آراء محمد رشيد رضا العقائدية
في أشراط الساعة الكبرى
وآثارها الفكرية
تأليف
مشاري سعيد حميد المطرفي
стр. 2
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، ، ،
فإن مما لاشك فيه أن العقيدة الإسلامية ليس لها سوى مصدرين، وهما القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، فما ثبت بهما قبلناه وآمنا وسلمنا به، وما خالفهما رددناه ولو كان قائله من كان، ودعونا له بالهداية والسداد.
وإن مما ثبت بكتاب الله والسنة النبوية الصحيحة الصريحة المتواترة، أن هناك علامات وأشراطاً تسبق قيام الساعة، وإن من هذه العلامات والأشراط ما قد ظهر وانقضى، كبعثة النبي ﷺ ، وموته، وانشقاق القمر وغيره، وإن من هذه العلامات والأشراط ما قد ظهر ولا يزال يكثر، كأن ترى الحفاة الرعاة يتطاولون في البنيان، وكثرة الهرج والمرج، وانتشار الزنا، وكثرة النساء وغيرها.
وإن من هذه العلامات والأشراط ما لم يظهر بعد، وإنها إذا ظهرت فإن الساعة قد اقترب قيامها مما لا ريب فيه، وهي ما يطلق عليه عند أهل العلم أشراط وعلامات الساعة الكبرى، ومنها «نزول عيسى ابن مريم، وخروج المسيح الدجال، وخروج المهدي المنتظر، وطلوع الشمس من مغربها».
стр. 3
وقد ثبت صحة وقوع هذه الأشراط والعلامات في كتاب الله والسنة النبوية الصحيحة الصريحة المتواترة، وقد ذكر جمع من أهل العلم نقل الإجماع على صحة هذه الأخبار والآثار الواردة في أشراط الساعة الكبرى ووجوب الإيمان والتصديق بها.
ولم يخالف في هذه المسألة إلا نزرٌ يسير من أهل العلم والفضل، ومنهم أصحاب المدرسة العقلية الحديثة، وعلى رأسهم الشيخ/ محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار، وذلك بدعوى التعارض والتناقض فيما بينها، أو أن أحاديثها لا تصح، أو أنها مخالفة للسنن الكونية، وغيرها من الأمور التي سوف نتطرق لذكرها في ثنايا بحثنا هذا.
وبعد استخارة الله ومشورة أهل العلم والفضل أحببت أن أجمع آراء الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره المنار حول أشراط الساعة الكبرى وآثارها الفكرية، وأبين ما لها وما عليها، وقد سميت بحثي بعنوان ((آراء محمد رشيد رضا العقائدية في أشراط الساعة الكبرى في تفسير المنار، وآثارها الفكرية)) دراسة عقدية.
مسوغات اختيار الموضوع:
هناك كثير من الأسباب والمسوغات التي دفعتني لاختيار هذا الموضوع والكتابة فيه، ولعل من أهم هذه الأسباب والمسوغات ما يأتي:
١ - محاولة الرد على التساؤلات والشبهات التي تثار حول أشراط الساعة الكبرى وتحاول التشكيك فيها والطعن في إمكانية وقوعها.
٢ - عدم وجود دراسة عقدية تحليلية موسعة حول آراء محمد رشيد
стр. 4
رضا في أشراط الساعة الكبرى في تفسير المنار وآثارها الفكرية.
٣ - بيان خطورة رد الأحاديث الصحيحة لاسيما التي في كتابي البخاري ومسلم، واللذان هما أصح الكتب بعد القرآن وقد تلقتهما الأمة بالقبول بدعوى أنها تعارض القرآن (١) أو تعارض العقل (٢) وغيرها من الأمور.
٤ - بيان خطورة إنكار وقوع علامات وأشراط الساعة الكبرى لاسيما وأنها ثابتة بالكتاب والسنة الصحيحة الصريحة المتواترة بمجرد دعوى التعارض فيما بينها أو أنها خبر آحاد (٣)
٥ - بيان حقيقة المنهج العقلي الذي يتبعه أصحاب المدرسة العقلية الحديثة كمحمد رشيد رضا وغيره في تقرير مسائل العقيدة.
الدراسات السابقة:
هناك الكثير من الدراسات والبحوث التي تناولت دراسة آراء محمد رشيد رضا العقائدية ومنهجه العقدي وموقفه من بعض القضايا الكلامية، ولعل من أبرز هذه الدراسات:
١ - كتاب «الاتجاه العقدي في تفسير المنار» لأستاذنا الدكتور/ محمد
стр. 5
علي الزغول عميد كلية الشريعة السابق في جامعة آل البيت، وهو عبارة عن رسالة ماجستير نوقشت في الجامعة الأردنية في الأردن وهي مكونه من ٤٤٠ صفحة تقريباً ذكر فيها التعريف بالشيخ رشيد رضا وجهوده الإصلاحية ومنهجه في تفسيره المنار، ومنهجه العقدي في آيات العقيدة، وموقفه من الملائكة والجن والخوارق والمعجزات، وموقفه من أشراط الساعة ومن البعث والحشر.
