← Тараджим

Тараджим · id 322

الطبقات السنية في تراجم الحنفية

تقي الدين ابن عبد القادر التميمي

Полный текст (1 429 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

كلمة الناشر بسم الله العلي القدير وبحمده تبدأ (دار الرفاعي للنشر والطباعة والتوزيع) خطوة جريئة جديدة في سبيل سلاسلها المنتظمة في عالم النشر … حينما تقدم لقرائها فى العالم العربي بل والاسلامي كافة هذه السلسلة الجديدة وهى سلسلة كتب (الطبقات) حيث تعنى بنشر ما لم ينشر من هذه الكتب أو باعادة نشر ما أصبح نادراً منها .. ولا نبالغ حينما نقول أن هذه الخطوة كانت أجرأ خطوة اتخذتها هذه الدار الناشئة حتى الآن ذلك لأن عبء نشر الكتب الضخمة من التراث مما تنوء به كبريات المؤسسات والهيئات ولكن الدار تحملت هذه التبعة الكبيرة متسلحة بحسن ثقتها أولاً وقبل كل شيء بالله ، ثم، وهذا ثانياً وتالياً، بحسن تعضيد قرائها سواء كان هؤلاء القراء ممثلين فى شخصيات اعتبارية من مؤسسات علمية أو جهات رسمية أو من عامة القراء المهتمين بمثل هذه الكتب الدسمة التي حملت إلينا راوئع تراثنا في فن التراجم ذلك الفن العظيم الذى بلغت به الأمة العربية الاسلامية شأواً بعيداً نادر المثال. (دار الرفاعي للنشر والطباعة والتوزيع) تبدأ اليوم خطوتها الواسعة هذه بكتاب عظيم هو موسوعة (الطبقات السنية فى تراجم الحنفية) لمؤلفه العلامة تقى الدين التميمى وهذه الموسوعة تعد أكبر كتاب في تراجم أتباع الإمام أبي حنيفة فقد وصل فيه صاحبه إلى مشارف القرن الحادي عشر الهجري وضم في استقصاء أعمال السابقين عليه وزاد عليهم ما هداه إليه البحث وما أفادته به المعاصرة. ومؤلف هذا الكتاب يجمع إلى جانب اشتغاله بالفقه والقضاء عناية بالأدب والبحث التاريخي، بل لقد كان أديباً شاعراً فلا غرو أن حفل كتابه العظيم هذا بالمختارات الأدبية والفوائد التاريخية. فهذا الكتاب لا يعد مرجعاً فى التراجم الحنفية فحسب بل هو تصوير دقيق للمجتمعات العربية والإسلامية عبر القرون بكل ما فى هذه المجتمعات من جوانب فكرية وأدبية واجتماعية. ولقد تولى تحقيق هذا الكتاب وتمحيصه وفهرسته عالم من علماء التحقيق وفارس من فرسانه هو الدكتور/ عبد الفتاح الحلو الذى نذر نفسه لهذا العمل العلمي الضخم. وان دار الرفاعي إذ تقدم اليوم هذه الباكورة لتأمل أن تقدم بعدها حصاداً من كتب الطبقات خدمة للتراث العربي الاسلامى إسهاماً منها فى النهضة الفكرية الشاملة التى تشهدها المملكة العربية السعودية في هذا العصر الزاهر من عصورها وستوالى الدار إن شاء الله تعالى تقديم أجزاء الكتاب متتالية كما ستقدم في نهايته فهرساً علمياً شاملاً دقيقاً لإفادة الباحثين. ومن الله نستمد العون ومنه نسأل التوفيق والسداد فهو الهادى الى سواء السبيل ونصلي ونسلم على أشرف أنبيائه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. دار الرفاعي للنشر والطباعة والتوزيع

стр. 2

- أ - مقدمة التحقيق ١ لقى مذهب الإمام الأعظم أبى حنيفة النعمان بن ثابت التّيمىّ الكوفىّ ما هو قمين به من الإجلال والإكبار لدى الفقهاء والدارسين لأصول التشريع الإسلامىّ، فى القديم والحديث، وحظى حظوة هائلة فى ظل الخلافة العباسية ببغداد والخلافة العثمانية بالقسطنطينية، فتصدر رجاله حلقات العلم، وتسلموا منصب الفتوى، وشغلوا كراسىّ القضاء. ولعل هذا هو الذى صرفهم عن تدوين تراجم رجال المذهب ردحا طويلا من الزمان، فقد سبقهم إلى هذا الشافعية، فبدءوا مبكرين، فى النصف الأول من القرن الخامس للهجرة، وكان أول من صنف منهم فى ذلك الإمام أبو حفص عمر بن على المطوّعىّ، المتوفى نحو سنة ٤٤٠ هـ، صنّف للإمام أبى الطيب سهل الصّعلوكىّ كتابا، سماه «المذهب فى ذكر شيوخ المذهب»، ثم تبعه الناس، حتى جاء تاج الدين أبو نصر عبد الوهّاب بن على بن عبد الكافى السّبكىّ المتوفى سنة ٧٧١ هـ، فخرج على الناس بموسوعته الكبرى فى تراجم علماء مذهب الشافعىّ «طبقات الشافعية الكبرى (١)». أما علماء الحنفية، فقد تأخر بهم القصد إلى القرن الثامن للهجرة، وظلت تراجمهم مضمّنة فى كتب التاريخ العامة، وتواريخ البلدان، وطبقات الأدباء واللغويين والفقهاء، ثم نشطوا لهذا الأمر، فحفلت القرون: الثامن، والتاسع، والعاشر، والحادى عشر، والثالث عشر، بمؤلفات كثيرة، ترجمت لعلماء المذهب، وتضمنت أخبارهم، واشتملت على مسائلهم. ففى القرن الثامن ألّف نجم الدين إبراهيم بن على بن أحمد الطّرسوسىّ المتوفى سنة

стр. 3

- ب - ٧٥٨ هـ. كتاب «وفيات الأعيان من مذهب النعمان (١)» وجمع صلاح الدين عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن المهندس المتوفى سنة ٧٦٩ هـ تاريخا كبيرا لفقهاء الحنفية، يذكر ابن حجر أنه تعب عليه؛ فإنه طالع كتبا كثيرة ببلاد متفرقة (٢). ثم جاء أبو محمد محيى الدين عبد القادر بن محمد بن نصر الله القرشىّ المتوفى سنة ٧٧٥ هـ. فأخرج كتابه «الجواهر المضية فى طبقات الحنفية (٣)» ويذكر حاجى خليفة أن القرشىّ أول من صنف فى طبقات الحنفية، يذكر هذا مرتين، مرة عند التعريف بطبقات الحنفية، وأخرى عند ذكر الجواهر المضية، حيث يقول: «وفيه لحن كثير وتصحيف؛ لأنه أول تأليف، والرجل معذور». وكتاب الجواهر المضية أكبر ما وصل إلينا من كتب طبقات الحنفية، ولكنه صغير كما يقول التقىّ التّميمىّ بالنسبة إلى كثرة رجال المذهب، وسعة القول فيهم (٤). وقد طبع الكتاب بحيدرآباد الدكن بالهند، سنة ١٣٣٢ هـ، فى جزءين (٥). وفى القرن التاسع ألّف صارم الدين إبراهيم بن محمد بن أيدمر ابن دقماق القاهرىّ المتوفى سنة ٨٠٩ هـ، كتاب «نظم الجمان فى طبقات أصحاب إمامنا النعمان (٦)». ويذكر التقىّ التّميمىّ أنه لم يقف على هذا الكتاب (٧). ويقول حاجى خليفة: وقفت على المجلد الأول والثانى منه بخطه، ويذكر أن فى هامشه بخط بعض العلماء أن الشيخ مجد الدين (٨) اختصر طبقات الحافظ عبد القادر، فهو مختصر لا مبتكر، لكنه زاد عليه قليلا، وهذا الرجل، يعنى ابن دقماق، لم يزد على ذلك إلا قليلا جدا.

