← Акыда

Акыда · id 32254

آراء محمد رشيد رضا العقائدية في أشراط الساعة الكبرى وآثارها الفكرية

مشاري سعيد المطرفي

Полный текст (362 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٤ - الشيخ محمد عبد الرزاق حمزه. (١) ٥ - الشيخ عبد الظاهر أبو السمح. (٢) ٦ - الشيخ أمين الحسيني. (٣) (٤) ب) الإصلاح الديني: كان للشيخ محمد رشيد رضا أيضا جهود واضحة في محاولة إصلاح الواقع الديني للمسلمين في مصر والعالم الإسلامي من خلال مجلته المنار والتي كان ينادي من خلالها المسلمين بالتمسك في دينهم والاعتصام بسنة نبيهم ﷺ . ولقد كان ينادي بوجوب تصفية العقيدة الإسلامية من البدع والخرافات والشرك، وتعظيم القبور والتوسل بها. ولقد انبرى الشيخ رشيد ومن خلال مقالاته في مجلة المنار بالدفاع عن الشريعة الإسلامية وبيان محاسنها وأنها صالحةٌ لكل زمانٍ ومكان، وكان يقوم بالرد على كثير من الشبهة والافتراءات التي تحاول الطعن في الإسلام والتقليل من شأنه، والتي كان يثيرها المستشرقين تارة ومن تأثر بالثقافة الغربية من أبناء المسلمين تارة.

стр. 72

وكان الشيخ رشيد قد خصص في مجلته قسم للإجابة عن الأسئلة الشرعية التي يتلقاها من قراء المجلة ويجيب عليها، وكان الشيخ يدعو أهل العلم إلى النزول إلى الناس وتعليمهم أمور دينهم وتحمل المشاق المترتبة على ذلك، وكان دائماً ما يقول «لا إصلاح إلا بدعوة، ولا دعوة إلا بحجة ولا حجة مع بقاء التقليد». (١) ج) الإصلاح السياسي: كان للشيخ رشيد رضا بالإضافة إلى جهوده في الإصلاح الديني والتعليمي نشاط سياسي بارز، وهو قلما تجد في شيوخ الدين وأهل العلم، وبخاصة بعد وفاة أستاذه الشيخ محمد عبده والذي كان يكبح جماحه كلما هم بالانطلاق نحو معترك السياسة، حيث يقول «وبعد وفاة الأستاذ الإمام صرفنا وقت الفراغ والراحة الذي كنا نجالسه فيه إلى مجالسه إخواننا العثمانيين المعنيين في القاهرة فازددنا علماً بسوء الحال وخطر المآل». (٢) وكان يكتب الكثير من المقالات السياسية في مجلته المنار والتي حاول من خلالها إيضاح المخاطر التي تحيط بالعالم الإسلامي والعربي، ويبين فيها الأحوال السياسية في العالم والتي تدل على حنكة سياسية قلما تجدها عند علماء المسلمين، فكان يكتب ويحلل الأوضاع السياسية، بحيث لو قرأها إنسان لا يعرفه لقال إنه رجلٌ مختص بالسياسية وتحليلها. (٣)

стр. 73

فكتب سلسلة مقالات عن ثورة فلسطين وبيان أسبابها ونتائجها وبيان حال اليهود والانجليز والغرب. وكان له كذلك مشاركات واسعة على أرض الواقع من خلال المشاركة في الجمعيات والأحزاب السياسية، والتي من أبرزها: ١ - جمعية الشورى العثمانية: والتي أسست عام ١٨٩٨ م في القاهرة، وكان رشيد رضا، رئيس مجلس إدارتها، وكانت أهدافها تدور حول نقد الحكم الفردي، وإبراز مزايا الحكم والشورى. ٢ - حزب الاتحاد السوري: والذي تأسس عام ١٩١٨ م في مصر، وكان رئيسه الأمير ميشيل لطف الله اللبناني الأصل، وكان الشيخ رشيد رضا نائباً للرئيس، وكان هدف الحزب الكفاح من أجل القضية السورية في الميدان السياسي المحلي والدولي، ضد الاستعمار الفرنسي. ٣ - جمعية الشبان المسلمين: والتي تأسست عام ١٩٢٧ م في مصر، وكان الشيخ عضواً نشيطاً فيها، والتي من خلالها تعرف على الشيخ حسن البنا، وحصلت بينهما مراسلات عدة تدور حول مسائل علمية والبحث في أحوال المسلمين. (١)

стр. 74

المبحث السابع مذهبه درس الشيخ محمد رشيد رضا في بداية طلبة للعلم الفقه الشافعي على شيخه العلامة «محمود نشابه»، ولكن بعد هجرته إلى مصر وأقامته واستقراره بها، وملازمته الأستاذ محمد عبده أعجب بمنهجه في محاربة التقليد والتعصب المذهبي. (١) فترك التمذهب والتقليد بل وحمل على التقليد والمقلدين، بعدما ظهر له «تحريم التقليد والأخذ فيه بآراء البشر ... ». (٢) وأن «التقليد ليس من العلم في شيء، والمقلد لا يكون عالماً ولا مفيداً للعلم ولا مستفيداً له». (٣) ويشير إلى مساوئ التقليد وأثره على المقلد فيقول «ومن رُزِءَ بالتقليد كان محروماً من ثمرة العقل وهي الحكمة، ومحروماً من الخير الكثير الذي أوجبه الله لصاحب الحكمة، فيكون كالكرة تتقاذفه وسوسة شياطين الجن وجهالة شياطين الإنس يتوهم أنه قد يستغني بعقول الناس عن عقله وبفقه الناس عن فقه القرآن ... ». (٤)

стр. 75

ويقول أيضاً: «كل ما نزل من الآيات في مدح العلم وفضله واستقلال العقل والفكر وحرية الوجدان يدل على ذم التقليد، وقد ورد في ذمه والنعي على أهله آيات كثيرة، كقوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾. (١) وكقوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾. (٢) فالله ذمهم من ناحيتين: إحداهما: الجمود على ما كان عليه آباؤهم والاكتفاء عن الترقي في العلم والعمل، وليس هذا من شأن الإنسان الحي، العاقل، فإن الحياة تقتضي النمو والتوليد والعقل يطلب المزيد والتجديد. والثانية: أنهم باتباعهم لآبائهم قد فقدوا مزية البشر في التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والحسن والقبيح، بطريق العقل والعلم وطريق الاهتداء في العمل. (٣) وفي سبيل محاربة التقليد نشر عدة مقالات في ذم التقليد والتعصب المذهبي، وحمل كذلك على الأزهر لأنه لم يقبل بالحالة التي عليها الأزهر، إذ أنها قائمة على التقليد، فكان يدعو إلى إصلاح التعليم في الأزهر، وألف في ذلك كتاباً بعنوان «الأزهر والمنار».

