← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 32384

الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق

ابن تيمية

Полный текст (1 081 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

للبحوث والدراسات، وتقع النسخة في (٥٥) لوحة، في كل صفحة (٢٧) سطرًا، في كلِّ سطر قرابة خمسةَ عشرَ كلمةً. كُتِبَ في اللوحة الأولى عنوان المخطوط بخط كبير (كتاب التحقيق في مسألة التعليق)، وتحته اسم المؤلف تقي الدين السبكي، وفي أعلى العنوان من الجهة اليسرى كتب (بالله يَثق العبد الفقير محمدٌ، حسبه ربي وكفى)، وبجانب اسم المؤلف خَتْمُ وقفية الكتاب، وفيها (وقف لله تعالى هذا الكتاب محمد السيد أبو الأنوار) (١). والنسخة ناقصة الآخر حيث انتهت المصوَّرة والكلام لا يزال متصلًا. وخطُّ النسخة مقروءٌ في الجملة، ويوجد لَحَق وتصحيحات على هوامش النسخة، مع أنها لا تَسلم من الأخطاء. المبحث السابع: منهج التحقيق: وقد اعتنيت بالكتاب وفق المنهج التالي: ١ ــ نسخ المخطوط وفق القواعد الإملائية ــ ما عدا الآيات فقد جعلتها موافقة للرسم العثماني ــ ومقابلته ثلاث مرات (٢). ٢ ــ تقسيم الكتاب إلى فقرات، وإضافة علامات الترقيم. _________ (١) هذا ما استطعت قراءته. (٢) آخرها كان غالبه مع الشيخ: عبد السلام بن إبراهيم الحصين، وفي مواضع منه مع الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن القادري؛ فجزاهما الله خيرًا على ما بذلاه من الوقت والجهد.

стр. 72

٣ ــ عزو الآيات إلى مواضعها من القرآن الكريم. ٤ ــ تخريج الأحاديث والآثار؛ وذلك من خلال المنهج التالي: أـ إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما؛ فأكتفي بالعزو إليهما دون غيرهما إلا عند الحاجة إلى ذلك. ب ــ ما كان خارج الصحيحين فإني أكتفي بذكر بعض المصادر مبتدأً بمن تقدمت وفاته، وفي الغالب أني لا أتجاوز الكتب المشهورة كالسنن الأربع ومسند الإمام أحمد ونحوها إلا عند الحاجة. هـ - ذيلت تخريج الحديث والأثر ــ قدر الطاقة ــ بذكر المصادر التي اعتنت بتخريجه وبيان طرقه ورواياته، ومثله العزو للكتب المسندة التي خُرِّجَت أحاديثها تخريجًا موسَّعًا كمسند أحمد وغيره. وـ الحديث الذي يذكره المصنِّف دون بيان راويه أو مصدره، فأشير إلى بعض مَنْ رواه من الصحابة إنْ وجد. ٥ ــ اجتهدتُ في توثيق النصوص والأقوال التي ينقلها شيخ الإسلام من مصادرها الأصلية، وإنْ تعذَّر ذلك لكونه مفقودًا أو غير ذلك فأُشير إلى من نقله؛ وكل هذا حسب الوسع والطاقة. ٦ ــ قمتُ بعزو كلام السبكي إلى رَدِّهِ الكبير على ابن تيمية المسمَّى بِـ (التحقيق في مسألة التعليق) حيث لم أعثر على مخطوطٍ لِـ (رافع الشقاق)، والذي يَحتمل أن يكون هو الكتاب المردود عليه. ٧ ــ ترجمتُ للأعلام غير المشهورين ــ من وجهة نظري ــ ممن نقل كلامه المجيب أو المعترض، أما رجال الأسانيد ونحو ذلك فلم أُترجم لأحدٍ منهم.

стр. 73

٨ ــ ربطتُ ــ حسب المستطاع ــ إحالات المصنف التي يُشير إلى بسطها في موضع آخر مع كتبه الأخرى. ٩ ــ علقتُ على مواضع من الكتاب بتتميم فائدة، أو ذكرٍ لاختيار ابن تيمية، أو مواضعَ بحثِ هذه المسألة من كتبه الأخرى، أو نحو ذلك مما رأيتُ فائدته لقارئ الكتاب؛ ملتزمًا في ذلك كلِّه الاختصار. وأرجو ألا أكون داخلًا فيمن عناهم الشيخ عبد الرحمن ابن قاسم ﵀ في مقدمته لمجموع الفتاوى (١ / د): (وأعيذ بالله مَنْ قد يتولاه أنْ يُحَشِّي عليه، فهو ذهبٌ مصفَّى، حقَّقَهُ مَنْ قد علمتَ نزرًا من مزايا فضله، فهو غنيٌّ عَن زعم تحقيق بعض العصريين الذين لم يَبلغوا شأوه، وغَنِيٌّ عن عنونتهم وغيرها أثناء كلامه، وعن تعليقاتهم؛ فلبعضهم من الاعتراضات والسقطات ما يَعرفه الناقد البصير). ١٠ ــ صنعت فهارس للكتاب، وهي على النحو التالي: أولًا: الفهارس اللفظية؛ وتشمل: أـ فهرس الآيات القرآنية. ب ــ فهرس الأحاديث النبوية. ج ــ فهرس الآثار. د ــ فهرس الأشعار. هـ ــ فهرس الأعلام. وـ فهرس الكتب.

стр. 74

ثانيًا: الفهارس العلمية؛ وتشمل: أ - العقيدة. ب - الحديث وعلومه. ج - أصول الفقه. د - القواعد الفقهية والأصولية. هـ- اللغة والنحو. و- فوائد متفرقة. وختمت الفهارس بفهرس مراجع التحقيق. وقدمت للكتاب بمقدمات تبيِّن أهميته، وصحة نسبته لمؤلفه، وما يتعلق بذلك، وعرَّفت بجملةٍ من الكتب التي تحدثت عن تعليق الطلاق. وأرجو ممن وقعَ على خطأ أو استدراك أنْ يزودني به مشكورًا، لتدارك ذلك في الطبعات القادمة إن شاء الله، (ويأبى الله العصمة لكتابٍ غير كتابِهِ، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه) (١). وأحمد الله على إعانته لي على إتمام هذا العمل، وأسأله ــ سبحانه ــ أن يَجعله خالصًا لوجهه الكريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه عبد الله بن محمد المزروع mzroa ١٤٠٠@gmail.com ٠٥٠٤٤٦٠٧١٧ _________ (١) تقرير القواعد وتحرير الفوائد (١/ ٤).

стр. 75

نماذج من النسخة الخطية

стр. 76

اللوحة الأولى من ردّ ابن تيمية على السبكي

стр. 77

لوحة يظهر فيها أثر الرطوبة التي أصابت بعض صفحات المخطوط

стр. 78

اللوحة الأخيرة من ردّ ابن تيمية على السبكي

стр. 79

اللوحة الأولى من كتاب (التحقيق في مسألة التعليق) للسبكي

стр. 80

اللوحة الأخيرة من كتاب (التحقيق في مسألة التعليق) للسبكي

стр. 81

[ ... ] (١) الدين ما لم يأذن به الله، وهذا ينكر من الدين ما شرعه الله! فنفاة المعاني الشرعية والحِكَم الإلهية الذين لا يعتصمون إلا بظاهرٍ من القول إنما يعتصمون بعمومات فيدخلون فيها ما لم يُرِدْهُ المتكلم، أو باستصحاب حال البراءة الذي هو من أضعف الأدلة، وليس هو دليلاً شرعيًا في الحقيقة وإنما هو عدم دليل؛ ولهذا تنازع الناس فيه؛ هل يصلح للنفي أو للدفع على قولين: قيل: تُنْفَى بهِ الأحكام لكن بعد البحث التام عن الناقل بالاتفاق. وقيل: لا يُنْفَى بهِ شيء بل يدفع بهِ قول المثبت، فيصلح للمنع لا للنفي، والمانع لا دليل عليه، والنافي عليه دليل (٢). فالمانع مطالِبٌ بالدليل؛ كذلك المستمسك بالاستصحاب العدمي المعلوم بالعقل، وأما النافي فهو كالمثبت لا بُدَّ لهُ من دليلٍ عَلِمَ بِهِ النفيَ، والمثبت لا بُدَّ له من دليل عَلِمَ بِهِ الإثبات. وهؤلاء يقولون: المستصحب طالب علم ليس معه علمٌ لا بنفي ولا إثبات، فليس له أن يعتقد موجَب الاستصحاب ولا يُفتي به ولا يحكم به؛ بل يمسك عن الإثبات كالذي لم يقم معه دليل لا على إثبات ولا نفي (٣).

