← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 32384

الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق

ابن تيمية

Полный текст (1 081 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الطلاق المعلَّق، فإنهم يجمعون بين ما فرق الله بينه ويفرقون بين ما جمع الله بينه، فلم يكن لهم حجةٌ شرعيةٌ على ما يذكرونه من وقوع الطلاق المعلق ــ سواءً قصد به اليمين أو الإيقاع ــ من المنع من وقوع غيره من الأحكام المعلقة؛ كالولايات والوكالات والضمانات والأنكحة وغيرها من الأحكام. وأما ابن تيمية فإنه يقول: الطلاق الذي يَقصد إيقاعه عند الصفة يَلزم، كما يلزم النذر المعلَّق بالصفة والعتق المعلَّق بالصفة والجعالة المعلَّقة بالصفة والظهار المعلَّق بالصفة والتحريم المعلَّق بالصفة والولايات المعلَّقة بالصفات، وغير ذلك من الأحكام مما يدخل في مسمى الاسم الذي عُلِّقَت به الأحكام لفظًا ومعنى، ويُفَرِّقُ بين التعليق الذي يقصد به اليمين والذي يقصد به الإيقاع، وهو يقول: كما أَنَّ لفظ النذر والعتق يتناول مُنَجَّزَهُ ومُعَلَّقَهُ= فكذلك لفظ الطلاق وغيره لا فرق بينهما لا من جهة اللغة ولا من جهة الشرع [٢٩/ ب] ولا العقل. فلما كان قول النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (١) يتناول المُطْلَقَ والمعلَّق بالنص والإجماع، وقوله: «الولاء لمن أعتق» (٢) يتناول المنجِّزَ للعتق والمعلِّقَ له بالإجماع= فكذلك قوله: «الزعيم غارم» (٣) يتناول المنجِّز

стр. 177

للضمان والمعلِّق له، كقوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] فهذا ضمانٌ بحِمْلِ بعير، وهو معلَّق على المجيء بالصاع، وهو تعليق للجعالة وللكفالة، لكنه تعليق على سبب الوجوب، ولهذا كان جمهور العلماء أحمد وغيره على أنَّ تعليق الضمان على سبب الوجوب يجوز، مثل أن يقول: إنْ أقرضتَهُ ألفًا فأنا ضامنٌ له، وتنازعوا فيما إذا عَلَّقَهُ بغيره كطلوع الشمس، وفيه وجهان في مذهب أحمد؛ والأظهر جوازه. وعلى هذا فالمطلِّق موقعٌ للطلاق عند الصفة، كما أَنَّ الناذرَ ملتزمٌ للمنذور عند وجود الصفة، وهو من جنس التعليق يُطَلِّقُ طلاقًا مقيدًا موصوفًا لا طلاقًا منجزًا مرسلًا، كما أَنَّ الناذر من حين يعلق النذر ناذرٌ نذرًا مقيدًا موصوفًا لا نذرًا مطلقًا، ولا فرقَ بينَ حال المطلِّق والناذر والجاعل بين عقد التعليق وبين وجود الصفة التي لا تتعلق بفعله، فإنه لم يتجدد منه

стр. 178

شيء، لكن إذا حدثت الصفة وقع الطلاق الذي كان عَلَّقَهُ به، كما يجب المنذور الذي كان عَلَّقَهُ بالصفة، ويحصل العتق الذي عَلَّقَهُ بالصفة، ويجب الجُعْلُ الذي علقه بالصفة إذا قال: مَنْ رَدَّ عبدي الآبق له عشرة دراهم فإذا حصل الرد وجب الجعل، فالتطليق متقدم من حين عقد التعليق، ووقوعُ الطلاقِ حاصلٌ إذا حصلت الصفة التي عَلَّقَ بها الطلاق كسائر الأمور المعلقة بأسبابها. ومجرد تعليق الطلاق تطليقٌ معلَّقٌ بالصفة (١) ليس تطليقًا مجردًا منجزًا مرسلًا، ولا يقول: إنه لا يسمى تطليقًا معلقًا بالصفة إلا عند وجودها، بل هو موجود، ويسمى بذلك قبل أنْ يقع، لكن عند وقوعها وقع الطلاق وصارت المرأة مطلَّقة؛ فحصول المجموع وهو في تلك الحال صار مطلقًا بالفعل طلاقًا وَقَعَ وَحَصَل. وأما القاصد لليمين فهذا لا نُسلِّم أنه مُطلِّق؛ كما أنَّ المعلِّق للنذر القاصد لليمين لا نسلم [٣٠/ أ] أنه ناذر، بل هذا حالف وهذا ناذر، لا هذا أراد النذر ولا هذا أراد الطلاق، ولا المعلِّق للعتق والظهار والحرام على وجه اليمين أراد العتق والظهار والحرام، لا هو ناذرٌ لا مطلقًا ولا مقيدًا، ولا مُطلِّقٌ لا مطلقًا ولا مقيدًا، ولا معتقٌ ومظاهِرٌ ومحرِّم لا مطلقًا ولا مقيدًا؛ فكيف يصير مُطَلِّقًا عند وجود الصفة بدون أن يكون عند التعليق لا مُطَلِّق لا مطلقًا ولا مقيدًا؟! وليس بين تعليق النذر على وجه اليمين وبين تعليق الطلاق والعتاق

стр. 179

والظهار والحرام إلا فرقٌ غير مؤثر في الشرع، فإنَّ الناذر عَلَّقَ الوجوب بالشرط، والوجوب مقتضاه أَنْ يفعل ما أوجبه، فمقتضى التعليق أفعالٌ (١) يؤمر بها، والموقِعُ عَلَّقَ بالشرط وقوع الطلاق والظهار والحرام. والوقوع مقتضاه حرمة أفعال وتركها والكَفُّ عنها؛ فمقتضاه ترك محظورات، كما أَنَّ مقتضى النذر فعل مأمورات، ولما كانت الحرية إذا ثبتت لم يؤمر الإنسان بفعلٍ ينشئه بعدها بل الكَفُّ والإمساك، والوجوب يؤمر فيه بفعل المنذور، وصار الناذر يفعل، ثم إنه بعد الحلف بالنذر قد يخير بين فعل المنذور والتكفير. وأما الحرية فهي إذا ثبتت لم توجب إلا الكَفَّ والإمساك، فلا يُعْقَلُ تَخَيُّرٌ بينَ فعلٍ وبين تكفير وهذا فرق صوري؛ فإنه إذا كان قصده اليمين لم يثبت هناك وجوب، بل كان مخيرًا بين فِعْلِ ما عقد سبب وجوبه من التكفير؛ وهنا إذا كان قصده اليمين لم يثبت وقوع، بل كان مخيرًا بين إيقاع ما انعقد سبب وقوعه وبين التكفير، وهو مخيرٌ بين التكفير وبين الإيقاع الموجب للوقوع والمقتضي للكف، وهناك (٢) مخيرٌ بين التكفير وبين الفعل الذي انعقد سبب وجوبه؛ فالوقوع هناك متقدم على الفعل الذي يخير بينه وبين التكفير، وهنا الوقوع متأخر عن الإيقاع الذي يخير بينه وبين التكفير، وهذا فَرْقٌ لا تأثير له في الشرع. والجمع والفرق إنما يكون بالصفات المؤثرة في الشرع، المعتبرة في

стр. 180

الكتاب والسنة؛ وهي الصفات التي عَلَّقَ الشارع بها الأحكام، ولهذا يقول (١) [٣٠/ ب] الفقهاء: هذا وَصْفٌ شَهِدَ له الشرعُ بالاعتبار، وهذا وَصْفٌ شَهِدَ له بالإلغاء والإهدار، وتكلم كثيرٌ منهم في المناسب المرسل والمصالح المرسلة هل يجوز تعليق الأحكام بها أم لا؟ بناءً على اعتقادهم أن في الوجود مناسبًا ومصالحَ (٢) لم يعتبرها الشرع ولم يلغها؛ وهذا غلط، فليس في الوجود وصف يظن أنه مناسب أو مصلحة إلا والشارع قد اعتبره أو أهدره (٣). وقد بَيَّنَ الرسول ﷺ جميع الدين وما تعلق به الشرع من الأوصاف، وقال النبي ﷺ : «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (٤)، وقد قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ

стр. 181

نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. لكن قد يخفى على كثيرٍ من الناس ما بيَّنه الله ــ تعالى ــ وَدَلَّ عليه من الأحكام وما عَلَّقَ به تلك الأحكام من الصفات المعتبرة المناسبة وما في ضمن ذلك من المصالح والحِكَم، وقد يَظُنُّ أنَّ ما أهدره وألغاه فيه مصلحة وهو مناسب، وتكون مصلحته ــ إِنْ كان فيه مصلحة ــ مرجوحة بالمفسدة الراجحة، وكذلك إن كان فيه نوع مناسب فتكون مرجوحة بالمناسبة التي تقتضي خلافه. والشارع أحكم الحكماء يُرَجِّح عند التعارض والتزاحم أرجح المصلحتين وإن فاتت أدناهما (١)؛ كما يدفع أعظم المفسدتين وإن لزمت أدناهما، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ

стр. 182

تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ [لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ] (١) لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥]، وقال: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وبسط هذا له موضعٌ آخر (٢). والمقصود هنا: أَنَّ التعليق الذي يقصد به اليمين، إذا كان المعلَّقُ وجوبَ فعلٍ خُيِّر بين ذلك الفعل وبين التكفير، وإذا كان المعلَّق وقوع طلاق أو ظهار يقتضي ترك فعلٍ خُيِّرَ بين التزام (٣) ذلك الطلاق والظهار وبين التكفير، والطلاق لا يكون لازمًا له [٣١/ أ] حتى يوقعه، فيكون الفعل هنا الذي خير بينه وبين التكفير الذي أوجبه التعليق هو الموجِب للوقوع المقتضي للكف والإمساك، وهناك الفعل الذي يخير بينه وبين التكفير هو الذي أوجبه التعليق، والتعليق هناك أوجب فعلًا أو أوجب تركًا، فإذا خير هناك لم يحتج إلى فعلٍ يقتضي الحكم، بل يخير بين الفعل الذي جعله واجبًا

стр. 183

عليه وبين التكفير، وإذا خير هنا احتاج إلى فعلٍ يقتضي الحكم الذي جعله واقعًا منه، فإنَّ الوقوع بعد الإيقاع الذي يريد أن يفعله إذا لم يكفر، وهناك لا يحتاج إلا إلى الفعل الذي أوجبه، لا يحتاج إلى فعلِ مقتضٍ للحكم الذي هو الوجوب، وهذا لأن المقصود من الوجوب فعل الواجب فإذا فعله هناك فقد فعل ما جعله لازمًا له، والمقصود من الوقوع الترك، والوقوع لا يحصل إلا بعد إيقاع، فإذا اختاره لم يحصل بمجرد كَفِّهِ وإمساكه وامتناعه، بل لا بُدَّ من إنشاء طلاق تصير به مطلقة. وأما في الظهار والتحريم إذا اختار أن تصير مظاهرة ومحرمة؛ فهذا حرام عليه (١)، لا يجوز له أن يظاهر (٢) ولا يحرم؛ بل يُنهى عن ذلك فلا نخيره نحن، بل لو حرمها أو ظاهر منها صار مظاهرًا ولزمته كفارة الظهار (٣)، كما لو كان الطلاق الذي علَّقه في تعليق اليمين محرمًا مثل الطلاق الثلاث أو الطلاق في الحيض ونحو ذلك لم نخيِّره بين التكفير وبين التطليق؛ بل نأمره بالكفارة عينًا، لكن إِنْ طَلَّقَ لزمه الطلاق وسقطت عنه الكفارة عند من يقول الطلاق المحرم واقع، وأما من يقول إنه غير واقع فلا يخيره، وإذا طلق في الحيض لم يقع به الطلاق؛ فيتعين في مثل هذه الصورة عليه الكفارة. وأما إذا قال: إن فعلت كذا؛ كما لو قال: والله لئن فعلت كذا لأطلقنك في الحيض، فإنه تتعين الكفارة، والطلاق في الحيض متعذر؛ كما لو قال: والله لأنكحنَّك في العِدَّة ولأشترينَّ هذه الجرار الخمر؛ هذا إذا كان مقصوده

стр. 184

النكاح والبيع والطلاق الذي يحصل (١) به مقصوده وهو الذي يريده عامة الناس، وأما إن كان مقصوده (٢) [٣١/ ب] صورة العقد بَرَّ في يمينه بفعل ذلك، وأما إذا كان المعلَّق هو الطلاق الثلاث كان تقدير الكلام: والله إن فعلتِ ذلك ليقعن بك الطلاق الثلاث، فإذا أوقع بها الثلاث ــ وقلنا: لا يقع به إلا واحدة ــ فقد حنث في يمينه. فإذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فامرأتي طالق ثلاثًا، وَقُدِّرَ أنه اختار أَنْ يطلقها ولا يكفر يمينه لم يجز له أن يطلقها إلا واحدة، فلو طَلَّقَ ثلاثًا لم يقع به إلا واحدة؛ وحينئذ فتتعين عليه الكفارة هنا أيضًا. فمتى كان المعلَّق في تعليق اليمين طلاقًا محرمًا أو ظهارًا أو تحريم حلال تعينت الكفارة، كما لو كان المعلَّق في تعليق النذر فعلًا محرمًا مثل أن يقول: إن فعلت كذا فلله عليَّ قتل فلان أو ذبح نفسي ونحو ذلك، فهنا تتعين عليه الكفارة؛ فإنه من التزم لله أو بالله معصية لم يكن له أن يفعلها وتعينت الكفارة عليه. ولو كَفَّرَ المعلِّق للظهار والتحريم كفارة ظهار من غير إنشاء ظهار كان قد أتى بأعلى الكفارتين، كما لو كَفَّرَ في اليمين بذلك، فإذا كانت الكفارة عتقًا أو إطعام ستين مسكينًا فهذا يجزئ باتفاق المسلمين, وأما إن كانت صوم شهرين متتابعين، والواجب كفارة اليمين عتقًا أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم (٣).

стр. 185

فصل قال المعترض: (العشرون: لو لم يكن الطلاق بحيث يقع عند الشرط لم تنعقد اليمين به، كما لو قال للأجنبية: إنْ دخلتِ الدار فأنت طالق، وتزوجها بعد ذلك ثم دخلتِ الدار؛ فهذا لا يلزمه شيء بلا خلاف، فلو كان قَصْدُ اليمين وحده كافيًا لكفى ههنا. فإن قلتَ: قصد اليمين مع كون الشيء بحيث يقع لولا إرادة اليمين، فإرادة اليمين مانعة؛ وكذلك نذر اللجاج فإنَّ ما سماه في نذر اللجاج لا يحصل عند القائلين بالكفارة أو التنجيز ومع ذلك تنعقد اليمين به. قلتُ: الناذر في اللجاج ملتزم لاقتران الفعل الذي مقصوده الامتناع منه بالإعتاق مثلًا، كما أَنَّ الحالف ملتزم لاقتران ما حلف عليه بتعظيم المحلوف به، فإذا حصل ذلك الفعل فنقول له: إن أعتقت (١) فقد وَفَّيْتَ بمقتضى التزامك من اقتران الإعتاق بالفعل، [٣٢/ أ] وصار كما لو لم يحنث في الأيمان، واستمريت في التزام حرمة الاسم، وإنْ تركتَ العتق تكون قد خالفته (٢) وتركت ما التزمت اقترانه بالفعل، كما لو خالف الحالف بالحنث فترك مقتضى ما التزمه من حرمة الاسم، فتجب (٣) عليك الكفارة؛ فهي حينئذٍ مكفَّرة لترك العتق لا لحصول الفعل، وصار النذر كاليمين المعلقة، كأنه