стр. 76

فكان الشيخ رشيد رضا لا يلتزم بمذهب فقهي معين، فكانت له بعض الآراء الفقهية الجريئة، والتي قد يكون بعضها لم يسبقه إليها أحد، وقد يكون بعضها مخالفاً للإجماع. وسوف أذكر هنا بعض هذه الآراء ولكن بشكل موجز مع الرد عليها بشكل سريع ومختصر؛ لكي لا أخرج عن صلب موضوع الرسالة، ولكي يتضح منهجه الفقهي في ذهن القارئ: ١ - قوله بجواز التيمم بالسفر حتى مع وجود الماء عند تفسير آية التيمم في سورة النساء: وهي قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. (١) متبعاً في ذلك قول أستاذه وشيخه محمد عبده حيث يقول، «قال الأستاذ الإمام: المعنى أن حكم المريض والمسافر إذا أراد الصلاة كحكم المحدث حدثاً أصغر أو ملامس النساء ولم يجد الماء، فعلى كل هؤلاء التيمم فقط. (٢) فالشيخ رشيد رضا يرى أن التيمم مباح للمسافر مع وجود الماء، وهذا القول لم يسبق أن قال به أحد، بل إن الإجماع منعقد على خلافه، فالتيمم إنما يباح عند فقد الماء أو عند عدم القدرة على استعماله. (٣)

стр. 77

فالتيمم بدل عن الوضوء والغسل عند انعدام الماء أو تعذر استعماله، قال النووي «هذا مذهبنا وبه قال العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم». (١) ٢ - قوله بجواز ربا الفضل، لأنه كما يقول منع سداً للذريعة إلى الربا الجاهلي فيباح للضرورة: (٢) وهذا القول بلا شك مخالف لإجماع أهل العلم والذي حكاه غير واحد منهم. (٣) قال بن تيميه: «إن النهي عن الربا في القرآن يتناول كل ما نهي عنه من ربا النسيء والفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناول لهذا كله وإن قصر نصوص النهي على البعض إنما يقع ممن لم يفهم معاني النصوص». (٤) قال ابن قدامه: «والربا على ضربين، ربا الفضل، وربا النسيئه، وأجمع أهل العلم على تحريمهما». (٥)

стр. 78

٣ - قوله بجواز العمل بالحساب في الرؤية الشرعية: (١) وهذا القول مخالف لإجماع أهل العلم، قال ابن تيمية: «فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الايلاء أو غير ذلك من الأحكام المتعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز، والنصوص المستفيضة عن النبي ﷺ بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلا ولا خلاف حديث إلا عن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة في جواز أن يعمل الحاسب في نفسه بالحساب، وهذا شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه». (٢) قال النووي: «ومن قال بحساب المنازل فقوله مردود بقوله ﷺ في الصحيحين (إنا أمة أميه لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا)، ولأن الناس لو كلفوا بذلك ضاق عليهم لأنه لا يعرف الحساب إلا أفراد من الناس في البلدان الكبار، فالصواب ما قاله الجمهور وما سواه فاسد مردود بصرائح الأحاديث السابقة». (٣) ٤ - موافقته أستاذه محمد عبده بجواز جمع الصلاتين دونما عذر: حيث ذكر في مقدمة كتابه «تاريخ الأستاذ الإمام» أن الأستاذ الإمام محمد عبده كان يجمع الصلاتين دونما عذر ثم قال «وهذه كبيرة عند المقلدين».

стр. 79

والصحيح أن هذه كبيرة عند فقهاء أهل السنة قاطبة لا عند المقلدين كما يقول الشيخ رشيد، وأن الذين يجمعون بلا عذر هم الشيعة والإباضية. (١) ثم إنه لا يجوز الجمع في الحضر إلا عند المطر أو عند الحاجة العارضة لا أن يكون الأصل هو الجمع، وهذا هو قول جمهور أهل العلم. (٢) ٥ - قوله بجواز نكاح الوثنيات: (٣) وهذا مخالف لاتفاق العلماء، قال ابن قدامه: «وسائر الكفار غير أهل الكتاب، كمن عبد ما استحسن من الأصنام والأحجار والشجر والحيوان، فلا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم». (٤) وقال سيد سابق: «اتفق العلماء على أنه لا يحل للمسلم أن يتزوج الوثنية ولا الزنديقة ولا المرتدة عن الإسلام، ولا عابدة البقر، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾. (٥)

стр. 80

٦ - قوله بعدم حرمة أكل لحوم الحمر الأهلية: فيقول عند تفسيره قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾. (١) «الآية وردت بصيغة الحصر القطعي، فهي نص قطعي في حل ماعدا الأنواع الأربعة التي حصر التحريم فيها». (٢) «فليس في القرآن ناسخ لهذه الآية وما في معناها من الآيات المؤكدة لها، ولا مخصص لعمومها». (٣) فيرى أن تحريم لحوم الحمر الأهلية كان عارضاً ومؤقتاً. والصحيح هو حرمة لحوم الحمر الأهلية تحريماً مؤبداً لحديث أنس بن مالك- ﵁ قال «أصبنا من لحوم الحمر يعني يوم خيبر، فنادى منادي رسول الله ﷺ ، الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس أو نجس». (٤) وهو الذي عليه جمهور أهل العلم، قال ابن قدامه «أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الأهلية، قال ابن عبد البر، لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها». (٥)

