فصلٌ
قال المعترض:
(قال ــ يعني المجيب ــ: وهذا مذهب (١) أبي ثور وغيره من الفقهاء في العتق، وكذلك رواه حماد بن سلمة في جامعه عن حبيب بن الشهيد أنه سأل الحسن البصري عن رجل قال: كل مملوكٍ لي حر إن دخل على أخيه. قال: يكفر عن يمينه (٢). وروي ذلك عن أبي هريرة وعائشة وأم سلمة ﵃ (٣).
قلت: هذا والذي قبله مقصودٌ به إنْ ثبتَ الخلاف في العتق، ولاشك أَنَّ غيره قد نقل ذلك ــ أيضًا ــ في العتق عنهم، على أَنَّ ابن المنذر نقل عن أبي ثور في الإشراف (٤) فيما إذا قال لعبده: إنْ لم أضربك فأنت حر، وأراد بيعه أنه إذا لم يجعل لذلك وقتًا لا يقع العتق عليه؛ وهذا يقتضي أنه إذا جعل له وقتًا يقع.
وكذلك نُقِلَ عن الحسن فيما إذا قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، أنه يعتق من مال البائع (٥) ــ يعني: إذا باعه ــ فهذا تصريحٌ من الحسن بوقوع العتق في
стр. 212
الحلف به.
ونقل عنه أبو الحسن [٣٩/ ب] الجُوْرِي (١) أنه إنْ باعه على ألا خيار لواحد منهما لم يكن لهما خيار المجلس فلا يعتق؛ فالحكايتان [عنه متفقتان] (٢) على خلاف ما نقله عنه، وسنتعرض (٣) لذلك فيما بعد ــ إن شاء الله ــ) (٤).
والجواب: أن هذا قد سلك في المنقولات عن الصحابة والتابعين وإجماعهم ونزاعهم مسلكًا في غاية الفساد والتناقض، ما علمتُ أحدًا سلكه من علماء المسلمين المحمودين عند الأمة لا من الأولين ولا من الآخرين، ولا يسوغ لعاقلٍ أنْ يسلكه فضلًا عنْ أَنْ يسلك مثله في الأحكام الشرعية
стр. 213
المتلقاة عن الأدلة النبوية المتبع فيها سبيل من سلف قبلنا من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان.
وذلك أنه أراد أن يثبت أقوال السلف وإجماعهم بنقل منقطع، ونقلٍ عَلِمَ خطأَ صاحبه، ونقلٍ لا يدل على مقصوده، ونقلِ طائفةٍ ظنت إجماعًا؛ وينفي مع ذلك نقل هؤلاء وغيرهم لأقوال الصحابة والتابعين المشهورة عند عامة أهل العلم المذكورة في عامة كتب الإجماع والخلاف؛ وذلك أنه أراد أن يثبت إجماعهم على الطلاق وليس معه نقلٌ صحيحٌ صريحٌ عن أحدٍ من الصحابة ﵃ بأنَّ الطلاق المحلوف به يقع، فضلًا عن أن يكونوا مجمعين على ذلك، بل ويُثبت إجماعَ التابعين ومن بعدهم إلى زماننا ويطعن فيما استفاض عنهم من قولهم في العتق المحلوف به أنه لا يلزم، بل وفيما استفاض عنهم من أنَّ التعليق الذي يُقصدُ به اليمين يمينٌ (١)؛ فيأتي إلى الروايات الثابتة على شرط الصحيحين التي تداولها أهل العلم قديمًا وحديثًا يُعللها بعلل لا يُقْدَحُ فيها عند أهل العلم، مع أنَّ أهل العلم بالإجماع والاختلاف الذين يَعتمد هو وأمثاله في الإجماع في هذه المسألة على نقلهم كلُّهم متفقون على نقل النزاع في العتق، ومعهم غيرهم ممن ينقل النزاع في الطلاق ــ أيضًا ــ، والذين اعْتَمَدَ في نقل الإجماع على قولهم؛ أولهم أبو ثور كمحمد بن نصر وابن جرير وابن عبد البر، ومن أخذه عن ابن عبد البر كابن رشد الحفيد (٢)، ومن نقل إجماع منْ يحفظ قوله في المسألة كابن المنذر؛
стр. 214
وكل هؤلاء نقلوا النزاع في (١) العتق وأثبتوه وصححوه، وهو عندهم وعند كُلِّ [٤٠/ أ] عالم أثبتُ وأَصَحُّ (٢) من نفي النزاع في الطلاق.
فكيف يسوغ لمن يدري ما يقول أن يحتج بنقل هؤلاء للإجماع في الطلاق ولا يُمَكِّنَ غيره أَنْ يحتج بنقلهم للنزاع في العتق؟! مع أَنَّ العلم بالنزاع أيسر من العلم بالإجماع؛ فإن النزاع يُعرف بقول بعض أهل العلم، وأما الإجماع فلا يعرف حتى يعرف أقوال أهل الإجماع وأنه لم ينازعهم أحد من العلماء، وهذا العلم باتفاق العقلاء إما متعذر وإما متعسر (٣).
لا يقول عاقلٌ أَنَّ علم العلماء الناقلين لأقوال أهل الإجماع والنزاع بعدم النزاع أقوى ولا أيسر من علمهم بالنزاع؛ فإنَّ ذلك غاية أحدهم فيه عدم العلم بالنزاع، وكذلك صَرَّح أبو ثور (٤) ــ إمام هؤلاء الذين نقلوا الإجماع على عدم التكفير في اليمين بالطلاق ــ، صَرَّحَ بأنَّ ما أذكره من الإجماع مرادي به عدم علمي بالنزاع، وعلى ذلك يجب أَنْ يُحْمَل كلام مثله وأمثاله من أهل العلم والعدل الذين يتقون الله ويقولون قولًا سديدًا.
ومع هذا؛ فلمَّا كان يُحكى عنه وعن غيره أنه يَدَّعِي الإجماع في مثل هذه الأمور، أنكر الإمام أحمد على من يَدَّعِي هذا، وكان إنكار أحمد هذه الدعوى تتضمن الإنكار على أبي ثور خصوصًا لا سيما في مثل هذه المسألة، فإنَّ أبا ثور
стр. 215
كان هو أشهر الناس بالاجتهاد في عصر أحمد وغيره، وكان من أشهر الناس بالاستدلال على هذه الإجماعات، وكان أحمد يُسأل عما يَدَّعِيه هو وغيره من ذلك فيقول: (من ادعى الإجماع فقد كذب). ولهذا لم يَدَّعِ أحمد ولا إسحاق ولا أبو عبيد ولا أمثالهم إجماعًا في ذلك، بل كان غاية أحمد في العتق أَنْ يحكي ذلك عن بعض الصحابة، ويعارض بذلك بما نقل عنهم فيه.
وأما الطلاق؛ فلا أحمد ولا غيره من الأئمة لا الأربعة ولا غيرهم نقلوا عن الصحابة حرفًا واحدًا في أنَّ الطلاق المحلوف به يقع، هذا مع فرط عنايته وعناية أمثاله بآثار الصحابة، وأنه كان من أحرص الناس على معرفتها واتِّبَاعِهَا، وكان يقول: (العلم أن تكتب ما جاء عن رسول الله ﷺ وما جاء عن الصحابة، ثم أنت في التابعين مخيَّرٌ). وفي رواية: (ثم ما جاء عن التابعين) (١). وكان يقول: (ما تكلم الناس في مسألة إلا وقد تكلم الصحابة فيها أو في نظيرها) (٢).
وهو كما قال؛ [٤٠/ب] فإنَّ الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ وإنْ كانوا لم يتكلموا في الحلف بالطلاق، فقد تكلموا في نظيره وهو الحلف بالعتق والنذر، ولو كان عند أحمد أو غيره في الحلف بالطلاق لذكروه وقاسوا عليه العتق، بل أحمد لما سئل عن الطلاق المؤجل لم يكن عنده فيه عن الصحابة أثر إلا عن أبي ذر (٣) في العتق المؤجل (٤)،
وقاس الطلاق المؤجل عليه،
стр. 216
وهذا بخلاف الطلاق المعلَّق بالصفة إذا قصد به الإيقاع (١) فإنَّ فيه آثارًا (٢) عن الصحابة، لكن لا يلزم من جواز تعليقه بالشرط الذي يمكن وجوده وعدمه جواز تعليقه بالشرط الذي يأتي لا محالة، بل في هذا نزاعًا مشهورًا، لأنَّ هذا يوجب أن يصير النكاح مؤقتًا بوقت، فهو يشبه نكاح المتعة لكنه صار مؤقتًا بعد أنْ كان مطلقًا.