стр. 82

فنفاةُ القياس عمدتهم إما الاستصحاب وإما العموم، وأما المُخَلِّطُون فيه الذين لا يميزون بين صحيحه وفاسده؛ بل يُعَلِّقونَ الأحكام بما رأوه من الصفات الشبهية والمعاني الذي يَخْطُرُ بقلوبهم أنها مناط الحكمِ في الشرع من غير دليلٍ يَدُلُّ على ذلك = فهم يُشْبِهُونَ أهل الخرص والحَزْر والتكهن الذين يتكلمون بلا دليل، وخير الأمور أوساطها، كما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان من (١) اعتبارِ المعاني التي اعتبرها الله ــ ــ ورسوله ﷺ ، والاستدلال بالألفاظ التي تُبَيِّن مرادَ اللهِ ورسولِهِ؛ فيعلم مراده باللفظ ويعرف الأسباب والحِكَم التي عَلَّقَ بِها الأحكام بما يَدُلُّ على ذلك، والمجتهد المصيب له أجران، والمخطئ له أجر، وخطؤه مغفورٌ له (٢). والمقصود هنا: أنه اشترط في النذر شرطًا بلا دليل، وفَرَّقَ بِهِ وَمَنَعَ ثبوتَ الوصفِ المؤثر وتعليق الحكم به، وهو قصده اليمين الذي يتضمن أنه لم يقصد الجزاء [٢/ أ] بحال؛ بل قَصَدَ أنْ يَلتزمَهُ ليكون لُزُومُهُ معَ كراهةِ لزومِهِ مانعًا له من قصد الملزوم لا موجبًا لقصد اللازم.

стр. 83

فصلٌ ثم أورد (١) على نفسِهِ سؤالاً ولم يُجِب عنه؛ فقال: (فإنْ قلتَ: يلزمُ أنَّ العتق المُنَجَّزَ لا يقع إذا لم ينوِ التقرب به، وأنَّ النذر المنجَّزَ أو المعلَّق إذا لم يقصد بِهِ التقرب لا يقع) (٢). وتوجيه السؤال: أنه إذا اُشْتُرِطَ في النذر قصد التقرب فلأن يُشترطَ ذلك في قصد المنذور إذا فعلَهُ بطريق الأولى؛ فيلزم أنَّ مَن فعل (٣) شيئًا من جنس ما يُنذَر ــ كالعتق والصدقة ــ بغير قصدِ التقرب لا يصح إذا لم ينو التقرب بهِ، ومعلومٌ أنَّ العتق والصدقة تصح من الكافر الذي ليس مِنْ أهلِ قصد التقرب إلى الله (٤)، ويصح عِتْقُ العبد وإنْ لم يَخْطُر بقلبِ صاحبِهِ التقربَ، وكذلك الصدقة. لكن حصول الثوابِ من الله يكونُ مشروطًا بقصد التقرب، لكن لا يلزم من عدمِ الثواب ألا يَعْتُق، ولا يملك الفقير ما أُعطيَهُ. وقال في الجواب: (قلتُ: أما الأول؛ فإما أن يلتزمَ ذلك على مذهبِ أبي ثور ويُفَرِّق بين الطلاق والعتق، وإما أَنْ يقول: العتق لا يُشترطُ فيه التقرب إلا للثواب (٥) عليه، أما من جهة تحرير أو إزالة الملك فلا.

стр. 84

فإنَّ العتق (١) له جهتان: إحداهما: كونه إسقاط ملك وهو حَقٌّ مِن جملةِ الحقوق؛ فمن هذه الجهة لا يشترط فيه قصد القربة، كالإبراء من الديون وما أشبهَهُ. والثانية: كونه مُعِينًا على التخلص لعبادةِ الله ــ تعالى ــ؛ ومن هذه الجهة هو قربةٌ وطاعة، ورافعٌ الإذلال (٢) الذي هو يلزم. فإنْ قَصَدَ المعتقُ بعتقِهِ ذلك حَصَلَ له الثواب، وإنْ لم يقصد ذلك حصل العتق كما يحصل الإبراء من الحقوق من غير قصد القربة (٣). وأما الثاني: فإنْ قلتَ: إذا كان المشي مقصودًا، والمشيُ طاعة؛ فالطاعة مقصودةٌ. قلتُ: قصدُ المشي له جهتان: إحداهما: قصده من حيث كونه امتثالاً للأمر المطلق في الترغيب في النوافل، وهذا هو الطاعة، وليس مقصودًا هاهنا. والثانية: قصدُهُ لأمرٍ آخر، كما هو في نذر اللجاج والغضب، فإنه إنما قَصَدَهُ ليكون مانعًا له من ذلك الفعل لا ليتقرب به؛ فهذا ليس بطاعة، فلا [٢/ ب] يدخل في قوله: «من نَذَرَ أن يطيعَ الله فليطعه» (٤)) (٥).

стр. 85

وأما الثاني [ ... ] (١). فيقال: أما قوله: (أما الأول: فإما أنْ يلتزم ذلك على مذهب أبي ثورٍ ويُفرِّق بين الطلاق والعتق) فيقال: أولاً: أنتَ تُخطِّئ أبا ثورٍ ومن قال بقوله. وثانيًا: أنَّ هذا ليس موافقةً لأبي ثور؛ فإنَّ أبا ثور كانَ يجعل هذا يمينًا من أيمان المسلمين، ويحتجُّ بالقرآن، ويقول: إنَّ مقتضى الدليل أنَّ جميع الأيمان تجري فيها الكفارة إلا أنْ ينعقدَ الإجماعُ في صورةٍ على خلاف ذلك = لم يكن مأخذَ أبي ثورٍ ﵀. وقد ذَكَرَ هو نفسُهُ لفظَ أبي ثورٍ فقال: (قال أبو ثور: مَنْ حلفَ بالعتق فعليهِ كفارةُ يمين، ولا عِتْقَ عليه). قال: (وذلك أنَّ اللهَ أوجبَ في كتابِهِ كفارةَ اليمين على كلِّ حالفٍ فقال: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] يعني: فحنثتم) قال أبو ثور: (فكلُّ يمينٍ حَلَفَ بها الإنسانُ فَحَنِثَ فعليه الكفارة على ظاهرِ الكتاب إلا أنْ تجتمع الأمة على أنه لا كفارة عليه في شيءٍ ما، ولم يجتمعوا على ذلك إلا في الطلاق، فأسقطنا عن الحالف بالطلاق الكفارةَ، وألزمناه الطلاقَ للإجماع، وجعلنا في العتق الكفارة، لأنَّ الأمةَ لم تجتمع على ألا كفارةَ فيه) (٢).

стр. 86

فهذا أبو ثورٍ قد بيَّنَ مذهبَهُ: أنَّ الحالف بالعتق حالفٌ يمينًا عليه فيها كفارةٌ، وهذا مقتضى الدليل عنده على كلِّ حالفٍ؛ فالطلاقُ كان مقتضى ظاهر الكتاب عنده أنْ يكونَ على الحالفِ بالطلاق الكفارة, لأنه يمين من أيمانِ المسلمين حَلَفَ بها الإنسان فحَنِثَ (١). ثم قال (٢): (إلا أنْ تجتمع الأمة على أنه لا كفارة عليه في شيءٍ ما، ولم يجتمعوا على ذلك إلا في الطلاق، فأسقطنا عن الحالف بالطلاق الكفارةَ، وألزمناه الطلاقَ للإجماع، وجعلنا في العتق الكفارة، لأنَّ الأمةَ لم تجتمع على ألا كفارةَ فيه). فقد بيَّنَ أبو ثورٍ مأخذه، وأنَّ مقتضى ظاهر القرآن عنده: أنَّ كُلَّ حالفٍ سواء إِنْ حَلَفَ بالطلاق أو غيرِهِ أنه تجزئه كفارةُ يمينٍ إذا حنث، لكنَّ الإجماعَ الذي يعتقدُهُ إذا عارضَ ظاهرَ القرآن رَجَّحَ الإجماع، والإجماع الذي اعتقدَهُ: إجماعُهُم على ألا كفارةَ فيه [٣/ أ] لا على أنَّه لا (٣) يلزمه طلاقٌ ــ كما بيَّنَهُ ــ، لكن إذا أجمعوا أنه لا كفارةَ فيه امتنع أنْ يجب عليه كفارة، وحينئذٍ فهو حالفٌ عنده، وموجَب يمينِهِ لزومُ ما حلفَ بهِ أو الكفارة، فلما سقطت الكفارة بما ظَنَّه من الإجماع، والواجب عنده إذا سقطَ هذا لزوم الآخر= ألزمه (٤) بالطلاق.