стр. 81

قال النووي: «قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم، لم نجد عن أحد من الصحابة في ذلك خلافاً إلا عن ابن عباس». (١) وذكر ابن حزم أنه نقل تحريم الحمر الأهلية عن النبي ﷺ عن طريق تسعة من الصحابة بأسانيد كالشمس، فهو نقل متواتر لا يسع أحد خلافه. ثم قال «فإن ذكر ذاكر أن ابن عباس أباحها قلنا لا حجة في أحد على الرسول ﷺ ، فكيف وابن عباس قد أخبر بأنه متوقف فيها، فقد روى البخاري عنه أنه قال «لا أدري أنهى عنه رسول الله ﷺ ، من أجل أنه كان حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرم في يوم خيبر لحم الحمر، الحمر الأهلية» وإن ذكروا أن عائشة ﵂ أحلتها. واحتجت بقوله تعالى ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ...... ﴾. قلنا لم يبلغها التحريم ولو بلغها لقالت به كما فعلت في الغراب، فقد حرمته مع أنه ليس مذكوراً في الآية». (٢) ٧ - قوله أن تعدد الزوجات يباح عند الضرورة: يقول الشيخ رضا: «إن تعدد الزوجات خلاف الأصل الطبيعي في الزوجية فإن الأصل أن يكون للرجل امرأة واحدة يكون بها كما تكون به زوجاً ولكنه ضرورة تعرض للاجتماع ولا سيما في الأمم الحربية كالأمة الإسلامية، فهو إنما أبيح للضرورة واشترط فيه عدم الجور والظلم». (٣)

стр. 82

وهو بقوله هذا يردد ما قاله قبله أستاذه وشيخه محمد عبده إذا يقول «إن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام أمرٌ مضيق فيه أشد التضييق كأنه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها بشرط الثقة بإقامة العدل والأمن من الجور». (١) فمحمد رشيد رضا وأستاذه محمد عبده يحريان أنه لا يجوز الزواج بثانية ما دامت الزوجة الأولى في عصمته، وليس بها بأس أو عله فجاؤا بقول لم يقل به أحد من قبلهم. (٢) وفي الحقيقة أن هذا القول بعيد كل البعد عن الصواب بل وعن الواقع، وهو أيضاً قولٌ مردود إذ لا دليل عليه لا من كتاب الله ولا من سنة نبيه ﷺ ، ومازال المسلمون منذ عهد النبي ﷺ إلى عهدنا هذا يتزوجون من غير ضرورةٍ ولا حاجة من غير نكير من أحد، فمن أين أتى الإمام محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا بهذا القيد وهو أن التعدد لا يباح إلا عند الضرورة؟ والذي عليه إجماع أهل العلم أنه يجوز للرجل أن يتزوج أكثر من زوجة، ولم يُذكر عن أحدٍ منهم أنه قيده بالضرورة والحاجة (٣)، بل هو من الأمور المباحة التي أباحها الله لعباده حيث قال تعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٤) قال بن كثير: «أي انكحوا ما شئتم من النساء

стр. 83

إن شاء أحدكم اثنتين وإن شاء ثلاثاً وإن شاء أربعاً». (١) ثم أنه لم يكتف الإمام محمد عبده بالقول أن تعدد الزوجات أبيح للضرورة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك فقد كان يطالب بإصدار قانون يمنع بموجبه تعدد الزوجات. حيث يقول «يجب على العلماء النظر في هذه المسألة خصوصاً الحنفية منهم الذين بيدهم الأمر وعلى مذهبهم الحكم فهم لا ينكرون أن الدين أنزل لمصلحة الناس وخيرهم وأن من أصوله منع الضرر والضرار، فإذا ترتب على شيء مفسدة في زمن لم تكن تلحقه فيما قبله فلا شك في وجوب تغيير الحكم وتطبيقه على الحال الحاضرة، يعني على قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وبهذا يعلم أن تعدد الزوجات محرمة قطعا عند الخوف من عدم العدل». (٢) ويقول: «وأما جواز إبطال هذه العادة أي عادة تعدد الزوجات فلا ريب فيه» (٣) فهو يرى أنها «عادة» وليست حكماً شرعياً أباحة الله لعباده.

стр. 84

المبحث الثامن عقيدته يعتبر الشيخ محمد رشيد رضا من أصحاب المدرسة العقلية الحديثة بل هو من أحد رموزها والتي تعتبر امتدادً للمدرسة العقلية القديمة (المعتزلة). والتي أسسها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والتي لها آراء كثيرة وشطحات تخالف رأي السلف، وذلك لمبالغتهم الشديدة في تحكيم العقل وتقديمه على النصوص الشرعية الصحيحة والتي أعطت العقل أكثر من حقه، وكلفته مالا يطيق، ورفعت من قيمته، وضخمت من حجمه حتى ساوته بالوحي، بل قدمته عليه فقدمت ما زعمته من أحكامه على أحكام الوحي. (١) وسوف أذكر هنا جمله من آرائه في العقيدة والتي يكفي بالحكم على من قال ببعضها أنه إلى فكر الاعتزال أقرب منه للسلفية، فكيف بمن قال بها كلها؟

стр. 85

١ - إنكاره أشراط الساعة الكبرى: كخروج المهدي وخروج المسيح الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇، وخروج الشمس من مغربها، بدعوى التعارض فيما بينها أو أنها مخالفة للعقل أو الحس أو السنن الكونية وغيرها من الأعذار. مع إن غالب أحاديثها في الصحيحين، وقد تلقتهما الأمة بالقبول والتصديق، والتي هي جزء من عقيدة المؤمن التي لا يمكنه إلا الإيمان بها وتصديقها لكثرة الأخبار والأثار الصحيحة الواردة فيها. فمذهب أهل السنة والجماعة هو الإيمان بهذه الأشراط وتصديقها لا سيما وأنها ثابتة بالأحاديث الصحيحة. وسوف أتطرق في الفصل الثالث بإذن الله بذكر آرائه في أشراط الساعة الكبرى والرد عليها بشكل مفصل. ٢ - إنكاره جميع أشراط الساعة الصغرى ما عدا بعثة النبي ﷺ -: فالشيخ رشيد رضا ينكر جميع أشراط الساعة الصغرى على الرغم من أن أغلبها في الصحيحين بحجج عقلية واستشكالات غير منطقية حيث يرى أن الأحاديث الواردة في أشراط الساعة الصغرى من الأمور المعتادة التي لا فائدة منها، حيث يقول «ويرد من الإشكال على ما ذكر أن ما ورد من الأشراط الصغرى المعتاد مثلها التي تقع عادة بالتدريج لا يذكر بقيام الساعة ولا تحصل به الفائدة التي من أجلها أخبر الشارع بقرب قيام

