فصلٌ
وأما قوله: (وقد تمسك في النقل عن الصحابة الذين ذكرهم في العتق بالأثر الذي يذكره، ولو ثبت ذلك لا يفيده للفرق الذي سنذكره، وللإجماع على الطلاق المانع من الإلحاق؛ فقد عَرَّفْتُك ــ فيما تقدم ــ أني تتبعت أقوال الصحابة والتابعين والأئمة بعدهم فلم أعلم أحدًا قال بهذا القول الذي اخترعه ابن تيمية من سلف ولا خلف) (١).
فيقال:
أولًا: ليس عمدته قياسه على العتق؛ بل الأدلة الشرعية: الكتاب والسنة لفظًا ومعنى تدل على ذلك في الحلف بالطلاق، كما يدل عليه في الحلف بالعتاق والنذر.
وأيضًا؛ فقياسه على العتق قياس صحيح في معنى الأصل، بل هو من قياس الأولى، والفرق الذي وعد به المعترض قد اعترف هو بفساده، والأمة قبل أبي ثور مجمعة على بطلان هذا الفرق، وهذا إجماعٌ محققٌ لا يقدر أحد أن يَنقل لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أَنَّ أحدًا قبل أبي ثور فَرَّقَ بين الطلاق والعتاق.
وأبو ثور فَرْقُهُ عَدَمُ عِلْمٍ لا لفرق وجده من كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ، ولا فَرْقُ قياسٍ استنبطه من الكتاب والسنة، ولكن فَرَّقَ لعدم العلم، وهو يُسمِّي عدم العلم بالنزاع إجماعًا، وهذا حقيقة ظنه عدم النزاع، ومن
стр. 247
جعل هذا جزمًا بالإجماع فهو جاهل جهلًا بينًا؛ بل لو كُلِّفَ أَنْ يحلف بالطلاق ــ مع اعتقاده لزومه ــ أَنَّ أحدًا من الأمة لم يخالف في الطلاق لَمَا اجترأَ على ذلك (١)، وأما المثبِت للخلاف فيحلف الأيمان المغلظة ويباهل من يباهله على أَنَّ الخلاف موجود في الأمة من سلفها وخلفها في وقوع الطلاق وفي التكفير.
وأئمة العلم ينكرون على مثل هذا المعترض وأمثاله الذين يتكلمون بالجهل، ويَقْفون ما ليس لهم به علم، ويجزمون بإجماع الأمة على ذلك، وليس لهم بهذا الإجماع من علم البتة؛ وغاية ما عندهم نَقْلُ مَنْ نَقَلَ ذلك، وأسبق من نقل الإجماع في ذلك أبو ثور، وكل من جاء بعده فعنه أخذ ذلك؛ ومحمد بن نصر عنه أخذه، وكذلك ابن جرير الطبري، وابن عبد البر عنه أخذه ابن رشد الحفيد (٢).
وابن المنذر لَمَّا كان أوسع علمًا بالاختلاف في هذا، وعَلِمَ قلة عدد القائلين بذلك= لم يذكر إلا إجماع من يحفظ قوله ــ لم يذكر إجماع العلماء ــ كما جرت عادته في المسائل التي لم يحفظ فيها أقوال عامة الأمة، وإنما يحفظ فيها قول عددٍ منهم، فيقول: أجمع من نحفظ قوله؛ يعني: مَنْ يحفظ قوله في تلك المسألة لا يريد كُلَّ من قال قولًا ما، وهذا بَيِّنٌ في كتابه، وقد ذكرت ألفاظه وألفاظ غيره في غير هذا الموضع (٣).
стр. 248
وقول هذا المعترض أنه تتبع أقوال الصحابة والتابعين فلم يعلم أحدًا قال بهذا القول؛ فهو مُصَدَّقٌ في هذا القول الذي أخبر فيه بعدم علمه ولم يكن في ذلك إلا مثل ابن عبد البر وأمثاله، ومثل ابن [٤١/ أ/ ب] (١) حزم وأمثاله؛ بل وأبي ثور ومحمد بن جرير ومحمد بن نصر وأمثالهم ممن يقول مثل هذا القول في مسائل كثيرة ويكون فيها نزاع لم يعلمه، كما قد بسط الكلام على ذلك في موضع آخر.
وأما قوله: إنه لم يعلم أحدًا قال بهذا القول الذي اخترعه ابن تيمية من سلف ولا خلف؛ فهذا قاله بناء على عدم علمه وظنه الفاسد الذي لا يغني من الحق شيئًا، وابن تيمية يَعلم علمًا جزمًا (٢) بأنه لم يخترع هذا القول بل قد سبقه إليه غير واحد من السلف والخلف، بل هم ــ والله ــ من أَجَلِّ السلف وأجلِّ الخلف، وهم في أعصارهم وأمصارهم أفضل من غيرهم، ويَعلم مع ذلك أنه شرع الله ــ تعالى ــ الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
وابن تيمية يجزم بذلك، ويباهل عليه من يباهله، بل يباهل على هذا وعلى أَنَّ هذا القول هو القول الذي بعث الله ــ ــ به رسوله؛ فَلْيَقُمْ هذا وأمثاله فليباهلون على أن هذا لم يقله أحد من السلف والخلف، وأنه خطأ مخالف لشرع الله ورسوله ﷺ .
وقد تناظر مرة الأوزاعي والثوري في مسألة رفع اليدين في المواطن الثلاثة؛ فاحتج الأوزاعي على الرفع بحديث الزهري عن سالم عن ابن عمر
стр. 249
أَنَّ رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا كَبَّرَ (٤١/ ب/ أ) وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع (١)، واحتج عليه الثوري بحديث يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، عن البراء أنه ﷺ كان يرفع يديه في أول مرة ثم لا يعود (٢)، فقال الأوزاعي: أحدثك عن الزهري عن سالم عن ابن عمر، وتحدثني عن يزيد بن أبي زياد؟! قم إلى الحجر الأسود لنبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين! فلما رأى الثوري غضب الأوزاعي سكت (٣)؛ فمن كان جازمًا بقوله نقلًا وبحثًا فليباهل عليه.
ثم هذا المعترض يعترف بالنزاع في وقوع الطلاق، وإنما يظن هو ونحوه أنه لم يقل أحد بالتكفير مع عدم الوقوع، بل إما أن يقع وإما ألا يقع ولا كفارة عليه.