стр. 4

- ج - وكتاب ابن دقماق، كما يذكر حاجى خليفة، فى ثلاث مجلدات؛ الأول: فى مناقب أبى حنيفة، والثانى والثالث: فى أصحابه. وقد امتحن ابن دقماق بسبب هذا الكتاب؛ لأنه وجد فيه حطّ على الإمام الشافعىّ، حكم على ابن دقماق بسببه بالتّعزير والحبس (١). وجاء بعده مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآباديّ الشّيرازىّ الشافعىّ، المتوفى سنة ٨١٧ هـ، فألف كتاب: «المرقاة الوفيّة فى طبقات الحنفية (٢)»، وقد سبق ذكر ما وجد بهامش «نظم الجمان» من أنه مختصر من طبقات الحافظ عبد القادر القرشىّ. ولتقىّ الدين أحمد بن على بن عبد القادر المقريزىّ، المتوفى سنة ٨٤٥ هـ «تذكرة»، جمع منها قاسم بن قطلو بغا مادّة كتابه «تاج التراجم (٣)». وصنف القاضى بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى العينىّ، المتوفى سنة ٨٥٥ هـ، «كتابا» فى طبقات الحنفية (٤). كما صنف زين الدين أبو العدل قاسم بن قطلو بغا السودونىّ الجمالىّ، المتوفى سنة ٨٧٩ هـ كتابا مختصرا، سماه «تاج التراجم» استفاد فيه من «تذكرة» أستاذه المقريزىّ، ومن الجواهر المضيّة، واقتصر فيه على ذكر من له تصنيف منهم، وعدد تراجمه ٣٣٠ ترجمة (٥). طبع هذا الكتاب أول مرة فى ليبسيك، سنة ١٨٦٢ م، وطبع معه فهرست بأسماء الرجال، وملحوظات باللغة الألمانية لغوستاف فلوجل. وأعادت طبعه مكتبة المثنى ببغداد، سنة ١٩٦٢ م.

стр. 5

- د - ويذكر ابن الشّحنة فى هوامشه على الجواهر المضية أن الإمام مسعود بن شيبة عماد الدين السّندىّ، وابن سابق، جمعا طبقات أصحاب أبى حنيفة (١). ولابن الشّحنة هذا، وهو أبو الفضل محمد بن محمد الثّقفىّ الحلبىّ، المعروف بابن الشّحنة الصغير، المتوفى، سنة ٨٩٠ هـ كتاب «طبقات الحنفية» فى عدة مجلدات (٢). أما القرن العاشر، فقد زخر بعدد كبير من كتب تراجم الحنفية. فقد ألّف شمس الدين محمد بن على بن أحمد بن طولون الصّالحىّ الدمشقىّ، المتوفى سنة ٩٥٣ هـ، كتاب «الغرف العليّة فى تراجم متأخّرى الحنفية (٣)». وألّف شمس الدين بن آجا محمد بن محمد «كتابا» فى طبقات الحنفية، فى ثلاث مجلدات (٤). واختصر إبراهيم بن محمد إبراهيم الحلبىّ، المتوفى سنة ٩٥٦ هـ، كتاب صلاح الدين عبد الله بن محمد المهندس، الذى سبقت الإشارة إليه (٥)، كما اختصر «الجواهر المضية (٦)». وألّف محمد بن عمر، حفيد آق شمس الدين، المتوفى سنة ٩٥٩ هـ كتابا فى طبقات الحنفية (٧). وجمع المولى على بن أمر الله الحنّائىّ، المتفى سنة ٩٧٩ هـ، «مختصرا» على إحدى وعشرين طبقة، كتب فيه المشاهير، بدأ بالإمام الأعظم، وختم بابن كمال باشا (٨).

стр. 6

- هـ - وألّف محمود بن سليمان الرومىّ الكفوىّ، المتوفى سنة ٩٩٠ هـ، كتاب «كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار». وهو كتاب كبير يقع فى ٥٧٣ هـ ورقة (١). كما صنّف قطب الدين محمد بن علاء الدين أحمد بن محمد النّهروانىّ (النهروالى) الهندىّ الحنفىّ، المتوفى سنة ٩٩٠ هـ، «كتابا» فى طبقات الحنفية، فى أربع مجلدات، ثم احترق مع كتبه، ثم كان فى صدد تجديدها، ولم يمهل (٢). وجاء القرن الحادى عشر، فألّف تقىّ الدين التميمىّ كتاب «الطبقات السنية فى تراجم الحنفية»، وهو هذا الذى نقدّم له. ثم ألّف نور الدين على بن سلطان (محمد سلطان) الهروىّ القارى، المتوفى سنة ١٠١٤ هـ، كتاب «الأثمار الجنيّة فى أسماء الحنفية (٣)». وفى القرن الثالث عشر، شغل أبو الحسنات محمد بن عبد الحىّ اللّكنوىّ الهندىّ، المتوفى سنة ١٣٠٤ هـ، بهذا الأمر، ورأى أنه لو جمع رجال المذهب فى كتاب، فسيصير المجموع أكبر، لا ينتفع به إلا الأندر، ففرّقهم فى أكثر من كتاب، فصنع لرجال «الهداية» كتاب «مقدمة الهداية»، وجعل له ذيلا سماه «مذيّلة الدّراية»، وأفرد لتراجم شراح «الجامع الصغير»، وأرباب المتون المشهورة، وأصحاب الكتب المعروفة، رسالة سماها «النافع الكبير» وذكر من له أو لكتابه ذكر فى «شرح الوقاية» كما ذكر شرّاح «الوقاية» ومحشّى شرح «الوقاية»، وشرّاح «النقاية» فى مقدمة شرحه لشرح الوقاية، المسمى ب «السّعاية فى كشف ما فى شرح الوقاية». ثم اطّلع على كتاب الكفوىّ، ولخّص منه تراجم الفقهاء دون حذف ما يتعلّق بها، ثم حذف الفوائد الفقهية، وزاد بعد ذلك عليها، وسمّى عمله هذا «الفوائد البهية فى تراجم الحنفية»، فرغ منه سنة ١٢٩٢ هـ (٤).

стр. 7

- و - ومن عجب أن صاحب هذا الكتاب، لم يطلع على «الطبقات السنية» للتقىّ التّميمىّ، ولم يترجم له بين رجاله. وقد طبع هذا الكتاب فى مصر، بمطبعة السعادة، سنة ١٣٢٤ هـ، كما طبع بحاشيته «التعليقات السنية على الفوائد البهية»، للمؤلف أيضا. ٢ وكتاب التقىّ التميمىّ «الطبقات السنية فى تراجم الحنفية» يقف شامخا بين هذه المؤلفات، فقد جمع فى إسهاب تراجم رجال المذهب حتى نهاية القرن العاشر للهجرة، من كل المصادر التى وقعت لمؤلّفه، والتى ذكر طرفا منها فى مقدمة الكتاب (١)، ورتبه على حروف المعجم، وأضاف إلى آخره لحقا بالكنى والأنساب والأبناء، فاستحق بهذا شهادة حاجى خليفة له؛ حيث يقول (٢): «ثم جاء تقىّ الدين بن عبد القادر المصرىّ، وصنف فى ذلك- أى فى طبقات الحنفية-كتابا كبيرا جمع فيه تراجم الحنفية، فأوعى وأجاد، وهو أجلّ الكتب المؤلفة فى تراجم أهل الرّأى، أدرج فيه رجال الشّقائق ومن بعده إلى زمانه». وقد شهد له أيضا الشهاب الخفاجىّ، حيث يقول (٣): «وله تصانيف سمعناها منه، منها طبقات الحنفية، وهى فى مجلدات، جمع فيها من شقائق النّعمان كلّ ثمرة جنية». وكذلك يذكر الأمين المحبّىّ أن (٤) «أحسن ماله من التآليف طبقات الحنفية، وقفت على حصّة منها، جمع فيها جملة من علماء الروم، وعظمائها، وأكابر سراتها، ورؤسائها». وقد قرّظ هذا الكتاب المولى سعد الدين المعروف بخواجه زاده والمولى جوى زاده، والمولى زكريا، والمولى عبد الغنى، والمولى أحمد الأنصارىّ، من علماء الدولة العثمانية (٥). ومن تقريظ المولى سعد الدين للطبقات (٦): كتاب طاب تعبيرا يحاكى … عبيرا فائحا فى الرّوح سار

стр. 8

- ز - كنشر القطر عطّر كلّ قطر … وكالدّارىّ فاح بكلّ دار بيمن دار منه على تميم … يليق بأن يكون تميم دارى ومن تقريظ المولى شيخ الإسلام زكريا بن بيرام له (١): هذا كتاب فاق فى أقرانه … يسبى العقول بكشفه وبيانه سفر جليل عبقرىّ فاخر … سحر حلال جاء من سحبانه أوراقه أشجار روض زاهر … قد تجتنى الثمرات من أفنانه لله درّ مؤلّف فاق الورى … بفرائد فغدا فريد زمانه فجزاه ربّ العالمين بلطفه … طبقات عزّ فى فسيح جنانه كما قرّظه بمقطوعة نثرية، تجدها فى خلاصة الأثر، ونفحة الريحانة، عقب هذا الشعر. ويذكر حاجى خليفة أن التقىّ التميمىّ أتمّ تأليف هذا الكتاب سنة ٩٩٣ هـ، ثم يعود فيذكر أنه أتمّ تأليفه بمدينة فوّة، وهو قاض بها سنة ٩٨٩ هـ (٢)، فكيف يصح هذا القول؟ لقد أتم التقىّ التميمىّ كتابه سنة ٩٨٩ هـ، جاء هذا فى آخره حيث يقول: «تم تأليف هذا الكتاب .. على يد جامعه .. تقى الدين بن عبد القادر التميمىّ الدّارىّ القاضى بمدينة فوّة (٣) من المزاحمتين، وذلك فى نهار الخميس المبارك، عاشر شهر رجب الفرد، من شهور سنة ٩٨٩ أحسن الله ختامها»، ولعله ذهب بعد ذلك بالكتاب إلى حاضرة الخلافة سنة ٩٩٣ هـ، وقدّمه إلى من عمله برسمه، وهو السلطان مراد خان بن سليم (٤)، وكوفئ على ذلك بقضاء مدينة قونية، فقد جاء فى هامش آخر صفحة من نسخة المصنف بخطّ دقيق: «ألفه بمدينة قونية، وهو قاض، فى زمن مراد خان بن سليم».