стр. 86

الساعة» (١)، فهذا إشكال بحد ذاته يكفي عند الشيخ رشيد رضا لرد جميع الأحاديث الواردة في أشراط الساعة الصغرى ولا أدري كيف يرد على رجل يصطنع الإشكالات والتساؤلات ليثبت صحة رأيه وما ذهب إليه وهذا بلا شك قول مردود، فأهل السنة والجماعة يثبتون للساعة أشراطاً صغرى تكون قبل قيام الساعة بأزمنة طويلة، وذلك تذكيراً للبشر بقرب قيام الساعة وزوال الدنيا ليتعظ من تنفع به الموعظة أما من سواه فلا يتعظ حتى تقوم قيامته. ٣ - قوله بفناء النار، وعدم خلود أهلها فيها: (٢) فالشيخ رشيد رضا يميل للقول بفناء النار وعدم خلود أهلها فيها مخالفاً بذلك إجماع أهل السنة بالقول بعدم فناء النار وخلود أهلها فيها. قال الإمام أحمد ﵀: «وقد خلقت النار وما فيها، وخلقت الجنة وما فيها، خلقهما الله ، ثم خلق الخلق لهما لا يفنيان ولا يفني ما فيهما أبداً، فإن احتج مبتدعٌ أو زنديق بقول الله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٣) وبنحو هذا من متشابه القرآن قيل له، كل شيء مما كتب الله

стр. 87

عز وجل عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خلقهما الله للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما من الآخرة لا من الدنيا». (١) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة، على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفني بالكلية، كالجنة والنار والعرش». (٢) وقال الإمامان الحافظان الرازيان رحمهما الله، أبو حاتم وأبو زرعة: «أدركنا العلماء في جميع الأمصار - حجازاً وعرقاً - شاماً - ويمناً - فكان من مذهبهم .. الجنة حق والنار حق، وهما مخلوقتان لا يفنيان أبداً». (٣) وقال الحافظ ابن حزم: «الجنة حق والنار حق، داران مخلوقتان هما ومن فيهما بلا نهاية، كل هذا إجماع من جميع أهل الإسلام، ومن خرج عنه خرج عن الإسلام». (٤) (٥) ونسب بعضهم القول بفناء النار، وعدم خلود الكافرين فيها إلى ابن

стр. 88

القيم بناءً على ما فهمه من كلامه سواء في «حادي الأرواح» أو في «شفاء العليل». والصحيح أن ابن القيم قد صرح بأن القول بفناء الجنة والنار قولٌ مبتدع حيث يقول «والمقصود أن القول بفناء الجنة والنار قولٌ مبتدع لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من أئمة السلف، والذين قالوه إنما تلقوه من قياسٍ فاسد كما اشتبه أصله على كثير من الناس فاعتقدوه حقاً». (١) وقال أيضا: «الذي دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن أهل النار لا يخرجون منها، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يفتر عنهم وأنهم خالدون فيها». (٢) وقال أيضاً: «الذي دل عليه القرآن والسنة أن الكفار خالدون في النار أبداً وأنهم غير خارجين منها، وهذا كله مما لا نزاع فيه بين الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين». (٣) ومثل ذلك موجود في كثير من مؤلفاته، وقد حاول بعض الباحثين المعاصرين، تبرئة ابن القيم مما نسب إليه أو فهم من كلامه، ومنهم الدكتور بكر أبو زيد ﵀ في كتابه «ابن القيم حياته وآثاره» ص ١٤٨.

стр. 89

والدكتور عبد الله محمد جار النبي في كتابه «ابن القيم وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف» ص ٥٦٧. وللعلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني كتاب بعنوان: «رفع الأستار لإبطال أدله القائلين بفناء النار» وقد حققه العلامة الألباني، وكان رداً علمياً رصيناً قوياً أبطل فيه أدلة القائلين بفناء النار وبين كذلك أن الآثار التي استشهدوا بها إما أنها لا تصح والصحيح منها غير صريح. وكذلك لابن تيمية رسالة بعنوان: «الرد على من قال بفناء الجنة والنار» وبيان الأقوال في ذلك» بتحقيق ودراسة د. محمد عبد الله السمهري والذي أثبت في مقدمة الرسالة صحة نسبتها لابن تيمية. ٤ - طعنة في معاوية بن أبي سفيان ﵄: حيث يقول: «إن سيرة معاوية تفيد بجملتها وتفصيلها أنه كان طالبا للملك ومحبا للرياسة، وأنني لأعتقد أنه قد وثب على هذا الأمر مفتاتاً، وأنه لم يكن له أن يحجم عن مبايعة علي بن أبي طالب بعد أن بايعه أولوا الأمر ... ». (١) ويقول في موضع آخر: «ونحن من أولياء علي ﵇ والرضوان لا من أولياء معاوية وفئته الباغية - عليهم من الله ما يستحقون ـ ولكننا لسنا بسبابين ولا لعانين كما ورد في وصف المؤمنين، وقد ذكرت في ترجمة الوالد ﵀ من المجلد الثامن - أنه كان يقول «لا نحُب

стр. 90

معاوية ولا نسُبه» وكيف نحُب من بغى على جدنا وخرج عليه وكان سبباً في تلك الفتن التي كانت نكتةً سوداء في تاريخ عصر النور الأول لنور الإسلام، وبه تحول شكل الحكومة الإسلامية عن القاعدة التي وضعها لنا الله تعالى في كتابه بقوله في المؤمنين ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (١) إلى حكومة شخصية استبدادية .... ». (٢) وهذا القول بلا شك مخالف لاعتقاد أهل السنة والجماعة في معاوية بن أبي سفيان ﵄. فالذي عليه أهل السنة والجماعة، وسلف الأمة وأئمتها، هو محبة الصحابة والترضي عنهم والدعاء لهم ومعاوية بن أبي سفيان من جملة هؤلاء الصحابة الكرام، بل ومن خيارهم. كيف لا وهو خال المؤمنين، وكاتب وحي النبي ﷺ وقد دعي له النبي ﷺ فقال: «اللهم علم معاوية الكتاب وقه العذاب». (٣) وقال ﷺ : «اللهم اجعله هادياً مهدياً، واهده واهدِ به، ولا تعذبه». (٤)

