← Тараджим

Тараджим · id 322

الطبقات السنية في تراجم الحنفية

تقي الدين ابن عبد القادر التميمي

Полный текст (1 429 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وعلى هذا جاء فى سورة البقرة (١): ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً﴾. وفى سورة آل عمران (٢) ﴿إِلاّ أَيّاماً مَعْدُوداتٍ﴾. كأنهم قالوا أولا بطول المدّة، ثم إنهم رجعوا عنه فقصّروا المدّة. انتهى. والواجب أن تقول فى أوّل الشهر: لليلة خلت منه، أو لغرّته، أو لمستهلّه. فإذا تحقّقت آخره، قلت: انسلاخه، أو سلخه، أو آخره. قال ابن عصفور: والأحسن أن تؤرّخ بالأقلّ فيما مضى وما بقى، فإذا استويا أرّخت بأيّهما شئت. وقال الصّلاح الصّفدىّ، بعد نقله كلام ابن عصفور/هذا، قلت: بل إن كان فى خامس عشر، قلت: منتصف، أو فى خامس عشر، وهو أكثر تحقيقا؛ لاحتمال أن يكون الشهر ناقصا، وإن كان فى الرابع عشر، ذكرته، أو السّادس عشر ذكرته. تنبيه قال الصّلاح الصّفدىّ (٣): رأيت الفضلاء قد كتبوا بعض الشهور بشهر كذا، وبعضها لم يذكروا معه شهرا، وطلبت الخاصّة فى ذلك فلم أجدهم أتوا بشهر إلاّ مع شهر يكون أوّله حرف راء، مثل شهرى ربيع، وشهر رجب، وشهر رمضان، ولم أدر العلة فى ذلك ما هى؟، ولا وجه المناسبة؟ لأنه كان ينبغى أن يحذف لفظ شهر من هذه المواضع؛ لأنه يجتمع فى ذلك راءان، وهم قد فرّوا (٤) من ذلك وكتبوا: داود، وناوس، وطاوس، بواو واحدة؛ كراهية (٥) الجمع بين المثلين. انتهى

стр. 37

وقال الحافظ جلال الدين السّيوطىّ فى كتابه «نظم العقيان، فى أعيان الأعيان (١)»، بعد نقله كلام الصّفدىّ هذا، قلت: قد تعرّض للمسألة من المتقدّمين ابن درستويه، فى الكتاب «المتمم»، فقال: الشهور كلها مذكّرة إلاّ جمادى، وليس شئ منها يضاف إليه شهر إلاّ شهرا ربيع، وشهر رمضان، قال الله تعالى (٢): ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. وقال الرّاعى (٣): شهرى ربيع ما تذوق لبونهم … إلاّ حموضا وخمة ودويلا (٤) فما كان من أسمائها اسما للشهر، أو صفة قامت مقام الاسم، فهو الذى لم يجز أن يضاف الشهر إليه، ولا يذكر معه، كالمحرّم، إنما معناه الشهر المحرّم؛ وهو من الأشهر الحرم، وكصفر، وهو اسم معرفة كزيد، من قولهم: صفر الإناء يصفر صفرا، إذا خلا، وجمادى، وهى معرفة، وليست بصفة، وهى من جمود الماء، ورجب وهو معرّف، مثل صفر، وهو من قولهم: رجبت الشئ. أى عظّمته؛ لأنه أيضا من الأشهر الحرم، وشعبان؛ وهو صفة بمنزلة عطشان، من التشعّب والتفرّق، وشوال، وهو صفة جرت مجرى الاسم، وصارت معرفة، وفيها تشول الإبل، وذى القعدة، وهى صفة قامت مقام الشهر والقعود عن التصرف، كقولك، هذا الرجل ذو الجلسة، فإذا حذفت الرجل قلت: ذو الجلسة، وذى الحجّة مثله، مأخوذ من الحجّ. وأما الربيعان، ورمضان، فليست بأسماء للشهر، ولا صفات له، فلا بدّ من إضافة شهر إليها، كقولك شهر ربيع، وشهر رمضان، ويدلّك على ذلك أن رمضان فعلان من الرّمضاء،

стр. 38

كقولك الغليان، وليس الغليان بالشهر ولكنّ الشهر شهر الغليان، وجعل رمضان اسما معرفة للرّمضاء، فلم يصرف (١) لذلك، فأمّا رواة الحديث فيروون أنه اسم من أسماء الله تعالى. وربيع إنما هو اسم للغيث، وليس الغيث بالشهر، ولكنّ الشهر شهر غيث، فصار ربيع اسما للغيث معرفة كزيد، فإذا قلت: شهر ربيع (٢) الأول والآخر، فهما صفتان (٢) لشهر، وإعرابهما كإعرابه، ولا يكونان صفة لربيع، وإن كان معرفة، لأنه ليس هنا ربيعان، وإنما هو ربيع واحد، وشهرا ربيع، ولو كان كذلك لكانا نكرتين، ولكانا مضافين إلى معرفة، وصارا به معرفة. انتهى كلام ابن درستويه كما نقله السّيوطىّ. ويؤخذ منه أن رجب لا يضاف إليه لفظ شهر. كما ذكر الصّفدىّ، فليتأمّل. وجرت (٣) العادة بأن يقولوا فى شهر المحرّم: شهر الله. وفى شهر رجب: شهر رجب الفرد، أو الأصمّ، أو الأصبّ، وفى شعبان: المكرّم، وفى رمضان: رمضان المعظّم. وفى شوّال: شوال المبارك، ويؤرّخوا أوّل شوّال بعيد الفطر، وثامن الحجّة/، بيوم التّروية، وتاسعه، بيوم عرفة، وعاشره بعيد النّحر، وتاسع المحرّم بيوم تاسوعاء، وعاشره بيوم عاشوراء. فلا يحتاجون أن يذكروا الشهر، ولكن لا بد من ذكر السّنة. فائدة (٤) قد يجئ فى بعض المواضع «نيّف» و «بضع»، مثل قولهم: نيّف وعشرون، وهو بتشديد الياء ومن قال: نيف. بسكونها، فذاك لحن. وهذا اللفظ مشتقّ من أناف على الشئ، إذا

стр. 39

أشرف عليه؛ فكأنه لماّ زاد على العشرين كان بمثابة المشرف عليها، ومنه قول الشاعر (١): حللت برابية رأسها … على كلّ رابية نيّف (٢) واختلف فى مقداره، فذكر أبو زيد أنه ما بين العقدين، وقال غيره: هو الواحد إلى الثلاثة. قال الصّفدىّ: ولعل هذا الأقرب إلى الصّحيح. وقولهم: بضع عشرة سنة. البضع أكثر ما يستعمل فيما بين الثلاث إلى العشر. وقيل: بل هو ما دون نصف العقد. وقد انزوى القول الأول إلى النبىّ ﷺ (٣)، فى تفسير قوله تعالى (٤): ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، وذلك أن المسلمين كانوا يحبّون أن تظهر الرّوم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يميلون إلى أهل فارس؛ لأنهم أهل أوثان، فلما بشّر الله تعالى المسلمين بأن الرّوم سيغلبون فى بضع سنين، سرّ المسلمون بذلك، ثم إن أبا بكر رضى الله تعالى عنه بادر إلى مشركى قريش، فأخبرهم بما نزل عليهم فيه، فقال ابىّ بن خلف: خاطرنى على ذلك. فخاطره على خمس قلائص، وقدّر له مدّة الثلاث سنين، ثم أتى النبىّ ﷺ ، فسأله كم البضع، فقال، ما بين الثلاث إلى العشر. فأخبره بما خاطر به أبىّ بن خلف. فقال: «ما حملك على تقريب المدّة؟»، فقال: الثّقة بالله ورسوله ﷺ . فقال النبىّ ﷺ : «عد إليهم فزدهم فى الخطر وازدد فى الأجل». فزادهم قلوصين، وازداد منهم فى الأجل سنتين، فأظفر الله تعالى الرّوم بفارس قبل انقضاء الأجل الثانى، تصديقا لتقدير أبى بكر ﵁. وكان أبىّ قد مات من جرح رسول الله ﷺ ، فأخذ أبو بكر الخطر من ورثة أبىّ، فقال النبىّ ﷺ : «تصدّق به» وكانت المخاطرة بينهما قبل تحريم القمار.

стр. 40

وقيل: الذى خاطر أبا بكر ﵁ إنما هو أبو سفيان، والأوّل أصحّ. كذا فى «الوافى بالوفيات» للصّلاح الصّفدىّ، رحمه الله تعالى. باب فى بيان العلم، والكنية، واللّقب، وكيفيّة ترتيب ذلك مع النّسبة على اختلافها المتنوع (١) اعلم أن الدّالّ على معيّن (٢) مطلقا إمّا أن يكون مصدّرا بأب أو أمّ كأبى بكر، وأبى الحسن، وأم كلثوم، وأم سلمة، وإمّا أن يشعر برفعة المسمّى، كملاعب الأسنّة، وعروة الصّعاليك، وزيد الخيل، والرّشيد، والمأمون، والواثق، والمكتفى، والظاهر، والناصر، وسيف الدولة، وعضد الدّولة، وجمال الدّين، وعزّ الدّين، وإمام الحرمين، وصدر الشريعة، وتاج الشريعة، وفخر الإسلام، وملك النّحاة، وإمّا أن يشعر بضعة المسمى كجحى، وشيطان الطّاق، وأبى العبر، وجحظة (٣)، وقد لا يشعر بواحد منهما، بل أجرى عليه ذلك بواقعة جرت مثل/: غسيل الملائكة، وحمىّ الدّبر، ومطيّن، وصالح (٤) جزرة، والمبرّد، وثابت قطنة، وذى الرّمّة، والصّعق، وصرّدرّ، وحيص بيص. فهذه الأقسام الثلاثة تسمّى الألقاب. وإلا فهو الاسم الخاصّ، كزيد، وعمرو، وهذا هو العلم، وقد يكون مفردا كما تقدّم، وقد يكون مركّبا، إمّا من فعل وفاعل كتأبّط شرّا، وبرق نحره، وإمّا من مضاف ومضاف إليه كعبد الله، أو من اسمين قد ركّبا وجعلا بمنزلة اسم واحد كسيبويه، والمفرد قد يكون مرتجلا؛ وهو الذى ما استعمل فى غير العلميّة كمذحج وأدد، وقد يكون منقولا، إمّا من مصدر؛ كسعد، وفضل، أو من اسم فاعل؛ كعامر، وصالح، أو من اسم مفعول؛ كمحمّد،