стр. 250
فيقال لهم: إذا كان النزاع في وقوع الطلاق معلومًا، لم يكن إثبات الوقوع بالإجماع بل لا بُدَّ من دليل، وأنتم لم تذكروا دليلًا صحيحًا على الوقوع، ثم إذا قُدِّرَ أَنَّ المجيب أو غيره قويت عنده الأدلة الدالة على عدم الوقوع، والتكفير قد نقل فيه خلاف ولم يُعلم ثبوتُهُ ولا انتفاؤه؛ ألم يكن في الاحتياط إذا رأى الرجل أنه لا يقع به الطلاق أَنْ يُكَفِّرَ مع ذلك خشية أن تكون الكفارة واجبة عليه؟! هذا إذا سمع أن فيها خلافًا ولم يَعلم بطلانه، فالاحتياط بإخراج [٤٩/ أ/ ب] (١) الكفارة مع الشك أولى من الاحتياط بإيقاع الطلاق مع الشك؛ فإنَّ هذا يتضمن مع تحريمها على زوجها تحليلها لغيره.
وهب أَنَّ الاحتياط مشروع فيما إذا اشتبه الحلال بالحرام، فإنه ليس مشروعًا في تحليل ما كان محرمًا بيقين، وهذه المرأة محرمة على الأجانب بيقين؛ فمن أوقع الطلاق بها مع الشك فقد أَحَلَّ الحرام بالشك، وهذا لا يجوز بالاتفاق، وأما إذا أمر بالتكفير مع الشك فليس فيه إلا أمر بعبادة يشك في وجوبها، ولا ريب أَنَّ مَنْ شَكَّ في عبادة عليه فاحتاط بأدائها كان محسنًا، وإذا أمره الآمر بأن يحتاط لنفسه فيؤدي ما يشك في وجوبه كان محسنًا في ذلك لم يكن هذا بمنزلة من يحرم المرأة عليه ويحلها للأجنبي بالشك، فإنه لا يقدر أحد أن يقيم حجة على وقوع الطلاق المحلوف به.
والمسألة التي تَنازع العلماء في وقوع الطلاق [فيها] (٢) إذا لم يترجح
стр. 251
عند المفتي أحد القولين لم يجز له أن يفتي بما لم يترجح عنده، والأصل بقاء النكاح؛ ولهذا كان أحمد يقول في طلاق السكران: إن من قال: إنه يقع؛ فقد حرمها على زوجها وأحلها لغيره، فقد فعل شيئين، ومن لم يحرمها أبقاها على ما هي [٤٩/ ب/ أ] عليه، فلم يفعل إلا شيئًا واحدًا (١).
فالاحتياط للمفتي إذا لم يحرم ويحلل بالشك، بل أمسك عن ذلك، وأمر بالكفارة للاحتياط بأدائها لِمَا نُقِلَ من الخلاف في وجوبها؛ فهذا أحوط الأقوال الثلاثة قبل أن ينظر في الأدلة المفصلة مع ما ينضم إلى ذلك من المرجحات الكثيرة؛ فكيف ولست تجد في كلام أحد من العلماء على الإيقاع دليلًا يُعتمد عليه فضلًا عن أن يكون راجحًا، بل ليس معهم كتاب ولا سنة ولا آثار عن الصحابة ولا قياس جلي؛ بل الكتاب والسنة والقياس الجلي يدل على عدم الوقوع.
والنزاع في الوقوع ثابت بلا ريب وكذلك النزاع في الكفارة؛ ولكن المقصود أن ندرج الكلام في مقامات هذه المسألة درجة درجة؛ فإنَّ من الناس من يقول: لم يَثبت عندي النزاع في الكفارة، فيقال له: لا ريب أنه قد نقل النزاع في ذلك، كما نقله غير واحد منهم ابن حزم، وأنت لا تجزم جزمًا قاطعًا بأن الأمة اتفقت على نفي التكفير؛ وحينئذٍ فإذا ترجح عندك القول
стр. 252
بعدم الوقوع كان احتياطك بالتكفير أولى في العقل، وأمرك بالتكفير لغيرك احتياطًا أبرأ لعرض كل منهما ودينه، وهذا [٤٩/ ب/ ب] احتياطٌ بفعل خيرٍ وبر، ليس فيه شيء من الشر، وهو دائر بين الإيجاب والاستحباب، فإن لم يكن واجبًا فلا ريب أنه مستحب.
وأما إيقاع الطلاق فليس بواجب ولا مستحب من الزوج فضلًا عن أن يكون واجبًا أو مستحبًا من المفتي؛ فإنَّ المفتي والحاكم وولي الأمر كلٌّ منهم لا يَحِلُّ له أن يحرمها على زوجها ويحلها لغيره إلا بدليل شرعي سالم عن المعارض، ومع النزاع في الإيقاع لا يمكنه دعوى الإجماع، وليس معه كتاب ولا سنة ولا قياس.
وإذا كان معه تقليد طائفة من علماء المسلمين؛ فالتقليد ليس فيه علم بالشرع ودليله الخاص، وإنما فيه علمٌ بأنَّ هذا قول فلان، وأنه يسوغ تقليده، فالمقلِّد لا يعلم ولا يظن أن هذا حكم الله في نفس الأمر إن لم يقترن بذلك أمارات تقوي ظنه أن هذا حكم الله في نفس الأمر؛ وحينئذٍ فلا يكون تقليدًا محضًا.
وإذا عَرَفَ المقلد أنَّ النزاع حاصلٌ في المسألة، وأن الذين يُقَلِّدُهُم لم يظهر لهم حجة يقطعون بها مَنْ نازعهم، ولا أظهروا علمًا يجب على الأمة اتباعه، مع توفر الهمم والدواعي على إظهار العلم ومسيس الحاجة إلى ذلك، ووجود ما يحمل النفوس على إظهار ما عندها من العلم لما وجد في ذلك من التحدي (١) والمعارضة والمخاصمة، وتشوف همم العامة
стр. 253
والخاصة إلى ما في ذلك من العلم وإلى ما يحصل لصاحبه من مصلحة الدنيا والدين والآخرة= فإن هذا مما يوجب عند المقلد أنه لا علم عند من كان يقلده بهذه المسألة.
وطالب العلم الذي له معرفة بالدليل الشرعي، وهو ممن يمكنه الاجتهاد في بعض المسائل ــ وإن لم يكن مجتهدًا مطلقًا ــ إذا استفرغ وسعه فيما ذكره العلماء في هذه المسألة ونحوها من النقل والبحث= جَزَمَ جَزْمَ مثله أنه ليس عندهم علم جازم بوقوع الطلاق، لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، بل ولا ظنّ راجح مستند إلى دليل شرعي، بل إنما معهم عادات وتقليد وليس شيء منه حجة شرعية باتفاق المسلمين.
ومن قال: إنَّ قول أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة أو عشرة أو اثني عشر معينين أو غير معينين من علماء المسلمين حجةٌ معصومةٌ يجب (١) على الناس اتباعها ويحرم مخالفتها= فقد خالف الكتاب والسنة والإجماع [٥٠/ أ] من الصحابة والتابعين وسائر علماء المسلمين الأئمة الأربعة وغيرهم، فإنهم متفقون على أَنَّ مثل هذا ليس بحجة شرعية تفصل النزاع بين المسلمين فيما تنازعوا فيه من أمر دينهم.
