Полный текст (1 081 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق
تأليف
شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية
(٦٦١ - ٧٢٨ هـ)
تحقيق
عبد الله بن محمد المزروع
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
стр. 2
مقدمة
الحمد لله الذي جَعَلَ في كُلِّ خَلَفٍ عُدُولَه، ينفونَ عن العلم تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين، وتأويلَ الجاهلين، والصلاة والسلام على محمد خاتم النبيين. أما بعد:
فهذا سفرٌ نفيسٌ من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرى النور لأول مرة، بعد أن حفظ الله قطعة منه من عوادي الزمان، ومن خصوم الشيخ حيث ترصدوا لمؤلفاته في عصره وبعد ذلك (١)؛ فإنه (لَمَّا حُبِسَ تفرَّقت أتباعُهُ، وتفرَّقت كتبُهُ، وخوَّفوا أصحابه من أنْ يُظهروا كتبه = ذهبَ كلُّ أحدٍ بما عنده وأخفاه ولم يُظْهروا كتبه، فبقي هذا يَهرب بما عنده، وهذا يبيعه أو يَهَبُهُ، وهذا يُخْفيه ويودعُهُ، حتى إنَّ منهم مَنْ تُسْرق كتبه أو تُجْحَد، فلا يستطيع أنْ يَطلبها! ولا يَقدر على تحصيلها! فبدون هذا تتمزق الكتب والتصانيف كلَّ تمزق) (٢)، وقد ذكر المَقريزي (٨٤٥) (٣) أنَّ (أكثر مصنفاته مسوَّدات لم تُبَيَّض، وأكثر ما يوجد منها الآن بأيدي الناس قليل من كثير، فإنَّهُ أُحرق منها شيءٌ كثير، ولا قوة إلا بالله).
ومع كلِّ هذه الأسباب التي تؤدي إلى ضياع كتب الشيخ إلا أنَّ الله حفظ
_________
(١) انظر: كتب التراث بين الحوادث والانبعاث، للدكتور حكمت بن بشير ياسين (ص ٤٠ - ٩٣).
(٢) العقود الدُّرِّيَّة (ص ١٠٩).
(٣) في المقفَّى الكبير (ص ٥١٣ الجامع).
стр. 3
كثيرًا منها؛ وفي هذا يقول تلميذه ابن رُشَيِّق (٧٤٩) (١): (ولولا أنَّ الله ــ تعالى ــ لَطَفَ وأعانَ، وَمَنَّ وأَنْعَمَ، وخرق العادة في حفظ أعيان كُتبه وتصانيفه لَمَا أمكنَ أحدًا أنْ يجمعها.
ولقد رأيتُ من خَرْقِ العادة في حفظ كتبه وجمعها، وإصلاح ما فَسَدَ منها، وَرَدِّ ما ذهبَ منها= ما لو ذكرتُهُ لكان عجبًا؛ يعلم به كلُّ منصفٍ أنَّ لله عنايةً به وبكلامه، لأنه يَذُبُّ عن سنة نبيه ﷺ تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين).
والفضل في وقوفي على الكتاب يعود بعد الله للشيخ الدكتور/ عبد السلام بن إبراهيم الحصين ــ وفقه الله ــ، حيث عثر على الكتاب أثناء بحثه عن كتاب (التحقيق في مسألة التعليق) للسبكي، وبعد أن اطَّلعَ على نسخته ظهر له أنَّ الكتاب ليس للسبكي وإنما لابن تيمية (٢)، ثم يسَّر الله أنْ اجتمعتُ به في مجلسٍ فعرض عليَّ فكرة تحقيق الكتاب وزوَّدني ــ مشكورًا ــ بصورةٍ منه (٣)، وبعد أنْ أخذته واطَّلعتُ عليه وتيقَّنت صحةَ نسبتِهِ إلى
_________
(١) كما نقل ذلك ابن عبد الهادي في العقود (١٠٩ - ١١٠)، وقد رأيت عددًا من الباحثين يَنسب هذا الكلام لابن عبد الهادي، والذي يَظهر أنه تتمة كلام ابن رُشيِّق، والله أعلم.
(٢) والشيخ عبد السلام الحصيِّن ــ زاده الله توفيقًا ــ ممن له عناية بتراث شيخ الإسلام ابن تيمية، فرسالته العالمية (الماجستير) والعالمية العالية (الدكتوراه) تدور حول تراث ابن تيمية، وقد أعدَّ قائمةً بمؤلفات شيخ الإسلام المطبوعة نشرها في موقعه على الشبكة المعلوماتية.
(٣) وإتمامًا للعناية بالكتاب قمتُ بتحميل مخطوطته على الشبكة المعلوماتية بموقع (ملتقى أهل الحديث) لمن أراد الاطلاع عليها، والتأكد من بعض المواضع المشكلة.
стр. 4
ابن تيمية ﵀ عقدتُ العزمَ على العنايةِ به، ثم حاولتُ الحصولَ على نسخٍ أخرى للكتاب تتميمًا للنقص الحاصل في أوله، والخلل الموجود في وسطه، وإعانةً على قراءة ما يُشكلُ منه، فبدأت مرحلة البحث عن الجزء المفقود وعن نسخةٍ أخرى من الكتاب استمرت بضعة أشهر إلا أني لم أصل إلى نتيجةٍ مع بذلي ما في وسعي، ولعل ذلك يتيسَّر لي أو لغيري فيما بعد.
وهذا الكتاب الذي بين يديك ــ أيها القارئ الكريم ــ يعتبر من أطول ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مسألة تعليق الطلاق؛ فآراؤه وحججه التي بَنَى عليها قولَهُ وردوده على أدلة مخالفيه= مبسوطة في هذا الرد، بينما وردت في فتاويه ورسائله الأخرى مختصرة.
وتأتي أهمية هذا الكتاب ــ أيضًا ــ في كونه جوابًا عن اعتراضِ فقيهٍ من كبار فقهاء الشافعية في زمانه، بل قد بلغَ رُتبةَ الاجتهاد (١)، وهذا الاعتراض يُعتبر من أقوى ما كُتِبَ في الردِّ على فتوى ابن تيمية في هذه المسألة، حتَّى وَصَفَ ابن تيمية ردَّه هذا مقارنة بردود غيره بقوله (٢): ( ... كما ادَّعى هذا المعترض ــ أي: السبكي ــ الذي بَرَّزَ على أقرانه، وظهر فضلُهُ عليهم في فِعْلِهِ ما يَعجزون عن فِعْلِهِ)، وقال في موضعٍ آخر (٣): (وما سلكه من (التحقيق في التعليق) ــ كما سمَّى بذلك مصنفه ــ ودقق فيه من المعاني، وذكر فيه من الآثار، وأتى فيه من النقل والبحث بما برَّز به على غيره) (٤).
_________
(١) وصفه بذلك غير واحدٍ من أصحابه ومحبيه، كما سيأتي في (ص ١٥).
(٢) (ص ٧٨٩).
(٣) (ص ٩٣٣).
(٤) وقال الصفدي في الوافي بالوفيات (٢١/ ٢٥٥) في تَعداده تصانيف السبكي: (والتحقيق في مسألة التعليق، ردًّا على العلامة تقي الدين ابن تيمية في الطلاق، وكان الناس قد عملوا عليه ردودًا ووقف عليها، فما أثنى على شيءٍ منها غير هذا، وقال: هذا ردُّ فقيهٍ). وقال ولي الدين العراقي في الأجوبة المرضِيَّة عن الأسئلة المكِّيَّة (ص ٩٩) عن ردِّ السبكي: (وقد ردَّ عليه فيهما ــ مسألة الزيارة والطلاق ــ معًا الشيخ الإمام تقي الدين السبكي، وأفرد ﵀ ذلك بالتصنيف، فأجاد وأحسن).
стр. 5
ولهذا لم أجد مَنْ أشار إلى أنَّ ابن تيمية قد ردَّ على ابن الزَّمْلَكَاني ــ مثلًا ــ مع أنَّ الأخير قد ردَّ على ابن تيمية ردًّا مطوّلًا في مجلد كبير (١) إلا أنَّ ابن تيمية لم يَرُدَّ عليه ولا على غيره، رُبَّما اكتفاءً بما ردَّ به على السبكي، أو أَنَّ اعتراض ابن الزَّمْلَكَاني لم يكن بقوةِ اعتراض السبكي ــ من وجهة نظر شيخ الإسلام كما قد يُشير إليه كلامه الذي نقلته قبل قليل ــ، أو أنَّه لم يطَّلع على رد ابن الزَّمْلَكَاني، أو لغير ذلك من الأسباب؛ إلا أنَّ القارئ لهذا الكتاب سيكون على يقين بأنه يُعتبر نقضًا لكلِّ أو أغلب حجج مَنْ اعترض عليه، وبيانًا لقوة ما اختاره ﵀.
ومن جهةٍ أخرى؛ فإنَّ هذا الرد يحتوي على مناقشة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لمسألة هي من مضايق الخلاف، والتي تتقاصر همم كثيرٍ من العلماء عن الولوج في خضمها استدلالاً وترجيحًا، مما دفعَ بعضهم إلى الاكتفاء بحكاية الإجماع دون التحقيق في مدى صحة هذه الدعوى، أو الركون إلى التقليد، تاركين خوض غمار البحث في الأدلة التي من خلالها يتبيَّن القول الراجح من المرجوح (٢).
_________
(١) كذا وصفه ابن كثير في البداية والنهاية (١٨/ ٢٨٦).
(٢) قال أبو الوليد الأزدي في المفيد للحكام (٤/ ٩٩): (ولا يَنبغي أَنْ تُتَلقَّى المسألة هكذا تلقيًا تقليديًا مِن غير أَنْ يَسِمَهَا قويُّ الفَهم، ويوضحها لسان البرهان ... ولا يَنبغي لحاكم ولا لغيره أَنْ يَمُدَّ القلم في فتوى حتى يتأمل مثل هذه المعاني، فإنَّ الحكم إنْ لم يَقَع مستوضحًا على نور فكري مشعر بالمعنى المربوط اضمحل؛ والتوفيق بيد الله).
стр. 6
ومما يُبيِّنُ أهميةَ هذا الكتاب: أنه مع ما تقدَّم من مخالفة رأي ابن تيمية لجمهور العلماء أو للإجماع المحكي وإعراض كثيرٍ من العلماء عن بحث هذه المسألة= إلا أنَّ كثيرًا من كبار الفقهاء الذين كتبوا قوانين الأحوال الشخصية المبنية على الشريعة الإسلامية في الدول العربية قد أخذوا برأي ابن تيمية في الطلاق المعلَّق (١)،
وأفتى به كثيرٌ من المتصدِّين للإفتاء في هذا
_________
(١) قال الشيخ علي الطنطاوي في فتاواه (ص ١٩٢): (ولكن الذي تَمشي عليه المحاكم الشرعية في مصر وسوريا، وأكثر البلاد التي انفصلت عن الدولة العثمانية: أنَّ ذلك منوطٌ بنيته). قال الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه الفتاوى الشاذة (ص ٩٨ - ١٠٠): «آراء شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذ مدرسته في قضايا الطلاق وشئون الأسرة، التي قُوبلت في زمنه وبعد زمنه بالرفض، والاتهام بالشذوذ، وتشديد الإنكار عليه، واتهامه بمخالفة الإجماع، واتباعه غير سبيل المؤمنين، إلى آخر ما عرفناه من قائمة الاتهامات السوداء، حتى حاكمه علماء زمنه من أجلها، وتسببوا في دخوله السجن ... والآن في عصرنا؛ أصبحت هذه الآراء في فقه الأسرة، وفي أمر الطلاق هي طوق النجاة من انهيار الأسرة وتشتيتها، بسبب تَبَنِّي الأحكام التقليدية المشهورة في شأن الأسرة ... ولقد تبنَّى آراء ابن تيمية كثيرٌ من العلماء في عصرنا، منهم الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر في زمانه، في مشروعه الذي قدَّمه لإصلاح قانون الأحوال الشخصية في مصر، ومنهم العلامة الفقيه الكبير مصطفى الزرقا ومعه عدد من كبار الفقهاء في مصر وسوريا، في قانونهم لأحوال الأسرة الذي أعدُّوه أيام وحدة مصر وسورية ... وكذلك اعتمدت قوانين الأسرة أو الأحوال الشخصية في عدد من البلاد العربية آراء ابن تيمية ومدرسته سبيلًا للإصلاح والتجديد» ..
