الأعمال دون غيرها». (١)
٥ - عن أنس بن مالك قال: «كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجراح وأُبي بن كعب شراباً من فضيخ وتمر، فجاءهم آتٍ، فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجراء فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت». (٢)
قال الشافعي: «وهؤلاء في العلم والمكان من النبي وتَقَدمُّ صحبته بالموضع الذي لا ينكره عالم، وقد كان الشراب عندهم حلالاً يشربونه فجاءهم آتٍ وأخبرهم بتحريم الخمر، فأمر أبو طلحة، وهو مالك الجراء - بكسر الجراء ولم يقل هو ولا هم ولا واحد منهم، نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله ﷺ ، مع قربه منا، أو يأتينا خبر عامة، وذلك أنهم لا يهرقون حلالا، وإهراقه سرف وليسو من أهله والحال في أنهم لا يدعون إخبار رسول الله ما فعلوا، ولا يدع لو كان ما قبلوا من خبر الواحد ليس لهم أن ينهاهم عن قبوله». (٣)
العقائد التي تثبت بأحاديث الآحاد:
ثم إنه من مساوئ هذا القول المحدث، هو رد المئات من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ بدعوى أنها آحاد منها:
стр. 37
١ - القول بنبوة آدم ﵇، وغيره من الأنبياء الذين لم ينص القرآن على نبوتهم.
٢ - أفضلية نبينا محمد ﷺ على جميع الأنبياء والمرسلين.
٤ - شفاعته ﷺ العظمى في المحشر.
٥ - شفاعته ﷺ لأهل الكبائر من أمته.
٦ - معجزاته كلها ما عدا القرآن.
٧ - كيفية بدء الخلق، وصفة الملائكة والجن، وصفة الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان، وأن الحجر الأسود من الجنة.
٨ - سؤال منكر ونكير في القبر.
٩ - الإيمان بعذاب القبر.
١٠ - ضغطة القبر للميت.
١١ - الصراط - الحوض - والميزان ذو الكفتين.
١٢ - الإيمان بحوضه ﷺ ، وأن من شرب منه شربه لا يظمأ بعدها أبدا.
١٣ - دخول سبعين ألفا من أمته ﷺ الجنة بغير حساب.
١٤ - خصوصياته ﷺ التي جمعها السيوطي في كتاب «الخصائص الكبرى» مثل دخول الجنة ورؤية أهلها، وما أعد للمتقين فيها، وإسلام قرينه من الجن.
١٥ - القطع بأن العشرة المبشرين بالجنة من أهل الجنة.
١٦ - عدم تخليد أهل الكبائر في النار.
١٧ - الإيمان بالقلم الذي كتب كل شيء.
стр. 38
١٨ - الإيمان بأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.
١٩ - الإيمان بكل ما صح في الحديث في صفة القيامة والحشر والنشر مما لم يرد في القرآن الكريم.
٢٠ - الإيمان بمجموع أشراط الساعة، كخروج المهدي، ونزول عيسى ﵇، وخروج الدجال، وخروج النار، وطلوع الشمس من مغربها والدابة وغير ذلك.
ثم إنه ليست أدلة جميع هذه العقائد التي قالوا هي ثابتة بخبر الآحاد، ليست أدلتها أحاديث آحاد، بل منها ما دليله أحاديث متواترة، ولكن قلة علم هؤلاء المنكرين لحجية خبر الآحاد، وقلة بضاعتهم في علم الحديث جعلهم يردون كل هذه العقائد، وغيرها من العقائد، التي جاءت بها الأحاديث الصحيحة. (١)
خاتمة هذا المبحث:
يتضح مما سبق، أن القول بأن أحاديث الآحاد لا تثبت بها عقيدة، قولٌ مبتدع محدث لا أصل له في الدين، وكل ما كان كذلك فهو مردود.
والصواب القول، بأن الحديث إذا ثبتت صحته برواية الثقات ووصل إلينا بطريق صحيح، فإنه يجب الإيمان به وتصديقه، سواء كان خبرا متواترا، أو آحادا، وأنه يوجب العلم اليقيني، وهذا هو مذهب علماء سلف الأمة، انطلاقا من أمر الله تعالى للمؤمنين بقوله ﴿وَمَا
стр. 39
كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. (١) ولقوله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾. (٢) ولقوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. (٣)
فأهل السنة يقبلون أحاديث الآحاد الصحيحة في العقائد والأحكام من غير تفريق في ذلك، يدلك على هذا تخريج أئمة أهل السنة كمالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبي داوود والترمذي والنسائي والدارمي وغيرهم للأحاديث المثبتة للعقائد في مدوناتهم والمتواتر منها قليل، ولو لم يرتضوا الاستدلال بها لما أتعبوا أنفسهم في روايتها وضبطها وتدوينها، ومن قال عنهم خلاف ذلك فقد افترى عليهم. (٤)
قال ابن حجر: «قد شاع فاشيا عمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد، من غير نكير، فاقتضى الاتفاق منهم على القبول». (٥)
وقال ابن أبي العز الحنفي: «خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول، عملا به، وتصديق له، يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة، وهو أحد قسمي المتواتر، ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع». (٦)
стр. 40
وقال الشافعي: «متى رويت عن رسول الله ﷺ حديثا صحيحا فلم آخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب». (١)
وقال الإمام أحمد: «كل ما جاء عن النبي ﷺ بإسناد جيد، أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ﷺ ، ودفعناه، ورددناه، رددنا على الله أمره، قال الله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. (٢)(٣)
قال ابن تيمية: «السنة إذ ثبتت فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوب إتباعها». (٤)
