعدَّه في الحفَّاظ العلامة ابن ناصر الدين، وأثنى عليه". ... مصنَّفاته: قال ابن كثير: "له مصنَّفات، وفوائد، ومجاميعُ، وتخاريجُ". قلت: من مصنفاته: - "شرح العمدة"؛ أخذ شرح ابن دقيق العيد، وزاد عليه من "شرح صحيح مسلم" للنووي، مع فوائد أخر حسنة؛ سمَّاه: "العُدَّة شرح العمدة"، طبع عن دار البشائر، بيروت، ووقف على طبعه والعناية به الأستاذ نظام يعقوبي. - مصنَّف في "فضل الجهاد". - وآخر بعنوان: "آداب الخطيب"، طبع عن دار الغرب الإسلامي. - وآخر بعنوان: "الوثائق المجموعة". - وآخر في: "حكم البلوى وابتلاء العباد". - وآخر في: "حكم الأخبار والاحتكار عند غلاء الأسعار". - وآخر: "حكم صوم رجب وشعبان، وما الصواب فيه عند أهل العلم والعرفان، وما أُحدث فيهما، وما يلزمه من البدع التي يتعين إزالتها على أهل الإيمان" طبع بتحقيق جاسم الفَجّي، عن مكتبة أهل الأثر ومكتبة غراس، الكويت، سنة ١٤٢٥هـ، في (٧٧) صفحة.

стр. 30

- وآخر: "فضل زيارة القبور وأحكام المقبول منها والمحذور والمشروع والمنكور، وما يتعلق بذلك من المحدثات المؤدّيات إلى الآثام والفجور" طبع بتحقيق أحمد العيسوي، عن دار الصحابة، بطنطا، سنة ١٤١٢هـ، في (٧١) صفحة، وسماه بعضهم: "رسالة في أحكام الموتى وغسلهم". - و"تحفة الطالبين"، وقد مضى الكلام عليه. - "الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد" مطبوع عن دار الكتب الأثرية، تحقيق الأخ الشيخ علي حسن عبد الحميد، في (٤٨) صفحة. - "شرح عمدة الحافظ وعدّة اللاحظ" لابن مالك، مطبوع عن دار الفكر العربي، القاهرة. - "اختصار نصيحة أهل الحديث" للخطيب البغدادي طبع بالهند، أفاده عبد الحي الكتاني. - "الجزء فيه تساعيات"، قال في آخر (الديباجة) منه (ق ٥/ ب- ٦/ م) -بعد كلام-: "وأنا أَشرع -إن شاء الله تعالى- في تخريج أحاديث معظمها من القسم الأول تساعية الإسناد، وهي أعلى ما يقع لأمثالنا، وقد كنتُ سُئلتُ عن تخريج أربعين حديثاً تساعية بالقاهرة المحروسة، فخرَّجتُ لهم اثنين وعشرين حديثاً، لأنّ سماعاتي كلها لم تكن حاضرة عندي بها، واعتذرت بذلك لهم، فقبلوه، وسمعوها مني، وكتبوا بها نسخاً، ولله الحمد والمنة على ذلك، وغيره من وجوه الخيرات، إنه قريب، مجيب الدعوات". وهي منسوخة عندي، ومنضَّدة، فسح الله الوقت، وبارك فيه لإخراجها، أو مراجعتها، والله العاصم والهادي.

стр. 31

- ورتَّب "فتاوى الإمام النووي" (١)؛ كما سيأتي (ص ٧٧). - وله (تقريظ) على "تخميس البردة" في المكتبة العباسية، بالبصرة، رقم [١٠٥ (٣) - مجموع] منسوخة سنة ١٢٣٩هـ بخط خضر بن السيد جميل، انظر "الفهرس الشامل" (١/ ٢١٩ - السيرة والمدائح النبوية). - وله "رسالة في السماع" منه نسخة خطية في مكتبة شستربتي، دبلن- إيرلندا، برقم (٣٢٩٦/ ٢)، منسوخة بين سنتي ٩٠٤ - ٩٠٦ هـ كذا في "فهارسها" (١/ ١٧٤) وانظر "الفهرس الشامل" (٤/ ٦٦٥) لمؤسسة آل البيت- الأردن، قسم (الفقه وأصوله). ... وفاته: مات ﵀ يوم الإثنين، مستهل ذي الحجة، سنة أربع وعشرين وسبع مئة [٧٢٤هـ - ١٣٢٤ م]، وعلى هذا جمهور مترجميه، وقد شذَّ ابن هداية الله، فقال: "مات سنة إحدى وتسعين وست مئة! وهو ابن ثمانٍ وثمانين سنة"! ولم يتابعه أحد على هذا. وقال الذهبي: "مات عن سبعين سنة". وهذا هو الصحيح؛ لأنه ولد -كما قدمنا- سنة أربع وخمسين وست مئة، ودفن بقاسيون في دمشق، رحمه الله تعالى، وأجزل مثوبته.

стр. 32

تحفة الطّالبين في ترجمة للإمام محيي الدين تصنيف علاء الدين علي بن إبراهيم ابن العطار (المتوفى سنة ٧٢٤هـ) ضبط نصه وعلق عليه وخرج أحاديثه أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان

стр. 33

تحفة الطالبين في ترجمة الإمام النووي محيي الدين الحمد لله رب العالمين، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأزواجه وذريته وأصحابه الطاهرين. أشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فلما كان لشيخي وقدوتي إلى الله تعالى؛ الإمام الرباني أبي زكريا يحيى بن شرف الحزامي النواوي -تغمده الله برحمته، وأسكنه جنات النعيم، وجمع بيني وبينه في دار كرامته إنه جواد كريم- عليَّ من الحقوق المتكاثرة، ما لا أطيق إحصاءها؛ بعثني ذلك على أن أجمع كتاباً في بعض مناقبه، ومآثره، وكيفية اشتغاله، وما كان عليه من الصبر على خشونة العيش، وضيق الحال، مع القدرة على التنعُّم والسعة في جميع الأحوال، على عادة أئمة الحديث في ذلك؛ ليكون سبباً للترحُّم عليه، والدعاء له، وفَّقنا الله لما وفقه، ورزقنا ما رزقه. فقد رُوِّينا بالإسناد إلى سفيان بن عيينة أنه قال: "عند ذكر الصالحين تتنزّل الرحمة" (١).