ولهذا اختلف كلام أحمد في ذلك إذا كان الطلاق يوجب تحريمًا كالطلقة الثالثة هل تتوقت أم لا تتوقت؟ على روايتين، وأما الرجعي فلم يختلف كلامه أنه يتوقت، لأن الرجعية زوجة فلا تصير مثل نكاح المتعة، وقد نقل عن ابن عباس ﵄ جواز توقيت الطلاق (٣).
والمقصود: أَنَّ هذا المعترض عمدته فيما ينقله من الإجماع على وقوع الطلاق على هؤلاء المذكورين أبي ثور ومن وافقه؛ وهؤلاء كلهم نقلوا النزاع في العتق؛ فممن نَقَلَ عمن نَقَلَ عنه من الصحابة والتابعين أن الحالف بالعتق إذا قال: إِنْ فعلت كذا فكل مملوك لي حر؛ أنه لا يعتق شيء من مماليكه إذا فعله بل تجزئه كفارة يمين = نقل هذا عمن سماه من الصحابة والتابعين: أبو ثور، وذهب إلى ما نقله من ذلك، وبنى عليه مذهبه المتواتر
стр. 217
عنه، وروى هذا الحديث حديث ليلى بنت العجماء عن محمد بن عبد الله الأنصاري ــ قاضي البصرة صاحب الجزء المشهور ــ (١)، عن أشعث بن عبد الملك (٢) الحمراني، عن بكر بن عبد الله المزني.
وهذه الطريق لم تبلغ أحمد بن حنبل، كما لم تبلغه طريق جسر بن الحسن عن بكر، وإنما بلغه طريق سليمان التيمي فتكلم عليها.
ومعلومٌ أَنَّ علم أبا ثور بما نقله بإسناده المعروف واتبعه وجعله مذهبًا له أعظم من علمه بما نفاه من عدم علمه بالنزاع في تكفير اليمين بالطلاق؛ فكيف يجوز [٤١/ أ/ أ] (٣) أن يعتمد على نقل أبي ثور للإجماع على نفي الكفارة للطلاق مع القدح في نقله للنزاع في العتق؟! وهو أثبت عنده وعند جميع أهل العلم وهذا يجزم به، ونفي النزاع يقول: ليس عندي فيه إلا عدم العلم بالمنازع؛ فاعتقاده لذلك الإثبات أعظم من اعتقاده لهذا النفي، وحجته في ذلك الإثبات النقلي أعظم من حجته في هذا النفي النقلي.
وأحمد بن حنبل لم يطعن في هذه الطريق التي احتج بها أبو ثور وغيره على النزاع في العتق؛ وطعنهم فيه بانفراد التيمي عنه مسألة اجتهادية من أهل النقل، وأما طعن أحمد في دعوى الإجماع الذي ينقله أبو ثور ونحوه فظاهر مشهور وحجته فيه واضحة، وأحمد لم يدَّعِ إجماعًا لا في هذا ولا في هذا،
стр. 218
فإنه كان أعلم وأعقل وأفقه وأتقى لله من ذلك، ولكن عرضت له شبهة في ذكر العتق فذكر ما عنده فيه، وهو جازم بتخطئة من جزم بالإجماع في الطلاق ونحوه، ويقول: ليس معهم في مثل ذلك إلا عدم العلم، فإن جاز أنَّ يحتج بقول أحمد: انفرد به التيمي، وقد علمنا من جهة أخرى أنه لم ينفرد به، ولكن قال أحمد بحسب ما بلغه = فَلَأَن يحتج بقول أحمد وإنكاره على من ادعى ما لا علم له به من الإجماع بطريق الأولى والأحرى؛ فإنَّ هذا يجعل عدم علمه حجة لله على جميع المسلمين يجب عليهم اتباعها، والإعراض عما بينه الله ورسوله في كتابه وسنة رسوله وعما يعارض عدم علمه من علم غيره ما في ذلك من النزاع.
وأما قول القائل: لم أعلم روى هذا إلا التيمي؛ فليس في هذا إثبات حجة شرعية على غيره، وهب أن ذكر العتق في حديث ليلى لم يذكر بحال، فالنزاع في العتق عن السلف (١) معروف بدون ذلك، وقد نَقَلَ النزاع في العتق مع أبي ثور: محمد بن نصر المروزي ومحمد بن جرير الطبري وداود بن علي الظاهري وأبو بكر بن المنذر وأبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم، ونقله عامة الفقهاء من المالكية والشافعية والحنبلية، لكن جمهورهم يتبعون حديث ليلى بنت العجماء وأنها يمين مكفَّرة مع تنازعهم في العتق إلا ابن جرير وداود وابن حزم، فإنَّ [٤١/ ب/ ب] هؤلاء يقولون: بأنها ليست بشيء بل لا شيء في ذلك؛ ومع هذا فقد نقل هؤلاء في الحلف بالعتق عن الصحابة كما نقلوا عنهم التكفير في الحلف بالنذر= فَعُلِمَ أَنَّ هذا نقلٌ ثابتٌ عند الموافقين له والمخالفين له، فإنه مع اعتراف المخالف له
стр. 219
بصحته نَعلم أنهم لم يتمكنوا من القدح فيه.
وقد قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري لما تكلم على مسألة نذر اللجاج والغضب في كتابه (اللطيف) (١) قال: (وَيُسْأَلُ القائلون: إِنَّ العتق واقع بمملوكِ القائلِ: مملوكُهُ فلانٌ حر إنْ كَلَّمَ اليوم فلانًا إذا حنث في يمينه؛ أتسقطون (٢) عنه [الكفارة]؟ (٣)).
إلى أنْ قال: (فإن ادعوا أنَّ ذلك إجماع.
قيل لهم: لا علم لكم باختلاف أهل العلم، وقد روي عن ابن عمر وعائشة وحفصة وأم سلمة وعطاء وطاووس والقاسم وسالم وجماعة يكثر عددهم من أئمة الصحابة والتابعين أنَّ في ذلك كفارة يمين) (٤). هذا نقل ابن جرير مع اختياره أنه لا يعتق ولا كفارة عليه.
وكذلك ابن حزم وهو مع داود يقولون ــ أيضًا ــ: إنه لا يعتق ولا كفارة عليه، كما يقول ذلك في الحلف بالنذر، ويقولون ــ أيضًا ــ: لا تطلق المرأة
стр. 220
المحلوف بطلاقها ولا كفارة عليه ــ وهذا قول ابن جرير ــ مع أنه يقول (١):
(وصح عن عائشة وأم سلمة ــ أمي المؤمنين ــ، وعن ابن عمر أنَّه جعل في قول ليلى بنت العجماء كل مملوك لها حر وكل مالٍ لها (٢) هدي وهي يهودية و (٣) نصرانية إنْ لم تطلق امرأتك: كفارة يمين واحدة (٤).
وعن عائشة ــ أم المؤمنين ــ أنها قالت فيمن قال في [يمينٍ: مالي] (٥) ضرائب في سبيل الله، أو قال: مالي [كله] (٦) في رتاج الكعبة = كفارة يمين (٧).
وعن أم سلمة وعائشة ــ أمي المؤمنين ــ فيمن قال: عليَّ المشي إلى بيت الله إن لم يكن كذا = كفارة يمين، من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أشعث الحمراني، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع
стр. 221
عنهما (١).
قال: وروينا عن جابر بن عبد الله أنه قال: النذر كفارته كفارة يمين (٢).
وعن ابن عباس مثل هذا (٣).
وعن عمر بن الخطاب [نحوه] (٤).
وعن عكرمة والحسن فيمن قال: مالي كله في رتاج الكعبة = كفارة يمين (٥).
قال: وصح عن طاووس وعطاء؛ أما طاووس فقال: الحلف بالعتاق ومالي هدي وكل شيء لي [٤٢/ أ] في سبيل الله وهذا النحو= كفارة يمين (٦). وأما عطاء فقال فيمن قال: عليَّ بدنة، أو قال: عليَّ ألف حجة، أو قال: مالي هدي، أو قال: مالي في المساكين= كل ذلك
стр. 222
يمين (١).