وقال ابن القيم في رده على من ينكر حجية خبر الواحد: «ومن هذا إخبار الصحابة بعضهم بعضا؛ فإنهم كانوا يجزمون بما يحدث به أحدهم عن رسول الله ﷺ ، ولم يقل أحد منهم لمن حدثه عن رسول الله ﷺ : خبر واحد لا يفيد العلم حتى يتواتر، وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثا عن رسول الله ﷺ في الصفات؛ تلقاه بالقبول، واعتقد تلك الصفة به على القطع واليقين؛ كما اعتقد رؤية الرب، وتكليمه، ونداءه يوم القيامة لعباده بالصوت الذي يسمعه البعيد كما يسمعه القريب، ونزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة، وضحكه،
стр. 41
وفرحه، وإمساك السماوات على إصبع من أصابع يده، وإثبات القدم له، من سمع هذه الأحاديث ممن حدث بها عن رسول الله ﷺ ، أو عن صاحب اعتقد ثبوت مقتضاها بمجرد سماعها من العدل الصادق، ولم يرتب فيها، حتى إنهم ربما تثبتوا في بعض أحاديث الأحكام .. ولم يطلب أحد منهم الاستظهار في رواية أحاديث الصفات البتة، بل كانوا أعظم مبادرة إلى قبولها، وتصديقها، والجزم بمقتضاها، وإثبات الصفات بها، من المخبر لهم بها عن رسول الله ﷺ ، ومن له أدنى إلمام بالنسبة والتفات إليها؛ يعلم ذلك، ولولا وضوح الأمر في ذلك، لذكرنا أكثر من مائة موضع، فهذا الذي اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله ﷺ خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة، وإجماع التابعين، وإجماع أئمة الإسلام، ووافقوا به المعتزلة، والجهمية، والرافضة، والخوارج، الذين انتهكوا هذه الحرمة، وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء، وإلا فلا يعرف لهم سلف من الأئمة بذلك، بل صرح الأئمة بخلاف قولهم؛ ممن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم: مالك، والشافعي، وأصحاب أبي حنيفة، وداود بن علي، وأصحابه كأبي محمد بن حزم». (١)(٢)
стр. 42
المبحث السادس
حجية العقل والنقل
سبب إيراد هذا المبحث هو أن له علاقة وثيقة جداً أيضاً بالموضوع الذي سوف نتناوله وهو «آراء محمد رشيد رضا في أشراط الساعة الكبرى».
حيث أن رشيد رضا رد غالب الأحاديث الصحيحة التي تثبت أشراط الساعة الكبرى، كالأحاديث التي تثبت خروج المسيح الدجال، والأحاديث التي تنص على خروج المهدي وأحاديث نزول عيسى بن مريم وأحاديث خروج الشمس من مغربها.
ولم يكن رده لهذه الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرها من كتب السنن لعلةٍ في أسانيدها أو رواتها، ولكن لعللٍ أخرى يراها رشيد رضا أنها كفيله برد الحديث ولو كان صحيح السند ولو كان في الصحيحين.
كأن تكون العلة في الحديث، كما يرى هو مخالفته للعقل والحس أو مخالفته للسنن الكونية والإلهية، أو كأن يكون فيها إشكال أو تعارض كما يقول مما يوجبُ تساقطها وردها.
مثال ذلك رده للأحاديث الواردة في المسيح الدجال، والتي هي في الصحيحين وفي غيرها من كتب السنن، بدعوى «أنها مشكلة وأنها منافية
стр. 43
لحكمة إنذار الناس بقرب قيام الساعة وإتيانها بغتةً، وأنها متعارضة تعارضاً كبيراً فيما بينها، مما يوجب تساقطها». (١)
ومثال ذلك أيضا رده للأحاديث الواردة في المهدي حيث يقول «وأما التعارض في أحاديث المهدي فهوى أقوى وأظهر والجمع بين الروايات فيه أعسر، والمنكرون لها أكثر والشبهة فيها أظهر. ولذلك لم يعتد الشيخان بشيء من روايتهما في صحيحيهما». (٢)
وكذلك رده لحديث «طلوع الشمس من مغربها» في آخر الزمان والذي رواه أبو هريرة ورفعه للنبي ﷺ والذي هو في الصحيحين.
فرشيد رضا يرد هذا الحديث، بدعوى أنه مشكل وأن أبا هريرة لم يصرح في هذا الحديث بالسماع عن النبي ﷺ ، فيخشى أن يكون قد سمع ذلك من كعب الأحبار! ! ! (٣)
وفي الحقيقة أن الشيخ رشيد رضا لم يَردُ أحاديث أشراط الساعة الكبرى فقط، لأنه كما يقول فيها إشكال وتعارض.
بل رد كذلك أحاديث أخرى كثيرة وهي التي سوف أذكرها في مبحث عقيدته تحت عنوان «المآخذ التي عليه».
ومنها على سبيل المثال رده للحديث الذي في صحيح البخاري والذي لا مطعن فيه وهو حديث «سجود الشمس عند العرش».
стр. 44
حيث يرده رشيد رضا بدعوى أنه من أعظم المتون إشكالاً (١) كما يقول، وكذلك رده للأحاديث التي تثبت سحر النبي ﷺ والتي هي في الصحيحين، بدعوى أنها تورد شبهةً على الدين (٢)، وكذلك رده للأحاديث التي تنص على انشقاق القمر في زمن النبي ﷺ والتي هي في الصحيحين بدعوى اختلاف المتون مما يوجب تساقطهما، (٣) وغيرها الكثير من الأحاديث الأخرى.
وهذا بلا شك مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة في تعظيم نصوص السنة النبوية وقبولها إذا صح سندها، وعدم دفعها وردها لمجرد مخالفتها للعقل أو الحس أو غيرها من الاحتمالات والآراء التي لا قيمة لها إذا صح نسبة الحديث للنبي ﷺ .
ثم إن تقديم العقل على النقل من أقوال الفلاسفة ومن نحا نحوهم من المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام، وتابعهم به أصحاب المدرسة العقلية الحديثة. (٤)
ومما ينبغي اعتقاده أن نصوص الكتاب والسنة الصحيحة والصريحة في دلالتها لا يعارضها شيء من المعقولات الصريحة، ذلك أن العقل شاهد بصحة الشريعة إجمالا وتفصيلا، فأما الإجمال، فمن جهة شهادة العقل
стр. 45
بصحة النبوة وصدق الرسول ﷺ ، فيلزم من ذلك تصديقه في كل ما يخبر به من الكتاب والحكمة.
