← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 32384

الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق

ابن تيمية

Полный текст (1 081 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ورَوح بن عبادة. ورواية جسر بن الحسن رواها عنه: الأوزاعي؛ وهؤلاء أئمة من أَجَلِّ حملةِ العلم وأوعيته، وغيرُ هؤلاء لم ينفها أحدٌ منهم، ولكن لم يذكرها حميد الطويل، ولا ذكرها غَالِبٌ عن بكر فيما بلغنا (١)، ولا ذكر المعترض طريقًا فيها ذكر لفظ التيمي بأشياء متعددة إلا عدة الطرق. وأما البخاري ﵀ فهو في تاريخه (٢) اختصر الروايات لم يسقها بألفاظها؛ فإنَّ مقصوده ذكر الرجال الذين رووا هذا الأثر، لم يكن مقصوده ذكر لفظه؛ ولهذا لم يذكر في لفظه إلا الحلف بصدقة المال؛ فإن النزاع في الحلف بصدقة المال أكثر وأشهر من النزاع في جميع صور التعليقات، ولهذا كان للعلماء فيه أقوال كثيرة. قيل: بلزوم جميع المال، وقيل: المال الزكوي، وقيل: ثلث المال، وقيل: ربع عشر المال (٣). وإذا كان كذلك؛ فقول القائل: (إنَّ جانب الإسقاط يرجح بعدد راويه (٤))؛ إنما يصح إذا ثبت أن الذين لم يذكروا هذه الزيادة أكثر، وهذه دعوى مجردة.

стр. 317

فإنْ قيل: هو كتب هذا لما وقف على الجواب [٦٥/ أ] المختصر الذي كان المجيب ذكره أولًا، وليس فيه إلا متابعة جَسر بن الحسن للتيمي. فيقال: هب أنَّ الأمر كذلك؛ فهذان إمامان أثبتا الزيادة ولم يذكرها حميد وبكر، فمن أين علم أنَّ من لم يذكرها أكثر؟ وأحمد لم يكن بلغه أنه ذكرها إلا التيمي، وقد بلغه رواية حميد وغالب ولم يذكراها. فقال: وأما حميد وغيره فلم يذكروا العتق؛ فأحمد تعارض عنده كثرة العدد مع جلالة سليمان فناسبه أن يقف، وأما من علم أن غير (١) سليمان تابعه فلا يجوز له أن يسلك هذا المسلك؛ فكيف وقد تابعه اثنان؟ (٢) الوجه السادس: أنه لو سُلِّمَ أنه لم يُثْبِتِ الزيادة إلا سليمان التيمي، فالباقون لم ينفوها البتة، فلو نفوها لكان هذا تعارضًا (٣) يوجب ترجيح أحدهما، ثم قد يقال: المثبت مقدم على النافي، والتيمي أَجَلُّ وأثبت ممن خالفه، لكن أولئك لم يخالفوا التيمي، فإنَّ عدم الذكر ليس ذكرًا للعدم، ومثل هذا موجود في عامة الأحاديث يذكر أحد المحدثين من الزيادة ما لا يذكره الآخر مع اتفاق أهل العلم بالحديث والفقه على إثبات تلك الزيادة، ومثل هذا لا يحصى. وقد تنازع العلماء في الزيادة من الثقة إذا لم يخالف المزيد إذا كان

стр. 318

الذين تركوها أكثر مع التساوي في الحفظ؛ وفيه قولان لأصحاب أحمد وغيرهم، ويذكر روايتان عن أحمد (١). وأما إذا خالفت المزيد فهذا مقام تعارض، مثل: أن يذكر أحدُهما أَنَّ النبي ﷺ هو المسؤول المجيب، ويذكر الآخر أَنَّ المسؤول المجيب هو ابن عباس في قصة واحدة؛ فهذا تعارض وليس هذا بزيادة لا تُناقِضُ المزيد؛ كما في حديث القلتين: روى بعضهم عن ابن عمر أن النبي ﷺ سئل عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» (٢)، وروى بعضهم أن ابن عمر هو الذي سئل وأجاب بهذا الجواب (٣)؛ فإذا كانت القصة واحدة فهذا تعارض. وأما إذا ذكر بعضهم زيادة حفظها (٤) لم يذكرها غيره= فهذا ليس

стр. 319

بتعارض، ولكن متى كان التاركون لها أكثر صار هذا علة توجب اختلاف العلماء في قبول هذه الزيادة. مثال [٦٥/ ب] ذلك في هذا الأثر: أن في عامة رواياته أَنَّ المسؤول هو: ابن عمر وحفصة وزينب بنت أم سلمة، ولم يذكر أم سلمة وعائشة إلا أشعث عن (١) بكر بن عبد الله، وفي بعضها عن بكر (٢) أشعث ذكر ابن عباس ــ أيضًا ــ مع عائشة وأم سلمة، وقال غالب عن بكر: أن المسؤول أم سلمة وابن عمر، وأما سليمان التيمي وجسر بن الحسن وحميد فلم يذكروا إلا الثلاثة. فمن يطلق القول بأن الزيادة من الثقة مقبولة ولا ينظر إلى العدد والإتقان فجعل هذا فتيا سبعة من الصحابة ابن عمر وابن عباس (٣) وثلاثة من أمهات المؤمنين عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب ربيبة النبي ﷺ . وأما من ينظر نظرًا خاصًا في عدد الذاكر والتارك وإتقانهم، فإنه يجزم بأن في المسؤولين ابن عمر وحفصة وزينب ربيبة رسول الله ﷺ ، ثم قد يقول: أشعث وحده لا يقاوم في العدد والحفظ هؤلاء الذين لم يذكروا إلا هؤلاء الثلاثة مثل: التيمي وجسر بن الحسن وغالب، وقد يقول: إنَّ غالبًا اشتبه عليه أم سلمة بابنة أم سلمة وغيره أحفظ منه؛ يبيِّن أن المسؤولة هي زينب بنت أم سلمة لا أم سلمة.

стр. 320

قيل: هذا ترجيح قول ابن عبد البر على قول ابن حزم وغيره ممن جعل المسؤولة هي زينب فقط، وأما آخرون مثل: محمد بن نصر وابن حزم وابن المنذر ونحوهم فيثبتون هذا كله، ويقولون هذه زيادة من الثقة فتكون مقبولة، وفي هذا نزاع مشهور، وفيه لأصحاب أحمد وغيره قولان، وقد تختلف ــ أيضًا ــ باختلاف القضايا فقد يُعلم من حفظ الرجل وإتقانه في قصةٍ ما لا يعلم من حفظ غيره وإتقانه فيها. والمقصود: أنَّ ما ذكره من الترجيح بالعدد يذكره العلماء في مثل هذا، ويرجح جانب الإسقاط بأن الذين لم يذكروا إلا الثلاثة أحفظ وأتقن من أشعث، وإن كان أشعث أفقه منهم؛ فالفقيه ضبطُهُ لمعاني الخبر أعظمُ من ضبطه لرواته، بخلاف المحدث فإنه يضبط أسماء الرواة أكثر مما يضبط معانيه، وذلك بحسب المواضع. ولهذا لما كان مقصود (١) البخاري في تاريخه ذكر من رواه لم يتعرض لذكر ألفاظه، بل ذكر [٦٦/ أ] طرقه وذكر منها ما لم يذكره غيره. وأما ذكر العتق؛ فسليمان التيمي أجل قدرًا وأفقه وأحفظ ممن لم يذكره، وقد تابعه أشعث وجسر بن الحسن، وترك ذكره حميد وبكر؛ فلو قُدِّرَ التعارض بالإثبات والنفي بين سليمان وحميد، فأثبت سليمان ما نفاه حميد، لرجحت رواية سليمان بلا ريب، ثم أشعث وجسر أرجح من غالب؛ فكيف إذا لم يتعارضا؟ بل ليس فيه إلا زيادة لم ينفها الآخر. ومما يبين ذلك: أنَّ ألفاظ اليمين المذكورة في هذه القضية يَذكر فيها