стр. 41

ومسعود، أو من أفعل تفضيل؛ كاحمد، وأسعد، أو من صفة؛ كثقيف، وهو الذّرب بالأمور الظافر بالمطلوب، وسلول، وهو الكثير السّلّ (١)، وقد يكون منقولا من اسم عين؛ كأسد، وصقر، وقد يكون منقولا من فعل ماض؛ كأبان وشمّر، أو من فعل مضارع؛ كيزيد، ويشكر. وإذ قد عرفت العلم، والكنية، واللّقب، فسردها يكون على الترتيب: تقدّم اللقب على الكنية، والكنية على العلم، ثم النّسبة إلى البلد، ثم إلى الأصل، ثم إلى المذهب فى الفروع، ثم إلى المذهب فى الاعتقاد، ثم إلى العلم، أو الصناعة، أو الخلافة، أو السّلطنة، أو الوزارة، أو القضاء، أو الإمرة، أو المشيخة، أو الحجّ، أو الحرفة، كلها مقدّم على الجميع. فتقول فى الخلافة: أمير المؤمنين الناصر لدين الله أبو العباس أحمد السّامرىّ، إن (٢) كان بسرّمن رأى (٣)، البغدادىّ، فرقا بينه وبين الناصر الأموىّ صاحب الأندلس، الحنفىّ الأشعرىّ، إن (٤) كان يتمذهب فى الفروع بفقه أبى حنيفة، ويميل فى الاعتقاد إلى أبى الحسن الأشعرىّ، ثم تقول: القرشىّ، الهاشمىّ، العبّاسىّ. وتقول فى السّلطنة: السّلطان الملك الظّاهر ركن الدّين أبو الفتح بيبرس الصّالحىّ - نسبة إلى أستاذه الملك الصّالح-التّركىّ الحنفىّ البندقدار، أو السّلاح دار. وتقول فى الوزراء: الوزير فلان الدّين أبو كذا، وتسرد الجميع كما تقدم، ثم تقول: وزير فلان. وتقول فى القضاة كذلك: القاضى فلان الدّين، وتسرد الباقى، كما تقدّم. وتقول فى الأمراء كذلك: الأمير فلان الدّين، وتسرد الباقى، إلى أن تجعل الآخر وظيفته التى كان يعرف بها قبل الإمرة، مثل الجاشنكير، أو السّاقى، أو غيرهما.

стр. 42

وتقول فى أشياخ العلم: العلاّمة، أو الحافظ، أو المسند، فيمن عمّر وأكثر الرّواية، أو الإمام، أو الفقيه، وتسرد الباقى إلى أن تختم الجميع بالأصولىّ، أو النّحوىّ، أو المنطقىّ. وتقول فى أصحاب الحرف: فلان الدّين، وتسرد الجميع إلى أن تقول الحرفة إمّا البزّاز، أو العطّار، أو الخيّاط. فإن كان النّسب إلى أبى بكر الصّديق ﵁ قلت: القرشىّ، التّيمىّ، البكرىّ؛ لأن القرشىّ أعمّ من أن يكون تيميّا، والتّيمىّ أعمّ من أن يكون من ولد أبى بكر ﵁. وإن كان النسب إلى عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه، قلت: القرشىّ، العدوىّ، العمرىّ. وإن كان النسب إلى عثمان رضى الله تعالى عنه، قلت: القرشىّ، الأموىّ، العثمانىّ. وإن كان/النسب إلى علىّ بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه، قلت: القرشىّ، الهاشمىّ، العلوىّ. وإن كان النسب إلى طلحة رضى الله تعالى عنه، قلت: القرشىّ، التّيمىّ، الطّلحىّ. وإن كان النسب إلى الزّبير رضى الله تعالى عنه، قلت، القرشىّ، الأسدىّ، الزبيرىّ. وإن كان النسب إلى سعد بن أبى وقّاص رضى الله تعالى عنه، قلت: القرشىّ، الزّهرىّ، السّعدىّ. وإن كان النسب إلى سعيد ﵁، قلت: القرشىّ، العدوىّ، السّعيدىّ، إلاّ أنه ما نسب إليه فيما علم. وإن كان النسب إلى عبد الرحمن بن عوف رضى الله تعالى عنه قلت، القرشىّ، الزهرى، العوفىّ، من ولد عبد الرحمن بن عوف. وإن كان النسب إلى أبى عبيدة بن الجرّاح، قلت: القرشىّ، من ولد أبى عبيدة، على أنه ما أعقب. هذا الذى ذكرته هنا هو القاعدة المعروفة، والجادّة المسلوكة المألوفة، عند أهل العلم.

стр. 43

وإن (١) جاء فى الكتاب فى بعض التراجم ما يخالف ذلك من تقديم وتأخير، فإنما هو سبق من القلم، وذهول من الفكر، وما خالف الأصل يردّ إليه، ولا يعترض بعد وضوح الاعتذار عليه. والله أعلم. تنبيه (٢) كلما رفعت فى أسماء الآباء والنّسب وزدت انتفعت بذلك، وحصل لك الفرق. فقد حكى أبو الفرج المعافى بن زكريّا النّهروانىّ (٣)، قال: حججت فى سنة، وكنت بمنى أيّام التّشريق، فسمعت مناديا ينادى: يا أبا الفرج. فقلت: لعلّه يريدنى، ثم قلت: فى الناس كثير ممن يكنى أبا الفرج، فلم أجبه، فنادى: يا أبا الفرج المعافى. فهممت بإجابته، ثم قلت: قد يكون من اسمه المعافى وكنيته أبو (٤) الفرج. فلم أجبه. فنادى يا أبا الفرج المعافى بن زكريا النّهروانىّ. فقلت: لم يبق شكّ فى مناداته إيّاى؛ إذ ذكر كنيتى، واسمى، واسم أبى، وبلدى، فقلت: ها أنا ذا، فما تريد؟ فقال: لعلّك من نهروان (٥) الشرق؟. فقلت: نعم. فقال: نحن نريد نهروان الغرب. فعجبت من اتّفاق ذلك. انتهى. وكذلك الحسن بن عبد الله العسكرىّ أبو هلال، صاحب كتاب «الأوائل»؛ والحسن بن

стр. 44

عبد الله العسكرىّ أبو أحمد اللّغوىّ صاحب كتاب «التصحيف» كلاهما الحسن بن عبد الله العسكرىّ، الأوّل كان موجودا فى سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، والثانى توفّى سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، فاتّفقا فى الاسم، واسم الأب، والنّسبة، والعلم، وتقاربا فى الزّمان، ولم يفرّق بينهما إلاّ بالكنية؛ لأن الأول أبو هلال؛ والثانى أبو أحمد، والأوّل ابن عبد الله بن سهل ابن سعيد والثانى ابن عبد الله بن سعيد بن إسماعيل؛ ولهذا كثير من أهل العلم بالتّاريخ لا يفرّقون بينهما، ويظنّون أنهما واحد (١). ومثل هذا كثير جدّا. وفى هذا القدر كفاية. والله تعالى أعلم. فصل فى معرفة أصل الوفاة من حيث اللغة وفى ذكر فائدتها فى التواريخ (٢) فنقول: أصلها وفية، بتحريك الواو والفاء والياء، على وزن بقرة، ولما كانت الياء حرف علّة سكّنوها فصارت وفية، فلما سكّنت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، فقالوا: وفاة؛ ولهذا لمّا جمعوه رجعوا به إلى أصله، فقالوا: وفيات، بفتح الواو والفاء والياء، كما قالوا شجرة وشجرات./وقالوا فى الفعل منه: توفّى زيد (٣)، بضمّ التاء والواو وكسر الفاء وفتح الياء، فبنوه على مال يسمّ فاعله؛ لأن الإنسان لا يتوفى نفسه، فعلى هذا المتوفّى، بكسر الفاء هو الله، أو أحد الملائكة بأمره تعالى، وزيد المتوفى، بفتح الفاء. وقد حكى أن بعضهم حضر جنازة فسأل بعض الفضلاء، وقال من المتوفى؟ بكسر الفاء. فقال: الله تعالى. فأنكر ذلك. إلى أن بيّن له الغلط، وقال: قل من المتوفى بفتح الفاء. ذكر ذلك الصلاح الصّفدىّ فى مقدّمة تاريخه «الوافى بالوفيات».