стр. 7
الزمان (١)؛
وما ذاك إلا لحاجة الناس إلى ما نَصَرَه ابن تيمية (٢)؛ ومع هذا لم يكتب في هذه المسألة ما تستحقُّه من البحوث العميقة المستقصية؛ مما يدعو إلى إبراز أدلة هذا القول الذي نَصَرَه ابن تيمية، والنظر في قوته وضعفه، والجواب عن أدلة المخالفين له (٣).
_________
(١) فمنهم: الشيخ حسنين محمد مخلوف ﵀ (مفتي الديار المصرية) حيث أشار في فتاويه إلى أنه بعد صدور القانون رقم (٢٥) لعام ١٩٢٩ م والذي نصَّ في المادة الثانية منه على أنَّ (الطلاق غير المنجَّز لا يقع إذا قَصَدَ به الحَمْلَ على فعلِ الشيء أو تركه لا غير)؛ فالفتوى على ما جرى عليه العمل في القضاء الشرعي مع مخالفته للمذهب الحنفي. ومنهم: الشيخ أحمد شاكر ﵀ (القاضي بالمحاكم الشرعية ثم عضو المحكمة العليا) في كتابه نظام الطلاق (ص ٧٦) إلى تَبَنِّي رأي ابن حزم في المسألة. ومنهم: الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀ (مفتي المملكة العربية السعودية) فقد كان يأخذ بقول ابن تيمية في القضاء والإفتاء.
وأتمنى أن يقوم أحد طُلَّاب العلم الجادِّين بجمع أسماء المفتين بهذا القول قبل وبعد ابن تيمية على غرار ما قام به الشيخ الدكتور سليمان بن عبد الله العمير في كتابه (تسمية المفتين بأنَّ الطلاق الثلاث بلفظ واحدٍ طلقة واحدة).
(٢) وقد بَرَّ الله قَسَمَ ابن مُرِّي حيث قال في رسالةٍ أرسلها لبعض تلاميذ شيخ الإسلام يستحثهم على العناية بكتب ابن تيمية وانتساخها (ص ١٠٢ من الجامع): (ووالله ــ إنْ شاء الله ــ ليقيمنَّ الله سبحانه لِنَصْرِ هذا الكلام ونَشْرِهِ وتدوينِهِ وتفهمهِ واستخراج مقاصدِهِ واستحسان عجائبه وغرائبِهِ رجالًا هم إلى الآن في أصلاب آبائهم. وهذه هي سنة الحياة الجارية في عباده وبلاده، والذي وقَعَ من هذه الأمور في الكون لا يُحصِي عددَهُ غير الله تعالى).
(٣) ومما يدعو إلى إبراز قول ابن تيمية في المسألة وأدلته أنَّ قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية صدر بالأغلبية بوقوع الطلاق المعلَّق، ومع ذلك ففتوى مَنْ تقلَّد منصب الإفتاء على خلاف هذا القرار، ومثله ما فعله مفتي الديار المصرية السابق كما مرَّ قريبًا.
стр. 8
ولعلك تقف معي متأملًا هذا النص الذي يُظهر شيئًا من إشكالية المسألة، حيث يُرجِّح الباحث قول الجمهور ثم ما يَلبث حتى يقول بقول ابن تيمية! فقد ذكر الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه الفقه الإسلامي وأدلته (٧/ ٤٥١) الخلافَ في المسألةِ وأدلةَ كُلِّ قولٍ، ثم قال: (وفي تقديري أَنَّ القول الأول هو الأصح دليلاً (١)، لكن يلاحظ أَنَّ الشُّبَّان غالبًا يستخدمون اليمين بالطلاق للتهديد لا بقصد الإيقاع، وهذا يجعلنا نميل إلى القول الثالث (٢)، لا سيما وقد أخذ به القانون في مصر رقم (٢٥ لسنة ١٩٢٩)، وفي سورية؛ فنصت المادة الثانية من القانون الأول والمادة (٩٠) من القانون الثاني (٣) على الأخذ برأي ابن تيمية وابن القيم: لا يقع الطلاق غير المنجَّز إذا لم يقصد به إلا الحث على فعل شيء، أو المنع منه، أو استعمل استعمال القَسَم لتأكيد الإخبار لا غير).
كما تأتي أهمية هذا الكتاب من أنَّ مؤلِّفه إمام من كبار أئمة المسلمين، وتمكُّنه العلمي يَشهد به الموافق والمخالف (٤)، وتراثه ﵀ من أنفس ما
_________
(١) وهو قول الجمهور، والذي نَصَرَهُ السبكي.
(٢) وهو القول الذي اختاره ابن تيمية.
(٣) القانون الأول المراد به: القانون المصري. والقانون الثاني المراد به: القانون السوري.
(٤) قال الذهبي في ذيل تاريخ الإسلام (ص ٢٦٩ الجامع): (فأصحابه وأعداؤه خاضعون لعلمه، مقرُّون بسرعة فهمه، وأنه بحرٌ لا ساحل له، وكنزٌ لا نظير له). وقال في تذكرة الحفَّاظ (ص ٢٧٤ من الجامع): (كان من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين، والزُّهَّاد الأَفراد، والشجعان الكبار، والكرماء الأجواد. أثنى عليه المُوافقُ والمخالف). وقال ابن حجر في سؤال وجوابه ملحق بآخر الرد الوافر (ص ٣٠٩): (وقد أثنى عليه، وعلى علمه، ودينه، وزُهْدِهِ جميع الطوائف من أهل عصره، حتى ممن كان يُخالفه في الاعتقاد). وغيرها كثير.
стр. 9
سَطَّرَهُ علماء الإسلام لما فيه من التحقيق والتدقيق والتحرير للمسائل العلمية، والكلام في هذه المسألة لا يَصْلُحُ إلا له ولأمثاله من الكبار الأفذاذ.
وقد قدمت بين يدي تحقيق الكتاب عدة فصول ومباحث؛ هي كالتالي:
الفصل الأول: ذكر بعض المسائل الممهدة.
الفصل الثاني: أهم الكتب المصنفة في مسألة تعليق الطلاق، وقد قسمت هذه الكتب إلى ثلاث مجموعات في ثلاثة مباحث هي كالتالي:
المبحث الأول: مؤلفات ورسائل وفتاوى ابن تيمية.
المبحث الثاني: المؤلفات في الرد على ابن تيمية.
المبحث الثالث: مؤلفات ورسائل غير ابن تيمية، أو الرَّادِّين عليه.
الفصل الثالث: دراسة الكتاب، ويشتمل على مباحث:
المبحث الأول: تحقيق اسم الكتاب.
المبحث الثاني: توثيق نسبته لابن تيمية.
المبحث الثالث: سبب تأليفه، وعلاقته بالسبكي.
المبحث الرابع: تأريخ تأليفه.
المبحث الخامس: منهج ابن تيمية في هذا الكتاب.
المبحث السادس: وصف النسخة الخطية.
المبحث السابع: منهجي في العناية بالكتاب، ونماذج النسخ.
стр. 10
الفصل الأول
ذكر بعض المسائل الممهدة
رأيتُ أنَّ تسويد صفحات في ترجمة ابن تيمية والسبكي لا يضيف للقارئ شيئًا، فشهرتهما تغني عن ذكر طرفٍ من حياتهما لا يُقدِّم جديدًا؛ فاكتفيتُ بإلقاء الضوء على بعض القضايا التي أرى أهميتها كمدخل لقراءة هذا الكتاب (١)؛ فأقول مستعينًا بالله:
المسألة التي وقع فيها الخلاف:
قسَّم الفقهاء الطلاق باعتبار حال الصيغة إلى أقسام متفاوتة من حيث العدد، وذلك بسبب إدخال بعض الأقسام في بعض أو التفصيل فيها؛ وهي في الجملة كالتالي:
القسم الأول: الطلاق المنجَّز: وهي الصيغة المطلقة، كقول الرجل لامرأته: أنتِ طالقٌ. ويُدْخِلُ فيها بعض العلماء ما إذا عَلَّقَ الرجلُ الطلاقَ على أمرٍ محقق الوجود، كقول الرجل لزوجته: أنتِ طالقٌ إنْ كانت السماء فوقنا.
القسم الثاني: الطلاق المضاف: وهي الصيغة المضافة إلى زمنٍ ماضٍ أو مستقبل، كقول الرجل لامرأته: أنت طالقٌ غدًا. أو قوله: أنتِ طالقٌ أمس.
_________
(١) وأشيد بما كتبه الشيخ ياسر بن ماطر المطرفي في كتابه (حركة التصحيح الفقهي) عن تجربة ابن تيمية في مسار التصحيح الفقهي، وقد اقتصرت على بعض ما كنتُ أنوي كتابته في المقدمة اكتفاء بما ذكره، فقد أتى بما في النفس وأكثر.
стр. 11
القسم الثالث: الطلاق المعلَّق: وهو ما رُتِّبَ وقوعُهُ على حصول أمرٍ في المستقبل بأداةٍ من أدوات الشرط؛ وهذا على نوعين:
النوع الأول: أن يقصد وقوع الجزاء عند وجود الشرط، فهو مريدٌ وقوعه؛ وهذا تحته صورٌ متعددة، ولكلِّ صورةٍ حكمها الخاص.
النوع الثاني: أَنْ يقصد به الحث أو المنع مع كراهة وقوع الجزاء ــ وهو الطلاق هنا ــ، فهذه الصورة هي محل البحث في اعتراض السبكي وجواب ابن تيمية، ورُبَّما انجرَّ البحث إلى القسم الرابع.
القسم الرابع: الطلاق المحلوف به: وهو ما أتى بصيغة القسم دون وجود تعليق لفظي، كقول الرجل لامرأته: الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا. وبعضهم يجعل هذا القسم داخلًا في القسم السابق باعتبار أنه تعليق معنوي.
المنزلة العلمية للمجيب والمعترض:
تَبَوَّأَ كل من ابن تيمية والسبكي درجةً عَلِيَّةً في العلم، حتى قال فيهما الصفدي في أعيان العصر (١): (وعلى الجملة؛ فكان الشيخ تقي الدين أحدَ الثلاثة الذين عاصرتهم ولم يكن في الزمان مثلهم، بل ولا قبلهم من مائة سنة؛ وهم: الشيخ تقي الدين ابن تيمية، والشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، وشيخنا العلامة تقي الدين السبكي)، كما أنَّ المزِّي ﵀ لم يكتب بخطِّهِ
_________
(١) الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص ٣٦٦).