وقول هذا المعترض: (إن هذا القول قول مخترع) له أسوة بما يقوله هو وأمثاله من أقوال تخالف الكتاب والسُنة واتفاق السلف مع دعواهم أن القول الذي يخالفهم قول مخترع، فليس هذا بأول بدعة يقولونها ويقولون لمن يخالفها إنه مبتدع، فهذا أمر يكثر فيمن يتكلم في الدين في أصوله
стр. 254
وفروعه بغير اعتصام بالكتاب والسنة، بل بما يظنه هو وأمثاله إما إجماعًا وإما رأيًا.
وعامة أهل البدع يخالفون الكتاب والسنة بدعوى إجماع أو معقول؛ ولهذا قال أحمد: من ادعى الإجماع فقد كذب، هذه دعوى الأصم والمَرِيسي وابن عُلَيَّة. ولهذا المعترض أسوة بهؤلاء المبتدعين وأمثالهم في هذا وغيره الذين يتكلمون في الدين بلا علم.
والقول الذي يقوله هذا المعترض وأمثاله من أن هذا قول مبتدع، قد قابلهم عليه من هو أعلم منهم بشرع الله ــ تعالى ــ في هذه المسألة ممن كان يفتي فيها بالكفارة قبل أن يتكلم فيها المجيب، بل وقبل أَنْ يُخْلَق، فكان يقول لمن ينازعه فيها: يا دجاجلة! لم تدخلون في الإسلام ما ليس منه؟! أين في دين المسلمين يمين منعقدة لا كفارة فيها؟! (١).
وهذا هو الحق؛ فإن القول بأن من أيمان المسلمين المنعقدة ما لا كفارة فيه هو قول مبتدع لا ريب فيه، لكن قد قاله كثير من أهل العلم والدين مجتهدون مثابون على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم؛ كسائر الأقوال المخالفة في نفس الأمر لِمَا جاء به الرسول، فإنها في الحقيقة مبتدعة لم يشرعها الله ورسوله ﷺ ، لكن القائل بها مجتهد قصد الحق بحسب استطاعته، واعتقد أن هذا هو شرع الله، فأثابه الله على اجتهاده، وغفر له قوله، ولو كان بدعة في نفس الأمر.
وما أحسن ما كان الصحابة ﵃ يقولون كما قال أبو بكر وابن مسعود
стр. 255
وغيرهما من الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ: أقول فيها برأيي؛ فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه (١).
ومن تَدَبَّر هذه (٢) [٥٠/ ب] الإجماعات التي يذكرها مثل هؤلاء القاصرين في معرفة علم الكتاب والسنة وأقوال السلف والخلف لا سيما في أصول الدين فضلًا عن فروعه= وَجَدَ من ذلك أمورًا كثيرة، فلا يعجب بعدها من دعواهم إجماعات لا علم لهم بحقيقتها، فإنَّ هذا كثير منهم جدًا، وهو من البدع التي انتشرت بعد انقضاء القرون المفضلة حتى كان الأئمة كأحمد بن حنبل ﵁ وغيره يذمون هؤلاء المبتدعين على دعواهم ما لا علم لهم به.
ولهذا قال الشافعي ﵁ (٣): وإنما الأقوال المبتدعة المخالفة للكتاب والسنة ولما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون التي هي أقوال منكرة تناقض مقصود الرسالة، وتُسَلِّطُ أعداءَ الملة على القدح فيها = هي الأقوال التي أُحدثت لما كَثُرَ القول بلزوم الطلاق ووقوعه حيث لم يوقعه الله ورسوله، فأحدثت لأجل ذلك بدعة كالقول بأن تتزوج المرأة من لا يريد أن يتزوج بها ولا يريد إلا أن يحلها للأول، وقد لعن الله ورسوله هذا المحلِّل والمحلَّل له (٤).
стр. 256
وكذلك استفاض ذمه وتحريمه عن الخلفاء الراشدين المهديين وغيرهم من الصحابة مثل: عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر ﵃؛ حتى قال ابن عمر: لا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة، إذا علم الله من قلبه أنه يريد أن يحلها له (١).
وقال أبوه عمر ﵄: لا أُوتَى بمحلِّل ومحلَّل له إلا رجمتهما (٢).
стр. 257
وقال عثمان ﵁: لا يُحلها إلا نكاح رغبة، لا نكاح دلسة (١).
ولم يُعرف أَنَّ أحدًا من الخلفاء والصحابة أعاد امرأة إلى زوجها بنكاح تحليل (٢).
وكذلك من جنسه أن يؤمر الزوجان بالخلع، مع أن الرجل مريد لامرأته، وهي مريدة له، ليس لواحد منهما غرض في مفارقة الآخر فيؤمر بالخلع في مثل هذه الحال مع قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
ومثل دور الطلاق الذي يَجعل نكاح المسلمين مثل نكاح النصارى لا
стр. 258
طلاق فيه بحال، وهي [٥١/ أ] بدعة مخالفة لصريح المعقول مع مناقضتها لشرع الرسول؛ إذ كان معنى قول القائل: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا، [و] إذا طلقتك فلم أطلقك، وإذا وقع عليك طلاق لم يكن قد وقع عليك طلاق، وهو جمع بين النقيضين مع تضمنه محالًا آخر، وهو إيقاع طلقة مسبوقة بثلاث تطليقات، وهذا ممتنع في الشرع (١).
ومثل الاحتيال بطلب إفساد النكاح، مع أنه لولا الطلاق لكان النكاح عندهم صحيحًا، يَستحِلَّان به ما يستحلان بالنكاح الصحيح من الوطء والميراث وغير ذلك إلى أن يطلقها= جعلوه فاسدًا لئلا يقع الطلاق (٢).
ومثل الاحتيال في ألفاظ الأيمان بما يخالف قصد الحالف ومراده (٣)؛
стр. 259
فهذه هي البدع التي أُحدثت في الإسلام لما صاروا يعتقدون وقوع الطلاق المحلوف وغيره مما ليس هو بطلاق واقع في الشرع، فصاروا لأجل ذلك حزبين: حزبًا دخلوا في هذه الحيل التي تتضمن تحريم ما أحله الله ورسوله وتحليل ما حرمه الله ورسوله، وإن كان المجتهد فيها مأجورًا وخطؤه مغفورًا والمقلد له معذورًا، وكذلك الحزب الآخر الذين ألزموا الناس بالآصار والأغلال وتحريم ما أباحه الله من الحلال؛ والله يرضى عن جميع أئمة الدين ويغفره لجميع المؤمنين والمؤمنات (١).