стр. 45

وذكر فيه أيضا فوائد للتّاريخ، وقال (١): منها واقعة رئيس الرّؤساء (٢) مع اليهودىّ الذى أظهر كتابا فيه أن رسول الله ﷺ أمر بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة الصّحابة رضى الله تعالى عنهم، منهم علىّ بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه، فحمل الكتاب إلى رئيس الرّؤساء، ووقع الناس منه فى حيرة، فعرضه على الحافظ أبى بكر، خطيب بغداد، فتأمّله، وقال: إنّ هذا مزوّر. فقيل له: من أين لك ذلك؟. فقال: فيه شهادة معاوية رضى الله تعالى عنه، وهو أسلم عام الفتح، وفتوح خيبر سنة سبع، وفيه سعد ابن معاذ رضى الله تعالى عنه، ومات سعد يوم بنى قريظة قبل خيبر بسنتين. ففرّج ذلك على المسلمين غمّا. قال الصّلاح الصّفدىّ (٣): وروى عن إسماعيل بن عيّاش، أنه قال: كنت بالعراق، فأتانى أهل الحديث، فقالوا هاهنا رجل يحدّث عن خالد بن معدان، فأتيته، فقلت: أىّ سنة كتبت عن خالد بن معدان؟. فقال: سنة ثلاث عشرة، يعنى: ومائة. فقلت: أنت تزعم أنك سمعت منه بعد موته بسبع سنين، لأن خالدا مات سنة ست ومائة. وروى عن الحاكم أبى عبد الله، أنه قال: لما قدم أبو جعفر محمد بن حاتم الكشّىّ - بالشين والسّين معا-وحدّث عن عبد بن حميد، سألته عن مولده، فذكر أنه ولد سنة ستّين ومائتين. فقلت لأصحابنا: هذا سمع من عبد بن حميد بعد موته بثلاث عشرة سنة (٤). وفوائد تاريخ الوفاة لا تنحصر، وهذا القدر كاف منها، والله أعلم

стр. 46

باب فى تعريف التاريخ بيان معناه وفضيلته، وفى أدب المؤرخ أقول وبالله التوفيق: قد كثرت الأقوال فى تعريف التاريخ، وبيان فضيلته، وأحسن ما وقفت عليه من ذلك، ما نقله صاحب كتاب «غرر المحاضرة، ودرر المكاثرة»، وهو الشيخ الإمام المؤرّخ تاج الدّين علىّ بن أنجب المعروف بابن الخازن، فإنه قال فى كتابه المذكور: قال العلماء: التاريخ معاد معنوىّ؛ لأنه يعيد الأعصار وقد سلفت، وينشر أهلها وقد ذهبت آثارهم وعفت، وبه يستفيد عقول التجارب من كان غرّا، ويلقى آدم ومن بعده من الأمم وهلمّ جرّا، فهم لديه أحياء وقد تضمّنتهم بطون القبور، وغيّاب وهم عنده فى عداد الحضور، ولولا التاريخ لجهلت الأنساب، ونسيت الأحساب، ولم يعلم الإنسان أن أصله من تراب، وكذلك لولاه لماتت الدّول بموت زعمائها، وعمّى على الأواخر حال قدمائها. ولمكان العناية به لم يخل منه كتاب من كتب الله المنزّلة، فمنها ما أتى بأخباره المجملة، ومنا ما أتى/بأخباره المفصّلة. وقد ورد فى التّوراة سفر من أسفارها، يتضمّن أحوال الأمم السّالفة ومدد أعمارها. وكانت العرب على جهلها بالقلم وخطّه، والكتاب وضبطه، تصرف إلى التواريخ جلّ دواعيها، وتجعل لها أوفر حظّ من مساعيها، وتستغنى بحفظ قلوبها عن حفظ مكتوبها، وتعتاض برقم صدورها، عن رقم مسطورها، كلّ ذلك عناية بأخبار أوائلها، وأيّام فضائلها، فهل للإنسان إلاّ ما أسّسه وبناه، وهل البقاء لصورة لحمه ودمه لولا بقاء معناه. انتهى. وأمّا أدب المؤرّخ، فقد ذكر ابن السّبكىّ فى «طبقاته الكبرى» له قاعدة حسنة، فقال (١): قاعدة فى المؤرّخين نافعة جدّا، فإن أهل التاريخ ربّما وضعوا من أناس، أو رفعوا

стр. 47

أناسا، إمّا لتعصّب، أو لجهل، أو لمجرّد اعتماد على نقل من لا يوثق به، أو غير ذلك من الأسباب، والجهل فى المؤرخين أكثر منه فى أهل الجرح والتّعديل، وكذلك التعصّب، قلّ أن رأيت تاريخا خاليا من ذلك. وأمّا «تاريخ شيخنا الذّهبىّ» غفر الله له، فإنه على حسنه وجمعه، مشحون بالتعصّب المفرط، لا واخذه الله، فلقد أكثر الوقيعة فى أهل الدّين، أعنى الفقراء، الذين هم صفوة الخلق، واستطال بلسانه على كثير من أئمة الشافعيّين والحنفيّين، ومال فأفرط على الأشاعرة، ومدح فزاد فى المجسّمة. هذا وهو الحافظ المدره، والإمام المبجّل، فما ظنّك بعوامّ المؤرّخين. فالرّأى عندنا أن لا يقبل مدح ولا ذمّ من المؤرّخين، إلاّ بما اشترطه (١) إمام الأئمة، وحبر الأمة، وهو الشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى، حيث قال، ونقلته من خطّه فى مجاميعه: يشترط فى المؤرّخ الصّدق، وإذا نقل يعتمد اللفظ دون المعنى، وأن لا يكون ذلك الذى نقله أخذه فى المذاكرة، وكتبه بعد ذلك، وأن يسمّى المنقول عنه؛ فهذه شروط أربعة فيما ينقله. ويشترط فيه أيضا لما يترجمه من عند نفسه، ولما عساه يطوّل فى التراجم من المنقول (٢) ويقصّر، أن يكون عارفا بحال صاحب الترجمة، علما، ودينا، وغيرهما من الصّفات، وهذا عزيز جدّا، وأن يكون حسن العبارة، عارفا بمدلولات الألفاظ، وأن يكون حسن التصوّر؛ حتى يتصوّر حال ترجمته جميع حال ذلك الشخص، ويعبّر عنه بعبارة لا تزيد عليه ولا تنقص عنه، وأن لا يغلبه الهوى، فيخيّل إليه هواه الإطناب فى مدح من يحبّه، والتقصير فى غيره، بل (٣) إمّا أن (٣) يكون مجرّدا عن الهوى، وهو عزيز جدّا (٤) وإمّا (٥) أن يكون عنده من العدل ما يقهر به هواه، ويسلك طريق الإنصاف. فهذه أربعة شروط أخرى، ولك أن تجعلها خمسة؛ لأن حسن تصوّره وعلمه، قد لا يحصل معهما الاستحضار حين التّصنيف، فتجعل (٦)

стр. 48

حضور التصوّر زائدا على حسن التصوّر، والعلم. فهذه تسعة شروط فى المؤرّخ. وأصعبها الاطّلاع على حال الشخص فى العلم؛ فإنه يحتاج إلى المشاركة فى علمه، والقرب منه حتى يعرف مرتبته. انتهى. ثم ذكر أنّ كتابته لهذه الشروط بعد أن وقف على كلام ابن معين فى الشافعىّ، وقول أحمد ابن حنبل: إنه لا يعرف الشافعىّ، ولا يعرف ما يقول. قلت: وما أحسن قوله «ولما عساه/يطوّل فى التراجم من المنقول (١)، ويقصّر» فإنه أشار به إلى فائدة جليلة، يغفل عنها كثيرون؛ ويحترز منها الموفّقون، وهى تطويل التراجم وتقصيرها؛ فربّ محتاط لنفسه لا يذكر إلاّ ما وجده منقولا، ثم يأتى إلى من يبغضه فينقل جميع ما ذكر من مذامّه، ويحذف كثيرا ممّا نقل من ممادحه، ويجئ إلى من يحبّه فيعكس الحال فيه، يظنّ المسكين أنه لم يأت بذنب؛ لأنه ليس يجب عليه تطويل ترجمة أحد ولا استيفاء ما ذكر من ممادحه، وما (٢) يظنّ المغترّ أن تقصيره لترجمته بهذه النّيّة استزراء به، وخيانة لله، ولرسوله ﷺ ، وللمؤمنين، فى تأدية ما قيل فى حقّه؛ من مدح وذمّ، فهو كمن يذكر بين يديه بعض الناس فيقول: دعونا منه، أو: إنه عجيب، أو: الله يصلحه. فيظنّ أنه لم يغتبه بشئ من ذلك، وما يظن أن ذلك من أقبح الغيبة. ولقد وقفت فى «تاريخ الذهبىّ» على ترجمة الشيخ الموفّق ابن قدامة الحنبلىّ، والشيخ فخر الدّين ابن عساكر، وقد أطال تلك، وقصّر هذه، وأتى بما لا يشكّ الثّبت أنه لم يحمله على ذلك إلاّ أنّ هذا أشعرىّ، وذلك حنبلىّ، وسيقفون بين يدى ربّ العالمين. وكذلك ما أحسن قول الشيخ الإمام: «وأن لا يغلبه الهوى»؛ فإن الهوى غلاّب إلاّ من عصمه الله تعالى. وقوله: «فإمّا أن يتجرّد عن الهوى، أو يكون عنده من العدل ما يقهر به هواه» عندنا فيه زيادة، فنقول: قد لا يتجرّد من الهوى، ولكنه لا يظنّه هوى، بل يظنّه لجهله، أو لبدعته حقّا؛ ولذلك لا يتطلّب ما يقهر به هواه؛ لأن المستقرّ فى ذهنه أنه محقّ، وهذا كما يفعل كثير من