ولبيان موقف الصفدي نفسه من ابن تيمية والسبكي يراجع ما كتبه الباحث الفاضل أبو الفضل القونوي في كتابه «موقف خليل بن أيبك الصفدي من شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية».
стр. 12
(شيخَ الإسلام) إلا لثلاثة هم: ابن تيمية والسبكي وشمس الدين ابن أبي عمر (١).
ولم يَقتصر الحال على أنْ يكونا من أفذاذ العلماء فحسب، بل قد وُصِفَ كلُّ واحدٍ منهما بأنه قد استحقَّ رتبة الاجتهاد (٢)، إلا أنَّ ابن تيمية كان أعلى كعبًا وأدقَّ نظرًا في العلم بشهادة معاصريهما وغيرهم (٣)،
كما أنه أكثر استعمالًا
_________
(١) ذكر ذلك التاج السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (١٠/ ١٩٥).
وقد قال شيخ الإسلام البُلقيني الشافعي في تقريظه للردِّ الوافر (ص ٢٧٦): (ولقد افتخر قاضي القضاة تاج الدين السبكي ــ رحمه الله تعالى ــ في ترجمة أبيه تقي الدين السبكي في ثناء الأئمة عليه، بأنَّ الحافظ المزي لم يكتب بخطِّه لفظ (شيخ الإسلام) إلا لأبيه، وللشيخ تقي الدين ابن تيمية، وللشيخ شمس الدين ابن أبي عمر. فلولا أنَّ ابن تيمية في غاية العلو في العلم والعمل ما قَرَنَ ابن السبكي أباه معه في هذه المنقبة التي نقلها!).
(٢) فابن تيمية قد ذكر غير واحدٍ ــ كما في الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص ٧٥٨) ــ بأنَّه قد اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها، وبالنسبة لتقي الدين السبكي فقد أشار إلى ذلك ابنه في ترجمته من طبقات الشافعية الكبرى (١٠/ ١٤٠)، وفي (١٠/ ٢٢٦) ذكر جملةً من المسائل التي اختارها، ووصفه الصفدي في الوافي بالوفيات (٢١/ ٢٥٣) بأنه أوحد المجتهدين، وذكر ابن النقيب ــ كما نقله السيوطي في تقرير الاستناد في تفسير الاجتهاد (ص ٥٥) ــ أنه جلس بمكة بين طائفة من العلماء فشرعوا يقولون: لو قَدَّرَ الله تعالى بعد الأئمة الأربعة في هذا الزمان مجتهدًا عارفًا منهاجهم أجمعين يُرَكِّبُ لنفسه مذهبًا من الأربعة بعد اعتبار هذه المذاهب المختلفة كلها، لازدان الزمان به، وانقاد الناس؛ فاتفق رأينا على أنَّ هذه الرتبة لا تعدوا الشيخ تقي الدين السبكي ولا ينتهي لها سواه.
(٣) فقد قال المزي كما في مختصر طبقات علماء الحديث (ص ٢٥١ من الجامع): (ما رأيتُ مثله، ولا رأى هو مثلَ نفسه). ونقل ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة (ص ٤٦٨ من الجامع) عن الذهبي قولَهُ: (فلا يَبلغ أحدٌ في العصر رتبته ولا يُقاربه). وقال الذهبي في ذيل تاريخ الإسلام (ص ٢٦٩): (وإلا فلو لاطف الخصوم، ورفق بهم، ولزم المجاملة وحسن المكالمة؛ لكان كلمة إجماع). وقال ابن سيِّد الناس اليَعْمَري (ص ١٨٨ من الجامع): (بَرَّزَ في كلِّ فنٍّ على أبناء جنسه، ولم تَرَ عينُ مَنْ رآه مثله، ولا رأت عينُهُ مثلَ نفسِهِ) .. وقال الشيخ السيد أحمد بن الصديق الغماري ــ كما في در الغمام الرقيق (ص ٢٢٧) ــ: (إنَّ بين السبكي وابن تيمية بونًا كبيرًا في العلم وقوة الاستدلال، وأنَّ الثاني ــ وهو ابن تيمية ــ أعلم بمراحل). والثناء على الشيخ وعلى تقدُّمه في العلم على معاصريه كثير جدًا تجد طرفًا منه في الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص ٧٦٦ - ٧٧٠)، ويكفي في هذا الباب كتاب (الرد الوافر) لابن ناصر الدين، وكتاب (الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية) لمرعي الكرمي.
стр. 13
لأدوات الاجتهاد التي توفرت لديه عند نظره في المسائل الشرعية؛ ولهذا تجد ابن تيمية أكثر خروجًا عن مذهبه الحنبلي الذي دَرَسَ في مدارسه وتلمذ لشيوخه، بل رُبَّما قال بأقوالٍ خارجةٍ عن المذاهب الأربعة (١)، بخلاف السبكي فغاية ما ذكره ابنه أنه انتحل أقوالًا يعترف بأنها خارج المذهب الشافعي وإن
_________
(١) وما أجمل ما ذكره برهان الدين ابن القيم في أول اختيارات ابن تيمية (ص ١٢١): (لا نَعرف له مسألةً خَرَقَ فيها الإجماع، ومن ادَّعى ذلك فهو إما جاهلٌ، وإما كاذبٌ؛ ولكن ما نُسِبَ إليه الانفراد به يَنقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: ما يُستغرب جدًّا؛ فَيُنسَبُ إليه أنه خالف الإجماع، لِنُدُورِ القائل به، وخفائه على كثيرٍ من الناس، ولحكاية بعض الناس الإجماع على خلافه.
الثاني: ما هو خارجٌ عن مذاهب الأئمة الأربعة؛ لكن قد قاله بعض الصحابة أو السلف أو التابعين، والخلاف فيه محكيٌّ.
الثالث: ما هو خارجٌ عن مذهب الإمام أحمد ﵁ الذي اشتَهَرَ هو ــ أعني شيخ الإسلام ــ بالنسبة إليه، لكن قد قال به غيره من الأئمة وأتباعهم.
الرابع: ما أفتى به واختاره مما هو خلاف المشهور في مذهب أحمد، وإنْ كان محكيًّا عنه وعن بعض أصحابه).
стр. 14
كانت ربما وافقت قولًا ضعيفًا في المذهب أو وجهًا شاذًّا فيه (١).
علاقة ابن تيمية بالسبكي:
تربط ابن تيمية بتقي الدين السبكي علاقة مبنيَّةٌ على التعظيم والتقدير المتبادل؛ فقد كان ابن تيمية لا يُعَظِّمُ أحدًا من أهل عصره كتعظيمه للسبكي (٢)، وفي المقابل فقد أثنى السبكي على ابن تيمية في الرسالة التي أرسلها جوابًا لرسالة الذهبي (٣) حيث ذكر تَبَحُّرَ ابن تيمية في العلم وفرط ذكائه، وأنَّ قَدْرَهُ في نفسه أكبر من ذلك وأَجَلُّ (٤).
لكن هذا التعظيم والتقدير يشوبه بعض الشوائب بسبب الاختلاف العقدي والفقهي بينهما (٥)، حتى يصل إلى كلامٍ شديد للسبكي في حقِّ ابن تيمية، واتهامات لا تَليق بمقام السبكي ــ رحم الله الجميع ــ من مثل قوله في فتاواه (٢/ ١٦٣): (وهذا الرجل ــ أي: ابن تيمية ــ كنتُ رددتُ عليه في حياته، في إنكاره السفر لزيارة المصطفى ﷺ ، وفي إنكاره وقوع الطلاق إذا حَلَفَ بِهِ،
_________
(١) طبقات الشافعية الكبرى (١٠/ ٢٢٦ وما بعدها).
وانظر ما قاله العراقي في الغيث الهامع (ص ٧٢٠) في سبب بقاء السبكي شافعيًا مع أنه حاز علوم الاجتهاد واستكمل آلاته!
(٢) نقل ذلك التاج السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (١٠/ ١٩٤).
(٣) حيث أرسل الذهبي رسالةً يَعتبُ فيها على السبكي بسبب كلامٍ وَقَعَ منه في حقِّ ابن تيمية.
(٤) نقل ذلك ابن رجب في الذيل على طبقات الحنابلة (ص ٤٧٠ من الجامع)، وابن حجر في الدرر الكامنة (ص ٥٤٨ من الجامع)، وابن العماد في شذرات الذهب (ص ٦٣٣ من الجامع) وغيرهم.
(٥) انظر: الدُّرَّة المضية (ص ٦ - ٨).
стр. 15
ثم ظهر لي من حاله ما يَقتضي أنه ليس ممن يُعتمد عليه في نقلٍ يَنفرد به؛ لمسارعته إلى النقل بفهمه، كما في هذه المسألة ــ وهي مسألة قول الواقف: وقفتُ على أولادي، ثم أولاد أولادي ــ، ولا في بحثٍ يُنشئه؛ لِخَلْطِهِ المقصود بغيره، وخروجه عن الحدِّ جدًّا، وهو كان مكثرًا من الحفظ، ولم يتهذَّب بشيخ، ولم يَرْتَض من العلوم؛ بل يأخذها بذهنه، مع جسارته، واتساع خياله، وشَغَبٍ كثيرٍ!
ثم بلغني من حاله ما يَقتضي الإعراضَ عن النظر في كلامِهِ جملةً، وكان الناس في حياته ابتلوا بالكلام معه للردِّ عليه، وحُبِسَ بإجماعِ المسلمين وولاة الأمور على ذلك! ثم مات) (١).
وفي المقابل؛ فقد تكلم ابن تيمية في السبكي بكلام شديد من نحو تجهيله واتهامه بتحريف الكلم عن مواضعه ... ونحو ذلك؛ كما سيأتي في كتابنا هذا.
ولست في مقام المحاكمة بين ابن تيمية والسبكي، فقد (مضى ــ ابن تيمية ــ لسبيله راجيًا من الله أجرًا أو أجرين، وهو ومنازعوه يوم القيامة عند ربهم يختصمون) (٢).
موقف السبكي من مسألة تعليق الطلاق:
كانت الفتوى السائدة المنتشرة هي القول بوقوع الطلاق المعلَّق مطلقًا، سواء قصد منه القائل حثًّا أو منعًا أو لم يقصد، وسواء أكان كارهًا وقوعه
_________
(١) انظر تعليق ابن عبد الهادي على هذا الكلام مما نقله صاحب كتاب الفواكه العديدة (١/ ٤٨٦ - ٤٩٠)، وجلاء العينين للآلوسي، وكتاب (ابن تيمية رَدُّ مفتريات ومناقشة شبهات) للدكتور خالد العبد القادر، وما ذكره المؤرخون والعلماء يردُّ هذا الكلام الذي ذكره السبكي ــ عفا الله عنه ــ.
(٢) إعلام الموقعين (٣/ ٣٦٣).
стр. 16
وغير مريدٍ له أم لا، حتى أفتى ابن تيمية ﵀ في مسألة تعليق الطلاق عِدَّةَ فتاوى انتشرت في الآفاق واطلع عليها أهل العلم في زمانه، فرَّق فيها بين من يقصد الحث أو المنع وهو كارهٌ وقوعَ الطلاق وبين من يَقصد وقوع الطلاق عند الشرط، وكانت هذه الفتاوى سببًا في امتحانه ومنعه من الإفتاء في هذه المسألة، وانتهت هذه المحنة بسجنه بضعة أشهر (١).
