← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 32384

الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق

ابن تيمية

Полный текст (1 081 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فصلٌ (قال المجيب: قلت: فهذا الذي ذكره الإمام أحمد ﵁ في أجوبته، ولكنَّ أصولَهُ [المنصوصة عنه في غير موضع] تقتضي أنه تجزئه كفارة يمين، فإنه قد نَصَّ في غير موضع: أَنَّ الاستثناء لا يكون إلا في اليمين المكفَّرة، ونَصَّ على أنه إذا حلف بالطلاق والعتاق كان له أن يستثني، بخلاف ما إذا أوقع الطلاق والعتاق فإنَّ مذهبَهُ أنه لا يَنفع الاستثناء قولًا واحدًا، كما نقل ذلك عن ابن عباس، وهو مذهب مالك وغيره. وقد نَقَلَ عنه الشيخ أبو حامد الإسفراييني ومن تبعه: التفريق في الاستثناء بين الطلاق والعتاق؛ وذلك غلطٌ عليه، وإنما هو قولُ القدرية، فإنهم يقولون: إنَّ المشيئةَ بمعنى الأمر، والعتق طاعة بخلاف الطلاق، فإذا قال: عبدُهُ حر إِنْ شاء الله وَقَعَ العتق، وإذا قال: امرأته طالق إن شاء الله لم يقع

стр. 352

الطلاق، ورووا في هذا حديثًا مسندًا) (١). والجواب: أَنَّ هذا كلام مَنْ لم يفهم ما ذكره المجيب، ولا ما هو عادة أهل العلم من تخريج الجواب في إحدى المسألتين إلى الأخرى؛ فإنَّ المجيب لم يَدَّعِ أَنَّ أحمد سكت عن الجواب في العتق، ولا أَنَّ مذهبه المنصوص عنه هو الكفارة، حتى يقال: خاصُّ كلامِهِ يقضي على عامِّه. بل المجيب قد ذكر أَنَّ قوله المنصوص عنه هو الفرق بين الحلف بالعتق وغيره، وهذا قول الشافعي وإسحاق وغيرهما، ومع التصريح بالفرق لا يقال إنهم صَرَّحُوا (٢) بالتسوية، لكن يقال: هذا هو القول المنصوص، وقد نص أحمد في مواضعَ أُخَر على ما يناقض هذا؛ فيكون له قول آخر مخرَّج يناقض هذا القول المنصوص. [٧٣/ ب] كما جرت عادة أتباع الأئمة يفعلون ذلك في أجوبتهم إذا قضوا (٣) في مسألتين متماثلتين على جوابين متناقضين؛ فإن لم يكن بينهما فرق يَذْهَبُ إليه مجتهد، فهم في مثل هذا متفقون على التخريج، لئلا يكون الإمام قال قولًا لا يجوز أن يذهب إليه مجتهد. وإِنْ كان بينهما فَرْقٌ يذهب إليه مجتهد؛ فمنهم من يُخرِّج إذا رأى ذلك

стр. 353

الفرق ضعيفًا أو غير مناسب لأصول الإمام، ومنهم من يقر النص إذا رأى ذلك الفرق. ثم إِنْ كان ذلك الفرق عنده قد دَلَّ الشرع عليه أبطل قول المُسَوِّي، وإن كان الفرق مما لا يمكنه الاستدلال عليه جعل قول الإمام وإن كان ضعيفًا في الشرع كما إذا صرَّحَ بالفرق؛ فإنْ كان صاحب المذهب قد نصَّ على تعليل أحد الحكمين بعلة عامة، فإنهم يقولون ــ إِنْ كان ممن يقول بتخصيص العلة ــ: لم يجز تخريج قول آخر له، وإِنْ كان ممن لا يقول بتخصيص العلة لزم التخريج طردًا لعلته؛ هكذا ذكر القاضي أبو يعلى وغيره (١). وقد اختلف أصحاب أحمد في تخصيص العلة؛ وذكروا فيه قولين؛ والذي يدلُّ عليه المشهور من كلامه وكلام سائر الأئمة: أَنَّ العلة يجوز تخصيصها لفوات شرطٍ أو وجود مانع، وأما التخصيص مع تماثل الصورتين في المعاني (٢) الموجبة للحكم والمانعة منه فلا، وإذا قُدِّرَ أَنَّ بعض الأئمة يجوِّزُ تخصيص العلة لا لفوات شرط ولا لوجود مانع كما ذكر