стр. 49

المتخالفين فى العقائد بعضهم فى بعض، فلا ينبغى أن يقبل قول مخالف فى العقيدة على الإطلاق، إلا أن يكون ثقة، وقد روى شيئا مضبوطا عاينه أو حقّقه. وقولنا: «مضبوطا» احترزنا به عن رواية ما لا ينضبط، من التّرّهات التى لا يترتّب عليها عند التأمّل والتحقّق شئ. وقولنا: «عاينه أو حقّقه» ليخرج ما يرويه عن من غلا أو رخّص ترويجا لعقيدته. وما أحسن اشتراطه العلم، ومعرفة مدلولات الألفاظ، فلقد وقع كثيرون (١) بجهلهم فى جرح (١) جماعة بالفلسفة، ظنّا منهم أن علم الكلام فلسفة، إلى أمثال ذلك مما يطول عدّه. فقد قيل فى أحمد بن صالح، الذى نحن فى ترجمته: إنه يتفلسف. والذى قال هذا لا يعرف الفلسفة. وكذلك قيل فى أبى حاتم الرّازىّ، وإنما كان رجلا متكلّما. وقريب من هذا قول الذهبىّ فى المزنىّ: إنه يعرف مضايق المعقول. ولم يكن الذّهبىّ ولا المزنىّ يدريان شيئا من المعقول. والذى أفتى به، أنه لا يجوز الاعتماد على كلام شيخنا الذّهبىّ فى ذمّ أشعرىّ، ولا شكر حنبلىّ. والله المستعان. انتهى كلام ابن السّبكىّ بحروفه. قلت: أكثر هذه الشروط مفقودة فى أكثر المؤرّخين، وفى غالب التواريخ، خصوصا تواريخ المتأخّرين، وقلّما تراها مجتمعة، حتى إن ابن السّبكىّ نفسه يخالفهم فى كثير من المواضع، ومن تأمّل «طبقاته» حقّ التأمّل، ووقف على كلامه فى حقّ بعض المعاصرين له، ظهر له صحّة ما ذكرنا، ونحن نسأل الله تعالى أن يوفّقنا للعمل بجميعها، وأن يعيننا عليه، ويسامحنا بما طغى به القلم، وحصل فيه الذّهول، وكلّ عنه الفكر، وقصّر فى التعبير عنه اللسان،/بمنّه وكرمه.

стр. 50

فصل (١) فى كيفيّة ضبط حروف المعجم (٢) قالوا: الباء الموحّدة، وبعضهم يقول: الباء ثانى الحروف، والتاء المثنّاة من فوق، لئلا يحصل الشبه بالياء، لأنها مثنّاة، ولكنها من تحت، وبعضهم قال: ثالثة الحروف، والتاء المثلّثة، والجيم، والحاء المهملة، والخاء المعجمة، والدّال المهملة، والذال المعجمة، والراء، والزّاى. وبعضهم يقول: الرّاء المهملة، والزاى المعجمة، والسّين المهملة، والشين المعجمة، والصّاد المهملة، والضاد المعجمة، والطاء المهملة، والظاء المعجمة، والعين المهملة، والغين المعجمة، والفاء، والقاف، والكاف، واللام، والهاء، والواو، والياء المثنّاة، وبعضهم يقول: آخر الحروف. هكذا يقولون إذا أرادوا ضبط كلمة؛ فإن أرادوا زيادة قالوا: على وزن كذا. فيذكرون كلمة توازنها، وهى أشهر منها، كما إذا قيّدوا فلوّا، وهو المهر، قالوا فيه: بفتح الفاء وضمّ اللام وتشديد الواو، على وزن عدوّ، فحينئذ يكون الحال قد اتّضح، والإشكال قد زال. فائدة مهمة يعرف منها فضيلة بيان طبقات الفقهاء، ومراتبهم والاحتياجات إلى ذلك. رأيتها فى آخر «رسالة» ألّفها الإمام العلامة أحمد بن سليمان الشهير بابن كمال باشا (٣). تتعلق الرسالة بالكلام على مسألة دخول ولد البنت فى الموقوف على أولاد الأولاد. قال رحمه الله تعالى: «لا بدّ للمفتى المقلّد أن يعلم حال من يفتى بقوله، ولا نعنى بذلك معرفته باسمه ونسبه إلى بلد من البلاد، إذ لا يسمن ذلك من جوع ولا يغنى، بل نعنى معرفته

стр. 51

فى الرّواية، ودرجته فى الدّراية، وطبقته من طبقات الفقهاء، ليكون على بصيرة وافية فى التمييز بين القائلين المتخالفين، وقدرة كافية فى الترجيح بين القولين المتعارضين. فنقول وبالله التوفيق: اعلم أن الفقهاء على سبع طبقات: الأولى، طبقة المجتهدين فى الشرع، كالأئمة الأربعة، ﵃، ومن سلك مسلكهم فى تأسيس قواعد الأصول، واستنباط أحكام الفروع عن الأدلة الأربعة؛ الكتاب والسّنة والإجماع والقياس، على حسب تلك القواعد، من غير تقليد لأحد، لا فى الفروع، ولا فى الأصول. والثانية: طبقة المجتهدين فى المذهب، كأبى يوسف ومحمد، وسائر أصحاب أبى حنيفة، القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلّة المذكورة على مقتضى القواعد التى قرّرها أستاذهم أبو حنيفة، وإن خالفوه فى بعض الأحكام الفروع، لكن يقلّدونه فى قواعد الأصول، وبه يمتازون عن المعارضين فى المذهب، ويفارقونهم، كالشافعىّ ونظرائه، المخالفين لأبى حنيفة فى الأحكام، غير مقلدين له فى الأصول. والثالثة: طبقة المجتهدين فى المسائل التى لا رواية فيها عن أصحاب المذهب، كالخصّاف، وأبى جعفر الطّحاوىّ، وأبى الحسن الكرخىّ، وشمس الأئمة الحلوانىّ (١)، وشمس الأئمة السّرخسىّ، وفخر الإسلام البزدويّ، وفخر الدّين قاضى خان، وأمثالهم؛ فإنهم لا يقدرون على المخالفة لشيخ، لا فى الأصول، ولا فى الفروع، ولكنهم يستنبطون الأحكام فى المسائل التى لا نصّ عنه فيها حسب أصول قرّرها، ومقتضى قواعد بسطها. والرّابعة:/طبقة أصحاب التّخريج من المقلّدين، كالرّازىّ، وأضرابه، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول، وضبطهم للمأخذ، يقدرون على تفصيل قول مجمل ذى وجهين، وحكم مهمّ محتمل لأمرين، منقول عن صاحب المذهب، أو عن واحد من أصحابه المجتهدين، برأيهم ونظرهم فى الأصول، والمقايسة على أمثاله ونظرائه من الفروع، وما وقع فى بعض المواضع من «الهداية» من قوله: «كذا فى تخرج الكرخىّ وتخريج الرّازىّ»، من هذا القبيل.

стр. 52

والخامسة: طبقة أصحاب التّرجيح من المقلّدين، كأبى الحسين القدورىّ، وصاحب «الهداية»، وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الرّوايات على بعض آخر، بقولهم: هذا أولى، وهذا أصحّ رواية، وهذا أرفق للناس. والسّادسة: طبقة المقلّدين القادرين على التمييز بين الأقوى، والقوىّ، والضّعيف، وظاهر المذهب، وظاهر الرّواية، والرّواية النادرة، كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخّرين، مثل صاحب «الكنز»، وصاحب «المختار»، وصاحب «الوقاية»، وصاحب «المجمع»، وشأنهم أن لا ينقلوا فى كتبهم الأقوال المردودة، والروايات الضّعيفة. والسّابعة: طبقة المقلّدين الذين لا يقدرون على ما ذكر، ولا يفرّقون بين الغثّ والسّمين، ولا يميّزون الشّمال عن اليمين، بل يجمعون ما يجدون، كحاطب الليل، فالويل لهم ولمن قلّدهم كلّ الويل». انتهى ما قاله ابن كمال باشا بحروفه، وهو تقسيم حسن جدّا. فائدة مهمة يتعيّن إيرادها، ولا يستغنى عنها، نقلتها من خطّ المولى العلاّمة على چلبى بن أمر الله الشّهير بقنالى زاده، رحمه الله تعالى. اعلم، وفّقك الله تعالى، أن مسائل أصحابنا الحنفيّة، رحمهم الله تعالى، على ثلاث طبقات: الأولى: مسائل الأصول، وتسمّى ظاهر الرّواية أيضا، وهى مسائل رويت عن أصحاب المذاهب، وهم أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمّد، رحمهم الله تعالى، لكن الغالب الشائع فى ظاهر الرّواية، أن يكون قول الثلاثة، أو قول بعضهم. ثمّ هذه المسائل التى تسمّى بظاهر الرّواية والأصول، هى ما وجد فى كتب محمّد التى هى: «المبسوط»، و «الزيادات»، و «الجامع الصّغير»، و «الجامع الكبير»، و «السّير». وإنما سمّيت بظاهرة الرّواية، لأنها رويت عن محمّد بروايات الثّقات، فهى ثابتة عنه؛ إمّا متواترة، أو مشهورة.

стр. 53

الثانية: مسائل النوادر، وهى مسائل مرويّة عن أصحاب المذاهب المذكورين، لكن لا فى الكتب المذكورة؛ إمّا فى كتب أخر لمحمّد غيرها، ك «الكيسانيّات»، و «الهارونيّات»، و «الجرجانيّات»، و «الرّقّيات». وإنما قيل لها غير ظاهرة الرّواية؛ لأنها لم ترد عن محمّد بروايات ظاهرة ثابتة صحيحة كالكتب الأولى، وإمّا فى كتب غير كتب محمّد ككتاب «المجرّد» للحسن بن زياد، وغيره. ومنها كتب «الأمالى» المرويّة عن أبى يوسف، والإملاء أن يقعد العالم وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس، فيقول بما فتحه الله عليه من ظهر قلبه، وتكتبه التلامذة، ثم يجمعون ما يكتبونه فى المجالس، ويصير كتابا فيسمّونه الإملاء والأمالى. وكان ذلك عادة لعلماء/السّلف من الفقهاء، والمحدّثين، وأصحاب العربيّة، فاندرست لذهاب العلم وأهله، وإلى الله تعالى المصير. وإمّا بروايات مفردة، مثل رواية ابن سماعة، ومعلّى بن منصور، وغيرها، فى مسائل معيّنة. والثالثة: الفتاوى، وتسمّى الواقعات أيضا، وهى مسائل استنبطها المجتهدون المتأخّرون لما سئل منهم، ولم يجدوا فيها رواية عن أصحاب المذهب، وهم أصحاب أبى يوسف ومحمّد، وأصحاب أصحابهما، وهلمّ جرّا، وهم كثيرون، موضع ضبطهم كتاب «الطبقات» لأصحابنا. وغالب من ينقل عنهم المسائل أصحاب أبى يوسف ومحمّد، كمحمّد بن سلمة، ونصير ابن يحيى، وأبى القاسم الصّفّار. ومن (١) أصحاب أبى يوسف، مثل عصام بن يوسف، وابن رستم. ومن أصحاب محمد، مثل أبى حفص البخارىّ، وكثيرين.