لكن المقصود بيان ما هي الأقوال المخترعة المبتدعة في الإسلام، وإن كان أهلها مجتهدين مأجورين غير مأزورين، وما هي الأقوال الموافقة لشرع الرسول ﷺ ، وقد قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨] فَخَصَّ أحد النبيين بالفهم مع ثنائه على كُلٍّ منهما بما آتاه من العلم والحكم؛ والعلماء ورثة الأنبياء (٢).
وهذا الموضع الذي غلط فيه مثل المعترض وأمثاله، قد وقع نظيره لقوم
стр. 260
في مواضع يظنون في المسألة إجماعًا فيعملون به، مع مخالفتهم في ذلك الكتاب والسنة، مثل: من اعتقد أن نكاح الزانية قبل التوبة جائزٌ (١) بالإجماع، وخالف بذلك الكتاب والسنة (٢).
ومن هؤلاء مَنْ يقول: الإجماع [٥١/ ب] يَنسخ الكتاب والسنة؛ وكنا نَظُنُّ بمن يقول ذلك أنه يريد به: أَنَّ الإجماعَ دَلَّ على نَصٍّ ناسخٍ، حتى ذَكَرَ مَنْ صَرَّحَ في نقله بأن نفس الإجماع يُنسخ به، وهذا من جنس قول النصارى الذين يُجوِّزون لأحبارهم أن يغيروا شريعة الأنبياء برأيهم، وهؤلاء ممن عناهم الله بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وقد قال النبي ﷺ لعدي بن حاتم حين قال: ما عبدوهم. فقال: «أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم؛ فكانت تلك عبادتهم إياهم» (٣)؛ فمن جوَّز لعلماء
стр. 261
الأمة بعد نبيها أن ينسخوا (١) شيئًا من شرعه كان قوله من جنس هذا القول، وهذا بخلاف ما إذا اجتهد واحد منهم؛ فإنَّ هذا يقول كما قال أبو بكر وابن مسعود ﵄: أقول فيها برأيي؛ فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه (٢).
والواحد من العلماء ليس بمعصوم يجب اتباعه، بخلاف الأمة فإنها معصومة.
فإذا قيل: إنها قد تنسخ نص الرسول ﷺ بإجماعها على خلافه، وهي معصومة في إجماعها = فهذا اتخاذ لهم أربابًا من دون الله، يحللون الحرام ويحرمون الحلال (٣).
ومثل من اعتقد إجماع الأمة على أَنَّ مسافة القصر لا تكون أقل من يومين (٤)، فلزمهم ألا يقصر أهل مكة في عرفة ومزدلفة ومنىً، وهو خلاف
стр. 262
سنته ــ التي لا ريب فيها ــ من أَنَّ أهل مكة صلوا بصلاته في عرفة ومزدلفة ومنى جمعًا وقصرًا (١)، وكذلك كانوا يفعلون في خلافة أبي بكر وعمر ﵄ وصدرًا من خلافة عثمان ﵁ لمَّا كان يقصر الصلاة (٢)، ثم لما أتمها للاجتهاد الذي رآه. تشعب للناس عن ذلك أقوال مذكورة في غير هذا الموضع.
واختلف الناس في مأخذه في اجتهاده: هل كان ذلك لأنه كان تَأَهَّلَ بمكة؟ أو لأن بعض الأعراب ظنوا الصلاة لا تكون إلا قصرًا؟ أو لأنه رأى جواز الأمرين ففعل الجائز؟ أو لأنه لما عُمِرَت منى وكان المقيم بها لا يحمل الزاد والمزاد رأى عثمان ﵁ أنَّ النازل بها مقيم، ولهذا لم يقصر بعرفة ومزدلفة مع وجود [٥٢/ أ] ما ذكر من الإتمام، ولم يكن عثمان ﵁ يقصر في طريقه من المدينة إلى مكة، ولا كان ممن يجوز له المقام بمكة، بل كان إذا اعتمر يُنيخ راحلته ويعتمر ثم يخرج، لأن النبي ﷺ إنما رَخَّص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد نسكه ثلاثًا. أخرجاه في الصحيحين (٣).
стр. 263
ومثل من ظن إجماع (١) الصحابة على أن التكبير على الجنازة لا يجوز أن يزاد على أربع، وخالف السنة الثابتة في جواز التكبير أكثر من ذلك (٢).
ومثل من ظن إجماع الصحابة على وجوب جلد ثمانين للشارب، وخالف بذلك ما تقدم من السنة في جواز الاقتصار على أربعين (٣).
ومثل من ظن الإجماع على أنه لا يجوز قتل الشارب بحال، وخالف بذلك [ما] (٤) ثبت من جواز القتل في الجملة، وبعض الناس جعل القتل واجبًا، والسنةُ إنما دلت على الجواز فإنه أمر بالقتل في الرابعة (٥)، وأُتي
стр. 264
بشخص أكثر من الشرب ولم يقتله (١)، وقيل له ﷺ عن طائفة لم ينتهوا. قال: «فاقتلوهم» (٢).
ومن الناس من ظن الإجماع على ترك حديث المصرَّاة (٣).
стр. 265
ومنهم من ظن الإجماع على أن شهادة العبد لا تقبل، وأنس (١) بن مالك قد ذكر الإجماع على أنها مقبولة (٢).
ومن الناس مَنْ ظَنَّ الإجماع على أَنَّ فسخ الحج الذي أمر به النبي ﷺ أصحابه ﵃ في حجة الوداع لا يجوز، مع أَنَّ طائفةً من السلف والخلف يقولون: لا يجوز الحج بدون سوق الهدي إلا للمتمتع إما مبتدئًا وإما فاسخًا (٣)؛ ومثل هذا كثير.
* * * *
стр. 266
فصلٌ
قال:
(قال أبو بكر الأثرم في سننه: حدثنا عارم بن الفضل، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، قال: قال أبي: حدثنا بكر بن عبد الله، أخبرني أبو رافع قال: قالت مولاتي ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها محرر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية وهي نصرانية إنْ لم تُطَلِّق امرأتك أو تفرِّق بينك وبين امرأتك. قال: فأتيت زينب بنت أم سلمة ــ وكانت إذا ذُكِرَت امرأة [بالمدينة] (١) فقيهة ذكرت زينب ــ. قال: فأتيتها، فجاءت يعني إليها. فقالت: في البيت هاروت وماروت؟! قالت: يا زينب؛ جعلني الله فداك، إنها قالت: كل مملوك لها حر، وكل مالٍ لها [٥٢/ ب] هدي، وهي يهودية وهي نصرانية. فقالت: يهودية ونصرانية! خَلِّ بين الرجل وبين امرأته، يعني: وكفري عن يمينك. [فأتيت حفصة أم المؤمنين، فأرسلت إليها فأتتها، فقالت: يا أم المؤمنين؛ جعلني الله فداك، إنها قالت: كل مملوك لها محرر وكل مالٍ لها هدي وهي يهودية وهي نصرانية. فقالت: يهودية ونصرانية؟! خلي بين الرجل وبين امرأته] (٢) فأتيت عبد الله بن عمر فجاء ــ يعني إليها ــ فقام على الباب فَسَلَّمَ. فقالت: بِيَبِي أنت وَبِيَبِي أبوك (٣). فقال: أمن حجارةٍ أنتِ أم من حديد (٤)؟ أم من أي شيء أنت؟ أفتتك زينب وأفتتك أم المؤمنين
стр. 267
فلم تقبلي فتياهما. قالت: يا أبا عبد الرحمن؛ جعلني الله فداك، إنها قالت: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية وهي نصرانية. فقال: يهودية ونصرانية! كَفِّرِي عن يمينك، وَخَلِّ بين الرجل وبين امرأته.