قال: وهو قول قتادة، وسليمان بن يسار، وسالم بن عبد الله بن عمر (٢).
قال أبو محمد بن حزم: كل هذا خلافٌ لقول أبي حنيفة ومالك والشافعي، لأنَّ الشافعي أخرج من ذلك العتق المعين.
قال: والذي ذكرنا عمن ذكرنا من الصحابة والتابعين هو قول عبيد الله بن الحسن وشريك وأبي ثور وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد، وبه يقول الطحاوي، وذكر أنه قول زفر بن الهذيل وأحد قولي محمد بن الحسن.
قال: وقد روينا من طريق ثابتة عن ابن القاسم ــ صاحب مالك ــ أنه أفتى ابنه في المشي إلى مكة بكفارة يمين) (٣).
قلتُ: مقصوده بذلك النقل عن هؤلاء أنهم أفتوا في التعليق الذي يقصد به اليمين بكفارة يمين، ليس مقصوده أنهم كلهم أفتوا في العتق بعينه، بل فيهم من أفتى بذلك في العتق أيضًا؛ كأبي ثور، ومنهم من نفاه كأحمد وإسحاق وأبي عبيد، ومنهم من لم يعرف قوله في العتق.
стр. 223
قال (١): (وقد روينا مثل تفريق الشافعي ــ أيضًا ــ بخلاف قوله ــ أيضًا ــ عن ابن عمر وابن عباس من طريق إسماعيل بن أمية، عن عثمان بن حاضر قال: حَلَفَت امرأة: مالي في سبيل الله وجاريتي حرة إن لم تفعل [كذا] (٢). فقال ابن عباس وابن عمر: أما الجارية فتعتق، وأما قولها: مالي في سبيل الله فتصَّدَّق بزكاة مالها) (٣).
قلتُ: معنى قوله مثل تفريق الشافعي؛ أي: مثل قوله في أَنَّ العتق يلزم، لم يُرِدْ مثلَ تفريقِ الشافعي بين العتق والنذر، حيث قال في النذر كفارة يمين، وفي العتق يلزم؛ فإن هذه الفتيا إنما فيها التسوية بين العتق والنذر في لزوم الجميع، وفيها ــ أيضًا ــ أنه يجزئه أن يتصدق بزكاة ماله ليس فيها تكفير ذلك كما يقوله الشافعي وأحمد وغيرهما.
قال (٤): (وقد روينا مثل قول أبي حنيفة [ومالك] (٥) عن ابن عمر من طريق لا يصح، وقد خالفوه ــ أيضًا ــ فيها؛ كما روينا من طريق سعيد بن منصور، حدثنا أبو معاوية، حدثنا جميل بن زيد، عن ابن عمر (٦) [٤٢/ ب] قال: مَنْ حلف على يمين إِصْرٍ فلا كفارة له (٧). والإصْرُ: أَنْ يحلف بطلاق أو عتاق أو مشي أو نذر،
стр. 224
ومن حلف على يمين غير ذلك؛ فليأت الذي هو خير فهو كفارته.
قال ابن حزم: جميل بن زيد ساقط، ولو صح لكانوا قد خالفوه في هذا الخبر نفسه، لأنه لم يجعل فيمن أتى خيرًا مما ترك (١) أن يفعله كفارة إلا فعله ذلك فقط.
قال: فإن قالوا: قد أمر النبي ﷺ في هذا بالكفارة.
قلنا: نعم؛ وقد نهى النبي ﷺ عن الحلف بغير الله (٢)، ونهى عن الوفاء بنذر المعصية (٣)؛ فإن كان قولُهُ يمينًا فهي (٤) معصية، وإن كان نذرًا فهو معصية إذا (٥) لم يقصد به قصد القربة إلى الله، فلا وفاء فيه ولا كفارة؛ فحصل قول هؤلاء القوم خارجًا عن أقوال السلف).
стр. 225
قلتُ: ليس المقصود ذكر بحثه لقوله الذي اختاره هو أَنَّ هذه التعليقات التي يقصد بها اليمين ليس نذرًا ولا يمينًا منعقدة، وهذه قول طائفة من السلف، وهي أصل مذهب داود وابن حزم أيضًا؛ لكن المقصود: جزمه وتصحيحه لما نقل عن الصحابة والتابعين من أن الحالف بالعتق إذا قال: كل مملوك لي حر إن فعلت فإنها يمين مكفرة عند من ذكر عنه ذلك من الصحابة والتابعين، وأنَّ ما ذهب إليه من إلزام الحالف بهذه التعليقات بجميع ما التزمه أو ألزمه بغير العتق فإنه مما نقله ابن حزم قولٌ خارج عن أقوال السلف، وهذا كما قال ابن حزم فإنه لا يُعْرف عن أحد من الصحابة لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه ألزم الحالف بهذه الأيمان بجميع ما أَلزم نفسَهُ فيها ولا أَلزمَهُ بجميع ذلك إلا العتق، بل ولا ألزمه بجميع ذلك إلا (١) العتق والطلاق، فليس مع القائل بشيءٍ من هذه الأقوال نقل مسند (٢) عن أحد من الصحابة، ولكن ذكره ابن عبد البر بلا إسناد عن عائشة (٣) في استثناء الطلاق والعتاق (٤).
والمروي عن عائشة ﵂ بالإسناد المعروف يناقض ذلك؛ فتارة تصرح بالتكفير في العتق وغيره (٥)، وتارة يعم لفظها جميع الأيمان (٦)، ولم
стр. 226
يُسْنَد عنها لفظ تستثني [٤٣/ أ] فيه الطلاق والعتاق فيما بلغنا، ولا ذكر ذلك أحد عنها مسندًا.
فكيف يسوغ مع هذا أنْ يُنْكِرَ أقوال الصحابة ﵃، أو الصحابة والتابعين في العتق مع كثرة من نقل عنهم، وجلالة أقدارهم، وسعة علمهم، وتثبتهم فيما ينقلونه، وهم يَرْوون ذلك بالأسانيد الثابتة المعروفة عن الصحابة والتابعين، ثم يَدَّعِي الإجماع على الطلاق؟!
وبعضُ هؤلاء هو الذي نَقَلَ الطلاق، وقد نازعه غيره من هؤلاء، فهم متفقون على نقل النزاع في العتق مختلفون في نقل الإجماع في الطلاق، فلو لم نعلم خلافًا ثابتًا في الطلاق لكان إمساكنا عن نقل الإجماع في الطلاق مع اختلافهم فيه ونَقْلُنا للنزاع في العتق الذي اتفقوا على نقل النزاع فيه= أولى من أنْ نجزم بالإجماع في الطلاق مع ما ثبت من نقل النزاع فيه، وننفي النزاع في العتق مع ما ثبت واشتهر وعرفه الفقهاء من نقل النزاع فيه.
وأما ما نقله ابن المنذر في الإشراف عن أبي ثور فيما إذا قال لعبده: إنْ لم أضربك فأنت حر وأراد بيعه؛ أنه إذا لم يجعل لذلك وقتًا لا يقع عليه العتق، وقوله: وهذا يقتضي أنه إذا جعل له وقتًا يقع (١).
فيقال له: ابن المنذر نفسه ممن نقل النزاع في العتق عن الصحابة والتابعين، وعن أبي ثور نفسه، وهو في هذا النقل موافق لسائر العلماء الناقلين لأقوال السلف مسندة بألفاظها ومرسلة بمعانيها أو بألفاظها، وقول أبي ثور في العتق مشهور يعرفه عامة العلماء، فلا يحتج بمفهوم نقل ابن
стр. 227
المنذر على نقيض ما صرح به هو وغيره.
بل قوله: (إذا لم يجعل لذلك وقتًا لا يقع العتق عليه) كلامٌ صحيحٌ؛ ومقصوده: أنه يخالف قول من يقول: يقع العتق عليه، أو يُلْزَم بإيقاع العتق إما مطلقًا وإما مع نية القربة، كما هو قول كثير من أهل العلم، وأبو ثور يقول في مثل ذلك: لا عتق عليه ولا كفارة، وابن المنذر لم يقل ولا كفارة عليه، مع أنَّ هذا مذهب أبي ثور في هذا الموضع، وأما بعد وجود الصفة فمذهبه أنه إن شاء أعتقه، وإن شاء كَفَّر ولا عتق عليه.
وما نقله عن الحسن؛ إن صحَّ كان روايةً عن الحسن (١).