стр. 54

وقد يتّفق لهؤلاء العلماء أن يخالفوا أصحاب المذاهب، لدلائل وأسباب ظهرت لهم بعدهم. وأول كتاب جمع فى فتاويهم كتاب «النوازل» للفقيه أبى الليث السّمرقندىّ، وكذلك «العيون» له؛ فإنه جمع صور فتاوى جماعة من المشايخ، ممّن أدركهم بقوله: سئل أبو القاسم فى رجل كذا أو كذا، فقال: كذا وكذا. سئل محمد بن سلمة عن رجل كذا وكذا، فقال: كذا أو كذا. وهكذا. ثم جمع المشايخ بعده كتبا أخر فى الفتاوى ك «مجموع النوازل والواقعات» للنّاطفىّ، و «الواقعات» للصدر الشهيد، رحمه الله تعالى. ثم جمع المتأخّرون هذه المسائل فى فتاواهم وكتبهم مختلطة، غير متميّزة، كما فى «جامع قاضى خان»، «الخلاصة»، وغيرهما. وميّز بعضهم كما فى كتاب «المحيط» لرضىّ الدين السّرخسىّ؛ فإنه ذكر أولا مسائل الأصول، ثم النوادر، ثم الفتاوى، ونعم ما فعل. واعلم أن من كتب الأصول، كتاب «الكافى» للحاكم الشهيد، وهو كتاب معتمد فى نقل المذهب. وشرحه جماعة من المشايخ منهم: الإمام شمس الأئمّة السّرخسىّ وهو «مبسوط» السّرخسىّ، والإمام القاضى الإسبيجابىّ (١)، وغيرهما. ومن كتب المذهب «المنتقى» له أيضا، إلا أن فيه بعض النوادر؛ ولهذا يذكره صاحب «المحيط» بعد ذكره النوادر معنونا بالمنتقى، ولا يوجد «المنتقى» فى هذه الأعصار. واعلم أيضا أن نسخ «المبسوط» المروىّ عن محمد متعددة، وأظهرها مبسوط أبى سليمان الجوزجانىّ. وشرح «المبسوط» المتأخّرون، مثل شيخ الإسلام أبى بكر المعروف بخواهرزاده، ويسمى «المبسوط البكرىّ» والصدر الشهيد وغيرهما، ومبسوطهم شروح فى الحقيقة،

стр. 55

ذكرها مختلطة بمبسوط محمد، كما فعل شرّاح «الجامع الصغير»، مثل فخر الإسلام، وشيخ الإسلام، وقاضى خان، وغيرهم. وقد يقال: ذكره قاضى خان، فى «الجامع الصغير»، والمراد شرحه، وكذا غيره، فاعلم ذلك، والله أعلم. فصل يتضمن بيان ما صطلحت عليه فى هذا الكتاب، من ترتيب وتقديم وتأخير، وغير ذلك؛ ليسهل كشفه، ولا تتعسّر مراجعته فأقول وبالله التوفيق: قد رتّب هذا التأليف على حروف المعجم كترتيب أكثر المؤرّخين. فأبتدئ أوّلا من الأسماء بما أوّله همزة وثانيه همزة، ثم بما أوّله همزة وثانيه ألف ساكنة، ثم بما أوّله همزة وثانيه باء موحّدة، ثم بما ثانيه تاء مثنّاة من فوق، ثم بما ثانية ثاء مثلّثة، وهكذا الى آخر الحروف. ثم بما أوّله باء موحّدة وثانيه همزة أو ألف ساكنة، ثم بما ثانيه باء أيضا، ثم بما ثانيه تاء مثنّاة، وهكذا إلى آخر الحروف. ثم أذكر فى أواخر الكتاب أصحاب الكنى جميعا فى حرف الهمزة، اقدّم من لم يعرف له اسم سوى الكنية، ثم من له اسم واشتهر بكنيته وله ترجمة فى حرف من الحروف، أذكره باختصار، ولا أعيد له ترجمة، وأذكر اسمه واسم أبيه ليسهل كشفه فى محلّه. وأذكر جميع هذه الكنى مرتّبة ترتيب الأسماء، وبالنظر إلى ما بعد ذكر الأب، كأبى إبراهيم، أذكره مقدّما على أبى أحمد، وأبى داود مقدّما على أبى ذرّ، وهكذا إلى آخر الحروف. وأذكر فى آخر الكتاب بابا للألقاب، وبابا فيمن اشتهر بابن فلان، وبابا فى الأنساب.

стр. 56

أقدّم فى كل من البابين الأوّلين من اشتهر بلقبه، واشتهر بأبيه ولم يعرف له اسم، ثم من له اسم منهما أذكره باختصار، كما فعلته فى الكنى. وأمّا الأنساب فأقدّم فيها من لا يعرف إلاّ بالنسبة ولم يذكر له فى الكتاب ترجمة، وأما من ذكر له فى الكتاب ترجمة، فقد أذكره فى نسبته، وقد لا أذكره، لأن ذكر جميع من انتسب فى الكتاب إلى الموصل أو الشام أو حماة مثلا فى تلك النسبة، ممّا يطول شرحه، ويملّ ذكره، بلا كبير فائدة. *** هذا ولمّا كان رسول الله ﷺ هو الذى أظهر هذا الدّين القويم، وأنار هذا الصّراط المستقيم، وكان كلّ فضل منسوبا إلى فضله، وكلّ علم مستفادا من علمه، ولولاه ما كان عالم يذكر، ولا فاضل علمه ينشر، وكانت سائر الأفاضل، والعلماء الأماثل، والأولياء المخلصين، والصّلحاء السّابقين، يغترفون من ذلك البحر، ويستنيرون بذلك البدر. وكانوا كما قال صاحب البردة، رحمه الله تعالى (١): وكلّهم من رسول الله ملتمس … غرفا من البحر أو رشفا من الدّيم تعيّن أن نبدأ بذكر شئ يسير من سيرته الشريفة، وأوصافه المنيفة،/لتكون لهذا الكتاب مشرّفة، وعلى غيره من الطّبقات التى خلت عنها مفضّلة، ويكون لهم فى الذّكر إماما، كما كان لهم فى الدّين هاديا وهماما. *** ثمّ نتلوه بذكر ترجمة الإمام الأعظم، والحبر البحر المكرّم، أحد أفراد الزمان، وإنسان عين الأعيان، الذى سارت بفضله الرّكبان، وعمّت فواضله سائر البلدان، واعترف بمعروفه الشامل كلّ قاص ودان، وأجمعت الأمة، أنه قدوة الأئمّة، وهو أبو حنيفة النعمان، رضى الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة متقلّبه ومثواه، وفى ذلك المحلّ المقدّس جمعنا وإيّاه (٢).

стр. 57

فإنه صاحب المذهب الذى به يأخذون، وعليه يعتمدون، وله يقلّدون، ومن بحر علمه يغترفون، تغمّده الله برحمته ورضوانه، وأباحه بحبوحة جنانه، ونفعنا ببركات علومه فى الدنيا والآخرة، إنه جواد كريم، رءوف رحيم. *** واعلم أيّها الواقف على كتابى هذا أنى ربّما أكثرت فى بعض التراجم، من إيراد نفائس الأشعار، ومحاسن الأخبار، ولطائف النّوادر، ونوادر اللطائف، وربّما ذكرت فى الأنساب شيئا من أوصاف البلدان، وخصائصها، وما قيل فيها من الأشعار، وورد فى حقّها من الأخبار والآثار، ومقصودى بذلك أن يكون مطالعه متنزّها فى رياض من الآداب، لا يذوى زهرها، ولا يمنع ثمرها، حتى لا يملّ مطالعه، ولا يصادف الضّجر سامعه. وهذا أوان الشروع فى المقصود، بعون الملك المعبود، فنقول وبالله التوفيق، ومنه التّيسير: ***

стр. 58

سيرته ﷺ (١) محمّد رسول الله ﷺ ، وحبيبه وصفيّه (٢) وخيرته من خلقه، وأفضل الأوّلين والآخرين، أبو القاسم (٣) بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصىّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤىّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان، الذى قيل فيه (٤): وكم أب قد علا بابن ذرى شرف … كما علا برسول الله عدنان هذا هو المتّفق على صحّته. ومن هنا الى آدم ﵊ مختلف فيه، ومذكور فى كتب السّير المطوّلة، فمن أراد الوقوف عليه فليراجعها. ولد ﷺ يوم الاثنين، فى شهر ربيع الأوّل من عام الفيل، قيل: ثانيه، وقيل: ثالثه، وقيل ثانى عشره، وقيل غير ذلك. يوم أضاء به الزمان وفتّحت … فيه الهداية زهرة الآمال ومات أبوه وله من العمر ثمانية وعشرون شهرا، وقيل: شهران، وقيل: سبع، وقيل: وهو حمل، وكفله جدّه عبد المطّلب، ثم توفى عبد المطّلب وله ﷺ من العمر إذ ذاك ثمان سنين وشهران وعشرة أيّام، فكفله عمّه أبو طالب. وماتت أمّه آمنة، وهو ابن أربع سنين، وقيل: ست. وأرضعته حليمة السّعديّة، وثويبة الأسلميّة، وحضنته أمّ أيمن. ولما بلغ اثنتى عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام، خرج مع عمّه أبى طالب إلى الشام، فلما بلغ بصرى رآه بحيرى الرّاهب، فعرفه، بصفته، فجاءه وأخذ بيده، وقال: هذا رسول ربّ