стр. 87

وهذا مسلكُ محمد بن جرير (١) تلقاهُ عن أبي ثور، واعتقد الإجماع كما اعتقده أبو ثور وعنه أخذَهُ، وكان كتابُ أبي ثورٍ عنده ينقل منه كما نقلَ منه في كتاب (الاختلاف) ألفاظَ أبي ثورٍ بعينها. وابن جرير كانَ أوسعَ ادعاءً للإجماع من أبي ثور، فإنه كان يقول: إنَّ خلافَ الواحد والاثنين لا يُعتدُّ بِهِ، فجعلَ قولَ الجمهور إجماعًا؛ كما فعلَ ذلك في مسائل كثيرة (٢)، كما ادعى الإجماع على أنَّ متروكَ التسميةِ سهوًا يُباحُ أكلُهُ (٣)، وأمثالِ ذلك مما يُنكرُهُ عليه جمهور العلماء، ثمَّ إنَّه مع ذلك

стр. 88

كان عنده أنَّ هذه ليست أيمانًا منعقدة تجب فيها الكفارة، ولا تَدخلُ في عموم الآيةِ؛ بل جعلها أيمانًا غير منعقدةٍ، كأيمانِ أهل الشرك، واتَّبَعَ مَنْ قالَ ذلك في الحلف بالنذر والعتق؛ كما قال ذلك الحارث العكلي وغيره (١). وقال: إنه لا يجب عليه شيءٌ لا في الحلف بالعتق ولا غيرِهِ. وأما داود فكان هو وأصحابُهُ أكثر توسعًا في الأدلة والنظر وأقوال أهل العلم، والعلمِ بالإجماع والاختلاف، لكن كانَ من نُفاة القياس هو وأصحابهُ، فقال في جميعِ هذه التعليقات التي يُقصدُ بها اليمين: إنه ليس فيها شيء، وطردوا ذلك في الطلاق لعلمهم بما فيهِ من النزاع. وأبو ثورٍ لم يذكر فرقًا معنويًا بين الطلاق وغيره، ولا بينَ الصفات المؤثرة من (٢) الفرق بين الطلاق وغيره، ولكن ظن الإجماع على أنَّ الحلف بالطلاق لا كفارةَ فيه، وقد بيَّنَ مراده في كلامِهِ الذي ذكرناه عنه في غير هذا الموضع عن الإجماع = أنَّ مراده بالإجماع عدم علمه بالمُنَازِع، فهذه مقدمة. والمقدمةُ الأخرى: أنه إذا انتفت الكفارةُ لَزِمَ وقوعُ المحلوفِ به، لأنَّ هذه عنده أيمانٌ منعقدة يتناولها عموم قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] لفظًا ومعنى، لكن للإجماع المظنون في سقوط الكفارة فَرَّقَ، وهذا إنما يصح [٣/ ب] على قول من يُجَوِّز الاستحسان الذي تُخَصُّ بِهِ العلة الشرعية لفظًا ومعنى بدون فوات شرطٍ ولا انتفاء مانع؛ وهذا أصلٌ ضعيف، كما قد بُسِطَ في موضعه (٣).

стр. 89

وَبُيِّنَ أنَّ العلة التي دَلَّ الشرع على صحتها لا يجوز تخصيصها إلا بفوت شرطٍ أو وجودِ مانع، فتكون صور التخصيص مختصة بوصف يوجب الفرق بينها وبين غيرها، وإلا فالشارعُ أحكمُ الحكماء لا يجوز أن ينسب إليه الفرق بين المتماثلين، والتسوية بين المختلفين، ولا أنه يجعل المعنى الموجب للحكم يُوجِبُهُ تارةً ولا يُوجبُهُ أخرى، مع عدم اختصاص إحدى الصورتين بمعنى يوجب الإثبات أو النفي؛ وهل يصدر هذا إلا عن متناقض ناقص العلم أو الحكمة؟! يَفعل ذلك إما لنقصِ علمهِ وإما لنقصِ حِكمتِهِ. وإنه ــ تعالى ــ عليمٌ حكيم، فوقَ كل عليمٍ، وفوقَ كلِّ حكيمٍ، فيمتنع أن يكون في شرعِهِ الذي بعثَ به خاتم المرسلين وأفضلهم وأتمهم علمًا وحكمةً= يمتنع أنْ يكونَ في أحكامِهِ من التناقض ما يدل على نقص فاعلِهِ، فإذا كان مثل هذا النقص مستلزمًا (١) نقصَ علمِ صاحبه أو حكمته، والله ــ ــ يتقدس عن ذلك= كانَ انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم (٢). والمقصود: أنَّ أبا ثورٍ ــ رحمة الله عليه ــ قد بيَّن مذهبه أنَّ هذه التعليقات أيمانٌ تدخل في قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وأنَّ ظاهر القرآن يدل على تكفير جميع هذه الأيمان الحلف بالطلاق والعتاق وغير ذلك؛ فأين قول أبي ثور من قولِ هذا المعترض الذي ينكر أن تكون هذه أيمانًا ويمنع دخولها في القرآن؟! فَدَلَّ على أنَّ ما ذكره أبو ثورٍ حجةٌ عليه لا لَهُ، وأنَّ أبا ثور لم يُفرِّق بين

стр. 90

العتق والطلاق لكون النذر يُشترط فيه قصد القربة، ولا قال أبو ثور: إنَّ العتق المنجَّز لا يقع إذا لم يَنوِ التقرب به، ولا قال هذا أحدٌ من الأئمة المعروفين؛ بل هم متفقون على صحة عِتق الكافر لعبده؛ بل أبو ثور بيَّن أنَّ التعليق الذي يُقصدُ بِهِ اليمين هو يمين، وإنْ كانَ المُعلَّقُ عتقًا وطلاقًا، وأنَّ ظاهر القرآن يوجب تكفير كل يمين، فإنْ وافقت أبا ثور [٤/ أ] فالزم ذلك، وهاتِ دليلاً يدل على خروج الطلاق من ظاهر القرآن لفظًا ومعنى؛ فإنَّ ظاهر القرآن الذي هو لفظه، وباطنُهُ الذي هو معناه يدلُّ على أنَّ الحالف (١) بالطلاق أو العتق أو غيرهما تجزئه كفارة يمين كما تجزئ غيره. وما من منصف إلا وهو يُسَلِّمُ أنَّ ظاهر القرآن يدل على هذا كما يُسلمه أبو ثور؛ فإذا ادَّعَى الإجماع فهنا مقامان: أحدهما: أنْ نقول: النزاعُ معلومٌ، ومع العلمِ بالنزاع يمتنع دعوى الإجماع، وأبو ثورٍ وإنْ لم يَبلغه النزاع في الكفارة، فقد بلغ غيره؛ كما أنَّ طائفةً أخرى ادعت الإجماع في أنَّ العتق المحلوف به يلزم (٢)، وقد بلغ غيرها من النزاع ما لم يبلغها، وتقرير النزاع مبسوط في مواضع أخر. وهذا المعترض إذا قُرر النزاعُ عليه بطلت هذه الدعوى، وقد تقدم قريبًا أنه في الكتاب الذي نقل منه الإجماع على وقوع الطلاق المعلَّق المقصود به الإيقاع = فيه نقلُ النزاع في الطلاق المعلَّق الذي يقصد به اليمين، وفيه ذِكرُ الأقوال الثلاثة: هل يُكَفِّر، أو لا يكفر ولا يَلزمه طلاق، أم يلزمه طلاق ولا