стр. 9

- ح - ٣ أما صاحب الطبقات السنية، فهو (١): تقى الدين بن عبد القادر التميمىّ الدّارىّ الغزّىّ المصرىّ الحنفىّ. لم تذكر مصادر ترجمته سنة مولده، وذكر الأستاذ كحالة أنه ولد سنة ٩٥٠ هـ، ولعله استنبط ذلك من أنه توفّى فى سنّ الكهولة، وكانت وفاته سنة ١٠٠٥ هـ، وذكر المحبّىّ أن وفاته كانت بمصر، يوم السبت خامس جمادى الآخرة، سنة ١٠١٠ هـ. ولم تذكر لنا المصادر شيوخه، ولا تلامذته، ولم نعلم من أحواله الاجتماعية إلا أن ولده حسنا كان عاقّا له، وفى ذلك يقول (٢): حسن نونه مقدّمة … لعن الله من يؤخّرها يعنى أنه نحس. وقد رحل إلى الروم، فقد ذكر الخفاجىّ أنه كانت بينه وبين التقىّ مودة أكيدة، ومراسلات ومكاتبات بالروم (٣). وذكر المحبّىّ أنه جال فى البلاد، ودخل الروم (٤). وقد اشتغل التقىّ التميمىّ بالقضاء، ويذكر كحالة أنه تولّى القضاء بالجيزة وتوابعها، وعلى هامش نسخة الطبقات التى يقال إنها بخط المصنف أنه كان قاضيا بقونية، وفى آخر الطبقات يذكر التميمىّ أنه أتمها سنة ٩٨٩ هـ وهو قاض بمدينة فوّة. ويذكر الخفاجىّ أنه قبل تولّيه القضاء كان عزوفا عنه، مقبلا على العبادة متزهّدا، ثم ساقه القدر إلى القضا، فرضى بما قدّره الله وقضى (٥).

стр. 10

- ط - وقد عبّر التقىّ التميمىّ عن ضيقه بهذا المنصب، وألمه لمهانة الفقهاء بقوله (١): أحبابنا نوب الزمان كثيرة … وأمرّ منها رفعة السّفهاء فمتى يفيق الدهر من سكراته … وأرى اليهود بذلّة الفقهاء وقال (٢): ما أبصرت عين امرئ … فى الدهر يوما مثلنا عشق وحرمان به … أبدا ترانا فى عنا الدّون لا نرضى به … والعال لا يرضى بنا وقد ساق الخفاجىّ طرفا من شعر التقىّ التميمىّ (٣)، يدل على تمكّنه من ناصية البيان، كما ضمّن التميمىّ طبقاته بعض قصائده، ومنها قصيدته التى مدح بها معاصره أحمد بن حسن ابن عبد المحسن الرومىّ، وقد بلغت أبياتها ٦٨ بيتا، افتتحها بقوله (٤): لى فى الغرام بمن أهوى صبابات … لها نهايات من يهوى بدايات ومنها أيضا قصيدته التى مدح بها السلطان مراد خان بن السلطان سليم خان، حين قدّم إليه كتابه «الطبقات السنية» وبلغت أبياتها ١٩ بيتا، افتتحها بقوله (٥): دانت لهيبتك الأيّام والأمم … وقد أطاعك فيها السيف والقلم وتقدم البيت الذى يذمّ فيه ولده العاقّ، ولعله من رسالة كلها على هذا النحو، كما تجد كثيرا من الأبيات المفرّقة، والمقطوعات المنثورة من شعره فى «الطبقات». وهو صاحب نثر أيضا، ذكر ذلك الشهاب الخفاجىّ (٦).

стр. 11

- ى - ٤ وكانت ثقافة التقى التميمىّ ثرّة فيّاضة، أخذ من منابع عدة، ولم يقتصر على الفقه علما يصل عن طريقه إلى منصة القضاء، وإنما أتقن علوم اللسان، ويتضح هذا من إيثاره إيراد القصائد والنكت الأدبية فى كتابه «الطبقات السنية»، واعتذاره عن ذلك بأنه أحبّ ألا يخلو كتابه عن الأدب، وأتقن أيضا علم التاريخ، والمقدمة التى قدم بها لكتابه «الطبقات السنية»، وما حوت من إرشادات للمؤرخ، ومعالم لقارئ التاريخ، تغنى عن الحديث فى ذلك. وقد ترك من المؤلفات: ١ - تذكرة، ذكرها حاجى خليفة، فى كشف الظنون ١/ ٣٨٥. ٢ - حاشيته على شرح ابن المصنف بدر الدين أبى عبد الله محمد بن محمد، المعروف بابن مالك، وهى حاشية جمع فيها أقوال الشراح وحاكم فيما بينهم. ذكرها حاجى خليفة، فى كشف الظنون ١٥٢،١/ ١٥١. ٣ - السيف البرّاق فى عنق الولد العاقّ، رسالة له ألفها لما كان ولده الحسن عاقاّ له، ومنها البيت الذى تقدّم: حسن نونه مقدّمة … لعن الله من يؤخّرها ذكرها حاجى خليفة فى كشف الظنون ٢/ ١٠١٧. ٤ - الطبقات السنية فى تراجم الحنفيّة، ذكرها حاجى خليفة فى كشف الظنون ١/ ٣٩٤ باسم «التراجم السنيّة فى طبقات الحنفيّة» وذكرها فى ١٠٩٩،٢/ ١٠٩٨ باسم «الطبقات السنية». وذكر القسم الخاص بترجمة الإمام الأعظم، فى ٢/ ١٨٣٨. كما ذكرها بروكلمان، فى تاريخ الأدب العربى ٢/ ٣١٢، ملحق ٢/ ٤٢٩، وتقدم الحديث عنها. ٥ - مختصر «يتيمة الدهر» لأبى منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثّعالبىّ

стр. 12

- ك - النّيسابورىّ، المتوفى سنة ٤٢٩ هـ. ذكر ذلك حاجى خليفة، فى كشف الظنون ٢/ ٢٠٤٩، وقال: إنه اختصرها فى مقدار نصفها. ٦ - مختصر «ذيل اليتيمة» لحسن بن مظفّر النّيسابورىّ، المتوفى سنة ٤٤٣ هـ، ذكره حاجى خليفة، فى كشف الظنون ٢/ ٢٠٥٠، وقال: «ومختصرها إلى نصفها لتقى الدين بن عبد القادر المصرى». ولست أدرى إن كان الضمير فى «مختصرها، نصفها» راجع إلى اليتيمة أم إلى ذيلها، فإن السياق موهم. وذكر بروكلمان فى تاريخ الأدب العربى، الملحق ٢/ ٤٢٩ أن لتقىّ الدين التّميمىّ كتاب «منافع القرآن، وما فى كل آية من البرهان»، نقل ذلك عن حاجى خليفة، وأشار إلى نسختين فى أكسفورد والجزائر، وقد رجعت إلى كشف الظنون، فوجدت الكتاب للحكيم التميمىّ، لا لتقى الدين التميمىّ. ٥ وقد اعتمدت فى تحقيق هذا الكتاب على النسخ الآتية: ١ - نسخة كتبت بخط المؤلف، خط نسخى، يوجد منها المجلد الأول، وينتهى بترجمة أحمد بن محمد بن محمد الخجندىّ، وجاء فى آخرها: «هذا آخر المجلد الأول من كتاب الطبقات السنية فى تراجم الحنفية، ﵃ أجمعين، وكتبه مؤلفه الفقير الواثق بالملك البارى، تقى الدين بن عبد القادر التميمىّ الدّارى، عفا الله عنه بمنّه ولطفه، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. ويتلوه فى الجزء الثانى، ترجمة أحمد بن محمد بن محمود بن سعيد الغزنوىّ، معيد درس الكاسانىّ، رحمه الله تعالى»، وبعد كلمة «الدارى» بخط دقيق «المصرى»، وفى هامش هذه الصفحة تعليقات بخط دقيق، هى: «أول تأليفه .... »، «ألفه بمدينة قونية وهو قاض بها فى زمن مراد خان بن سليم»، «المتوفى قبل ١٠٠٥»، « الشريف بخط مؤلفه … » وعلى صدر النسخة تملّك فى العاشر من ربيع الثانى، سنة ١٠٦١ هـ، باسم محمد بيرم الرابع، وتملّك آخر سنة ١١٤١ هـ، باسم بقاء الدين عبد الباقى الشهير ببولبلى زاده، وتقع النسخة فى ١٠٠ ورقة، ومسطرتها ٣٢ سطرا، ومصورتها محفوظة بمعهد المخطوطات، جامعة الدول العربية، برقم ١١٢٤ تاريخ، عن مكتبة السيد حسن حسنى

