← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 32384

الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق

ابن تيمية

Полный текст (1 081 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأما إن أُريد باقتضاء التعليق لوقوع الطلاق المشهور عند الخاصة والعامة أنهم يعلمون أَنَّ المعلِّقَ جَعَلَ الشرط مستلزمًا للجزاء مقتضيًا له بحيث يلزم من وجود الملزوم وجود اللازم= فهذا صحيح، وهذا هو الذي أراده ــ والله أعلم ــ بقوله: (إن اقتضاء التعليق لوقوع الطلاق أمر مشهور عند الخاصة والعامة لا يقبل التشكيك)؛ فهذا الاقتضاء مُسلَّم لا ينازعه فيه عاقل وهو موجَب يمينه، ولكن حقيقةُ هذا أَنَّ المعلق نفسه أثبت هذا الاقتضاء واللزوم، فإنه هو الذي عَلَّقَ وربط وألزم فجعل الجزاء لازماً لنفسه، وهذا الاقتضاء لا بُدَّ فيه من إرادة وقصد؛ لكن يجب الفرق بين قصد الربط والتعليق واللزوم وجعل الجزاء لازمًا للشرط، وبين أنْ يقصد وجود الجزاء اللازم سواء وجد الشرط أو لم يوجد. وهذا المعترض وأمثاله لا يفرقون بين هذا القصد وهذا [٩/ ب] القصد؛ بل يجعلون مَنْ قَصَدَ التعليق فقد قصد وجود الجزاء المعلَّق، وهذا من أسباب غلطهم، فإنَّ قصده للتعليق والربط واللزوم بحيث جعل الأول مستلزمًا للثاني لا يوجب أَنْ يقصد وجود اللازم عند وجود الملزوم، كما أنه في الجمل الشرطية الخبرية قد جعل الثاني لازمًا للأول يوجد إذا وجد، فإنه قد جعل الثاني اللازم ثابتًا موجودًا عند وجود الملزوم، ثم ذلك لا يوجب أَنْ يكون مثبتاً للثاني؛ بل قد يكون ذلك مع نفيه للازم والملزوم، وَقَصْدُهُ من اللزوم نفي الملزوم (١) لانتفاء اللازم، ليس قصده إثبات اللازم بتقدير وجود الملزوم؛ بل هو نافٍ للازم لم يقصد الإخبار بثبوته البتة، وإنما جعله لازمًا لقصد نفي الملزوم لا لقصد إثباته على ذلك التقدير.

стр. 107

فإذا قيل: هو بتقدير اللزوم يكون مثبتًا أو نافيًا؟ قيل: هو مثبِت على هذا التقدير، لكن هذا التقدير هو عنده منتف في نفس الأمر، لا يمكن ثبوته؛ فلا يضره جعل اللازم ثابتًا بتقدير ثبوته، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] و ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧] ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣] ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ (١) [محمد: ٤] ونحو ذلك؛ فإن هذه التعليقات تضمنت جعل الجزاء لازمًا للشرط بتقدير وجوده، وهو مع ذلك مراده نفي كل منهما. ولهذا يقول من يقول من النحاة (لو) حرف يمتنع بها الشيء لامتناع غيره؛ أي: يمتنع بها الجزاء اللازم لامتناع الشرط الملزوم، فإن امتناع الملزوم يوجب امتناع اللازم. وقيل: حرف يدل على امتناع ما يلزم من وجوده وجود مثله. فبكل حال هي تدل على عدم الشرط ونفيه له (٢). وحينئذٍ؛ فالجزاء المعلَّقُ بوجوده لا يكون مُخْبِرًا بثبوته في نفس الأمر، فإنه إنما أخبر بثبوته على تقدير منتفٍ، وإذا كان لم يجعله موجودًا إلا على تقدير معدوم (٣) لم يكن قد جعله موجودًا البتة؛ فإنَّ ما عُلِّقَ بالمعدوم، وقيل: إنه إِنْ وُجِدَ المعدومُ يوجد، والمعدوم لا يوجد = لم يكن قد أخبر بأنه يوجد؛ فهذا في التعليقات الخبرية.

стр. 108

وإذا حلف [١٠/ أ] على هذا التعليق فقال: والله لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، و [والله] (١) لو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم، ووالله لو شاء الله لهدى الناس جميعًا= لم يكن حالفًا على وجود الجزاء في نفس الأمر، لكنه حالف على وجوده بتقدير منتفٍ عنده؛ فهكذا في التعليقات الطلبية هو وإن كان قد جعل الجزاء لازماً للشرط الملزوم فمع قصده اليمين هو يكره الجزاء اللازم كراهة تامة لم يقصد لزومه في نفس الأمر سواء وجد الملزوم أو لم يوجد، كما أن الأول لم يخبر بثبوت الملزوم، بل هو نافٍ له مطلقًا، سواء وجد اللازم أو لم يوجد، لكن هو في الجملة الخبرية التعليقية نافٍ للملزوم مثبتٌ لانتفائه بانتفاء اللازم، وقد يوجد اللازم مرة أخرى ولا يوجد الملزوم، لأنه (٢) يلزم من وجود الملزوم وجودُ اللازم وهو دليل، فإنَّ كل ملزوم دليل على لازمه، والدليل لا ينعكس. وأما في الجملة التعليقية الطلبية فهو كاره للازم كراهة تامة، لا يريده لا بتقدير وجود الملزوم ولا بتقدير عدمه، ولكن قصده كراهة الملزوم ليمتنع عن فعل الملزوم بامتناعه من فعل اللازم، فالامتناع من فعل اللازم هو ثابت، كما أن نفي الملزوم في الجملة الخبرية قد تتغير إرادته فيريد الملزوم ولا يريد اللازم، فإن لم يكن ليمينه تحلة وإلا لزم وجود اللازم وإن كان كارهًا له لم يرده، وهنا قد يحصل اللازم الذي هو الجزاء؛ كما قال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] والمراد: لو عَلِمَ الله فيهم خيرًا لأسمعهم إسماع فَهْمٍ، ولو أسمعهم إسماع فَهْمٍ ولم يعلم فيهم خيرًا لتولوا وهم معرضون؛ فسماعهم سماع فهم هو اللازم، وقد يوجد اللازم بدون الملزوم، فيوجد الإسماع بدون أن يعلم الله فيهم خيرًا، لكن إذا وجد ذلك تولوا وهم معرضون.

стр. 109

وإذا عُرِفَ أن كون التعليق مقتضيًا لثبوت الجزاء عند الشرط لا ينازعه فيه أحد، وإنما النزاع في شيئين: في كونه كارهًا لوقوع الجزاء عند الشرط، وفي حكم الله ورسوله في التعليق الذي قصد به اليمين. لكن يقال: نحن نُسَلِّمُ أَنَّ المعلِّق [١٠/ ب] جعلَ الجزاء لازمًا له، وجعل الشرط مستلزمًا للجزاء، لكن النزاع في أَنَّ هذا الملزوم الذي جعله هذا المعلق وهذا الربط والعقد الذي عقده وربطه هذا العاقد الرابط الذي عقد الجزاء بالشرط وربطه به = هل يمكن في [حكم] (١) الله ورسوله حَلُّ هذا العقد والربط وقطع هذا اللزوم وَفَكُّهُ؟ بحيث يوجد الملزوم (٢) المقتضي ولا يوجد اللازم الذي هو مقتضاه؛ فهذا محل النزاع. وهذا نزاع في حكم الله ورسوله في هذا الاقتضاء القَسَمي، كما أَنَّ الحالفَ إذا قال: أَحلفُ بالله لأفعلنَّ كذا؛ فمعنى هذا الربط جعل الفاعل (٣) تعظيمه لله مستلزمًا للفعل مقتضيًا له، وهذا الاقتضاء القسمي مشهورٌ عند العامة والخاصة؛ فكلُّ مَنْ حَلَفَ باسمِ شيءٍ فإنما يحلف باسم ما يعظمه، وقد جعل تعظيمه له مستلزمًا للمقسم عليه، فموجب يمينه أنه إنْ حنث زال تعظيمه للمحلوف به، فلولا أَنَّ الله شَرَعَ تحلَّةَ الأيمان ــ فإذا كَفَّرَ الحالف يمينه لم يَزُلْ تعظيمه للمحلوف به ــ إذا حنث= لم يكن الحنث إلا بزوال ذلك التعظيم،