стр. 91

وقال ﷺ : «أول جيشٍ من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفورٌ لهم». (١) وكان أول من غزا معاوية في زمن عثمان بن عفان ﵄. ولقد ولاه عمر بن الخطاب- ﵁ الشام كلها، لما رأى حسن سيرته، وقيامه بالمسلمين، وسد الثغور، وإصلاح الجند، وغلبة العدو، وسياسة الخلق. وسئل الإمام أحمد عن رجُلٍ انتقص معاوية وعمرو بن العاص أيقال إنه رافضي؟ قال: «إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئةُ سوء، وما يبغض أحدٌ أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ إلا وله داخلةُ سوء». (٢) وقال ابن المبارك: «معاويةٌ عندنا محنة، فمن رأيناه ينظر إلى معاوية شزراً أهمناه على القوم، يعني على أصحاب النبي ﷺ ». (٣) وقيل لعبد الله بن المبارك، ما تقول في معاوية هو أفضل أم عمر بن عبدالعزيز؟ ، فقال: «لترابٌ في منخري معاوية مع رسول الله ﷺ خيرٌ أو أفضل من عمر بن عبدالعزيز». (٤) وقال ابن تيمية: «من لعن أحداً من أصحاب النبي ﷺ كمعاوية بن أبي

стр. 92

سفيان وعمرو بن العاص ونحوهما ... فإنه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة الدين». (١) وقال في العقيدة الواسطية في موقف أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ : «ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ » ثم قال: «ويتبرأون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقولٍ أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد ونقص وغير عن وجهه الصريح، والصحيح منه هم فيه معذورون، وإما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون، مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر». (٢) وقال ابن تيمية في منهاج السنة: «لم يكن من ملوك الإسلام ملكٌ خيراً من معاوية، وكانت سيرته مع رعيته من خيار سيرة الولاة، وقد كانت رعيته يُحبونه وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «خيارُ أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرارُ أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». (٣)

стр. 93

وقال ابن خلدون في تاريخه: «إن دولة معاوية وأخباره كان ينبغي أن تلُحق بدول الخلفاء الراشدين وأخبارهم فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة». (١) فكان الأولى بالشيخ محمد رشيد رضا جهة الصحابة أن يقول بجملة ما قاله ابن تيمية في الصحابة، لا سيما وأن ما قاله ابن تيمية هو قول أهل السنة والجماعة، وأن يبتعد عن اثاره ما جرى من الفتن والقتال بين الصحابة، والطعن والتقليل من شأن معاوية- ﵁، لا سيما أن الكلام في هذه المسألة لا يستفاد منه في شيء سوى إثارة النعرات الطائفية والخلافات بين عامة الناس، ويكون مدعاةً لسب معاوية والتنقص منه من من لا يمنعه من ذلك دينٌ ولا تقوى. ٥ - إنكاره أن للسحر حقيقة: فالشيخ محمد رشيد رضا لا يرى أن للسحر حقيقةً مطلقاً. (٢) حيث يعرفه فيقول «والمعنى الجامع للسحر أنه أعمال غريبة من التلبيس والحيل تخفى حقيقتها على جماهير الناس لجهلهم بأسبابها فمن عرف سبب شيءٍ منها بطل إطلاق اسم السحر عليه ... ». (٣) وهذا مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة.

стр. 94

فالذي عليه أهل السنة والجماعة أن السحر ثابت وله حقيقة، والذين قالوا بأن السحر لا حقيقة له هم المعتزلة وبعض من شذ من أهل السنة. قال الخطابي: «أنكر قومٌ من أصحاب الطبائع السحر، وأبطلوا حقيقته والجواب أن السحر ثابت وحقيقته موجودة ... ». (١) وقال القرطبي: «ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة وذهب عامة المعتزلة وأبو إسحاق الاستربادي من أصحاب الشافعي إلى أن السحر لا حقيقة له، وإنما هو تمويه وتخييل وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به». (٢) قال النووي ﵀: «الصحيح أن السحر له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة». (٣) وقال ابن قدامه: «والسحر له حقيقة، فمنه ما يقتل وما يُمرض، وما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها، ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه». (٤) وقال أبو العز الحنفي: «وقد تنازع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه والأكثرون يقولون، إنه قد يؤثر في موت المسحور ومرضه من غير وصول شيءٍ ظاهرٍ إليه». (٥)

стр. 95

٦ - إنكاره سحر النبي ﷺ -: فالشيخ محمد رشيد رضا يميل إلى إنكار سحر النبي ﷺ متبعاً في ذلك قول أستاذه محمد عبده، حيث يقول محمد عبده: «وقد قال كثيرٌ من المقلدين الذين لا يعقلون ما هي النبوه وما يجب لها إن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح، فيلزم الاعتقاد به، وعدم التصديق به من بدع المبتدعين، لأنه ضرب من إنكار السحر، وقد جاء القرآن بصحة السحر، فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح، والحق الصريح في نظر المقلد للبدعة». (١) ورشيد رضا نفسه قد أورد الأحاديث التي تنص على سحر النبي ﷺ ضمن الأحاديث التي ينبغي أن ترد لعله في متنها؛ لأنها تمثل شبهه على الدين، ولأن نفس النبي ﷺ أقوى من أن يكون لمن دونه تأثيراً فيها. (٢) والصواب أن أحاديث السحر صحيحة لا مطعن ولا شبهه فيها، وهي في الصحيحين وفي غيرها من كتب السنن. قال ابن القيم: عن حديث السحر «ثابتٌ عند أهل العلم بالحديث، لا يختلفون في صحته، وقد أتفق أصحاب الصحيحين على تصحيحه، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمه واحده، والقصة مشهورة عند أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله وأيامه من المتكلمين». (٣)

стр. 96

وقال الأستاذ عبد القادر الأرناؤوط: «ورواه أيضا أحمد والنسائي وابن سعد والحاكم وعبد بن حُميد وابن مردوية والبيهقي في دلائل النبوه وغيرهم، وقال ابن القيم في بدائع الفوائد: وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم متلقى عندهم بالقبول». (١) تلك هي درجة الحديث عند أهل الحديث والمختصين به، أما ما ذكر من أن الحديث فيه تقليل من منصب النبوه أو أنه يمثل شبهة في الدين فهو غير صحيح. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: «قال المازري قد أنكر هذا الحديث المبتدعة من حيث إنه يحبط من منصب النبوه، ويشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع، وقالوا فلعله حينئذ يخيل إليه أن جبريل ﵇ يأتيه وليس ثم جبريل، وأن أوحى إليه وما أوحى إليه، وهذا كله مردود لأن الدليل على صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن الله تعالى وعلى عصمته في التبليغ والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل، وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو في ذلك عرضه لما يعترض البشرى كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمرٍ من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين». (٢) وقال أبو الجعني اليوسفي ﵀: «أما وقوع المرض للنبي ﷺ بسبب