стр. 354

عن القائلين بالاستحسان (١) لمجرد دليل، بلا فرق معنوي، وهو مما يستعمله كثير من الفقهاء؛ فهذا ضعيف (٢). وحينئذٍ؛ فإذا خُرِّجَ قول آخر على قول ذلك الفقيه فمعناه: أنه يلزمه أن يقوله لا أنه موجب قوله، ونحن في هذا القول الذي خرجناه من كلام أحمد قد بَيَّنَّا أنه موجب قوله الذي نص عليه في مواضع أخر، لا أنه لازم قوله، بل إِنْ صحَّ قوله في تلك المواضع لزم إجزاء الكفارة في الحلف بالعتق، فلا بُدَّ من أحدِ أمرين: إما أنْ يُصحح قوله الذي ذكره في أَنَّ الاستثناء لا يكون إلا في يمين مكفرة، وأنَّ الحلف بالطلاق والعتاق يكفر؛ فيكون في الحلف بهما استثناء. وإما أنْ يُصَحَّحَ قولُهُ في أَنَّ الحلف بالطلاق والعتاق لا يكفران؛ فلا يكون فيهما استثناء. [٧٤/ أ] وأما القول بأنهما يكفران ولا استثناء فيهما؛ فهذا مناقض لقوله: إنه لا استثناء إلا فيما يكفر، فلا يمكن الجمع بين صحة هذا القول وصحة هذا القول؛ ومن اعتقد أنه يمكن الجمع بين صحة القولين فهو مسفسط. وقوله: (لا استثناء إلا فيما يكفر)؛ لم يذكره مذهبًا له ليقال إنه لخصوصه، بل ذكره حجة له يحتج به على من يستثني في إيقاع الطلاق والعتاق.

стр. 355

فقال أحمد: السنة إنما وردت بالاستثناء في الأيمان، وإيقاعُ الطلاق والعتاق ليس بيمين، لأنَّ اليمين لا تكون إلا مكفَّرة (١)، لأنَّ القرآن قد دَلَّ على أَنَّ كل يمين من أيمان المؤمنين مكفرة؛ فلو كان إيقاع الطلاق والعتاق يمينًا لكان فيه الكفارة؛ فإنها من لوازم اليمين، فإذا لم يكن فيها كفارة لم يكونا من الأيمان، فلا يدخلان في لفظ النص الوارد في الاستثناء ولا في معناه، لأنه إنما ورد في اليمين فلو كان ذلك يمينًا لكانَ مكفرًا، فلمَّا لم يكن مكفرًا لم يكن يمينًا، فلا يكون فيه استثناء، فإنَّ الاستثناء يستلزم التكفير، فكل ما فيه استثناء ففيه تكفير، والكفارة لازمة للاستثناء فإذا انتفت (٢) الكفارة اللازمة للاستثناء انتفى الاستثناء الملزوم؛ فهذا صريح حقيقة كلام الإمام أحمد الذي استدل به على أن الطلاق والعتاق لا يكفران. فإذا قال ــ مع هذا في إحدى الروايتين عنه ــ: إن الحلف بالطلاق والعتاق فيهما استثناء، وفرَّق بين إيقاعهما وبين الحلف بهما كما يفرق بين إيقاع النذر وبين الحلف به= فلم تختلف نصوصه، ومذهبه أن الحلف بالنذر فيه الكفارة، وفيه ــ أيضًا ــ الاستثناء= لزم من ذلك إذا جعل في الحلف بهما الاستثناء: أن يكون في الحلف بهما الكفارة كما في الحلف بالنذر، وإلا فالقول بأن فيهما الاستثناء دون التكفير يبطل قوله: (إنما يكون الاستثناء فيما يكفر) (٣) حيث أثبت في الحلف بهما الاستثناء دون الكفارة.