وقد تصدَّى للردِّ عليه اثنان من كبار الفقهاء في زمانه هما: ابنُ الزَّملكاني وتقي الدين السبكي، وكان للسبكي اليد الطولى في محاربة هذا القول والقائلين به، ابتداءً بابن تيمية إلى تلاميذه المتأثرين برأيه في هذه المسألة خصوصًا (٢).
وكان دافع السبكي ﵀ في هذا الحماس (خوفًا على محفوظ الأنساب، ومحظوظ الأحسابِ؛ لِمَا كانت تؤدي إليه هذه العظيمة، وتَستولي عليه هذه المصيبة العميمة) (٣)، وهذا الظنُّ بمثله في كبير علمه وديانته (٤).
وقد كتب في الرد على ابن تيمية في هذه المسألة ستة ردود (٥)، هي كالتالي:
_________
(١) انظر: العقود الدرية (ص ٣٩٣ فما بعدها).
(٢) قال النعمان الآلوسي في جلاء العينين (ص ٣١): (إن أكثر المنتقدين من المعاصرين وأشدهم في الوقوع فيه: الإمام السبكي).
(٣) كما ذكر ذلك ابن فضل الله العمري في مسالك الأبصار (٥/ ٧٤٤).
(٤) انظر: المعجم المختص (ص ١٦٦)، أعيان العصر (٣/ ٤١٧)، مرآة الجنان (٤/ ٢٢٥)، البداية والنهاية (١٨/ ٤١٠)، بغية الوعاة (٢/ ١٧٦).
(٥) وربما تعقَّبه بأكثر من ذلك، لكن هذا ما وقفتُ عليه.
стр. 17
الردُّ الأول: وهو ردٌّ مختصر أسماه (رافع الشقاق في مسألة الطلاق).
الردُّ الثاني: وهو ردٌّ موسَّعٌ أسماه (التحقيق في مسألة التعليق)، وقد ذكر هذا الردّ والذي قبله التاج السبكي في كتابه طبقات الشافعية الكبرى (١٠/ ٣٠٨).
ويظهر أنَّ (رافع الشقاق) ألَّفه التقي أولًا، ثم بسط الاعتراض على ابن تيمية في كتابه (التحقيق)؛ كما أشار إلى ذلك ابن تيمية في ردِّه هذا بقوله (ص ٥٩٣): (ولكن ــ والله أعلم ــ كان قد اعترض أولًا اعتراضًا مختصرًا ذكر فيه هذا الكلام، ثم بسط الاعتراض بما تقدم ذكره له أولًا؛ فلهذا تكرر هذا منه)، وقال في (ص ٧٠٩): (ولما لم يكن الكلام فيه ــ أي: في الفتوى المعترض عليها ــ مستوفًى ظَنَّ هذا المعترض وأمثاله أَنَّ هذا هو غاية ما في المسألة من النقل والبحث، فَطَمِعَ مثل هؤلاء في رَدِّ ذلك، وإِنْ كانوا مع قلته لم يردوه بحق، فلمَّا انتشر الكلام فيها وظهر لهم بعد هذا من النقل والدليل ما لم يكن في هذا الجواب = تكعكع مَنْ كان يتحدى بما عنده من العلم والبيان، وكتموا ما كانوا كتبوه في حكم هذه الأيمان، وبلغني أَنَّ المعترض لَمَّا رأى بعض ما ذُكِرَ ــ غَيْرَ الجواب المختصر ــ بَسَطَ هذا الاعتراض هذا البسط؛ ولهذا وقع فيه ما وقع من التكرار، وأنه لما رأى ما هو أبلغ من ذلك استعفى عن معاودة الاعتراض).
الردُّ الثالث: وهو كتابةٌ مختصرةٌ جدًّا، ليست كحال الردود، انتخبها السبكي من كتابه (التحقيق)، وجعلها في مقاصد خمسة (١).
_________
(١) نشرت مصورتها ضمن مخطوطات الأزهر على الشبكة المعلوماتية.
стр. 18
وهذه الردود الثلاثة السابقة على فتوى واحدة لابن تيمية (١).
الردُّ الرابع: (الدُّرَّةُ المضيَّة في الرد على ابن تيمية).
الردُّ الخامس: مؤاخذات تقي الدين السبكي على رسالة ابن تيمية (الاجتماع والافتراق في مسائل الأيمان والطلاق)، انتهى من تأليفها بكرة نهار الأربعاء عشري شهر رمضان سنة ثماني عشرة وسبعمائة.
الردُّ السادس: النظر المحقق في الحلف بالطلاق المعلَّق (٢)، وهذه الرسالة ليست ردًّا على فتوى معيَّنة، كتبها ليلة الأربعاء التاسع والعشرين من محرم سنة خمسٍ وعشرين وسبعمائة.
وهذه الردود تُبيِّن حجم المسألة التي وقعَ فيها النزاع، ومدى الجهد الذي بَذَلَه السبكي في تتبع فتاوى ابن تيمية والردِّ عليها؛ فقد (جَرَّدَ سيفه، وأَرْهَفَ ذُبَابَيهِ، وردَّ القِرْنَ وهو ألدُّ خَصيم، وشدَّ عليه وهو يَشُدُّ على غيرِ هَزيم، وقابَلَهُ وهو الشمس التي تُعْشِي الأبصار، وقاتلَهُ ــ وكم جَهِدَ ــ ما يَثْبُتُ البطلُ لعليٍّ وفي يَدِهِ ذو الفَقار) (٣).
وكان السبكي يحتفي بردِّه على ابن تيمية في مسألة تعليق الطلاق، فقد أَنشدَ لنفسهِ أبياتًا ذكر فيها ردَّ ابن تيمية على ابنِ المطهِّر الرافضي وما عابه
_________
(١) هي المنشورة في مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٨٧).
(٢) سيأتي وصف هذه الكتب، والإشارة إلى ما طبع منها وما لم يطبع.
(٣) كذا وصف ابن فضل الله العمري ردود السبكي على ابن تيمية في مسألة الطلاق والمنع من شدِّ الرحل (٥/ ٧٤٥).
стр. 19
عليه، ثم قال عن ابن تيمية (١):
لو كانَ حيًّا يَرَى قولي ويفهمُهُ ... رددتُ ما قال أَقْفُو إِثْرَ سَبْسَبِهِ
كما رددتُ عليه في الطلاقِ وفي ... تَرْكِ الزيارةِ ردًّا غيرَ مشتبِهِ
وبعدَه لا أرى للردِّ فائدةً ... هذا وجوهرُهُ مما أَضِنُّ بِه
وأهمُّ ردوده وأقواها وأطولها هو ردُّه المسمى بِـ (التحقيق)، فقد صار عمدةً يُحيل عليه في بعض كتبه الأخرى، كما فعل في مؤاخذاته على رسالة (الاجتماع والافتراق) لابن تيمية (٢)، وانتخب منه وريقات كما تقدم في الرد الثالث.
وقال التاج السبكي عن ردِّ والده المسمَّى (التحقيق) (٣): (وقد أطال الشيخ الإمام الوالد الكلام على هذا، وحَرَّرَ مخالفته للإجماع في كتابه الرد على ابن تيمية في مسألة الطلاق كتاب (التحقيق) الذي هو مِنْ أَجَلِّ تصانيفِ الشيخِ الإمامِ)، كما أثنى على ردِّه هذا خصوصًا غير واحدٍ ــ كما تقدم ــ منهم منازعه ابن تيمية (٤).
وقد دوَّن السبكي في ردِّه هذا بعض العبارات التي لا تخلو من اتهام
_________
(١) انظر: طبقات الشافعية الكبرى (١٠/ ١٧٦ - ١٧٧). وقد تعقَّب قصيدة السبكي هذه كلٌّ من: يوسف بن محمد السُّرَّمُرِّي الحنبلي، ومحمد بن جمال الدين الشافعي؛ وستأتي الإشارة إليهما في (ص ٥٦ - ٥٧).
(٢) فتاوى السبكي (٢/ ٢٧٢). وقد أشار له في الدُّرَّة المضية (ص ١٥، ٤١) دون تصريح باسم كتابه.
(٣) طبقات الشافعية الكبرى (٢/ ٦٥).
(٤) انظر (ص ٧ - ٨) من هذه المقدمة.
стр. 20
ودخولٍ في النيات من مثل ما قاله بعد نَقْلِهِ فتاوى لابن عبد السلام تُخالف ما نَسَبَهُ إليه ابن تيمية: ( ... فمن كان هذا كلامَهُ؛ كيف ينقلُ عنه أنه كان يُفتي بعدم وقوع الطلاق؟! ولا يَحلُّ لمسلمٍ ــ فضلًا عن فقيهٍ [ ... يُنَصِّبُ] (١) نفسه منصب الإمامة أَنْ يَعتمد في دين الله ــ تعالى ــ على مثل هذه التُّرهات الباطلة، ولا أنْ يَكتفي في نقلِ الأحكام الشرعية (٢) بكلِّ ما بلغه، فكفى بالمرء إثمًا أن يُحدِّث بكل ما سمع (٣)؛ ولهذا يقال: لا يكونُ إمامًا مَنْ حَدَّثَ بكلِّ ما سمع، وليس ابن تيمية ممن يَخفى عليه مثل هذا، ولكنه لَمَّا رَأَى أمرًا شُغِفَ بِنُصْرَتِهِ والإكثار مما يَستند إليه من حقٍّ وباطلٍ؛ لِيَنْفُقَ ذلك عند الضَّعَفَةِ وَمَنْ لا تمييز له؛ حتى يقع في أنفسهم أنَّ هذه المسألة من مسائل الخلاف ... ) (٤).
وهذا يُشير إلى الحماس الشديد الذي بلغ بالسبكي في إنكار هذا القول على ابن تيمية، وقد بيَّنَه هو في رسالته التي أرسلها إلى النبي ﷺ ــ إنْ صحَّت عنه ــ حيث قال فيها: ( ... ثم عاد إلى الشام ــ أي: ابن تيمية ــ، ثم بلغنا كلامه في الطلاق، وأنَّ مَنْ علَّق الطلاق على قصد اليمين ثم حنث لا يقع عليه طلاق، ورددت عليه في ذلك ... لكن الطلاق والزيارة أنا شديد
_________
(١) هكذا قرأتها.
(٢) كررها الناسخ.
(٣) أخرج أبو داود في سننه (٤٩٩٤) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «كفى بالمرء إثمًا أنْ يُحدِّث بكلِّ ما سمع» وقال: ولم يذكر حفصٌ أبا هريرة. ثم قال: ولم يسنده إلا هذا الشيخ يعني علي بن حفص المدائني. وقد أخرج مسلم في مقدمة صحيحه (برقم ٥) عن حفص بن عاصم مرفوعًا «كفى بالمرء كذبًا أَنْ يُحدِّثَ بكلِّ ما سمع» ثم ساق إسناده من طريق علي بن حفص بذكر أبي هريرة مرفوعًا. وصححه ابن حبان (برقم ٣٠).
(٤) التحقيق في مسألة التعليق (١١ / أ)، وانظر: (٢٦ / أ).
стр. 21
الإنكار لقول ابن تيمية فيهما ظاهرًا وباطنًا) (١).