стр. 97

السحر فلا يجر خللاً لمنصب النبوه، لأن المرض الذي لا نقص فيه في الدنيا يقع للأنبياء ويزيد في درجاتهم في الآخرة، فإذا خيل له بسبب مرض السحر أنه يفعل شيئا من أمور الدنيا وهو لم يفعله ثم زال ذلك عنه بالكلية بسبب إطلاع الله تعالى له على مكان السحر وإخراجه إياه من محله ودفنه فلا نقص يلحق الرسالة من هذا كله، لأنه مرض كسائر الأمراض، لا تسلط له على عقله، بل هو خاص بظاهر جسده كبصره حيث صار يخيل إليه تارةً فعل الشيء من ملامسة بعض أزواجه وهو لم يفعله وهذا في زمن المرض لا يضر، والعجب ممن يظن هذا الذي وقع من المرض بسبب السحر لرسول الله ﷺ قادحاً في رسالته مع ما هو صريح في القرآن في قصة موسى مع سحرة فرعون، حيث صار يخيل إليه من سحرهم أن عصيهم تسعى، فثبته الله كما دل عليه قوله تعالى ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تلقف ما صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾ (١)، ولم يقل أحد من أهل العلم ولا من أهل الذكاء أن ما خُيل لموسى أولاً من سعي عصي السحرة قادحاً في رسالته، بل وقوع مثل هذا للأنبياء يزيد من قوة الإيمان بهم، لكون الله ينصرهم على أعدائهم، ويخرق لهم العادة بالمعجزات الباهرة، ويخذل السحرة والكفرة ويجعل العاقبة للمتقين». (٢) وقال القاضي عياض ﵀: في «الشفاء» في رده على من ينكر حديث سحر النبي ﷺ ومن يقول بأنه فيه تشكيكاً في الشرع.

стр. 98

قال: «فاعلم وفقنا الله وإياك أن هذا الحديث صحيح متفقٌ عليه، وقد طعنت فيه الملحده وتذرعت به لسخف عقولها وتلبيسها على أمثالها، إلى التشكيك في الشرع، وقد نزه الله الشرع والنبي ﷺ عما يدخل في أمره لبساً، وإنما السحر مرضٌ من الأمراض وعارضٌ من العلل، يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته، وأما ما ورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه؛ لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طرُوُءه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها ولا فضل من أجلها، وهو فيها عرضةٌ للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها مالا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان». (١) ٧ - تقديمه العقل على النقل: لعل من أكثر المأخذ على الشيخ رشيد رضا هو رده لكثير من الأحاديث الصحيحة، والتي غالبها في الصحيحين، لا لعلةٍ في سندها أو روايتها، بل لأنها تخالف العقل أو الحس، أو بدعوى وجود تعارض فيما بينها مما يوجب إسقاطها وعدم الاحتجاج بها، مما جعل الكثير من أهل العلم والباحثين يعيدون النظر في سلفيته، وذلك لأن تقديم العقل أو الحس على النقل هو من أقوال المعتزلة وغيرهم من الفرق الكلامية، وقد جرى بسبب هذا القول البدعي الكثير من المخالفات والبدع ورد للأحاديث الصحيحة.

стр. 99

وهو في فعله هذا يكون متابعاً لقول شيخه وأستاذه محمد عبده، حيث يقول «اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلاً ممن لا ينظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل». (١) ومما لا شك فيه أن هذا القول معلومٌ بطلانه، والأصل المستقر عند أهل السنة أن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، والعبرة في المسائل الاعتقادية هي صحة الحديث والإسناد وسلامته من العلل القادحة فيه. ولعل من أبرز الأحاديث التي رفضها وردها بحجج عقلية، الأحاديث الواردة في الدجال، حيث يرى أن هذه الأحاديث مشكلة حيث إنها منافية لحكمة إنذار الناس بقرب قيام الساعة وإتيانها بغتةً، وأن ما أعطي الدجال من الفتن والخوارق تضاهي أكبر الآيات التي أيد الله بها أولي العزم من الرسل، وأن أحاديثها متعارضة تعارضاً كبيراً، مما يوجب تساقطها. (٢) فهو يرد أحاديث الدجال الثابتة في صحيح البخاري ومسلم والذي هما أصح الكتب بعد القرآن والذين قد تلقتهما الأمة بالقبول، لمجرد أنها تخالف العقل والحس. وكذلك إنكاره للأحاديث الواردة في المهدي حيث يقول «وأما التعارض في أحاديث المهدي فهو أقوى وأظهر، والجمع بين الروايات فيها أعسر، والمنكرون لها أكثر، والشبهة فيها أظهر، ولذلك لم يعتد الشيخان بشيء من روايتهما في صحيحيهما». (٣)

стр. 100

ومن ذلك أيضا رده لحديث: «طلوع الشمس من مغربها» في آخر الزمان والذي رواه أبو هريره ورفعه للنبي ﷺ . فرشيد رضا يرد هذا الحديث بدعوى أنه مشكل وأن أبا هريرة لم يصرح في هذه الأحاديث بالسماع عن النبي ﷺ ، فيخشى أن يكون قد روى بعضها عن كعب الأحبار! ! وكذلك رده لحديث «سجود الشمس عند العرش» والذي أخرجه البخاري في صحيحة. حيث يقول: «ومن هذه الأحاديث في الباب حديث أبي ذر جندب بن أبي جناده: الذي يُعد متنه من أعظم المتون إشكالاً، فهو يقول إن النبي ﷺ سأله، أتدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟ قال: قلت لا أدري، قال إنها تنحني دون العرش فتخر ساجدهً، ثم تقوم حتى يقال لها أرجعي فيوشك يا أباذر أن يقال أرجعي من حيثُ دخلتِ وذلك حين لا ينفعُ نفساً إيمانها لم تكن أمنت من قبل». (١) فالشيخ يرى أن الحديث مشكل ولا يقبله العقل وإن كان إسناده من أصح الأسانيد. وكذلك إنكاره للأحاديث التي تثبت سحر النبي ﷺ ، والتي هي في صحيحي البخاري ومسلم وكتب السنن الأخرى، بدعوى أنها تمثل شبهة على الدين.