وقد روي عنه رواية أخرى ذكرها حرب: أنه يستثني [٤٣/ ب] الطلاق والعتاق (٢).
وقد نُقِلَ عن غير واحد من التابعين في هذا الأصل اختلاف؛ كما نقل عن الشعبي وغيره (٣)، والرواية التي ذكرناها عن الحسن في العتق ثابتة معروفة، وقد نَقَلَ ذلك عن الحسن عامة العلماء مثل: أبي ثور، ومحمد بن
стр. 228
نصر، وابن عبد البر، وقد ذكرنا الإسناد الثابت عن الحسن، وقد رواه حماد بن سلمة في (جامعه) المعروف عن حبيب بن الشهيد أنه سأل الحسن البصري عن رجل قال: (كل مملوك له حر إِنْ دخل على أخيه. فقال: يكفر يمينه). وكذلك نقله ابن عبد البر.
وأما ما نقله (١) عنه من قوله لعبده: (إِنْ بعتك فأنت حر؛ أنه يعتق من مال البائع)، فهذا لم يذكر إسناده؛ ومع هذا فينبغي أَنْ يُعرف أَنَّ ما ذكرناه صريح عنه بأنه إذا قصد اليمين كفر يمينه ولا يلزمه العتق، لأن هذه الصيغة وهو قول: كل مملوك له حر إن فعل كذا؛ لا يقصد به في العادة إلا اليمين، فالصيغة ظاهرة في اليمين، بخلاف قوله: إن بعتك فأنت حر؛ فإنه لا يظهر فيها قصد اليمين كما يظهر في تلك، فقد يكون الحسن لم يتبين له أَنَّ هذا قَصَدَ اليمين، بل رآه تعليقًا للعتق فرتَّب عليه موجبه، وكذلك ما نقل عنه في الطلاق.
وقد تكون الصيغة التي تحتمل قصد اليمين وقصد العتق والطلاق يحملها على ذلك، ولا يقبل من القائل خلاف ذلك بخلاف ما يظهر منه قصد اليمين؛ وذلك أَنَّ قولَهُ: إن بعتك فأنت حُرٌّ؛ قد يقصد به: أَيَّ وقت قصدتُ إخراجَكَ من ملكي بالبيع فأنت حر يقصد إعتاقه، ولهذا جعله يَعتق من مال البائع، فإنه ليس مراده: إذا بعتك بيعًا يخرج به عن ملكي؛ فإنَّ هذا لا يقصده عاقل، فإنه جَمْعٌ بين المتناقضين، بل يكون مراده: إذا قصدتُ أَنْ أبيعك وعقدتُ بيعك، فالبيع باطل وأنت حُرٌّ لوجه الله؛ ومن أراد هذا عَتَقَ
стр. 229
عليه من ملكه، فنجمع بين قولي الحسن ولا نضرب أحدهما بالآخر (١).
وما نقله أبو الحسن الجُوري عنه (٢) من أنه إذا باعه على أنه لا خيار لواحد منهما، لم يكن لهما خيار المجلس فلا يعتق، فهذا نَقْلٌ [لا] (٣) يُعرف إسناده، ولا الناقل من المشهورين بنقل أقوال الصحابة والتابعين العارفين بها؛ فلا يعارض مثلُ هذا النقلِ الثابتَ بالإسناد المعروف [٤٤/ أ].
وهذا يناقض قوله: إنه يعتق من مال البائع مطلقًا، وهذا القول هو معروف لبعض المتأخرين من أصحاب أحمد الذين يعللون العتق بكون البائع له في مدة الخيار أن يعتقه، بخلاف ما إذا لم يكن له خيار. وقال هؤلاء: يعتق إلا إذا شرط نفي الخيار، وقلنا: يصح الشرط، فإنَّ هذا هو إحدى الروايتين عن أحمد. وأما الشافعي فعنده هذا شرط باطل، لأنه إسقاط للحق قبل وجوبه بخلاف ما إذا أسقطه في المجلس، وأحمد عنده في الموضعين روايتان، لأنَّ الإسقاط قَارَنَ سبب الإيجاب.
* * * *
стр. 230
فصلٌ
قال المعترض:
(ولو صَحَّ الخلاف في مسألة العتق لم يَلزم طرده في الطلاق للإجماع المتقدم، وللفرق الذي سنذكره ــ إن شاء الله تعالى ــ.
وقد تمسك في النقل عن الصحابة الذين ذكرهم في العتق بالأثر الذي يذكره، وذلك لو ثبت لا يفيده للفرق الذي سنذكره ــ إن شاء الله ــ، وللإجماع على الطلاق المانع من الإلحاق.
فقد عَرَّفْتُكَ ــ فيما تقدم ــ أني تتبعت أقوال الصحابة والتابعين والأئمة بعدهم إلى زمننا هذا؛ فلم أعلم أحدًا قال بهذا القول الذي اخترعه ابن تيمية من سلف ولا خلف!) (١).
قوله: (لو صح الخلاف في العتق لم يلزم طرده في الطلاق للإجماع)؛ فعنه جوابان:
أحدهما: أَنَّ المجيب لم يذكر النزاع في الطلاق أخذًا له من النزاع في العتق، بل الطلاق فيه نزاع مذكور فيه بخصوصه بين السلف والخلف، لا نحتاج في نقل النزاع في الطلاق إلى نقله في العتق، وليس في كلام المجيب قط أَنَّ النزاع في الطلاق ذُكِرَ لأجل النزاع في العتق، وإنما ذَكَرَ النزاع في العتق لأنَّ أحدًا من السلف والأئمة المشهورين لم يفرق بين الطلاق والعتاق، بل يقولون بلزومهما جميعًا؛ فإذا عُرِفَ الخلاف المشهور عن الصحابة والتابعين
стр. 231
في العتق= كان الدليل الدال على أنه لا يلزم بل يجزئ فيه كفارة يمين هو بعينه يدل على ذلك في تعليق الطلاق وأولى، فيكون ذلك عملًا بالدليل الجامع لهما، واستثنينا النزاع في العتق لئلا يَدَّعِي من لا يعلم النزاع فيه أنَّ فيه إجماعًا؛ كما ادعى ذلك طائفة ادعوا أَنَّ الطلاق والعتاق لا كفارة فيهما بالإجماع [٤٤/ ب] إذ كان لم يبلغهم النزاع في ذلك فذكروا ما عندهم.
ولهذا أنكر ابن جرير الطبري (١) على هؤلاء وقال لمن ادعى ذلك: لا علم لكم باختلاف أهل العلم، ثم ذكر ما روي عن الصحابة والتابعين في إجزاء الكفارة في الحلف بذلك إذا قال: إِنْ فعلت كذا فمملوكي حر؛ وكان ما نَقَلَهُ هؤلاء الأئمة وما يُنْقَلُ بالإسناد الثابت يتضمن الرد على من يحرف الكلم عن مواضعه، ويجعل قولهم في الحلف بالعتق إذا قال: العتق يلزمني وأراد به نذر العتق لا إيقاعه؛ مع أَنَّ هذا كما زعمه المعترض مع أنه يقول في قوله: الطلاق يلزمني؛ أنه إيقاع (٢).
فيقال له: كلا اللفظين سواء؛ والمشهور عند الناس إذا قال أحدهم: العتق يلزمني أو الطلاق يلزمني؛ أنه جعل اللازم له وقوع الطلاق والعتق، لم يجعل اللازم له إيقاعًا في ذمته حتى يكون بمنزلة الناذر لذلك (٣).
وكذلك قولهم: أيمان المسلمين تلزمني والحرام يلزمني ونحو ذلك؛ إنما يريد به الناس في العرف المعروف بينهم أنه يلزمه أن يكون الحلال حرامًا، لم يرد أنه يلزمه أن ينشئ بعد ذلك تحريمًا للحلال.
стр. 232
وكذلك إذا قال: أيمان المسلمين تلزمني؛ مراده: أنه يلزمني ما يلزم المسلمين في أيمانهم إذا حلفوا بها، لم يرد أنه يلزمني أن أحلف بها فيما بعد.