وفي الحقيقة أن الباحث في هذه الرسالة بذل جهداً كبيراً في تتبع آراء محمد رشيد رضا العقدية وبيان ما لها وما عليها، ولكن مع عدم التوسع في الرد عليها لأن الهدف من الرسالة كما ذكرنا هو ذكر آرائه العقدية.
٢ - كتاب (موقف المدرسة العقلية الحديثة من الحديث النبوي الشريف دراسة تطبيقية على تفسير المنار) لشفيق عبد الله شقير، وهو عبارة عن رسالة ماجستير نوقشت في الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد في باكستان وهي مكونه من ٤٣٠ صفحة تقريباً، تطرق في مبحث كامل من الدراسة عن موقف محمد رشيد رضا من أحاديث الاعتقاد، وذكر مثالاً لذلك موقفه من أحاديث أشراط الساعة الكبرى، وأحاديث سحر النبي ﷺ وغيرها من الأحاديث، حيث كان يذكر آراء محمد رشيد رضا ويرد عليها ولكن بشكل مجمل وسريع، بحيث لم يستوعب جميع الشبه والتساؤلات والاعتراضات التي ذكرها الشيخ في تفسيره، لاسيما التي تختص بأشراط الساعة الكبرى والتي هي مدار بحثي، كذلك عند ذكر شبه وتساؤلات محمد رشيد رضا لم يتوسع في الرد عليها وتفنيد الشبه والاعتراضات والتساؤلات وتفنيد دعوى الشيخ بالتعارض فيما بينها،
стр. 6
وحشد الأدلة والبراهين والحجج على عدم صحة ما ذهب إليه، وذلك لأن الباحث ذكر هذا المبحث على سبيل المثال لا على سبيل دراسة هذا المبحث دراسة متكاملة من جميع الاتجاهات.
٣ - كتاب «منهج محمد رشيد رضا في العقيدة» لتامر محمود متولي وهو عبارة عن رسالة ماجستير نوقشت في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وهي مكونة من ٩٨٥ صفحة تقريباً ذكر فيها جملةً من آرائه العقدية في الأسماء والصفات، وفي توحيد الألوهية، وفي التوسل، وفي البدع، وفي القدر والملائكة والكتب والرسل والجن والشياطين، وفي عصمة الأنبياء وفي آيات الأنبياء وكرامات الأولياء والخوارق، واليوم الأخر، وفي الساعة وأشراطها مع بيان ما لها وما عليها، ولكن دون التطرق للآثار الفكرية لآرائه العقدية.
وفي الحقيقة أن هذه الدراسة من أجمل ما كتب عن آراء محمد رشيد رضا العقدية، حيث ذكر المؤلف أنه أمضى أكثر من ثلاث سنوات في كتابة رسالته هذه.
٤ - كتاب «منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير» لفهد بن عبد الرحمن الرومي، وهو عبارة عن رسالة ماجستير نوقشت في جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض وهي أيضا مكونة من ٨٠٠ صفحة تقريبا، تكلم فيها عن رجال المدرسة العقلية الحديثة ومنهجهم في التفسير، وموقفهم من بعض القضايا القرآنية كالوحي والقضاء والقدر والمعجزات وعقيدة البعث وأمارات الساعة، وأصل الإنسان والملائكة والجن، وغيرها
стр. 7
دون التوسع في الرد على الآراء العقدية لأصحاب المدرسة العقلية الحديثة عموماً وعلى آراء محمد رشيد رضا في المنار خصوصاً في مسألة أشراط الساعة الكبرى.
هذه أبرز الدراسات السابقة في آراء محمد رشيد رضا العقائدية، وفي الحقيقية لم أقف على دراسة تتناول آراء محمد رشيد رضا العقائدية في أشراط الساعة الكبرى بشكل موسع، مع بيان آثارها الفكرية سوى تلك الدراسات السابقة التي ذكرتها والتي لم تتوسع في الرد على استشكالات وتساؤلات رشيد رضا العقدية في رأيه في أشراط الساعة الكبرى، فضلا عن بيان آثارها الفكرية المترتبة على هذه الآراء.
مشكلة الدراسة:
تحاول هذه الدراسة الإجابة عن العديد من التساؤلات التي تخص موضوع البحث ومن أهمها:
١ - ما سيره محمد رشيد رضا؟
٢ - ما جهوده الإصلاحية؟
٣ - ما عقيدته بشكل عام؟
٤ - ما عقيدته في أشراط الساعة الكبرى؟
٥ - ما منهجه في التفسير؟
٦ - بم استدل رشيد رضا على آرائه في أشراط الساعة الكبرى؟
٧ - ما الرد على استدلالاته واستشكالاته تجاه أشراط الساعة الكبرى؟
стр. 8
٨ - ما الآثار الفكرية المترتبة على آراء محمد رشيد رضا في أشراط الساعة الكبرى؟
حدود الدراسة:
حدود دراستي في هذا البحث هو استعراض آراء الشيخ محمد رشيد رضا في مسائل الاعتقاد، وتحديداً في مسألة أشراط وعلامات الساعة الكبرى في تفسيره المسمى بتفسير المنار، وهي «خروج المسيح الدجال - وخروج المهدي - ونزول عيسى بن مريم ﵇ وطلوع الشمس من مغربها»، والرد عليها، وإثبات ما لها وما عليها، وبيان آثارها الفكرية.