стр. 321

هذا ما لا يذكره هذا، وهي قصة ثابتة بلا ريب. ففي حديث سليمان التيمي: هي يهودية وهي نصرانية وكل مملوك لها محرر وكل مال لها هدي إن لم تطلق امرأته. وفي حديث أشعث: هي يومًا يهودية ويومًا نصرانية وكل مملوك لها حر وكل مالٍ لها في سبيل الله وعليها المشي إلى بيت الله إن لم تفرق بينهما. وفي حديث غالب عن بكر: كل مالها في رتاج الكعبة وهي يومًا يهودية ويومًا نصرانية ويومًا مجوسية إنْ لم تفرق بينك وبين امرأتك. وفي حديث حميد الطويل عن ثابت وبكر: مالها وكل شيء لها في رتاج الكعبة وهي محرمة بحجة وهي يومًا يهودية ويومًا نصرانية ويومًا مجوسية إن لم تطلق امرأتك. وفي حديث جسر: أنها حلفت بالهدي وبالعتاقة لم يذكر غير ذلك. والبخاري لم يذكر إلا الحلف بالصدقة بقولها (١): مالي في المساكين صدقة (٢). ولا ريب أنَّ بعض هؤلاء الرواة روى بالمعنى، وبعضهم اقتصر على بعض ما ذكر، وقد يذكر أحدهم لفظًا بدل لفظ لاعتقادهم أنَّ معناهما سواء، وقد يكون نسي اللفظ فرواه بالمعنى الذي فهمه حين سمع؛ وهذا كقول بعضهم: عليَّ المشي، وقول الآخر (٣): وأنا محرمة؛ فإنَّ كلاهما حالف

стр. 322

بالحج، وقول بعضهم: مالها هدي، وقول بعضهم: في رتاج الكعبة، ومالها في سبيل الله، ومالها في المساكين صدقة؛ فإنَّ هذا كله حلف. فإخراج المال والحلف بالكُفْر ذكره أكثرهم، [والغضبان] (١) يَحلف عند الغضب بهذا كله وبأكثر منه وبأقل منه، وهو كله حلف يتعلق [٦٦/ ب] بقصده اليمين، ولهذا تجد من يذكر مثل هذا يذكر مثالًا أو مثالين، ثم يقول: ونحو ذلك أو أشباه ذلك؛ كما قال طاووس. قال ابن حزم (٢): (وصح عن طاووس أنه قال: الحلف بالعتاق ومالي هدي وكل شيء لي في سبيل الله وهذا النحو: كفارة يمين). وأما ما ذكره (٣) من فتيا ابن عمر المعارِضة لهذا في حديث عثمان بن حاضر (٤)؛ فيقال: تلك الرواية إما أن تكون ثابتة أو غير ثابتة؛ فإن لم تكن ثابتة فلا حجة فيها، وإن كانت ثابتة فليس فيها إلا التسوية بين الحلف بالعتق وغيره من لزوم المعلَّق الذي ألزمه نفسه، ليس فيه التفريق بين العتق وغيره؛ فمن نقل عن ابن عمر أو غيره من الصحابة أنه فرق بين الحلف بالعتق وغيره بمثل هذا= فقد كذب عليهم، مع تصريحهم بالتسوية بينه وبين غيره إما في لزوم الجميع وإما في تكفير الجميع، ولم ينقل أَحَدٌ لا عن ابن عمر ولا عن غيره من الصحابة أنه قال: العتق يَلزم والنذر يجزئ فيه كفارة يمين، ولا قالوا

стр. 323

أيضًا: أن الطلاق والعتاق يلزم، وفي الباقي يجزئ كفارة يمين؛ فكل من هذين القولين لم ينقل عن الصحابة بإسناد، واستثناء الطلاق وحده لم ينقل عن أحد من السلف لا بسندٍ (١) صحيح ولا ضعيف، وأما استثناء الطلاق والعتاق فهو منقول عن بعض التابعين، كما نُقِلَ عن الحسن في رواية مع اختلافٍ عنه في ذلك (٢). وأما نقل ذلك عن عائشة؛ فباطل لم يعرف أن أحدًا نقله بإسناد لا صحيح ولا ضعيف، بل المروي عنها بالإسناد نقيض ذلك، فقد روي أنها أحد المفتين في حديث ليلى بنت العجماء وفيها ذكر العتق. وإذا كان كذلك؛ فنحن لم نذكر قول أحد من الصحابة والتابعين والعلماء للاحتجاج به، بل قصدنا ذكر مذاهب المسلمين في هذه المسألة، وقد تبين أن النزاع في العتق ثابت عن غير واحد من الصحابة والتابعين، وأنَّ هذا مما يَنقله عامة أهل العلم الناقلين لمذاهب السلف، منهم من وافقه ومنهم من خالفه، وأنهم جزموا بصحة ذلك عنهم، وأن الإسناد الذي فيه هذا النقل من أصح الأسانيد التي يروى بها العلم، ورجالُها من أعلى رجال الصحيحين [٦٧/ أ] وأثبتهم نقلًا، وأن الحجة فيه مع من أثبت العتق. وإذا قُدِّرَ أَنَّ ابن عمر وغيره أفتوا مرة أخرى، بأن (٣) مثل هذه الحالفة يلزمها ما حلفت به من عتق وهدي وصدقة وحج؛ فغاية هذا: أن تكون المسألة في

стр. 324

الصحابة على القولين، والاختلاف المذكور هو عن ابن عمر، وأما حفصة وزينب فلم يختلف عنهما (١) في ذلك؛ فلا يَنقل أحد عن الصحابة بإسناد مقبول أن ذلك يلزم إلا ونقل عنه بالإسناد الذي هو أثبت منه أنه لا يلزم بل تجزئ فيه كفارة يمين. وابن حزم وموافقوه يَدَّعون أَنَّ للصحابة فيها قولًا ثالثًا، وهو: أنه لا يلزم ولا كفارة يمين، وابن حزم يجعل فيها للصحابة ثلاثة أقوال، وأَنَّ مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي لا يوافق واحدًا منها؛ فمذهب أحمد كمذهب الشافعي، وأما أصحاب الشافعي وأحمد فلا يجعلون للصحابة في ذلك إلا قولًا واحدًا وهو التكفير إلا في العتق، وهم لم ينقلوا عنهم في العتق قولًا بالفرق بينه وبين غيره، بل هذا القول المنقول عنهم يقتضي لزوم جميع ما حَلَفَ به، ولكن فيه أن في المال زكاته، وهذا لو وافق لم يوافق إلا قول من يلزم الحالف ما حلف به، كما يقوله مالك وأبو حنيفة في الرواية المشهورة المتقدمة عنه، لكن هما لا يقولان بربع العشر، فلم يكن عن الصحابة حجة لأحد ممن يقول باللزوم، ولا من يقول بالفرق بين الطلاق والعتاق وغيرهما، وأما الفرق بين الطلاق وغيره فلم يُنْقَل عن أحدٍ من المسلمين قبل أبي ثور لا بإسناد صحيح ولا ضعيف. * * * *