стр. 101

سبحان الله يرد حديث صحيح السند، سالم من العلة، ثابت عن النبي ﷺ لا لشيء إلا لأن فيه شبهة على الدين كما يقول. والله إن الحديث لا شبهة فيه، لو أنه رجع لأقوال أهل العلم وشراح الحديث أهل الرواية والدراية والذين هم أعلم الناس بالحديث. فأي تهاون وأي تساهل في رد الأحاديث بهكذا أعذار لا قيمة لها أمام صحة السند والرواية، فالمدار عند أهل السنة على قبول الحديث أو رده هو صحة السند أو ضعفه، أما خلاف ذلك فهو قول أهل الكلام كالمعتزلة وغيرهم. وغير ذلك من الأحاديث الأخرى التي مقياس الحكم على صحتها هو العقل والحس لا صحة السند والرواية. مما جعل الكثير من أهل العلم يستاء من آرائه، بل ذهب بعضهم إلى القول بأنه إلى الاعتزال أقرب منه للسلفية. (١) ولقد أنصف الشيخ الدكتور/ فضل حسن عباس حيث قال: «وخلاصة القول إن رشيد رضا ﵀ نفر من الإسرائيليات في تفسيره ونفر منها وحذر ولكن غالى وتطرف، وحكّم العقل أكثر مما ينبغي وجعله أعظم المقاييس التي يقاس بها تمريض الحديث أو تصحيحه، فكانت النتائج التي وصل إليها لا تقل خطورة عن الإسرائيليات بل إنها والحق يقال إنها أشد

стр. 102

خطورة وأسوأ آثاراً، ذلك لأنها تتعلق بمصدر من مصادر التشريع وهو السنة وليست كذلك الإسرائيليات». (١) ٨ - إنكاره لمعجزة انشقاق القمر: الشيخ رشيد رضا ﵀ وغفر له ينكر معجزة انشقاق القمر الثابتة في القرآن بقوله تعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾. (٢) فالشيخ رشيد رضا يرى أن معنى «انشق القمر» أي طلع وانتشر نوره. (٣) وأما الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تنص على أن القمر قد انشق في مكة قبل هجرة النبي ﷺ آية ومعجزةً من الله له. فيرى الشيخ أنها لا تصح للاحتجاج بها لأنها مرسلة، وإن كانت في الصحيحين كحديث أنس وابن عباس! ! ثم ذكر بعد ذلك مطعناً آخر وهو دعوى اختلاف المتون في أحاديث انشقاق القمر مما يوجب تساقطهما! ! (٤) ثم ختم ذلك بذكر ما أسماه الإشكال الأصولي الأعظم.

стр. 103

وهو قوله: «أن سنته قد مضت بأن ينزل عذاب الاستئصال لكل قومٍ اقترحوا آية على رسولهم ولم يؤمنوا بإجابتهم إلى ذلك .... ». (١) وقال: «وجمله القول أنه لو صح أن قريشاً سألوا النبي ﷺ أيةً تدل على صدق نبوته وأن الله تعالى أجابهم إلى طلبهم فجعل انشقاق القمر آية كما هو نص حديث أنس في الصحيحين وغيره في غيرهما لعذب الله أمته وقومه باستئصالهم على حسب القاعدة الصحيحة الثابتة بالنص القطعي ... ». (٢) وهذه في الحقيقة إستشكالات لا قيمة لها أمام النصوص الصحيحة الصريحة الثابتة عن جملةٍ من الصحابه والذين منهم أنس وابن عباس. ٩ - تفسيره لبعض الآيات على رأي الخوارج والمعتزلة: وذلك في تفسير قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾. (٣) قال: «وقد استكبر الجمهور خلود القاتل في النار وأوله بعضهم بطول المكث فيها، وهذا يفتح باب التأويل لخلود الكفار في النار، فيقال إن المراد به طول المكث فيها». (٤) وقال في وعيد آكلي الربا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾. (٥)

стр. 104

قال: «ما الوعيد هنا إلا كالوعيد بالخلود في آية قتل العمد وليس هناك شبهة على إرادة الاستحلال». (١) وهذا القول بلا شك قول غير صحيح وهو من أقوال الخوارج والمعتزلة الذين قالوا بخلود صاحب الكبيرة في النار، أما أهل السنة والجماعة فيرون أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار إلا إذا استحلوا فعلها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ونصوص الكتاب والسنة مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها متطابقة على أن من أهل الكبائر من يعذب، وأنه لا يبقى في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان». (٢) ١٠ - إنكاره لكثير من المعجزات وتأويلها: فالشيخ رشيد رضا يميل إلى إنكار الكثير من المعجزات أو تأويلها متبعاً في ذلك رأي شيخه محمد عبده. حيث يرى أن رواية القرآن لمعجزات الأنبياء السابقين كانت سبباً لإعراض العلماء والعقلاء عن الدين الإسلامي! ! إذ يقول: «ولولا رواية القرآن لتلك المعجزات لكان إقبال أحرار الإفرنج عليه أكثر، واهتداؤهم به أعم وأوسع». (٣)

стр. 105

ويقول أيضا: «وأما آيته - أي محمد ﷺ التي احتج بها على كونه من عند الله تعالى هي القرآن، وأمية محمد ﷺ ، فهي آية علمية تدرك بالعقل والحس والوجدان. كفاك بالعلم في الأمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم. وأما تلك العجائب الكونية فهي مثار شبهات وتأويلات كثيرة، في روايتها وفي صحتها وفي دلالتها». (١) ولم يكتف رشيد رضا بذلك، فكان يدافع عن كتاب «حياة محمد» لمحمد حسين هيكل والذي جرد فيه النبي ﷺ من جميع المعجزات إلا القرآن الكريم، بل وينتصر له انتصاراً عظيماً في كتابه «الوحي المحمدي» (٢)، ومجلته المنار. ١١ - قوله إن الإسراء والمعراج كان رؤيا منامية: فالشيخ رشيد رضا يميل إلى القول بأن الإسراء والمعراج لم يكن حقيقياً بالروح والبدن وإنما كان رؤيا منامية. (٣) والذي عليه أكثر أهل العلم من أهل السنة والجماعة أنه أُسريَ به ﷺ ببدنه وروحه يقظة لا مناما، والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. (٤)