منهج الدراسة:
يقوم منهج البحث في هذه الدراسة على ما يلي:
١ - استقراء آراء محمد رشيد رضا في أشراط الساعة الكبرى من خلال تفسيره المنار، وبما استدل به على آرائه.
٢ - استقراء الأقوال المخالفة لآراء محمد رشيد رضا في أشراط الساعة الكبرى، وبما استدلوا على آرائهم فيها ذهبوا إليه.
٣ - بيان ما توصلت إليه من نتائج تجاه أشراط الساعة الكبرى، مع الرد على أدلة القول الذي أخالفه مستنداً في ذلك إلى كتاب الله والسنة النبوية الصحيحة، وأقوال أهل العلم الثقات المشهود لهم بالعلم والصلاح والبعد عن الهوى والتعصب.
وقد اعتمدت في بحثي هذا على ثلاثة مناهج:
стр. 9
أولا: المنهج الاستقرائي:
ويكون بتتبع الموضوع واستقرائه في مظانه وجمع المعلومات المتعلقة به، سواء فيما ذكره رشيد رضا في تفسيره أو ما ذكره المخالفون له في كتبهم.
ثانيا: المنهج الاستدلالي:
ويكون بالتدليل على كل ما أطرحه من أفكار أو آراء بالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة أو بأقوال أهل العلم الثقات.
ثالثا: المنهج التحليلي:
ويكون بتحليل ودراسة آراء رشيد رضا والأدلة التي استند عليها للرد عليها وبيان ما لها وما عليها.
متممات المنهج:
الحرص على الآتي:
١ - إثبات النصوص القرآنية مضبوطة بالشكل وبالرسم الإملائي الحديث مع بيان مواضعه في القرآن الكريم.
٢ - تخريج الأحاديث النبوية وفق أسس التخريج الفني المعمول بها في كليات الشريعة.
٣ - عزو الأقوال والآثار إلى مظانها في الكتب.
٤ - شرح المفردات الغريبة في البحث.
٥ - التعريف الموجز بالأعلام الذين يتم ذكرهم عدا المشهورين منهم.
٦ - التعريف بالفرق التي يتم ذكرها تعريفاً موجزاً.
стр. 10
خطة البحث:
يشمل هذا البحث على مقدمة، وفصل تمهيدي، وأربعة فصول أخرى، وخاتمة.
أما المقدمة، فتشمل على أهمية هذه الرسالة، وأسباب اختيارها، والدراسات السابقة، ومشكلة الدراسة وحدودها، والمنهج المتبع فيها، وخطتها.
وأما الفصل التمهيدي، فيشمل على عدة مباحث:
المبحث الأول: ذكرت فيه معنى أشراط الساعة في اللغة والاصطلاح.
المبحث الثاني: ذكرت فيه الأدلة الشرعية من القرآن والسنة على أن الساعة واقعةٌ لا محالة.
المبحث الثالث: ذكرت فيه الأدلة الشرعية من القرآن الكريم والسنة على أن قيام الساعة قريب.
المبحث الرابع: تحدثت فيه على أقسام أشراط الساعة، والذي هو في الحقيقة تقسيم اجتهادي.
المبحث الخامس: تحدثت فيه عن حجية خبر الآحاد في العقائد.
المبحث السادس: وتحدثت فيه عن العقل والنقل والعلاقة بينهما وما عليه أهل السنة والجماعة.
أما الفصل الأول، ذكرت فيه نبذة عن محمد رشيد رضا، ويشمل عدة مباحث:
стр. 11
المبحث الأول: نسبه ومولده.
المبحث الثاني: نشأته وطلبه للعلم.
المبحث الثالث: بداية تحوله.
المبحث الرابع: هجرته إلى مصر.
المبحث الخامس: مجلة المنار.
المبحث السادس: جهوده الإصلاحية.
المبحث السابع: مذهبه.
المبحث الثامن: عقيدته.
المبحث التاسع: وفاته.
المبحث العاشر: آثاره ومؤلفاته.
أما الفصل الثاني، ذكرت فيه نبذة عن تفسيره المنار، ويشتمل على عدة مباحث:
المبحث الأول: تعريف بتفسير المنار.
المبحث الثاني: منهجه في التفسير.
المبحث الثالث: طريقته في التفسير.
المبحث الرابع: خصائص تفسير المنار.
المبحث الخامس: منهجه العقدي في التفسير.
المبحث السادس: المآخذ التي على التفسير.
стр. 12
أما الفصل الثالث، تحدثت فيه عن آرائه العقدية في أشراط الساعة الكبرى، والرد عليها، ويشمل على عدة مباحث.