стр. 186

قال: والله إِنْ فعلتُ كذا أعتقت هذا العبد (١)، فإن أعتق فقد بَرَّ في قسمه ولم يحنث، وإن لم يعتق وجبت الكفارة؛ فافهم هذا فإنه من نفيس البحث، وبه يظهر قوله ﷺ : «كفارة النذر كفارة يمين» (٢)، وسيكون لنا عودة إلى هذا البحث إن شاء الله) (٣). والجواب من وجوه: أحدها: أن يقال: إن أراد أنه لو لم يقع عند الشرط مطلقًا لم تنعقد به اليمين؛ فهذه دعوى مجردة تضمنت دعوى محل النزاع بلا دليل. وحقيقة كلامه أن الحالف لو لم يلزمه الطلاق المعلق إذا قصد بتعليقه اليمين لم تنعقد اليمين به، وهو كمن يقول: لو لم يلزمه النذر المعلَّق والظهار المعلَّق والتحريم المعلَّق والهدي (٤) المعلَّق والكفر المعلَّق والوقف المعلَّق والأضحية المعلَّقة على وجه اليمين لم تنعقد اليمين به؛ وهذا باطل، فإنه لو علَّق النذر بشرط يقصده لزم، فإذا قال: إنْ شفاني الله من هذا المرض فَثُلُثُ مالي صدقة، أو هذا البعير هدي، أو هذه الشاة أضحية ونحو ذلك صَحَّ، ولو قصد به اليمين فقال: إِنْ سافرتُ معكم فثلث مالي صدقة، وهذا البعير هدي أو هذه الشاة أضحية أجزأته كفارة يمين عند الجمهور والمعترض وغيره. ولو قال: إن سافرت معكم فأنا بريء من الله ورسوله لم يبرأ، ولو قال: إنْ أعطيتموني ألفًا فأنا بريءٌ من الله ورسوله صار بريئًا من حين قال ذلك،

стр. 187

فهذا إذا علقه تَنجَّز ولم يتوقف على الشرط لقوة نفوذه، وهو إذا عَلَّقه تعليقًا يقصد به الأيمان لم يلزم، فالذي لا يتنجز مع التعليق بل يتأخر إلى وجود الشرط= أولى ألا يلزم إذا قصد به اليمين (١). وإن أراد أنه لو لم يكن مما يجوز تعليقه في الجملة لم تنعقد به اليمين، لأنه حينئذٍ [٣٢/ ب] معلَّق، وما لا يقبل التعليق لا يصير محلوفًا به إذا عَلَّقَهُ؛ فهذا المعنى ينفعنا لا يضرنا، فإنَّا نسلم أنه مما يقبل التعليق في الجملة، كما أَنَّ النذر يقبل التعليق. وإذا قصد بالتعليق اليمين لم يكن نذرًا، وسواء كان النذر وجوب شيء في الذمة أو ثبوت ذلك في عين معينة. فإذا قال: إِنْ فعلت كذا فهذا البعير هدي وهذه الشاة أضحية وهذه الدار وقف على المساكين وهذا المال صدقة ونحو ذلك، فهو كقوله: فهذا العبد حر، وهذه المرأة طالق، فإنه لو قال: هذا البعير هدي وهذه الشاة أضحية وهذه الدار وقف على المساكين لزم ذلك، كما يلزم إذا قال: هذا العبد حر وهذه المرأة طالق، ثم إذا عَلَّقَ ذلك تعليقًا يقصد به اليمين كان يمينًا مكفَّرة. الوجه الثالث (٢): أَنْ يقال: هذا الكلام حجة على من يوافقهم المعترض في الفرق بين المُطْلَق والمعلَّق الذين يقولون: إذا قال: إن فعلت كذا فمالي

стр. 188

صدقة كان يمينًا، ولو قال: إذا طلع الهلال فمالي صدقة، أو قال: هذا المال صدقة لم يصح، وكذلك إذا قال: عليَّ نذر لم يلزم، وإذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ نذر لزم. ولو قال: عليَّ أَنْ أُطَلِّقَ امرأتي أو إذا جاء رأس الشهر فعليَّ أَنْ أُطَلِّقَ امرأتي لم يلزم. ولو قال: إِنْ سافرتُ معكم فعليَّ أَنْ أُطَلِّقَ امرأتي كان عليه كفارة يمين؛ كما ذَكَرَ ذلك مَنْ ذَكَرَهُ من أصحاب الشافعي وجعلوه مذهب الشافعي، والشافعي نفسه فَرَّقَ بين أن يقول: عليَّ نذر، وبين أن يقول: إن فعلت كذا فعليَّ نذر (١)؛ فهؤلاء يجعلون المعلِّق يقصد اليمين يمينًا وإن كان لا يلزم منجزًا فضلًا عن أن يلزم مع الشرط، فيجعلون التعليق الذي يقصد به اليمين في اقتضاء كونه يمينًا أبلغ من المنجز ومن التعليق المحض. وهذا يناقض دليل المعترض الذي زعمه بقوله: (لو لم يكن الطلاق بحيث يقع عند الشرط لم تنعقد اليمين به) فإنَّ هذه الأمور تنعقد بها اليمين عندهم وهي مما لا يلزم عندهم منجزة ولا معلقة بشرط؛ بل يلزم عند طائفة النذر المعلَّق وإن لم يلزم المعلق بالصفة، كما يلزم عندهم الذي يقصد به اليمين [٣٣/ أ] وَإِنْ لم يلزم المعلق بالصفة ولا المنجز، وهذا لأنه إذا قصد اليمين صار حالفًا فيدخل في النصوص الموجبة للكفارة، وإذا لم يقصد اليمين صار ناذرًا للطلاق وغيره من المباحات، ونذر المباحات لا يلزم

стр. 189

الوفاء بها، أو (١) صار منجزًا لما لا ينعقد بصيغة التنجيز عندهم كقوله: مالي صدقة ــ في أحد الوجهين ــ، وكالنذر المنجَّز مطلقًا ــ في أحد الوجهين ــ. وهذا لأنَّ القاصد لليمين لم يقصد أن يلزمه ما عَلَّقَهُ، ولا أن يكون ذلك؛ لا نذرًا لمباحات ولا نذرًا منجزًا ولا تطليقًا ولا إعتاقًا، وإنما يقصد أن يعلق بالفعل ما يكره لزومه ليكون حاضًّا ومانعًا له، ويكون ذلك المعلق حقًّا محضًا لله، فيكون قد التزم لله عند الحنث ما لا يريد أن يلزمه إذا حنث؛ فهذا معنى اليمين عندهم، سواءٌ كان ذلك مما يلزم مجردًا أو معلقًا بالصفة أو مما لا يلزم؛ هذا حقيقة هذا القول المأثور عن الشافعي ومن ذكره من أصحابه، وهو قول أحمد في إحدى الروايتين عنه. ولو قال: عَبْدُ فلانٍ حر؛ لم يعتق عنده ولا عند أحد من المسلمين. ولو قال: إنْ شفى الله مريضي فعبد فلانٍ حر؛ فإنَّ عليه كفارة يمين في إحدى الروايتين (٢)، كما لو قال: لله عليَّ أنْ أشتريه وأعتقه فإنه مع التعليق قد نذر أن يصير حرًّا كأنه قال: فعليَّ أَنْ أُعتقه، فإذا تعذر عتقه كان عليه كفارة يمين، ولو أعتقه لم يلزمه شيء آخر. والمقصود: أَنَّ من العلماء من يُلزم مع التعليق ما لا يُلزم مع التنجيز، ومع قصد اليمين ما لا يُلزم بدونه، فما ذكره لو كان حجةً كان حجةً على هؤلاء فكيف ولم تكن حجة؟! وذلك يتبين بِـ الوجه الرابع: وهو أَنَّ هذا القياس الذي ذكره لم يذكر ما يدل على

стр. 190

صحته. فيقال له: لا نُسَلِّمُ أَنَّ العلة في الأصل ما ذكرتَ، وهذا المنعُ يكفي في منعه من الاستدلال به، ثم نذكر من الفرق ما يُبَيِّنُ به بطلان قياسه وهو أن قوله للأجنبية: إِنْ دخلتِ الدارَ فأنتِ طالق إيقاع طلاق بأجنبية، والأجنبية لا يلحقها الطلاق لا منجزًا ولا معلقًا، وهو إنما جعلها طالقًا إذا دخلت الدار فلم يشرط أن تدخل الدار وهي زَوجُهُ، فلو قال: إِنْ دخلتِ وأنتِ زوجتي [٣٣/ ب] فأنت طالق؛ فهذا فيه النزاع المشهور. ولو قال: إِنْ دخلتِ الدار فلله عليَّ أَنْ أُطلقك من زوجِكِ، فهذا عليه كفارة يمين؛ كما لو قال: فوالله لأطلقنَّك من زوجك، أو قال: إن دخلت الدار فلله عليَّ أَنْ أطلق امرأتي؛ كما ذكرنا في مذهب أحمد وأبي حنيفة وهو الذي جعله الخراسانيون مذهب الشافعي. ولو قال: إن سافرت معكم فامرأة فلان طالق؛ فهو كقوله: مملوكه حر أو فبعيره هدي أو فماله وقف، فتصرفه في ملك الغير بدون وكالة وولاية لا ينفذ لا منجزًا ولا معلقًا؛ لكن هل يكون هذا كقوله: فلله عليَّ أَنْ أُعْتِقَ عبد فلانٍ وأهدي بعيره وأَقِفَ ماله، ويكون هذا بمنزلة أن يحلف ليفعلنَّ ذلك، كما لو قال: إن فعلت ذلك فعليَّ أَنْ أقتل فلانًا، وإِنْ أظفرني الله بفلان فلله عليَّ أَنْ أقتله، هذا مما يحتمل النزاع في مذهب أحمد وغيره. الوجه الخامس: قوله: (لو كان قصد اليمين وحده كافيًا لكفى هنا). يقال له: قوله: إِنْ دخلت الدار فأنت طالق؛ إِنْ كان قصده منعها من الدخول وهو لا يكره الطلاق إذا دخلت بل يريده؛ فليس هذا بحالف، ولا