قال: قلتُ: هذا الأثر عمدته في النقل عن هؤلاء الصحابة، والكلام عليه في أمرين:
أحدهما: في إثبات الحلف بالعتق فيه، وسيأتي الكلام في ذلك عند كلام الإمام أحمد عليه، وأجمع طرقه ــ إن شاء الله تعالى ــ.
والثاني: على تقدير صحته فنقول: إنَّ لفظ زينب وابن عمر (١) كما رأيت كل منهما صدَّر فتياه بقوله يهودية ونصرانية؟! فيحتمل أن يكون اقتصر في الجواب على هذه اليمين؛ لعظمها عند المستفتية، وتوهمها أن لا مُخَلِّصَ منها، وأنَّ مقتضاها الخروج من الدين الذي لا شيء عند المسلم أخوف منه، وسكت عن العتق والصدقة لسهولة أمرهما عليها (٢)، وفي تصدير كل منهما فتياه بذلك إشعار بما قلناه، وإن لم يكن ظاهرًا فهو محتمل، وكأنه قال: كفري عن يمينك [هذه.
وفي الرواية عن زينب نظرٌ آخر، وهو: أنَّ الراوي قال عنها: خلِّ بين الرجل وبين امرأته؛ يعني: كفري عن يمينك] (٣)؛ فزينب لم تقل: وكفري يمينك، فلعل ذلك فَهْمٌ من الراوي؛ فمن أين أن مراد زينب ذلك؟ ولعلهما أرادا أن التفريق بين الزوجين حرام، وهذه اليمين معصية، فَخَلِّ بين الرجل وبين امرأته، وَإِنْ أَوجَبَ
стр. 268
الحنثُ ما أَوجب؛ ومع هذين الاحتمالين لا يجوز نسبة هذا القول إليها.
والقائل: يعني: وكفري عن يمينك؛ لا أعلم مَنْ هو مِنَ الرواة، والظاهر أنه المصنف، فإني لم أقف على هذه اللفظة في شيء من طرق الحديث، بل بعضهم لا يتعرض للتكفير البتة، وكذلك رواه ابن حزم (١) بإسقاط التكفير من فتيا زينب وحفصة مستدلًا به على عدم وجوب شيء لا كفارة ولا غيرها، وبعضهم يَذْكُرُ عنها الأمر بالتكفير، وأما لفظ (٢): (يعني) فما رأيته (٣)، وسنجمع في آخر [٥٣/ أ] الفصل طرق هذا الأثر ــ إن شاء الله تعالى ــ (٤)).
والجواب:
أن هذا الذي ذكره من أن ابن عمر وزينب ﵄ إنما أفتيا في قوله هي يهودية ونصرانية دون العتق والصدقة = من أظهر القول الباطل؛ وهو خلاف ما أجمع الناس عليه في هذه القضية؛ فإنَّ جميع العلماء الذين ذكروا قصة ليلى بنت العجماء هذه اتفقوا على أنهم أفتوها في الحلف بالصدقة وغيرها مما ذكرته، لم يقل أَحَدٌ أنهم أفتوها في بعض ما ذكرته دون بعض، وَمَنْ عَرَفَ أَنَّ فيها ذكر العتق قال: إنهم أفتوها في الحلف بالعتق، لم يقل أحدٌ إنه كان في كلامها من الأيمان ما لم يجيبوها عنه؛ فهذا الذي قاله مخالفٌ لإجماع العلماء قاطبة بلا ريب.
فلا يُعْرَف أحد من المسلمين حمل هذه القضية على ما ذكره، مع العلم بأنَّ هذا الأثر ما زال يتداوله العلماء قديمًا وحديثًا، وهو مما اعتمد عليه
стр. 269
الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو ثور ومحمد بن نصر المروزي وأبو بكر بن المنذر ومحمد بن جرير والطحاوي وابن عبد البر وابن حزم وغيرهم، وعامة أصحاب الشافعي وأحمد، متقدميهم ومتأخريهم، من زمن الإمامين إلى هذا الوقت؛ فكل من ذكر هذا الأثر منهم ــ كالشيخ أبي حامد الإسفراييني والقاضي أبي الطيب والماوردي، وكأبي عبد الله بن حامد والقاضي أبي يعلى وأبي الخطاب وغيرهم ــ يذكرون أن الصحابة أجابوا ليلى بنت العجماء فيما ذكرته من الأيمان سواءً وافقوا هذا الأثر أو خالفوه، لكن نقل الأقوال أمانة.
والذين لم يقولوا بهذا الأثر من أصحاب أبي حنيفة ومالك لم يَطعن أحدٌ منهم في صحته، ولا تأولوه على ما ذكره هذا المعترض من أن الجواب كان عن غير الصدقة والعتق، بل عارضوا ذلك بحديث عثمان بن حاضر الذي اعتمد عليه المعترض.
وذكر أبو جعفر الهِنْدُواني (١): (إن القول بلزوم النذر المحلوف به هو قول العبادلة) (٢)،
ومستنده حديث عثمان بن حاضر، وطعن في ذلك
стр. 270
أصحاب الشافعي وأحمد كالشيخ أبي حامد [٥٣/ ب] والقاضي أبي يعلى وأتباعهما قالوا: إنَّ هذا لا يُعرف.
وأما حديث ليلى بنت العجماء فلم يطعن فيه أحد من العلماء، ولا حَرَّفَ معناه ــ كما حرف معناه هذا ــ أحد من العلماء، فما ذكره هذا المعترض من التعليل له والتحريف لمعناه= قول ابتدعه لم يسبقه إليه أحد من علماء المسلمين، لا الموافقين لهذا الأثر ولا المخالفين له، ولكن من يريد أن يخالف الحق الذي جاء به الرسول ﷺ فلا بُدَّ له من تكذيب المنقول الصحيح أو تحريف الكلم عن مواضعه، كما يفعل سائر أهل البدع، فمن جعل السنة بدعة والبدعة سنة = كان أحق بأن يجعل قوله كذلك.