المبحث الأول: رأيه في أشراط الساعة بشكل مجمل، والرد عليه.
المبحث الثاني: رأيه في خروج المسيح الدجال، والرد عليه وتضمن هذا المبحث عدة مسائل منها:
معنى المسيح.
معنى الدجال.
الأحاديث الواردة في خروج المسيح الدجال.
تواتر أحاديث المسيح الدجال.
الأحاديث الواردة في بيان صفته.
الحكمة من عدم ذكره بالقرآن؟
موقف رشيد رضا من أحاديث المسيح الدجال.
الرد على ما ذكره من استشكالات وتساؤلات.
هل هناك تناقض بين حديث الجساسة وحديث ابن عمر؟
رأي رشيد رضا في حديث الجساسة، والرد عليه.
خاتمة رأي رشيد رضا بأحاديث الدجال، والرد عليه.
خلاصة القول في المسيح الدجال.
المبحث الثاني: رأيه في المهدي، والرد عليه وتضمن هذا المبحث عدة مسائل مهمة منها:
стр. 13
معنى المهدي.
الأحاديث الواردة فيه.
تواتر الأحاديث الواردة في ظهور المهدي.
اسمه ونسبه.
الحكمة من كونه من نسل الحسن.
صفته.
سبب ظهوره.
مكان خروجه.
بيان حال حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم»
رأي رشيد رضا في أحاديث المهدي.
الرد على ما ذكره من استشكالات وتساؤلات.
المبحث الرابع، رأيه في نزول عيسى بن مريم ﵇، والرد عليه وتضمن هذا المبحث عدة مسائل منها:
معنى المسيح.
عقيدة أهل السنة والجماعة بعيسى بن مريم.
أدلة نزوله من القرآن.
أدلة نزوله من السنة.
تواتر الأحاديث في نزول عيسى ابن مريم ﵇.
стр. 14
هل رفع ببدنه وروحه أم بروحه؟
مدة بقائه بعد نزوله.
رأي رشيد رضا في نزول عيسى بن مريم ﵇.
الرد على استشكالاته وتساؤلاته.
خاتمة المبحث.
المبحث الخامس، رأيه في طلوع الشمس من مغربها، والرد عليه وتضمن هذا المبحث عدة مسائل منها:
أدلة طلوع الشمس من مغربها من القرآن.
أدلة طلوع الشمس من مغربها من السنة.
تواتر الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها.
التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها.
رأي رشيد رضا في طلوع الشمس من مغربها.
الرد على استشكالاته وتساؤلاته.
الفصل الرابع، وذكرت فيه الآثار الفكرية لآراء رشيد رضا وتضمن ستة مباحث:
المبحث الأول: الطعن في السنن النبوية.
المبحث الثاني: الطعن في الصحيحين.
المبحث الثالث: تشكيك المسلمين في عقائدهم.
стр. 15
المبحث الرابع: إحياء تراث المعتزلة.
المبحث الخامس: إيجاد نوع من الجرأة على الثوابت الإسلامية.
المبحث السادس: خدمة أغراض المستشرقين.
وفي نهاية البحث ذكرت الخاتمة وما توصلت إليه في بحثي هذا، ثم المراجع والفهارس.
стр. 16
الفصل التمهيدي
ويتضمن المباحث التالية:
المبحث الأول: معنى أشراط الساعة.
المبحث الثاني: أدلة وقوعها.
المبحث الثالث: قرب قيام الساعة.
المبحث الرابع: أقسام أشراط الساعة.
المبحث الخامس: حجية خبر الآحاد في الاعتقاد.
المبحث السادس: حجية العقل والنقل.
стр. 17
المبحث الأول
معنى أشراط الساعة
معنى الشرط:
الشرَطُ هو العلامة، وجمعه أشراط.
وأشراط الساعة أي علامتها، فهي العلامة التي تدل على قرب قيام الساعة. (١)
معنى الساعة:
معنى الساعة في اللغة:
هي جزء من أجزاء الليل والنهار، جمعها ساعات.
وجزء من أربعة وعشرين جزءاً من الليل والنهار.
والليل والنهار معاً أربعةٌ وعشرون ساعة. (٢)
معنى الساعة في الاصطلاح الشرعي:
المراد بالساعة في اصطلاح الشرع، هو الوقت الذي تقوم فيه القيامة
стр. 18
وسميت بذلك لأنها تفاجئ الناس في ساعة، فيموت الخلق كلهم بصيحة واحدة. (١)
والقيامة هي اليوم الذي يخرج فيه الناس من قبورهم بأمر ربهم ليحاسبوا فينعم محسنهم، ويعذب مسيئهم.
وهذا اليوم ذكر بأكثر من اسم في القرآن الكريم منها (يوم القيامة، يوم البعث، يوم الحساب، يوم الدين، الطامة، الحاقة، الواقعة، الصاخة، الغاشية ... ). (٢)
فأشراط الساعة:
هي علامات القيامة التي تسبقها وتدل عليها. (٣)
стр. 19
المبحث الثاني
أدلة وقوعها
وردت الكثير من النصوص الشرعية سواء في القرآن الكريم أو في السنة النبوية ما يدل على أن الساعة واقعة لا محالة، ومن هذه النصوص.