стр. 325

فصلٌ قال: (قال ــ يعني: المروذي ــ: وسألتُ أبا عبد الله عن حديث أبي رافع قصة امرأته وأنها سألت ابن عمر وحفصة فأمروها بكفارة يمين. قلت: فيها المشي؟ (١) قال: نعم؛ أَذهبُ إلى أن فيه كفارة يمين. قال أبو عبد الله: ليس يقول فيه (كل مملوك) إلا التيمي. قلتُ: فإذا حلف بعتق مملوكه [فحنث] (٢). قال: يعتق؛ كذا روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: الجارية تعتق. ثم قال: ما سمعناه إلا من عبد الرزاق عن معمر. قلتُ: فأيُّ شيءٍ إسناده. [٦٧/ ب] قال: معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن عثمان بن حاضر، عن ابن عمر وابن عباس. وقال إسماعيل بن أمية وأيوب بن موسى، وهما مكيان (٣).

стр. 326

قلتُ: هذا الأثر المعارض للأثر الأول في فتيا ابن عمر، وهو مما يرجح جانب الإسقاط ــ كما تقدم ــ، وقد عَلَّلَهُ المصنف بعد ذلك بورقتين بأنَّ الأثر الأول أثبت، ورجاله من أئمة العلم والفقهاء الذين يعلمون ما يروون، وهذا الأثر فيه غربة (١) ولم يثبت (٢) لنا لفظه؛ فإنْ صَحَّ كان في ذلك نزاع بين الصحابة) (٣). والجواب: أن الإمام أحمد قد أثبت (٤) أن في حديث ليلى بنت العجماء المشي إلى مكة. قال المَرُّوذي: سألت أبا عبد الله عن حديث أبي رافع قصة امرأته وأنها سألت ابن عمر وحفصة فأمروها بكفارة يمين. قلت: فيها المشي؟ قال: نعم؛ أَذهبُ إلى أن فيه كفارة يمين. قال أبو عبد الله: ليس يقول فيه: (كل مملوك لي حر) إلا التيمي إلى آخره. والمشي هو مذكور في حديث أشعث، وفيه ذكر قوله: (كل مملوك لها حر) ولم أقف على طريقٍ فيها ذكر المشي دون العتق لكن الطرق كثيرة،

стр. 327

ومعلومٌ أنَّ الذين تركوا ذكر المشي أكثر بكثير ممن ذكره؛ فكيف يجوز إثبات هذا في الحديث مع أَنَّ أكثر الرواة لم يذكره ولا يثبت العتق والذين ذكروه أثبت وأكثر ممن ذكر العتق؟! لكنَّ أحمد لم يبلغه إلا طريق التيمي. * * * *

стр. 328

فصلٌ وأما قوله: (إنما يتم ترجيح الأثر الأول على هذا بجلالة رواته وشهرته لو سَلِمَ من الاختلاف، أما إذا لم يسلم فيصلح هذا ــ مع ثقة (١) رجاله ــ مرجِّحًا لأحد وجهي الاختلاف في الأثر الأول) (٢). فالجواب: بعد أَنْ يقال أَثَرُ ليلى لم يختلف الرواة فيه ، فلم ينف أحدهما العتق مع إثبات الآخر له، بل سكت عن ذكره، وليس هذا باختلاف، بل هذا باتفاق العلماء يُستدل به، إذ لو كان اختلافًا لكان اختلافًا في كل موضع، ولكن هذا قد يورث رِيْبَةً قد يظن أَنَّ ذاكر الزيادة غلط؛ كالشاهدين إذا شهد أحدهما بعشرة آلاف وشهد الآخر بعشرة آلاف وخمسمائة. [٦٨/ أ] ثم الريبة يُبحث عنها؛ فإنْ لم يظهر قدحها في (٣) الدليل لم يلتفت إليها، وقد تبين أنها لا تقدح في الدليل من أوجه: أحدها: أَنَّ أثر عثمان لم يُفَرَّق فيه بين العتق وغيره، بل سَوَّى بين الجميع في اللزوم؛ فهو لا يعارض رواية من ذكر العتق وحده، بل يعارض رواية الجميع الذين نقلوا عن ابن عمر وغيره من الصحابة أنهم أفتوا بكفارة يمين في صورة من الصور، وكذلك ابن عباس ثبت عنه أنه أفتى بكفارة يمين

стр. 329

في غير حديث ليلى بنت العجماء. فقد ثبت بالطرق الراجحة على طريق عثمان باتفاق أهل العلم أَنَّ الصحابة أفتوا في الحلف بالتعليق الذي يقصد به اليمين بكفارة يمين، وفي حديث عثمان بن حاضر أفتوا باللزوم؛ وحينئذٍ فلا يختلف أحدٌ من أهل العلم في وجوب تقديم تلك الروايات الثابتة على رواية عثمان بن حاضر، فإنه لا يعارض أولئك. ولكن لو كان في حديث عثمان أنهم فَرَّقُوا بين العتق وغيره= لكان هذا يعارض رواية من روى أنهم أفتوا في العتق وغيره بكفارة يمين، ولكن رواية عثمان خالفت جميع الروايات الثابتة عن الصحابة، ولهذا طعن فيها أكثر أصحاب الشافعي وأحمد؛ كالشيخ أبي حامد والقاضي أبي يعلى وغيرهما وقالوا: لم يثبت عن الصحابة في ذلك خلاف. الوجه الثاني: أَنَّ حديث ابن حاضر قد اختلفت ألفاظه أكثر مما اختلفت ألفاظ حديث ليلى بنت العجماء؛ وسيأتي ذكر ذلك. الوجه الثالث: أَنَّ حديث ليلى بنت العجماء تلقاه العلماء بالقبول والتصديق، لا يعرف أحد من العلماء طعن فيه وضعفه، بل جميع أهل العلم بالحديث والفقه الموافقين له والمخالفين له يصدقونه، وأما حديث عثمان بن حاضر فقد طعن فيه كثير من العلماء، لا سيما من أصحاب الشافعي وأحمد. الوجه الرابع: أَنَّ هذا الأثر مما انعقد الإجماع على خلافه بعد ربيعة (١)،