стр. 191

هذا وحده يمينًا، وهذا مما تكرر ذكر المعترض له وعليه بنى كلامه، حيث ظَنَّ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَلَّقَ حكمًا بأمر يكرهه فإنه حالف قد قصد اليمين، وعرف أن هذا خطأ على جميع الخلق العامة والخاصة والصحابة والتابعين والفقهاء وغيرهم، وإن كان يكرهه فهو حالف (١). فإن أراد: إِنْ دخلتِ الدارَ فأنت طالق مني الآن؛ فهذا كلام باطل فإنه لو قال: لله علي أن أطلقك الآن لكان باطلًا. وإن قال: فأنت طالق إِنْ تزوجتك فهذا يمين، كما لو قال إن فعلت كذا فكل امرأة أتزوجها فهي طالق، ولو قال لأجنبية: إن فعلت كذا فوالله لأطلقنك إن تزوجتك، أو فلله عليَّ أَنْ أطلقك إن تزوجتك فهو يمين. ولو قال: فأنت طالق إذا تزوجتك ففيه نزاع مُرَتَّبٌ؛ فمن قال: إِنَّ الطلاق المعلق بالنكاح يلزم، يقول بانعقاد هذه اليمين، [و] (٢) في إجزاء الكفارة فيها النزاع الذي نحن فيه، ومن قال: إن الطلاق المعلق بالنكاح لا يلزم تنازعوا إذا صار مستحقًّا للغير أو كان [٣٤/ أ] التعليق في ملكه، وفي ذلك روايتان مشهورتان مثل أن يقول لامرأته: إن تزوجت عليك امرأة فهي طالق؛ فهنا نص أحمد في إحدى الروايتين على أنها تطلق إذا تزوجها مُفَرِّقًا بين ذلك وبين أن يقول ابتداءً: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فإنه هناك مقصوده الامتناع من نكاحها، وهذا لا يلزم، بخلاف ما إذا صار الطلاق حقًّا للمرأة، فإن من أصله أنه لو شرط لها ألا يتزوج عليها صحَّ الشرط، ولو تزوَّج عليها

стр. 192

كان لها فسخ النكاح، فصار في امتناعه من النكاح حق لها. ولو قال: إنْ تزوجت فلانة فلله عليَّ أنْ أُطلقها لم يكن عليه أنْ يُطلِّقَهَا؛ بل عليه كفارة يمين عند أحمد وأبي حنيفة ومن معهما، لأنَّ هذا يمين. ولو شَرَطَ لامرأته ألا يتزوج عليها، وإنْ تزوَّجَ فلله عليَّ أنْ أطلقها = كان الطلاق حقًّا لها، فإذا لم يَفِ بشرطها كان لها أنْ تفارقَه ولا يسقط حقها بالكفارة؛ فلهذا قال (١): إنْ تزوجتُ عليكِ امرأةً فهي طالق؛ تطلق إن تزوجها، لأن الطلاق صار مستحقًا للمرأةِ، والمعلَّقُ هنا وقوعه (٢). وأصل أحمد أنَّ المضافَ إلى الملك من الحرية والظهار يقع في الملك؛ كقول الجمهور مالك وأبي حنيفة وغيرهما، فالمشهور من مذهبه أنه لو قال: إنْ تزوجت فلانة فهي عليَّ كظهر أمي، أو إذا مَلَكْتُ فلانًا فهو حُرٌّ صَحَّ الظهار ووقع العتق، وإنما مَنَعَ من الطلاق المعلَّق على الملك، لأنَّ مقصوده الامتناع من النكاح، ومعناه: لا أتزوج، وهذا لا يلزم؛ فإذا صار حقًّا لها صار ممتنعًا من النكاح لأجلها، وعلى الرواية الأخرى عنه: هو معلل بأنه لا طلاق قبل النكاح وهذا لا يجوز، لأنه فسخ للعقد قبل انعقاده وهو باطل، بخلاف الحرية [فليست] (٣) فسخًا للبيع؛ بل هي تقرير للملك الحاصل به. فإذا قال: إذا اشتريت فلانًا فهو حُر؛ فهو إعتاقٌ له بعد ملكه له وليس

стр. 193

ذلك فسخًا للبيع، والظهار تحريم لها، وتحريم الأجنبية ممكن؛ فكيف إذا علَّقَ التحريم بالملك؟! ولو قال لها في العِدَّة: إنْ تزوجتك فأنتِ طالق؛ فعنه فيه روايتان، وإذا كان كذلك، فإذا قال لأجنبية: إنْ فعلتِ كذا فأنتِ عليَّ كظهرِ أمي، أو [إِنْ فعلتِ كذا] (١) إذا تزوجتك فأنتِ عليَّ كظهرِ أمي؛ فهذا يمين بالظهار [٣٤/ ب] بخلاف ما إذا قال ابتداءً: أنتِ عليَّ كظهرِ أمي، أو إذا تزوجتك فأنت عليَّ كظهرِ أمي، فإنَّ هذا ظهار محضٌ منجز ومعلق بالملك، فكذلك إذا قال لأجنبية: إن فعلتِ كذا فأنتِ طالق إذا تزوجتك فإنَّ هذا إذا قصد أنْ يمنعها من ذلك الفعل بإيقاع طلاقها إذا تزوجها فهذا يمين، كقوله: إن فعلتِ كذا فلله عليَّ أنْ أطلقك إذا تزوجتك، ثم قد يقول بأنَّ هذا يمين مَنْ لا يقول بلزوم هذا الطلاق لو كان مجردًا تعليقًا محضًا، ويقول بلزوم الكفارة فيه كما يقوله في نظيره. الوجه السادس: قوله: (الناذر في اللجاج ملتزم لاقتران الفعل الذي مقصوده الامتناع منه بالإعتاق مثلًا) ليس بمسلَّم؛ بل إنما قُرِنَ بالفعل إيجاب العتق أو وجوبه لا نفسُ الإعتاق، فإنه إذا قال: إن فعلت كذا فلله عليَّ أن أعتق هذا العبد أو أتصدق بمالي أو أنْ أحجَّ لله؛ لم يَقْرِن بالفعل الذي امتنع منه شيئًا من هذه الأفعال لا الحج ولا الإعتاق ولا الصدقة؛ بل إنما قَرَنَ بذلك إيجاب هذه الأفعال ووجوبها، ولو كان المعلَّق نفس الأفعال لكانت الأفعال توجد إذا وجد شرطها في قصد النذر المحض، كما إذا قال: إنْ شفاني الله من مرضي فلله عليَّ أَنْ أعتق هذا العبد وأتصدق بثلث مالي