قوله تعالى ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾. (١)
وقوله تعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾. (٢)
وقوله تعالى ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾. (٣)
وكقوله ﷺ «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها. (٤)
стр. 20
فالنصوص الشرعية واضحة وصريحة في أن الساعة واقعة بلا ريب، بل إن وقوعها قريب كما بين ذلك النبي ﷺ في الحديث السابق.
стр. 21
المبحث الثالث
قرب قيام الساعة
لقد دلت النصوص الشرعية من القرآن والسنة على أن الساعة واقعة لا محالة، كما ذكرت في المبحث السابق، وكذلك دلت النصوص الشرعية على أن قيام الساعة قريب، وعلى أننا في آخر أيام الدنيا.
فمما يدل على قرب وقوعها من القرآن:
١ - قوله تعالى ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾. (١)
٢ - وقوله تعالى ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾. (٢)
٣ - وقوله تعالى ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾. (٣)
٤ - وقوله تعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾. (٤)
ومما يدل على قرب وقوعها من السنة:
стр. 22
١ - قوله ﷺ «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها. (١)
٢ - وقوله ﷺ «بعثت أنا والساعة جميعا، إن كادت لتسبقني». (٢)
- إشارة إلى شدة قربها من بعثة النبي ﷺ حتى خشي سبقها له لعظم القرب بينهما.
٣ - وقال ﷺ «إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم ما بين صلاة العصر، ومغرب الشمس». (٣)
٤ - وعن ابن عمر ﵄ قال، كنا جلوسا عند النبي ﷺ والشمس على قعيقعان (٤) بعد العصر فقال «ما أعماركم في أعمار من مضي إلا كما بقي من النهار، وفيما مضى منه». (٥)
стр. 23
فهذه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة الصحيحة تدل دلالة قطعية على قرب قيام الساعة من زمان النبي ﷺ ، فما بالك في قرب قيامها من زمننا هذا بعد مضي أكثر من أربعة عشر قرناً على بعثة النبي ﷺ ، والذي وقع فيه كثير من أشراط الساعة التي ذكرها النبي ﷺ ولم يبق إلا أشراط الساعة الكبرى كما يسميها أهل العلم ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولكن لابد من القول أنه لا يعلم مقدار ما بقي على قيام الساعة إلا الله، ولم يثبت عن النبي ﷺ شيء في هذا الباب، ثم إننا غير مأمورين شرعاً بمعرفة وقت وقوعها، بل نحن مأمورون بالاستعداد والعمل لها بالتقرب إلى الله بالطاعات وترك المنكرات والاستعداد ليوم الرحيل عن هذه الدنيا الفانية، والإنسان العاقل يعلم حق العلم أن الإنسان إذا مات فقد قامت قيامته.
стр. 24
المبحث الرابع
أقسام أشراط الساعة
إن ليوم القيامة ووقوع الساعة علامات وأشراطاً تدل على قرب وقوعها، وتنقسم هذه الأشراط إلى قسمين وهي كالآتي:
القسم الأول: أشراط الساعة الصغرى:
وهي العلامات والأمارات والأشراط التي تكون قبل قيام الساعة بأزمان متطاولة، وتكون من نوع المعتاد، كقبض العلم، وانتشار الجهل، (١) وتضييع الأمانة، (٢) والتطاول في البنيان (٣) ونحوها.
وقد يظهر بعضها مصاحبا للأشراط الكبرى، أو بعدها.
القسم الثاني: أشراط الساعة الكبرى:
وهي العلامات والأمارات والأشراط التي تظهر قرب قيام الساعة،
стр. 25
وتكون غير معتادة الوقوع، كظهور الدجال، (١) ونزول عيسى بن مريم ﵇، (٢) وخروج يأجوج ومأجوج، (٣) وطلوع الشمس من مغربها. (٤)
وقسم بعض أهل العلم أشراط الساعة إلى ثلاثة أقسام: (٥)
١ - قسم ظهر وانقضى، كبعثة النبي ﷺ ، (٦)
وموته (٧) وفتح بيت المقدس (٨).
٢ - قسم ظهر ولا يزال، كانتشار الزنا (٩) والربا (١٠) وكثرة شرب
стр. 26
الخمر (١) وقلة الرجال وكثرة النساء (٢).
٣ - قسم لم يظهر حتى الآن، كخروج الدجال (٣) وطلوع الشمس من مغربها، (٤) ونزول عيسى بن مريم ﵇ (٥).
- فأما القسمان الأولان فهما من أشراط الساعة الصغرى.
- وأما القسم الثالث، فهو من الأشراط الكبرى.