стр. 59

العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين، إنكم/حين أقبلتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلاّ خرّ ساجدا، ولا يسجد إلاّ لنبىّ، وإنّا نجده فى كتبنا. وقال لأبى طالب: لئن قدمت به إلى الشام لتقتلنّه اليهود. فردّه خوفا عليه منهم. ثمّ خرج مرة ثانية إلى الشام، مع ميسرة غلام خديجة بنت خويلد، فى تجارة لها قبل أن يتزوّجها، فلما قدم الشام، نزل تحت ظلّ شجرة قريبا من صومعة راهب، فقال الراهب: ما نزل تحت ظلّ هذه الشجرة إلا نبىّ. وكان ميسرة يقول: إذا كان الهاجرة، واشتدّ الحرّ، نزل ملكان يظلاّنه (١). ولما رجع من سفره تزوّج خديجة بنت خويلد، وعمره خمس وعشرون سنة وشهران وعشرة أيّام، وقيل غير ذلك. ولمّل بلغ خمسا وثلاثين سنة شهد بنيان الكعبة، ووضع الحجر الأسود بيده. ونشأ رسول الله ﷺ فى قومه، وقد طهّره الله تعالى من دنس الجاهليّة ومن كل عيب، ومنحه كلّ خلق جميل، حتى لم يكن يعرف من بينهم إلاّ بالأمين؛ لما رأوه من أمانته، وصدق لسانه، وطهارته. ولمّا بلغ أربعين سنة ويوما بعثه الله بشيرا ونذيرا، وأتاه جبريل ﵇ بغار حراء، فقال: اقرأ. فقال: ما أنا بقارئ. قال رسول الله ﷺ : فأخذنى فغطّنى حتى بلغ منّى الجهد، ثمّ أرسلنى، فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ.

стр. 60

فقال فى الثالثة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١). وقالت عائشة: رضى الله تعالى عنها: أوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى، الرؤيا الصّادقة فى النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصّبح، وحبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه-وهو التعبّد-الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع الى أهله، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع لخديجة فيتزوّد لمثلها، حتى جاءه الحقّ. رواه البخارىّ (٢) ومسلم (٣). وكان مبدأ النبوّة فيما ذكر يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأوّل. ثم حصره أهل مكّة هو وأهل بيته فى الشّعب ثلاث سنين، ثم خرج من الشّعب وله تسع وأربعون سنة. وبعد ذلك بثمانية أشهر وأحد وعشرين يوما، مات عمّه أبو طالب. وماتت خديجة، رضى الله تعالى عنها بعد أبى طالب بثلاثة أيام. وكانت أوّل من آمن بما جاء به، ثم آمن أبو بكر، ثمّ علىّ بن أبى طالب، وزيد بن حارثة، وبلال رضى الله تعالى عنهم، ثم بعد هؤلاء عمرو بن عبسة السّلمىّ، وخالد بن سعيد ابن العاص، وسعد بن أبى وقّاص، وعثمان بن عفّان، والزبير بن العوّام، وطلحة بن عبيد الله ابن عثمان، ثم كان عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه تمام الأربعين إسلاما. ذكر ذلك ابن حزم فى «مختصر السيرة (٤)» ولما بلغ خمسين سنة وثلاثة أشهر قدم عليه جنّ نصيبين (٥)، فأسلموا. ولما بلغ إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر، أسرى به إلى البيت المقدس.

стр. 61

روى البخارىّ (١)، ومسلم (٢)، (٣) والتّرمذىّ، والنّسائىّ (٣)، عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه، أن نبىّ الله ﷺ حدّثهم عن ليلة أسرى به، قال: «بينما أنا فى الحطيم» -وربّما قال: «فى الحجر مضطجع» -ومنهم من قال: «بين النّائم واليقظان»، «إذ أتانى آت»، قال: فسمعته يقول: «فشقّ ما بين هذه إلى هذه». فقيل للجارود/: ما يعنى به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته. وسمعته يقول: من قصّه (٤) إلى شعرته. «فاستخرج قلبى ثمّ أتيت بطشت من ذهب مملوءة إيمانا، فغسل قلبى ثمّ حشى، ثمّ دعى بدابّة دون البغل وفوق الحمار» فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ فقال أنس: نعم، يضع خطوه عند أقصى طرفه «فحملت عليه، فانطلق بى جبريل ﵇، حتّى أتى السّماء الدّنيا، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، فنعم المجئ جاء» الحديث بطوله. ورأى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ورأى من آيات ربّه الكبرى، ثمّ دنا فتدلّى، فكان قاب قوسين أو أدنى، وأوحى إليه ما أوحى، وفرضت الصّلاة تلك الليلة، ولمّا أصبح قصّ على قريش ما رأى. وروى البخارىّ (٥)، ومسلم (٦)، والتّرمذىّ (٧) عن جابر، أنه سمع رسول الله ﷺ ، يقول: «لمّا كذبنى قريش قمت إلى الحجر الأسود، فجلا الله لى بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا انظر إليه».

стр. 62

وقد اختلف الناس فى كيفيّة الإسراء، فالأكثرون من طوائف المسلمين متّفقون على أنه بجسده ﷺ ، والأقلّون قالوا بروحه. حكى الطّبرىّ فى «تفسيره» (١) عن حذيفة، أنه قال: كل ذلك رؤيا. وحكى هذا القول أيضا عن عائشة، وعن معاوية رضى الله تعالى عنهما. ومنهم من قال بجسده إلى البيت المقدس، ومن هناك إلى السّماوات السّبع بروحه. قال الصّلاح الصّفدىّ، بعد أن نقل ما ذكرناه من الأقوال، قلت: والصّحيح الأول؛ لأنه قد صحّ أنّ قريشا كذّبته، ولو قال رسول الله ﷺ : رأيت رؤيا، لما كذّب، ولا أنكر ذلك على غيره، فضلا عنه؛ لأن آحاد الناس يرون فى منامهم أنهم ارتقوا إلى السموات. وما ذلك ببدع. قال: أنشدنى لنفسه الشيخ الإمام شهاب الدّين أبو الثّناء محمود بن سلمان (٢) بن فهد الحلبىّ الكاتب رحمه الله تعالى قراءة منّى عليه، من جملة قصيدة طويلة، من جملة مجلّدة فيها مدح النبىّ ﷺ : أسرى إلى الأقصى بجسمك يقظة … لا فى المنام فيقبل التّأويلا إذ أنكرته قريش قبل ولم تكن … لترى المهول من المنام مهولا ولمّا بلغ ﷺ ثلاثا وخمسين سنة هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر الصّدّيق رضى الله تعالى عنه، ومولى أبى بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن الأريقط الليثىّ. قال الحافظ عبد الغنىّ، وغيره: وهو كافر، ولم نعرف له إسلاما. فأقام بالمدينة عشر سنين. وكان يصلّى الى بيت المقدس مدّة إقامته بمكّة، ولا يستدبر الكعبة يجعلها بين يديه، وصلّى إلى بيت المقدس بعد قدومه المدينة سبعة عشر شهرا، أو ستّة عشر شهرا، ولمّا أكمل فى المدينة عشر سنين سوا توفّى وقد بلغ ثلاثا وستين سنة، وقيل غير

стр. 63

ذلك، وفيما تقدم من التواريخ خلاف، وكانت وفاته يوم الاثنين، حين اشتدّ الضّحى، لثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل، ومرض أربعة عشر يوما، ودفن ليلة الأربعاء. ولما حضره الموت كان عنده قدح فيه ماء، فجعل يدخل يده فيه ويمسح وجهه ويقول: «اللهمّ /أعنّى على سكرات الموت». وسجّى ببرد حبرة (١). وقيل: إن الملائكة سجّته. وكذّب بعض أصحابه بموته دهشة، يحكى ذلك عن عمر رضى الله تعالى عنه، وأخرس عثمان رضى الله تعالى عنه، وأقعد علىّ رضى الله تعالى عنه، ولم يكن فيهم أثبت من العباس، وأبى بكر رضى الله تعالى عنهما. ثم إن الناس سمعوا من باب الحجرة: لا تغسّلوه، فإنه طاهر مطهّر. ثمّ سمعوا بعد ذلك: اغسلوه؛ فإن هذا إبليس، وأنا الخضر، وعزّاهم فقال: إن فى الله عزاء من كلّ مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، فإن المصاب من حرم الثواب. واختلفوا فى غسله، هل يكون فى ثيابه أو يجرّد عنها؟ فوضع الله عليهم النّوم، فقال قائل، لا يدرى من هو: اغسلوه فى ثيابه. فانتبهوا، وفعلوا ذلك. والذين ولوا غسله علىّ والعباس، وولداه الفضل، وقثم، وأسامة وشقران مولياه، وحضرهم أوس بن خولىّ من الأنصار، ونفضه علىّ فلم يخرج منه شئ، فقال: صلّى الله عليك وسلّم، طبت حيّا وميّتا. وكفّن فى ثلاثة أثواب بيض سحوليّة، ليس فيها قميص ولا عمامة، بل لفائف من غير خياطة. وصلّى المسلمون عليه أفذاذا، ولم يأمّهم أحد.