стр. 194

وأحج إلى بيتِ الله، فإذا وجد الشرط كان الحاصل وجوب هذه الأفعال في ذمته لا نفس هذه الأفعال، وفي اليمين المعلق بالشرط هو هذا الوجوب، لكنه هناك علقه مع بُعْدِهِ عن هذا الإيجاب وامتناعه منه، ليكون لزومه له مانعًا له من الشرط؛ وَلَمَّا كان المعلق هو إيجاب الفعل المقتضي للفعل، فإن أعتق فقد وفَّى بموجب تعليقه، ولم يبقَ في ذمته شيء، وإنْ لم يفِ فعليه كفارة يمين. وهكذا إذا قال: إنْ فعلت كذا فمماليكي أحرار؛ فالمعلق حصول العتق بالمماليك، لكنه لم يقصد إيقاع هذا العتق؛ بل هو من أبعد الناس عنه، وهو ممتنع منه غاية الامتناع؛ بل علقه ليكون لزومه عند الشرط مانعًا له من الشرط؛ وهكذا الطلاق المعلق على وجه اليمين إذا قال: إنْ فعلتُ كذا فكل نسائي طوالق لم يُعَلِّق إيقاع الطلاق إلا وهو من أبعد الناس عنه وممتنع [٣٥/ أ] منه غاية الامتناع، وعلقه ليكون لزومه مانعًا له من الفعل، ثم جَعْلُهُ اللزومَ مانعًا له من الفعل هو موجب ربطه وتعليقه. وأما حكم هذا اللزوم فإلى الشارع، فإنْ جعله عقدًا لازمًا لزم، وإن جعل له تحليلًا بالكفارة التي فرضها الله تحلةً لأيمانِ المؤمنين كان له حل هذا العقد بالكفارة. وهذا الحالف باسم الله قَرَنَ ما حلف عليه بتعظيم المحلوف به ؛ فموجب عقده أنه إذا وجد التعظيم وجد الفعل الذي حلف ليفعلنه، والتعظيم موجود في قلبه فيلزمه الفعل، فَجَعَلَ الشرعُ لتعقيدِ الأيمان تحليلًا كما قال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، فلو لم يشرع

стр. 195

الكفارة لكان إذا حصل المحلوف عليه زال تعظيمه للمحلوف به، لأن الفعل قد جعله لازمًا للتعظيم، فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، لكنْ شَرَعَ الله الكفارة تحلة لأيمان المؤمنين، وشرع لهم حَلَّ هذا العقد، وإبطال هذا اللزوم بالكفارة التي فرضها. وهذا المعنى موجود في كل ربط قصد به اليمين، لكن إنما تجب الكفارة إذا كان اللازم بالحنث هَتْكَ حرمة الأيمان، أو (١) انتهاك حرمة اسم الله، لأنَّ ذلك انتهاك لحرمة المسمى، وهذا يتضمن إسقاط ما في القلب من تعظيم الله (٢). وكذلك إذا التزم الكفر المضاد للإيمان إذا فعل؛ فهذا أعظم انتهاكًا لحرمة الأيمان، وأبلغ من زوال تعظيم الله من القلب، وكذلك إذا التزم لله

стр. 196

شيئًا ولم يفِ بما التزمه له فهو أعظم من أن يلتزم به شيئًا ولا يفعل ما التزم به، فإنَّ التعظيم الذي في قلبه لله يزول إذا التزم له شيئًا ولم يفِ بما التزم له أعظم مما يزول إذا التزم به شيئًا ولم يفِ بما التزمه. وإذا جعل التزامه لله وبالله مانعًا مِنْ فِعْلِ ما أُمِرَ فقد دخل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، وقوله : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور: ٢٢] فالائتلاء والتألي والإيلاء هو الالتزام (١) وهي الحلف واليمين. ولهذا كان قوله: لله عليَّ إذا قَدَّرَنِي الله على فلان [٣٥/ ب] لأقتلنه؛ يمينًا عند جمهور العلماء، وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة، وهذا الذي ذكره الخراسانيون مذهبًا للشافعي، وهو لم يقصد بما التزمه لله أن يتقرب به إليه، وإنما قصد أن يَحُضَّ نفسه عليه كما يقصد ذلك بقوله: والله إذا قدرت عليه لأقتلنه. و قوله: لله عليَّ لأقتلنه أبلغُ من قوله: بالله لأقتلنه ؛ وهذا من اليمين، كما قال عقبة بن عامر: النذر حَلْفَةٌ (٢). وهو الذي روى عن النبي ﷺ : «كفارة

стр. 197

النذر كفارة يمين» (١)، وهو هنا مقصوده حضُّ نفسِهِ على قتله. والتزم هذا لله كما يلتزمه بالله ليقتلنَّه (٢). ومن قال: لا يلزمه شيء لأنه التزم معصيةً لله فهو شبيهٌ بقول من يقول في قوله: والله لأقتلنه: ليس عليه شيء إذا لم يقتله؛ لأنه التزم بالله معصيةً، وكفارتها تركها، وهو نظير قول من يقول: المولي لا شيء عليه إذا فاءَ، لأنه فعل الواجب، فهؤلاء لم ينظروا إلى المعنى الموجب للكفارة، وهو انتهاك حرمة الأيمان بالله، وزوال التعظيم الذي في القلب لله إذا التزم به شيئًا ولم يوفِ بذلك.

стр. 198

وهو لو قال: عليَّ عهدُ الله وميثاقه لأفعلنَّ كذا، كان يمينًا، ولو قال: عليَّ لأفعلنَّ كذا، كان يمينًا ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]. ولو قال: أشهد بالله لقد زنيت، كان هذا يمينًا أبلغ من قوله: أحلف بالله لقد زنيت، وهي شهادة مؤكدة باليمين. الوجه السابع: أنه قال: (فهي ــ حينئذٍ ــ مكفرة لترك العتق لا لحصول الفعل، وصار النذر كاليمين المعلَّقة، كأنه قال: والله إنْ فعلتُ كذا أعتقتُ هذا العبد، فإنْ أعتقَ فقد بَرَّ في قَسَمِهِ ولم يحنث، وإنْ لم يُعْتِق فقد وجَبَت عليه الكفارة. ثم قال: فافهم هذا، فإنه من نفيس البحث، وبه يظهر قوله ﷺ : «كفارة النذر كفارةُ يمين» (١) وسيكون لنا عَودَةٌ إلى هذا البحث). فيقال: هذا الذي ذكرتَه صحيح، وهو ــ ولله الحمد ــ من أعظمِ الحجج للقول الذي نَصَرَهُ المجيب؛ فالحمد لله الذي جَعَلَ المعاني الصحيحة التي تستحق التعظيم كلها حجة على ذلك القول، وجعل ما يُخالفُهُ معاني فاسدة [٣٦/ أ] متناقضة. فإنَّ هذا الذي ذكره في تعليق وجوب العتق وإيجابه إذا قصد به اليمين هو موجود في تعليق وقوعه وإيقاعه إذا قصد به اليمين، وهو ــ أيضًا ــ موجود في تعليق وقوع الطلاق وإيقاعه إذا قُصِدَ به اليمين، كما أنه موجود

стр. 199

في تعليق وجوب جعل البهيمة هديًا وأضحية إذا قصد (١) به اليمين، فإنه إذا قال: هذا هدي وهذه أضحية صارت هديًا وأضحية؛ كما يصير العبد حرًا إذا قال: هذا حر، وكما تصير الأرض وقفًا على المساكين إذا قال: هذه وقف على المساكين، وكما يصير الفرس حبسًا إذا قال: هذه الفرس حبس في سبيل الله، ثم إذا قصد بذلك كُلِّهِ اليمين أجزأت فيه كفارة اليمين، وكما أن العبد يخرج عن ملكه بالعتق، فكذلك الأرض (٢) تخرج عن ملكه بالوقف، لكن هل يشترط في الوقف إخراجها عن يده؟ على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد؛ أحدهما: يشترط كقول مالك ومحمد بن الحسن. والثاني: لا يشترط؛ كقول الشافعي وأبي يوسف. وكذلك الهدي والأضحية؛ هل تزول عن ملكه بذلك أم يجب عليه أن يزيله بالذبح؟ فيه قولان. وقد تنازع العلماء في إبدال [الهدي] (٣) والأضحية بخير منها والمنصوص عن أحمد جواز ذلك كقول أبي حنيفة، وفي مذهبه قول آخر: لا يجوز كقول الشافعي، اختاره أبو الخطاب (٤). وجعل هو وطائفة معه هذا الخلاف مستلزمًا للخلاف في زوال الملك؛

стр. 200

وقالوا: إنْ قلنا: يزول ملكه، لم يجز الإبدال وإلا جاز؛ وليس بشيءٍ؛ فإنَّ العبد المنذور عتقه لم يزل ملكه عنه ولا يجوز إبداله بلا نزاع، لأنه هو المستحق للحرية فلا يصرف عنه، والمسجد الذي زال ملكه عنه يجوز إبداله حيث يجوز الإبدال: إما إذا تعذَّرَ الانتفاع وإما إذا كان البدل خيرًا من المبدل منه؛ كما فعل أمير المؤمنين عمر ﵁ لما أبدل مسجد الكوفة القديم بمسجد أصلح منه للمسلمين وصار الأول سوقًا للتمَّارين (١). فجواز الإبدال والمنع منه ليس ملازمًا لبقاء الملك وزواله، ولا ريب أنَّ مَنْ جعلها هديًا أو أضحية عليه أن يذبحها وهو أحق بذلك من غيره، وكذلك [٣٦/ ب] إذا قال: هذا المال صدقة فهو بهذه المنزلة.