стр. 330

فلا يعرف في أهل العلم من يفتي بموجبه، بخلاف الأول فإنه لم يزل في الإسلام من يفتي بموجبه، والكتاب والسنة والقياس الجلي يدل على هذا، وذاك لا يدل على ما فيه دليل صحيح. الوجه الخامس: أن هذا إذا ثبت إنما يصلح لمعارضة ما روي (١) [٦٨/ ب] عن ابن عمر، أو ابن عمر وابن عباس، وأما ما روي عن حفصة وزينب وغيرهما من الصحابة فلم ينقل عن هؤلاء ما يناقض هذه الرواية. وحينئذٍ؛ فلو قُدِّرَ أنَّ ابن عمر وابن عباس لم يَختلف قولهما بلزوم ما يحلف به لم يرفع ذلك خلاف غيرهما (٢). والمقصود: إثباتُ النزاعِ في الحلف بالعتق، فإنَّا لم نَدَّعِ إجماعًا فيه، وإذا ثبت النزاع على كل تقدير= حصل المطلوب. * * * *

стр. 331

فصلٌ قال المعترض: (وقوله: (فإنْ صَحَّ كان في ذلك نزاع بين الصحابة)، إنما يثبت (١) النزاع بين الصحابة بِأَنْ يثبت كُلٌّ من الأثرين (٢) ولا علة فيه، أما مع التعليل فيحتمل أنْ يكونا صحيحين أو الأول وحده أو الثاني وحده؛ وعلى هذين التقديرين= لا يثبت النزاع، ونحن يكفينا الاحتمال) (٣). والجواب: أنَّ هذا كلام فاسدٌ لفظًا ومعنىً، صورةً ومادةً، فلا مقدمات صحيحة ولا نظر صحيح! أما فساده صورة ولفظًا؛ فيقال: إنَّ المجيب قال: (إنْ صحَّ كان في ذلك نزاعٌ بين الصحابة ﵃) فلم يذكر النزاع إلا على تقدير صحة هذا، لأنه قد بَيَّنَ صحة الآخر؛ فالاعتراض على هذا أنْ يُقالَ: لا نُسلِّم أنه بتقدير صحته ثبت النزاع، لأنه إنما يثبت إذا صحَّ حديث ليلى بنت العجماء، وهو (٤) لم يصح أو لا نسلم صحته. وأما أَنْ يقال: على هذين التقديرين لا يثبت النزاع؛ فالمجيب لم يثبت النزاع إلا على تقدير صحة حديث ابن حاضر، لأنه تبيَّنَ صحة الآخر فلم

стр. 332

يثبت النزاع إلا على تقدير صحتهما (١)، فلا حاجة إلى قوله: إنما يثبت النزاع عن الصحابة بأن يثبت كل من الأمرين ولا علةَ فيه. ثم تناقض فقال: (أما مع التعليل فيحتمل أن يكونا صحيحين). فيقال له: وإذا كانا صحيحين فقد ثبت النزاع وإن كان فيهما علة غير قادحة، لأنَّ العلة مع الصحة لا تكون قادحة فيه؛ فكيف في حديث فيه علة لا تقدح في صحته بل قد عُرِفَ ضعفها أو بطلانها؟ وإذا كان بتقدير صحتهما فقد ثبت النزاع بين الصحابة سواء كان فيهما علة أو لم يكن فقوله: لا يثبت النزاع بين الصحابة إلا إِنْ ثبت كل منهما ولا علة فيه = كلامٌ باطل. [٦٩/ أ] وأما قوله: (ونحن يكفينا الاحتمال). فيقال له: الاحتمال المرجوح لا يقدح في الأدلة الشرعية، ولو جاز أن يكون مجرد هذا قادحًا = لم يُحَتَجَّ بالعموم ولا خبر الواحد ولا القياس. وإنما القادح هو: الاحتمال المقاوم، فإذا بَيَّنَ المعترض أن ما ذكر يحتمل أن يكون كما ذكره المستدل، ويحتمل أن يكون بخلاف ذلك؛ احتمالين متساويين= وُقِفَت دلالته، وإنْ بَيَّنَ أن احتمال الخلاف أظهر= بطلت دلالته. ثم يقال: مثل هذا الكلام يقوله مَن يحتج بمن (٢) نقل الإجماع مع العلم بأنه لا علم له بِنَفْي النزاع، وأنه قد نقل إجماعًا غير هذا وظهر فيه نزاعٌ (٣) لم يطلع عليه، وأنه يحتمل أن يكون فيها نزاع لم يطلع عليه، وهذا احتمال لا

стр. 333

سبيل إلى العلم بنفيه؛ ومجرد الاحتمال كافٍ في منع الجزم بالإجماع، وإن ادَّعى أن ظن الإجماع كافٍ وهو حاصل قِبَل (١) أبي ثور وأمثاله. قيل: وظن صحة خبر ليلى بنت العجماء وذكر العتق فيه كاف وهو حاصلُ بعضِ ما ذكرناه. وأما فساده من جهة المعنى ومادة الدليل؛ فيقال له: خبر عثمان بن حاضر إنْ كان صحيحًا فهو مخالف قطعًا لما ثبت عن الصحابة من الكفارة في الحلف بالنذر والحلف بالعتق، والنزاع في ذلك ثابت عن الصحابة بخبر ليلى وخبر غير ليلى؛ فإنَّ خبر عثمان يُسَوِّي بين العتق وغيره لا يُفرق بينهما. وأيضًا؛ فإنه ليس فيه خلاف عن كل مَن ذُكِرَ في خبر ليلى وإنما فيه خلاف عن ابن عمر؛ وأما حفصة وزينب فلم ينقل عنهما خلافُ ما في خبر ليلى. وحينئذٍ؛ فلا يجوز دفع ما فيه نَقْلٌ عن حفصة وزينب بما نُقِلَ عن غيرهما، بل إذا صح ما نُقِلَ عن غيرهما كان في ذلك نزاع بينهما وبين ما نقل عنهما، ولم يكن ما نقل عن غيرهما مُضَعِّفًا لما نقل عنهما. وحينئذٍ؛ فلا يجوز أَنْ يُعَارَضَ بأثرِ عثمان ما نُقِلَ عن حفصة وزينب، وقد عُرِفَ أَنَّ ذاك نَقَلَهُ الثقات ولم يعارضه (٢) شيء؛ فإن كان أثر عثمان صحيحًا فغايته أَنْ يُثْبِتَ النزاعَ بين الصحابة ﵃. * * * *

стр. 334

فصلٌ قال: (وقوله: (ولم يثبت لنا [لفظه] (١))؛ عجيبٌ لأمرين: أحدهما: أنه إنما يحسن ذلك لو كان عنده في بعض (٢) [٦٩/ ب] ألفاظ الحلف يحكم بالوقوع، فكان ينزل (٣) الأثر على ذلك اللفظ، كما ذلك عندنا وعند أرباب المذاهب المشهورة كما ستعرفه؛ أما إذا كان الحلف عنده بكل لفظ غير موقع، فلا فائدة في معرفته اللفظ الذي حكم فيه ابن عمر وابن عباس بالوقوع) (٤). والجواب من وجوه: أحدها: أَنَّ الأمر ليس كما ادعاه؛ فإنَّ صيغ التعليق التي تتضمن الحض والمنع منها ما هو إيقاع لم يقل أَحَدٌ أنه يمين مُكَفَّرَة، بل فيه نزاع هل يقع به الطلاق أو لا يقع؟ ولم يقل أحد أَنَّ فيه يمينًا. ومنها ما هو يمين فيه الأقوال الثلاثة؛ وذلك لا يكون إلا إذا كان الجزاء مما يَكره المعلِّق وقوعه [فَعَبَّرَ به لفظة تفيد انتفاء دلالته] (٥) من وجوه أخرى