стр. 106

والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناماً لم يكن فيه شيئ كبير، ولم يكن مستعظماً، ولما بادرت قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدت جماعة ممن قد أسلم، وأيضا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والبدن». (١) ١٢ - متابعة شيخه محمد عبده بالقول بأن الملائكة قوى طبيعية: حيث يقول الشيخ محمد عبده: «وذهب بعض المفسرين مذهبا آخر في فهم معنى الملائكة، وهو أن مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال من إنماء نبات وخلقه حيوان وحفظ إنسان وغير ذلك، فيه إيماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة، وهو أن هذا النمو في النبات لم يكن إلا بروح خاص نفخه الله في البذرة، فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة، وكذلك يقال في الحيوان والإنسان. فكل أمر كلي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده فإنما قوامه بروح إلهي سمي في لسان الشرع ملكاً، ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمى هذه المعاني القوى الطبيعية إذا كان لا يعرف من عالم الإمكان إلا ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها في الطبيعة». (٢) فالشيخ محمد عبده يروي هذا القول أولا ثم يؤيده ويحبذه ويدافع عنه لأن فيه تقريباً للإيمان بالملائكة من عقول الماديين، ثم يزعم أنه لا فرق بين هذا القول وقول السلف، فالحقيقة واحده وإنما الخلاف في الأسماء! !

стр. 107

وفي الحقيقة إن هذا القول لا يقوم على أي مستند من الكتاب أو السنة بل هو من الخوض في أمور لا تدرك إلا بالوحي، استقوه من خيالاتهم، ثم ما الفرق بين من ينكر وجود الملائكة وبين من يزعم أنها قوة طبيعية ما دام منكر الملائكة يقر ويعترف بوجود قوة نمو في النباتات، وخلقه في الحيوان، وحفظ في الإنسان، ولكنها قوة طبيعية لا ينطبق عليها ما ورد في القرآن الكريم من أوصاف للملائكة. ١٣ - متابعة شيخه محمد عبده في التشكيك بأن آدم أبو البشر: حيث يقول محمد عبده عند تفسير قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (١). «ليس المراد بالنفس الواحدة آدم بالنص ولا بالظاهر، فمن المفسرين من يقول إن كل نداء مثل هذا يراد به أهل مكة أو قريش، فإذ صح هذا هنا جاز أن يفهم منه بنو قريش، إن النفس الواحدة هي قريش أو عدنان، وإذا كان الخطاب للعرب عامة جاز أن يفهموا أن المراد بالنفس الواحدة يعرب أو قحطان، وإذا قلنا إن الخطاب لجميع أهل الدعوة إلى الإسلام أي لجميع الأمم فلا شك أن كل أمة تفهم منه ما تعتقده، فالذين يعتقدون أن لكل صنف من البشر أبا يحملون النفس على ما يعتقدون ... والقرينة على أنه ليس بالنفس الواحدة آدم قوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ بالتنكير، وكان المناسب على الوجه أن يقول: وبث منهما جميع الرجال والنساء. وكيف ينص على نفس معهودة والخطاب عام لجميع الشعوب، وهذا العهد ليس معروفا عند

стр. 108

جميعهم، فمن الناس من لا يعرفون آدم ولا حواء ولم يسمعوا بهما. وهذا النسب المشهور عند ذرية نوح مثلا هو مأخوذ عن العبرانيين، فإنهم هم الذين جعلوا للبشر تاريخا متصلا بآدم وحددوا له زمنا قريبا. وأهل الصين ينسبون البشر إلى أب آخر ويذهبون بتاريخه إلى زمن أبعد من الزمن الذي ذهب إليه العبرانيون. والعلم والبحث في آثار البشر مما يطعن في تاريخ العبرانيين، ونحن المسلمين لا نكلف تصديق تاريخ اليهود وإن عزوه إلى موسى ﵇ فإنه لا ثقة عندنا بأنه من التوراة وأنه بقي كما جاء به موسى» (١). ويقول أيضا: «نحن لا نحتج على ما وراء مدركات الحس والعقل إلا بالوحي الذي جاء به نبينا ﵇، وإننا عند هذا الوحي لا نزيد ولا ننقص كما قلنا مرات كثيرة، وقد أبهم الله تعالى ههنا أمر النفس التي خلق الناس منها وجاء بها نكرة فندعها على إبهامها. فإذا ثبت ما يقوله الباحثون من الإفرنج من أن لكل صنف من أصناف البشر أبا كان ذلك غير وارد على كتابنا كما يرد على كتابهم التوراة لما فيها من النص الصريح في ذلك، وهو مما حمل باحثيهم على الطعن في كونها من عند الله تعالى ووحيه وما ورد في آيات أخرى من مخاطبة الناس بقوله «يا بني آدم» لا ينافي هذا ولا يعد نصا قاطعا في كون جميع البشر من أبنائه، إذ يكفي في صحة الخطاب أن يكون من وجه إليهم في زمن التنزيل من أولاد آدم». (٢)

стр. 109

وتابع الشيخ رضا أستاذه على هذا القول فقال: «وأقول زيادة في الإيضاح: إذا كان جماهير المفسرين فسروا النفس الواحدة هنا بآدم، فهم لم يأخذوا ذلك من نص الآية ولا من ظاهرها، بل من المسألة المسلمة عندهم وهي أن آدم أبو البشر ... ». (١) وهذا القول في الحقيقة مخالف لما ثبت في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ في أن آدم أبو البشر، فمنها على سبيل المثال قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ (٢)، وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾. (٣) وقوله ﷺ : «كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب». (٤) وقوله ﷺ : «يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد .... ». (٥)

стр. 110

المبحث التاسع وفاته توفي محمد رشيد رضا في ٢٣ جمادي الأول عام ١٣٥٤ هـ الموافق ٢٢ أغسطس ١٩٣٥ م. وكان قد خرج لوداع الأمير سعود بن عبد العزيز آل سعود (١)، في السويس، وفي أثناء عودته بالسيارة، إلى القاهرة فاضت روحه وهو في السيارة. وروى المرافقون له أنه كان يقرأ القرآن، وشعر المرافقون فجأة بسكوته واتكائه على ظهره، فإذا بروحه قد فاضت إلى خالقها. ودفن رحمه الله تعالى في قرافة المجاورين بجوار قبر أستاذه محمد عبده (٢)، عن عمرٍ يناهز السبعين عاماً قضاها في طاعة الله والعمل الصالح، وفي طلب العلم وتعليمه وتفسير كتاب الله، ونشر سنة نبيه ﷺ والدفاع عنها والدفاع عن الإسلام وأهله في كل مكان، ومحاولة إصلاح أحوال المسلمين والنصح لهم ومحاربة البدع والخرافات والجمود والتقليد.
следующие страницы →