وأما التفصيل، فمسائل الشريعة ليس فيها ما يرده العقل؛ بل كل ما أدركه العقل من مسائلها فهو يشهد له بالصحة تصديقاً وتعضيداً، وما قصر العقل عن إدراكه من مسائلها، فهذا لعظم الشريعة، وتفوقها، ومع ذلك فليس في العقل ما يمنع وقوع تلك المسائل التي عجز العقل عن إدراكها، فالشريعة قد تأتي بما يحير العقول لا بما تحيله العقول.
فإن وجد ما يوهم التعارض بين العقل والنقل، فإما أن يكون النقل غير صحيح أو يكون صحيحا ليس فيه دلالة صحيحة على المدعي، وإما أن يكون العقل فاسدا بفساد مقدماته.
فمن احتج - مثلا - في إنكار الصفات الإلهية بأن لازم ذلك إثبات آلهة مع الله، فقد احتج بعقل غير صحيح، بل لا يجوز تسمية ذلك عقلاً أصلاً؛ إذ لا يجوز في العقل وجود موجود مجرد عن الصفات؛ بل هو من أعظم الممتنعات العقلية؛ لأنه يستلزم رفع النقيضين، حيث يقال: هو موجود ولا موجود، ولا يقال هذا في حق المخلوق، فلا يستلزم إثبات المخلوق متصفاً بصفات السمع والبصر والكلام والحياة أن يتعدد المخلوق، بحيث تكون كل صفة منها إنساناً قائماً بنفسه، وهذا معلوم البطلان في حق المخلوق، وبطلانه في حق الخالق أظهر وأولي، فهذا عقل فاسد لا يقاوم النقل الصحيح الصريح من آيات الصفات وأحاديثها.
وقد يكون النقل مكذوبا والعقل صحيحاً، كما في حديث يروى عن
стр. 46
أبي هريرة- ﵁ أنه قال: «قيل يا رسول الله: مم ربنا؟ قال: من ماء مرور، لا من أرض، ولا من سماء، خلق خيلاً فأجراها فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق ... » (١)(٢).
ففي هذا الكذب وأمثاله لا يقال إنه يعارض دليل العقل، فلا يصلح أن يكون دليلا فضلا عن أن ينسب إلى الشرع ليعارض به العقل، علاوة على أن الأدلة الشرعية تنقضه وتبطله.
وقد يكون النقل صحيحاً، إلا أنه لا يدل على المعنى المدعى، فيتوهم التعارض بين المنقول والمعقول، كما في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني .. الحديث» (٣).
فمن فهم من الحديث أن الله تعالى يمرض أو يجوع ويعطش لم يفهم معنى الحديث؛ لأن الحديث فسره المتكلم به، وبين المراد منه، وهو أن العبد هو الذي جاع وعطش ومرض، وأن الله تعالى منزه عن ذلك. (٤) «والمقصود
стр. 47
هو بيان أنه إذا ظهر تعارض بين الدليلين النقلي والعقلي، فلا بد من أحد ثلاثة احتمالات:
الأول: أن يكون أحد الدليلين قطعياً والآخر ظنياً، فيجب تقديم القطعي نقلياً كان أم عقلياً، وإن كانا ظنيين فالواجب تقديم الراجح، عقلياً كان أم نقلياً.
الثاني: أن يكون أحد الدليلين فاسداً، فالواجب تقديم الدليل الصحيح على الفاسد سواء أكان نقلياً أم عقلياً.
الثالث: أن يكون أحد الدليلين صريحاً والآخر ليس بذاك، فهنا يجب تقديم الدلالة الصريحة على الدلالة الخفية، لكن قد يخفي من وجوه الدلالات عند بعض الناس ما قد يكون بيناً وواضحاً عند البعض الآخر، فلا تعارض في نفس الأمر عندئذٍ.
أما أن يكون الدليلان قطعيين - سنداً ومتناً - ثم يتعارضان، فهذا لا يكون أبداً، لا بين نقليين، ولا بين عقليين، ولا بين نقلي وعقلي» (١).
وخلاصة اعتقاد أهل السنة في الباب «أن الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وأن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه» (٢).
стр. 48
وقد أعمل الصحابة ﵃ هذا الأصل، وتلقاه عنهم التابعون، وتواترت عبارات أهل العلم بهذا المعنى.
قال ابن تيمية ﵀: «فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم» (١).
وقال الإمام الشافعي ﵀: «كل شيء خالف أمر رسول الله ﷺ سقط، ولا يقوم معه رأي ولا قياس، فإن الله تعالى قطع العذر بقول رسول الله ﷺ ، فليس لأحد معه أمر ولا نهي غير ما أمر هو به» (٢).
وقال الإمام مالك ﵀: «أو كلما جاء رجل أجدل من الآخر، رد ما أنزل جبريل على محمد ﷺ » (٣).
ومن ثمرات الالتزام بهذه القاعدة، إثبات عصمة الشرع الحكيم إذ ليس فيه ما يخالف العقل الصحيح، وسد باب التأويل والتفويض، واستقامة الحياة على الوجه الأتم الأكمل عند نفي التعارض بين وحي الله تعالى وخلقه، فتنعم البشرية بهدي الله وشرعه وتنتفع بما أنعم على خلقه. (٤)
стр. 49
الفصل الأول
نبذة عن محمد رشيد رضا
ويتضمن المباحث التالية:
المبحث الأول: نسبه ومولده.
المبحث الثاني: نشأته وطلبه للعلم.
المبحث الثالث: بداية التحول.
المبحث الرابع: هجرته إلى مصر.
المبحث الخامس: مجلة المنار.