стр. 335

غير هذا؛ كما قد بينا ذلك لمَّا وَقَفْنَا بعد ذلك على لفظه، وبَيَّنَّا أنه ليس فيه حجة لمن فَرَّقَ بين العتق والطلاق وغيرهما؛ بل فيه ما يدل على أَنَّ قائل ذلك مخالفٌ لجميع ما نُقِلَ عن الصحابة في النفي والإثبات؛ فكان لفظه حجة للمجيب لا عليه. والمجيب كتب هذا الجواب المختصر أولًا في قعدةٍ واحدة، ولم يكن بلغه حديث عثمان بن حاضر إلا كما ذكره أحمد ذكرًا مجملًا في جواب السائلين له، لم يروه أحد في جواب السائلين بإسناده ولفظه. الثاني: أن لفظه حجة على المحتجِّ به المفرِّق بين العتق والنذر، وقد ذكره (١) المعترض عن مصنف عبد الرزاق، وقد ذكر أحمد أنه لم يسمعه إلا من عبد الرزاق. فقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن عثمان بن [أبي] (٢) حاضر قال: جَلَسَت (٣) امرأة من أهل ذي أصبح فقالت: مالي في سبيل الله وجاريتها حرة إن لم يَفعل كذا وكذا ــ لشيءٍ كرهه زوجها ــ فحلف زوجها ألا يفعله، فسئل عن ذلك ابن عمر وابن عباس، فقالا: أما الجارية

стр. 336

فتعتق، وأما قولها في سبيل الله: فتتصدق بزكاة مالها (١). وقد رواه (٢) البيهقي (٣) من طريق عبد الرزاق ــ أيضًا ــ، وقال البيهقي: كذا في هذه الرواية؛ وقد روينا عن ابن عمر وابن عباس ما دَلَّ على جواز التكفير في الحلف بالصدقة (٤). وذكره ابن عبد البر (٥) من رواية أبي القاسم البغوي عبد الله [٧٠/ أ] بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا داود بن عمرو، حدثنا مسلم بن خالد، عن إسماعيل بن أمية، عن رجل يقال له: عثمان بن حاضر ــ قال إسماعيل: وكان رجلًا صالحًا قاصًّا (٦) ــ أنَّ رجلًا قال لامرأته: اخرجي من ظهري (٧)؛ فَأَبَتْ أن تخرج، فلم يزل الكلام بينهما حتى قالت: (٨) هي تنحر نفسها، وكل مالها في سبيل الله إن خرجت، ثم بدا لها فخرجت. قال ابن حاضر: فأتتني فسألتني، فأخذت بيدها فذهبت بها إلى ابن عباس، فقصَّت عليه القصة. فقال ابن عباس: أما جاريتكِ فهي حرة، وأما قولك: تنحري نفسك؛ فانحري

стр. 337

بدنة، ثم تصدقي بها على المساكين. وأما قولكِ: مالي في سبيل الله؛ فاجمعي مالك كله فَأَخْرِجِي منه مثلما يجب فيه من الصدقة. قال: ثم ذهبتُ بها إلى ابن عمر فقال لها مثل ذلك، ثم ذهبت بها إلى ابن الزبير فقال لها مثل ذلك ــ قال: وأحسب أنه قال ــ: ثم ذهبتُ بها إلى جابر بن عبد الله فقال مثل قولهم. قال: وأما الثلاثة فقد أثبتهم [عن الزهري في هذه المسألة] (١). هكذا في كتاب ابن عبد البر، وقد سقط فيه من السؤال: وجاريتها حرة (٢)؛ فهذان طريقان، وقد زاد في هذا زيادة فتيا ابن الزبير وشك (٣) في جابر، وفيه: أنهم أمروها في ذبح النفس: بنحر بدنة. وقد رواه ابن حبيب (٤) بطريق ثالثة بلفظ ثالث، رواه عبد الملك بن حبيب الأندلسي (٥) في كتابه (الواضحة) (٦) فإنه روى أَنَّ عليًّا وابن عباس

стр. 338

وابن عمر أفتوا فيمن نَذَرَ أنْ يهدي ابنه مائة من الإبل (١). قال ابن حبيب: وحدثني ابن المغيرة، عن الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن عثمان بن حاضر أنهم ثلاثتهم سئلوا عن ذلك بعد ذلك، فقالوا: ينحر بدنة، فإن لم يجد فكبشًا (٢). ففي هذه الرواية ذُكِرَ عليٌّ بدل ابن الزبير، وأنهم أفتوا ببدنة، فإن لم تجد فكبشًا؛ وهذا مما يُبين وقوع الغلط في هذا الحديث قطعًا. وهذا الأثر هو الذي اعتمد عليه أبو جعفر الهندواني وغيره من أصحاب أبي حنيفة حيث نقلوا عن العبادلة إيجاب ما عَلَّقَهُ من نذر اللجاج والغضب. قال أبو جعفر الهندواني: ولزوم الوفاء به (٣) قول العبادلة: ابن عمر

стр. 339

وابن عباس وابن الزبير (١). وهذا مما نقله عنه أصحاب الشافعي وأحمد، وذكره أبو الحسين القدوري (٢) في شرح مختصر الكرخي (٣). [٧٠/ ب] وقد أنكر نزاع الصحابة في ذلك مَنْ أنكره مِنْ أئمة أصحاب الشافعي وأحمد، وقالوا: إِنَّ هذا لا يُعرف في كتب الحديث؛ وفيه أنواع من العلل: أحدها: أَنَّ ابن عمر عنه روايتان ثابتتان كل منهما تخالف ما روي عنه؛ إحداهما: قال ابن عبد البر: ذكر معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر في (٤) رجل جعل ماله في المساكين إن لم يفعل كذا ثم حنث. قال: ماله في المساكين (٥). فهذا فيه أنه جعل جميع المال في المساكين خلاف رواية عثمان بن حاضر. وروي عن ابن عمر في حديث ليلى بنت العجماء أنه أفتى بكفارة يمين،

стр. 340

وقد روي عنه أَنَّ هذه الرواية هي المتأخرة التي رجع إليها، كما روى (١) أن ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب أنَّ رجلًا جعلَ ماله في رتاج الكعبة. فقال ابن عمر: تَفِي بما قلتَ. قال: فذهب إلى عمر (٢). فقال: أطعم عشرة مساكين، فرجعت إلى (٣) ابن عمر، فقلت له ما قاله أبوه، فقال: [هو أعلم] (٤). وهذا الحديث معروف عن سعيد بن المسيب عن عمر؛ كما رواه أبو داود في سننه (٥) من حديث يزيد بن زريع، حدثنا حبيب (٦) المعلِّم، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب أنَّ أخوين من الأنصار كان (٧)