стр. 13

- ل - عبد الوهاب بتونس، وهذه النسخة تخلّ ببعض التراجم، وتسقط منها بعض الأوراق، وبيان ذلك فى حواشى الكتاب. وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز «ص». ٢ - نسخة كتبت بخط نسخى جيد، مضبوط بعضه بالحركات، كتبها عبد الوهاب بن محمد زين العابدين بن محمد شمس الدين الخطيب نسبا الإدكاوىّ بلدا الشافعىّ مذهبا، وفرغ من كتابتها يوم الخميس العاشر من شهر جمادى الآخرة، من شهور سنة ١٠٢٥ هـ. وعلى النسخة مقابلة قام بها منصور بن عبد اللطيف الرّشيدىّ الأزهرىّ الشافعىّ، مقابلة حميدة جيدة مفيدة على أصل مؤلفه، كان الفراغ منها صبيحة يوم الاثنين المبارك، ثالث عشرى صفر، من شهور سنة ١٠٢٧ هـ. وطالع النسخة رجل يقال له الحسن، وذكر أن النسخة سقيمة، وأن جامعها ليس هناك، بل هو طالب للتشاعر، وشكّك فى مقابلة الرشيدىّ على نسخة المؤلف. وقد راجعت النسخة فوجدتها سليمة تغلب عليها الصحة، ووجدت بعض التقييدات أثرا لمراجعة الرشيدىّ، ويبدو أن سخط المطّلع على الكتاب حمله على نكران كل فضل للمؤلف والكاتب والمقابل. وتقع هذه النسخة فى ٥٩٦ ورقة، ومسطرتها ٣٢ سطرا، وأرقام أوراقها هى المقيدة على طرّة الكتاب، وهى محفوظة بدار الكتب المصرية برقم ٢١١٢ تاريخ طلعت. وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز «ط». ٣ - نسخة كتبت بخط نسخى، فى القرن العاشر، تنتهى بترجمة الحسين بن عبيد الله بن هبة الله بن حمزة القزوينىّ، من حرف الحاء، وتقع فى ١٣٩ ورقة، ومقاسها ٢٧*١٩ سم، وهى مصورة من مكتبة سوهاج ٣٧٦ تاريخ، ومحفوظة بمعهد المخطوطات، جامعة الدول العربية برقم ٣١٠ تاريخ. وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز «س». ٤ - نسخة كتبت بخط نسخى، سنة ١٠٨٥ هـ، وتقع فى ٤٦٥ ورقة، ومسطرتها ٣٣ سطرا، ومقاسها كبير، وهى مصورة عن مكتبة نور عثمانية ٣٣٩١، ومحفوظة فى معهد

стр. 14

- م - المخطوطات، جامعة الدول العربية، برقم ٣١٠ تاريخ. وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز «ن». ٥ - نسخة تشتمل على الكنى والأنساب والألقاب والبنين، كتبت بخط نسخى، كتبها عبد الجواد بن على الأبيارىّ، وكان الفراغ من كتابتها فى أوائل شهر ذى القعدة سنة ١٠٤٦ هـ. (كتبت هكذا سنة ١٤٦ .. )، وتقع في ٨٣ ورقة، ومسطرتها ٢٥ سطرا، وهى محفوظة بدار الكتب المصرية، برقم ٢٠٦٥ تاريخ طلعت. وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز «ك». وقد اهتديت فى عملى أيضا بنسختين، رجعت إليهما لماما، ولم أشر إلى موطن الرجوع؛ لاتفاقهما مع النسخ الأخرى، ولتأخّرهما، وهما: ١ - نسخة كتبت بخط نسخى، سنة ١٢٧٥ هـ، بخط أحمد بن الجزايرلى، وهى فى جزءين كل منهما فى ٣٠٠ ورقة، ومسطرتها ٢٧ سطرا، وهى محفوظة بدار الكتب المصرية، برقم ٥٥ مكتبة حليم. ٢ - نسخة كتبت بخط نسخى، سنة ١٢٨٤ هـ، وتقع فى أربعة أجزاء، الأول ٥٩٣ صفحة، والثانى ٥٢٠ صفحة، والثالث ٥٨٧ صفحة، والرابع ٥٠٣ صفحة، ومقاسها ٢٠*١٥ سم، وهى محفوظة بدار الكتب المصرية برقم ٥٤٠ تاريخ تيمور. وقد اعتمدت قسم الكنى والألقاب والأنساب والأبناء من هذه النسخة للمراجعة مع النسخة «ك» ورمزت إليه بالرمز «ت». وهاتان النسختان الأخيرتان مصورتان فى معهد المخطوطات، جامعة الدول العربية، برقم ٣١٠ تاريخ،١١٢٤ تاريخ. *** أما بعد، فإنى أضرع إلى الله أن يوفقنى إلى إخلاص النية فى هذا العمل، وأن يرزقنى الصبر عليه والإتقان له، وأن يجزل لى ثوابه، وأن يعم المسلمين بنفعه، إنه سميع مجيب. عبد الفتاح محمد الحلو القاهرة فى ٢٩ من ذى القعدة ١٣٨٨ هـ. (١) ١٦ من فبراير ١٩٦٩ هـ.

стр. 15

- ن - الصفحة الأولى من النسخة «ص»، المحفوظة بمعهد المخطوطات، برقم ١١٢٤ تاريخ

стр. 16

- س - الصفحة الأخيرة من النسخة «ص»، المحفوظة بمعهد المخطوطات، برقم ١١٢٤ تاريخ

стр. 17

- ع - الصفحة الأولى من النسخة «ط»، المحفوظة بدار الكتب المصرية، برقم ٢١١٢ تاريخ طلعت

стр. 18

- ف - الصفحة الأخيرة من النسخة «ط»، المحفوظة بدار الكتب المصرية، برقم ٢١١٢ تاريخ طلعت

стр. 19

- ص - اللوحة الأولى من النسخة «س»، المحفوظة بمعهد المخطوطات، برقم ٣١٠ تاريخ

стр. 20

- ق - اللوحة الأخيرة من النسخة «س»، المحفوظة بمعهد المخطوطات، برقم ٣١٠ تاريخ

стр. 21

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدّين كله ولو كره المشركون، وأيّده بأصحاب كالنجوم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وبهم أصحاب الضلالة يهتدون، وأتبعهم بعلماء كأنبياء بنى إسرائيل يعلّمون الناس من شريعة نبيّهم ما يجهلون، صلّى الله وسلّم عليه وعلى آله وصحبه، عدد ما كان، وما يكون، صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم يبعثون. وبعد؛ فإنّ من أراد النجاة فى الدّارين، والسّعادة فى الحالين، والاتّباع بالإحسان، والإحسان باتّباع الأعيان، فعليه بسلوك طريقة من سلف من الأئمة المهتدين، والعلماء العاملين، والفضلاء المحقّقين والمحقّقين الفاضلين، ممّن لم يرد بالعلم مماراة ولا مباهاة، ولا مجادلة ولا مضاهاة، بل قصر ليله على العبادة، ونهاره على الإفادة، يقول الحقّ ويعمل به، ويفعل الخير ويرشد إليه، لا تأخذه فى الله لومة لائم، ولا يصدّه عن الحقّ رهبة ظالم. ولا سبيل إلى هذا السّبيل إلا بعد معرفتهم، والوقوف على جليّتهم، والإحاطة بأوصاف أخيارهم، والاطّلاع على جملة أخبارهم. ولمّا (١) كان هذا أمرا يتعذّر، وعملا يتعسّر، بل لا يدخل تحت مقدور البشريّة، ولا يمكن إدراكه بالكليّة، وقد قيل: ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه، وواجب علينا أن نبدأ بالأهمّ، والأولى فالأولى. وكان (٢) من أهمّ المهمّات أن يعرف الشخص أوّلا من جعله (٣) وسيلة فى الهداية بينه