ثم مما يُبَيِّنُ غلط ما ذكره: أَنَّ هؤلاء الصحابة أمروها أَنْ تُخَلِّيَ بين الرجل وبين امرأته، وذموها على إصرارها على التفريق بينهما، فإنْ لم يجيبوها عن الحلف بجميع أيمانها لم يحصل المقصود، فإنها لو كان مماليكها يعتقون وكل مالها هدي لَبَيَّنُوا لها ذلك، ولو عَرَفَتْ ذلك؛ فالأظهر أنها لا تجيبهم إلى ذلك، فإنه يَعِزُّ عليها عتق مماليكها وجعل مالها هديًا.
وقولهم لها: (يهودية ونصرانية؟!) إنكارٌ عليها أَنْ تحلف بهذه اليمين، فإنَّ الحلف بالكفر يمين منكرة بخلاف الحلف بالعتق والنذر، ولهذا قال
стр. 271
- ﷺ : «مَنْ حلف بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال» (١) فهذا وعيدٌ شديدٌ.
والناس متنازعون في اليمين الغموس إذا حلف هل يَكْفُر أم لا يَكْفُر؟ وظاهر الحديث يقتضي كفره ولكن كنظائره، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] قال ابن عباس وطاووس وأحمد وغيرهم: كفر دون كفر (٢)، ومثله قوله: «كُفْرٌ بالله تبرؤٌ من نسب» (٣)،
وقوله: «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر؛ فقد باء به
стр. 272
أحدهما» (١)، وقوله: «لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كُفْرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم» (٢)، وقوله: «أَيُّمَا عبدٍ أَبَقَ من مواليه فقد كفر» (٣) وهذا ظاهره كفر، لكن يقولون: هو كفر دون كفر.
وفي الحديث المتفق على صحته: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» (٤)، فقد
стр. 273
يكون [٥٤/ أ] في الرجل شعبة من النفاق والكفر، وإن كان معه من الإيمان ما يخرج به من النار ولا يخلد فيها، كما قال النبي ﷺ : «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الإيمان ما يزن ذرة» (١).
ومذهب أهل السنة والحديث: أن الإيمان يَتبعَّض؛ فبعضه يمنع الخلود في النار، وبعض الكفر والنفاق يقتضي دخول النار كسائر الكبائر.
وقوله ﷺ : «فهو كما قال» مع أن الحالف لم يقصد أن يكون كافرًا، لا يستلزم أن يكون من حلف يمينًا غموسًا بنذر أو طلاق أو عتاق، لأنَّ هذا من باب الوعيد (٢) [٥٤/ ب] كقوله ﷺ : «من حلف يمينًا فاجرة ليقتطع بها مال امرئ مسلم؛ لقي الله وهو عليه غضبان» (٣) ثم غضبه عليه إذا لقيه يزول بالتوبة وبالحسنات الماحية وبغير ذلك؛ فكذلك كونه «كما قال» هو ــ أيضًا ــ وعيد يزول بالتوبة وبالحسنات الماحية.
وأما كونه مُطلِّقًا ومعتقًا وناذرًا فهو مشروط بقصد المتكلم بأسباب ذلك، أو بقصد حكم ذلك لأجل النزاع في الهازل، والحالف بذلك لم يقصد واحدًا منهما فلا نثبت حكم ذلك في حقه ــ كما أَنَّ المكره على ذلك لا يثبت في حقه حكم ذلك ــ ولكن هو داخل تحت الوعيد.
فقوله: «لقي الله وهو عليه غضبان» فهذا الوعيد لكل من حلف يمينًا فاجرة من أيمان المسلمين ولو كانت بنذر أو طلاق أو عتاق، ولهذا من
стр. 274
حلف يمينًا غموسًا بالكفر لم يُجعل مرتدًّا كسائر المرتدين الذين تباح دماؤهم بالردة لأنهم بدلوا دينهم، فلزوم الطلاق والعتاق والنذر له عند كذبه في الغموس وحنثه في غيرهما بمنزلة جعله مرتدًّا عند كذبه وحنثه وهذا باطل؛ فكذلك الأول.
وأيضًا؛ فقول الصحابة لها: كَفِّرِي يمينك، ينصرف إلى اليمين التي ذَكَرَتْها لهم، وهي قولها: كل مملوك لها محرر وكل مال لها هدي وهي يهودية وهي نصرانية إِنْ لم تفرق بينك وبين امرأتك، وهي يمين واحدة عَلَّقَتْ فيها الهديَ والعتقَ والكفرَ، ولهذا لما أخذ أحمد بهذا الأثر، جعل كفارة واحدة تجزئ في هذا كُلِّهِ، فقال فيمن قال: إنْ فعلتُ كذا فمالي هدي وعليَّ الحج وأنا يهودي ونصراني: تجزئه كفارة يمين واحدة (١)، واستدل بهذا ــ أيضًا ــ على أَنَّ الحلف بالكفر فيه الكفارة عند هؤلاء الصحابة، واتبعهم في ذلك إذ لم يخالفهم غيرهم، فإنه لو لم تكن يمينًا مُكَفَّرَة لأفتوها بالكفارة فيما يُكَفَّر، وقالوا في الباقي: لا كفارة فيه.
وأما قوله: (إنه ليس في قول زينب: خَلِّ بين الرجل وبين امرأته؛ أمرًا بالتكفير).
فيقال: إِنْ كانت زينب وحفصة لم يأمرا بالتكفير، بل جعلا هذه يمينَ لغوٍ، فهذا يصلح أَنْ يحتج به مَنْ رأَى ذلك يمينًا غير منعقدة، فلا يقع عتق ولا نذر ولا كفارة في ذلك، وهذا مذهب ابن جرير [٥٥/ أ] وداود وأصحابه كابن حزم، واحتج هؤلاء بهذا.
стр. 275
وَطَرَدَ داود وأصحابه أصلهم في الطلاق، فقالوا: هو يمين غير منعقدة، فلا يلزم به طلاق ولا كفارة؛ فعلى هذا التقدير يكون هؤلاء الصحابة قد جعلوا هذه أيمانًا غير منعقدة، وهو خلاف قول المعترض وأمثاله: إنها ليست أيمانًا أو إنها أيمانٌ تُلْزِمُ الحالف فيها ما التزمه. وإذا كانوا يقولون: إِنَّ الحالف بالعتق لا يلزمه العتق ولا كفارة فيه= ثبت النزاع في العتق؛ وحينئذٍ فنقيم الدليل على أَنَّ هذه أيمان ليست كالتعليقات التي يلزم فيها المعلَّق.
وأما كونها يمينًا مكفَّرة أو غير مكفَّرة فهو مقام آخر، و القول بالتكفير ثابت (١) عن السلف لا ريب فيه ، يُقِرُّ بِهِ هؤلاء الذين قالوا إنها أيمان غير منعقدة كابن جرير وداود وابن حزم، وقد تقدم نقل ابن جرير وابن حزم للنزاع في ذلك عن الصحابة والتابعين، فلا يمكن أحدًا منهم دعوى الإجماع على عدم التكفير، وإنما النزاع في كونها من جنس أيمان المسلمين أو من جنس أيمان الكفار، فتبين أَنَّ ما ذكره المعترض يضره لا ينفعه.