وقد آل الأمر بالسبكي إلى استصدار مرسومٍ سُلطاني (بأنَّ كُلَّ مَنْ كان مِن أصحاب ابن تيمية لا يُولَّى حكمًا، ولا سائر الوظائف الدينية، وعُزِلَ بسبب ذلك جماعةٌ في الشام كانوا يَنتحلونه من الحُكْم ومن المدارس التي كانت بأيديهم) (٢).
وكان السبكي يتألم ويتأذى من القاضي ابن بُخَيخ الحنبلي ــ أحد تلاميذ ابن تيمية ــ حيث كان يقول برأي شيخِهِ في المسائل التي انفرد بها، ويحكم بها، فلا يُنفِّذ السبكي ــ وهو قاضي القضاة آنذاك ــ ما حَكَمَ به ولا ما رآه! (٣).
ومثله ما حدث بينه وبين ابن القيم، فقد كان ابن القيم (متصديًا للإفتاء بمسألة الطلاق التي اختارها الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وجرت له بسببها فصولٌ يطول بسطها مع قاضي القضاة تقي الدين السبكي وغيره) (٤)، حتى
_________
(١) انظرها وتعليق الآلوسي عليها في غاية الأماني (١/ ٣٣٧).
(٢) من مجموع بخطِّ تقي الدين السبكي (الورقة ٩١). نقله الباحث الفاضل أبو الفضل القونوي في مقدمة تحقيقه كتاب الذهبي بيان زغل العلم (ص ٤٠).
(٣) أعيان العصر للصفدي (٣/ ٦٣٠).
وقد كتب هذا السبكي في مجموعٍ بخطِّ يده (الورقة ٩١) حيث قال: ( ... ومنه ما اشتهر عند الخاصِّ والعامِّ من انتحاله أقوالَ ابن تيمية في كلِّ شيء، ووقوفِهِ عندها، وتمسُّكِهِ بها، وحكمه بها، سواء أكانت مذهبًا أم لا، هذا في الأحكام الفرعية، دَعْ ذكر الاعتقادات التي يَتَّبِعُهُ فيها، وما يقال نسأل الله العافية والسلامة). نقله الباحث الفاضل أبو الفضل القونوي في مقدمة تحقيقه كتاب الذهبي بيان زغل العلم (ص ٦٤).
(٤) ذكر ذلك ابن كثير في البداية والنهاية (١٨/ ٥٢٤).
стр. 22
أصلح بينهما الأمير سيف الدين بن فضل (١).
وقد حصل لابن كثير ﵀ امتحان وإيذاء بسبب إفتائه برأي ابن تيمية في مسألة الطلاق، ولم يتبيَّن لي ممن كان هذا الإيذاء والامتحان، وإنْ كان يغلب على الظنِّ أنَّ السبكي طرفٌ في الموضوع، فهو قاضي القضاة في زمانه، وله حوادث مع غير ابن كثير (٢).
وهذا من جانب السبكي يُعتبر موقفًا متصلِّبًا في مقابل غيره من العلماء ممن لم يوافق ابن تيمية على ما ذهب إليه إلا أنهم اعتذروا لابن تيمية، واعتبروا أنَّ المسألة لا تَحتمل هذه المفاصلة الشديدة؛ وهذا شيءٌ مما سطرته أقلامهم (٣):
قال الذهبي في ذيل تاريخ الإسلام (ص ٢٧٠ من الجامع): (وإنْ أنتَ عذرت الأئمة في معضلاتهم، ولا تَعذر ابن تيمية في مفرداته؛ فقد أقررت على نفسك بالهوى وعدم الإنصاف!
لا يُؤتى من سوء فهم، بل له الذكاء المفرط، ولا مِنْ قِلَّةِ علم، فإنه بحرٌ زخَّار، بصير بالكتاب والسنة، عديم النظير في ذلك، ولا هو بمتلاعب بالدين، فلو كان كذلك، لكان أسرع شيءٍ إلى مداهنةِ خصومه، وموافقتهم، ومنافقتهم.
_________
(١) البداية والنهاية (١٨/ ٥١٧).
(٢) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ٨٦)، ونقله ابن العماد في شذرات الذهب (٦/ ٢٣٠).
(٣) النصوص المنقولة كثيرة، اخترت منها بعض أقوال مَنْ لا يُوافق الشيخ على فتواه هذه، مع الإنصاف والعدل.
стр. 23
ولا هو يَتفرَّد بمسائل بالتشهي، ولا يُفتي بما اتفق، بل مسائله المفردة يَحتجُّ لها بالقرآن أو بالحديث أو بالقياس، ويبرهنها ويُناظر عليها، ويَنقل فيها الخلاف، ويطيل البحث؛ أُسْوَةَ مَنْ تقدَّمَهُ من الأئمة؛ فإنْ كان أخطأ فيها؛ فله أجر المجتهد من العلماء، وإنْ كان قد أصاب فله أجران).
وقال شيخ الإسلام صالح بن عمر البُلقيني الشافعي في تقريظه للرد الوافر (ص ٢٧٦): (نعم؛ قد نُسب الشيخ تقي الدين ابن تيمية لأشياء أَنكرها عليه معاصروه، وانتصب للردِّ عليه الشيخ تقي الدين السبكي في مسألتي الزيارة والطلاق ... وكلُّ أحدٍ يؤخذ من قولهِ ويترك، إلا صاحب هذا القبر ــ يعني: النبي ﷺ ــ، والسعيد من عُدَّت غَلَطَاتُهُ، وانحصرت سَقَطَاتُهُ. ثم إنَّ الظنَّ بالشيخ تقي الدين أنه لم يَصدر منه ذلك تهورًا وعدوانًا ــ حاشا لله ــ، بل لعله لرأي رآه، وأقام عليه برهانًا).
وقال الشيخ زين الدين عبد الرحمن التَفَهْنِي الحنفي في تقريظه للردِّ الوافر (ص ٢٨٢): (وإنما قام عليه بعض العلماء في مسألتي: الزيارة والطلاق، وقضيته وقضية مَنْ قامَ عليه مشهورة، والمسألتان المذكورتان ليستا من أصول الأديان، وإنما هما من فروع الشريعة التي أجمع العلماء على أنَّ المخطئ فيها مجتهد يُثاب، لا يكفر ولا يفسق. والشيخ كان يتكلم في المسألتين بطريق الاجتهاد، وقد ناظره مَنْ أنكر عليه فيهما مناظرة مشهورة، بأدلةٍ يَحتاج مَنْ عارضه فيها إلى التأويل، وهذا ليس بعيب؛ فإنَّ المجتهد تارة يُخطئ وتارة يُصيب، وهو مثاب على اجتهاده وإنْ كان مخطئًا).
стр. 24
وقال الشيخ بدر الدين العيني الحنفي في تقريظه للرد الوافر (ص ٢٨٨): (ولم يكن بحثُهُ فيما صَدَرَ عنه في مسألتي الزيارة والطلاق إلا عن اجتهاد سائغ بالاتفاق، والمجتهد في الحالتين مأجور مثاب، وليس فيه شيء مما يُلام أو يُعاب ... ).
ونقل النعمان الآلوسي في جلاء العينين (ص ٣٠) عن والده ــ صاحب تفسير روح المعاني ــ أنه ذكر في رحلته المُعَنْوَنَةِ بِـ (نزهة الألباب) لمن ذَكَرَ له بأنَّ ابن تيمية له مخالفات للأئمة الأربعة في بعض المسائل الفقهية. قال: (شبهته في تلك المخالفة بحسب الظاهر قويَّة، وله في بعض ذلك سلف، كما يَعرفه مَنْ تتبَّعَ المذاهب ووقف. ثم ذكر بأنَّ شيخًا لوالده رأى ترجمةً لابن تيمية، فقال: قد ذَمَّهُ السُّبكي. فقال: كم من جليلٍ غَدَا مِنْ ذمِّ عصريه يَبكي؛ فآهٍ من أكثر المعاصرين، فهم بأيدي ظلمهم لحباب القلب عاصرين).
موقف ابن تيمية من مسألة تعليق الطلاق:
عاش ابن تيمية ونَشَأَ في بيتٍ حنبلي، ودرس على كبار فقهاء الحنابلة من أهل بيته وغيرهم، ثم درَّس في المدارس الحنبلية، وكانَ يُقرر المسائل وفقَ مذهبه، ثم ترقَّى في درجات العلم حتى صار يفتي بما يقوم الدليل عليه عنده دون التزام بمذهب معيَّن (١)، مع معرفته التامة بالمذاهب الأربعة، بل ومعرفةٍ بمذاهب السلف وما حدث بعدهم من الخلف (٢).
_________
(١) انظر: الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٧٥٨).
(٢) انظر: أعيان العصر للصفدي (ص ٣٤٨ من الجامع).
стр. 25
ومسألة تعليق الطلاق كأيِّ مسألةٍ من مسائل الفقه التي يقررها شيخ الإسلام ابن تيمية، مرَّت بمراحل في حياته ﵀:
المرحلة الأولى: في أول حياته حيث كان يُفتي بأنَّ الطلاق المعلَّق يقع عند وجود الشرط، كما هو مذهبه الذي تربَّى في مدارسه وعلى مشايخه (١).
المرحلة الثانية: بحث المسألة بتتبع المرويات، وكتب الخلاف، والتحقق من الإجماعات المنقولة، والنظر في الأدلة والمقاصد الشرعية ... انتهت به إلى تبنِّي القول بالتفريق بين الطلاق المعلَّق المقصود به الحث أو المنع وبين غيره، لكن مع ذلك لم يكن يُفتي بها ولا يُشهرها، ربما كان هذا لإكمال التأمل والنظر فيها ومناقشتها مع علماء زمانه، وقد استمر هذا التأمل والنظر عشرين عامًا حتى بدأ يُفتي بهذه المسألة ويُشْهِرُ قولَهُ فيها! قال السبكي في التحقيق (٢٦ / أ): (فإنه بلغني أنَّ له في هذه المسألة أكثر من عشرين سنةً قبل أَنْ يُظهرها (٢)).
المرحلة الثالثة: هي مرحلة الإعلان برأيه في المسألة وإشهاره والإفتاء
_________
(١) قال ابن تيمية في ردَّه على السبكي (ص ٤٥١): (فإنَّ المجيب ــ أي: ابن تيمية ــ لم يكن هذا القول مما تَرَبَّى عليه، ولا له فيه غرض يميلُ لأجلِهِ إليه، بل كان يعتقد خلافه ويفتي دائمًا بخلافه، لكن لما نظر ورأى الحق لم يجز له أن يقول خلاف ما تبين له، والله يعلمُ وعبادُهُ المؤمنون الذين هم شهداء الله في الأرض أنه لم يَمِلْ إلى قولٍ إلا قصدًا لاتباع الحق الذي بعث به الرسول ﷺ من جهة قيام الحجة به، وإيجاب الله ورسوله عليه ألا يقول على الله إلا الحق، وأَنْ يَرُدَّ ما تنازع فيه المسلمون إلى الله والرسول).
(٢) في التحقيق: (أظهرها)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.
стр. 26
به، واستمرَّ على ذلك عِدَّةَ أشهرٍ (١)، حتى انتشرت فتاواه في مسألة تعليق الطلاق في الآفاق واطلع عليها أهل العلم في زمانه وتداولوها.