стр. 22

وبين الله، وقلّده فيما يراه، وتبعه فيما يتحرّاه، (١) اقتضى الحال (١) على أن نقتصر على ذكر أئمّتنا الذين بهم نهتدى، وبأقوالهم وأفعالهم نقتدى. وهم (٢) إمام الأئمّة، وسراج الأمة (٣) وأمين الله تعالى على حفظ شريعته فى أرضه، والمميّز لعباده بين واجبه وفرضه (٣)، أبو حنيفة النعمان (٤) بن ثابت (٤) الكوفىّ (٥)، تغمده الله بالرحمة والرّضوان، وأسكنه فسيح الجنان (٥)، وأصحابه الذين أخذوا عنه، واقتدوا به، واتّبعوه بإحسان، إلى زمننا هذا، رضى الله تعالى عنهم أجمعين؛ فإن فيهم كفاية، لمن أراد الهداية، ونهاية، لمن أراد الدّراية، وليس فى أصحاب المذاهب أجلّ منهم، ولا أحد ٢ - وعاصرهم أو جاء بعدهم يستغنى عنهم،/فالناس خصوصا فى الفقه عيال عليهم، وفى الرّحلة أجلّ من تضرب أكباد (٦) الإبل إليهم، ما تركوا علما يمكن تعلّمه إلاّ حصّلوه، ولا فعلا محمودا إلا فعلوه. وقد صنّف (٧) فى مناقبهم وفضائلهم وطبقاتهم، كتب كثيرة، ومجلدات كبيرة، غير أن تقادم الزمان أخلق جدّتها، وأنقص عدّتها؛ فإن غالبها كان بالعراقين مقرّه، وبدار السّلام مثواه ومستقرّه، وكان منها أيضا بما وراء النهر، ما لا يدخل تحت الحصر، ممّا حال بيننا وبينه بعد المراحل، وانقطاع القوافل، وتداول الفتن، وتناوب صروف الزمن، وضاعت الكتب، بعضها بالإغراق، وبعضها بالإحراق، واندرست الآثار، ونسيت الأخبار، وأصيب الإسلام وأهله، فانا لله وإنا إليه راجعون. فخطر (٨) فى خلدى أن أجمع كتابا مفردا، جامعا لتراجم السّادة الحنفيّة، مستوفيا لأخبارهم وفضائلهم ومناقبهم، وذكر مؤلّفاتهم ومصنّفاتهم، ومحاسن أشعارهم، ونوادر

стр. 23

أخبارهم، وغير ذلك، بحسب الطّاقة، ونهاية القدرة، وإلاّ فهم ممّن لا يمكن حصره، ولا يطمع فى الإحاطة به، ولا فى الوصول إليه. فانتخبت ذلك من الكتب المعتبرة، التى يرجع فى النّقل إليها، ويعوّل فى الرواية عليها؛ من ذلك: «تاريخ الخطيب البغدادىّ». «تاريخ ابن خلّكان». «تاريخ ابن كثير». «الدّرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة»، للحافظ ابن حجر. «إنباء الغمر بأنباء العمر» له أيضا. «رفع الإصر عن قضاة مصر» له أيضا. ذيله، المسمّى ب «بغية العلماء والرّواة» لتلميذه الشيخ شمس الدّين السّخاوىّ. «طبقات اللغويّين والنحاة»، للحافظ جلال الدّين السّيوطىّ. «طبقات المفسّرين»، له أيضا. «نظم العقيان فى أعيان الأعيان»، له أيضا. «الرّوض البسّام فى من ولى قضاء الشام»، لأحمد بن اللبودىّ (١). «الجواهر المضيّة فى طبقات الحنفيّة»، للشيخ عبد القادر القرشىّ، وهي أكبر طبقات وقفت عليها لأئمّتنا السّادة الحنفيّة، مع أنها مختصرة بالنسبة إلى شأن من صنّفت فى حقّهم. «طبقات الحنفية»، للشهاب المقريزىّ (٢). «طبقات الحنفية»، للشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفىّ.

стр. 24

«طبقات الفقهاء»، لأبى إسحاق الشّيرازىّ، وهي شاملة لسائر الفقهاء الكبار، والمجتهدين الأخيار، من أصحاب المذاهب المتّبعة، وغير المتّبعة، من الصّحابة، والتابعين وغيرهم، إلى الزمن الذى كان فيه، رحمه الله تعالى. «يتيمة الدّهر»، للثّعالبىّ. «تتمّة اليتيمة»، له أيضا «دمية القصر»، للباخرزىّ. «الخريدة» للعماد الكاتب. «تاريخ قزوين» لأبى القاسم الرّافعىّ. «تاريخ جرجان»، للحافظ السّهمىّ. «تاريخ آل رسول» بغير ألف ولام، للخزرجىّ. «معجم البلدان» لياقوت الحموىّ. «طبقات المحدّثين»، للحافظ الذّهبىّ. «تاريخ الإسلام» له أيضا. «العبر» له أيضا. «ذيل العبر»، للحافظ زين الدّين العراقىّ. «ذيل الذّيل»، لولده الحافظ ولىّ الدّين العراقىّ. «طبقات النحاة»، لابن قاضى شهبة. «الوافي بالوفيات»، للصّلاح الصّفدىّ. «أعيان العصر/وأعوان النّصر» له أيضا. «الشّقائق»، لابن طاش كبرى. «تهذيب الأسماء واللغات»، للإمام النّووىّ. «تاريخ الصّعيد» للأدفوىّ. «تاريخ اليافعىّ». «أسماء شيوخ ابن حجر». «أسماء شيوخ السّيوطىّ». «مرآة الزمان»، لسبط ابن الجوزىّ.

стр. 25

«الذيل على مرآة الزمان»، لليونينىّ. «المنتظم» لابن الجوزىّ. وغير ذلك من التواريخ، والطبقات والتراجم، وأسماء الرجال ودواوين الشعراء، ومجاميع الأدباء، ومن أفواه الثّقات، وأعيان الرّواة، ولا أنقل شيئا إلا بعد أن يشهد له العقل والنّقل، وغلبة الظنّ بالصحة. وقد صدّرت هذا الكتاب بمقدمة، تشتمل على بيان من ألّفته باسمه، وعملته برسمه، وعلى فوائد مهمّة، تتعلق بفنّ التاريخ، لا يسع المؤرّخ جهلها، وعلى بيان ما اصطلحت عليه في هذا الكتاب، وهى (١) مقدّمة تحتوى على أبواب وفصول، جعلها الله تعالى منتجة لكل خير، موصّلة لكل مأمول؛ بمنّه وكرمه. وسمّيته «الطبقات السنيّة فى تراجم الحنفية». نفع الله تعالى به، وأثاب عليه، بمنّه (٢) وكرمه؛ إنه على كل ما يشاء قدير، وبالإجابة قمن وجدير.

стр. 26

باب فى بيان من ألّفته باسمه، وعملته برسمه وهو صاحب القرآن السّعيد، وسلطان الأوان المديد، وإسكندر الزمان، وفخر آل عثمان، من تفتخر الملوك بتقبيل أعتابه، وتتباهى السّلاطين بخدمة أبوابه، ومن أنام الأنام فى ظلّ عدله، وأحيا موات العدم بوافر إحسانه وفضله، ونصر الدّين المحمّدىّ وأقام مناره، وخفض كلمة الباطل وأذهب شعاره، وشمل شمل الكفر بعزتّه كلّ خزى ونكال، وتسلّط على ذويه كلّ قهر ووبال. فلم يبق غراب إلا غربت شمسه، ولا مقاتل إلاّ وسالت على الصّوارم نفسه، ولا ذهب إلا ذهب إلى خزائنه المعمورة، ولا حريم لهم (١) إلا وقد هتكت حرمته المستورة، ولا قلعة إلاّ قلعت من أصولها، ولا قافلة إلا قطعت عن قفولها. وأطلق سيوفه الباترة، في أعناق طغاة الرّوافض الفاجرة، فما أبقى لهم شملا إلاّ بدّده (٢)، ولا جمعا إلاّ أفرده (٣) ولا قوة إلا أضعفها، ولا مهجة إلا أتلفها. وأصبح الرّفض مرفوضا وناصره … في ذلة وإمام الحقّ قاهره وشوكة السّنة الغرّاء قد قويت … فكلّ قطر بها تزهى منابره وهو السّلطان الأعظم، والخاقان الأكرم؛ سيف الله القاطع، وشهابه اللامع، والمحامى عن دينه والمدافع، والذّابّ عن حرمه والممانع، السّلطان مراد خان (٤)، أدام الله دولته إلى آخر الزمان، ابن السّلطان سليم خان، ابن السّلطان سليمان خان، ابن السّلطان سليم خان ابن السّلطان بايزيد خان، ابن السّلطان محمّد خان-فاتح قسطنطينيّة، حماها الله