стр. 110

ولكان الحانث قد عقد عقدًا وفسخه، وجعل الحلف (١) لازمًا للتعظيم وقد نقض عقده = بمنزلة الغادر الكاذب، أو لا (٢) يزولَ تعظيمُ المحلوفِ بِهِ من قلبه إن كان العقد باقيًا؛ فلا بُدَّ من هذا أو هذا إن لم يكن لليمين تحلة. وهكذا إذا حلف بصيغة التعليق قصدًا لليمين فلا بُدَّ إذا لم يكن لهذه اليمين تحلة من أنْ يلزمه ما علقه، أو أن يكون حانثًا في يمينه بمنزلة الغادر الكاذب؛ ولهذا كثيرٌ ممن يحلف بالطلاق أو غيره من الأيمان ثم يحنث ولا يرى أن له تحلة ولا كفارة ليمينه لا بُدَّ له من أحد أمرين: إما أن يلتزم ما عَلَّقَهُ، وإما أَنْ يعتقد في نفسه أنه حلف يمينًا وَفَجَرَ في الحنث بها كالغادر الكاذب؛ فإن كانت يمينًا بالله على شيء وَفَعَلَهُ= اعتقد أنه قد أتى ذنبًا عظيمًا إذا حنث ولم يعتقد أن له كفارة، وإنْ كان يمينًا بالطلاق واعتقد أنه يقع به= اعتقدَ أَنَّ امرأتَهُ مطلقةٌ منه، وهو يطؤها وطئًا محرمًا، وكثيرٌ منَ الناس مَنْ يُقْدِم على ذلك لرغبته فيها. فإنَّ الحالفَ بالطلاقِ إذا رأى أنه قد حنث ولزمه [١١/ أ] الطلاقُ ثلاثة أقسامٍ: قسمٌ يعتقدون وقوع الطلاق وحرمةَ التحليل؛ ويكون هذا الذي اعتقدوه دينًا صحيحًا راجحًا عندهم على إرادة المرأة، فيفارقونها ــ وإن كرهوا فراقها ــ خوفًا من عقاب الله الذي اعتقدوا أنهم يستحقونه (٣) إذا لم يفارقوها (٤). ومنهم مَنْ يَرغَبُ في امرأته، ولا يرى له طريقًا إلا التحليل؛ فيفعله تقليدًا لمن يجوِّزُهُ، ويحتمل ما في ذلك من المكاره لاعتقاده أنها لا تحل له

стр. 111

إلا بهذه الطريق، واعتقاده أَنَّ هذا دينٌ صحيحٌ هو من شرع الإسلام. وقسمٌ يكرهون (١) فراقَ المرأة، ويكرهون التحليل، وهم لا يعتقدون إلا ما عليه هؤلاء وأولئك؛ فيرى أحدهم أنه يقيم معها حرامًا، ويكون ذلك أهون عليه من التحليل ومن فراقها، ويرى أَنَّ التحليل أقبح وأشنع بل وأجرم من مقامه معها حرامًا، وفطرته تكره التحليل أعظم مما تكره مقامه معها على ذلك الوجه. ثم من اعتقد ذلك شرعًا لرسول الله ﷺ إما أَنْ يُسَلِّمَهُ مع ما في قلبه من القدح في ذلك، لكن يُقَدِّم ما سواه دينًا على ما في قلبه، وإما أَنْ يبقى في قلبه ريبٌ واضطرابٌ، وإما أَنْ يجدَ هذا قادحًا عنده في الرسول إذا لم يكن جازمًا بنبوته وهو جازم بقبح هذا؛ فيقوم في قلبه أَنَّ محمدًا ﷺ شَرَعَ هذا، وأَنَّ شارعَ هذا لا يكون نبيًا = فمحمدٌ ليس بنبي، وهذا قائمٌ في نفوس كثيرٍ من اليهود والنصارى كما رأيناه في كتبهم وسمعناه منهم وممن أسلم منهم وممن سمع منهم، فأخبروا عما في نفوسهم من ذلك. وأما القسم الثالث: وهو اعتقاد لزوم الجزاء عند الشرط؛ فهذا موجود في نفس الاعتقاد تابع لما يعتقده الإنسان من شرع الإسلام، فمن اعتقد أن هذا التعليق موجب لوقوع الطلاق في شرع الإسلام = اعتقدَ هذا، سواء اعتقد ذلك اجتهادًا أو تقليدًا، وهذا الاعتقاد وأمثاله من الاعتقادات لا عبرة به باتفاق المسلمين، فمن تكلم بكلام اعتقده طلاقًا لم يكن طلاقًا بمجرد اعتقاده باتفاق المسلمين؛ بل الاعتبار بحكم الله ورسوله في ذلك. فمن الناس مَنْ يرى في المنام أنه طلَّقَ امرأته فيصبح يظن أنه وقع به

стр. 112

الطلاق كما جرى هذا لغير واحد، وهذا الاعتقاد لا [١١/ ب] يُوقَع به الطلاق باتفاق المسلمين؛ بل هم متفقون على أن النائم لا يقع به طلاق إذا رأى في منامه أنه طلق وإِنِ اعتقد وقوع الطلاق بذلك (١)، وقد سألني عن هذه المسألة مَنْ وقعت به ومن لم تقع به، وسألني مرة شخصٌ (٢) عمن رأى في منامه أنه حلفَ بالطلاق ليسافرنَّ من هذا البلد فأصبح عازمًا على السفر؛ بل أظنُّهُ خَرَجَ من البلد خوفًا أَنْ يحنث باليمين في منامه إذا لم يسافر. وإذا طَلَّقَ وهو سكرانٌ أو مكرهٌ ففي الوقوع نزاع بين العلماء (٣)؛ فلو فرض أنَّ الشخص اعتقد أنه يقع به الطلاق، لم يكن ذلك موجبًا للوقوع باتفاق العلماء؛ بل من العلماء ممن (٤) يرى أنه لم يقع به يفتيه بأنه لا يقع به وإن كان اعتقد أنه يقع به، وكذلك بالعكس لو اعتقد أنه لا يقع به لم يكن لاعتقاده تأثير في أنه لا يقع؛ بل من يرى أنه يقع به يفتيه بأنه يقع وإن اعتقد خلافه. لكن إذا اعتقد أَنَّ الطلاق لم يقع به، إما اجتهادًا وإما تقليدًا لمن يرى أنه عالم، سواء كان المفتي مصيبًا أو مخطئًا، أو اعتقد ذلك جهلًا؛ فإنه إذا وطئ امرأته بعد ذلك معتقدًا أنها امرأته وأنه لم يقع به الطلاق= لم يُحَدَّ بذلك،

стр. 113

ويلحقه نسب الولد فلا يكون ولد زنا؛ بل هو الذي تسميه العامة «ولد حلال» باتفاق العلماء، فإن النَّسَبَ وحرية الولدِ تتبعُ اعتقادَ الواطئ؛ فمن وطئ من يعتقدها امرأته وكان نكاحه فاسدًا، أو اعتقد أنه لم يقع (١) به الطلاق ولم يعلم أنه وقع به = فالولد يلحقه نسبه، ولا يقال: إنه ولد زنا. وكذلك لو وطئ مَنْ يعتقدها امرأته الحرة أو أمته، فإنَّ ولدَهُ حُرٌّ وإن كانت في الباطن مملوكةً لغيره، ويُسمَّى هذا «المغرور»، وهذا من الأحكام المعروفة عن الصحابة ﵃ والتابعين وسائر علماء المسلمين يجعلون النسب والحرية تتبع اعتقاد الواطئ وإنْ كان مخطئًا في اعتقاده، وهذا مبسوط في موضع آخر (١). والمقصود هنا: أَنَّ اعتقاد المعلِّق أنَّهُ يقع به الطلاق لا يوجب وقوع الطلاق إذا حنث باتفاق العلماء؛ بل مَنْ رَأَى أنَّهُ لا يقع الطلاق يقول: إنه لا يقع وإن اعتقد أنه يقع، ومَنْ قال: إنَّهُ يقع يقول: إنَّهُ وقع وإن اعتقد [١٢/ أ] أنه لم يقع؛ وهكذا الحكم في سائر الكلمات التي تحتمل الطلاق أو يظن أنها طلاق كألفاظ الكنايات. فلو قال الرجل لامرأته: أنتِ خَلِيَّة أو بَرِيَّة أو بائن أو بَتَّهٌ أو بَتْلَة أو حبلك على غاربك ونحو ذلك فإنه يرجع إلى مراده بهذا الكلام، هل أراد به الطلاق أم غير الطلاق؟ فإذا أراد به غير الطلاق لم يقع به وإن اعتقد أنه يقع به