стр. 341

بينهما ميراث، فَسَأَلَ أحدُهما صاحبَه القسمة، فقال: إنْ عُدتَ تسألني القسمة، فكل مالي في رتاج الكعبة. فقال له عمر: إِنَّ الكعبة غنية عن مالك، كَفِّرْ عن يمينك وقاسم أخاك؛ سمعت رسول الله ﷺ : يقول: «لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك». فقد يكون سعيد هو المفتي بقول عمر، فلما ذكر له فتيا ابن عمر أمسك عن الفتيا باللزوم وقال: هو أعلم، سواء كان ذلك في حياة عمر أو بعد موته؛ ففيه توقف عن ذلك، وتسليمٌ أَنَّ أباه أعلم بهذه المسألة منه، وأبوه أفتى بكفارة يمين. والمقصود هنا: أن ابن عمر ﵄ قد ثبت عنه من عدة طرق ما يخالف حديث عثمان بن حاضر من رواية سالم عنه ورواية أبي رافع، وكل من هذين أحفظ بكثير وأفقه من عثمان بن حاضر، وقد انضم إليهما الرواية [٧١/ أ] الثالثة عن ابن عمر؛ فكيف يجزم عن ابن عمر بما خالفه فيه هؤلاء؟ والحلف بالعتق هو ــ أيضًا ــ في حديث ليلى الذي هو أصح باتفاق أهل العلم من حديث عثمان بن حاضر. والعلة الثانية: أَنَّ ابن عباس قد ثبت عنه ضد ما في حديث عثمان بن حاضر؛ روي ذلك من بعض طرق حديث ليلى بنت العجماء. وقال أبوبكر الأثرم: حدثنا عبد الله بن رجاء، أخبرنا عمران، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى: أَنَّ امرأةً سألت ابن عباس أَنَّ امرأة جعلت بردها عليها هديًا إِنْ لبسته. فقال ابن عباس: أفي غضبٍ أم رضا؟ قالوا: في غضب. قال:

стр. 342

إِنَّ الله لا يُتَقرب إليه بالغضب، لتكفر عن يمينها (١). قال: وحدثني ابن الطباع، حدثنا أبو بكر بن عياش (٢)، عن العلاء بن المسيب، عن يعلى بن [نعمان] (٣)، عن عكرمة، عن ابن عباس سئل عن رجل جعل ماله في المساكين. فقال: أمسك عليك مالك، وأَنْفِقْهُ على عيالك، واقْضِ دينك، وكَفِّرْ يمينك (٤). وقال البخاري (٥): قال ابن عباس الطلاق عن وَطَر، والعِتقُ ما ابتغي به وجه الله. فهذه أسانيد ثابتة عن ابن عباس بخلافِ ما في حديث عثمان بن حاضر، وأنه جعل في التعليق الذي يُقصد به اليمين كفارة يمين، ولم يُلزم المعلق ما عَلَّقَهُ كما في المعلق بالوفاء وجعله لازمًا؛ ومعلومٌ أَنَّ بعض هذه علة في حديث عثمان بن حاضر؛ فكيف بمجموعها؟ وهذا أثبت عن ابن عباس من ذاك. فَإِنِ المعترضُ يجعلها روايتين عن ابن عباس.

стр. 343

قيل: حَصَلَ المقصود؛ فإنَّا نحن نكتفي بإثبات النزاع، لم نَدَّعِ في ذلك إجماعًا، وإنما اعتمدنا في مسائل النزاع على الأدلة الشرعية: الكتاب والسنة لفظًا ومعنى، وهذا الاعتبار والقياس الصحيح. فإنْ قيل: ما ذكرتم عن ابن عمر وابن عباس من الإفتاء بالكفارة في التعليق الذي يقصد به اليمين يعارض حديث ابن حاضر في النقل عنهما، عن (١) ابن الزبير لا معارض له عنه، وكذلك في فتياه (٢) إنْ كان قال ذلك. قيل: فتيا ابن الزبير مذكورةٌ من طريق مسلم بن خالد وفيه نظر (٣)، إذا ثبت ذلك عن ابن الزبير عارضه مَنْ لم يختلف النقل عنهم أنهم أفتوا في العتق بكفارة [٧١/ ب] مثل حفصة وزينب. وإذا قيل: ذِكْرُ العتقِ انفردَ به سليمان التيمي. قيل: لو انفرد به سليمان التيمي لكان الاحتجاج بانفراده عَمَّن سليمان أثبت منه (٤) أولى من الاحتجاج بانفراد مسلم بن خالد عمن هو أوثق من مسلم بن خالد وهو معمر؛ وقد تابع سليمان التيمي أشعث بن عبد الملك وجسر بن الحسن. فتبين أنه كيفما أدير الأمر؛ فالقول بأنَّ في الصحابة من أفتى في الحلف بالعتق بالكفارة أقوى من القول بأنَّ فيهم من أفتى بأنه لا كفارة فيه؛ فإنْ صَحَّا ثبت النزاع، وإنْ كان الصحيح أحدهما؛ فهو: إثبات التكفير دون نفيه ــ بلا

стр. 344

ريب ــ بعد معرفة الطرق وأحوال رواتها ومعرفة ما نقل في ذلك عن الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ. العلة الثالثة: أَنَّ في رواية معمر أنها استفتت ابن عمر وابن عباس، وأَنَّ اليمين كانت جملتين (إِن فعلت فمالي في سبيل الله وجاريتها حرة). وفي رواية مسلم بن خالد: أنها حلفت بثلاثٍ هي: (تنحر نفسها، وكل مالها في سبيل الله، وجاريتها حرة) وأنه استفتى ابن الزبير ــ أيضًا ــ وشك (١) في جابر، وهذا اختلاف في الرواية. فإنْ قيل: أحد الروايتين أثبتت ما سكت (٢) الآخر عنه. قيل له: وهكذا في حديث ليلى بنت العجماء، فَلِمَ جَعَلَ هذا علة في حديث ليلى، ولا يكون علة في حديث هذه؟! ونحن إذا عللنا بهذه (٣) لأنَّ هذه الرواية الثالثة رواها مسلم بن خالد، وليس هو بالحافظ المتقن مثل: سليمان التيمي ومن وافقه كأشعث وجسر ابن الحسن، ومعمر أحفظ من مسلم، ولهذا لم نجزم بحفظه للزيادة، وسليمان أحفظ من حميد وقد تابعه غيره، وليس التارك بأكثر من المثبت. العلة الرابعة: أن في هذه أن هذين الصحابيين أفتياهما من المال بزكاته، وهذا القول لا يَعرفه أهل العلم عن أَحَدٍ قبل ربيعة، وهو من رَأْيِ ربيعة الذي أنكره الناس عليه، لم يُعْرف له فيه سلف ولا تَبِعَهُ فيه خلف؛ ولو كان هذا