стр. 64

وفرش تحته فى القبر قطيفة حمراء، كان يتغطّى بها. ونزل شقران، وحفر له، وألحد وأطبق عليه تسع لبنات. واختلفوا: أيلحد، أم يضرح؟. وكان بالمدينة حفّاران، أحدهما يلحد، وهو أبو طلحة، والآخر يضرح وهو أبو عبيدة، فاتفقوا أن من جاء منهما أولا عمل عليه، فجاء الذى يلحد، فلحد له. ونحّى فراشه، وحفر له مكانه فى بيت عائشة، رضى الله تعالى عنها. وقال الحافظ عبد الغنىّ: حوّل فراشه. وكان ابتداء وجعه فى بيت عائشة، واشتدّ أمره فى بيت ميمونة، فطلب من نسائه أن يمرّض فى بيت عائشة رضى الله تعالى عنها، فأذنّ له فى ذلك، وكان ما ابتدأ به من الوجع صداع، وتمادى به، وكان ينفث فى علّته شيئا يشبه أكل الزّبيب، ومات بعد أن خيّره الله تعالى بين البقاء فى الدنيا ولقاء ربّه، فاختار لقاء الله تعالى. ويروى أن عمر رضى الله تعالى عنه سمع بعد وفاة النبىّ ﷺ يقول، وهو يبكى: بأبى أنت وأمّى يا رسول الله، لقد كان لك جذع تخطب عليه، فلما كثر الناس اتّخذت منبرا تسمعهم، فحنّ الجذع لفراقك، حتى جعلت يدك عليه، فسكن، فأمّتك أولى بالحنين عليك حين فارقتهم. بأبى أنت وأمّى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند ربك، أن جعل طاعتك طاعته، فقال تعالى (١): ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾. بأبى أنت وأمّى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده، أن أخبرك بالعفو عنك، قبل أن يخبرك بذنبك، فقال (٢): ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾. بأبى أنت وأمّى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده أن جعلك آخر الأنبياء،

стр. 65

وذكرك فى أوّلهم، فقال تعالى (١): ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. بأبى أنت وأمىّ يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده أنّ أهل النار يودّون لو يكونوا أطاعوك، بين أطباقها يعذّبون، يقولون (٢): ﴿يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾. بأبى أنت وأمّى/يا رسول الله، إن كان موسى بن عمران ﵇، أعطاه الله حجرا تتفجّر منه الأنهار، فماذا بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء صلّى الله عليك وسلّم. بأبى أنت وأمّى يا رسول الله، لئن كان سليمان بن داود أعطاه الله الريح غدوّها شهر ورواحها شهر، فما ذلك بأعجب من البراق حين سرت عليه إلى السّماء السّابعة، ثمّ صلّيت الصّبح بالأبطح (٣)، صلّى الله عليك وسلّم. بأبى أنت وأمّى يا رسول الله، لئن كان عيسى ابن مريم ﵊، أعطاه الله تعالى إحياء الموتى، فما ذلك بأعجب من الشّاة المسمومة حين كلّمتك وهى مشويّة، فقالت: لا تأكلنى؛ فإنى مسمومة. بأبى أنت وأمىّ يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه، فقال (٤): ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾، ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا، فلقد وطئ ظهرك، وأدمى وجهك، وكسرت رباعيتك (٥)، فأبيت أن تقول إلا خيرا، فقلت: «اللهمّ اغفر لقومى فإنّهم لا يعلمون». بأبى أنت وأمىّ يا رسول الله، لقد اتّبعك فى قلّة سنّك، وقصر عمرك، ما لم يتبع نوحا فى كبر سنّه، وطول عمره، فلقد آمن بك الكثير وما آمن معه إلا القليل.

стр. 66

بأبى أنت وأمّى يا رسول الله، لو لم تجالس إلا كفوا ما جالستنا، (١) ولو لم تنكح إلاّ كفوا ما آكلتنا (١)، لبست الصّوف، وركبت الحمار، ووضعت طعامك بالأرض، ولعقت أصابعك تواضعا منك صلّى الله عليك وسلم. صفته ﷺ كان ربعة، بعيد ما بين المنكبين، أبيض اللون، مشربا حمرة، يبلغ شعره شحمة أذنيه. قالت عائشة رضى الله تعالى عنها: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ ، وكان له شعر فوق الجمّة ودون الوفرة. رواه أبو داود (٢)، والتّرمذىّ (٣). وقالت أمّ هاني، رضى الله تعالى عنها: قدم رسول الله ﷺ مكة، وله أربع غدائر. روياه أيضا (٤). كان سبط الشّعر، فى لحيته كثاثة، ومات ولم يبلغ الشيب فى رأسه ولحيته عشرين شعرة، ظاهر الوضاءة، يتلألأ وجهه كالقمر ليلة البدر. وروى عن عائشة رضى الله تعالى عنها، أنها وصفته، فقالت: كان والله كما قال شاعره حسّان بن ثابت الأنصارىّ (٥): متى يبد فى الدّاجى البهيم جبينه … يلح مثل مصباح الدّجى المتوقّد (٦)

стр. 67

فمن كان أو من قد يكون كأحمد … نظام لحقّ أو نكال لمعتدى (١) وروى عن أنس بن مالك، رضى الله تعالى قال: كان أبو بكر الصّدّيق رضى الله تعالى عنه إذا رأى النبىّ ﷺ يقول: أمين مصطفى بالخير يدعو … كضوء البدر زايله الظلام وروى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه، قال: كان عمر بن الخطّاب رضى الله تعالى عنه إذا رآه ينشد قول زهير فى هرم بن سنان (٢): لو كنت من شئ سوى بشر … كنت المضئ لليلة البدر أزهر اللون، ليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم، أقنى العرنين، سهل الخدّين، أزجّ الحاجبين، أقرن/، أدعج العين، فى بياض عينيه عروق حمر رقاق، حسن الخلق، معتدله، أطول من المربوع وأقصر من المشذّب، دقيق المسربة، كأنّ عنقه إبريق فضّة، من لبّته إلى سرّته شعر مجرى كالقضيب، ليس فى بطنه ولا صدره شعر غيره، ششن الكفّ والقدم، ضليع الفم، أشنب، مفلّج الأسنان، بادنا متماسكا، سواء البطن والصّدر، ضخم الكراديس، أنور المتجرّد، أشعر الذّراعين والمنكبين، عريض الصّدر، طويل الزّند، رحب الراحة، سائل الأطراف، سبط القضيب، خمصان، بين كتفيه خاتم النّبوّة. قال جابر بن سمرة: مثل بيضة الحمام يشبه جسده. إذا مشى كأنما ينحدر من صبب، وإذا مشى كأنما ينقلع من صخر، إذا التفت التفت جميعا، كأنّ عرقه اللؤلؤ، ولريح عرقه أطيب من ريح المسك الأذفر. وقال (٣) عند أمّ سليم، فعرق، فجاءت بقارورة، فجعلت تسكب العرق فيها، فاستيقظ النبىّ ﷺ ؛ فقال: يا «أمّ سليم، ما هذا الذى تصنعين؟». قالت: هذا عرقك، نجعله فى طيبنا، وهو أطيب الطّيب.

стр. 68

وفى وصف أمّ معبد له: وفى صوته صهل، وفى عنقه سطع، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلّم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق. وفى وصف هند بن أبى هالة (١): خافض الطّرف، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السّماء، يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسّلام. وفى وصف علىّ بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه: أجود الناس كفّا، وأرحب الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس بذمّة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبّه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله، ﷺ . شرح الغريب مما فى صفته ﷺ الوضاءة: الحسن والجمال. والأزهر: الأبيض. والأمهق: الشديد البياض، ليس بنيّر ولا تخالطه حمرة. والآدم من الناس: الأسمر. والقنا: احديداب فى الأنف. والزّجج: دقة فى الحاجبين وطول. والدّعج: شدّة سواد العينين. والمشذّب: الطّويل. والمسربة، بضمّ الراء: الشّعر الذى يأخذ من الصّدر إلى السّرّة، وهو مستدقّ. واللّبّة: المنحر. والشّثن، بتحريك الثاء: مصدر شثنت كفّه، إذا خشنت وغلظت.

стр. 69

وضليع الفم، قال أبو عبيد (١): أراد أنه كان واسع الفم. قال القتيبىّ: ضليع الفم: عظيمه. والشّنب: حدّة الاسنان. والبادن: السّمين. والمتماسك: المستمسك اللحم. والكراديس: جمع كردوس، وهو كل عظمين التقيا فى مفصل. وسواء البطن والصّدر، يريد أن بطنه غير مستفيض، فهو مساو لصدره. أنور المتجرّد، يعنى شديد بياض ما جرّد عنه الثوب. رحب الرّاحة: واسع الكفّ. والخمصان، الخمص: ما ارتفع عن الأرض من باطن القدم. الصّهل، والصّحل فى رواية: شبه البحّة، وهو غلظ فى الصّوت، لأنه مأخوذ من صهيل الفرس. والسّطع: طول العنق. أسماؤه ﷺ روى البخارىّ (٢) والنّسائىّ (٣)، عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه، قال: قال رسول /الله صلّى الله علية وسلم: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عنّى شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمّما، ويلعنون مذمّما، وأنا محمّد». قال السّخاوىّ فى «سفر السّعادة»: قيل لعبد المطّلب: بم سمّيت ابنك؟ فقال: بمحمّد. فقالوا له: ما هذا من أسماء آبائك!