قال أبو محمد ابن حزم (٢): (وكذلك من أخرج نذره مخرج اليمين فقال: عليَّ المشي إلى مكة إِنْ كلمت فلانًا وإن زُرْتُ (٣) فلانًا؛ فهذا (٤) لا يلزم الوفاء بِهِ ولا كفارة فيه إلا الاستغفار فقط).
ثم قال (٥): (وقولنا هو قول طائفة من السلف؛ كما روينا من طريق
стр. 276
عبد الرزاق، عن المعتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن بكر بن عبد الله المزني قال: أخبرني أبو رافع قال: قالت لي مولاتي ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية أو نصرانية إن لم تطلق امرأتك، فأتيت زينب بنت أم سلمة ــ أم المؤمنين ــ فجاءت معي إليها، فقالت: يا زينب ــ جعلني الله فداك ــ إنها قالت: كل مملوك لها حر وهي يهودية. فقالت لها زينب: يهودية ونصرانية! خَلِّ بين الرجل وامرأته، فكأنها (١) لم تقبل، فأتيت حفصة ــ أم المؤمنين ــ فأرسلت ــ يعني: إليها ــ، فقالت: يا أم المؤمنين ــ جعلني الله فداك ــ إنها قالت: كل مملوك لها حرٌ وكل مالٍ لها هدي وهي يهودية ونصرانية، فقالت أم المؤمنين: يهودية ونصرانية! خَلِّ بين الرجل وبين امرأته).
قال (٢): (ومن طريق عائشة [٥٥/ ب] ــ أم المؤمنين ــ فيمن قال لغريمه: إِنْ فارقتك فمالي عليك في المسلمين (٣) صدقة، ففارقه؛ أَنَّ هذا لا شيء يلزمه فيه).
قال (٤): (وَصَحَّ هذا عن الحَكَم بن عُتيبة، وحماد بن أبي سليمان من طريق شعبة عنهما.
وهو قول الشعبي، والحارث العكلي، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وأبي سليمان وأصحابنا).
стр. 277
قال (١): (فإن قالوا: فقد أفتى ابن عمر في ذلك بكفارة يمين.
قلنا: نعم؛ وقد اختلف الصحابة ﵃؛ فما الذي جعل قول بعضهم أولى من قول بعض بلا برهان؟!).
قال (٢): (وصحَّ عن عائشة وأم سلمة ــ أمَّيِ المؤمنين ــ.
وعن ابن عمر أنه جعل في قول ليلى بنت العجماء: كل مملوكٍ لها حر وكل مالٍ لها هدي وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق امرأتك كفارةَ يمين واحدة، وعن عائشة ــ أم المؤمنين ــ ﵂ أنها قالت فيمن قال في يمينٍ: مالي ضرائب في سبيل الله، أو قال: مالي كله في رتاج الكعبة: كفارة يمين.
وعن أم سلمة وعائشة ــ أمي المؤمنين ــ فيمن قال: عليَّ المشيُ إلى بيت الله إن لم يكن كذا: كفارة يمين، من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أشعث الحمراني، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع عنهما.
وَرُوِّينَا عن جابر بن عبد الله: النذر كفارته كفارة يمين.
وعن ابن عباس مثل هذا.
وعن [عمر بن الخطاب] (٣) نحوه.
стр. 278
وعن عكرمة والحسن فيمن قال: مالي كله في رتاج الكعبة: كفارة يمين).
قال (١): (وصحَّ عن طاووس وعطاء؛ أما طاووس فقال: الحلف بالعتاق ومالي هدي وكل شيء لي في سبيل الله وهذا النحو: كفارة يمين، وأما عطاء فقال: فيمن قال عليَّ [ألف] (٢) بدنة أو قال عليَّ ألف حجة أو قال مالي هدي أو قال مالي في المساكين: كل ذلك يمين).
قال (٣): (وهو قول قتادة، وسليمان بن يسار، وسالم بن عبد الله بن عمر.
قال أبو محمد: كل هذا خلافٌ لقول أبي حنيفة ومالك والشافعي، لأنَّ الشافعي أخرج من ذلك العتق المعين) (٤).
فهذا ابن حزم يعترف بصحة النقل عن الصحابة والتابعين فيمن قال: إن فعل فكل مملوك لي فهو حر بإفتائه بكفارة يمين، وأثبت ذلك عن ابن عمر ــ في حديث ليلى بنت العجماء ــ وعن عائشة وأم سلمة، ثم أعاده عن أم سلمة وعائشة من طريق أشعث [٥٦/ أ] عن بكر، ولكنه ادعى أن زينب وحفصة أفتيا بسقوط الكفارة حيث لم يكن ذلك مذكورًا في رواية معتمر عن أبيه، كما لم يذكرها عارم عن معتمر، ولا ذكرها عبد الرزاق، فيما ذكره ابن حزم.
стр. 279
وأما ابن عبد البر فذكر أَنَّ في رواية عبد الرزاق (١) عن معتمر: ذكر الكفارة عن الثلاثة، ولذلك لم يذكره يحيى بن سعيد من رواية التيمي، وضم إلى ذلك رواية عائشة.
فقال: ليس في الحديث أنهما أسقطتا الكفارة، وإنما في الحديث عدم ذكرها، وقد جاء ذكرها من طريق آخر، وأَنَّ الثلاثة أفتوها بكفارة يمين، بل وفي غير هذا الطريق أَنَّ غير هؤلاء الثلاثة من الصحابة كعائشة وأم سلمة [وابن عمر] (٢) أفتوها بكفارة يمين (٣).
قال البخاري في تاريخه ــ ونقله منه أبو بكر البيهقي ــ: (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إياس بن أبي تميمة ــ أبو مخلد صاحب البصريين (٤) ــ، حدثنا عبدالرحمن بن أبي رافع، عن أبيه أنه كان مملوكًا لابنة عم عمر بن الخطاب، فحلفت أَنَّ مالها في المساكين صدقة، فقال ابن عمر: كَفِّرِي يمينك) (٥).
قال: (وحدثني محمود، عن النضر، أخبرنا أشعث، عن بكر بن عبد الله،
стр. 280
عن أبي رافع، عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة قالوا: تكفر يمينها) (١).
وقال: (حدثنا حجاج، عن حماد، عن علي بن زيد (٢)، عن أبي رافع، عن زينب ــ امرأة من المهاجرات ــ وعبد الله بن عمر وحفصة بنت عمر نحوه (٣).
وعن حماد، عن ثابت، عن أبي رافع [نحوه] (٤).