стр. 27
المبحث الخامس
حجية خبر الآحاد في العقائد
سبب ذكر هذا المبحث، هو أن له صلة وثيقة بموضوع أشراط الساعة، وذلك لأن أكثر الأشراط جاء ذكرها في أحاديث آحاد. (١)
وقد ذهب بعض علماء الكلام قديماً، (٢) وبعض الأصوليين، (٣) وتابعهم
стр. 28
أصحاب المدرسة العقلية الحديثة (١)، إلى أن خبر الآحاد لا تثبت به عقيدة وإنما تثبت بالنص القطعي الثبوت (٢)، وإذا لم يكن النص قطعي الثبوت، فإنه لا يجوز الاحتجاج به عندهم.
توضيح شبهة هؤلاء:
سبب رد بعض علماء أهل الكلام وبعض الأصوليين لحديث الآحاد، وعدم قبولهم به في العقائد ولو كان صحيحا هو قولهم أن أدلة العقائد لابد أن تفيد اليقين، وأحاديث الآحاد لا تفيد اليقين بل هي ظنية، والظن لا يجوز أن يحتج به في العقائد.
لقوله تعالى ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾. (٣)
ولقوله تعالى ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾. (٤)
ونحو ذلك من الآيات التي يذم الله فيها المشركين لإتباعهم الظن، فدل ذلك على عدم حجية أحاديث الآحاد في العقائد لأنها تفيد الظن ولا تفيد اليقين، والظن قد ذمه الله تعالى في كتابه.
стр. 29
الرد على شبهتهم:
مما لا شك فيه أن احتجاج القائلين بعدم حجية أحاديث الآحاد في العقائد، بهذه الآيات وأمثالها التي تذم الظن وأهله، مردود وغير صحيح. وذلك من عدة وجوه:
أولا: إن الظن الوارد في الآية ليس المقصود به الظن الراجح أو الغالب الذي عنوه «وإنما المقصود به هو الشك والكذب والخرص والتخمين، فقد جاء في «النهاية» و «اللسان» وغيرهما من كتب اللغة»: «الظن» هو الشك يعرض لك في شيء، فتحققه وتحكم به. (١)
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ (٢) (أي ليس لهم علم صحيح يصدق ما قالوه، بل هو كذب وزور وافتراء وكفر شنيع ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ أي لا يجدي شيئا، ولا يقوم أبدا مقام الحق، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث»). (٣)(٤)
فالشك والكذب هو الظن الذي ذمه الله تعالى في كتابه، ونعاه
стр. 30
على المشركين، ويؤيد ذلك قوله تعالى ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾. (١)
فوصفهم بالظن والخرص الذي هو مجرد الحزر والتخمين. (٢)
ثانيا: لو كان الظن المنعي به على المشركين هو الظن الغالب أو الراجح، فإنه لا يجوز الأخذ به في الأحكام أيضاً، لأن الله أنكر على المشركين الأخذ بالظن إنكاراً مطلقاً، ولم يخصه بالعقيدة دون الأحكام، فكيف تقبلونه في الأحكام وتردونه في العقائد.
ثالثا: أما قولهم إن أحاديث الآحاد في العقائد لا تفيد اليقين ولو كانت صحيحة السند، فهو غير صحيح فحديث الآحاد إذا ثبتت صحته برواية الثقات، ووصل إلينا بطريق صحيح، فإنه يجب الإيمان به وتصديقه، سواء كان في العقائد أو الأحكام، وإنه يوجب العلم اليقيني.
وهذا هو مذهب سلف الأمة وأئمتها، استجابة لأمر الله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. (٣)
وقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ
стр. 31
لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. (١)
ثم إنه ليس هناك دليل يصح الاعتماد عليه في أن الحديث المتواتر يفيد اليقين والحديث الآحاد لا يفيد اليقين، فالأدلة الشرعية لم تفرق بين المتواتر والآحاد من حيث الحجية، بل إن التفريق بينهما في الحجية قولٌ مبتدع لم يعرفه سلف الأمة من أصحاب القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية. (٢)
النصوص الدالة على قبول خبر الواحد:
وردت نصوص كثيرة تدل على وجوب قبول خبر الواحد والاحتجاج به، سواء في العقائد أو الأحكام.
أدلة الكتاب: وهي كثيرة أذكر منها:
١ - قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾. (٣)
- فهذه الآية فيها حث للقبائل والعشائر وأهل النواحي والأقطار المختلفة من المؤمنين على أن ينفر من كل منهم طائفة ليتفقهوا في دينهم، ثم يرجعوا إلى قومهم فينذرونهم.
стр. 32
- والطائفة في لغة العرب، تطلق على الواحد، فما فوق.
- قال البخاري: ويسمى الرجل طائفة، لقوله تعالى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (١) فلو اقتتل رجلان دخلا في معنى الآية. (٢)
- والتفقه في الدين يشمل العقائد والأحكام، بل التفقه في العقائد أهم من التفقه في الأحكام، فالإمام أبو حنيفة لما ألف كتابا في العقائد سماه «الفقه الأكبر».