стр. 345

ثابتًا عن ابن عمر وابن عباس لم يكن الأمر كذلك، ولم يجعل هذا مما شَذَّ به ربيعة (١). العلة الخامسة: أن فيه أن في (٢) نحر نفسه بدنة؛ ومعروف عن ابن عباس أن في ذلك شاة أو كفارة يمين، [٧٢/ أ] وهذا ثابت عن ابن عباس بالأسانيد الثابتة، وجمهور العلماء اتبعوا ابن عباس في ذلك؛ كأبي حنيفة وأحمد وغيرهما، ومنهم من لم يوافقه كالشافعي. وعمدة الفقهاء في ذلك: اتباع الصحابة؛ فلو كان قد ثبت عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير أو جابر أنهم قالوا في ذلك ببدنة= لكان اتباع هذا أولى، وهذا حجة على من قال: إنَّ الإفتاء باللزوم في نذر اللجاج والغضب هو قول العبادلة، وهم لا يوافقون العبادلة لا في إيجاب بدنة ولا في إيجاب زكاة المال، بل ليس من الفقهاء مَنْ عُرِفَ عنه أنه أخذ بهذا القول المنقول عن العبادلة في هذا الجواب، فإنه لم ينقل (٣) عن أحدٍ أنه أفتى بوجوب الزكاة إلا ربيعة، وهو لا يوافقهم على إيجاب البدنة، والذين وافقوا على لزوم العتق كالأربعة لم يقولوا بسائره في إيجاب البدنة والاجتزاء بزكاة المال، وإيجاب البدنة تغليظ والاجتزاء بزكاة المال تخفيف؛ وهذا غير مناسب. وأيضًا؛ فعثمان بن حاضر هذا ليس من المعروفين بضبط العلم، ولا هو مشهورًا يُعرف ضبطه بكثرة روايته، ولا روى له أصحاب الصحيح شيئًا لا البخاري ولا مسلم، ولم يرو له من أهل السنن لا النسائي ولا الترمذي،

стр. 346

وإنما روى له أبو داود وابن ماجه (١). وفي سنن ابن ماجه عدة أحاديث موضوعة نحو بضعة عشر حديثًا (٢)؛ مثل الحديث الذي رواه في فضل قزوين (٣)، وفي رجال أبي داود مَنْ (٤) لا يعتمد على ما انفرد به، بل ينفرد بما هو كذب؛ مثل الذي روى أن النبي ﷺ كان له كاتب اسمه السجل (٥) رواه من طريق المراوزة (٦)؛ وهذا مما يجزم

стр. 347

بأنه كذب.

стр. 348

فقد تبين أن ألفاظ الحديث تقدح في صحته، وتدل على أنه غير محفوظ، وأنَّ الثقات الأثبات يخالفون هذا ابن حاضر فيما رواه لو كان من العلماء المعروفين بالضبط؛ فكيف ونحن لا نعلم أنه ضابط لما يرويه، كونُهُ قاصًّا (١) ورجلًا صالحًا (٢) لا يوجب كونه ضابطًا، بل هو من أمارات عدم حفظه (٣)؛ فإنَّ عامة القصاص الصالحين كصالح المُرِّي ومالك بن دينار وغيرهما ممن (٤) [٧٢/ ب] كان فيه صلاح وكان يقص، لا يضبطون ألفاظ الحديث، ولا يحتج بمجرد روايتهم في الأحكام، فضلًا عن أنْ يُعَارَضَ بروايتهم ما روته الثقات الضابطين الصالحين (٥). * * * *

стр. 349

فصلٌ وأما قول المعترض: (فكلامُ ابنِ عباس وابنِ عمر فيه نَصٌّ بالتفصيل لا يَحتمل التأويل، وهو يُبَيِّنُ لنا أنَّ مرادهما في أثر ليلى وفتيا ليلى بنت العجماء= أَنَّ مرادهما ما عدا العتق) (١). فيقال له: بل كلام ابن عباس وابن عمر ــ إِنْ صحَّ ــ فهو نص في التسوية في الحلف بالعتق والصدقة، وفي الرواية الأخرى: ونحر نفسه؛ وأنَّ الواجب في جميع ذلك اللزوم لا الكفارة. ورواية ليلى ــ أيضًا ــ صريحةٌ في التسوية بين العتق وغيره، والمنقول عن الصحابة نفيًا وإثباتًا لا يدل إلا على التسوية بين الحلف بالعتق وغيره لا على قول مَنْ فَرَّقَ؛ فمن فَرَّقَ فقد خالف جميع ما نُقِلَ عن الصحابة، وهذا هو المخالف لإجماع الصحابة إذ لم يُعرف عن الصحابة في ذلك نزاع. فهذا الحديث نَصٌّ على خلاف من يوجب الوفاء بالنذر المحلوف به من الفقهاء، ولم يَقُلْ بهذا أحد من الفقهاء؛ فلا أبو حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا أحمد ولا أحد من العلماء المعروفين غيرهم يقول بما في هذا الحديث؛ فهو نص في خلاف قول جميع العلماء الذين تُعرف أقوالهم، فلم يقل أحد من العلماء الذين تعرف أقوالهم أَنَّ في الحلف بصدقة المال الزكاة وفي الحلف بنحر نفسها بدنة، بل ربيعة يعرف عنه بعض هذا.

стр. 350

وأيضًا؛ فالروايات الثابتة عن ابن عمر وابن عباس توافق حديث ليلى بنت العجماء وتناقض هذا الخبر؛ وحينئذ، فلا بُدَّ من أحد أمرين: إما أَنْ يقال: إِنَّ الصحابة أفتوا بهذا تارة وبهذا تارة؛ فيكون عن ابن عمر وابن عباس روايتان. وإما أَنْ يقال: بل إحدى الروايتين هي الصحيحة دون الأخرى؛ وحينئذٍ لا يستريب عالم بالمنقولات في وجوب تقديم رواية من روى التكفير عنهم في هذه الأيمان على رواية من روى لزوم ما حلف به، ولم ينقل أحد منهم استثناء العتق. فقول [٧٣/ أ] القائل: إِنَّ مرادهما في حديث ليلى بنت العجماء ما عدا العتق؛ قولٌ لم ينقله (١) أحدٌ عنهم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، واستدلالٌ بما لا يدل، بل يدل على نقيض ذلك من التسوية بين العتق وغيره من كلا الروايتين؛ فليتدبر اللبيب ما اعتمد عليه مَنْ يُقَوِّل الصحابة ما لم يقولوه من التفريق بين العتق وغيره، فإنه لا يدل ما يذكرونه إلا على نقيض مطلوبهم لا على مطلوبهم. فصلٌ وأما مَنْ ذكر في حديث ليلى من قوله: وأعتقي جاريتك؛ فهذا غلط محضٌ، لم ينقله أحد في حديث ليلى؛ كما قد بسط في موضعه (٢).