المبحث السادس: جهوده الإصلاحية.
المبحث السابع: مذهبه.
المبحث الثامن: عقيدته.
المبحث التاسع: وفاته.
المبحث العاشر: أثاره ومؤلفاته.
стр. 50
المبحث الأول
نسبه ومولده
هو محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن السيد منلا علي خليفة البغدادي.
فهو بغدادي الأصل، حسيني النسب، حيث يرجع نسبه إلى الصحابي الجليل، الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄. (١)
حيث كان يؤكد ذلك النسب في كثير من كتاباته، كأن يقول عن الإمام علي- ﵁ (جدنا المرتضى ﵇. (٢)
ويقول: (جدنا الحسين ﵇. (٣)
ويقول: (جدنا جعفر الصادق ﵇. (٤)
стр. 51
وقد ولد محمد رشيد رضا في ٢٧ جمادي الأولى سنة ١٢٨٢ هـ الموافق ٢٣ سبتمبر سنة ١٨٦٥ م.
في القلمون بعد ما نزحت أسرته إليها من بغداد.
وهي قرية تقع على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وتبعد عن طرابلس الشام (١) نحو ثلاثة أميال. (٢)
стр. 52
المبحث الثاني
نشأته وطلبه للعلم
نشأ الشيخ محمد رشيد رضا في أسره متدينة، أشتهرت بالعلم والصلاح والتقى والعفاف والاستقامة على طاعة الله، فكان والد الشيخ رشيد هو شيخ قرية القلمون، وإمام مسجدها.
وكانت قرية (القلمون) قد اشتهر أهلها بحسن السيرة، والتدين والاستقامة، وقلة ظهور المنكرات بينهم، فلقد كان لنشأة رشيد رضا في أسرة متدينة وفي قرية يغلب عليها طابع التدين والاستقامة والبعد عن المنكرات، أثر كبير في تكوين شخصيته وفكره وأخلاقه وسلوكه.
فنشأ محباً للتدين والاستقامة والعبادة، ملازما أهل الصلاح والتقى والخير، حريصاً على وقته، دائم الجلوس في المسجد (١).
وقد كان في سن المراهقة يذهب إلى المسجد في السحر ولا يعود إلا بعد ارتفاع الشمس، حتى أنه أتخذ لنفسه حجرة خاصة في المسجد للعبادة والمطالعة.
يقول عن نفسه «كانت تلذ لي صلاة التهجد تحت الأشجار في بساتينها الخالية وأفكر في صدق من قال» أهل الليل في ليلهم أنعمُ من أهل اللهو في
стр. 53
لهوهم» وقول الآخر «لو يعلم الملوك ما نحن فيه لقاتلونا عليه بالسيف» نعم إن للبكاء من خشية الله وتدبر كتابه في صلاة الليل حيث يعلم المصلي أنه لا يسمع صوته أحد إلا الله لذة روحية تعلو كل لذات الضحك واللهو على اختلاف أسبابها». (١)
أما بداية طلبه للعلم، فكانت في قريته (القلمون) حيث دخل في كُتابها وتعلم مبادئ القراءة والكتابة وقواعد الحساب، وحفظ بعض أجزاء القرآن الكريم (٢).
ثم التحق بعد ذلك بالمدرسة (الرشيدية) في طرابلس الشام، وهي مدرسة ابتدائية تابعة للدولة العثمانية، والتعليم فيها بالتركية، حيث يُدرس فيها مبادئ العلوم الشرعية واللغوية ومبادئ الجغرافيا لكن لم يستمر بها إلا سنةً واحدة ثم تركها (٣).
ثم التحق بعد ذلك بالمدرسة (الوطنية الإسلامية في عام ١٣٠٠ هـ - ١٨٨٣ م) في طرابلس الشام أيضاً، والتي أسسها الشيخ حسين الجسر (٤)، والتي كان التعليم فيها باللغة العربية وتُدرس فيها اللغة التركية والفرنسية.
стр. 54
وكانت غاية الشيخ الجسر من إنشاء هذه المدرسة هو الجمع بين العلوم الدينية والعلوم العصرية، حيث كان يرى أن الأمة الإسلامية لا ترقى إلا بالجمع بين علوم الدين والدنيا.
ولكن المدرسة لم تعمر طويلاً وأغُلقت، وذلك بسبب أن الحكومة العثمانية رفضت اعتبار هذه المدرسة مدرسة دينية وبالتالي لم تعفِ طلابها من الخدمة العسكرية، الأمر الذي أدى إلى إلغائها وتفرق طلبتها على بقية المدارس (١)، فالتحق رشيد رضا بالمدارس الدينية بطرابلس، ومع هذا لم يقطع صلته بأستاذة حسين الجسر، فظل ينهل الكثير من المدرسة، ومن الشيخ الجسر، حتى نال الشهادة العالمية من المدرسة، ونال الإجازة في التدريس من شيخه.
حيث تلقى عنه العلوم الشرعية والعربية، فشرح له حاشية البيجوري على الجوهرة في العقائد على الطريقة الأشعرية، وقرأ عليه الشيخ رشيد كتاباً في المنطق، وكان الشيخ حسين الجسر أشعرياً، وقد ألف كتابه «الحصون الحميدية» وسلك فيه طريقة المتكلمين الأشاعرة في العقيدة وألف «الرسالة الحميدية» ليوفق بين النصوص الدينية ونظرية النشوء والارتقاء. (٢)
стр. 55
شيوخه:
١ - الشيخ محمود نشابه (١) حيث قرأ عليه الأربعين النووية وأجازه بها، وحضر دروسه في شرح صحيح البخاري في الجامع الكبير، وقرأ عليه صحيح مسلم، وشرح المنهاج في بيته، وتلقى عنه الفقه الشافعي.