стр. 114

الطلاق، وإن أراد الطلاق وقع وإن اعتقد أنه لم يقع، لكن إذا اعتقد أنَّ المفهوم من اللفظ إرادة الطلاق كان هذا مما يدل على أنه أراد به الطلاق فيقع به الطلاق لكونه أراده لا لمجرد اعتقاده. والحالفُ لم يرد وقوع الجزاء عند الشرط ومعه اعتقاده لوقوع الجزاء، والاعتقاد لا تأثير له، وكذلك معه عقد اليمين، وعقد اليمين يقتضي أنه جَعَلَ الجزاء لازمًا للشرط وهو قاصد للعقد مُرِيدٌ له؛ فَقَصْدُ عَقْدِ اليمين لا يمنع أن تكون يمينًا مكفرةً، واعتقاده وقوع الجزاء لا يمنع أن تكون يمينًا مكفَّرة. فينبغي أن تعرف هذه المعاني، فإنه بها تتبين زوال شبهاتٍ تعرض لكثير من الناس في مسائل الأيمان؛ فإنَّ من الناس مَن يشتبه عليه الاعتقاد والظن بالقصد والإرادة؛ فيجعل اعتقاده وقوع الطلاق كإرادته وقوع الطلاق أو موجبًا له أو هو هو. ومنهم مَنْ يشتبه عليه موجب العقد في الشرع الذي بعث الله به رسوله بموجبه (١) الذي أوجبه الحالف العاقد؛ والذي أوجبه الحالف العاقد لزوم الجزاء عند الشرط، لكن الشارع شرع تحليل هذه العقود وإبطال هذا الإيجاب بالكفارة التي فرض الله تعالى. ومنهم مَنْ يشتبه عليه قصده التعليق واللزوم بقصده وجود الجزاء اللازم، فجعل هذا الفعل هو ذاك أو مستلزمًا له؛ وهذا كُلُّهُ غلطٌ، بل المُعَلِّقُ تعليقًا يقصد به اليمين هو كارهٌ لوجود الجزاء وإن وجد الشرط، وهذه الكراهة يعلمها الناس بحسهم وعقلهم، فهذا أمرٌ معقولٌ عندهم لا يحتاجون

стр. 115

فيه إلى غيرهم، وليس هذا حكمًا شرعيًا ولا لغويًا. وأما كون هذا يسمى يمينًا في اللغة، فهو أَمْرٌ سمعيٌ لغويٌ [١٢/ ب]، وحكم هذا التعليق شرعي يرجع فيه إلى الله ورسوله، لا يُعلم هذا بمجرد العقل ولا اللغة ولا العرف ولا العادة ولا اعتقاد الناس ولا اعتقاد أحد من العلماء وغيرهم، لكن العلماء المجتهدون يَستدلون على موجَب هذا وغيره في الشرع بحسب اجتهادهم، والعلماء المجتهدون مَنْ عَرَفَ منهم حكم الله ورسوله في الباطنِ فله أجران، ومن لم يعرفْ ذلك لكن استفرغ وسعه في الاجتهاد فاتبع ما اعتقده حكم الله ورسوله = فإنه له أجر وخطؤه مغفور له؛ كالمجتهدين في جهة الكعبة من أصاب القبلة باطنًا وظاهرًا كان له أجران، ومن اعتقد أنه يصلي إلى الكعبة سقط الفرض عنه ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وإن كان قد استقبل ما يعتقده الكعبة لم يستقبل نفس الكعبة. فصلٌ قوله: (وإدراج الحلف بالطلاق في أيمان المسلمين إنما كان لإدخال مَنْ أدخلها في البيعة) (١). فيقال: ليس الأمر كذلك؛ ولا هذا الإدخال والتسمية مختصًا بالحلف بالطلاق، بل أهل الأرض كلُّهم على اختلاف عقولهم وأديانهم ومذاهبهم يسمون كل من عَلَّقَ تعليقًا يقصد به اليمين يكره فيه لزوم الجزاء وإن وجد الشرط = حالفًا، ويسمون هذا يمينًا، وتسمية مثلِ هذا حَلِفًا ويمينًا وتسمية صاحبه حالفًا يمينًا (٢) مشهورٌ عند العامة والخاصة؛ إما أن يكون مثل شهرةِ

стр. 116

الاقتضاء واللزوم عندهم أو أشهر من ذلك، فإنَّ تسميته يمينًا أَمْرٌ يتكلم به اللسان وتسمعه الآذان وتعقل معناه القلوب، وأما مجرد اللزوم فهو معنًى عقلي، وما يُعلم بالحس والعقل فهو أشهر مما يُعلم بالعقل وحده. وكذلك علم الأمم كلها بأن الحالف يكره وقوع الجزاء مشهور عند العامة والخاصة، وليس شهرة هذا بدون شهرة الاقتضاء؛ بل يقال: هو أشهر منه؛ لأنَّ علم الإنسان بكراهة نفسه مثلُ عِلْمِهِ بحبِّه وبغضه وعزمه وقصده وجوعه وعطشه ونحو ذلك من الأمور التي يجدها من نفسه ويحسها من باطنه فهي حسيات باطنة، ثم يعلم بالعقل أَنَّ هذا مثل هذا، بخلاف العلم بالاقتضاء فإنه عقلي محض، وما تعاضد على معرفته الحس والعقل كان أبلغ مما يُعْرَف بمجرد العقل [١٣/ أ]، وكون هذه أيمانًا مما يعرفه عموم الخلق كلهم. وأما كونها من أيمان المسلمين: فهذا بحسب اعتقاد موجَبها؛ فمن جعلها غير موجبة لا للزوم الجزاء ولا للكفارة فهي عنده ليست من أيمان المسلمين، بل من جنس الحلف بالمخلوقات، ومن جعلها توجب أحد هذين جعلها من أيمان المسلمين، وعلى هذا جمهور المسلمين قديمًا وحديثًا، ولم يُنْقَل عن الصحابة في جنس التعليقات التي يقصد بها اليمين إلا أحد هذين القولين وكذلك جماهير التابعين والعلماء، والقول بأنها أيمان غير منعقدة قول طائفة من التابعين وهو قول داود وابن جرير الطبري والإمامية، كما أن القول بأن الطلاق المعلق بالصفات لا يقع يحكى عن طائفة من الناس لم يُنْقَلْ هذا عن أحدٍ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. والقول بأن هذه ليست أيمانًا منعقدة أَضعفُ من قول مَنْ يقول: موجَبها لزوم ما علقه، فإنَّ هذا يشبه قول من جعل أيمان المسلمين لا كفارة فيها،

стр. 117

والثاني يشبه قول من جعل موجَبها الوفاءَ دون الكفارة، وهذا قد قيل إنه كان شرع أهل الكتاب؛ فالقول بلزوم ما عَلَّقَهُ من جنس الشرع المنسوخ شرعِ أهلِ الكتاب وما كانوا عليه في أول الإسلام، وأما القول بأنها غير منعقدة ولا توجب شيئًا فهذا قول من يجعل أيمان المسلمين لا توجب على الحالف شيئًا لا وفاء ولا كفارة، وهذا من جنس قول أهل الجاهلية الذي لم يشرع بحال، وشرعٌ منسوخٌ خيرٌ من قولٍ لم يشرع بحال (١). وليس هذا من خصائص هذه المسألة؛ بل كل مسألة فيها نزاع فالقول المخالف في نفس الأمر لحكم الله ورسوله لا بُدَّ أنْ يكونَ من جنسِ الدين المنسوخ أو المبدل (٢)، وإنْ كانَ قائله مجتهدًا مثابًا على ما فعله من طاعة الله ورسوله وخطؤه مغفور له، لكن ليس لله ورسوله في كلِّ حادثةٍ إلا حكمٌ واحدٌ هو الذي بعث به رسوله، وسائرها ليست كذلك وإِنْ عُذِرَ فيها أصحابها وَأُجِرُوا. ولهذا قال النبي ﷺ لسعد بن معاذ لما حكم في بني قريظة: «لقد حكمتَ فيهم بحكمِ اللهِ منْ فوقِ سبعة أرقعة» (٣).

стр. 118

وكان يقول لمن يُؤَمِّره على [١٣/ ب] سريةٍ أو جيش: «وإذا حاصرتَ أهلَ حصن فسألوك أنْ تُنْزِلَهُم على حكمِ الله فلا تنزلهم على حكم الله؛ فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك» (١) وكلا الحديثين في الصحيح. وقال سليمان ــ ﵇ ــ: «أسألك حكمًا يوافقُ حكمَكَ» وهو حديث جيد، رواه الحاكم في صحيحه (٢). ولهذا كان الصحابة كأبي بكر وابن مسعود وغيرهما يقول أحدهم: (أقولُ فيها برأيي؛ فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكنْ خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه) (٣).