стр. 91

تجزئه الكفارة. والثاني: أنَّا قبل أنْ نعلم النزاع مَعَنَا ظَنَّان: ظنُّ الإجماع، وظنُّ عموم القرآن لفظًا ومعنى؛ فمن كان قوةُ ظنِّ الإجماع عنده أقوى ــ كأبي ثور ــ قدَّمَ هذا الظن، ومن كان ظنُّه بكلام الله وعلمه وحكمته أتم، وأنَّ الله ــ تعالى ــ لا يُفرِّقُ بين المتماثلين ولا ينقض العلة لغير مخصصٍ معنوي، وكان ــ أيضًا ــ إذا رجعَ إلى نفسهِ لم يَجد عنده اعتقادًا بنفي النزاع يقاوم هذا الاعتقاد الذي عَلِمَهُ من كلام الله وكلام رسوله = حَكَمَ بأنَّ الأمةَ لا تجتمع على مثل هذا، وأنها معصومةٌ أن تجتمع على خطأ. والفرق بينَ المتماثلين ونقض العلة بدون مخصص معنوي تُنَزَّهُ الأمةُ أن تجتمع عليه؛ كما نَزَّهَ الله ــ ــ رسولهُ ﷺ أن يكونَ في حُكمِهِ مثل هذا التعارض الذي يوجب القدح في أحدها؛ إمَّا في دلالة الكتاب والسنة لفظًا ومعنى، وإمَّا في دلالة الإجماع، وكلٌّ من الدلالتين [٤/ ب] صحيحة، والحقُّ لا يَتعارضُ (١). ثم إذا نظرَ في كلِّ إجماع معلوم وجده موافقًا للنصوص لا مخالفًا لها، ولا تجد قطُّ إجماعًا يخالفُ دلالة الكتاب والسنة إلا ومع الإجماع دلالة أخرى من الكتاب والسنة توجب ترجيحها على الأول، فيكون أحدُ النصين ناسخًا للآخر، إمَّا دفعًا لحكمه ــ وهو النسخ الخاص ــ، وإما دفعًا لظاهر دلالته ــ وهو النسخ العام ــ؛ وهذا أصلُ أحمد بن حنبل وغيره من سلف الأمة وأئمتها المتبعين للصحابة لا يعارضون قط دلالة كتاب وسنة بإجماعٍ، كما فعل أبو ثور وأمثاله (٢).

стр. 92

وأحمد كان يقول: (من ادَّعَى الإجماع فقد كذب، وما يُدريهِ أنَّ الناس أجمعوا (١))، كان مقصوده بذلك: أنَّ يَرُدَّ ما يحكى له عن أبي ثورٍ ونحوه من الإجماعات، فإن طائفةً من أصحابه كانوا يسألونه عن أشياء يقولها أبو ثور (٢). وكان أبو ثور؛ إمامًا مجتهدًا فقيهًا أفقه أهل بغداد، أو من أفقه أهل بغداد بعد أحمد، وكان أحمد كثيرًا يدلُّ عليه في الفتيا، فيقول للسائل: (سل الفقهاء، سل أبا ثور). ويقول: (هو في مسلاخ الثوري) (٣). وكان أحيانًا ينكر عليه إذا رأى أنه قال أقوالاً مبتدعة، كقوله في المجوس: إنه يباحُ نكاحهم وذبائحهم (٤). حتى يقولَ أحيانًا: (أبو ثورٍ كاسمِهِ) (٥). وفي

стр. 93

روايةٍ أخرى عنه: (كيف يجوز للرجل أن يقولَ: أجمعوا؟! إذا سمعتهم (١) يقولون: أجمعوا فاتهمهم، لو قال: إني لم أعلم مخالفًا جاز). وكذلك نقلَ عنه أبو طالبٍ أنه قال: (هذا كذبٌ؛ ما عِلْمُهُ أنَّ الناس مجمعون؟! ولكن يقول: لا أعلم فيه اختلافًا، فهو أحسن من قوله: إجماع الناس). وكذلك نقلَ عنه أبو الحارث: (لا ينبغي لأحدٍ أنْ يدَّعي الإجماع، لعل الناس اختلفوا) (٢). فأحمد وأمثاله يقولون: (من ادَّعى الإجماع في مثلِ هذا فقد كَذَبَ، وما يدريه أنَّ الناس أجمعوا، ولكن يقول: لا أعلم منازعًا)، وعدمُ علمهِ بالمنازع لا يُزيلُ بهِ ما بيَّنَه اللهُ ورسوله في كتابهِ وسنةِ نبيه من الدلالة البيِّنَةِ لفظًا ومعنى. وحينئذٍ؛ فإذا رأى هذا فلا يَزال يبحث حتى يجدَ الصورة المدعى فيها الإجماع تختص بفرق مؤثرٍ في الشرع، فيكون الله ورسوله قد فرَّقَ [٥/ أ] بمثلِ ذلك، وإما أنْ يَعلمَ أنَّ في المسألة نزاعًا يَرفعُ ما ادُّعِيَ من الإجماع، وحينئذٍ فيحكِّم الكتاب والسنة، وعلى قَدْرِ علمه بدلالة الكتاب والسنة لفظًا ومعنى وبعدمِ النزاع = يكون ترجيح أحد القولين؛ فمن كانت تلك الدلالة عنده أقوى من ظَنِّ عدم النزاع قَدَّمَ ذلك، ومن كان ظنُّ عدم النزاع عنده أقوى من دلالة الكتاب والسنة على تلك المسألة قوي ما ظَنَّهُ إجماعًا؛ كما فعل أبو ثور وابن جرير.

стр. 94

فهذه مآخذ العلماء المجتهدين، وليس في هؤلاء مَن نازع في كونِ ذلك يمينًا كما فعل هذا المعترض وأمثاله، ولا ادعوا ما يُعْلم فسادُهُ من كون المعلِّق تعليق اليمين قَصَدَ وقوعَ الجزاء عند وجود الشرط ونحو ذلك من الدعاوي التي يظهر فسادُها ومخالفتها للأدلة السمعية والعقلية. وقوله: (وإما أن يقول العتق لا يشترط فيه التقرب) إلى آخره كما تقدم. فيقال: الكلام على هذا من وجوه: أحدها: أنَّ هذا حُجَّة على المعترض ــ أيضًا ــ فإنه إذا لم يُشترط في العتق قَصْدُ التقرب، فكذلك لا يُشترط في صحة نذره قصد القربة بطريق الأولى والأحرى؛ فإنَّ المقصود بالنذر: فعلُ الطاعة، فإذا لم يشترطوا في فعل الطاعة قصدَ القربة فألا يشترطوا ذلك في نذره أولى وأحرى. الثاني: أنَّ ما ذكره مضمونه: أنَّ العتق فيه حقان؛ حق العبد بزوال الملك عنه كالإبراء، وحقٌّ لله بتخليصه من الرق. فيقال: وهذا صحيح، لكن دعواه أنَّ قصد القربة معتبرٌ في حقِّ الله في تلك دون هذه خطأ، فإنه لا يُعتبر في واحدةٍ منهما قصد التقرب؛ بل يصير حُرًّا خالصًا لله وإنْ لم يقصد التقرب، وإذا اشترط قصد التقرب للثواب، فلا يُثاب لا من هذه الجهة ولا من هذه إلا بقصد التقرب؛ فأين حصولُ الثواب من حصول الحرية التي هي حقٌّ للهِ وحقٌّ للعبد؟ وهذان الوجهان قد اعتبرهما الفقهاء؛ فقال جمهورهم: تجوز الشهادة بالعتق من غير تقدم دعوى، كما يصح بالطلاق لما فيه مِنْ حق الله ــ تعالى ــ، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد. وقال [٥/ ب] أبو حنيفة: لا بُدَّ من دعوى العبد.