يقول عنه الشيخ رشيد: «وما عرفت قيمتهُ وتفوقه على جميع من لقيت من علماء الإسلام في علومه إلا بقراءة صحيح مسلم عليه، فإنني كنت أقرأ عليه المتن فيضبط لي الرواية أصح الضبط، من غير مراجعة ولا نظر في شرح، وأسأله عن كل ما يشكل علي من مسائل الرواية والدراية فيجيبني عنه أصح جواب، وكنت أراجع بعض تلك المسائل بعد الدرس في شرح مسلم وغيره، ولا أذكر أنني عثرت على خطأ في شيءٍ منها». (٢)
٢ - الشيخ عبد الغني الرافعي (٣)، حيث تلقى عنه العلوم العربية
стр. 56
والأدبية، وحضر بعض دروسه في نيل الأوطار للشوكاني (١)، واستفاد كثيراً من معاشرته في العلم والأدب والتصوف (٢).
٣ - الشيخ محمد القاوقجي (٣)، حيث درس عليه بعض علوم الحديث، وصفه الشيخ رشيد بأنه «العالم المحدث العابد الشهير» أخذ عنه الشيخ رشيد كتابه في الأحاديث المسلسلة، ومنها المسلسل بالأولية، وكتابه «المعجم الوجيز» في الحديث، وكان الشيخ القاوقجي من أهل الطريقة الشاذلية، وتأثر به الشيخ رشيد في هذا الجانب في أول الأمر (٤).
وفي هذه الفترة من شبابه كان يكثر من قراءة كتاب «إحياء علوم
стр. 57
الدين» للغزالي (١)، فتأثر به تأثراً كبيراً مما جعله يميل إلى الزهد والتصوف واحتقار الدنيا.
لكنه لم يكن منعزلاً عن الناس وعن مجتمعه، فقد كان إماماً لمسجد القرية الذي بناه جده، فكان يعظ الناس ويذكرهم ويرشدهم ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحارب بدع البناء على القبور وتعظيمها. وكان يذهب للمقاهي وينصح من فيها بأداء الصلوات ويبسط في تعليمهم أبواب الفقه ويقرب قواعده للعامة، ويلقي الدروس على نساء القرية لتعليمهن أمور دينهن في الطهارة والعبادات واللباس. (٢)
стр. 58
المبحث الثالث
بداية التحول
كانت بداية التحول في منهج رشيد رضا بتحوله من التصوف والزهد إلى الاهتمام بإصلاح المسلمين والذود عنهم، في عام ١٣١٠ هـ/ ١٨٩٢ م، حيث كان يبلغ عمره آنذاك ثمانٍ وعشرين سنة.
وسبب هذا التحول، هو وقوع أعداد من مجلة «العروة الوثقى» في يديه والتي كان يصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده من باريس، فأعجب بها وبمقالاتها وبما يكتب بها، فأخذ يبحث عن بقية أعداد المجلة فوجدها كاملة في مكتبة شيخه حسين الجسر، فنسخها، وأنكب على مطالعتها. (١)
يقول الشيخ رضا: «كنتٌ أقلب في أوراق والدي فرأيت عددين من جريدة العروة الوثقى فقرأتهما بشوق ولذة، ففعلا في نفسي فعل السحر، وكان كل عدد منها كسلك من الكهرباء اتصل بي فأحدث في نفسي من الهزة والانفعال والحرارة والاشتعال ما قذف بي من طور إلى طور ومن حال إلى حال وكان همي قبل ذلك محصورا في تصحيح عقائد المسلمين ونهيهم عن المحرمات وحثهم على الطاعات وتزهيدهم في الدنيا ...
стр. 59
فتعلقت نفسي بعد ذلك بوجوب إرشاد المسلمين عامة إلى المدنية والمحافظة على ملكهم ومباراة الأمم العزيزة في العلوم والفنون والصناعات، وجميع مقومات الحياة، فطفقت استعد لذلك استعداداً». (١)
стр. 60
المبحث الرابع
هجرته إلى مصر
بعدما قرأ رشيد رضا العروة الوثقى، أعجب أشد الإعجاب بجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، فكان يتمنى أن يلتقي بجمال الدين الأفغاني، وأن ينهل من علمه وحكمته وخبرته في الإصلاح.
قال الشيخ رشيد: «توجهت نفسي بتأثير العروة الوثقى إلى الهجرة إلى السيد جمال والتلقي عنه، وكان قد جاء إلى الآستانة فكتبت إليه بترجمتي ورغبتي في صحبته، وأنه لا يصدني عنها إلا إقامته في الآستانة لاعتقادي أنه لا يستطيع طول المقام فيها، وعللت ذلك بقولي «لأن بلاد المشرق أمست كالمريض الأحمق يأبي الدواء ويعافه لأنه دواء»، وبعد أن توفاه الله تعالى إليه فيها، تعلق أملي بالاتصال بخليفته الشيخ محمد عبده للوقوف على أخباره وآرائه في الإصلاح الإسلامي، ومازلت أتربص الفرص لذلك حتى سنحت لي في رجب سنة ١٣١٥ هـ وكان ذلك عقب إتمام تحصيلي للعلم في طرابلس، وأخذ شهادة العالمية أو التدريس من شيوخي فيها، فهاجرت إلى مصر». (١)
ولكن في الحقيقة هناك أسباب أخرى دفعت الشيخ رضا للهجرة إلى مصر والإقامة فيها، حيث يقول الشيخ رشيد «عزمت على الهجرة إلى مصر
стр. 61
لما فيها من حرية العمل واللسان والقلم، ومن مناهل العلم العذبة الموارد، ومن طرق النشر الكثيرة المصادر، وكان أعظم ما أرجوه من الاستفادة في مصر، الوقوف على ما استفاده الشيخ محمد عبده من الحكمة والخبرة وخطة الإصلاح التي استفادها من صحبة السيد جمال الدين، وأن أعمل معه، وبإرشاده في هذا الجو الحُر ... ». (١)
فهاجر الشيخ محمد رشيد رضا إلى مصر في عام ١٣١٥ هـ الموافق ١٨٩٧ م، وكان عمره آنذاك ثلاثة وثلاثين عاماً تقريباً.