стр. 119

والناسُ يُدخلون الحلفَ بالطلاقِ والظهارِ والحرامِ والنذرِ في أيمان المسلمين مع أن أكثرهم لا يعرفون أيمانَ البيعة، وقد كان الناسُ يسمونَ التعليق الذي يُقصدُ بِهِ اليمين يمينًا قبلَ أَنْ يُستحلفَ الناسُ في البيعة بهذه الأيمان؛ فقد سماها الصحابة مثل: عمر وابنه وابن عباس وعائشة وحفصة وزينب وغيرهم أيمانًا قبل أنْ تدخلَ هذه في أيمان البيعة. فإنَّ أولَ من رتَّبَ هذه الأيمان في البيعة هو: الحجاج بن يوسف على ما ذكره الفقهاء في كتبهم، والحجاج إنما تولى العراق بعد قتل ابن الزبير، وكان ابن عباس ﵄ قد ماتَ قبلَ ذلكَ بمدةٍ، وتوفي ابن عمر ﵄ عامَ قتل ابن الزبير سنة بضع وسبعين، وإمارةُ الحجَّاج على العراق من جهة عبد الملك وتحليفه الناس له بأيمان البيعة ــ الطلاق والعتاق وصدقة المال ــ [كان] (١) بعد هذا، ثم كان مِنَ الناس مَنْ يحلفهم بها ومنهم من لا يحلفهم.

стр. 120

وكانت إمارة هشام بن عبد الملك في أوائل المائة الثانية بعد عمر بن عبد العزيز وبعد أخيه يزيد، وهو آخر الأربعة من بني عبد الملك الذين تولوا الخلافة: الوليد وسليمان ويزيد وهشام؛ فكان توبة بن أبي أسيد لما امتنع أن يحلفهم بالطلاق قد أحسن إليهم حيث خرج عن العادة والسُّنَّة التي سَنَّهَا لهم الحجاج، وكانوا يحلفونهم بالله وبالنذر كصدقة المال ويحلفونهم بالطلاق والعتاق (١). ثم اليمين بالله تعالى مُكَفَّرَة بالكتاب والسنة والإجماع، وكذلك اليمين بالنذر عند جمهور السلف والخلف تكفر، وعليه دَلَّ [١٤/ أ] الكتاب والسنة، فكون الطلاق والعتاق مما كانوا يُحَلَّفُون به لا يمنع أن يكون من أيمان المسلمين المكفرة، كما كان الحلف بالله وبالنذر من أيمان المسلمين المكفرة وإن حلفوا بها. وأما قوله: (وهذا أمرٌ مشهورٌ عند العوام من ذلك العصر، ولولا ذلك لم يمتنعوا منه، ولم يحلِّفوهم به، ولاكتفوا منهم بالأيمان بالله (٢)). فيقال: أما تسمية التعليق الذي يُقصد به اليمين أيمانًا فهو مشهورٌ عند الخاصة والعامة قبل ذلك العصر بل قبل الإسلام، ورسول الله ﷺ قال: «مَنْ

стр. 121

حلفَ بملة غير الإسلام فهو كما قال» (١)، والصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر علماء المسلمين يسمون هذه أيمانًا. وأما تحليف الولاة أو غيرهم بها؛ فلا ريب أنَّ الصحابة لم يكونوا يحلِّفونَ أحدًا بطلاق ولا عتاق ولا ظهار ولا حرام ولا نذر مثل: الحلف بالمشي إلى مكة وصدقة المال وغير ذلك من الأيمان التي أحدث الحجاج ومن بعده تحليف الناس بها في البيعة، بل أحدث بعض قضاة الحنفية تحليفَ الناس أيمانَ الحكمِ بالطلاقِ مع أنَّ هذه بدعةٌ لم تُعْرَف عن أحد من السلف ولا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، وذكر ابن عبد البر إجماعَ العلماء على أنه ليس للحاكم أن يحلف الناس إلا باسم الله (٢). بل النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون لم يكونوا عند المبايعة يَحلِفون يمينًا أصلًا، بل كانت المبايعة عقدًا (٣) من العقود، فيقال: بايعناك على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأَثَرَةٍ علينا، وأن لا نُنَازعَ الأمرَ أهله. أو يقول: أو نقوم بالحق حيث ما كنا لا نخاف في الله لومة لائم (٤)، أو بايعناك على

стр. 122

أن لا نَفِرَّ (١)، بايعناك على الموت (٢). كما يقال: عاهدناك وعاقدناك. وكان النبي ﷺ يبايع الناس ويبايعونه، وذلك معاهدة ومعاقدة، وهي عقودٌ لازمة تنعقدُ بأيِّ لفظٍ دَلَّ على المقصود كسائر العقود، وهذه يجب الوفاء بها وإن لم يكن فيها حلف بالتزام ما يُكره لزومه، وقد تسمى يمينًا ــ أيضًا ــ، وما وجب الوفاء به من العقود مع الحلف بالأيمان التي يلتزم فيها ما يكره لزومه عند الحنث وجب الوفاء به [١٤/ ب] بدون ذلك، وما لم يجب الوفاء به بدون هذه الأيمان لم تكن اليمين موجبة لما لم يكن واجبًا، ولكنها تؤكد الواجب؛ فلما كان الناس على عهد النبي ﷺ وخلفائه يوفون بعقد المبايعة بلا إقسام، كانوا يبايعون بيعة مطلقةً (٣)، ثم لما حَدَثَ غَدْرُ الناس ونكثهم لبيعة أئمتهم وحدث ظلم الأئمة لهم صاروا يُغلِّظون مبايعتهم بالإقسام باسم الله، وتارة يَضُمُّونَ إلى ذلك ما يحلف به من أيمان المسلمين أو بعض ذلك. ومن المعلوم أنَّ هذا التغليظ لا يُغَيِّرُ حكمَ الله ورسوله؛ بل ما أوجبه الله من طاعة ولاة الأمور (٤) وحَرَّمَهُ من غِشِّهم والخروج عليهم= فهذا واجب ومحرم بدون البيعة، ومبايعتهم على ذلك مبايعة على ما هو واجب بدون المبايعة؛ كما أنَّ مبايعة الصحابة للرسول ﷺ مبايعة على ما هو واجب عليهم بدون المبايعة، فإنَّ طاعة الرسول ﷺ واجبة فيما يأمرهم به، بايعوه أولم يبايعوه، ولكن مبايعته التزام لأداء هذا الواجب بالشرع، كذلك المبايعة

стр. 123

الشرعية لولاة الأمور التزام لما أوجبه الله ــ تعالى ــ ورسوله لهم بالشرع، ليس في المبايعة لهم تغيير لما أمر الله به ورسوله (١). ثم لما أحدث الناس أَنْ يُقْسِمُوا على ذلك ويحلفوا عليه كانت هذه الأيمان مُؤَكِّدَةً لما أوجبه الله ورسوله ليست مغيرة لشرع الله ورسوله؛ فالواجب بها واجب وإن لم يحلف الحالف بها، ومن حلف بها على فعل محرم أو ترك واجب لم يكن له أن يفي بموجبها؛ فالكفار والمنافقون (٢) إذا حلَّفوا المسلم على أنَّه يعاونهم على الكفر بالله ومعصيته ومعصية رسوله وتضييع فرائضه وتضييع حدوده=لم يكن له أَنْ يوفي بهذه الأيمان، ولهذا كان المنافقون الملاحدة الباطنية يحلِّفون الناس بالأيمان المغلظة على كتمان أسرارهم، مظهرين لهم أنهم من أهل بيت رسول الله ﷺ ، وأنهم يدعون إلى الإيمان بالله ورسوله فيحلف لهم من يظنهم كذلك، ثم يتبيَّنُ له أنهم منافقون ملاحدة مبطنين الكفر بالله ورسوله وكتابه ودينه (٣). [و] (٤) صار الفقهاء يختلفون في موجب هذه الأيمان؛ [١٥/ أ] منهم من يقول: لا يلزم منها شيء؛ لأنَّ الحالف إنما حلف لمن يعتقده مؤمنًا وليًّا لله من آل بيت رسول الله ﷺ لم يحلف لمنافقٍ ملحدٍ. ومنهم من يقول: بل هي

стр. 124

أيمان لازمة؛ ثم يأمرون بتكفير ما يرون (١) تكفيره، وما لا كفارة له عندهم كالطلاق والعتاق يحتال له بالحيل التي ذكرها بعض من يراها أيمانًا (٢) لازمة إما بخلع اليمين وإما بدور الطلاق وإما بنكاح التحليل، وأما من يقول أيمان المسلمين مكفرة فغاية هذه أن تكون عنده أيمانًا مكفَّرة. والمقصود هنا: أنه ليس في تحليف مَنْ حَلَّفَ بذلك دليل على حكم شرعي أصلًا، ولكن من الناس من يقيم مذهبه بانتصاره ببعض الولاة الذين لا علم عندهم يفصلون به بين الناس فيما تنازعوا فيه، وقد يوهمونه أَنَّ أحد القولين يضاد مقصوده أو أنه يضره؛ وقد يكونون كاذبين في ذلك، ويكون قولهم أعظم مناقضة لمقصوده وأضر عليه وهو لا يعرف ذلك، ومن الناس مَنْ يكونُ مَيلُهُ إلى أحد القولين لهواه وغرضه لا لأجل أنه الحق الذي بعث الله به رسوله وهذا كثيرٌ في الولاة والرعية، وقد تجتمع شهوة وشبهة وإذا كان ذلك في الولاة كان مثل هذا من أسباب خفاء الحق في بعض المسائل عند كثير من الناس أو أكثرهم؛ كما قال ابن مسعود ﵁: (كيف بكم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير؟! إذا تركت بدعة، قيل: تركت السنة) (٣).