стр. 27

عن كل آفة وبليّة-ابن السّلطان مراد خان، ابن السلطان محمّد خان، ابن السّلطان بايزيد خان، ابن السّلطان مراد خان الغازى، ابن السّلطان أورخان، ابن السّلطان عثمان الغازى، الذى تنسب إليه هذه السّلاطين. أدام الله/أيّام دولتهم، وخلّد أوقات سعادتهم، ورحم أوّلهم، ونصر آخرهم، ولا ردّ لهم راية عن غاية، ولا حساما عن نهاية. ولا زالت أيّام هذا السّلطان فى سعادة وإقبال، وعظمة وإجلال؛ فإنه ما زال يقرّب أهل العلم من ساحة إحسانه، ويأويهم إلى كنف جوده وامتنانه، ويقابل محسنهم بالإحسان، ومسيئهم بالغفران، وفاضلهم بالإفضال، وكبيرهم بالإكرام والإجلال. فرغب فى تحصيل العلوم من لم تكن له رغبة، وتأهّب للاشتغال من لم يكن عنده أهبة، وصار كلّ منهم يظهر بالتأليف مقدوره، ويبذل فى التّصنيف ميسوره، ويشرّف ما ألّفه وصنّفه، بخدمة سدّته السّنيّة، وأبوابه العليّة، ويبلغ به من إحسانه أقصى المرام والأمنيّة. فأحببت أن أدخل نفسى فى عدادهم وإن لم أكن لذلك أهلا، وأضرب معهم فى الخدمة بسهم وإن لم أكن ممّن يعرف الضرب أصلا. فالكريم يغضّ عن الزّلّة، والحليم يعفو عن الذنب؛ والخيار يستر العوار، والكلام يشرف بمن قيل فيه. وقد شرّفت نظمى بمديحه، وقلت فيه قصيدة، أحببت أن أجعلها فى هذه المقدّمة مقدّمة، وفى هذه الترجمة مفخّمة. وهى هذه: دانت لهيبتك الأيّام والأمم … وقد أطاعك فيها السّيف والقلم وليس يخرج عن أمر أمرت به … إلاّ شقىّ به قد زلّت القدم وأصبح الجور لا يجار ولا … يلفى له فى جميع الأرض معتصم والعدل فى كفّه ماض أشمّ به … من عصبة الظلم والعدوان ينتقم لا يظلم الذئب شاة البرّ ليس لها … راع سواه وقد أودى به النّهم هذا الذى قيل فى أمثال من سلفوا … من كثرة الأمن يمشى الذئب والغنم يحصى الحصا قبل أن تحصى مآثره … والغيث يفنى ولا تفنى له نعم يكاثر الرّمل فى الهيجاء عسكره … وكلّ من شئت منهم وحده أمم هو المراد الذى ربّ العباد قضى … فى عالم الذّرّ أن يحيى به العدم

стр. 28

وأن تعود به الدنيا كما بدئت … علما وعدلا وجودا دونه الدّيم أما ترى العلم ينمو كلّ آونة … والجهل يزداد نقصا ليس ينكتم أما ترى علم الإسلام مرتفعا … والكفر أصبح لا بند ولا علم والمال فاض وفاض الباذلون له … وكلّ أرض على من حلّها حرم يا آل عثمان يا من لا نظير لهم … بين الملوك وهل يرجى نظيرهم يا من بأعتابهم من حين ما نصبت … شفاه كلّ ملوك الأرض تستلم لم تصف للناس أيّام ولا سلمت … من التكدّر إلا فى زمانكم فالله يبقى لأهل الأرض دولتكم … فإنّها دولة يحيى بها النّسم والله يعيطكم ما لا يحيط به … وصف ولا عن مداه تفصح الكلم /ولا تزال الورى فى ظلّ دولتكم … بخفض عيش وثغر الدّهر يبتسم

стр. 29

باب يشتمل على فوائد مهمّة، تتعلق بفنّ التاريخ، لا يسع المؤرّخ جهلها وهو باب يشتمل على فصول: الفصل الأوّل (١) كانت العرب تؤرّخ فى بنى كنانة من موت كعب بن لؤىّ، فلما كان عام الفيل أرّخت منه، وكانت المدّة بينهما مائة وعشرين سنة. قال أبو الفرج الأصبهانىّ، صاحب «الأغانى»: إنه لما مات الوليد بن المغيرة بن عبد الله ابن عمرو بن مخزوم، أرّخت قريش بوفاته مدة؛ لإعظامها إياه، حتى إذا كان عام الفيل جعلوه تاريخا. هكذا ذكره ابن دأب (٢). وأمّا الزّبير بن بكّار فذكر أنها كانت تؤرّخ بوفاة هشام بن المغيرة تسع سنين، إلى أن كانت السّنة التى بنوا فيها الكعبة، فأرّخوا بها. انتهى. وأرّخ بنو إسماعيل ﵊ من نار إبراهيم ﵊ إلى بنائه البيت، ومن بنائه البيت إلى تفرّق معدّ (٣)، ومن تفرّق معدّ (٣) إلى موت كعب بن لؤىّ؛ ومن عادة الناس أن يؤرّخوا بالواقع المشهور، والأمر العظيم، فأرّخ بعض العرب بأيام الخنان لشهرتها. قال النابغة الجعدىّ (٤): فمن يك سائلا عنّى فإنىّ … من الفتيان أيّام الخنان

стр. 30

مضت مائة لعام ولدت فيه … وعام بعد ذاك وحجّتان وقد أبقت صروف الدّهر منّى … كما أبقت من السّيف اليمانى (١) قال الشريف المرتضى، فى كتابه «غرر الفرائد، ودرر القلائد» (٢): إن أيام الخنان أيّام كانت للعرب قديمة، هاج بهم فيها مرض فى أنوفهم وحلوقهم. قلت: (٣) وهو بضمّ الخاء وفتح النون، وقد يشتبه بالختان، بكسر الخاء والتاء المثناة من فوق. وكانت العرب تؤرّخ بالنجوم، وهو أصل قولك: نجّمت (٤) على فلان كذا حتى يؤدّيه فى نجوم. وأول من أرّخ الكتب من الهجرة عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه، فى شهر ربيع الأوّل، سنة ست عشرة، وكان سبب ذلك، أن أبا موسى الأشعرىّ ﵁، كتب إلى عمر ﵁: إنه يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب لا ندرى على أيّها نعمل، قد قرأنا صكّا منها محلّه شعبان فما ندرى أى الشّعبانين، الماضى أو الآتى. فعمل عمر رضى الله تعالى عنه على كتب التاريخ، فأراد أن يجعل أوّله رمضان، فرأى أن الأشهر الحرم تقع حينئذ فى سنتين، فجعله من المحرّم، وهو آخرها، فصيّره أوّلا لتجتمع فى سنة واحدة. وكان قد هاجر ﷺ يوم الخميس، لأيام من المحرّم، فمكث مهاجرا بين سير ومقام مدّة شهرين وثمانية أيّام. فصل (٥) تقول العرب: أرّخت وورّخت، فيقلبون الهمزة واوا، لأنّ الهمزة نظير الواو فى المخرج، فالهمزة من أقصى الحلق، والواو من آخر الفم، فهى تحاذيها (٦)، ولذلك قالوا فى وعد: أعد،