وحل ضيفاً على الشيخ محمد عبده وكان لا يعرف في مصر قبل هجرته أحد غيره، إذ سبق له اللقاء به أثناء فترة نفيه إلى بيروت عام ١٨٨٥ م، والتقى به كذلك في طرابلس عام ١٨٩٤ م عندما كان الشيخ عبده يصطاف هناك فلازمه ووثق علاقته به. (٢)
стр. 62
المبحث الخامس
مجلة المنار
كان السيد محمد رشيد رضا من قبل هجرته إلى مصر يتمنى أن ينشئ مجلة تحل محل مجلة «العروة الوثقى» والتي توقفت بعد ثمانية عشر عدداً، وتكون بنفس القيمة العلمية لها، وتسير على نفس النهج الذي سارت عليه، حيث تدعو إلى الإصلاح ومعالجة أوضاع المسلمين وحل مشاكلهم وما يستحدث من المسائل الشرعية.
فعرض فكرته على أستاذة الإمام محمد عبده، فوافق الأستاذ ولكن بعد أن اقترح ثلاثة أمور:
الأولى: وهي أن لا تتحيز لحزب من الأحزاب.
الثانية: وهي أن لا يرد على أي جريدة من الجرائد التي تتعرض له بالذم أو الانتقاد.
الثالثة: وهي أن لا يخدم أفكار أحد من الكبراء.
فوافقه رشيد رضا على اقتراحاته الثلاثة، ثم بعد ذلك شاوره في اختيار اسم لها وعرض عليه مجموعة من الأسماء ومن بينها المنار، فاختار المنار.
وصدر العدد الأول من المجلة في ٢٢/ شوال سنة ١٣١٥ هـ الموافق ١٧/ مارس سنة ١٨٩٨ م.
стр. 63
أي بعد ثلاثة أشهر تقريبا من وصوله إلى مصر. (١)
وكتب رشيد رضا في افتتاحية العدد الأول منها: «أما بعد: فهذا صوتٌ صارخ بلسانٍ عربي مبين، ونداءُ حق يقرع سمع الناطق بالضاد مسامع جميع الشرقيين ... يقول أيها الشرقي المستغرق في منامه، المبتهج بلذيذِ أحلامه، حسبك حسبك، فقد جاوزت بنومك حد الراحة .... ». (٢)
وفي مقدمة الطبعة الثانية للعدد الأول يقول عن أغراض المنار «أغراضها كثيرة يجمعها الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي لأمتنا الإسلامية، هي ومن يعيش معها وتتصل مصالحة بمصالحها، وبيان اتفاق الإسلام مع العلم والعقل، وموافقته لمصالح البشر في كل قُطر وكل مصر وإبطال ما يورد من الشبهات عليه، وتفنيد ما يعزى من الخرافات إليه ..... ». (٣)
وكانت في بداية إنشائها تصدر كل أسبوع على شكل «الجريدة اليومية» وتتكون من ثماني صفحات، وبعد عام من الصدور صارت على شكل «مجلة» تصدر كل أسبوع أيضاً، ثم أصبحت في العام التالي تصدر مرتين في الشهر، وبعد سنتين ونصف أو ثلاث أصبحت تصدر كل شهر عربي مرة.
وكان الشيخ رشيد يكتب على الصفحة الأولى «المنار مجلة شهرية تبحث في فلسفة الدين وشؤون الاجتماع والعمران».
стр. 64
وكانت المنار في بداية صدورها تطبع في مطابع خاصة، ثم اشترى الشيخ رشيد مطبعة خاصة للمنار، يطبع فيها المجلة وغيرها من كتبه ومطبوعاته.
ولم يمر سبعة أعوام على المجلة حتى ذاع صيتها واشتهرت بين أوساط المثقفين وطلبة العلم، وحرص الناس على اقتنائها وقراءتها، فكانت في عصرها أكبر وأشهر مجلة إسلامية في العالم، ولا تزال تحتل هذه المكانة المرموقة في الصحافة الإسلامية حتى اليوم على الرغم من مرور أكثر من سبعين عاماً على انقطاعها. (١)
وكانت المجلة تستهل عددها بتفسير القرآن الكريم، والذي كان محمد عبده يلقيه في جامع الأزهر، ثم يقيده رشيد رضا بعد ذلك وينشره في المجلة، وبعد وفاة الإمام أصبح رشيد رضا هو الذي يكتب التفسير في أعداد المجلة.
ثم بعد ذلك يأتي قسم «فتاوى المنار» حيث تنشر فيها الإجابة على الأسئلة التي ترد إلى المجلة من جميع أقطار العالم الإسلامي.
بالإضافة إلى أبواب أخرى في المجلة مثل «باب البدع والخرافات»، «باب المراسلة والمناظرة» «وباب تراجم الأعيان» و «باب» الآثار العلمية والأدبية» و «باب للأخبار والآراء».
وكانت أغلب المقالات والبحوث يكتبها رشيد رضا بنفسه، وقد ينشر بعض المقالات والبحوث المميزة التي يرسلها إليه العلماء والمثقفون لنشرها
стр. 65
في المجلة فينشرها.
ولعل من أبرز من كتب في المنار ونشرت كتاباته «مصطفى صادق الرافعي (١) ومصطفى لطفي المنفلوطي (٢) وحافظ إبراهيم (٣) وشكيب أرسلان (٤)
ومحمد الخضر حسين (٥) وعبد القادر المغربي (٦) وغيرهم من قادة
стр. 66
الفكر والإصلاح في المجتمع.
ولم تقتصر المجلة على البحوث الدينية، بل نشرت كثيرا من المقالات والبحوث في الطب والصحة والأدب والشعر والاجتماع والطبيعة وغيرها من المواضيع المهمة.