стр. 201

والتحقيق: أَنَّ الملك الذي كان على ذلك أولًا من قدرته على التصرف المطلق زال، ولم يبق له إلا قدرة على تصرفٍ خاص، والملك هو القدرة الشرعية على التصرف، والقدرة تتنوع؛ فقد يقدر على تصرف دون آخر. ومن هنا يغلط كثير من الفقهاء فيجعلون الملك شيئًا واحدًا مماثلًا في محالِّهِ، ثم يتنازعون في ثبوته وانتفائه في مواضع، ويكون كلا القولين الإثبات والنفي خطأ؛ كتنازعهم في الكفار هل يملكون أموال المسلمين؟ وفي العبد هل يملك؟ وفي الوقف هل هو ملك للموقوف عليه أو الواقف أو لله؟ وفي الهدي والأضحية هل هو باقٍ على ملك مَنْ جعل ذلك هديًا وأضحية أو خارجٌ عنه؟ ونحو ذلك. فمن قال: الكفار لا يملكون، قال: لأنهم ظالمون بالاستيلاء فصاروا كالغاصبين. فقال منازعوهم: الغاصب يَضمن ما أتلفه للمغصوب وهؤلاء لا يضمنون. فقال الأولون: فإنهم لا يعتقدون تحريم القتال كأهل البغي. قال النفاة: أهل العدل والبغي لا يضمنون ــ أيضًا ــ ما أتلفوه بالتأويل، ومع هذا لا يملكون ما استولوا عليه، فلا يلزم من نفي الضمان ثبوت الملك. قال المثبتون: الكفار يعتقدون جواز تملك ما استولوا عليه، بخلاف أهل البغي فإنهم لا يعتقدون جواز تملك ما استولوا عليه، ومعلومٌ أَنَّ من جعلهم يملكون كما يملك المسلم منهم فقد غلط، ومن جعلهم لا يملكون

стр. 202

كما لا يملك المسلم الذي يعتقد تحريم التملك فقد غلط؛ بل هم نوع آخر يُحكم فيهم بما مضت به السنة وَحَكَمَ به الخلفاء الراشدون. فإنَّ النبي ﷺ قال: «من أسلم على شيء فهو له» (١)، ولما أسلم الكفار لم يأمرهم برد ما في أيديهم من أموال المسلمين، وقد سأله ﷺ بعض المهاجرين أَنْ يرد عليهم ديارهم التي كانت بمكة واستولى عليها الكفار، فسألوه رَدَّهَا لما فتح مكة فلم يردها (٢)، وجعلها ﷺ بمنزلة الدماء التي سفكت في الله، والله قد اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، فما أُخِذَ في الله من دم ومال فأجر المؤمنين فيه على الله لا عوض له [٣٧/ أ] في الدنيا، وأما ما أُخِذَ منهم بغير عوض فإنه يُرَدُّ إلى صاحبه؛ كما أخذ النبي ﷺ ناقته من التي أخذتها منهم ونذرت أن تنحرها، فقال: «بئس ما

стр. 203

جزيتها، لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا نذر في معصية» (١). وما أُخِذَ بعوض لم يؤخذ من صاحبه إلا بعوض، كما كتب عمر بن الخطاب ﵁ بذلك فيما اشتراه التجار من أهل الحرب من أموال المسلمين= حَكَمَ بأنَّ صاحب المال إن أدى إلى التاجر الثمن الذي أداه وإلا فهو أحق به (٢)، لأن الكفار لم يلتزموا أحكام المسلمين، ولا يُمَكَّنُ التاجر أن يرجع عليهم بالثمن وهو لم يخلص المال إلا به وإلا فقد كان ذهب من صاحبه، وبسط هذا له موضع آخر (٣). والمقصود هنا: أَنَّ لفظ الملك جنس تحته أنواع متنوعة، وليس الملك معنى متماثلًا في جميع موارده، وإن كان لا بُدَّ فيه من نوع قدرة شرعية أباح الشارع لصاحبها نوعًا من التصرف لِحَظِّ نفسه بخلاف من يتصرف لغيره كالولي والوكيل.

стр. 204

وقول المعترض: (اليمين مكفرة لترك العتق لا لحصول الفعل). فيقال: لكن لا بُدَّ من الأمرين: العتق اللازم مع عدم الفعل الملزوم، كما في قوله: والله إِنْ فعلتُ لأعتقنك؛ فإنما يكون حانثًا إذا فعل ولم يعتق، وكذلك إذا قال: إِنْ فعلت لأطلقنك؛ بخلاف ما لو قال: والله لأعتقنك أو لأطلقنك فهنا يكون حانثًا بعدم الفعل المحلوف عليه. وقوله هنا: (والله) تعليقٌ؛ كما لو قال: (لله عليَّ أَنْ أفعلَ) وهو كقوله هناك: لله عليَّ إِنْ فعلت أَنْ أُطَلِّق أو أُعتق، وإذا قال: إن فعلت كذا فأنت طالق وهو حر وهذا هديٌ وأُضحية ووقفٌ كقوله: إِنْ فعلت كذا لَتَكُونَنَّ فلانةُ طالقًا أوليكونَنَّ فلانٌ (١) حرًّا وليكونَنَّ هذا هديًا وهذا أُضحيةً وهذا وقفًا. فإنَّ قوله: لله عليَّ أن يكون كذا؛ بمنزلةِ قولِهِ: والله ليكونن كذا؛ لكن هنا إذا التزم قربة لقصد التقرب كان نذرًا يلزمه الوفاء به، وإن لم يقصد إلا الحض والمنع فهو حالف، وإذا لم يكن ما التزمه قربة مع قصدِ الحضِّ والمنع فهو أَدخلُ في معنى اليمين. فإنَّ النذر لا يكون نذرًا لازمًا إلا بشرطين (٢): أَنْ يلتزم قربةً، وأَنْ يقصد به الالتزام لله لا لمجرد الحض والمنع؛ فإذا التزم (٣) [٣٧/ ب] لله ولم يكن قربةً فهو يمين محضةٌ، كقوله: لله عليَّ أنْ أقتل فلانًا، وكذلك لو كان قربة ولم يلتزمه لله بل للحض والمنع، كما لو قال: والله لأُسافرنَّ (٤) إلى مكة أو لأمشينَّ إلى

стр. 205

مكة لطلب غريمٍ له هناك أو للتجارة، فإذا قال: إنْ فعلتُ كذا فلله عليَّ المشي إلى مكة؛ فهنا الفعل وإِنْ كان قربة فهو لم يقصد أن يلتزمه لله وإنما قصد الحض والمنع بلزومه، وكذلك إذا قال: لله عليَّ أنْ أُعتق عبدي أو فعبيدي أحرار، وإنْ كان الفعل ليس قربة ولكن التزمه لله يَظُنُّهُ قربة كقوله: إنْ شفى الله مريضي فعليَّ أَنْ أنحر نفسي أو ولدي لله أو لأدعنَّ اللحم لله والنكاح لله ونحو ذلك، فهذا لا يلزمه لكن في الكفارة قولان مشهوران؛ وظاهر مذهبِ أحمد لزوم الكفارة، وظاهر مذهب الشافعي أن لا كفارة عليه، وأما أبو حنيفة ومالك فاستثنيا بعض المعاصي كذبح الولد لِمَا نُقِلَ عن ابن عباسٍ وغيره (١). وأما إذا لم يكن الفعل قربة ولا قصد التقرب به إلى الله بل الحض أو المنع كقوله: إِنْ فعلت كذا فعليَّ أَنْ أُطَلِّقَ امرأتي أو فهي طالق أو فهي عليَّ كظهر أمي أو فعليَّ أَنْ أتظاهر منها أو فهي عليَّ حرام أو فعليَّ أن أُحَرِّمَهَا = فهذا لا يلزم إذا كان نذرًا في الذمة بلا نزاع، وأما إذا كان إيقاعًا في العين فهو محل النزاع، ومعلومٌ أَنَّ هذا أولى أن يكون يمينًا.