وعن حماد، عن حميد، عن بكر بن عبد الله، عن أبي رافع نحوه) (٥).
ولفظ البخاري ــ فيما عندنا من تاريخه الكبير (٦) ــ: (قال موسى، حدثنا إياس بن أبي تميمة، حدثني عبد الرحمن بن أبي رافع، عن أبيه أنه كان مملوكًا لابنة عم عمر بن الخطاب [فحلفت أنَّ مالها في المساكين صدقة] (٧)، فقال ابن عمر: كَفِّرِي يمينك.
وقال: حجاج: حدثنا حماد، عن علي بن زيد (٨)، عن أبي رافع أَنَّ ليلى
стр. 281
حلفت فأتت (١) زينب من المهاجرات، وقالت حفصة بنت عمر وعبد الله بن عمر: كفري يمينك.
وعن ثابت، عن أبي رافع نحوه.
وقال محمود: حدثنا النضر، حدثنا أشعث، عن بكر بن عبد الله، عن أبي رافع حلفت مولاةُ أبي رافع فسألت عائشة وأم سلمة وابن عمر فأمروها أن تكفر.
وقال إسحاق: عن معتمر، عن أبيه، عن بكر، عن أبي رافع [قال: حلفت] (٢) مولاتي ليلى بنت [العجماء] (٣) فأتت زينب بنت أم سلمة ــ وكانت ذات فقه بالمدينة ــ، فقالت: كَفِّرِي، وقال ابن عمر: كَفِّرِي) (٤).
فهذه ثلاث طرق عن حفصة وزينب أنهما قالتا: تكفِّر، وفيها طريق حماد، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع؛ وهي طريق صحيحة، وطريقان متابعة لبكر؛ أحدهما: طريق حماد، عن ثابت، عن أبي رافع وهي طريق صحيحة، وحديث حماد بن سلمة عن ثابت البناني من أصح الحديث، وثابت ثابت مثل بكر بن عبد الله، وقد وافقا عليَّ بن زيد عن أبي رافع؛ قالوا ثلاثتهم: عن أبي رافع أنهم قالوا مثلما في حديث أشعث: تُكَفِّر يمينها؛ كما في رواية ابن أبي رافع عن أبيه ذكر ابن عمر وحده أنه قال: كفري يمينك،
стр. 282
وفي رواية أشعث: عن بكر عن أبي رافع أنَّ ابن عمر وعائشة وأم سلمة قالوا: كفري يمينك.
وهذه الطرق التي ذكرها البخاري لم يستوعبها غيره كما استوعبها، ومع هذا فلم يذكر حديث معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه، ولم يذكر غير الصدقة، لأنه اختصرها ومقصوده ذكر الرجال، ومع هذا فلم يذكر اختلافًا عنهم في ذكر الكفارة، بل جعل رواية المُشَبَّهِ كرواية المشبَّهِ به أنهم قالوا: كفِّري يمينك.
وقال أبو عمر بن عبد البر (١): (وروى ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن حميد الطويل، عن ثابت البناني وبكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع ــ وكان أبو رافع عبدًا لليلى بنت العجماء، ابنة عمةٍ لعمر بن الخطاب ــ: أَنَّ سيدته قالت: مالها هدي، وكل شيء لها في رتاج الكعبة، وهي مُحْرِمَةٌ بحجة، وهي يومًا يهودية ويومًا نصرانية ويومًا مجوسية إِنْ لم تطلق امرأتك، فانطلقتْ إلى حفصة زوج رسول الله ﷺ ، ثم إلى زينب بنت أم (٢) سلمة، ثم إلى عبد الله بن عمر؛ وكلهم يقول: كَفِّرِي عن يمينك، وخَلِّي (٣) بين الرجل وامرأته.
قال أبو عمر: ليس في رواية ابن وهب لهذا الخبر: وكل مملوك لها حر، وهو من رواية سليمان التيمي وأشعث الحمراني عن بكر بن عبد الله
стр. 283
المزني في هذا الحديث.
قال: وفي رواية أشعث في هذا الحديث: ابن عباس وأبو هريرة [وابن عمر] (١) وحفصة وعائشة وأم سلمة، وإنما [٥٧/ أ] هي زينب بنت أم سلمة) (٢).
فهذه عن ثابت البناني وبكر جميعًا، وفيها أن الثلاثة يقولون (٣) لها: (كَفِّرِي عن يمينك، وَخَلِّي بين الرجل وامرأته)، وكذلك أشعث وغيره ذكروا قول الثلاثة لها: (كَفِّرِي عن يمينك، وَخَلِّي (٤) بين الرجل وامرأته) مع ذكرهم العتق.
ورواه الأوزاعي: حدثنا جسر بن الحسن، حدثني بكر بن عبد الله المزني، حدثني رُفيع (٥) قال: كنتُ أنا وامرأتي مملوكين لامرأة من الأنصار، فَحَلَفَتْ بالهدي والعتاق أَنْ تُفَرِّقَ بيننا، فأتيت امرأة من أزواج النبي ﷺ فذكرت لها، فأرسلت إليها أَنْ كَفِّرِي يمينك، فَأَبَتْ، ثم أتيتُ زينب ابنةَ (٦) أم سلمة فذكرت ذلك لها، فأرسَلَت إليها أَنْ كَفِّرِي يمينك فَأَبَتْ، فأتيت ابن عمر فذكر ذلك له فأرسل إليها أَنْ كَفِّرِي يمينك فَأَبَتْ، فقام ابن عمر فأتاها،
стр. 284
فقال: أرسلتْ [إليكِ] (١) فلانة زوج النبي ﷺ وزينب أَنْ تكفري يمينك فأبيتِ؟! قالت: يا أبا عبد الرحمن حلفتُ بالهدي والعتاقة. قال: وإِنْ كُنْتِ حَلَفْتِ [بهما].
وقد رواه أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجُوزجاني (٢) في كتاب (المترجَم) له (٣) ــ الذي شرح فيه مسائل إسماعيل بن سعيد الشالنجي (٤)(٥)
стр. 285
عن أحمد بن حنبل ــ وسليمان بن داود الهاشمي (١)
وابن أبي شيبة. ففي هذه الطرق كلها أَنَّ الثلاثة أفتوها بكفارة (٢).
ورواه الدارقطني (٣) ــ ومن طريقه البيهقي (٤) ــ: (٥) عن أبي بكر النيسابوري، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا أشعث، حدثنا بكر بن عبد الله، عن أبي رافع أَنَّ مولاته أرادت أَنْ تُفَرِّقَ بينه وبين امرأته، فقالت: هي يومًا يهودية ويومًا (٦) نصرانية وكل مملوك لها حر وكل مال لها في سبيل الله وعليها المشي إلى بيت الله إِنْ لم تُفَرِّق بينهما، فسألت عائشة وابن عمر وابن عباس وحفصة وأم سلمة