وهكذا استمرت المنار في الصدور أربعين عاماً حتى وفاه مؤسسها الشيخ محمد رشيد رضا في عام ١٩٣٥، حيث بذل كل ما في وسعه من أجل نجاحها وانتشارها واستمرارها، فكانت منارةً للعلم والإصلاح والثقافة والفتيا، وكانت سبباً في شهرة السيد رشيد رضا والأستاذ محمد عبده ولقد وصلت أعداد مجلة المنار في تلك الفترة كافة أنحاء العالم الإسلامي حتى أنها وصلت الهند وأندونيسيا.
وبعد وفاة مؤسسها السيد رشيد رضا توقفت المجلة عن الصدور لمدة سبعة أشهر، ثم بعد ذلك أسندت رئاسة تحريرها إلى الشيخ «بهجت البيطار». (١)
стр. 67
فقام على تحريرها وإعادة إصدارها، وحاول إكمال التفسير الذي كان ينهض به الشيخ رشيد فأتم تفسير سورة يوسف ثم توقفت المنار مره أخرى لمدة تقترب من الثلاث سنوات، ثم أسندت أسرة الشيخ رشيد إصدار المجلة إلى الشيخ «حسن البنا» (١) فأصدر منها ستة أعداد على مدى أربعة عشر شهراً ثم توقفت بعد ذلك في عام ١٩٤٠ م. (٢)
стр. 68
المبحث السادس
جهوده الإصلاحية
كان للشيخ محمد رشيد رضا الكثير من الجهود الإصلاحية في المجتمع، والتي حاول من خلالها إصلاح أحوال الأمة الإسلامية وإخراجها مما هي فيه من ضياع الهوية والتخلف الفكري والتعليمي والديني والسياسي، والتبعية والإعجاب بالحضارة الغربية إلى حد التقليد الأعمى والافتتان بها، وسوف أعرض فيما يلي مجالات الإصلاح التي قام بها.
أ) الإصلاح التعليمي:
كان الشيخ محمد رشيد رضا حريصاً جداً على إصلاح التعليم في مصر لاسيما التعليم الديني المتمثل بالأزهر آنذاك.
فكتب الكثير من المقالات في مجلة المنار ينتقد فيها الوضع التعليمي في مصر ومن ذلك قوله «ومن العار على مصر أن تكون على سبقها البلاد العربية كلها إلى التعليم العصري خالية من مدرسة كلية للعلوم العالية بجميع فروعها، تغنيهم عن المدارس الأجنبية الخالية من لغتهم ومن التربية الملَّية التي تليق بهم». (١)
وكتب أيضا الكثير من المقالات التي ينتقد فيها التعليم بالأزهر والذي
стр. 69
وصفه أنه يتسم بالجمود والتقليد وعدم مواكبة العصر، وأنه لابد من فتح باب الاجتهاد وفهم الدين على طريقة سلف الأمة، حتى أنه كتب في ذلك كتاباً بعنوان «المنار والأزهر» ضمنه آراءه في الإصلاح التعليمي.
وقد كان الشيخ رشيد من أوائل المصلحين الذين طالبوا بإدخال بعض الفنون في ميدان التعليم لمسايرة ركب العلم والمعرفة، كعلم أصول الدين وتهذيب الأخلاق وفقه الحلال والحرام والعبادات والاجتماع والتاريخ والاقتصاد والحساب والصحة والخط. (١)
وقد بلغ الشيخ من تشجيعه على العلم والتعليم أن أفتى بأنه إذا وجد في بلد مسجد لإقامة الشعائر، فبناء المدارس والوقوف عليها في ذلك البلد أفضل لا محالة، بل لا فضل في بناء مسجد لا حاجة إليه، لأن من أغراض الشريعة جعل المسجد على قدر الحاجة لما في كثرتها من تفريق المسلمين. (٢)
ولم يكتف الشيخ رشيد بالجانب النظري في محاولة الإصلاح التعليمي والحث على التعليم والتعلم، فلقد قام الشيخ رشيد بإنشاء مدرسة في مصر سماها باسم مدرسة «دار العلم والإرشاد» والتي أنشئت تحت رعاية جمعية عرفت باسم «جماعة الدعوة والإرشاد» حيث انتخب لرئاسة هذه الجمعية محمود بك سالم وانتخب رشيد رضا وكيلاً لها، وناظراً لمدرسة «العلم والإرشاد». (٣)
стр. 70
والتي افتتحت الدراسة بها عام ١٣٣٠ هـ، وكانت تمنح الطالب شهادة مرشد بعد ثلاث سنوات من الدراسة تؤهله للدعوة والإرشاد بين المسلمين، أما إذا واصل الدراسة ثلاث سنوات أخرى فيصبح داعياً من الدعاة لغير المسلمين للدخول في الإسلام، وكان لهذه المدرسة أثر كبير في إعداد الدعاة. (١)
وأما المدرسون فيها، فقد كان يدرس فيها بجوار الشيخ رشيد رضا الشيخ محب الدين الخطيب (٢) والشيخ أحمد العبد بن الشيخ سليمان العبد من علماء الأزهر وغيرهم.
ومن أبرز الطلاب الذين درسوا بها:
١ - الشيخ محمد بهجت البيطار. (٣)
٢ - الشيخ يوسف ياسين. (٤)
٣ - الشيخ محمد حامد الفقي. (٥)
стр. 71
٤ - الشيخ محمد عبد الرزاق حمزه. (١)
٥ - الشيخ عبد الظاهر أبو السمح. (٢)
٦ - الشيخ أمين الحسيني. (٣)(٤)
ب) الإصلاح الديني:
كان للشيخ محمد رشيد رضا أيضا جهود واضحة في محاولة إصلاح الواقع الديني للمسلمين في مصر والعالم الإسلامي من خلال مجلته المنار والتي كان ينادي من خلالها المسلمين بالتمسك في دينهم والاعتصام بسنة نبيهم ﷺ .
ولقد كان ينادي بوجوب تصفية العقيدة الإسلامية من البدع والخرافات والشرك، وتعظيم القبور والتوسل بها.