стр. 95

الثالث: أن يقال: هَبْ أنَّ العتق تكلفت فيه هذا التكلف الفاسد؛ فكيف تصنع في النذر المُنَجَّز أو المعلَّق إذا لم يُقصد به التقرب؟ فإنك قد سألتَ نفسك وقلتَ: إنه يلزمك أنَّ هذا لم يقع، ولم تذكر عنه جوابًا، بل اقتصرت على قولك: (وأما الثاني ... )، ولم يمكنك تُحَبِّرُ (١) جوابًا. الرابع: أن يقال: إذا كان العتق الذي يلزم عندك إذا كان معلقًا سواءً قصد اليمين أو الإيقاع، وقد فَرَّقْتَ بينه وبين الطلاق اتباعًا لأبي ثور؛ فأبو ثورٍ يُفرِّقُ بين تلك الأمور ــ أيضًا ــ وبين الطلاق، فينبغي إنْ كنتَ متبعًا له أنْ تقولَ تلك الأمور يشترط فيها قصد القربة، كما ادعيتَ أنَّ أبا ثور اشترط ذلك في العتق. ثم من العجائب: أنَّ قصدَ القربة هو عنده مانعٌ من اللزوم، وأبو ثور يُلزم بالعتق وبنذر الطاعات دون الطلاق، فإنْ كانَ مأخذه أنه لم يقصد التقرب به، فيكون عدم قصد التقرب هو الموجب للزوم الوفاء، ويكون ما لم يقصد به التقرب يجب الوفاء به، وما قصد به التقرب لا يجب الوفاء به، وهذا نقيض ما ادعيته. وهذا إنما لزمه لأنه اعتضد بقول أبي ثور، وهو مناقضٌ لقوله لا موافقٌ له، ولكن شاركه في صورة الفرق بين العتق وغيره. وأيضًا؛ فقد زعم أنَّ في العتق جهتين (٢): حقَّ الحقِّ، وحقَّ الخلقِ؛ وَجَعَلَ هذا هو الفرق إنْ لم يوافق أبا ثور، وهذا موجودٌ في نذر الصدقة والهَدي ونحو ذلك مما فيه حقان؛ حقٌّ لله وحقٌّ للعباد.

стр. 96

فصلٌ قال: (الخامس عشر: أنَّ اقتضاء التعليق المذكور لوقوعِ الطلاق أمرٌ مشهور عند الخاصة والعامة لا يقبل التشكيك، وإدراجُ الحَلِفِ بالطلاق في أيمانِ المسلمين إنما كان لإدخال من أدخلها في البيعة، وقد كان في زمان هشام بن عبد الملك أميرٌ اسمه: توبة بن أبي أسيد (١) مولى بني العنبر (٢)، أحسنَ إلى الناسِ وألانَ جانبَهُ، وأحسنَ إلى الجندِ، وامتنعَ أنْ يحلفهم بالطلاق [٦/ أ] وكانَ الناس بعد موتهِ يُحَلِّفُونَ الجندَ بتلك الأيمان، ويُسمونها أيمان توبة. ولمَّا قَدِمَ عاصمُ بن عبد الله وأرادَ أنْ يُحلِّفَ الناسَ بالطلاق فأبوا، وقالوا: نحلف أيمانَ توبة؛ فهذا أمرٌ مشهورٌ عند العوام من ذلك العصر، ولولا ذلك لم يَمتنعوا منه، ولم يُحلِّفوهم به، ولاكتفوا منهم بالأيمان بالله) (٣). والجواب من وجوه: أحدها: أنَّ كونَ الحلف بالطلاق يمينًا، والحلف بالعتق يمينًا، والحلف بالمشي وصدقة المال يمينًا، والحلف بالحرام يمينًا، وقول القائل: قد حلفَ بالطلاق أنه لا يَفعل، وحلف بالمشي أو بصدقة المال أنه لا يَفعل؛ فهذا أشهرُ عند العامة والخاصة من كلِّ ما يُناقضه.

стр. 97

ولهذا يوجد (١) المتكلم بأنَّ هذه وأمثالها أيمانٌ في لغة العرب وأصناف العجم والترك والفرس والبربر والهند والحبشة، ويوجد ذلك في كلام المسلمين والكفار وإنْ لم يعتقدوا في موجِبها ما يعتقده المسلمون، ويوجد ذلك في كلام من لا يرى لزوم الطلاق من العلماء؛ السنة والشيعة والظاهرية والقائلين بالمعاني والاعتبار. فهذا مما يوجد في كلام جميع الطوائف بخلاف وقوعِ الطلاق بالحالف، فإنَّ هذا إنما يوجد في بعض المسلمين. الوجه الثاني: أنَّ قولَه: (اقتضاء التعليق لوقوع الطلاق أمرٌ مشهور) لفظٌ مجملٌ؛ فإنَّ هنا ثلاثة أمور: إرادةُ وقوعِ الطلاقِ عند الصفة أو كراهة وقوع الطلاق عند الصفة. والثاني: رَبْطُ الجزاءِ بالشرطِ وجعلُ الشرطِ مستلزمًا لوقوع الجزاء ومقتضيًا له. والثالث: اعتقادُ وقوعِ الطلاق عند الصفة وكذلك في سائر التعليقات. فإنْ أرادَ أنَّ كلَّ تعليقٍ يقصدُ بهِ اليمين فإرادة وقوعِ الطلاق عند الصفةِ بهِ أمرٌ مشهورٌ؛ فهذا مكابرةٌ تصدرُ عن جهلٍ أو عنادٍ؛ بل الأمر بخلاف ذلك، فليس أحدٌ من الخاصة ولا العامة إلا إذا رجعَ إلى نفسه عند تعليق الحلف إلا وهو يجدُ في نفسهِ كراهة تامة لوقوع الطلاق وغيره من اللوزام المعلقة، ويجد نفسَهُ غير مريدةٍ لذلك إذا وجدت الصفة. فإذا قيل له: (افعل كذا وكذا) لأمورٍ لا يريد أن يفعلها، فقال: لا أفعل، فألحوا [٦/ ب] عليه، فحلف أنَّه لا يفعل. وقال: إنْ فعلتُ هذا فنسائي طوالق، وعبيدي أحرار، وسائر مالي صدقة، وعليَّ عشرُ حججٍ، وأنا بريءٌ

стр. 98

من الإسلام ونحو ذلك مما يُعلقه ويجعله لازمًا له إذا فعل ذلك، فهو يعلم من نفسه والناس يعلمون ــ أيضًا ــ منه أنه لم يرد إذا فعل ذلك الأمر أنْ يقع شيءٌ من هذا؛ لا طلاقُ نسائهِ، ولا عتقُ عبده، ولا أنْ يلزمه خروجه من ماله، ولا أن يلزمه عشر حجج، ولا أنْ تلزمه البراءة من دين الإسلام؛ بل هو يعلم من نفسه وهم يعلمون أنه لا يريد هذه الأمور البتة، سواء فعلَ ذلك الفعل أو لم يَفعله، وإنْ كان قد يريد بعضها ــ أحيانًا ــ، لكن مجموع هذه اللوازم المعلقة لا يريدها أحد أن تلزمه. والحالفُ كلما أراد أنْ يُغلظَ يمينه كثَّر من اللوازم التي يعلم هو وغيره أنه لا يريد أن تلزمه؛ ولهذا إذا طُلِبَ منه الحنث واعتقد أنها تلزمه يذكر ما عليه في لزومها له من الضرر العظيم الذي لا يريده حتى يُعْذَرَ في ترك الحنث، كما يُعذر الرجل إذا علم أنه إذا فعل فعلاً قُتِلَ وأُخِذَ أهلُهُ ومالُهُ وعُذِّبَ عذابًا شديدًا، فيقول: إنْ فعلتُ كذا حصلَ لي كذا، فإذا عُرِفَ أنه يلزم من فعل ذلك الضرر الذي ذكره عذروه بترك الفعل، وإنْ كانَ حصولُ ذلكَ ليس بعقده واختياره؛ بل بفعل مَنْ يَظلمه ويعتدي عليه إذا فعلَ ذلك، فيكون مكرهًا على ترك ذلك الفعل، فَيَعْذُرُ الناس الحالِفَ كما يعذرون المكره إذا عرفوا (١) أَنَّ فعلَ كلٍّ منهما يستلزم لوازم تَضره، وهو وهم يعلمون أنه لا يريد تلك اللوازم البتة؛ بل ما زال ولا يزال كارهًا لها. والإنسان مجبولٌ على حبِّ ما لائَمَهُ وبغض ما ينافيه، فليس في طبيعته محبةُ الأشياء التي تنافيه، ولا كراهة الأشياء التي تلائمه، لكن كثيرًا ما تتلازم المكاره والمحاب، فلا يوجد محبوبٌ إلا بمكروه. وحينئذٍ فيرجِّح أحدَهُمَا؛