المرحلة الرابعة: كَثُرَ اللغط على ابن تيمية والقيل والقال، فنصحه بعض المحبين بترك الإفتاء فيها فامتثل هذه النصيحة (٢). وفي هذه الفترة ورد الأمر السلطاني بمنع ابن تيمية من الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق، والأمر بعقد مجلس له في ذلك، فَعُقِدَ مجلس بدار السعادة، وانتهى على ما أمر به السلطان، ونودي بذلك في البلد.
المرحلة الخامسة: العودةُ إلى الإفتاء في المسألة، وكان يقول: لا يَسَعُنِي كتمان العلم! واستمر على ذلك حتى ورد الأمر من السلطان فيما يتعلق بعودة الشيخ إلى الإفتاء في هذه المسألة، فأُحضر مع جمعٍ من القضاة والفقهاء وعُوتب على فتياه بعد المنع، وأُكِّدَ عليه المنع من ذلك.
والذي يَظهر أنَّ الشيخ استمر على إفتائه، ومثله كان طلَاّبُهُ؛ فإنَّ الذهبي (٣) أشار إلى أنَّ تلاميذ ابن تيمية بقوا على الإفتاء بها خُفْيَةً.
المرحلة السادسة: الأمر بسجنه وكان هذا في يوم الخميس الثاني والعشرين من رجب سنة عشرين وسبعمائة، واستمر مسجونًا خمسة أشهر وثمانية عشر يومًا، حيث ورد المرسوم السلطاني بإخراجه، فأُخرج يوم
_________
(١) تحديد المُدَّة مستفاد من كلام الذهبي في تاريخ الإسلام (٧/ ١٦٥).
(٢) انظر: العقود الدُّرِّيَّة (ص ٣٩٣). وقال الذهبي في تاريخ الإسلام (٧/ ١٦٥): (ثم حَرَّم الفتاوى على نفسه من أجلِ تكلُّمِ الفقهاء في عِرْضِهِ).
(٣) في ذيل العبر في خبر مَنْ غَبَر (٤/ ٥٢).
стр. 27
الاثنين الموافق ليوم عاشوراء من سنة إحدى وعشرين وسبعمائة.
المرحلة السابعة: الاستمرار في الإفتاء بها إلى أَنْ (صار إلى ربه، وهو مقيمٌ عليها، داعٍ إليها، مباهلٌ لمنازعيه، باذلٌ نَفْسَهُ وعِرْضَهُ وأوقاتَهُ لمستفتيه؛ فكان يُفتي في الساعةِ الواحدةِ فيها بقلمِهِ ولسانِهِ أكثرَ من أربعين فتيا) (١).
وهذا الرأي الذي اختاره ابن تيمية ونافحَ مِنْ أجلِهِ، وصَبَرَ على الامتحان، وكلام الفقهاء في عرضه =لم يكن من بادئ الرأي الذي قد يتراجع عنه المفتي سريعًا، فليس هذا القول مما تربَّى عليه، ولا له فيه غرض يَميل فيه لأجله، لكنه نتيجة تأملٍ طويلٍ أعلنه بعد عشرين عامًا، ثم صار يُفتي به بلسانه وقلمه، وحسب ابن تيمية في هذه المسألة وغيرها أنه تكلَّم (في مسائل كبار لا تحتملها عقول أبناء زمانه ولا علومهم) (٢)، وإلا فليس هو ممن يتسرَّع في الإفتاء حتى يمحِّص الأدلة ويستفرغ الوسع في البحث
_________
(١) إعلام الموقِّعين (٥/ ٥٤٠).
وهذا العدد الضخم من الإفتاء بهذه المسألة حصل للشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في مسائل الطلاق عمومًا؛ كما ذكر ذلك الشيخ محمد الموسى في كتابه (جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز) (ص ٢٩٣) حيث قال: (ولقد جمعتُ فتاوى الطلاق الصادرة بتوقيع سماحته، وبلغت سبعًا وعشرين ألف فتوى طلاق تقريبًا؛ هذا زيادةً على فتاواه التي لم تُسجَّل، كفتاواه لمَّا كانَ قاضيًا في الدلم، وفتاواه قبل ذهابه للجامعة الإسلامية، وفتاواه الشفوية، أو الخاصة التي لم تُسجَّل!)، وهذه حصيلة أكثر من ستين سنة من الإفتاء في الطلاق (ص ٢٨٨).
(٢) قاله الذهبي في الدرة اليتيمية (ص ٤٧ تكملة الجامع)، وعنه أخذها ابن الوردي كما في تتمة المختصر في أخبار البشر (ص ٣٣٦ الجامع). وفي تاريخ ابن الوردي (٢/ ٢٥٩) تفصيل أطول.
стр. 28
والنظر بعد اللجأ إلى الله (١)، فإذا ما لاحَ له وجه الصواب الذي لا يجوز له مخالفته قال به وأفتى، ولو أدَّى ذلك إلى سجنه وعقوبته (٢).
وهذا دأبه فيما يحتاجه الناس وتبيَّن له فيه الحقّ، كما قال بعد بحثٍ طويلٍ في مسألة طواف الحائض (٣): (هذا هو الذي توجَّه عندي في هذه المسألة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولولا ضرورة الناس واحتياجهم إليها علمًا وعملًا لما تجشمت الكلام حيث لم أجد فيها كلامًا لغيري؛ فإنَّ الاجتهاد عند الضرورة مما أمرنا الله به، فإنْ يكن ما قلته صوابًا فهو حكم الله ورسوله والحمد لله، وإنْ يكن ما قلته خطأً فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان من الخطأ، وإن كان المخطئ معفوًا عنه .. ).
فابن تيمية له رؤيته المغايرة لرؤية السبكي في هذه المسألة، فالقول بوقوع الطلاق المعلَّق أدَّى إلى قيام سوق المحلِّلين الملعونين (٤)، ووقوع
_________
(١) ومن أمثلة ذلك: ما قاله في تفسير آيات أشكلت (٢/ ٥٩٧): «قد تدبَّرت الربا مراتٍ، عودًا على بدءٍ، وما فيه من النصوص والمعاني والآثار؛ فتبيَّن لي ــ ولا حول ولا قوة إلا بالله بعد استخارة الله ــ أنَّ أصل الربا هو النسأ ... » إلخ.
(٢) فقد قال بعد أنْ عاد إلى الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق بعد مَنعِهِ: (لا يَسَعُنِي كتمان العلم). العقود الدرية (ص ٣٩٤).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٦/ ٢٤١).
(٤) يَصِفُ ابن القيم في إعلام الموقعين (٥/ ٥٤٠) طرفًا منها بقوله: (فَعُطِّلَت لفتاواه مصانعُ التحليل، وهُدِّمَت صوامعه وبِيَعُهُ، وكسدت سوقه، وتقشَّعت سحائب اللعنة على المحلِّلين والمحلَّل لهم من المطلِّقين، وقامت سوق الاستدلال بالكتاب والسنة والآثار السلفية، وانتشرت مذاهب الصحابة والتابعين وغيرهم من أئمة الإسلام للطالبين، وَخَرَجَ من حَبْسِ تقليد المذهب المعيَّن به مَنْ كَرُمَتْ عليه نفسُهُ من المستبصرين).
стр. 29
الحرج والمشقة لكثيرٍ من الناس؛ فمنهم مَنْ يُفارق امرأته مع كراهته مفارقتها، ومنهم مَنْ يرغب في امرأته ولا يرى طريقًا إلا التحليل فيلجأ إليه مع كراهته له، ومنهم مَنْ يكره فراق امرأته ويكره التحليل فيقيم مع امرأته حسب اعتقاده أهونُ عليه من فراقها أو الوقوع في التحليل (١).
والمسألة في نظر ابن تيمية من المسائل الخلافية (٢)،
وأنه ما زال في المسلمين مَنْ يُفتي بعدم وقوع الطلاق المعلَّق من حين حَدَثَ الحلف بها وإلى هذه الأزمنة (٣)، وأنَّ هذه المسائل من المسائل الاجتهادية؛ المجتهد فيها ما بين أجرٍ وأجرين (٤)، كما أنَّ الفتيا والقضاء بها سائغ (٥)، بل إنَّه ينقل اتفاق الأئمة الأربعة على عدم جواز نقضِ حكمِ مَنْ حَكَمَ بعدم الوقوع (٦)؛
_________
(١) انظر ما ذكره في (ص ٣٢).
(٢) قال أبو الوليد الأزدي في المفيد للحكام (٤/ ٩٨): (وسئل الفقيه القاضي أبو الفضل ابن النحوي ﵀ عن مسألة الأيمان اللازمة.
فأجاب بأنْ قال: المسألة خلافية مظنونةٌ، ومن رحمة الله على الخَلْق أَنْ المسائل المظنونة التي أدركتها آراء الأئمة لم يَقِفِ الله ــ تعالى ــ على الخطأ فيها أحدًا؛ إما مصيرًا إلى أنَّ الحقَّ في واحدٍ، وإما مصيرًا إلى أنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيب، ولكن استأثر الله بتعيينه تكليف المجتهدين للتحويم حولَهُ؛ فمن أصاب فله أجران: أجرُ الاجتهاد وأجرُ الإصابة، ومَنْ أخطأ فله أجر الاجتهاد، الذي هو استفراغ الوسع في طلب الحادثة).
(٣) مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٣٥).
(٤) مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٤٨ - ١٤٩).
(٥) مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٣٣، ١٣٥، ١٣٩، ١٤٨ - ١٤٩).
(٦) مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٣٤ - ١٣٥).
стр. 30
فالمجتهدون يُقَرُّونَ إذا عُدِمَت النصوص (١).
وهو يرى أنَّ مِنْ (آيات ما بَعَثَ به الرسول ﷺ أنه إذا ذُكِرَ مع غيره على الوجه المبيّن ظهر النور والهدى على ما بُعِثَ به، وعلم أنَّ القول الآخر دونه)، و (ما تنازع المسلمون فيه من مسائل الطلاق فإنك تجد الأقوال فيه ثلاثة: قولٌ فيه آصارٌ وأغلالٌ، وقولٌ فيه خداعٌ واحتيالٌ، وقولٌ فيه علمٌ واعتدالٌ) (٢).
وكان حاصل ما ردَّ به عليه معترضوه ــ كما ذكر ابن القيم في إعلام الموقِّعين (٣/ ٣٦٣) ــ: (أربعة أشياء:
أحدها: ــ وهو عمدةُ القوم ــ أنه خلاف مرسوم السلطان.
والثاني: أنه خلاف الأئمة الأربعة (٣).
والثالث: أنه خلاف القياس على الشرط والجزاء المقصودين كقوله: (إِنْ أبرأتني فأنتِ طالق) فَفَعَلَتْ (٤).
_________
(١) جامع المسائل (٦/ ٣٠٥).
(٢) مجموع الفتاوى (٣٣/ ٤٢ ــ ٤٣).
(٣) بل حكى السبكي الإجماع في هذه المسألة نقلًا عن غيره؛ إلا أنَّ ابن تيمية بيَّن أنه لا إجماع في المسألة، وابن تيمية ممن يعتني بمسألة تمحيص الإجماعات لكثرة ما يقع فيها من الخطأ، وفي الوقت ذاته يكثر من بيان أنَّه ليس لأحدٍ أنْ يقول قولًا لم يُسبق إليه.
انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٩٦) (١٩/ ٢٦٨ - ٢٦٩) (٢١/ ٢٩١)، جامع المسائل (٦/ ٤٠١، ٤٠٣) (٨/ ٤٤٢)، الصفدية (١/ ٢٨٧)، المسائل والأجوبة (ص ٥٥)، رفع الملام (ص ٣٢)، الإخنائية (ص ٤٥٨)، بغية المرتاد (ص ٣٩٢).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٣٣/ ٥٦).