ولقد انبرى الشيخ رشيد ومن خلال مقالاته في مجلة المنار بالدفاع عن الشريعة الإسلامية وبيان محاسنها وأنها صالحةٌ لكل زمانٍ ومكان، وكان يقوم بالرد على كثير من الشبهة والافتراءات التي تحاول الطعن في الإسلام والتقليل من شأنه، والتي كان يثيرها المستشرقين تارة ومن تأثر بالثقافة الغربية من أبناء المسلمين تارة.
стр. 72
وكان الشيخ رشيد قد خصص في مجلته قسم للإجابة عن الأسئلة الشرعية التي يتلقاها من قراء المجلة ويجيب عليها، وكان الشيخ يدعو أهل العلم إلى النزول إلى الناس وتعليمهم أمور دينهم وتحمل المشاق المترتبة على ذلك، وكان دائماً ما يقول «لا إصلاح إلا بدعوة، ولا دعوة إلا بحجة ولا حجة مع بقاء التقليد». (١)
ج) الإصلاح السياسي:
كان للشيخ رشيد رضا بالإضافة إلى جهوده في الإصلاح الديني والتعليمي نشاط سياسي بارز، وهو قلما تجد في شيوخ الدين وأهل العلم، وبخاصة بعد وفاة أستاذه الشيخ محمد عبده والذي كان يكبح جماحه كلما هم بالانطلاق نحو معترك السياسة، حيث يقول «وبعد وفاة الأستاذ الإمام صرفنا وقت الفراغ والراحة الذي كنا نجالسه فيه إلى مجالسه إخواننا العثمانيين المعنيين في القاهرة فازددنا علماً بسوء الحال وخطر المآل». (٢)
وكان يكتب الكثير من المقالات السياسية في مجلته المنار والتي حاول من خلالها إيضاح المخاطر التي تحيط بالعالم الإسلامي والعربي، ويبين فيها الأحوال السياسية في العالم والتي تدل على حنكة سياسية قلما تجدها عند علماء المسلمين، فكان يكتب ويحلل الأوضاع السياسية، بحيث لو قرأها إنسان لا يعرفه لقال إنه رجلٌ مختص بالسياسية وتحليلها. (٣)
стр. 73
فكتب سلسلة مقالات عن ثورة فلسطين وبيان أسبابها ونتائجها وبيان حال اليهود والانجليز والغرب.
وكان له كذلك مشاركات واسعة على أرض الواقع من خلال المشاركة في الجمعيات والأحزاب السياسية، والتي من أبرزها:
١ - جمعية الشورى العثمانية: والتي أسست عام ١٨٩٨ م في القاهرة، وكان رشيد رضا، رئيس مجلس إدارتها، وكانت أهدافها تدور حول نقد الحكم الفردي، وإبراز مزايا الحكم والشورى.
٢ - حزب الاتحاد السوري: والذي تأسس عام ١٩١٨ م في مصر، وكان رئيسه الأمير ميشيل لطف الله اللبناني الأصل، وكان الشيخ رشيد رضا نائباً للرئيس، وكان هدف الحزب الكفاح من أجل القضية السورية في الميدان السياسي المحلي والدولي، ضد الاستعمار الفرنسي.
٣ - جمعية الشبان المسلمين: والتي تأسست عام ١٩٢٧ م في مصر، وكان الشيخ عضواً نشيطاً فيها، والتي من خلالها تعرف على الشيخ حسن البنا، وحصلت بينهما مراسلات عدة تدور حول مسائل علمية والبحث في أحوال المسلمين. (١)
стр. 74
المبحث السابع
مذهبه
درس الشيخ محمد رشيد رضا في بداية طلبة للعلم الفقه الشافعي على شيخه العلامة «محمود نشابه»، ولكن بعد هجرته إلى مصر وأقامته واستقراره بها، وملازمته الأستاذ محمد عبده أعجب بمنهجه في محاربة التقليد والتعصب المذهبي. (١)
فترك التمذهب والتقليد بل وحمل على التقليد والمقلدين، بعدما ظهر له «تحريم التقليد والأخذ فيه بآراء البشر ... ». (٢)
وأن «التقليد ليس من العلم في شيء، والمقلد لا يكون عالماً ولا مفيداً للعلم ولا مستفيداً له». (٣)
ويشير إلى مساوئ التقليد وأثره على المقلد فيقول «ومن رُزِءَ بالتقليد كان محروماً من ثمرة العقل وهي الحكمة، ومحروماً من الخير الكثير الذي أوجبه الله لصاحب الحكمة، فيكون كالكرة تتقاذفه وسوسة شياطين الجن وجهالة شياطين الإنس يتوهم أنه قد يستغني بعقول الناس عن عقله وبفقه الناس عن فقه القرآن ... ». (٤)
стр. 75
ويقول أيضاً: «كل ما نزل من الآيات في مدح العلم وفضله واستقلال العقل والفكر وحرية الوجدان يدل على ذم التقليد، وقد ورد في ذمه والنعي على أهله آيات كثيرة، كقوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾. (١)
وكقوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾. (٢) فالله ذمهم من ناحيتين:
إحداهما: الجمود على ما كان عليه آباؤهم والاكتفاء عن الترقي في العلم والعمل، وليس هذا من شأن الإنسان الحي، العاقل، فإن الحياة تقتضي النمو والتوليد والعقل يطلب المزيد والتجديد.
والثانية: أنهم باتباعهم لآبائهم قد فقدوا مزية البشر في التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والحسن والقبيح، بطريق العقل والعلم وطريق الاهتداء في العمل. (٣)
وفي سبيل محاربة التقليد نشر عدة مقالات في ذم التقليد والتعصب المذهبي، وحمل كذلك على الأزهر لأنه لم يقبل بالحالة التي عليها الأزهر، إذ أنها قائمة على التقليد، فكان يدعو إلى إصلاح التعليم في الأزهر، وألف في ذلك كتاباً بعنوان «الأزهر والمنار».