стр. 70

قال: أردت أن يحمد فى السّماء والأرض. قال الصّفدىّ: وأحمد أبلغ من محمّد، كما أن أحمر وأصفر أبلغ من محمّر ومصفّر. وروى البخارىّ (١)، ومسلم (٢)، والتّرمذىّ (٣)، عن جبير بن مطعم، قال: قال رسول الله ﷺ : «لى خمسة أسماء، أنا محمّد، وأنا أحمد، وأنا الماحى الذى يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الّذى يحشر النّاس على قدمى، وأنا العاقب». والعاقب: الذى ليس بعده نبىّ. وقد سمّاه الله تعالى رءوفا رحيما. قال الصّلاح الصّفدىّ (٤): أنشدنى لنفسه قراءة منىّ عليه، الشيخ الإمام الحافظ فتح الدّين ابن سيّد الناس اليعمرىّ، فيما وافق من أسماء الله الحسنى لأسماء رسول الله ﷺ ، فى قصيدة له فى مدحه: وحلاّه من حسنى أساميه جملة … أتى ذكرها فى الذّكر ليس يبيد (٥) وفى كتب الله المقدّس ذكرها … وفى سنّة تأتى بها وتفيد رءوف رحيم فاتح ومقدّس … أمين قوى عالم وشهيد ولىّ شكور صادق فى مقاله … عفوّ كريم بالنّوال يعود ونور وجبّار وهادى من اهتدى … ومولى عزيز ليس عنه محيد بشير نذير مؤمن ومهيمن … خبير عظيم بالعظيم يجود وحقّ مبين آخر أوّل سما … إلى ذروة العلياء وهو وليد

стр. 71

فآخر أعنى آخر الرّسل بعثه … وأوّل من ينشقّ عنه صعيد أسام يلذّ السّمع إن هى عدّدت … نعوت ثناء والثناء عديد وقال حسّان بن ثابت، رضى الله تعالى عنه (١): فشقّ له من اسمه ليجلّه … فذو العرش محمود وهذا محمّد ومن أسمائه: المقفّى، ونبىّ التّوبة، ونبىّ الرحمة. وفى «صحيح مسلم»: ونبىّ المرحمة (٢). ومن أسمائه: طه، ويس، والمزّمّل، والمدّثّر، وعبد الله، فى قوله تعالى (٣): ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ)،﴾ ومذكّر فى قوله تعالى (٤): ﴿إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾. وله من الأسماء غير ذلك. اصطفاؤه، وفضله على سائر الخلق (٥) روى البخارىّ (٦)، عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ ، قال: «بعثت من خير قرون بنى آدم، قرنا فقرنا، حتّى كنت (٧) من خير قرن، كنت منه (٧)» وروى مسلم (٨)، والتّرمذىّ (٩)، عن واثلة بن الأسقع، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من

стр. 72

كنانة، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم». وروى التّرمذىّ (١)، عن ابن عبّاس، رضى الله تعالى عنهما، قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله ﷺ يتذاكرون، وهم ينتظرون خروجه. قال: فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع/حديثهم، فقال بعضهم: عجبا، إن الله ﵎ اتّخذ من خلقه خليلا، اتّخذ إبراهيم خليلا. وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى، كلّمه تكليما. وقال آخر: ماذا بأعجب من جعله عيسى كلمة الله وروحه. وقال آخر: ماذا بأعجب من آدم، اصطفاه الله عليهم-زاد رزين-: وخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته-ثم اتّفقا- فسلّم رسول الله ﷺ ، على أصحابه، وقال: «قد سمعت كلامكم وعجبكم أنّ إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وأنّ موسى نجىّ الله، وهو كذلك، وأنّ عيسى روح الله وكلمته، وأنّ آدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة، ولا فخر، وأنا أكرم الأوّلين والآخرين على الله، ولا فخر، وأنا أوّل شافع وأوّل مشفّع يوم القيامة، ولا فخر، وأنا أوّل من يحرّك حلق الجنّة فيفتح الله لى فيدخلنيها ومعى فقراء المؤمنين، ولا فخر». أخلاقه ﷺ سئلت عائشة رضى الله تعالى عنها، عنه، فقالت: كان خلقه القرآن؛ يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها، إلاّ أن تنتهك حرمات الله فيغضب لله، وإذا غضب لم يقم لغضبه أحد. وكان أشجع الناس، وأسخاهم، وأجودهم، ما سئل شيئا، فقال: لا، ولا يبيت فى بيته

стр. 73

دينار ولا درهم، فإن فضل، ولم يجد من يأخذه، وفجأه اللّيل، لم يرجع إلى منزله حتى يبرأ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ ممّا آتاه الله إلا قوت أهله عاما فقط، من أيسر ما يجد من التمر والشعير، ثم يؤثر من قوت أهله (١) حتى ربّما احتاج قبل انقضاء العام. وكان من أحلم الناس، وأشدّ حياء من العذراء فى خدرها، خافض الطّرف، نظره الملاحظة. وكان أكثر الناس تواضعا، يجيب من دعاه من غنىّ أو فقير، أو حرّ أو عبد. وكان أرحم الناس، يصغى (٢) الإناء للهرّة، وما يرفعه حتى تروى، رحمة لها. وكان أعفّ الناس، وأشدّهم إكراما لأصحابه، لا يمدّ رجليه بينهم، ويوسّع عليهم إذا ضاق المكان. ولم تكن ركبتاه تتقدّم ركبة جليسه. له رفقاء يحفّون به، وإن قال أنصتوا له، وإن أمر تبادروا لأمره، ويتحمّل (٣) لأصحابه، ويتفقّدهم؛ ويسأل عنهم، فمن مرض عاده، ومن غاب دعا له، ومن مات استرجع فيه، وأتبعه الدّعاء له، ومن تخوّف أن يكون وجد فى نفسه شيئا، انطلق إليه حتى يأتيه فى منزله. ويخرج إلى بساتين أصحابه، ويأكل ضيافتهم، ويتألّف أهل الشرف، ويكرم أهل الفضل. ولا يطوى بشره (٤) عن أحد، ولا يجفو عليه، ويقبل معذرة (٥) المعتذر إليه (٦)، والضّعيف والقوىّ عنده فى الحق سواء، ولا يدع أحدا يمشى خلفه، ويقول: «خلّوا ظهرى للملائكة». ولا يدع أحدا يمشى معه وهو راكب، حتى يحمله، فإن أبى قال: تقدّمنى إلى المكان الفلانىّ. ويخدم من خدمه، وله عبيد وإماء، ولا يرتفع عنهم فى مأكل ولا ملبس.

стр. 74

قال أنس بن مالك، رضى الله تعالى عنه: خدمته نحوا من عشر سنين، فو الله ما صحبته فى حضر ولا سفر لأخدمه إلاّ كانت خدمته لى أكثر من خدمتى له،/وما قال لى أفّ قطّ، ولا قال لشئ فعلته: لم فعلت كذا. ولا لشئ لم أفعله: ألا فعلت كذا. وكان رسول الله ﷺ فى سفر، فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول الله، علىّ ذبحها. وقال آخر: علىّ سلخها. وقال آخر: علىّ طبخها. فقال رسول الله ﷺ : «وعلىّ جمع الحطب». فقالوا: يا رسول الله، نحن نكفيك. فقال: «قد علمت أنّكم تكفوننى، ولكن أكره أن أتميّز عليكم؛ فإنّ الله يكره من عبده أن يراه متميّزا بين أصحابه». وقام فجمع الحطب. وكان فى سفر، فنزل إلى الصّلاة، ثم كرّ راجعا. فقيل: يا رسول الله، أين تريد؟ فقال: «أعقل ناقتى». فقالوا: نحن نعقلها. قال: «لا يستعن أحدكم بالنّاس ولو فى قضمة من سواك». وكان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث انتهى به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطى كلّ أحد من جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، وإذا جلس إليه أحدهم لم يقم ﷺ حتى يقوم الذى جلس إليه، إلا أن يستعجله أمر، فيستأذنه. ولا يقابل أحدا بما يكره، ولا يجزى السّيّئة بمثلها، بل يعفو ويصفح. وكان يعود المرضى، ويحبّ المساكين، ويجالسهم، ويشهد جنائزهم، ولا يحقّر فقيرا لفقره، ولا يهاب ملكا لملكه.

стр. 75

يعظم النّعمة وإن قلّت، ولا يذمّ منها شيئا، ما عاب طعاما قطّ؛ إن اشتهاه أكله، وإلاّ تركه. وكان يحفظ جاره، ويكرم ضيفه. وكان أكثر الناس تبسّما، وأحسنهم بشرا. ولا يمضى له وقت فى غير عمل لله، أو فى مالا بدّ منه، وما خيّر بين أمرين، إلا اختار أيسرهما، إلا أن يكون فيه قطيعة رحم، فيكون أبعد الناس منه. يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويركب الفرس والبغل والحمار، ويردف خلفه عبده، أو غيره، ويمسح وجه فرسه بطرف كمّه، أو بطرف ردائه. وكان يحبّ الفأل، ويكره الطّيرة، وإذا جاءه ما يحبّ، قال: «الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ»،﴾ وإذا جاءه ما يكره، قال: «الحد لله على كلّ حال». وإذا رفع الطعام من بين يديه قال: «الحمد لله الذى أطعمنا، وسقانا، وأوانا، وجعلنا مسلمين». وأكثر جلوسه مستقبل القبلة. ويكثر الذّكر، ويطيل الصّلاة، ويقصر الخطبة. ويستغفر فى المجلس الواحد مائة مرّة. وكان يسمع لصدره وهو فى الصّلاة أزيز كأزيز المرجل من البكاء. وكان يقوم حتى ترم (١) قدماه. وكان يصوم الاثنين، والخميس، وثلاثة أيّام من كل شهر، وعاشوراء. وقلّما كان يفطر يوم الجمعة، وأكثر صيامه فى شعبان.
следующие страницы →