الثاني: أن الصحابة والتابعين الذين أفتوا في قوله: إِنْ فعلتُ كذا فكل مملوك لي حر؛ إذا كانوا قد عللوا ذلك بأنه يمين وسووا بين ذلك وبين قوله: إِنْ فعلت فمالي في سبيل الله ومالي هدي= عُلِمَ أَنَّ الفرق الذي يذكره مَنْ يُفَرِّق بين الحلف بالعتق والحلف بالنذر باطل عندهم، وأَنَّ التعليق الذي يقصد به اليمين يمينٌ (١) عندهم سواء كان المعلَّق وجوبًا في الذمة أو كان المعلَّق وقوعًا في عين.
فعلم بذلك أن ما يذكره المعترض وغيره من أصحاب الشافعي وأحمد ممن يُفَرِّقُ بين الطلاق والعتاق وبين النذر باطل عند هؤلاء الصحابة والتابعين، وأَنَّ مناطَ الحكمِ عندهم كونه قَصَدَ اليمين دَلَّ (٢) على ذلك كلامهم؛ وحينئذٍ فيستدل بذلك على أن كل من قصد اليمين (٣) بتعليقه هو حالفٌ عندهم، وإنْ كان المعلق وقوعًا.
والشافعي [٤٥/ أ] وأحمد وغيرهما من الفقهاء طردوا أقوال الصحابة والتابعين في جنس الحلف بالنذر، وليس معهم إلا فتياهم في بعض الصور، لأنهم جعلوا ذلك يمينًا وعلقوا الحكم بذلك.
стр. 233
وهذا معنى عام لكل ما يقصد به اليمين من التعليقات مثل قوله: إِنْ فعلت كذا فمالي في الأضاحي ومالي وَقْفٌ ونحو ذلك مما لم ينقل عن الصحابة، وكذلك إذا قال: إِنْ فعلت كذا فالحلُّ عليَّ حرام وأنت عليَّ كظهر أمي وامرأتي طالق؛ هذا ــ أيضًا ــ إنما قَصَدَ به صاحبه اليمين، فالمعنى الذي جَعَلَ الصحابةُ التعليقَ يمينًا لأجلِهِ موجودٌ في هذه التعليقات، وعموم علتهم تتناوله كما تتناول غير ذلك من الصور.
ومعلوم أن العلماء كلهم إذا أفتى أحدهم في عين أو نوع وعَلَّلَ ذلك بعلة يوجد في غيرها= لزم أن يكون قوله في تلك الصورة كذلك؛ ولهذا ينقل الناس مذاهب السلف إذا عرفوا عللهم ومآخذهم، لاسيما إذا لم يكن بين الصورتين فرق يذهب إليه مجتهد (١)، وليس بين الطلاق والظهار والحرام وبين العتق فرق يذهب إليه مجتهد، بل كل من تدبر الشرع علم قطعًا أنه إذا كان قوله: إِنْ فعلت كذا فكل مملوك لي حر= لا يلزم عتق شيء من مماليكه، بل تجزئه كفارة يمين= فقوله: إِنْ فعلت كذا فأنتِ عليَّ كظهر أمي والحِلُّ عليَّ حرام ونسائي طوالق= أولى ألا يقع به الظهار والتحريم والطلاق، بل تجزئه كفارة يمين؛ فإنَّ العتق يتشوف إليه الشارع، وهو من القُرَبِ والطاعات، وله سراية ونفوذ في ملك الغير، وهو مما يلزم بالنذر إذا نذره وقد جعله واقعًا عند وجود الصفة.
ثم هؤلاء الصحابة والتابعون لهم بإحسان الذين أفتوا بأنه لا يقع العتق الذي عَلَّقَهُ بالصفة وجعله واقعًا عند وجود الصفة لكونه قصد اليمين لم
стр. 234
يقصد الإيقاع ولا الوقوع إذا وجدت الصفة، بل هو من أبعد الناس عن ذلك= يقولون ــ أيضًا ــ: إنه لا يلزمه الظهار والتحريم والطلاق الذي جعله واقعًا عند وجود الصفة إذا قصد به اليمين بطريق الأولى والأحرى.
فإنَّ الشارع على الالتزام بالطلاق أبعد منه عن الالتزام بالعتاق، والعتق يأمر به ويحض عليه، والطلاق لا يأمر به إلا إذا لم يقوما بالواجب، [٤٥/ ب] بل يحرمه في مواضع باتفاق المسلمين، وفي مواضع أخر إما أن يكرهه أو لا يستحبه بل يحب تركه.
وهذا المعترض ونحوه ممن يقول على هؤلاء الصحابة ﵃ ما لم يقولوه من التفريق بين الطلاق والعتاق يقول: إنهم أخطأوا في هذا القول والتفريق، فيحكي عنهم قولًا يَشهد بفساده، ولم يقولوه قط، ولا قالوا ما يدل عليه، ولا نُقِلَ عنهم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، بل كلامهم الثابت عنهم يدل على أنهم يُسوون بين النوعين ويقولون بالتكفير فيهما.
وهذا القول إذا قالوه لم يمكن أحدًا أن يقول: إنهم تناقضوا وأخطأوا، بل يكون الذي قالوه موافقًا للكتاب والسنة والقياس الجلي؛ فأي الفريقين أولى بالصواب: مَنْ يحمل أقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان على ما يدل عليه لفظهم وتعليلهم وسائر كلامهم مع أنه صواب مستقيم موافق للمعقول والمنقول للكتاب والسنة والقياس الجلي، أم من يحمل كلامهم على شيء لم يقولوه ولم يقولوا ما يدل عليه لا لفظًا ولا معنى بل قالوا ما يدل على نقيضه؟!
ثم مع نقله هذا عنهم يقول: إنهم أخطأوا وغلطوا؛ فلينظر أي الطريقين أحق بالصواب وأعلم وأصدق وأعدل وأقوم بما أوجبه الله ــ ــ من حقوق
стр. 235
الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وبما يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار؟
وهذا الذي يُقَوِّلُهُم ما لم يقولوه ويزعم أنهم أخطأوا ليس معه بذلك نقل عنهم أصلًا، لكن معه عدم علم أبي ثور بالنزاع في مسألة الطلاق، وعدم علم من اتبعه؛ فكان عدم علم هؤلاء عند هذا المعترض وأمثاله موجبًا لما سلكه من تقويل الصحابة ما لم يقولوه، بل قالوا ما يدل على نقيضه، وتخطئتهم فيما قوَّلهم إياه مع أنهم أحق الناس بالصواب في هذا وغيره.
فإنَّا كما أَنَّا نعلم مجملًا أنهم فوقنا في كُلِّ علم وهدى وفقه وفضل وفهم وكُلِّ سببٍ ينال به علم أو يدرك به حق= كان رأيهم لنا خيرٌ من رأينا لأنفسنا، فإنا ــ ولله الحمد ــ قد علمنا مفصلًا أن أقوالهم التي يخالفهم فيها مَنْ بعدهم هي الصواب دون قول منازعيهم، كما عرفنا ذلك في مسائل الأيمان والطلاق وغير ذلك.
وأبو ثور ﵀ [٤٦/ أ] لم يفرِّق بين الطلاق والعتاق بفرقٍ معنوي ولا دليلٍ شرعي من الكتاب والسنة يذهب إليه المجتهد من الصحابة، بل جعل ذلك موضع استحسان، وجَوَّزَ تخصيص العلة لغير فوات شرط ولا وجود مانع لما ظنه من الإجماع (١).
ومعلومٌ أن هذه طريقة باطلة؛ وهي ممتنعة من الصحابة، فإنه لا إجماع قبل زمانهم يَعتمدون عليه كما اعتمد عليه أبو ثور ونحوه (٢)، والحلف بالطلاق في عهد الصحابة كان أقل من غيره، وقد علم يقينًا أنه لم يكن فيه
стр. 236
إجماع في عهد الخلفاء الراشدين، بل ولا ينقل عن أحد منهم الإفتاء فيه ولا الحكم في شيء منه، ولا هو مما يدل القرآن عليه دلالة بينة، ولا فيه سنة معروفة عن النبي ﷺ ، ولا تقدم عائشة وحفصة وابن عمر وابن عباس ﵃ ونحوهم من الصحابة الذين أفتوا في الحلف بالعتق والنذر بالكفارة لكون ذلك يمينًا = لم يتقدمهم من الخلفاء ﵃ نقل مشهور في الحلف بالطلاق يُظَنُّ أنه إجماع ليفعلوا ما فعل أبو ثور، بل لا يُعرف قَطُّ عن أحدٍ من المسلمين قبل أبي ثور أنه فَرَّقَ بين الحلف بالطلاق والعتاق.