стр. 125

ولهذا كان بعض الناس قد يظلم بعض العلماء؛ كما ظلموا مالك بن أنس ــ رحمه الله تعالى ــ لما أفتى بأنَّ يمين المكره لا تنعقد، وضَرَبَهُ مَنْ ضَرَبَهُ بطريق الظلم ثلاثين سوطًا (١)، والشافعي ــ رحمه الله تعالى ــ ظلموه لما قَدِمُوا به على الرشيد (٢)، وقد روي أنه قيل له لما قَدِمَ على الرشيد بغداد: لا تتكلم في مسألتين: إحداهما: مسألة الحلف بالطلاق قبل النكاح (٣). والشافعي في قوله وقول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين: أنَّ الطلاق المعلَّق على النكاح باطل، فإذا حلف به لم يلزم شيء، ومذهب طائفة من السلف من الصحابة والتابعين: أنه يلزم في الخصوص كقول مالك، وذهب آخرون [١٥/ ب] إلى أنه يلزم في العموم والخصوص كقول أبي حنيفة؛ فعلى هذا القول إذا قال في أيمان البيعة: وكل امرأةٍ أتزوجها فهي

стр. 126

طالق= طلقت كل امرأة يتزوجها. وأبو حنيفة ــ ﵀ ــ وطائفة يقولون: يمين المكره منعقدة؛ فتبقى هذه اليمين لازمة وإنْ كانَ صاحبها مكرهًا، وأما مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء ــ رحمهم الله تعالى ــ فلا تَطْلُق عندهم كل امرأة يتزوجها لوجهين: أحدهما: لقوله: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. والثاني: كونه مكرهًا؛ ويمين المكره لا تنعقد. ومع هذا؛ فلم يكن في تحليف من حلف بها دليل شرعي على لزوم المعلَّق، وكذلك لم يكن في الإكراه على الأيمان في البيعة وغيرها دليل شرعي على انعقاد يمين المكره؛ فالاستدلال بتحليف مَنْ حَلَّفَ بأيمان الطلاق على أنهم لولا لزومه لهم لم يمتنعوا منه ولم يحلفوهم = حجةُ جاهلٍ بالأدلة الشرعية؛ كما لو استدل بمثل ذلك على لزوم النذر للحالف بالنذر، وعلى لزوم الطلاق المعلق بالملك لتحليف مَنْ حَلَّفَ به، والاستدلال على انعقاد يمين المكره لتحليف من حلف به، وكذلك الاستدلال بامتناع الممتنع من الحلف بأنه قد يمتنع من ذلك خوفًا أن يلزموه بطلاق امرأته إذا حنث وإنْ كان لا يعتقد ذلك، وقد يمتنع لاعتقاده لزوم الطلاق كما يعتقد لزوم ما علقه من النذر. وليس اعتقاد طائفة من المسلمين حجة شرعية يجب [أن] (١) ترد إليها الأحكام الشرعية، لاسيما والنزاع في مثل هذه المسائل غير مدفوع؛ فإنَّ أبا حنيفة مثلاً يقول: يمين المكره منعقدة، ويقول: إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، وكل عبد أملكه فهو حر= طلقت كل من تزوجها، وعَتَقَ كل من

стр. 127

يملكه، ويقول بلزوم النذر المحلوف به في المشهور عنه والطلاق والعتاق، وأكثر العلماء ينازعونه في ذلك. ومن رأى لزوم الأيمان وصعوبة ذلك احتاج إلى الاحتيال لمن يُبْتَلَى بذلك، فصنف محمد بن الحسن وغيره كتاب (الحيل) في هذا الباب وغيره (١)، واحتجوا بقصة أيوب ــ ﵇ ــ (٢)، بل صَدَّرُوا بها كتبهم، وهذه الحجة تروى عن بعض التابعين وأظنها مروية عن عطاء (٣)، وفهموا من الآية أن الله

стр. 128

[١٦/ أ] احتال لأيوب في يمينه، ونازعهم أكثر العلماء في ذلك؛ فمنهم من قال: تلك خاصة لأيوب، لأنَّ الله وجده صابرًا، ومنهم مَنْ قال: هذا شرع من قبلنا فلا يكون شرعًا لنا إلا بدليل خاص، وشرعنا قد جاء في الضرب الواجب بالتفريق، ومنهم مَنْ قال: لا حيلة في ذلك، بل لم يكن في شرعهم كفارة، وكانت اليمين توجب المحلوف عليه في شرعهم فخفف الواجب بالنذر، كما خفف الواجب بالشرع في ضرب الزاني فإنه يجب تفريق الضرب، وإذا كان مريضًا يخاف عليه من الضرب المفرق جُمِعَ عليه الضرب كما جاءت به السنة (١)، لم نَقُل ذلك في كل مريض يُخَافُ عليه، ونُقِلَ في المريض الذي

стр. 129

أيس من برئه (١)، وهما وجهان في مذهب أحمد (٢). وأنكر أكثر العلماء ما قاله أولئك في حيل الأيمان، وكانت الأيمان عند الجمهور لا تحتاج إلى الحيل التي احتاج إليها أولئك، لأنَّ يمين المكره لا تنعقد عند أكثرهم، وكذلك الحلف بالنذر يمين مكفرة عند الأكثرين إلا مالكًا؛ فمنْ طَرَدَ الدليل والقياس في الحلف بالطلاق والعتاق سَلِمَ من التناقض، وكان قوله متضمنًا إظهار محاسن الإسلام التي بعث بها خير الأنام، ومن تناقض قوله لم يكن ذلك قادحًا في حُسْنِ ما جاء به الرسول ﷺ وسلامته من التناقض. * * * *

стр. 130

فصلٌ قال المعترض: (السادس عشر: ما رواه البيهقي في كتاب (دلائل النبوة) في الجزء السادس بإسناده إلى الواقدي، ثم قال: وذكر موسى بن عقبة في المغازي هذه القصة بمعنى ما رويناه إلا أنه ذكر في قصة الكنز أنَّ رسول الله ﷺ سأل كنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق عن ذلك، وسأل مع كنانة حيي بن الربيع بن أبي الحقيق فقالا: أنفقناه في الحرب، ولم يبق منه شيء. وحَلَفَا له على ذلك. فقال رسول الله ﷺ : «برئت منكما ذمة الله وذمة رسوله إنْ كان عندكما» أو قال نحوًا من هذا القول. فقالا: نعم؛ فأشهد عليهما، ثم أمر الزبير بن العوام أنْ يُعَذِّبَ [١٦/ ب] كنانةَ فعذَّبَهُ حتى خافه فلم يعترف بشيء (١). وفي رواية الواقدي في مصالحته يهود: فقال رسول الله ﷺ : «وبرئت منكما ذمة الله وذمة رسوله إنْ كتمتموني شيئًا» فصالحوه (٢). ورواه البيهقي من طريق آخر قال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو جعفر البغدادي قال: [حدثنا علاثة] (٣)، حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة،

стр. 131

حدثنا أبو الأسود، عن عروة بن الزبير: ثم إنَّ المسلمين حاصروا اليهود أشدَّ الحصار، فلمَّا رأوا ذلك سألوا رسول الله ﷺ الأَمَنَةَ على دمائهم ويتبرؤون (١) له من خيبر وأرضها وما كان لهم من مال، فقاضاهم على الصفراء والبيضاء ــ وهو: الدينار والدرهم ــ وعلى الحلقة ــ وهي: الأداة ــ وعلى البَزِّ إلا ثوبًا على ظهر إنسان، وبرئت ذمة الله منكم إن كتمتم شيئًا، ثم ذكر بقيته إلى أنْ قال: [ثم إن] (٢) رسول الله ﷺ أمر الزبير فدفع كنانة بن أبي الحقيق إلى محمد بن مسلمة فقتله (٣). فهذه القصة تضمنت التعليق المقصود به المنع من الكتمان، ولما كتموا ترتب عليه مشروطه وهو براءة ذمة الله وذمة رسوله، لأمره ﷺ بقتل كنانة بن أبي الحقيق، وكذلك القصة الأولى تضمنت تعليقًا مقصودًا به التصديق. فإنْ قلتَ: القتلُ لم يكن بمقتضى الشرط، وإنما كان لأنَّ المصالحة وقعت على الوفاء بالشرط، فلمَّا لم يفوا به رجعوا إلى الأصل الذي كانوا عليه وهو الحرابة. قلتُ: ابن تيمية يَدَّعِي أَنَّ الشرط متى لم يكن مقصودًا في نفسه، وَقُصِدَ به حث أو منع أو تصديق أو تكذيب لم يترتب عليه إلا الكفارة وهذه القصة ترد عليه، والله أعلم) (٤).