стр. 99

فإذا كانت (١) إرادته لدفع المكروه [أقوى] (٢) دَفَعَهُ وإنْ فاتَ المحبوب، وإنْ (٣) كانت إرادته للمحبوب أقوى طلبه وإنْ حصلَ المكروه. ومثل هذا يقعُ كثيرًا في تعليق الطلاق، إذا علَّقه بأمرٍ مكروه مثل مخالفتها له، وإضرارها به في نفسه وماله وعرضه، أو بأولادِه أو أمه أو جيرانه [٧/ أ] أو أصدقائه، أو فعلها أمرًا مكروهًا في الدين ونحو ذلك، فهو يكره ذلك وهو يُحِبُّهَا ويكره طلاقها؛ فهنا يَجتمعُ محبوب ومكروه، فيريد أنْ ينهاها عن المكروه، ويقول لها: لا تفعلي ذلك. ثم تارةً يحلفُ عليها ألا تَفعله، ولا يُريدُ أنْ يُطلقها إذا فعلته، لأنَّ إرادتَهُ لبقائها معه أقوى من إرادتِهِ لدفع المكروه، فهي وإنْ كانت ــ أحيانًا ــ تخونه في بعض ماله أو تُطَوِّل لسانها عليه، أو تضرب أولادَهُ، أو تَخرجُ من منزله بغيرِ إذنهِ، أو تُطْعِمُ مالَهُ لأهلها، أو تَمتنع عليه ــ أحيانًا ــ من الفراش= فإنَّهُ يَكره ذلك وينهاها عنه، ولكن مع ذلك فراقُهَا أَكرهُ إليه وأبغض إليه من مقامِهَا على تلك الحال. كما يكون للرجل الولد الذي يؤذيه فينهاه عن الأذى، ويحلف عليه أنه (٤) لا يؤذيه، ولا يختار مفارقةَ ابنه وإنْ آذاه، وكذلك قد يكون الأمر كذلك في مملوكه وصديقه فهو في مثل هذه الأمور يَحلفُ على أحدهم أنْ

стр. 100

لا يَفعل ذلك، وكذلك يحلف على المرأة؛ وهؤلاء يَبَرُّونه لئلا يؤذوه (١) بالحنث ولئلا يَغضب عليهم إذا حَنَّثُوهُ، ولئلا يُعاقبهم إذا حنثوه، والمرأة تَبرُّه لذلك، وتَبَرُّهُ ــ أيضًا ــ لئلا يقعَ بها الطلاق إذا اعتقدت أنه إذا حَنثَ طَلُقت لما عليها في ذلك من الضرر بفراقه، فقد يَمنعها هذا من تحنيثِهِ. فهذا إذا قال: إنْ فعلتِ كذا فأنتِ طالقٌ، أو قال لولده: إنْ فعلتَ أنت كذا فامرأتي طالقٌ، أو قالَ ذلك لعبدِهِ أو صديقِهِ فهو كما لو قال: الطلاق يلزمني لا تفعلين، أو يقول لابنِهِ ومملوكِهِ وصديقِهِ: الطلاق يلزمني لا تَفعل هذا، أو يقول عن نفسِهِ: الطلاقُ يلزمني لا أفعل كذا؛ فهنا يعلم من نفسهِ أنَّه لم يُرِد أنْ يطلقها عند وقوع الصفة؛ بل لم يزل ممتنعًا من الطلاق كارهًا له غيرَ مريدٍ لوقوعِهِ سواءً وجدت الصفة أو لم توجد، وإنما علَّقَهُ بالصفةِ مع علمِهِ أنه كارهٌ لوقوعِهِ، ليجعل امتناعه من وقوعِهِ موجبًا لامتناع وجودِ الشرطِ الملزوم، وقصده باليمين منع أولئك، أو منعُ نفسهِ من الشرط بما علقه بالجزاء وجعلِهِ لازمًا له من الطلاقِ وغيرِهِ من الأمور التي جعلها لازمةً للشرطِ وهي أمورٌ لا يريدُها بل يَكرهُهَا [٧/ ب]، بل فيها ما يَمتنعُ في العادة أنْ يريده، وما يَمتنع في الطبيعةَ وللجِبِلَّةِ أنْ يريده. وكلَّمَا غَلَّظَ اليمينَ زادَ من تعليق هذه الأمور التي هو في غايةِ الامتناع من إرادتها مثل أن يقول: إنْ فعلتُ كذا فلا أماتني الله على دين الإسلام، وقطع أربعتي، وسلبني بصر عيني، وحشرني مع فرعون وهامان وأُبَيِّ بن خَلَفٍ وأمثال ذلك من الأدعية التي يدعو بها على نفسه. والداعي طالب للمدعو مريد لوقوعه إذا كان الدعاء مقصودًا له، وأمَّا

стр. 101

إذا كان معلقًا بالشرط الذي يريد عدَمَه فهو لم يرد الدعاء ولا المدعو به؛ بل هو من أبغض الناس وأبعدهم عن إرادة هذا الدعاء والطلب، وعن إرادة المطلوب المدعو به؛ بل يمتنع في الطبيعة أنْ يريد البشر مثل هذه المضار العظيمة المستلزمة لغاية الضرر في الدين والدنيا والآخرة، ومَنْ جَوَّزَ على البشر أنْ يريد الإنسان كلَّ ما يضره فهو جاهل بحقيقة الإنسان. كما يظن بعض الغالطين أنَّ صاحب الفناء عن إرادة ما سوى الحق، أو شهود ما سواه ينتهي إلى ألا يُفرِّق بين ما يؤلمه ويضره وبينَ ما يَلَذُّهُ وينفعه، ويبقى هذا له مقامًا ثابتًا، فإنَّ هذا جهلٌ بحقيقة الحي وصفات الحي؛ بل قد يعرض له ــ أحيانًا ــ حالٌ يغيب فيها عن الإحساس ببعض الأشياء مع أنَّ هذه ليست مما يؤمر بها، ولا يكون صاحبها بها أفضل ممن هو أكملُ منه، وليست هذه الحال من اللوزام لمن سلكَ طريقَ الله ولا غاية له، كما يظن هذا وهذا بعض الغالطين، ولكنَّها أمورٌ عارضةٌ لبعضِ الناس، وغايتُهُ أنْ يكونَ فيها معذورًا حصولها له بغير اختيارِهِ، وقد يُحمد على ما يقترن بها مما يُحبه الله ــ تعالى ــ ورسوله ﷺ لا أنَّ نفسَ عدمِ التمييز مما يحمد صاحبه عليه، كما يعذر الإنسان على ما يجده من الحزن والخوف ونحو ذلك مما لا يمكنه دفعه عن نفسهِ، فيعذر ولا يُذَم لعجزه لا أنه يحمد ويمدح على ذلك؛ بل يحمد ويمدح ويؤجر على صبره ونهيه نفسه عن الهوى، ومجاهدتِهِ لنفسه عن الهوى؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠]، وقال النبي ﷺ : «المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله» (١)، ولبسط هذه

стр. 102

الأمور مواضعُ غير هذه (١). [٨/ أ] والمقصود: أَنَّ المعلِّقَ يُعَلِّقُ اليمين لم يرد أن تلزمه تلك اللوازم التي علقها بالشرط؛ بل فيها ما يمتنع أن يريده البتة ولا يتصور أن يريده بشر، ومنها ما يمتنع أَنْ يريده مسلم، ومنها ما لا يريده الناس في العادة الغالبة ولكن قد يريده نادرًا، ومنها ما يريده في حال ولا يريده في حال وهذا القسم هو الذي اشتبه حاله على كثيرٍ من الناس؛ كإيجاب الحج والعبادات فإنَّ هذا الإيجاب قد يراد بالنذر، وكإنشاء الطلاق والظهار والحرام فإنَّ الإنسان قد يريد أَنْ يُطَلِّقَ ويظاهر من امرأته ويُحَرِّمَهَا أو يُحَرِّمَ عليه بعض ماله الحلال، وأما تحريم جميع الحلال فهذا لا يريده أحد، ولهذا لا يقول الناس: الحِلُّ عليَّ حرام، أو ما أَحَلَّ اللهُ عليَّ حرام، أو يحرم عليَّ كل ما يحل للمسلم ونحو هذه العبارات المتضمنة تحريم جميع الحلال إلا إذا كانوا حالفين، لا يقولونها عند الإنشاء بالتحريم والابتداء به وإيقاعه، بخلاف تحريم امرأته أو شيء من طعامه وبعض ماله فإنَّ هذا يحرمه ابتداء. والصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ تكلموا في تحريم المرأة وتحريم ماله (٢)،