وابن جرير إنما فَرَّقَ موافقة لأبي ثور لعدم العلم بالنزاع، لأنَّ له في دعوى الإجماع أصلًا ضعيفًا؛ فإنه يجعل قول الجمهور إجماعًا ولا يعتد بخلاف الواحد والاثنين (١)، بخلاف ما يحكيه من النزاع فإنه ليس له فيه أصل ضعيف؛ فلهذا كان الواجب أن نعتمد على نقله للنزاع دون نقله للإجماع كما فعله المجيب، دون ما فعله المعترض ونحوه من اعتماده على نقله للإجماع دون نقله للنزاع.
والمقصود: أَنَّ الصحابة ﵃ لم يسبقهم إجماع يعتمدون عليه ليظنوا إجماعًا كما ظنه أبو ثور.
والشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة يذكرون أن الصحابة والتابعين لم يكونوا يَدَّعون الإجماعات في مثل هذه الأمور.
قال الشافعي: [ ... ] (٢).
стр. 237
فلو فرقوا لم يفرقوا إلا بكتاب أو سنة أو قياس، ومن المعلوم أنه ليس في [٤٦/ ب] الكتاب والسنة فرق بينهما ولا في القياس، بل الفرق بينهما خطأ محض، كما اتفق على ذلك سلف الأمة وجمهورُها، لا يُعرف عن أحد من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء أنه فرق بين الحلف بالطلاق والحلف بالعتاق، بل كلهم متفقون على أن هذا الفرق خطأ، وكلام الصحابة الذين سَوَّوا بين العتاق والنذر بل والذين أفتوا في النذر بالكفارة يدل على التسوية، وأن التعليق الذي يقصد به يمين من أيمان المسلمين هو يمين عندهم ليس إيقاعًا لعتاق ولا نذر ولا ظهار ولا تحريم ولا طلاق.
فتبيَّن أَنَّ المجيب ذكر نصوصهم في العتق لِتَبِينَ (١) بذلك أقوالهم في الطلاق = كان ما سلكه أحسن مما يسلكه المعترض، حيث جعل قولهم ما لم يقولوه من الفرق، وَخَطَّأَهم في ذلك لمجرد ظَنِّ ظانٍّ بعدهم بأكثر من مائتي سنة أنه لا يَعرف نزاعًا في الحلف بالطلاق، والحلف بالطلاق لا يُعرف عن أحدٍ من الصحابة بإسناد ثابت صريح أنه يلزم، ولا يُعْرَف أَنَّ أحدًا نقل ذلك عنهم، بل من نقله إما أن ينقله بإسنادٍ ضعيفٍ بل مكذوبٍ، أو بلفظٍ لا يدل دلالة بينة، مع أن الأظهر عنهم نقيض ذلك؛ وغايته أن ينقله عن ابن عمر الذي اختلفت النقول عنه في التعليق الذي يقصد به اليمين. نُقِلَ عنه: أنه يُلزِم به؛ نُقِلَ ذلك عنه من وجه صحيح ووجه متوسط ووجه ضعيف. ونُقِلَ عنه من وجوه أثبت من ذلك: أنه لا يُلْزِم به، بل يقول فيه بالتكفير؛ نقل ذلك عنه من وجه صحيح ومن وجه متوسط، وفيه أنه رجع عن ذلك القول، ومثل هذا يوجب أن يكون عنه روايتان في هذا الأصل، وكثيرًا ما اختلف
стр. 238
اجتهاده واجتهاد غيره من الصحابة ﵃.
وهذا الأصل ـ وهو أن هذا التعليق الذي يقصد به اليمين ـ هل هو يمين أم لا؟ مما اختلف فيه اجتهاد التابعين ومن بعدهم، وصار إلى كل قول طوائف من أكابر العلماء، كما اختلفوا في مسألة نذر اللجاج والغضب.
فإذا قيل عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول بهذا تارة وبهذا تارة = كان هذا مما يليق بمثله وأمثاله من أهل العلم والدين، وابن عمر قد أفتى في روايةٍ بالتكفير في العتق (١) ورواية الإلزام بالعتق، فإنَّ الحلف بالعتق كالحلف بالنذر، تارة يقول [٤٧/ أ] بتكفير الجميع وتارة يقول بأنه يلزم الجميع، لم يُقَوِّلْهُ أَحَدٌ ولا نَقَلَ عنه أحد أنه يفرق بين العتق والنذر، فَيُلْزِمُ بالعتق ويقول في النذر بالتكفير، مع أَنَّ هذا قولُ جماعةٍ من أكابر العلماء كالشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد ومحمد بن نصر وغيرهم، ولهؤلاء مأخذ قد يشتبه على أكابر المجتهدين، وإن كان جمهور الناس على إبطال هذا الفرق وإفساده.
فإذا كان الصحابة لم يَرُجْ عليهم مثل هذا الفرق، ولم يُفَرِّقْ أحدٌ منهم بين العتق والنذر فيلزمون بالعتق دون النذر، بل كان ما أعطاهم من العلم والإيمان كاشفًا لهم عن فساد هذا الفرق؛ فكيف يظن بهم أنهم فرقوا بين الطلاق والعتاق مع أَنَّ هذا لم يقله أحد قبل أبي ثور؟! ولا بينهما فرق معنوي يجوز أن يذهب إليه مجتهد.
وأبو ثور ﵀ لم يذهب إلى الفرق لفرقٍ معنوي يَذْهَبُ إليه مجتهد،
стр. 239
بل جعله استحسانًا خارجًا عن القياس لغير معنًى أصلًا، ولا ذكر معنى اختص به الطلاق يفرق بينه وبين العتق، بل لظنه الإجماع؛ فمن ادعى بعد هؤلاء فرقًا معنويًا يدل عليه كتاب وسنة وقياس = فهو المبتدع قولًا في الإسلام لم يَسْبِقهُ إليه أحد، ولا يُحكى هذا عن أحد من العلماء البتة؛ فكيف إن اعترف بفساد الفرق؟!
وقول هذا لا [ ... ] (١) الأمة من الصحابة والتابعين وجعلهم مخطئين مع أنه ليس في كلامهم ما يدل على الفرق، بل على التسوية والجمع بين ما جمع الله ــ ــ ورسوله ﷺ بينهما؛ فالله ــ تعالى ــ ينتصر لأوليائه الذين هم صفوة الأمة وخلاصتها، ويُبيِّن الحق، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، وهو الذي أرسل رسوله (٢) بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا.
ومعلومٌ أَنَّ أصحاب الأئمة كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والثوري وإسحاق لا يرضون لأئمتهم بهذا، بل إذا نَصَّ أحدهم على مسألةٍ لعلةٍ وَنَصَّ على نظيرها بخلاف ذلك، فإنه إنْ كان بينهما ما قد يُظَنُّ أنه فَرْقٌ مؤثِّر اختلف اجتهادهم؛ فمنهم من يرى التسوية [فيحكي] (٣) لذلك الإمام في المسألة قولين، وينصر في أحدهما خلاف نصه، ويجعله قوله [٤٧/ ب] حيث كان مقتضى تعليله، ومنهم من يرى أَنَّ ذلك فَرْقٌ صحيحٌ فيفرِّقُ بينهما وينتصر لصحة الفرق، وأما أَنْ يَنقل عن إمامه الفرق مع اعترافه بفساد الفرق
стр. 240
ويجعل ذلك قوله؛ فهذا لا يرضى به أصحاب الأئمة لهم، بل يقولون نصه على فردٍ من نوع نَصٌّ على ذلك النوع؛ فكيف يُرضى لأصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان بما لا يُرضى لمن بعدهم؟! مع أَنَّ غايةَ مَنْ بعدهم خصوصًا في هذه المسائل أنْ يتبعهم فيها.