стр. 132

والجواب بعد النزول عن المطالبة بصحة الحديث: بأنه ليس فيه حجة على محل النزاع؛ فلهذا لم نحتجْ إلى المطالبة بصحته؛ وذلك أَنَّ قولَهُ: «برئت منكم ذمة الله إن كان عندكما شيء»، وقوله (١): «برئت ذمة الله منكم إن كتمتم شيئًا» ليس من الأيمان المعقودة، بل هو من جنس تعليق فسخِ العقود على الشروط، كقول المشتري: إِنْ جئتك بالثمن إلى وقت كذا وإلا فلا بيع بيننا، وسواء كان هذا الشرط صحيحًا أو فاسدًا، فإنَّ في ذلك نزاعًا بين العلماء، وأكثرهم على أنه شرط صحيح، وذلك منقول عن [١٧/ أ] ابن عباس ﵄، ومثل قول أحد الشريكين للآخر: إِنْ خالفتَ شرطي فلا شركةَ بيننا أو فقد فسخت الشركة، وقول الوكيل لوكيله: إِنْ لم تفعل كذا فقد عزلتك عن الوكالة؛ فالنبي ﷺ عَلَّقَ براءته من الذمة التي بينه وبينهم على كتمان شيء. وكذلك في شروط عمر ﵁ على النصارى (٢) شَرَطَ مثل هذا، فقال: إِنْ خالفتم شيئًا مما شرطناه عليكم فقد حَلَّ لنا منكم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق (٣)، وليس هذا وأمثاله من جنس الأيمان التي فرض الله

стр. 133

تحلتها عند أحد من العقلاء، وقد تقدم نظير هذا. ومن العجب: أنَّ القول المعروف بأن مثل هذا المعترض وأمثاله يتقلدونه هو مخالف للنصوص التي يحتجون بها (١)، ويحتجون بتلك النصوص حيث لا تكون حجة لهم، فيتضمن قولهم أنهم يخالفون النصوص فيما دلت عليه، ويحتجون بها فيما لم تدل عليه؛ كما احتج بقول النبي ﷺ : «أميركم زيد، فإن قتل فجعفر، فإن قتل فعبد الله بن رواحة» رواه البخاري (٢)، وهذا حديث صحيح يخالفونه فيما دلت عليه وفي نظائره، ويحتج به المعترض فيما لم يدل عليه؛ بل فيما دلت النصوص على نقيضه، فإن النصوص دلت على تكفير أيمان المسلمين، فإذا احتج به على أنه لا كفارة في بعضها كان ذلك تركًا للنصوص في الموضعين، واستدلالًا

стр. 134

بالنصوص فيما لم تدل عليه، وهذا غاية ما يكون من تحريف الكلم عن مواضعه ولبس الحق بالباطل، وإن كان صاحبه المتأوِّل معه مغفورًا له خطؤه، وهو مأجور على ما فعله من الحق. وكذلك هذا الحديث هو وشروط عمر ﵁ تدل على أن أهل العهد إذا خالفوا العهد بترك شيء مما شُرِطَ عليهم = انتقض عهدهم وحَلَّت دماؤهم وأموالهم، لا سيما مع بيان ذلك بقوله: «وبرئت منكم ذمة الله إن كتمتم شيئًا» مع أن كثيرًا منهم ينازع في هذا. وقد أورد على نفسه سؤالًا صحيحًا، وأجاب عنه بجواب كذب! فقال: (فإنْ قلتَ: القتل لم يكن بمقتضى الشرط، وإنما كان لأن المصالحة وقعت على الوفاء بالشرط، فلما لم يَفُوا به رجعوا إلى الأصل الذي كانوا عليه؛ وهو الحرابة. قلت: ابن تيمية يَدَّعي أنَّ [١٧/ ب] الشرط متى لم يكن مقصودًا في نفسه، وَقُصِدَ به حث أو منع أو تصديق أو تكذيب لم يترتب عليه إلا الكفارة؛ وهذه القصة ترد عليه). فيقال له: هذا غلطٌ مقطوعٌ بغلط صاحبه على ابن تيمية؛ [إذ لم يقل] (١) هذا قط! بل ولا خَطَرَ هذا بقلبه، ولا قال هذا أحد من الناس قبله، ولا يقول هذا عاقل! وكلام ابن تيمية وكتبه الكثيرة المصنفة في الأيمان والطلاق كلها تُصَرِّحُ بنقيض هذا القول تصريحًا لا يحتمل النقيض. وهذا من جنس كذب مَنْ يقول: ابن تيمية يفتي بالكفارة في كل طلاق

стр. 135

معلَّق لأنَّ هذا حالف، أو يفتي به في كل طلاق لأنَّ المطلق حالف؛ وابن تيمية إنما قال ذلك فيمن حلف يمينًا سواء كانت بصيغة القسم أو بصيغة التعليق (١). والتعليق الذي يُقْصَدُ به القسم تسميه الناس كلهم يمينًا، والصحابة ﵃ سموه يمينًا، وأفتوا فيه بكفارة يمين، وروي عن بعضهم رواية أخرى أنهم ألزموا بموجَبه، وجمهور التابعين بعدهم يسمون هذا التعليق يمينًا، وأكثرهم أفتوا في جنس هذا التعليق بكفارة، ومنهم مَنْ خَصَّصَ، لكنَّ اسم اليمين لم يتنازعوا فيه. وابن تيمية سماه يمينًا كما سماه هؤلاء يمينًا، وأدخل في اليمين المذكورة في القرآن هذا التعليق الذي يقصد به اليمين كما أدخله الصحابة في القرآن، ولم يُفَرِّق بين تعليق وتعليق إذا كان كلاهما يُقْصَدُ به اليمين، والصحابة ﵃ لم يعرف عن أحد منهم أنه فَرَّقَ بين تعليق وتعليق، وكذلك كثيرٌ من التابعين ومن بعدهم لم يُعْرَف عنه الفرق، بل منهم مَنْ عُرِفَ منه طردُ الأصل الذي دَلَّ عليه القرآن، ومنهم مَنْ عُرِفَ أصله ولم يعرف تناقضه، ومنهم من تناقض؛ وكذلك مَنْ بعدهم. ومعلومٌ أن هؤلاء لم يجعل أحدٌ منهم كُلَّ شرطٍ لم يقصد وقصد به حث أو منع يمينًا، بل هم وسائر الأمم يعلمون أنَّ الشرط الذي لم يقصد وقصد به حث أو منع إذا كان المعلق به وعيدًا كان جنسًا آخر غير اليمين، بل غالب (٢) ما يستعمل الفقهاء لفظ الحث والمنع فيما يخص اليمين، وما سوى ذلك يسمى أمرًا ونهيًا وشرطًا وعقدًا، كما يقال: شَرط عليهم ألا يكتموا شيئًا [١٨/ أ] وقال:

стр. 136

«إن كتمتموني شيئًا برئت منكم الذمة» ومثل هذا لا يدخل في قول الفقهاء: إذا حلف يمينًا يقصد بها حضًا أو منعًا، فإنه لا يسمى يمينًا بحال، وهم لا يُدخلون هذا في لفظ الحض والمنع الذي يستعملونه (١) في الأيمان، وإنْ كان يسمى في اللغة منعًا؛ فإنَّ هذا مَنْعٌ دخل بين اثنين فصار له اسم يخصه. وإنْ كان المعلَّق به دعاءً على الغير لم يكن يمينًا؛ كما يقول الإنسان لغيره: إنْ ظلمتني فالله ينتقم منك، وإن لم تعطني حقي فالله يأخذ حقي منك ونحو ذلك؛ فإنَّ هذا شرط ليس مقصودًا في نفسه، ومقصوده أَنْ يعطيه حقه وليس يمينًا، بخلاف ما لو كان الدعاء على نفسه كقوله: إنْ لم أعطك حقك يقطع الله يدي ورجلي؛ فهذا يمين سواء كانت مُكفَّرة أو غير مُكفَّرة. وكذلك ألفاظ الوعيد كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ [الأنفال: ١٩] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]، ولم يقل أحدٌ أَنَّ هذا يمين. وقوله ﷺ : «لا نصرني الله إنْ لم أنصر بني بكر» (٢) يمين، وكذلك قول القائل: إِنْ لم أفعل كذا، وإن فعلت كذا فكل مملوك لي حرٌّ وكل امرأة لي طالق وعليَّ ثلاثون حجة ومالي صدقة= يمينٌ.