- ففي الآية دليل صريح على وجوب الأخذ بخبر الواحد، سواء في العقائد أو الأحكام وإلا لما جاز للطائفة أن تنذر قومها. (٣)
٢ - قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾. (٤)
- وفي قراءة أخرى «فتثبتوا». (٥)
- فإنها تدل على أن من لم يكن فاسقا بأن كان عدلا إذا جاء بخبر ما فالحجة قائمة به، وأنه لا يجب التثبت بل يؤخذ حالا. (٦)
стр. 33
٣ - قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾. (١)
- قال ابن القيم: «أجمع المسلمون أن الرد إلى الرسول هو الرجوع إليه في حياته، والرجوع إلى سنته بعد مماته، واتفقوا على أن فرض هذا الرد لم يسقط بموته، فإن كان متواتر أخباره وآحادها لا تفيد علماً، ولا يقيناً لم يكن للرد إليه وجه». (٢)
أدلة من السنة:
وأدلة السنة كثيرة وأذكر منها:
١ - ما ثبت في البخاري ومسلم أيضا، أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام، قال، فأخذ بيد أبي عبيدة فقال «هذا أمين هذه الأمة». (٣)
- فلو لم تقم الحجة بخبر الواحد لم يبعث النبي ﷺ أبا عبيدة وحده، وكذلك يقال في إرسال النبي ﷺ علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري في بلاد مختلفة ونوبات مختلفة واحدا بعد واحد.
стр. 34
وأحاديثهم في الصحيحين وفي غيرهما.
- ولا ريب أن هؤلاء كانوا يعلمون العقائد في جملة ما يعلمون، فلو لم تكن الحجة قائمة بهم عليهم لم يبعثهم رسول الله ﷺ أفرادا. (١)
- قال الشافعي ﵀ في كتابه «الرسالة»: «وهو لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول الله ﷺ ». (٢)
٢ - روى البخاري في صحيحة عن مالك بن الحويرث قال «أتينا إلى النبي ﷺ ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يوما، وكان رسول الله رحيماً رقيقاً، فلما ظن أنَّا قد اشتهينا أهلنا، أو قد اشتقنا، سألنا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال «أرجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلموهم، ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي». (٣)
- ففي هذا الحديث أمر النبي ﷺ كل واحد من هؤلاء الشباب أن يعلم أهله، والتعليم يعم العقيدة، بل هي أول ما يدخل في العموم، فلو لم يكن خبر الآحاد مما تقوم به العقيدة لم يكن لهذا الأمر معنى. (٤)
٣ - ما روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال «بينا
стр. 35
الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم أتٍ. فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة». (١)
- فلو لم يكن خبر الواحد يفيد اليقين لما أخذ أهل قباء بخبر الواحد.
- قال ابن حجر: «والحجة منه بالعمل بخبر الواحد ظاهرة، لأن الصحابة الذين كانوا يصلون إلى جهة بيت المقدس تحولوا عنه بخبر الذي قال لهم إن النبي ﷺ أمر أن يستقبل الكعبة، فصدقوا خبره وعملوا به في تحولهم عن جهة بيت المقدس وهي شامية إلى جهة الكعبة وهي يمانية على العكس من التي قبلها». (٢)
٤ - وعن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «نضر الله أمرءاً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلّغٍ أوعى من سامع». (٣)
«وهذا أيضا لا يقتصر على أحاديث الأعمال دون غيرها، بل هو عام متناول لأحاديث الأعمال والأحكام الاعتقادية، فلو لم يكن الإيمان بما ثبت عنه ﷺ من عقائد بأخبار الآحاد واجباً، لما كان لهذا الأمر من النبي ﷺ بتبليغ حديثه مطلقا معنى، بل لبين الرسول ﷺ أن ذلك مقصور على أحاديث
стр. 36
الأعمال دون غيرها». (١)
٥ - عن أنس بن مالك قال: «كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجراح وأُبي بن كعب شراباً من فضيخ وتمر، فجاءهم آتٍ، فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجراء فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت». (٢)
قال الشافعي: «وهؤلاء في العلم والمكان من النبي وتَقَدمُّ صحبته بالموضع الذي لا ينكره عالم، وقد كان الشراب عندهم حلالاً يشربونه فجاءهم آتٍ وأخبرهم بتحريم الخمر، فأمر أبو طلحة، وهو مالك الجراء - بكسر الجراء ولم يقل هو ولا هم ولا واحد منهم، نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله ﷺ ، مع قربه منا، أو يأتينا خبر عامة، وذلك أنهم لا يهرقون حلالا، وإهراقه سرف وليسو من أهله والحال في أنهم لا يدعون إخبار رسول الله ما فعلوا، ولا يدع لو كان ما قبلوا من خبر الواحد ليس لهم أن ينهاهم عن قبوله». (٣)
العقائد التي تثبت بأحاديث الآحاد:
ثم إنه من مساوئ هذا القول المحدث، هو رد المئات من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ بدعوى أنها آحاد منها:
стр. 37
١ - القول بنبوة آدم ﵇، وغيره من الأنبياء الذين لم ينص القرآن على نبوتهم.