стр. 31

وفى وجوه: أجوه، وفى أثؤب: أثوب، وفى أحد: وحد. فعلى ذلك يكون المصدر تاريخا/وتوريخا بمعنى (١). وقاعدة التاريخ عند أهل العربيّة أن يؤرّخوا بالليالى دون الأيّام؛ لأن الهلال إنمّا يرى ليلا، ثم إنهم يؤنّثون المذكّر ويذكّرون المؤنث، على قاعدة العدد؛ لأنك تقول: ثلاثة غلمان، وأربع جوارى (٢). إذا عرفت ذلك، فإنك تقول فى الليالى ما بين الثلاث إلى العشر: ثلاث ليالى، وأربع ليالى، إلى بابه. وتقول فى الأيّام ما بين الثلاثة إلى العشرة: ثلاثة أيام، وأربعة أيام، إلى بابه. وأمّا واحد واثنان، فلم يضيفوهما إلى مميّز، فأمّا ما جاء من قول الشاعر (٣): كأنّ خصييه من التّدلدل … ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل (٤) فبابه الشعر، وضرورة الشعر لا تكون قاعدة، وإنما امتنعوا من ذلك؛ لأنه يكون من باب إضافة الشئ إلى نفسه؛ فإنك إذا قلت: اثنا يومين، أو واحد رجل، فاليومان هما الاثنان، والواحد هو الرّجل، وإذا قلت: يوم ورجلان. فقد دللت على الكمّيّة والجنس، وليس كذلك فى أيّام ورجال، فيما فوق الثلاثة؛ لأن ذلك يصحّ على القليل والكثير، فيضاف العدد إليه لتعلم الكمّيّة. وأضافوا العدد من الثلاثة إلى العشرة إلى جموع القلّة، فقالوا: ثلاثة أيّام، وأربعة أحمال، وخمسة أشهر، وستة أرغفة، ولا يورد هاهنا قوله تعالى (٥): ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) ٦﴾، لأنّه ميّز الثلاثة بجمع الكثرة؛ لأن المعنى كل واحد من المطلّقات تتربّص للعدّة ثلاثة أقراء، فلما

стр. 32

كان مجموع الأقراء من المطلّقات كثيرا ميّز الثلاثة، بجمع الكثرة (١)، ولا يضاف عدد أقل من ستة إلى مميّزين؛ ذكر وانثى؛ لأن كلّ واحد (٢) من المميّزين جمع، وأقلّ الجمع ثلاثة. وقالوا فى العدد المركّب من بعد العشرة إلى العشرين، وهو أحد عشر وبابه: إحدى عشرة ليلة، وما بعده إلى العشرين، بإثبات التأنيث فى الجزءين من إحدى عشرة، واثنتى عشرة، وحذف التأنيث من الجزء (٣) الأول فى الباقى للمؤنث. وأحد عشر يوما، واثنا عشر يوما، وثلاثة عشر يوما، وما بعده إلى العشرين، بخلوّ الجزءين الأوّلين من التأنيث وإثباته فى الجزء الأول لما بعده فى المذكّر، والحجازيّون يسكّنون الشين فى عشرة، وبنو تميم يكسرونها. وميّزوا ما بعد العشرة إلى العشرين وما بعدها من العقود إلى التسعين، بمنصوب، فقالوا: أحد عشر كوكبا وأربعين ليلة، وأتوا بواو العطف بعد العشرين، ومنعوها بعد العشرة إلى العشرين، فقالوا: أحد وعشرون، وأحد عشرة، وقالوا: مائة يوم، ومائتا يوم؛ فجعلوا المميّز من المائة إلى الألف وما بعده مضافا، ولم يجروه مجرى ما بعد العشرة إلى التّسعين. وقالوا: ثلاثمائة وأربعمائة. وبابه، فميّزوه بالمفرد، ولم يميّزوا بالجمع، وقالوا: ألف ليلة. فأجروا ذلك فى التّمييز مجرى المائة. فائدة (٤) لفظ «ألف» مذكر، والدّليل عليه قوله تعالى (٥): ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾، وقد تقرّر أن المعدود المذكّر يؤنّث، والمؤنّث يذكّر. ولا يورد قولهم: «هذه ألف درهم»؛ فإن الإشارة إنما هى إلى الدّراهم، لا إلى الألف، وتقديره: هذه الدّراهم ألف.

стр. 33

فائدة أخرى (١¬) إذا أردت تعريف العدد المضاف/، أدخلت الأداة على الاسم الثانى، فتعرّف به، نحو «ثلاثة الرجال»، و «مائة الدرهم» كقولك: «غلام الرّجل». قال ذو الرّمّة (٢): وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى … ثلاث الأثافى والرّسوم البلاقع (٣) ولا يجوز «الخمسة دراهم»؛ لأن الإضافة للتّخصيص، وتخصيص الأوّل باللام يغنيه عن ذلك، فأما ما لم يضف، فأداة التعريف فى الأول نحو «الخمسة عشر درهما»؛ إذ لا تخصيص بغير اللام، وقد جاء شئ على خلاف ذلك. تنبيه (٤) الفصيح (٥) أن تقول: «عندى ثمانى نسوة» و «ثمانى عشرة جارية» و «ثمانى مائة درهم»؛ لأن الياء هنا ياء المنقوص، وهى ثابتة فى حالة الإضافة والنصب، كياء قاضى (٦) وأما قول الأعشى (٧): ولقد شربت ثمانيا وثمانيا … وثمان عشرة واثنتين وأربعا (٨)

стр. 34

فبابه ضرورة الشعر، كما قال الآخر (١): وطرت بمنصلى فى يعملات … دوامى الأيد يخبطن السّريحا يريد «الأيدى» على أنه قد قرئ (٢): (وَلَهُ الْجَوارُ الْمُنْشَآتُ). بضمّ الرّاء.

стр. 35

فصل فى كيفية كتابة التاريخ (١) تقول للعشرة وما دونها: خلون؛ لأن المميّز جمع، والجمع مؤنث. وقالوا لما فوق العشرة: خلت، ومضت؛ لأنهم يريدون أن مميّزه واحد. وتقول من بعد العشرين: لتسع إن بقين، وثمان إن بقين، تأتى بلفظ الشّك؛ لاحتمال أن يكون الشهر ناقصا أو كاملا. وقد منع أبو علىّ الفارسىّ: لمستهلّ؛ لأن الاستهلال قد مضى، ونصّ على أن يؤرّخ بأول الشهر فى اليوم، أو بليلة خلت منه. قال الحريرىّ، فى «درّة الغوّاص»: (٢) والعرب تختار أن تجعل النون للقليل والتاء للكثير، فيقولون: لأربع خلون، ولأربع عشرة ليلة خلت. قال: ولهم اختيار آخر، وهو أن تجعل ضمير الجمع الكثير (٣) الهاء والألف، وضمير الجمع القليل الهاء والنون المشدّدة، كما نطق القرآن به، قال الله تعالى (٤): ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. فجعل ضمير الأشهر الحرم بالهاء والنون لقلّتهنّ، وضمير شهور السّنة الهاء والألف لكثرتها. وكذلك اختاروا أيضا أن ألحقوا لصفة الجمع الكثير الهاء، فقالوا: أعطيته دراهم كثيرة، وأقمت أيّاما معدودة. وألحقوا لصفة الجمع القليل الألف والتاء، فقالوا: أقمت أيّاما معدودات، وكسوته أثوابا رفيعات.

стр. 36

وعلى هذا جاء فى سورة البقرة (١): ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً﴾. وفى سورة آل عمران (٢) ﴿إِلاّ أَيّاماً مَعْدُوداتٍ﴾. كأنهم قالوا أولا بطول المدّة، ثم إنهم رجعوا عنه فقصّروا المدّة. انتهى. والواجب أن تقول فى أوّل الشهر: لليلة خلت منه، أو لغرّته، أو لمستهلّه. فإذا تحقّقت آخره، قلت: انسلاخه، أو سلخه، أو آخره. قال ابن عصفور: والأحسن أن تؤرّخ بالأقلّ فيما مضى وما بقى، فإذا استويا أرّخت بأيّهما شئت. وقال الصّلاح الصّفدىّ، بعد نقله كلام ابن عصفور/هذا، قلت: بل إن كان فى خامس عشر، قلت: منتصف، أو فى خامس عشر، وهو أكثر تحقيقا؛ لاحتمال أن يكون الشهر ناقصا، وإن كان فى الرابع عشر، ذكرته، أو السّادس عشر ذكرته. تنبيه قال الصّلاح الصّفدىّ (٣): رأيت الفضلاء قد كتبوا بعض الشهور بشهر كذا، وبعضها لم يذكروا معه شهرا، وطلبت الخاصّة فى ذلك فلم أجدهم أتوا بشهر إلاّ مع شهر يكون أوّله حرف راء، مثل شهرى ربيع، وشهر رجب، وشهر رمضان، ولم أدر العلة فى ذلك ما هى؟، ولا وجه المناسبة؟ لأنه كان ينبغى أن يحذف لفظ شهر من هذه المواضع؛ لأنه يجتمع فى ذلك راءان، وهم قد فرّوا (٤) من ذلك وكتبوا: داود، وناوس، وطاوس، بواو واحدة؛ كراهية (٥) الجمع بين المثلين. انتهى