стр. 137

وإذا قال: إِنْ خالفتِ أمري أو عصيتني أو فعلتِ ما نهيتُكِ عنه فأنت طالق ــ وقصدُهُ أَنْ يقعَ الطلاقُ إذا فعلت ذلك ــ فهذا مُطَلِّقٌ عند الصفة طلاقًا مقيدًا موصوفًا بتلك الصفة ليس هذا بحالف، ولو قال: الطلاق يلزمني لا تفعلي كذا وكذا أو إِنْ فعلتيه فأنت طالق، وهو يكره وقوع الطلاق وإِنْ فَعَلَتْهُ كما يكره طلاق نسائه وعتق عبيده وخروجه من ماله وبراءته من دين الإسلام، وإنما عَلَّقَ ذلك المكروه لاعتقاده أَنَّهُ إذا حلفَ عليها تَبَرُّ قَسَمَهُ إما إكرامًا له وإما خوفًا من ضررٍ يلحقه بتحنيثه يمينَه أو طلاقها = فهذا حالف. والحالف يحلف وهو يعتقد أَنَّ المحلوف عليه يَبَرُّ قسمه، ولو اعتقد أنه يحنثه لم يحلف إذا اعتقد أنه يلزمه ذلك المكروه؛ فالحالف باللوازم التي يكره لزومها إذا اعتقد أنها تلزمه لم يحلف إلا إذا اعتقد أنه لا يحنث، لا يقع في العادة أن يعلم أن تلك المكروهات التي لا يريدها تلزمه إذا حنث ويعلم أنه يحنث وهو مع ذلك [١٨/ ب] يحلف، فإنَّ هذا يستلزم أن يكون غير مريد لِأَنْ يقع بحال، ويفعل ما يعلم أنه مستلزم لوقوعها، وإرادةُ الملزومِ إرادةٌ للازم، فيلزم أن يكون غير مريد وهو مريد، وهذا لا يفعله إلا من يكون مكرهًا على اليمين، وكثيرًا ما يعتقد الحالف أنه لا يحنث ثم يحنث. وأما إذا اعتقد أنه لا بُدَّ أَنْ يحنث وحلف؛ فهذا يكون ممن يرى في الحنث مخرجًا، أو أَنْ يُقَدِّرَ في نفسِهِ أنه إذا حنث لزمه ذلك الأمر الذي لم يرده البتة، ولكن حصل بغير إرادته فيحتمله كما يحتمل المكرَه ما يُكرَه عليه من العقاب الحاصل بغير إرادته، وإِنْ علم أَنَّ مقصوده لا يحصل بدونه. وأما المعلِّق الذي يقصد الإيقاع فهو يريده إذا وجد الشرط ويعلقه به مع علمه بأنَّ الشرط يكون، بل إذا علم وجود الشرط كان أدعى له إلى الإيقاع،

стр. 138

وقد يُعَلِّقُ الطلاق بفعلها ظنًّا أنها لا تختار الطلاق، سواء كان الشرط مقصودًا أو غير مقصود، كما يقول لها: إِنْ أبرأتني من صداقك فأنت طالق، وهو يظن أنها لا تبرئه ولا تختار طلاقه، ولو عَلِمَ ذلك لم يقل لها ذلك، لكن يقول ذلك ليريها أنه ليس براغب فيها إذا فعلت ذلك مع أنه راغب فيها؛ فهذا في وقوع الطلاق به نزاع. وكذلك لو اعتقد أنها فعلت أمرًا نهاها عنه فقال: هي طالق، ثم تبين له أنها لم تفعله؛ ففي وقوع الطلاق به قولان معروفان، والأظهر: أنه لا يقع؛ كما قد بسط في موضع آخر (١). والمقصود هنا: أنَّ التعليق الذي يَقصد به يمينًا ــ حضًّا أو منعًا أو تصديقًا أو تكذيبًا ــ يسميها الصحابة والتابعون وعامة العلماء وأهل الإسلام يمينًا، ولا يسمون ما ذكره من تعليق فسخ العقود يمينًا كقوله: «برئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتم شيئًا» (٢). ومن الفقهاء مَنْ يسمي كل تعليق للطلاق يُقصد به حضٌّ أو منعٌ يمينًا، أو كُلَّ تعليقٍ للطلاق يمينًا، ولا يسمون هذه التعليقات يمينًا وإِنْ كان فيها حضٌّ أو منعٌ= لكن هذان عرفان حادثان، وهؤلاء عمموا الاسم دون الحكم. ولم يُعْرَف تسمية ذلك يمينًا عن الصحابة بل ولا عن التابعين لكونهم كانوا أحدث علمًا باللغة [١٩/ أ] التي نزل بها القرآن، وكانوا أعرف بمعنى اليمين المعقول والفرق بينه وبين غيره؛ ولهذا كان جمهورهم على التكفير

стр. 139

فيما يظهر فيه معنى اليمين كالحلف بالنذر، فإنَّ الشرط هناك إذا لم يكن مقصودًا لم يكن الجزاء مقصودًا ــ أيضًا ــ من الأمر العام، بخلاف الطلاق فإنه قد يكون الشرط فيه غير مقصود والجزاء فيه مقصود؛ فلما رأوا في تعليق الطلاق الذي يقصد به الحض والمنع ما يقصد به الطلاق كثيرًا بخلاف تعليق النذر = كان هذا مما أوجب إفتاءهم في كثيرٍ من تعليق الطلاق الذي يقصد به الحض والمنع بالوقوع. ثم منهم مَنْ فَرَّقَ بين قصد اليمين وغيره طردًا للأصل وتسويةً بين المتماثلين، ومنهم من لم يُفَرِّق لاشتباه أحد النوعين بالآخر، ونظرًا إلى قصد الحض والمنع في تعليق الطلاق ليس موجب كونه يمينًا العادة المعروفة، بل قد يَقْصِدُ ذلك ولا يكون يمينًا، لا سيما حيث كانوا لا يحلفون بالطلاق أو لا يكاد يُحلف به إلا نادرًا (١)؛ فكان المعتاد منهم أَنَّ تعليق الطلاق مع قصد الحض والمنع ليس بيمين بل تطليق، ثم صار الناس يعلقونه تعليق يمين كما يعلقون النذر وغيره فيكونون ممتنعين من إيقاعه ووقوعه عند الصفة، وإنما علقوه مع ذلك لئلا يقع الشرط فقط لا ليقع الطلاق بحال سواء وقع الشرط أو لم يقع، بل هم ممتنعون من إيقاعه على التقديرين، وهؤلاء كارهون للشرط كارهون للجزاء وإِنْ وجدَ الشرط. والحالف لا يكون حالفًا إلا بهذين الشرطين: بكراهة الجزاء، مع قصد الحض والمنع، لا أَنَّ مجردَ الحض والمنع يصير به وحده حالفًا. وكذلك قصد التصديق والتكذيب لا بُدَّ أن يكون معه كارهًا للزوم ما

стр. 140

عَلَّقَهُ من الطلاق سواء [أكان] (١) خبره مطابقًا أو غير مطابقٍ، وأما إذا قصد وقوع الطلاق عند مطابقة الخبر، فهذا ليس بحالف في الحقيقة وإِنْ أظهرَ أنه حالف، بل هذا يقع به الطلاق؛ فلو قال: ما فعلتُ كذا وإن كنتُ فعلته [فامرأتي طالق] (٢)، أو الطلاق يلزمني ما فعلته وهو يعلم أنه فعله، وقصده أن يوقع الطلاق بها وأظهر ذلك في صورة اليمين ليكون [١٩/ ب] ذلك عذرًا له عند مَنْ يلومه على الطلاق فيقول: أنا قصدت أن أبرئ نفسي فحلفت لها= فهذا يقع به الطلاق. وأما الذي يقصد اليمين فلا يكون إلا كارهًا للزوم الجزاء المعلَّق وإِنْ وجد الشرط، فهو وإِنْ حَلَفَ يمينًا غموسًا فقال: ما فعلتُ وإِنْ كنتُ فعلتُهُ فامرأتي طالق، فهو لا يريد أَنْ يطلقها وإِنْ كان فَعَلَهُ (٣)، بل أظهر هذا اللزوم ليظهر للناس أنه صادق حيث إِنَّه (٤) جعل كذبه ملزوم الطلاق، وهم يعلمون أنه لم يقصد الطلاق وأنه (٥) لم يرده وإن كان كاذبًا، لكن جَعَلَهُ لازمًا له على تقدير الكذب نافيًا للكذب، لا على تقدير الكذب مثبتًا للكذب، فَجَعَلَهُ لازمًا للكذب الذي نفاه، ومع نفي اللزوم لا يكون مثبتًا للازم قاصدًا لوقوعه مع ثبوت الملزوم، فإنه مع ثبوت كذبه لم يقصد وقوع الطلاق وإن جعله لازمًا له مع نفيه للملزوم.