فهذا الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد غايتهم أن تبعوا فيها ما روي عن أولئك، والشافعي أَصْلُ قوله هو قول عطاء، وعليه فَرَّع كما صَرَّحَ بذلك في كتبه (١)، ولو علم الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم ما قاله الصحابة في العتق لم يعدلوا عنه؛ لكنَّ الشافعي بلغه أثر ليلى مجملًا ولم يكن عنده به إسناد، ولا ذكر إسناده ولا متنه في كتبه، بل قال: (ولو قال: مالي في سبيل الله أو صدقة على معاني الأيمان؛ فمذهب عائشة وعدد من الصحابة وعطاء والقياس: أَنَّ عليه كفارة يمين) (٢)، وهؤلاء العدد هم المذكورون في حديث ليلى بنت العجماء مثل ابن عمر وزينب ومثل ابن عباس وأبي هريرة وحفصة وأم سلمة، وَنُقِلَ قبلهم عن عمر؛ فهؤلاء السبعة مجموع الصحابة الذين نَقَلَ عنهم ذلك الشافعي، كما ذكر أصحابه وغير أصحابه، واعتمد أصحابه وغير أصحابه على حديث ليلى بنت العجماء، وعليه اعتمد أحمد بن حنبل وغيره من الأئمة.
وأما أبو حنيفة ومالك فلم يبلغهما ذلك، ولو بلغهما لم يعدلا عنه مع موافقته للقياس ولدلالة القرآن؛ كيف وقد اتبعا ﵄ فيما إذا حلف بذبح
стр. 241
ولده فتيا بلغتهما عن ابن عباس؟! فأبو حنيفة يقول بها مع اعترافه بمخالفتها القياس (١)، ومالك ــ أيضًا ــ يقول بها؛ فتارة يوجب هديًا وتارة كفارة يمين (٢)، وكل ذلك منقول عن ابن عباس، وهما لا يقولان بذلك في سائر نذور المعاصي.
وأحمد بن حنبل ــ أيضًا ــ اتبع ابن عباس في ذلك وقال بقوليه، فإنَّ ابن عباس ثبت عنه الإفتاء في ذلك بكفارة يمين، وثبت عنه الإفتاء بهدي؛ وكذلك أحمد بن حنبل أفتى تارة بكفارة يمين وتارة بهدي كما أفتى ابن عباس (٣).
[٤٨/ أ] لكن من الناس من يظن أن ابن عباس اختلف كلامه في ذلك، كما يظنون ذلك بأحمد بن حنبل ــ أيضًا ــ، ولهذا ذكر أصحابه عنه في ذلك روايات: رواية أنه يجب فيه الهدي؛ وهي اختيار أكثرهم كالقاضي أبي يعلى وأكثر أصحابه، ورواية أنه يجب فيه كفارة يمين لأنه معصية؛ وكفارة نذر المعصية عنده كفارة يمين وهو اختيار أبي الخطاب وأبي محمد، ورواية ثالثة بالجمع، ورواية رابعة لا شيء عليه كقول الشافعي.
والصحيح الذي كان أحمد بن حنبل يفتي به، وهو حقيقة قول ابن عباس: أنه إنْ نذر ذبح ولده تقربًا إلى الله ــ تعالى ــ أجزأه كبش، لأنه بدل النفس كما فدا الله الذبيح بكبش، وإن حلف بذلك فقال: إنْ فعلت كذا فعليَّ
стр. 242
ذبح ولدي فهنا (١) يجزئه كفارة يمين، لأنه حالف بالذبح لا ناذر له (٢).
وهذا الفرق حقيقة قول ابن عباس وغيره من الصحابة يفرقون بين النذر وبين الحلف بالنذر، وهو حقيقة مذهب أحمد بن حنبل، وهو ــ أيضًا ــ حقيقة قول أبي حنيفة إذا نذر المعصية لقصد الحلف لا لقصد النذر فعليه كفارة يمين، وكذلك ذكر الخراسانيون من أصحاب الشافعي.
والمقصود: أَنَّ الأئمة الأربعة وغيرهم مِن اِتِّبَاع الصحابة وتعظيم أقوالهم بهذه المنزلة، ولكن قد يخفى عليهم بعض أقوالهم، كما قد يخفى عليهم بعض النصوص؛ ولهذا لم يُفْتُوا في الحلف بالعتق ونحوه بكفارة يمين لَمَّا لم يبلغهم ذلك عنهم، كما لم يفت أبو حنيفة ومالك في الحلف بالنذر بكفارة يمين لَمَّا لم يبلغهم ما قال الصحابة في ذلك، ثم أبو حنيفة رجع إلى أصل الصحابة قبل موته بثلاث، ومالك خالفه ابن وهب (٣) وابن
стр. 243
أبي الغمر (١) وغيرهما من أصحابه (٢)، وكان ابن وهب أعلم بالآثار، ولم يكن مالك يكتب إلى أحدٍ (الفقيه) إلا إليه (٣).
وأما نقل أبي ثور ومحمد بن نصر وابن عبد البر للنزاع فقد اعترف به (٤) هذا المعترض، ونقل ما ذكره ابن عبد البر من نقل محمد بن نصر لكلامهم وكلام أبي ثور، وقد نقلت أنا كلام محمد بن نصر من مصنفه في الاختلاف (٥)، كما نقله منه ابن عبد البر، وقد ذكر هذا المعترض ذلك نقلا له من الاختلاف (٦).
[٤٨/ ب] قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي (٧): (إذا حلف بالمشي إلى مكة أو بثلاثين حجة أو بصيام أوجبه على نفسه في اليمين أو بغير ذلك من الأيمان سوى الطلاق والعتاق؛ فإن أهل العلم اختلفوا في ذلك: ففي قول أصحابنا كلهم كفارة يمين [و] (٨) ليس عليه أكثر من ذلك،
стр. 244
وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد، فإن حلف بطلاق [أو عتاق] (١) فقد أجمعت الأمة على أَنَّ الطلاق لا كفارة فيه، وأنه إِنْ حنث في يمينه فالطلاق لازم له.
واختلفوا في العتق؛ فقال أكثرهم: الطلاق والعتاق سواء، لا كفارة في العتاق كما لا كفارة في الطلاق، وهو لازم للحالف به كلزوم الطلاق، وممن قال ذلك: مالك بن أنس وسفيان الثوري [وأصحاب الرأي] (٢) والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وإسحاق.
وقال أبو ثور: من حلف بالعتق فعليه كفارة يمين ولا عتق عليه؛ وذلك أن الله أوجب في كتابه كفارة اليمين على كل حالف، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] يعني: فحنثتم.
قال أبو ثور: وكل يمين حلف بها الإنسان فحنث فعليه الكفارة على ظاهر الكتاب إلا أن تجتمع الأمة على أنه لا كفارة عليه في شيءٍ ما، ولم يجتمعوا على ذلك إلا في الطلاق، فأسقطنا عن الحالف بالطلاق الكفارة وألزمناه الطلاق للإجماع، وجعلنا في العتق الكفارة لأنَّ الأُمَّةَ لم تجتمع على أن لا كفارة فيه (٣).
стр. 245
قال أبو عبد الله: وقد روي عن الحسن وطاووس مثل قول أبي ثور).
قال أبو عمر (١): (الخلاف الذي ذكره أبو ثور في العتق هو ما رواه معتمر بن سليمان؛ يعني: حديث ليلى بنت العجماء).
فهذا نَقْلُ النزاع من أبي ثور وابن نصر وابن عبد البر، وهم الذين اعتمد عليهم في نقل الإجماع على الطلاق؛ فكيف يجوز الاعتماد عليهم في النقل الذي ليس معهم فيه إلا عدم العلم بالنزاع، ولا يعتمد عليهم في النقل الذي أثبتوه وأسندوه ونقلوه كما ينقل سائر أقوال الصحابة والتابعين، بل وليس معهم عن الصحابة نقل في إثبات الطلاق مثل هذا النقل عن الصحابة في نفي العتاق، والنقل عن التابعين بنفي العتاق المحلوف به مشهور كثير أشهر من النقل [٤٩/ أ/ أ] (٢) عنهم بإثبات الطلاق المحلوف به، وقد ثبت عنهم النزاع في الطلاق، ولم يعرف عن أحد منهم الفرق بين الطلاق والعتاق، ولا اشتهر عنهم الفرق بين الطلاق والعتاق وبين غيرهما كما اشتهر عنهم التسوية بين العتق والنذر وغيرهما، ولا عنهم نَقْلٌ بأنَّ كُلَّ حالف بالطلاق أو بالطلاق والعتاق يلزمه ما حلف به، وإنما يُنقل اللفظ العام ــ إِنْ نُقِلَ ــ عن نفرٍ قليل، والنقل بإلزام الطلاق للحالف عن عدد قليل لا يبلغون عشرين رجلًا؛ كما تقدم التنبيه عليه.