стр. 31
والرابع: أَنَّ العمل قد استمر على خلاف هذا القول، فلا يُلْتَفَتُ إليه (١)).
وربما أشار بعضهم إلى أنَّ الاحتياط في هذه المسألة هو بالأخذ بقول الجمهور إلا أنَّ لابن تيمية نظرته الفاحصة في القول بالاحتياط؛ فالاحتياط في الجملة مشروعٌ عنده فيما يمكن فيه الخروج من الخلاف (٢)، (والاحتياط أحسن ما لم يُفْضِ بصاحبه إلى مخالفة السُّنَّة، فإذا أفضى إلى ذلك؛ فالاحتياط تَرْكُ هذا الاحتياط) (٣)، و (الاحتياط ... ليس مشروعًا في تحليل ما كان محرمًا بيقين، وهذه المرأة محرمة على الأجانب بيقين؛ فمن أوقع الطلاق بها مع الشك فقد أَحَلَّ الحرام بالشك، وهذا لا يجوز بالاتفاق، وأما إذا أمر بالتكفير مع الشك فليس فيه إلا أمر بعبادة يشك في وجوبها، ولا ريب أَنَّ مَنْ شَكَّ في عبادة عليه فاحتاط بأدائها كان محسنًا، وإذا أمره الآمر بأن يحتاط لنفسه فيؤدي ما يشك في وجوبه كان محسنًا في ذلك لم يكن هذا بمنزلة من يحرم المرأة عليه ويحلها للأجنبي بالشك، فإنه لا يقدر أحد أن يقيم حجة على وقوع الطلاق المحلوف به) (٤).
_________
(١) وقد قال بمثل ما اختاره ابن تيمية جماعات من العلماء قبل ابن تيمية وفي عصره كذلك.
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٨١) (١٠/ ٥١٢) (٢٠/ ٢٦٢) (٢١/ ٢٣، ٥٦، ٥٢١) (٢٣/ ٢٦٧، ٣٧٦، ٣٩٠) (٢٥/ ١٠٠، ١١٠، ١٢٤، ٢٢٩) (٢٦/ ٥٤، ١٢٤) (٣٥/ ٢٢٣)، الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٨٧، ٣١٨) (٦/ ٢٥٣)، جامع الرسائل (٢/ ١٤١)، المسائل والأجوبة (ص ١٣٥)، شرح كتاب الطهارة من العمدة (١/ ٤٨٤).
(٣) المستدرك على مجموع الفتاوى (٥/ ٤١).
(٤) الرد على السبكي (ص ١٧٢).
стр. 32
وفي الجملة فقد أقام ابن تيمية نحوًا من ثلاثين دليلًا على صحة هذا القول (١)، (ولم يكن مع خصومه ما يَرُدُّونَ به عليه أقوى من الشكاية إلى السلطان، فلم يكن له بِرَدِّ هذه الحجة قِبَل، وأما ما سواها فبيَّنَ فسادَ جميع حججهم، ونقضها أبلغ نقض) (٢).
والمسألة لا زالت جديرةً بالبحث والبسط (ليختار العاقل ما يُوجب الإنصاف، ويختار جوابًا يقدم به على ربِّ العباد، ولا يختار شيئًا حميَّةً ورياءً؛ فإنَّ الدنيا مفروغٌ منها، وهي زائلةٌ؛ فيتخذ لنفسِهِ ما يَصلحُ لِرَمْسِهِ، وليتخذ جوابًا يقف به بين يدي الله ــ عزو جل ــ حين يقف حاسرًا عُريانًا مكشوف الرأس حيران؛ فالدنيا جميعها لا تُساوي فلسًا، وليُنْصِفْ حيث يحق الإنصاف، ولا يَقل في المسائل باجتهاد نفسِهِ؛ فإنَّ العلماء رعاةٌ على دين الله، والراعي مسئول عن رعيته، فإنه إذا أبصر يوم القيامة ــ يوم الحسرة والندامة ــ الأهوال والأمور وديوانه = اِتَّبَعَ الحق، وخلَّى الفجور؛ ولست أقول هذا في هذه المسألة، بل في جميع المسائل؛ والحذرَ كُلَّ الحَذرِ من أنْ يُبيح ما حُرِّمَ، أو يُحرم ما حلل، أو يتكلم في صفات الله بغير علم، أو يقول ما يَخرج به عن الإسلام) (٣).
* * * *
_________
(١) قاله ابن القيم في إعلام الموقِّعين (٣/ ٣٦٣).
(٢) إعلام الموقِّعين (٥/ ٥٤٠).
(٣) خاتمة كتاب (سير الحاث) لابن المبرد (ص ٢١٩).
стр. 33
الفصل الثاني
المؤلفات في مسألة تعليق الطلاق
اعتنى العلماء ــ ﵏ ــ بذكر مسألة تعليق الطلاق ضمن مصنفاتهم الفقهية والحديثية، إلا أنَّ التصنيف المفرد فيها ما زال قليلًا، فحاولتُ جمع ما أستطيع من شتات هذه الكتابات من فهارس المخطوطات ومواقع المكتبات العامة والكتب المطبوعة.
وقسَّمت ما وقفتُ عليه إلى ثلاث مجموعات في ثلاث مباحث؛ هي كالتالي:
المبحث الأول: مؤلفات ورسائل وفتاوى ابن تيمية:
كَتَبَ ابن تيمية في هذه المسألة شيئًا كثيرًا ما بين فتوى ورسالة وجواب على اعتراض؛ جاء بيان ذلك في قوله: (وقد بسطتُ أقوال العلماء في هذه المسائل وألفاظهم، ومَنْ نَقَلَ ذلك عنهم، والكتب الموجود ذلك فيها، والأدلة على هذه الأقوال في مواضع أُخَر تبلغ عِدَّةَ مجلدات) (١)، وقال ابن القيم في إعلام الموقِّعين (٥/ ٥٤٠): (وصنَّف في المسألة ما بين مطوَّل ومختصر ما يُقارب ألفي ورقة). فإحصاء كتابات الشيخ ﵀ في هذا الباب متعذِّر، لكن حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق؛ وإليك بيان ما وقفتُ عليه منها:
١ ــ الاجتماع والافتراق في الحلف بالطلاق (٢)، صححها وعَلَّق عليها:
_________
(١) مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٣٢)، ومختصر الفتاوى المصرية (ص ٤٣٨).
(٢) وقد كتب الشيخ علي بن محمد العمران ــ وفقه الله ــ تعريفًا بهذه الرسالة وبمخطوطتها النفيسة، نَشَرَهُ في مجلة الدارة (١/ ٣٧/٥٧)، وفي مواقع الشبكة المعلوماتية بعنوان: التعريف بمخطوطة نفيسة لرسالة (الاجتماع والافتراق في مسائل الأيمان والطلاق) لشيخ الإسلام ابن تيمية، ثم طَبَعَهُ ضمن كتابه (بحوث ومقالات في العلم والتراث) نشر دار الوعي (ص ١٧ - ٣٩).
стр. 34
محمد بن أحمد سيد أحمد، طبع في مكتبة السَّوَادي للتوزيع (١).
٢ ــ لمحة المختطف في الفرق بين الطلاق والحلف، طبعت ضمن مجموع الفتاوى (٣٣/ ٥٧)، ومستقلةً بتحقيق عبد العزيز بن أحمد الجزائري في دار الراية للنشر والتوزيع (٢).
٣ ــ القاعدة الخامسة من كتاب القواعد الكلية (النورانية) (ص ٤٤٤ ــ ٥٤١)، وهي قاعدة متعلقةٌ بالأيمان والنذور، وهذا الموضع من كتابات ابن تيمية يعطي تصورًا واضحًا لتقرير ابن تيمية مسائل الأيمان والنذور.
٤ ــ مسألة في رجل قال لزوجته: عليَّ الطلاق ما تروحي لبيت أبوكِ (٣) لسنةٍ ... إلى آخره؛ طبعت هذه الفتوى ضمن جامع المسائل (المجموعة
_________
(١) كتبَ السبكي على هذه الرسالة بعض المؤاخذات، ستأتي الإشارة إليها ضمن المؤلفات في الرد على ابن تيمية.
(٢) ولها نسخٌ خطيةٌ عثرت عليها في بعض الفهارس؛ فمنها نسخة في مجاميع العمرية الظاهرية تحت رقم (٧٢)، ونسختان ضمن مخطوطات جامعة أم القرى برقم (١/ ٤٧١، ٦٦٠) ومصدر نسختي جامعة أم القرى مكتبة جامعة برنستون بأمريكا وهما برقم واحد (١٣٧٧)، وقد ورد في معجم تاريخ التراث الإسلامي في مكتبات العالم ما يلي: نسخة بمكتبة الأوقاف العامة (٥٦٧٤/ ٤) (١٣٨٥٣) كتبت النسخة الأولى عام (١٣٠٣)، والظاهرية برقم (٧٢) كتبت النسخة عام (٩٣٠).
(٣) علَّق المحقق: (كذا في الأصل بالرفع ملحونًا من السائل).
стр. 35
الرابعة / ٣٠٣).
٥ ــ مسألة في غلام حلفَ بالطلاق الثلاث أنه لم يخدم عند إنسان ... إلى آخره؛ طبعت هذه الفتوى ضمن جامع المسائل (المجموعة الرابعة / ٣١١).
٦ ــ مسألة فيمن حلف بالطلاق ألا يفعل شيئاً ثم أراد أن يفعله؛ طبعت هذه الفتوى ضمن جامع المسائل (المجموعة الرابعة / ٣٣١).
٧ ــ مسألة في رجلٍ حلف بالطلاق ثم استثنى هُنَيهةً بقدر ما يمكن فيه الكلام؛ طبعت هذه الفتوى ضمن جامع المسائل (المجموعة الرابعة / ٣٤٥)، وكذلك في الفتاوى العراقية (١/ ٧٠).
٨ ــ مسألة تسمى البغدادية (١)، تشتمل على مسائل متعلقة بالطلاق، ومنها مسألة الحلف بالطلاق؛ طبعت ضمن الفتاوى الكبرى (٣/ ٢٤١)،
_________
(١) كذا ورد تسميتها في الفتاوى العراقية، وقد ذكر د. علي الشبل في كتابه (الأثبات في مخطوطات الأئمة) (ص ٢٢٣): من مخطوطات ابن تيمية: (المسألة البغدادية فيما يَحِلُّ ويحرم من الطلاق، في (٣١) ورقة، في القرن الحادي عشر الهجري، أصلية، في مركز المخطوطات بالكويت، ١٢٤/ ١، خط قديم)، ولم أقف عليها، فيحتمل أنها هذه.
وقد ذكرها الصفدي في أعيان العصر (ص ٣٥٨) والوافي بالوفيات (ص ٣٨١)، والكتبي في فوات الوفيات (ص ٣٩٥).
وفي هذه المسألة ذكر الشيخ فيما يَتعلق بإيقاع الثلاث تعزيرًا: (وهذه المسائل عظيمة؛ وقد بسطنا الكلام عليها في موضعٍ آخر في أكثر من مجلدين، وإنما نَبَّهنا عليها هاهنا تنبيهًا لطيفًا)؛ فاللهم يسِّر العثور عليه.