стр. 103

وأما الحلف بذلك فلم يتكلموا فيه فيما بلغنا، كما تكلموا في تعليق الطلاق على الملك (١) ولم يتكلموا في الحلف به فيما بلغنا؛ لأن الناس لم يكونوا يعتادون الحلف بالحرام ولا بالظهار ولا بالطلاق في أوائل الأمر، لكن بعد ذلك اعتادوا الحلف بها، وقد كانوا يحلفون بالنذر قبل ذلك، لأنَّ هذا فيه التزام عبادة لله، فهو أخف على الإنسان من تحريم أهله وماله؛ فقد يختار الرجل أن يتصدق بماله لله، ولا يختار بشر أن يحرم عليه جميع ما أحله الله له، فصاروا يغلظون الأيمان شيئًا بعد شيء، كما أنهم في أول الأمر لم يكن ولاة الأمور يُحَلِّفُونَ الناس بأيمان البيعة، ثم حلفهم الحجاج بأربعة أيمان أو خمسة، ثم زاد الناس في أيمان البيعة أضعاف ما فعله الحجاج (٢). وقد نُهي عن تغليظ الأيمان لما في ذلك من زيادة تعظيمها لا لأنها من أيمان الشرك؛ فيظن الغالط أَنَّ ذلك يقتضي أنها لا تلزم للنهي عنها، ولو تغلظت الأيمان المنعقدة غاية التغليظ، فإنَّ أيمان المسلمين [٨/ ب] لا تغير شرائع الدين؛ بل ما كان الله ورسوله قد أَمَرَ به قبل الأيمان المغلظة على تركه فقد أمر به بعد ذلك، يفعله العبد كما أمر الله ــ تعالى ــ به ورسوله ﷺ ، ويُكفِّر أيمانه المغلظة، وما نهى الله عنه ورسوله بعد تغليظه الأيمان على فعله فإنه منهي عنه بعد أَنْ حَلَفَ الأيمان المغلظة أنه لا يفعله، فيكفر أيمانه ولا يفعله (٣).

стр. 104

ولو غَلَّظَ الأيمان أَيَّ تغليظٍ كان لم يمنع ذلك من تكفيرها مثل أن يقول: إِنَّ عليَّ الحج ماشيًا حافيًا (١) على أغلظ مذهب في الإسلام أو على مذهب مالك بن أنس، أو يقول على أشدِّ ما أخذ أحدٌ على أحدٍ، أو مالي صدقة وعليَّ الحج ونسائي طوالق وعبيدي أحرار على مذهب مَنْ يُلزم الحالف ما التزمه، أو على أني لا أقلد من يفتي بالكفارة، أو لا أستفتي من يفتي بذلك ونحو هذه العبارات التي يلتزم فيها ما يجعله لازماً له لزوماً ثابتاً، ويميناً معقودة لا يمكن تحليلها، فإنَّ عَقْدَهُ وَرَبْطَهُ وتعليقه لو بالغ فيه ماذا عسى أَنْ يبالغ لم يكن ذلك برافعٍ لحكم الله ورسوله الذي شرعه على لسان نبيه محمد عبده ورسوله حيث قال: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وقال النبي ﷺ : «مَنْ حَلَفَ على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» (٢). فقد تبين أنَّ المشهور عند العامة والخاصة لو عَلَّقَ تعليقًا يَقصد به الأيمان أنه يكره وقوع ما علقه لا يريده سواءً كان المعلق بالشرط وقوع الطلاق أو العتاق أو الظهار أو الحرام، أو وجوب حج أو صيام أو صدقة أو هدي أو أضحية أو وقف أو غير ذلك مما يلتزمه المسلمون عند أيمانهم، وكذلك إن كان المعلق كفرًا كقوله: إنْ فعلتُ ذلك فأنا بريءٌ من الله ورسوله، وأنا يهودي ونصراني، وأنا مشرك بالله، وأقول: إن الله ثالث ثلاثة، وأعبد الصليب دون الله إن فعلت كذا، وأقول: إن القرآن ما هو كلام الله، وأقول: إن القرآن شعر وسحر إن فعلت ذلك، وأستحل وطء أمي في كعبة

стр. 105

المسلمين إن فعلت ذلك إلى أنواع من هذه التعليقات التي يعلقها كثير من الناس، ويعلقون ما هو عندهم أغلظ أنواع الكفر الذي يمتنع في تلك الحال أن يقصدوا لزومه [٩/ أ] لهم غاية الامتناع، لأنهم في غاية الإرادة لنقيضه والكراهة له، والإرادةُ الجازمةُ لوجودِهِ تُنَاقِضُ الإرادةَ الجازمةَ لعدمِهِ (١). وكذلك إِنْ كان المعلق بالشرط دعاءً يدعو به على نفسه من أنواع الشر، كقوله: إِنْ فعلتُ كذا قطع الله يدي، أو أَماتني على غير الإسلام، وذبح الله ولدي على صدري (٢) ونحو ذلك. وكذلك إِنْ كان المعلَّق اتصافه بقبائح ومنكرات يكره اتصافه بها غاية الكراهة، وإن كان اتصافه بها ممتنعًا في نفس الأمر لكن يقدر لزومها له؛ كقوله: إن لم أفعل كذا فأنا بريء من قرابتي من رسول الله، أو تكون هذه اللحية على مخنث، أو أكون بغَّاءً أو يركبني (٣)، أو يقول النصراني: أكون بريئاً من الصليب، أو من المسيح، أو من السيدة، أو يقول مَنْ يُعَظِّمُ بعض المشايخ أو القرابة أو الصحابة: أنا بريء من الشيخ فلان أو من علي بن أبي طالب إن فعلت كذا، إلى أمثال هذه الأيمان التي تحلف بها الأمم على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، لا يُعلِّقون تعليقًا يقصدون به اليمين إلا وهم كارهون لوقوع المعلَّق غير مريدين له، بل لا يكون إلا مِنْ أَكْرَهِ الأمورِ إليهم وأبعدهم عن إرادة وقوعه؛ فيمتنع أن يكون أحدهم قاصدًا لليمين، وهو مع ذلك يقصد وقوع الجزاء المعلَّق.

стр. 106

وأما إن أُريد باقتضاء التعليق لوقوع الطلاق المشهور عند الخاصة والعامة أنهم يعلمون أَنَّ المعلِّقَ جَعَلَ الشرط مستلزمًا للجزاء مقتضيًا له بحيث يلزم من وجود الملزوم وجود اللازم= فهذا صحيح، وهذا هو الذي أراده ــ والله أعلم ــ بقوله: (إن اقتضاء التعليق لوقوع الطلاق أمر مشهور عند الخاصة والعامة لا يقبل التشكيك)؛ فهذا الاقتضاء مُسلَّم لا ينازعه فيه عاقل وهو موجَب يمينه، ولكن حقيقةُ هذا أَنَّ المعلق نفسه أثبت هذا الاقتضاء واللزوم، فإنه هو الذي عَلَّقَ وربط وألزم فجعل الجزاء لازماً لنفسه، وهذا الاقتضاء لا بُدَّ فيه من إرادة وقصد؛ لكن يجب الفرق بين قصد الربط والتعليق واللزوم وجعل الجزاء لازمًا للشرط، وبين أنْ يقصد وجود الجزاء اللازم سواء وجد الشرط أو لم يوجد. وهذا المعترض وأمثاله لا يفرقون بين هذا القصد وهذا [٩/ ب] القصد؛ بل يجعلون مَنْ قَصَدَ التعليق فقد قصد وجود الجزاء المعلَّق، وهذا من أسباب غلطهم، فإنَّ قصده للتعليق والربط واللزوم بحيث جعل الأول مستلزمًا للثاني لا يوجب أَنْ يقصد وجود اللازم عند وجود الملزوم، كما أنه في الجمل الشرطية الخبرية قد جعل الثاني لازمًا للأول يوجد إذا وجد، فإنه قد جعل الثاني اللازم ثابتًا موجودًا عند وجود الملزوم، ثم ذلك لا يوجب أَنْ يكون مثبتاً للثاني؛ بل قد يكون ذلك مع نفيه للازم والملزوم، وَقَصْدُهُ من اللزوم نفي الملزوم (١) لانتفاء اللازم، ليس قصده إثبات اللازم بتقدير وجود الملزوم؛ بل هو نافٍ للازم لم يقصد الإخبار بثبوته البتة، وإنما جعله لازمًا لقصد نفي الملزوم لا لقصد إثباته على ذلك التقدير.