стр. 34

وروِّينا بإسنادنا إلى محمد بن يونس أنه قال: "ما رأيتُ للقلب أنفعَ من ذكر الصالحين" (١). وعلى الله الكريم أتوكل، وإليه أبتهل، أن ييسر ذلك على أكمل [١]، الوجوه وأتمِّها؛ إنه على كل شيء قدير، وهو حسبي ونعم الوكيل/، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. ...

стр. 35

١ - فصل: في نسبه ونسبته هو أبو زكريا (١) يحيى ابن الشيخ الزاهد الورع وليّ الله أبي يحيى شرف بن مِرَا (٢) بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حزام (٣) -بالحاء المهملة والزاي (٤) - الحزامي النوويُّ، ذو التصانيف المفيدة،

стр. 36

والمؤلفات الحميدة، أوحد دهرِهِ، وفريدُ عصرِه، الصوَّام، القوام، الزَّاهد في الدنيا، الرَّاغب في الآخرة، صاحب الأخلاق الرضيَّة، والمحاسن السنيَّة، العالم الرَّبَّاني المتَّفق على علمه وإمامته وجلالته وزهده وورعه وعبادته وصيانته في أقواله وأفعاله وحالاته، له الكرامات الطافحة، والمكرمات الواضحة، والمؤثرُ بنفسه وماله للمسلمين، والقائم بحقوقهم وحقوق ولاة أمورهم بالنُّصح والدُّعاء في العالمين (١)، وكان كثيرَ التلاوةِ والذكرِ لله تعالى، حشَرَنا الله في زمرته، وجمع بيننا وبينه في دار كرامته، مع من اصطفاه من خليقته أهل الصَّفاء والوفاء والود، العاملين بكتاب الله تعالى، وسنَّة محمد ﷺ وشريعته. ... وأما نسبته: [٢] (الحِزَامي)؛ فهي بالحاء والزَّاي إلى جدِّه المذكور حزام/، وذكر لي الشيخ -قدس الله روحه- أن بعض أجداده كان يزعم أنها نسبة إلى حزام أبي حكيم الصحابي ﵁ قال: "وهو غلط" (٢). وحزام جده؛ نزل في الجولان بقرية (نوى) (٣) على عادة العرب،

стр. 37

فأقام بها، ورزقه الله ذرية، إلى أن صار منهم خلق كثير. و (النووي) نسبة إلى (نوى) المذكورة، وهي بحذف الألف بين الواوين على الأصل، ويجوز كتبها بالألف على العادة (١)، وهي قاعدة الجولان الآن، من أرض حوران (٢) من أعمال دمشق، فهو

стр. 38

دمشقي (١)؛ لأنه أقام بها نحواً من ثمانية وعشرين عاماً. وقد قال عبد الله بن المبارك: "مَن أقام في بلدة أربع سنين؛ نُسِبَ إليها" (٢). ... ٢ - فصل: في مولده ووفاته أما مولده؛ فهو في العشر الأوسط (٣) من المحرم سنة إحدى وثلاثين وست مئة (٤). وذكر لي بعض الصالحين الكبار أنه ولد وكُتِبَ من الصادقين. وذكر لي والدهُ أن الشيخ كان نائماً إلى جنبه، وقد بلغ من العمر

стр. 39

سبع سنين ليلة السابع والعشرين من رمضان؛ قال: "فانتبه نحو نصف الليل، وأيقظني، وقال: "يا أبة! ما هذا الضوءُ الذي قد ملأ الدار؟! ". واستيقظ أهلهُ جميعاً، فلم نر كلُّنا شيئاً". قال والده: "فعرفتُ/ أنها ليلة القدر" (١). [٣] وأما وفاته؛ فهي ليلة الأربعاء، الثلث الأخير من الليل، رابع وعشرين رجب، سنة ست وسبعين ولست مئة [بنوى] (٢)، ودُفِن بها صبيحة الليلة المذكورة (٣)، وكانت وفاته عقب واقعة جرت لبعض الصالحين بأمره لزيارة القدس الشريف، والخليل -عليه أفضل الصلاة والسلام (٤) -، فامتثل الأمر، وتوفي عقبها. ...

стр. 40

٣ - فصل: في مبدأ أمره واشتغاله ذكر لي الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي (١) ولي الله ﵀ قال: "رأيت الشيخ محيي الدين -وهو ابن عشر سنين- بنوى، والصبيان يُكْرِهونه على اللعب معهم، وهو يهرب منهم، ويبكي لإكراههم، ويقرأ القرآن في تلك الحال، فوقع في قلبي محبته. وجعله أبوه في دُكَّان، فجعل لا يشتغل بالبيع والشِّراء عن القرآن". قال: "فأتيتُ الذي يُقْرِئُه القرآن، فوصيتُه به، وقلتُ له: هذا الصبيُّ يُرْجى أن يكون أعلم أهل زمانه، وأزهدهم، وينتفع الناس به.
следующие страницы →