٢ - أفضلية نبينا محمد ﷺ على جميع الأنبياء والمرسلين.
٤ - شفاعته ﷺ العظمى في المحشر.
٥ - شفاعته ﷺ لأهل الكبائر من أمته.
٦ - معجزاته كلها ما عدا القرآن.
٧ - كيفية بدء الخلق، وصفة الملائكة والجن، وصفة الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان، وأن الحجر الأسود من الجنة.
٨ - سؤال منكر ونكير في القبر.
٩ - الإيمان بعذاب القبر.
١٠ - ضغطة القبر للميت.
١١ - الصراط - الحوض - والميزان ذو الكفتين.
١٢ - الإيمان بحوضه ﷺ ، وأن من شرب منه شربه لا يظمأ بعدها أبدا.
١٣ - دخول سبعين ألفا من أمته ﷺ الجنة بغير حساب.
١٤ - خصوصياته ﷺ التي جمعها السيوطي في كتاب «الخصائص الكبرى» مثل دخول الجنة ورؤية أهلها، وما أعد للمتقين فيها، وإسلام قرينه من الجن.
١٥ - القطع بأن العشرة المبشرين بالجنة من أهل الجنة.
١٦ - عدم تخليد أهل الكبائر في النار.
١٧ - الإيمان بالقلم الذي كتب كل شيء.
стр. 38
١٨ - الإيمان بأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.
١٩ - الإيمان بكل ما صح في الحديث في صفة القيامة والحشر والنشر مما لم يرد في القرآن الكريم.
٢٠ - الإيمان بمجموع أشراط الساعة، كخروج المهدي، ونزول عيسى ﵇، وخروج الدجال، وخروج النار، وطلوع الشمس من مغربها والدابة وغير ذلك.
ثم إنه ليست أدلة جميع هذه العقائد التي قالوا هي ثابتة بخبر الآحاد، ليست أدلتها أحاديث آحاد، بل منها ما دليله أحاديث متواترة، ولكن قلة علم هؤلاء المنكرين لحجية خبر الآحاد، وقلة بضاعتهم في علم الحديث جعلهم يردون كل هذه العقائد، وغيرها من العقائد، التي جاءت بها الأحاديث الصحيحة. (١)
خاتمة هذا المبحث:
يتضح مما سبق، أن القول بأن أحاديث الآحاد لا تثبت بها عقيدة، قولٌ مبتدع محدث لا أصل له في الدين، وكل ما كان كذلك فهو مردود.
والصواب القول، بأن الحديث إذا ثبتت صحته برواية الثقات ووصل إلينا بطريق صحيح، فإنه يجب الإيمان به وتصديقه، سواء كان خبرا متواترا، أو آحادا، وأنه يوجب العلم اليقيني، وهذا هو مذهب علماء سلف الأمة، انطلاقا من أمر الله تعالى للمؤمنين بقوله ﴿وَمَا
стр. 39
كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. (١) ولقوله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾. (٢) ولقوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. (٣)
فأهل السنة يقبلون أحاديث الآحاد الصحيحة في العقائد والأحكام من غير تفريق في ذلك، يدلك على هذا تخريج أئمة أهل السنة كمالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبي داوود والترمذي والنسائي والدارمي وغيرهم للأحاديث المثبتة للعقائد في مدوناتهم والمتواتر منها قليل، ولو لم يرتضوا الاستدلال بها لما أتعبوا أنفسهم في روايتها وضبطها وتدوينها، ومن قال عنهم خلاف ذلك فقد افترى عليهم. (٤)
قال ابن حجر: «قد شاع فاشيا عمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد، من غير نكير، فاقتضى الاتفاق منهم على القبول». (٥)
وقال ابن أبي العز الحنفي: «خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول، عملا به، وتصديق له، يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة، وهو أحد قسمي المتواتر، ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع». (٦)
стр. 40
وقال الشافعي: «متى رويت عن رسول الله ﷺ حديثا صحيحا فلم آخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب». (١)
وقال الإمام أحمد: «كل ما جاء عن النبي ﷺ بإسناد جيد، أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ﷺ ، ودفعناه، ورددناه، رددنا على الله أمره، قال الله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. (٢)(٣)
قال ابن تيمية: «السنة إذ ثبتت فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوب إتباعها». (٤)
وقال ابن القيم في رده على من ينكر حجية خبر الواحد: «ومن هذا إخبار الصحابة بعضهم بعضا؛ فإنهم كانوا يجزمون بما يحدث به أحدهم عن رسول الله ﷺ ، ولم يقل أحد منهم لمن حدثه عن رسول الله ﷺ : خبر واحد لا يفيد العلم حتى يتواتر، وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثا عن رسول الله ﷺ في الصفات؛ تلقاه بالقبول، واعتقد تلك الصفة به على القطع واليقين؛ كما اعتقد رؤية الرب، وتكليمه، ونداءه يوم القيامة لعباده بالصوت الذي يسمعه البعيد كما يسمعه القريب، ونزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة، وضحكه،