стр. 206

ولا يلزم من قوله: إذا فعلت كذا فهذا هدي وهذه أضحية وهذه الأرض وقفٌ على المسلمين، بل قوله: فعليَّ أَنْ أُطلِّق أو أعتق لأن تلك قربة تعلقت بالأعيان لا بالذمة ومع هذا لم يلزم وهذا كذلك، وإذا قيل هناك: عليه أفعال واجبة كالذبح والصدقة. قيل: وهنا عليه أفعال واجبة كتخلية سبيل العبد والمرأة. وأيضًا؛ فإنه إذا كان العقدُ الواجب في الذمة الموجب عليه أفعالًا في أعيان وأحكامًا لا يصير مع قصد اليمين موجبًا؛ فالعقد الذي لا يقتضي إلا حُكمًا في عينٍ أولى ألا يصيرَ مع قصدِ اليمين موجبًا، فإنه من المعلوم أنه إذا وجب عليه أن يعتق فقد وجب عليه ما وجب عليه بالعتق وزيادة، فإنه يجب عليه أن ينشئ العتق، ثم ــ حينئذٍ ــ يفعل ما يفعل إذا عتق العبد، وكذلك إذا وجب عليه [٣٨/ أ] أَنْ يطلق المرأة فإنه يجب عليه أن يطلقها، ثم يفعل ما يفعل إذا كان قد طلقها. وإذا قال: عليَّ أَنْ أُهدي شاة أو بعيرًا؛ فعليه أَنْ يهديه ويذبحه ثم يفعل ما يفعله بالهدي المعين إذا ذبحه، وإذا قال: لله عليَّ أن أتصدق بثلث مالي فعليه أنْ يتصدق؛ فهذه التعليقات توجب عليه أفعالًا، وتلك الأفعال توجب أحكامًا، وتلك الأحكام توجب أفعالًا أخرى. فقوله: لله عليَّ أن أُعتق؛ يُوجب عليه أن يعتق، والإعتاق يوجب العتق، والعتق يوجب تخلية سبيله؛ فهذه الواجبات بإيجاب العتق أكثر من الواجب بالعتق المعلق. فإن كُلَّ ما يجب بالعتق المعلق يجب بتعليق إيجاب العتق وزيادة ، ثم قصد اليمين منع تلك الواجبات إنْ ثبت شيءٌ منها (١) فرفع إيجابَ العتق

стр. 207

ووجوبه، فلا يقع إعتاق ولا عتق ولا تخلية سبيل، فإذا منع قصد اليمين هذا كله= فلأن يمنع بعض ذلك وهو الإيقاع والوقوع بطريق الأولى والأحرى؛ فإن اقتضاء التعليق للإيقاع والوقوع كاقتضائِهِ للإيجاب والوجوب، وذلك يتضمن الإيقاع والوقوع، فإذا لم يثبت شيءٌ من ذلك لأجل اليمين= فَلَأَن لا يثبت الإيقاع والوقوع بطريق الأولى. لكنَّ الغالط يظن أنه إذا كان المعلَّق إيقاعًا فقد حصل، ويظن هناك أَنَّ المعلَّق هو الفعل وهو باختياره، وليس الأمر كذلك، بل المعلَّق هناك إيجاب الفعل ووجوبه، وهو حكم شرعي، وهو يوجب على العبد الإيقاع والوقوع، وقَصْدُ اليمين منع ذلك الإيجاب ومقتضى ذلك الإيجاب وهو الإيقاع ولازم الإيقاع وهو الوقوع؛ فإذا منع ذلك كله= فلأن يمنع مقتضى الوجوب وهو الوقوع الذي هو لازم للإيقاع الذي يقتضيه الوجوب بطريق الأولى والأحرى. ووقوع الطلاق بالإيقاع هنا كحصول الملك للفقير بالصدقة عليه الذي هو موجَب المتصدَّق المنذور إذا قال: فمالي صدقة، ووقوع العتق بالإعتاق كمصير الماشية هديًا وأضحيةً والدار وقفًا، كمصيرها نسكًا بالذبح الذي هو فعله، فإنه إذا ذبحها صارت لله بذلك فلا يمكنه بيع اللحم. * * * *

стр. 208

فصلٌ قال المعترض: (الحادي والعشرون: قوله ﷺ [٣٨/ ب]: «المؤمنون عند شروطهم إلا شرطًا أَحلَّ حرامًا أو حرم حلالًا» (١) فدخل الشرط الذي عَلَّقَ الطلاق به في الشروط، فيجب الوفاء بمقتضاه الذي جُعل شرطًا فيه وهو الطلاق عملًا بالحديث، والله أعلم. و (٢) كذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]) (٣). والجواب من وجوه (٤):

стр. 209

أحدها: أن يقال: ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أَنَّ ما كان من العقود من أيمان المسلمين فالوفاء به إنْ أريد به أنه لا بُدَّ من الكفارة عند الحنث وأنه يجب عليه أن يحفظ يمينه فإما أَنْ تَبَرَّ وإما أنْ تحنث= فهذا الوفاء بهذه العقود واجب بالنص والإجماع. وإنْ أريد بالوفاء بعقود الأيمان أنه يلزمه جعله لازمًا بيمينه فهذا خلاف دين المسلمين، ولكن هذا يقال إنه كان شرعًا لمن قبلنا، وكذلك كان الأمر في الجاهلية، واستمروا على ذلك في أول الإسلام حتى أنزل الله للمسلمين ما شرع به كفارة الأيمان وفرض للمؤمنين تحلة أيمانهم، فبقي الوفاء بالعقود والشروط التي يقصد بها الأيمان أنه إذا حنث كَفَّرَ، وصار شرعُ المسلمين أن أيمان المسلمين لا تُغَيِّرُ شرائع الدين؛ بل ما كان واجبًا قبل اليمين فهو واجبٌ بعدها، وما كان محرمًا قبل اليمين فهو محرمٌ بعدها، فاليمين لا توجب فعلًا ولا تحرم فعلًا، ولا توجب لزوم شيء مما جعله الحالف لازمًا لنفسه إذا كَفَّر يمينه، بل إذا كَفَّر يمينه صار بمنزلة من لم يحلف ولم يُلْزِم نفسه بشيء مما جعله لازمًا (١). ومن جعل شيئًا من أيمان المسلمين توجب لزوم شيء من الأشياء وَجَعَلَهَا يمينًا غير مكفرة= كان قوله هذا موافقًا لما كانوا عليه في أول الأمر وفي الجاهلية وما قيل إنه كان شرع من قبلنا، ولم يكن هذا هو الشرع الذي أنزل الله ــ ــ به القرآن وشرعه الرسول ﷺ لأمته وجعله شرعًا للمسلمين؛ بل من جعل شيئا من أيمان المسلمين تُلْزِم الحالفَ ما جعله

стр. 210

لازمًا له إذا حنث ولا يجزئه في رفع ذلك اللزوم الكفارة، فإنه يقابله من جعل هذه الأيمان لا توجب شيئًا من الأشياء، لا ما جعله لازمًا ولا الكفارة ولا غير ذلك، حتى إن من الناس من يقول: قول هؤلاء أرجح من قول أولئك، ومنهم مَنْ [٣٩/ أ] يقول: قول أولئك أرجح. والقول الوسط الذي بعث الله ــ تعالى ــ به رسوله ﷺ هو: ما أنزل الله ــ سبحانه ــ في كتابه وجاء به رسوله المتضمنة للتعظيم لله، وهو أنه ليس من الأيمان قط يمين توجب على المسلمين شيئًا ولا تحرم على المسلمين شيئًا، ولا تُلْزِمُ بشيء لا مما ألزموه أنفسهم عند الحنث ولا غيره، بل ما كان مقصوده تعظيم المخلوقات فهو يمينُ شركٍ لا حرمة لها ولا كفارة فيها إذا حلف، وما كان المقصود به تعظيم الخالق ــ تعالى ــ فإنَّ فيه كفارة إذا حنث الحالف، ثم إنه يُؤمر بالحنث تارةً إذا كان فيه طاعة لله، وَيُنْهَى عنه أخرى إذا كان معصية، وَيُبَاح له تارة إذا كان كلا الأمرين مباح؛ والكفارة واجبة عليه بالحنث في الأنواع الثلاثة. وحدثني بعض الفقهاء الثقات عن بعض أهل العلم الذين كانوا يفتون بالكفارة في الحلف بالطلاق أنه كان يقول لمن ينازعه: يا كذا وكذا لم تُدْخِلُونَ في دين الإسلام ما ليس منه، وتُضَيِّقُون على المسلمين ما وسَّعَ الله عليهم؟! أين في دين المسلمين يمينٌ يَلزم صاحبها موجبها من غير أن يكون فيها كفارة؟! أو نحو هذا الكلام (١). * * * *