стр. 141

وأيضًا؛ فالحض والمنع إذا دخل في عقد آخر غير عقد اليمين كان له اسم آخر، مثل دخوله في العقد بين اثنين مثل: عقد النكاح والبيع والإجارة؛ فإنه تضمن أن كلًا منهما يطلب من الآخر مقصوده ولا يسمي الفقهاء هذا حضًّا، وتضمن أَنَّ كلًا منهما يمنع الآخر عن خلاف موجَب العقد ولا يسمون هذا منعًا، بل لفظ الحض والمنع يَخُصُّونَهُ بالطلب المؤكد بالقسم. فإنَّ لفظ الحث يتضمن نوع تأكيد للطلب والاقتضاء، فلا يستعمل هذا غالبًا في مطلق الطلب، بل في الطلب المؤكد، كما يقال: حَضَّهُ وحَرَّضَهُ، فإذا قُرِنَ بهذا المنع أرادوا به المنع المؤكد بالقسم؛ ففيهما معنى الأمر والنهي، لكن أمر مؤكد بالقسم ونهي مؤكَّد بالقسم (١). فصار لفظ اليمين ولفظ الحض والمنع يقتضي تخصيص ذلك بالمؤكد، والمؤكد هو الذي يُعلِّقُ به ما يكره لزومه له وإن وجد الشرط، فإنَّ ما كان كذلك كان التخصيص والمنع به أبلغ من جهة الحالف، فإنه إذا التزم عند المخالفة ما يكره لزومه له كان أشد امتناعًا منه، بخلاف ما إذا التزم ما لا يكره هو لزومه له، فإنه لا تكون كراهته له مثل كراهته لما يلتزم به ما يكره، كمن [٢٠/ أ] نهى غيره عن فِعْلٍ وتوعَّدَهُ عليه بعقابه، فإنَّ العقاب ضررٌ يلحق بالمنهي الممنوع لا بالناهي المانع، بخلاف لزوم ما يكره عند الحنث فإنه ضرر يلحق بالمانع الحالف لا بالممنوع المحلوف عليه، لكن قد يضره من جهة أخرى كما يضر المرأة أنْ تُطَلَّق.

стр. 142

ولكن الحلف بالطلاق لا يختص بمنع المرأة، بل قد يحلف به لمنع نفسه، وقد يحلف لمنع صديق له أجنبي، وبمنع ولده ومملوكه، ويحلف به لمنع امرأته؛ وغير المرأة لا يلحقها الطلاق فلا يتضرر بوقوعه، مع أنه قد يحلف عليه بالطلاق، كما قد يحلف عليه بصدقة ماله وتحريم الحلال عليه وغير ذلك مما لا يكون الضرر فيه بالحنث إلا على الحالف، وإنْ كان قد يلحق غيره ضررٌ آخر بالعرض، ولو لم يكن إلا مخالفة الحالف الذي يوجب أن يعاقبه على تحنيثه له. * * * *

стр. 143

فصلٌ قال المعترض: (السابع عشر: لمَّا قالت بنو لَحْيَان لسرية عاصم بن ثابت: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلًا. فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر (١). وقول جُبير بن مُطْعِم لمولاه وحشي لما قَتَلَ حمزةُ طعيمةَ بنَ عدي بنِ الخيار ببدر: إِنْ قتلتَ حمزةَ بِعَمِّي فأنت حر، فقتل وحشيٌّ حمزةَ (٢) عام عَينين ــ جبلٌ بحيالِ أُحُدٍ (٣) ــ (٤). وجه الاستدلال من هاتين القصتين: أَنَّ المقصود بهذين التعليقين الحثُّ على تحصيل الشرط من القتل والنزول، فهو يشبه قوله: إِنْ لم يفعل كذا فأنت حر، فلو كان ذلك التعليق لا يترتب عليه الحرية (٥) ولم يحصل مشروطه لكان هنا كذلك، لا يترتب عليه عتق وحشي ولا حصول الذمة لسرية عاصم، وهو خلاف ما فهموه منهم وفهمه كل أحد، وهم أهل اللسان وَصِحَابُهُ ــ أعني: سرية عاصم ــ فليس يخفى عنهم مدلول اللفظ لغة وشرعًا، وكذلك ما لا يحصى من

стр. 144

الشروط الواردة في الكتاب والسنة؛ والله أعلم) (١). والجواب أن يقال: أما قول جبير بن مطعم (٢): إِنْ قتلتَ حمزة بعمي فأنت حر، فإيرادُ هذا في الاستدلال في هذا المكان في غاية الفساد وبُعد الذهن، فإنَّ هذا شرطٌ مقصودُ الوجود، وتقدم الكلام فيه غير مرة: أَنَّ الشرط إما أَنْ يكونَ يمينًا إذا كان غير مقصود فيكون منعًا منه. وأَمَّا الحضُّ عليه [٢٠/ ب] فلا بُدَّ أن يكون مع حرف النفي، فيقول: إنْ سافرتُ معكم فعبدي حر؛ فهنا مقصوده منع نفسه من السفر، ومراده ألا يسافر، وأما إذا قال: إِنْ لم أسافر معكم فعبدي حر؛ فهنا مقصوده حض نفسه على السفر، ومراده أنه يسافر؛ كمسألة ليلى بنت العجماء فإنها قالت لمملوكها: إِنْ لم أُفَرِّقْ بينك وبين امرأتك فمالي في سبيل الله وعليَّ (٣) المشي إلى بيت الله وكل مملوك لي حر وأنا يومًا يهودية ويومًا نصرانية؛ فهذه كان مقصودها حض نفسها على التفريق بين الزوجين؛ ولهذا قال لها الصحابة: يا هاروت وماروت! خَلِّ بينَ الرجل وبين امرأته، وكَفِّرِي يمينك (٤)؛ فأتت بصيغة الشرط مع حرف النفي. فإنَّ الحلف بصيغة التعليق المقدَّم فيها الشرط يكون المنفي في الشرط

стр. 145

مثبتًا والمثبت منتفيًا، والمقدم في صيغة الشرط والجزاء مؤخرًا في صيغة القسم والمؤخَّر مقدمًا، فلو حَلَفَتْ بصيغة القسم لقالت: العتق يلزمني والمشي يلزمني والصدقة بمالي تلزمني لَأُفَرِّق بينك وبين امرأتك؛ كما يقول الحالف: الطلاق يلزمني لأفرقنَّ بينك وبين امرأتك، ولو قال: هذه الأشياء تلزمني إن لم أفعل هذا كان الشرط مثبتًا وكانت هذه صيغة شرط أيضًا. فإنَّ الجملة الشرطية يُقَدَّمُ فيها الشرط تارة ويؤخر أخرى، والأصل فيه أن يكون مقدمًا، فإنه له صَدْرُ الكلام، وجوابه بعده إذ كان هو السبب للجزاء، والسبب يتقدم على المسبب. واختلف النحاة فيما إذا أُخِّرَ كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وقول الحالف: والله لأفعلنَّ كذا إن شاء الله، وقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] ونحو ذلك؛ فذهب سيبويه وأصحابه إلى أن جواب هذا الشرط محذوف لدلالة ما تقدم عليه، وقالوا: الكلام كلمتان تقديره: لأفعلن كذا إن شاء الله لأفعلنه، لكنه حذف جواب الشرط المذكور لدلالة ما تقدم عليه، وذهب الفَرَّاء وغيره إلى أن هذا الشرط متعلق بما قبله وليس في الكلام محذوف، وجعلوا الشرط يقدم تارة ويتأخر أخرى، وهذا أرجح القولين، وكما أن جواب القسم يحذف إذا سَدَّ مسدَّهُ [٢١/ أ] جواب الشرط، ولا يكون هناك جواب قسم محذوف؛ فكذلك إذا تقدم جواب الشرط أغنى عن تأخره ولا يكون هناك شيء محذوف ولا يخطر ببال أحد ولا استعمل قط، وما لا يخطر ببال المتكلم ولم يذكر في الاستعمال لم يجز أن يجعل محذوفًا، فإنَّ المتكلم إنما يقصد أن يربط بالشرط المؤخر ما تقدم من الجملة,
следующие страницы →