стр. 351

فصلٌ (قال المجيب: قلت: فهذا الذي ذكره الإمام أحمد ﵁ في أجوبته، ولكنَّ أصولَهُ [المنصوصة عنه في غير موضع] تقتضي أنه تجزئه كفارة يمين، فإنه قد نَصَّ في غير موضع: أَنَّ الاستثناء لا يكون إلا في اليمين المكفَّرة، ونَصَّ على أنه إذا حلف بالطلاق والعتاق كان له أن يستثني، بخلاف ما إذا أوقع الطلاق والعتاق فإنَّ مذهبَهُ أنه لا يَنفع الاستثناء قولًا واحدًا، كما نقل ذلك عن ابن عباس، وهو مذهب مالك وغيره. وقد نَقَلَ عنه الشيخ أبو حامد الإسفراييني ومن تبعه: التفريق في الاستثناء بين الطلاق والعتاق؛ وذلك غلطٌ عليه، وإنما هو قولُ القدرية، فإنهم يقولون: إنَّ المشيئةَ بمعنى الأمر، والعتق طاعة بخلاف الطلاق، فإذا قال: عبدُهُ حر إِنْ شاء الله وَقَعَ العتق، وإذا قال: امرأته طالق إن شاء الله لم يقع

стр. 352

الطلاق، ورووا في هذا حديثًا مسندًا) (١). والجواب: أَنَّ هذا كلام مَنْ لم يفهم ما ذكره المجيب، ولا ما هو عادة أهل العلم من تخريج الجواب في إحدى المسألتين إلى الأخرى؛ فإنَّ المجيب لم يَدَّعِ أَنَّ أحمد سكت عن الجواب في العتق، ولا أَنَّ مذهبه المنصوص عنه هو الكفارة، حتى يقال: خاصُّ كلامِهِ يقضي على عامِّه. بل المجيب قد ذكر أَنَّ قوله المنصوص عنه هو الفرق بين الحلف بالعتق وغيره، وهذا قول الشافعي وإسحاق وغيرهما، ومع التصريح بالفرق لا يقال إنهم صَرَّحُوا (٢) بالتسوية، لكن يقال: هذا هو القول المنصوص، وقد نص أحمد في مواضعَ أُخَر على ما يناقض هذا؛ فيكون له قول آخر مخرَّج يناقض هذا القول المنصوص. [٧٣/ ب] كما جرت عادة أتباع الأئمة يفعلون ذلك في أجوبتهم إذا قضوا (٣) في مسألتين متماثلتين على جوابين متناقضين؛ فإن لم يكن بينهما فرق يَذْهَبُ إليه مجتهد، فهم في مثل هذا متفقون على التخريج، لئلا يكون الإمام قال قولًا لا يجوز أن يذهب إليه مجتهد. وإِنْ كان بينهما فَرْقٌ يذهب إليه مجتهد؛ فمنهم من يُخرِّج إذا رأى ذلك

стр. 353

الفرق ضعيفًا أو غير مناسب لأصول الإمام، ومنهم من يقر النص إذا رأى ذلك الفرق. ثم إِنْ كان ذلك الفرق عنده قد دَلَّ الشرع عليه أبطل قول المُسَوِّي، وإن كان الفرق مما لا يمكنه الاستدلال عليه جعل قول الإمام وإن كان ضعيفًا في الشرع كما إذا صرَّحَ بالفرق؛ فإنْ كان صاحب المذهب قد نصَّ على تعليل أحد الحكمين بعلة عامة، فإنهم يقولون ــ إِنْ كان ممن يقول بتخصيص العلة ــ: لم يجز تخريج قول آخر له، وإِنْ كان ممن لا يقول بتخصيص العلة لزم التخريج طردًا لعلته؛ هكذا ذكر القاضي أبو يعلى وغيره (١). وقد اختلف أصحاب أحمد في تخصيص العلة؛ وذكروا فيه قولين؛ والذي يدلُّ عليه المشهور من كلامه وكلام سائر الأئمة: أَنَّ العلة يجوز تخصيصها لفوات شرطٍ أو وجود مانع، وأما التخصيص مع تماثل الصورتين في المعاني (٢) الموجبة للحكم والمانعة منه فلا، وإذا قُدِّرَ أَنَّ بعض الأئمة يجوِّزُ تخصيص العلة لا لفوات شرط ولا لوجود مانع كما ذكر

стр. 354

عن القائلين بالاستحسان (١) لمجرد دليل، بلا فرق معنوي، وهو مما يستعمله كثير من الفقهاء؛ فهذا ضعيف (٢). وحينئذٍ؛ فإذا خُرِّجَ قول آخر على قول ذلك الفقيه فمعناه: أنه يلزمه أن يقوله لا أنه موجب قوله، ونحن في هذا القول الذي خرجناه من كلام أحمد قد بَيَّنَّا أنه موجب قوله الذي نص عليه في مواضع أخر، لا أنه لازم قوله، بل إِنْ صحَّ قوله في تلك المواضع لزم إجزاء الكفارة في الحلف بالعتق، فلا بُدَّ من أحدِ أمرين: إما أنْ يُصحح قوله الذي ذكره في أَنَّ الاستثناء لا يكون إلا في يمين مكفرة، وأنَّ الحلف بالطلاق والعتاق يكفر؛ فيكون في الحلف بهما استثناء. وإما أنْ يُصَحَّحَ قولُهُ في أَنَّ الحلف بالطلاق والعتاق لا يكفران؛ فلا يكون فيهما استثناء. [٧٤/ أ] وأما القول بأنهما يكفران ولا استثناء فيهما؛ فهذا مناقض لقوله: إنه لا استثناء إلا فيما يكفر، فلا يمكن الجمع بين صحة هذا القول وصحة هذا القول؛ ومن اعتقد أنه يمكن الجمع بين صحة القولين فهو مسفسط. وقوله: (لا استثناء إلا فيما يكفر)؛ لم يذكره مذهبًا له ليقال إنه لخصوصه، بل ذكره حجة له يحتج به على من يستثني في إيقاع الطلاق والعتاق.

стр. 355

فقال أحمد: السنة إنما وردت بالاستثناء في الأيمان، وإيقاعُ الطلاق والعتاق ليس بيمين، لأنَّ اليمين لا تكون إلا مكفَّرة (١)، لأنَّ القرآن قد دَلَّ على أَنَّ كل يمين من أيمان المؤمنين مكفرة؛ فلو كان إيقاع الطلاق والعتاق يمينًا لكان فيه الكفارة؛ فإنها من لوازم اليمين، فإذا لم يكن فيها كفارة لم يكونا من الأيمان، فلا يدخلان في لفظ النص الوارد في الاستثناء ولا في معناه، لأنه إنما ورد في اليمين فلو كان ذلك يمينًا لكانَ مكفرًا، فلمَّا لم يكن مكفرًا لم يكن يمينًا، فلا يكون فيه استثناء، فإنَّ الاستثناء يستلزم التكفير، فكل ما فيه استثناء ففيه تكفير، والكفارة لازمة للاستثناء فإذا انتفت (٢) الكفارة اللازمة للاستثناء انتفى الاستثناء الملزوم؛ فهذا صريح حقيقة كلام الإمام أحمد الذي استدل به على أن الطلاق والعتاق لا يكفران. فإذا قال ــ مع هذا في إحدى الروايتين عنه ــ: إن الحلف بالطلاق والعتاق فيهما استثناء، وفرَّق بين إيقاعهما وبين الحلف بهما كما يفرق بين إيقاع النذر وبين الحلف به= فلم تختلف نصوصه، ومذهبه أن الحلف بالنذر فيه الكفارة، وفيه ــ أيضًا ــ الاستثناء= لزم من ذلك إذا جعل في الحلف بهما الاستثناء: أن يكون في الحلف بهما الكفارة كما في الحلف بالنذر، وإلا فالقول بأن فيهما الاستثناء دون التكفير يبطل قوله: (إنما يكون الاستثناء فيما يكفر) (٣) حيث أثبت في الحلف بهما الاستثناء دون الكفارة.
следующие страницы →