стр. 107

فإذا قيل: هو بتقدير اللزوم يكون مثبتًا أو نافيًا؟ قيل: هو مثبِت على هذا التقدير، لكن هذا التقدير هو عنده منتف في نفس الأمر، لا يمكن ثبوته؛ فلا يضره جعل اللازم ثابتًا بتقدير ثبوته، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] و ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧] ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣] ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ (١) [محمد: ٤] ونحو ذلك؛ فإن هذه التعليقات تضمنت جعل الجزاء لازمًا للشرط بتقدير وجوده، وهو مع ذلك مراده نفي كل منهما. ولهذا يقول من يقول من النحاة (لو) حرف يمتنع بها الشيء لامتناع غيره؛ أي: يمتنع بها الجزاء اللازم لامتناع الشرط الملزوم، فإن امتناع الملزوم يوجب امتناع اللازم. وقيل: حرف يدل على امتناع ما يلزم من وجوده وجود مثله. فبكل حال هي تدل على عدم الشرط ونفيه له (٢). وحينئذٍ؛ فالجزاء المعلَّقُ بوجوده لا يكون مُخْبِرًا بثبوته في نفس الأمر، فإنه إنما أخبر بثبوته على تقدير منتفٍ، وإذا كان لم يجعله موجودًا إلا على تقدير معدوم (٣) لم يكن قد جعله موجودًا البتة؛ فإنَّ ما عُلِّقَ بالمعدوم، وقيل: إنه إِنْ وُجِدَ المعدومُ يوجد، والمعدوم لا يوجد = لم يكن قد أخبر بأنه يوجد؛ فهذا في التعليقات الخبرية.

стр. 108

وإذا حلف [١٠/ أ] على هذا التعليق فقال: والله لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، و [والله] (١) لو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم، ووالله لو شاء الله لهدى الناس جميعًا= لم يكن حالفًا على وجود الجزاء في نفس الأمر، لكنه حالف على وجوده بتقدير منتفٍ عنده؛ فهكذا في التعليقات الطلبية هو وإن كان قد جعل الجزاء لازماً للشرط الملزوم فمع قصده اليمين هو يكره الجزاء اللازم كراهة تامة لم يقصد لزومه في نفس الأمر سواء وجد الملزوم أو لم يوجد، كما أن الأول لم يخبر بثبوت الملزوم، بل هو نافٍ له مطلقًا، سواء وجد اللازم أو لم يوجد، لكن هو في الجملة الخبرية التعليقية نافٍ للملزوم مثبتٌ لانتفائه بانتفاء اللازم، وقد يوجد اللازم مرة أخرى ولا يوجد الملزوم، لأنه (٢) يلزم من وجود الملزوم وجودُ اللازم وهو دليل، فإنَّ كل ملزوم دليل على لازمه، والدليل لا ينعكس. وأما في الجملة التعليقية الطلبية فهو كاره للازم كراهة تامة، لا يريده لا بتقدير وجود الملزوم ولا بتقدير عدمه، ولكن قصده كراهة الملزوم ليمتنع عن فعل الملزوم بامتناعه من فعل اللازم، فالامتناع من فعل اللازم هو ثابت، كما أن نفي الملزوم في الجملة الخبرية قد تتغير إرادته فيريد الملزوم ولا يريد اللازم، فإن لم يكن ليمينه تحلة وإلا لزم وجود اللازم وإن كان كارهًا له لم يرده، وهنا قد يحصل اللازم الذي هو الجزاء؛ كما قال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] والمراد: لو عَلِمَ الله فيهم خيرًا لأسمعهم إسماع فَهْمٍ، ولو أسمعهم إسماع فَهْمٍ ولم يعلم فيهم خيرًا لتولوا وهم معرضون؛ فسماعهم سماع فهم هو اللازم، وقد يوجد اللازم بدون الملزوم، فيوجد الإسماع بدون أن يعلم الله فيهم خيرًا، لكن إذا وجد ذلك تولوا وهم معرضون.

стр. 109

وإذا عُرِفَ أن كون التعليق مقتضيًا لثبوت الجزاء عند الشرط لا ينازعه فيه أحد، وإنما النزاع في شيئين: في كونه كارهًا لوقوع الجزاء عند الشرط، وفي حكم الله ورسوله في التعليق الذي قصد به اليمين. لكن يقال: نحن نُسَلِّمُ أَنَّ المعلِّق [١٠/ ب] جعلَ الجزاء لازمًا له، وجعل الشرط مستلزمًا للجزاء، لكن النزاع في أَنَّ هذا الملزوم الذي جعله هذا المعلق وهذا الربط والعقد الذي عقده وربطه هذا العاقد الرابط الذي عقد الجزاء بالشرط وربطه به = هل يمكن في [حكم] (١) الله ورسوله حَلُّ هذا العقد والربط وقطع هذا اللزوم وَفَكُّهُ؟ بحيث يوجد الملزوم (٢) المقتضي ولا يوجد اللازم الذي هو مقتضاه؛ فهذا محل النزاع. وهذا نزاع في حكم الله ورسوله في هذا الاقتضاء القَسَمي، كما أَنَّ الحالفَ إذا قال: أَحلفُ بالله لأفعلنَّ كذا؛ فمعنى هذا الربط جعل الفاعل (٣) تعظيمه لله مستلزمًا للفعل مقتضيًا له، وهذا الاقتضاء القسمي مشهورٌ عند العامة والخاصة؛ فكلُّ مَنْ حَلَفَ باسمِ شيءٍ فإنما يحلف باسم ما يعظمه، وقد جعل تعظيمه له مستلزمًا للمقسم عليه، فموجب يمينه أنه إنْ حنث زال تعظيمه للمحلوف به، فلولا أَنَّ الله شَرَعَ تحلَّةَ الأيمان ــ فإذا كَفَّرَ الحالف يمينه لم يَزُلْ تعظيمه للمحلوف به ــ إذا حنث= لم يكن الحنث إلا بزوال ذلك التعظيم،

стр. 110

ولكان الحانث قد عقد عقدًا وفسخه، وجعل الحلف (١) لازمًا للتعظيم وقد نقض عقده = بمنزلة الغادر الكاذب، أو لا (٢) يزولَ تعظيمُ المحلوفِ بِهِ من قلبه إن كان العقد باقيًا؛ فلا بُدَّ من هذا أو هذا إن لم يكن لليمين تحلة. وهكذا إذا حلف بصيغة التعليق قصدًا لليمين فلا بُدَّ إذا لم يكن لهذه اليمين تحلة من أنْ يلزمه ما علقه، أو أن يكون حانثًا في يمينه بمنزلة الغادر الكاذب؛ ولهذا كثيرٌ ممن يحلف بالطلاق أو غيره من الأيمان ثم يحنث ولا يرى أن له تحلة ولا كفارة ليمينه لا بُدَّ له من أحد أمرين: إما أن يلتزم ما عَلَّقَهُ، وإما أَنْ يعتقد في نفسه أنه حلف يمينًا وَفَجَرَ في الحنث بها كالغادر الكاذب؛ فإن كانت يمينًا بالله على شيء وَفَعَلَهُ= اعتقد أنه قد أتى ذنبًا عظيمًا إذا حنث ولم يعتقد أن له كفارة، وإنْ كان يمينًا بالطلاق واعتقد أنه يقع به= اعتقدَ أَنَّ امرأتَهُ مطلقةٌ منه، وهو يطؤها وطئًا محرمًا، وكثيرٌ منَ الناس مَنْ يُقْدِم على ذلك لرغبته فيها. فإنَّ الحالفَ بالطلاقِ إذا رأى أنه قد حنث ولزمه [١١/ أ] الطلاقُ ثلاثة أقسامٍ: قسمٌ يعتقدون وقوع الطلاق وحرمةَ التحليل؛ ويكون هذا الذي اعتقدوه دينًا صحيحًا راجحًا عندهم على إرادة المرأة، فيفارقونها ــ وإن كرهوا فراقها ــ خوفًا من عقاب الله الذي اعتقدوا أنهم يستحقونه (٣) إذا لم يفارقوها (٤). ومنهم مَنْ يَرغَبُ في امرأته، ولا يرى له طريقًا إلا التحليل؛ فيفعله تقليدًا لمن يجوِّزُهُ، ويحتمل ما في ذلك من المكاره لاعتقاده أنها لا تحل له
следующие страницы →