стр. 246
فصلٌ
وأما قوله: (وقد تمسك في النقل عن الصحابة الذين ذكرهم في العتق بالأثر الذي يذكره، ولو ثبت ذلك لا يفيده للفرق الذي سنذكره، وللإجماع على الطلاق المانع من الإلحاق؛ فقد عَرَّفْتُك ــ فيما تقدم ــ أني تتبعت أقوال الصحابة والتابعين والأئمة بعدهم فلم أعلم أحدًا قال بهذا القول الذي اخترعه ابن تيمية من سلف ولا خلف) (١).
فيقال:
أولًا: ليس عمدته قياسه على العتق؛ بل الأدلة الشرعية: الكتاب والسنة لفظًا ومعنى تدل على ذلك في الحلف بالطلاق، كما يدل عليه في الحلف بالعتاق والنذر.
وأيضًا؛ فقياسه على العتق قياس صحيح في معنى الأصل، بل هو من قياس الأولى، والفرق الذي وعد به المعترض قد اعترف هو بفساده، والأمة قبل أبي ثور مجمعة على بطلان هذا الفرق، وهذا إجماعٌ محققٌ لا يقدر أحد أن يَنقل لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أَنَّ أحدًا قبل أبي ثور فَرَّقَ بين الطلاق والعتاق.
وأبو ثور فَرْقُهُ عَدَمُ عِلْمٍ لا لفرق وجده من كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ، ولا فَرْقُ قياسٍ استنبطه من الكتاب والسنة، ولكن فَرَّقَ لعدم العلم، وهو يُسمِّي عدم العلم بالنزاع إجماعًا، وهذا حقيقة ظنه عدم النزاع، ومن
стр. 247
جعل هذا جزمًا بالإجماع فهو جاهل جهلًا بينًا؛ بل لو كُلِّفَ أَنْ يحلف بالطلاق ــ مع اعتقاده لزومه ــ أَنَّ أحدًا من الأمة لم يخالف في الطلاق لَمَا اجترأَ على ذلك (١)، وأما المثبِت للخلاف فيحلف الأيمان المغلظة ويباهل من يباهله على أَنَّ الخلاف موجود في الأمة من سلفها وخلفها في وقوع الطلاق وفي التكفير.
وأئمة العلم ينكرون على مثل هذا المعترض وأمثاله الذين يتكلمون بالجهل، ويَقْفون ما ليس لهم به علم، ويجزمون بإجماع الأمة على ذلك، وليس لهم بهذا الإجماع من علم البتة؛ وغاية ما عندهم نَقْلُ مَنْ نَقَلَ ذلك، وأسبق من نقل الإجماع في ذلك أبو ثور، وكل من جاء بعده فعنه أخذ ذلك؛ ومحمد بن نصر عنه أخذه، وكذلك ابن جرير الطبري، وابن عبد البر عنه أخذه ابن رشد الحفيد (٢).
وابن المنذر لَمَّا كان أوسع علمًا بالاختلاف في هذا، وعَلِمَ قلة عدد القائلين بذلك= لم يذكر إلا إجماع من يحفظ قوله ــ لم يذكر إجماع العلماء ــ كما جرت عادته في المسائل التي لم يحفظ فيها أقوال عامة الأمة، وإنما يحفظ فيها قول عددٍ منهم، فيقول: أجمع من نحفظ قوله؛ يعني: مَنْ يحفظ قوله في تلك المسألة لا يريد كُلَّ من قال قولًا ما، وهذا بَيِّنٌ في كتابه، وقد ذكرت ألفاظه وألفاظ غيره في غير هذا الموضع (٣).
стр. 248
وقول هذا المعترض أنه تتبع أقوال الصحابة والتابعين فلم يعلم أحدًا قال بهذا القول؛ فهو مُصَدَّقٌ في هذا القول الذي أخبر فيه بعدم علمه ولم يكن في ذلك إلا مثل ابن عبد البر وأمثاله، ومثل ابن [٤١/ أ/ ب] (١) حزم وأمثاله؛ بل وأبي ثور ومحمد بن جرير ومحمد بن نصر وأمثالهم ممن يقول مثل هذا القول في مسائل كثيرة ويكون فيها نزاع لم يعلمه، كما قد بسط الكلام على ذلك في موضع آخر.
وأما قوله: إنه لم يعلم أحدًا قال بهذا القول الذي اخترعه ابن تيمية من سلف ولا خلف؛ فهذا قاله بناء على عدم علمه وظنه الفاسد الذي لا يغني من الحق شيئًا، وابن تيمية يَعلم علمًا جزمًا (٢) بأنه لم يخترع هذا القول بل قد سبقه إليه غير واحد من السلف والخلف، بل هم ــ والله ــ من أَجَلِّ السلف وأجلِّ الخلف، وهم في أعصارهم وأمصارهم أفضل من غيرهم، ويَعلم مع ذلك أنه شرع الله ــ تعالى ــ الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
وابن تيمية يجزم بذلك، ويباهل عليه من يباهله، بل يباهل على هذا وعلى أَنَّ هذا القول هو القول الذي بعث الله ــ ــ به رسوله؛ فَلْيَقُمْ هذا وأمثاله فليباهلون على أن هذا لم يقله أحد من السلف والخلف، وأنه خطأ مخالف لشرع الله ورسوله ﷺ .
وقد تناظر مرة الأوزاعي والثوري في مسألة رفع اليدين في المواطن الثلاثة؛ فاحتج الأوزاعي على الرفع بحديث الزهري عن سالم عن ابن عمر
стр. 249
أَنَّ رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا كَبَّرَ (٤١/ ب/ أ) وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع (١)، واحتج عليه الثوري بحديث يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، عن البراء أنه ﷺ كان يرفع يديه في أول مرة ثم لا يعود (٢)، فقال الأوزاعي: أحدثك عن الزهري عن سالم عن ابن عمر، وتحدثني عن يزيد بن أبي زياد؟! قم إلى الحجر الأسود لنبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين! فلما رأى الثوري غضب الأوزاعي سكت (٣)؛ فمن كان جازمًا بقوله نقلًا وبحثًا فليباهل عليه.
ثم هذا المعترض يعترف بالنزاع في وقوع الطلاق، وإنما يظن هو ونحوه أنه لم يقل أحد بالتكفير مع عدم الوقوع، بل إما أن يقع وإما ألا يقع ولا كفارة عليه.
стр. 250
فيقال لهم: إذا كان النزاع في وقوع الطلاق معلومًا، لم يكن إثبات الوقوع بالإجماع بل لا بُدَّ من دليل، وأنتم لم تذكروا دليلًا صحيحًا على الوقوع، ثم إذا قُدِّرَ أَنَّ المجيب أو غيره قويت عنده الأدلة الدالة على عدم الوقوع، والتكفير قد نقل فيه خلاف ولم يُعلم ثبوتُهُ ولا انتفاؤه؛ ألم يكن في الاحتياط إذا رأى الرجل أنه لا يقع به الطلاق أَنْ يُكَفِّرَ مع ذلك خشية أن تكون الكفارة واجبة عليه؟! هذا إذا سمع أن فيها خلافًا ولم يَعلم بطلانه، فالاحتياط بإخراج [٤٩/ أ/ ب] (١) الكفارة مع الشك أولى من الاحتياط بإيقاع الطلاق مع الشك؛ فإنَّ هذا يتضمن مع تحريمها على زوجها تحليلها لغيره.
وهب أَنَّ الاحتياط مشروع فيما إذا اشتبه الحلال بالحرام، فإنه ليس مشروعًا في تحليل ما كان محرمًا بيقين، وهذه المرأة محرمة على الأجانب بيقين؛ فمن أوقع الطلاق بها مع الشك فقد أَحَلَّ الحرام بالشك، وهذا لا يجوز بالاتفاق، وأما إذا أمر بالتكفير مع الشك فليس فيه إلا أمر بعبادة يشك في وجوبها، ولا ريب أَنَّ مَنْ شَكَّ في عبادة عليه فاحتاط بأدائها كان محسنًا، وإذا أمره الآمر بأن يحتاط لنفسه فيؤدي ما يشك في وجوبه كان محسنًا في ذلك لم يكن هذا بمنزلة من يحرم المرأة عليه ويحلها للأجنبي بالشك، فإنه لا يقدر أحد أن يقيم حجة على وقوع الطلاق المحلوف به.
والمسألة التي تَنازع العلماء في وقوع الطلاق [فيها] (٢) إذا لم يترجح