стр. 211

فصلٌ قال المعترض: (قال ــ يعني المجيب ــ: وهذا مذهب (١) أبي ثور وغيره من الفقهاء في العتق، وكذلك رواه حماد بن سلمة في جامعه عن حبيب بن الشهيد أنه سأل الحسن البصري عن رجل قال: كل مملوكٍ لي حر إن دخل على أخيه. قال: يكفر عن يمينه (٢). وروي ذلك عن أبي هريرة وعائشة وأم سلمة ﵃ (٣). قلت: هذا والذي قبله مقصودٌ به إنْ ثبتَ الخلاف في العتق، ولاشك أَنَّ غيره قد نقل ذلك ــ أيضًا ــ في العتق عنهم، على أَنَّ ابن المنذر نقل عن أبي ثور في الإشراف (٤) فيما إذا قال لعبده: إنْ لم أضربك فأنت حر، وأراد بيعه أنه إذا لم يجعل لذلك وقتًا لا يقع العتق عليه؛ وهذا يقتضي أنه إذا جعل له وقتًا يقع. وكذلك نُقِلَ عن الحسن فيما إذا قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، أنه يعتق من مال البائع (٥) ــ يعني: إذا باعه ــ فهذا تصريحٌ من الحسن بوقوع العتق في

стр. 212

الحلف به. ونقل عنه أبو الحسن [٣٩/ ب] الجُوْرِي (١) أنه إنْ باعه على ألا خيار لواحد منهما لم يكن لهما خيار المجلس فلا يعتق؛ فالحكايتان [عنه متفقتان] (٢) على خلاف ما نقله عنه، وسنتعرض (٣) لذلك فيما بعد ــ إن شاء الله ــ) (٤). والجواب: أن هذا قد سلك في المنقولات عن الصحابة والتابعين وإجماعهم ونزاعهم مسلكًا في غاية الفساد والتناقض، ما علمتُ أحدًا سلكه من علماء المسلمين المحمودين عند الأمة لا من الأولين ولا من الآخرين، ولا يسوغ لعاقلٍ أنْ يسلكه فضلًا عنْ أَنْ يسلك مثله في الأحكام الشرعية

стр. 213

المتلقاة عن الأدلة النبوية المتبع فيها سبيل من سلف قبلنا من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان. وذلك أنه أراد أن يثبت أقوال السلف وإجماعهم بنقل منقطع، ونقلٍ عَلِمَ خطأَ صاحبه، ونقلٍ لا يدل على مقصوده، ونقلِ طائفةٍ ظنت إجماعًا؛ وينفي مع ذلك نقل هؤلاء وغيرهم لأقوال الصحابة والتابعين المشهورة عند عامة أهل العلم المذكورة في عامة كتب الإجماع والخلاف؛ وذلك أنه أراد أن يثبت إجماعهم على الطلاق وليس معه نقلٌ صحيحٌ صريحٌ عن أحدٍ من الصحابة ﵃ بأنَّ الطلاق المحلوف به يقع، فضلًا عن أن يكونوا مجمعين على ذلك، بل ويُثبت إجماعَ التابعين ومن بعدهم إلى زماننا ويطعن فيما استفاض عنهم من قولهم في العتق المحلوف به أنه لا يلزم، بل وفيما استفاض عنهم من أنَّ التعليق الذي يُقصدُ به اليمين يمينٌ (١)؛ فيأتي إلى الروايات الثابتة على شرط الصحيحين التي تداولها أهل العلم قديمًا وحديثًا يُعللها بعلل لا يُقْدَحُ فيها عند أهل العلم، مع أنَّ أهل العلم بالإجماع والاختلاف الذين يَعتمد هو وأمثاله في الإجماع في هذه المسألة على نقلهم كلُّهم متفقون على نقل النزاع في العتق، ومعهم غيرهم ممن ينقل النزاع في الطلاق ــ أيضًا ــ، والذين اعْتَمَدَ في نقل الإجماع على قولهم؛ أولهم أبو ثور كمحمد بن نصر وابن جرير وابن عبد البر، ومن أخذه عن ابن عبد البر كابن رشد الحفيد (٢)، ومن نقل إجماع منْ يحفظ قوله في المسألة كابن المنذر؛

стр. 214

وكل هؤلاء نقلوا النزاع في (١) العتق وأثبتوه وصححوه، وهو عندهم وعند كُلِّ [٤٠/ أ] عالم أثبتُ وأَصَحُّ (٢) من نفي النزاع في الطلاق. فكيف يسوغ لمن يدري ما يقول أن يحتج بنقل هؤلاء للإجماع في الطلاق ولا يُمَكِّنَ غيره أَنْ يحتج بنقلهم للنزاع في العتق؟! مع أَنَّ العلم بالنزاع أيسر من العلم بالإجماع؛ فإن النزاع يُعرف بقول بعض أهل العلم، وأما الإجماع فلا يعرف حتى يعرف أقوال أهل الإجماع وأنه لم ينازعهم أحد من العلماء، وهذا العلم باتفاق العقلاء إما متعذر وإما متعسر (٣). لا يقول عاقلٌ أَنَّ علم العلماء الناقلين لأقوال أهل الإجماع والنزاع بعدم النزاع أقوى ولا أيسر من علمهم بالنزاع؛ فإنَّ ذلك غاية أحدهم فيه عدم العلم بالنزاع، وكذلك صَرَّح أبو ثور (٤) ــ إمام هؤلاء الذين نقلوا الإجماع على عدم التكفير في اليمين بالطلاق ــ، صَرَّحَ بأنَّ ما أذكره من الإجماع مرادي به عدم علمي بالنزاع، وعلى ذلك يجب أَنْ يُحْمَل كلام مثله وأمثاله من أهل العلم والعدل الذين يتقون الله ويقولون قولًا سديدًا. ومع هذا؛ فلمَّا كان يُحكى عنه وعن غيره أنه يَدَّعِي الإجماع في مثل هذه الأمور، أنكر الإمام أحمد على من يَدَّعِي هذا، وكان إنكار أحمد هذه الدعوى تتضمن الإنكار على أبي ثور خصوصًا لا سيما في مثل هذه المسألة، فإنَّ أبا ثور

стр. 215

كان هو أشهر الناس بالاجتهاد في عصر أحمد وغيره، وكان من أشهر الناس بالاستدلال على هذه الإجماعات، وكان أحمد يُسأل عما يَدَّعِيه هو وغيره من ذلك فيقول: (من ادعى الإجماع فقد كذب). ولهذا لم يَدَّعِ أحمد ولا إسحاق ولا أبو عبيد ولا أمثالهم إجماعًا في ذلك، بل كان غاية أحمد في العتق أَنْ يحكي ذلك عن بعض الصحابة، ويعارض بذلك بما نقل عنهم فيه. وأما الطلاق؛ فلا أحمد ولا غيره من الأئمة لا الأربعة ولا غيرهم نقلوا عن الصحابة حرفًا واحدًا في أنَّ الطلاق المحلوف به يقع، هذا مع فرط عنايته وعناية أمثاله بآثار الصحابة، وأنه كان من أحرص الناس على معرفتها واتِّبَاعِهَا، وكان يقول: (العلم أن تكتب ما جاء عن رسول الله ﷺ وما جاء عن الصحابة، ثم أنت في التابعين مخيَّرٌ). وفي رواية: (ثم ما جاء عن التابعين) (١). وكان يقول: (ما تكلم الناس في مسألة إلا وقد تكلم الصحابة فيها أو في نظيرها) (٢). وهو كما قال؛ [٤٠/ب] فإنَّ الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ وإنْ كانوا لم يتكلموا في الحلف بالطلاق، فقد تكلموا في نظيره وهو الحلف بالعتق والنذر، ولو كان عند أحمد أو غيره في الحلف بالطلاق لذكروه وقاسوا عليه العتق، بل أحمد لما سئل عن الطلاق المؤجل لم يكن عنده فيه عن الصحابة أثر إلا عن أبي ذر (٣) في العتق المؤجل (٤)، وقاس الطلاق المؤجل عليه،
следующие страницы →