стр. 36
والفتاوى العراقية (٢/ ٨٠٤)، وفرقها ابن قاسم في مجموع الفتاوى (٣٣/ ٧٥، ١٤٤، ٢١٥ وما بعدها).
٩ ــ مسألةٌ في الفرق بين الطلاق الحلال والطلاق الحرام (١)؛ طبعت ضمن مجموع الفتاوى (٣٣/ ٥)، والفتاوى الكبرى (٣/ ٢٧٦)، والفتاوى العراقية (٢/ ١٠٩٤ إلى نهاية الكتاب) (٢).
١٠ ــ فتوى في الطلاق الثلاث استطرد فيها إلى مسائل تتعلق بالطلاق والنذر المعلَّق بالشرط، والحلف بالعتاق أو الطلاق؛ طبعت هذه الفتوى ضمن مجموع الفتاوى (٣٢/ ٨٣)، والفتاوى الكبرى (٣/ ٢٠٧)، والفتاوى العراقية (٢/ ٧٥٠).
١١ ــ مسألة في الرجل يَحلف بالطلاق على شيءٍ أنه لا يَفعله ثم يَفعله؛ هل يَلزمه الطلاق الثلاث؟؛ وهي ضمن مسائل أهل الرحبة، وقد طُبعت ضمن جامع المسائل (المجموعة السابعة / ١٥)، وكذلك ضمن مجموع طُبِعَ بتحقيق حسين عُكَّاشة، بدار الفاروق الحديثة للطباعة والنشر.
١٢ ــ فصلٌ: إذا قال الرجل: عليَّ الطلاق لأفعلنَّ كذا أو لا أفعله ... فهل يقع به طلاق؟، طُبِعَ هذا الفصل ضمن مختصر الفتاوى المصرية (ص ٤٢٤).
_________
(١) كذا عُنْوِنَ لها في الفتاوى الكبرى، ويَحتمل أنه من صنيع المحقق. وفي مجموع الفتاوى والفتاوى العراقية: فصلٌ مختصر فيما يَحلُّ من الطلاق ويحرم، وهل يَلزم المُحَرَّم أو لا يَلزم؟ ثم علق ابن قاسم عليها بقوله: تسمى «البغدادية» فيما يحل من الطلاق ويحرم.
(٢) توجد نسخة من الرسالة في معهد المخطوطات في باكو بأذربيجان، كما في منتخب مخطوطاته المطبوع (ص ٤٤) ورقمه في المعهد (٤١٥٦ - d)، ويوجد لها صورة في مركز جمعة الماجد برقم (٥٦٣).
стр. 37
١٣ ــ فصلٌ: والألفاظ التي يَتكلم بها الناس في الطلاق ثلاثة أنواع ... ، طُبِعَ هذا الفصل ضمن مختصر الفتاوى المصرية (ص ٤٢٧)، وهو مطبوع ضمن مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٤٠)، والفتاوى الكبرى (٣/ ٣١١).
١٤ ــ فصلٌ: ومَنْ حَلَفَ على زوجته بالطلاق الثلاث لا تفعل كذا، ففعلت ... إلخ، طُبِعَ هذا الفصل ضمن مختصر الفتاوى المصرية (ص ٥٢٤)، والمستدرك على مجموع الفتاوى (٥/ ٣٥).
١٥ ــ فصلٌ: وإذا حَلَفَ بالطلاق الثلاث: أنَّ أَحدًا من أرحام المرأة لا يطلع على بيته ... ، طُبِعَ هذا الفصل ضمن مختصر الفتاوى المصرية (ص ٥٢٨)، والمستدرك على مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩).
١٦ ــ فصلٌ: إذا حَلَفَ بالطلاق أو غيره: أنه لا يَدخل دار فلان ... ، طُبِعَ هذا الفصل ضمن مختصر الفتاوى المصرية (ص ٥٣٣).
١٧ ــ فصلٌ: إذا حلف الرجل بالحرام، فقال: الحرام يلزمني لا أفعل كذا، والحلُّ عليَّ حرام لا أفعل كذا، وما يحل للمسلمين يحرم عليَّ إنْ فعلتُ كذا ونحو ذلك وله زوجة؛ ففي هذه المسألة نزاع مشهور بين السلف والخلف ... إلخ. طُبِع ضمن مجموع الفتاوى (٣٣/ ٧٤) (١)، والفتاوى الكبرى (٣/ ٢٢٦)، وقد نَقَلَ هذه الفتوى الآلوسي في جَلاء العينين (ص ٢٥٧).
١٨ ــ الرد الكبير على من اعترض على ابن تيمية في مسألة الحلف بالطلاق، وهو كتابنا هذا (٢).
_________
(١) انظر تعليق الشيخ ناصر الفهد في صيانة مجموع الفتاوى (ص ٢٣٩).
(٢) سيأتي وصف المخطوط والكلام عليه في الفصل الثاني: دراسة المخطوط.
стр. 38
١٩ ــ مؤاخذة ابن حزم في الإجماع؛ طُبِعَ عِدَّة طبعات باسم (نقد مراتب الإجماع) ملحقًا بمراتب الإجماع لابن حزم، وهو ضمن جامع المسائل (المجموعة الثالثة / ٣٢١ ــ ٣٥٠). وقد علَّق ابن تيمية على كلام ابن حزم فيما يتعلق بالطلاق إذا خرج مخرج اليمين؛ أيلزم أم لا؟
٢٠ ــ في الحلف بالطلاق وتنجيزه ثلاثًا؛ ذكره الصفدي في أعيان العصر (ص ٣٥٨) والوافي بالوفيات (ص ٣٨١).
٢١ ــ الفرق المبين بين الطلاق واليمين؛ ذكره الصفدي في أعيان العصر (ص ٣٥٨) والوافي بالوفيات (ص ٣٨١)، وابن عبد الهادي في العقود الدرية (ص ٣٩٢) (١)، والكتبي في فوات الوفيات (ص ٣٩٥)، كما ذكره ابن رجب في ذيل الطبقات (ص ٤٨٣) باسم (الفرقان بين الطلاق والأيمان) ووصفه بأنه في مجلد لطيف.
٢٢ ــ الحلف بالطلاق من الأَيمان حقيقةً؛ ذكره الصفدي في أعيان العصر (ص ٣٥٨) والوافي بالوفيات (ص ٣٨١)، وابن عبد الهادي في العقود الدرية (ص ٣٩٢).
٢٣ ــ التحقيق في الفرق بين الأيمان والتطليق؛ ذكره الصفدي في أعيان العصر (ص ٣٥٨) والوافي بالوفيات (ص ٣٨١)، والكتبي في فوات الوفيات (ص ٣٩٥)، كما ذكره ابن عبد الهادي في العقود الدرية (ص ٣٩٢) ــ ووصفه بأنه قاعدة كبيرة نحو أربعين كراسة ــ، وابن رجب في ذيل الطبقات (ص ٤٨٣)
_________
(١) ووصفها بأنها قدر النصف من (تحقيق الفرقان بين التطليق والأيمان) والذي هو في أربعين كراسة.
стр. 39
باسم (تحقيق الفرقان بين التطليق والأيمان) ووصفه بأنه في مجلد كبير.
٢٤ ــ مسائل الفرق بين الحلف بالطلاق وإيقاعه والطلاق البدعي والخلع ونحو ذلك؛ ذكره الصفدي في أعيان العصر (ص ٣٥٨) والوافي بالوفيات (ص ٣٨١) (١)، وابن عبد الهادي في العقود الدرية (ص ٦١) (٢)، والكتبي في فوات الوفيات (ص ٣٩٥).
٢٥ ــ قاعدة في أنَّ جميع أيمان المسلمين مكفَّرة؛ ذكرها ابن عبد الهادي في العقود الدرية (ص ٣٩٢) ووصفها بأنها في مجلد لطيف.
٢٦ ــ اللمعة؛ ذكرها ابن عبد الهادي في العقود الدرية (ص ٣٩٢)، ويحتمل أنها تصحيف من (اللمحة) وهي لمحة المختطف في الفرق بين الطلاق والحلف، كما بيَّن ذلك الشيخ علي العمران ــ وفقه الله ــ في حاشية تحقيقه للعقود نقلاً من هامش إحدى مخطوطات الكتاب.
٢٧ ــ رسالة في الطلاق؛ نسخة محفوظة ضمن مجاميع المدرسة العمرية الظاهرية برقم (٩١) (٣).
_________
(١) وقد أشار الصفدي إلى أنها تُقدَّر بخمسةَ عشر مجلدًا!
(٢) حيث قال: وله في مسائل الطلاق والخلع وما يتعلق بذلك من الأحكام شيءٌ كثيرٌ ومصنفات عديدة، بيَّض الأصحاب من ذلك كثيرًا، وكثيرٌ منه لم يبيَّض، ومجموع ذلك نحو العشرين مجلدًا.
(٣) وهي الفتوى المعترض عليها، وقد طبعت ضمن مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٨٧)، وفي المخطوط ما ليس في الفتاوى، وما في المخطوط متفق مع اعتراض السبكي وجواب ابن تيمية، وقد قدم الناسخ قبل نقل الفتوى بمقدمة تفيد في دراسة الحيِّز الذي أخذته هذه المسألة من ابن تيمية.
стр. 40
٢٨ ــ الإفتاء بمسألة الطلاق؛ نسخة خطية محفوظة ضمن مخطوطات جامعة أم القرى برقم (١/ ١٧٤ مجاميع)، ومصدر النسخة المكتبة الظاهرية، ولم أطلع عليها.
٢٩ ــ رسالة في الحلف بالطلاق وغير ذلك، ضمن مجاميع العمرية (٩١)، وهي ناقصة، قال المفهرس: المؤلف مجهول. لكن بالاطلاع عليها ظهر لي أنها لابن تيمية لعدة قرائن منها إشارته إلى كتابه «بيان الدليل على بطلان التحليل».
٣٠ ــ نقض جواب الطبرسي في مسألة الطلاق؛ لها عدة نُسَخ في الظاهرية برقم (٩٩ مجاميع) و (٣٨٣٥)، بعض هذه النسخ في (٥) ورقات، وبعضها في (٣٥) ورقة!، وقد جاء في إحدى النسخ زيادة (لَمَّا كان بمصر مسجونًا)، ولم يتضح لي كونها في تعليق الطلاق أو الطلاق الثلاث (١).
المبحث الثاني: المؤلفات في الرد على ابن تيمية:
١ ــ الدُّرَّةُ المضيَّة في الرد على ابن تيمية، للشيخ كمال الدين ابن الزَّمْلَكَاني الشافعي (٢)، كتبها ردًّا على قول ابن تيمية بالاكتفاء في تعليق
_________
(١) انظر: الأثبات في مخطوطات الأئمة، للدكتور علي الشبل (ص ٨٦، ٢٤٢)، وقد اطلعت على الموضع الذي في مجاميع العمرية برقم (٩٩) واتضح أنها ليست في الطلاق، وإنما في حكاية ما حصل لابن تيمية في الحبس، وهي في مجموع الفتاوى (٣/ ٣٤٨)، ولا أدري عن الموضع الآخر.
(٢) وقد ذكر الحبشي في معجم الموضوعات المطروقة في التأليف الإسلامي (٢/ ١٢٣٩) بحث ابن تيمية والزملكاني في مسألة الطلاق، ولم يتضح لي هل هو هذا أو كتاب آخر؟
следующие страницы →