стр. 37

وقال الحافظ جلال الدين السّيوطىّ فى كتابه «نظم العقيان، فى أعيان الأعيان (١)»، بعد نقله كلام الصّفدىّ هذا، قلت: قد تعرّض للمسألة من المتقدّمين ابن درستويه، فى الكتاب «المتمم»، فقال: الشهور كلها مذكّرة إلاّ جمادى، وليس شئ منها يضاف إليه شهر إلاّ شهرا ربيع، وشهر رمضان، قال الله تعالى (٢): ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. وقال الرّاعى (٣): شهرى ربيع ما تذوق لبونهم … إلاّ حموضا وخمة ودويلا (٤) فما كان من أسمائها اسما للشهر، أو صفة قامت مقام الاسم، فهو الذى لم يجز أن يضاف الشهر إليه، ولا يذكر معه، كالمحرّم، إنما معناه الشهر المحرّم؛ وهو من الأشهر الحرم، وكصفر، وهو اسم معرفة كزيد، من قولهم: صفر الإناء يصفر صفرا، إذا خلا، وجمادى، وهى معرفة، وليست بصفة، وهى من جمود الماء، ورجب وهو معرّف، مثل صفر، وهو من قولهم: رجبت الشئ. أى عظّمته؛ لأنه أيضا من الأشهر الحرم، وشعبان؛ وهو صفة بمنزلة عطشان، من التشعّب والتفرّق، وشوال، وهو صفة جرت مجرى الاسم، وصارت معرفة، وفيها تشول الإبل، وذى القعدة، وهى صفة قامت مقام الشهر والقعود عن التصرف، كقولك، هذا الرجل ذو الجلسة، فإذا حذفت الرجل قلت: ذو الجلسة، وذى الحجّة مثله، مأخوذ من الحجّ. وأما الربيعان، ورمضان، فليست بأسماء للشهر، ولا صفات له، فلا بدّ من إضافة شهر إليها، كقولك شهر ربيع، وشهر رمضان، ويدلّك على ذلك أن رمضان فعلان من الرّمضاء،

стр. 38

كقولك الغليان، وليس الغليان بالشهر ولكنّ الشهر شهر الغليان، وجعل رمضان اسما معرفة للرّمضاء، فلم يصرف (١) لذلك، فأمّا رواة الحديث فيروون أنه اسم من أسماء الله تعالى. وربيع إنما هو اسم للغيث، وليس الغيث بالشهر، ولكنّ الشهر شهر غيث، فصار ربيع اسما للغيث معرفة كزيد، فإذا قلت: شهر ربيع (٢) الأول والآخر، فهما صفتان (٢) لشهر، وإعرابهما كإعرابه، ولا يكونان صفة لربيع، وإن كان معرفة، لأنه ليس هنا ربيعان، وإنما هو ربيع واحد، وشهرا ربيع، ولو كان كذلك لكانا نكرتين، ولكانا مضافين إلى معرفة، وصارا به معرفة. انتهى كلام ابن درستويه كما نقله السّيوطىّ. ويؤخذ منه أن رجب لا يضاف إليه لفظ شهر. كما ذكر الصّفدىّ، فليتأمّل. وجرت (٣) العادة بأن يقولوا فى شهر المحرّم: شهر الله. وفى شهر رجب: شهر رجب الفرد، أو الأصمّ، أو الأصبّ، وفى شعبان: المكرّم، وفى رمضان: رمضان المعظّم. وفى شوّال: شوال المبارك، ويؤرّخوا أوّل شوّال بعيد الفطر، وثامن الحجّة/، بيوم التّروية، وتاسعه، بيوم عرفة، وعاشره بعيد النّحر، وتاسع المحرّم بيوم تاسوعاء، وعاشره بيوم عاشوراء. فلا يحتاجون أن يذكروا الشهر، ولكن لا بد من ذكر السّنة. فائدة (٤) قد يجئ فى بعض المواضع «نيّف» و «بضع»، مثل قولهم: نيّف وعشرون، وهو بتشديد الياء ومن قال: نيف. بسكونها، فذاك لحن. وهذا اللفظ مشتقّ من أناف على الشئ، إذا

стр. 39

أشرف عليه؛ فكأنه لماّ زاد على العشرين كان بمثابة المشرف عليها، ومنه قول الشاعر (١): حللت برابية رأسها … على كلّ رابية نيّف (٢) واختلف فى مقداره، فذكر أبو زيد أنه ما بين العقدين، وقال غيره: هو الواحد إلى الثلاثة. قال الصّفدىّ: ولعل هذا الأقرب إلى الصّحيح. وقولهم: بضع عشرة سنة. البضع أكثر ما يستعمل فيما بين الثلاث إلى العشر. وقيل: بل هو ما دون نصف العقد. وقد انزوى القول الأول إلى النبىّ ﷺ (٣)، فى تفسير قوله تعالى (٤): ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، وذلك أن المسلمين كانوا يحبّون أن تظهر الرّوم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يميلون إلى أهل فارس؛ لأنهم أهل أوثان، فلما بشّر الله تعالى المسلمين بأن الرّوم سيغلبون فى بضع سنين، سرّ المسلمون بذلك، ثم إن أبا بكر رضى الله تعالى عنه بادر إلى مشركى قريش، فأخبرهم بما نزل عليهم فيه، فقال ابىّ بن خلف: خاطرنى على ذلك. فخاطره على خمس قلائص، وقدّر له مدّة الثلاث سنين، ثم أتى النبىّ ﷺ ، فسأله كم البضع، فقال، ما بين الثلاث إلى العشر. فأخبره بما خاطر به أبىّ بن خلف. فقال: «ما حملك على تقريب المدّة؟»، فقال: الثّقة بالله ورسوله ﷺ . فقال النبىّ ﷺ : «عد إليهم فزدهم فى الخطر وازدد فى الأجل». فزادهم قلوصين، وازداد منهم فى الأجل سنتين، فأظفر الله تعالى الرّوم بفارس قبل انقضاء الأجل الثانى، تصديقا لتقدير أبى بكر ﵁. وكان أبىّ قد مات من جرح رسول الله ﷺ ، فأخذ أبو بكر الخطر من ورثة أبىّ، فقال النبىّ ﷺ : «تصدّق به» وكانت المخاطرة بينهما قبل تحريم القمار.

стр. 40

وقيل: الذى خاطر أبا بكر ﵁ إنما هو أبو سفيان، والأوّل أصحّ. كذا فى «الوافى بالوفيات» للصّلاح الصّفدىّ، رحمه الله تعالى. باب فى بيان العلم، والكنية، واللّقب، وكيفيّة ترتيب ذلك مع النّسبة على اختلافها المتنوع (١) اعلم أن الدّالّ على معيّن (٢) مطلقا إمّا أن يكون مصدّرا بأب أو أمّ كأبى بكر، وأبى الحسن، وأم كلثوم، وأم سلمة، وإمّا أن يشعر برفعة المسمّى، كملاعب الأسنّة، وعروة الصّعاليك، وزيد الخيل، والرّشيد، والمأمون، والواثق، والمكتفى، والظاهر، والناصر، وسيف الدولة، وعضد الدّولة، وجمال الدّين، وعزّ الدّين، وإمام الحرمين، وصدر الشريعة، وتاج الشريعة، وفخر الإسلام، وملك النّحاة، وإمّا أن يشعر بضعة المسمى كجحى، وشيطان الطّاق، وأبى العبر، وجحظة (٣)، وقد لا يشعر بواحد منهما، بل أجرى عليه ذلك بواقعة جرت مثل/: غسيل الملائكة، وحمىّ الدّبر، ومطيّن، وصالح (٤) جزرة، والمبرّد، وثابت قطنة، وذى الرّمّة، والصّعق، وصرّدرّ، وحيص بيص. فهذه الأقسام الثلاثة تسمّى الألقاب. وإلا فهو الاسم الخاصّ، كزيد، وعمرو، وهذا هو العلم، وقد يكون مفردا كما تقدّم، وقد يكون مركّبا، إمّا من فعل وفاعل كتأبّط شرّا، وبرق نحره، وإمّا من مضاف ومضاف إليه كعبد الله، أو من اسمين قد ركّبا وجعلا بمنزلة اسم واحد كسيبويه، والمفرد قد يكون مرتجلا؛ وهو الذى ما استعمل فى غير العلميّة كمذحج وأدد، وقد يكون منقولا، إمّا من مصدر؛ كسعد، وفضل، أو من اسم فاعل؛ كعامر، وصالح، أو من اسم مفعول؛ كمحمّد،
следующие страницы →