стр. 356

وإذا قيل: هذا تناقضٌ منه. قيل: هكذا جميع الأقوال المخرَّجة للعلماء جميعهم؛ فإنَّ العالم الذي له في المسألة قولان أو ثلاثة معناه: أن له فيها قولين متناقضين، يناقض أحدهما الآخر، أو ثلاثة أقوال متناقضة، ليس المراد أنه يمكن الجمع بينهما، فإنه لو كان كذلك لم يكن (١) [٧٤/ ب] له إلا قول واحد، ولكن العالم يتكلم باجتهاده وبحسب علمه، فيظهر له تارة رجحان أحد القولين فيفتي به، ويظهر له تارةً رجحان القول الآخر فيفتي به. والأنبياء ــ صلوات الله عليهم ــ يدخل في شرعهم المنسوخ والناسخ، لكن الحكم المنسوخ الذي شرعه الله والناسخ كلاهما كان شرعًا لله باطنًا وظاهرًا في وقته؛ كاستقبال القبلة، فإنَّ الله ــ تعالى ــ لما أمر رسوله ابتداءً باستقبال الصخرة كان هذا شرع الله ودينه باطنًا وظاهرًا، ثم لما حَوَّل القبلة وأمر باستقبال القبلة كان هذا شرعَ الله ودينه باطنًا وظاهرًا، لا يقال: إنه كان لله في الباطن حُكْمٌ لم يعرفه النبي وقت الحكم المنسوخ، بخلاف العالم فإنه ليس بنبي يُوحَى إليه، وإنما يجتهد ليعرف الحكم الذي استقر عليه شرع الرسول، فقد يتبين له تارة قولًا وتارة قولًا يناقضه، ثم قد يكون القول الأول هو الصواب في نفس الأمر، وقد يكون الثاني هو الصواب (٢). ولهذا اختلف الناس في الإمام إذا كان له قولان متقدم ومتأخر، بل كان له قول وصرَّحَ برجوعه عنه، هل يجوز أَنْ يحكى له قولان أو لا يُحكَى عنه إلا القول المتأخر، واختلف في ذلك أصحاب أحمد على قولين؛ منهم من

стр. 357

يقول: إنَّ القول القديم لا يجوز أن يجعل مذهبًا له مع رجوعه عنه لا سيما مع تصريحه بالرجوع عنه، ومنهم مَنْ يُفَرِّق بين ما صَرَّح برجوعه عنه وما لم يصرح بذلك، ومنهم من يَحكي له القولين مع تصريحه بالرجوع، ويقول: هو قال ذلك القول باجتهاده وهذا باجتهاده، وقد يكون القول المتقدم هو الصواب الذي يدل عليه الكتاب والسنة (١). والعالم ليس كالنبي الذي إذا نسخ قولًا علم قطعًا أن المنسوخ ليس بشرعٍ لله، بل قد يكون القول المتقدم الذي رجع عنه العالم هو دين الله في نفس الأمر. قالوا: ونحن نذكر أقوال العلماء لنستدل (٢) بها على شرع الله ورسوله؛ فإنهم وسائل ووسائط بيننا وبين الرسول ﷺ ، وإذا جاز أن يكون قوله الأول هو قول الرسول دون الثاني، وجاز أن يكون الثاني هو قول الرسول =لم يمكنا [٧٥/ أ] أن نجزم بأن القول الأول باطل في نفس الأمر. وإذا قال القائل: القول المتقدم ليس هو مذهبه. قيل له: إِنْ أردت أنه لم يكن مذهبًا له؛ فهذا غلط، بل كان مذهبًا له في بعض الأوقات، وإن أردت أنه ليس هو مذهبه الذي مات عليه؛ فهذا صحيح، لكن هذا لا يفيدنا أن يكون هو شرع الرسول في نفس الأمر، بل نحن نذكر أنه كان يذهب إلى هذا ثم ذهب إلى نقيضه، فكان هذا قولُه أولًا ثم صار هذا قوله ثانيًا، وإذا رَجَّحَتِ الأدلةُ الشرعيةُ أحدَ القولين رَجَّحْنَاه،

стр. 358

وإذا كان أشبه بأصوله ونصوصه رَجَّحْنَاه في مذهبه. ومن لم يكن مقصوده إلا تقليده المحض من غير تصرف لا في مذهبه ولا نظرٍ إلى ما قاله أصحابه وسائر العلماء فإنما يقلده في القول المتأخر، لكن هذا ينبني على جواز تقليد الميت، وفيه للناس قولان؛ والجمهور على جوازه، وليس هذا موضع بسط ذلك (١). وأما قول المعترض: (إنَّ الدليل الذي ركبَّهُ من هاتين المقدمتين يتوقف على عموم الأولى) (٢). فيقال له: إن لم تكن تلك المقدمة عامة= بطل كلام أحمد واحتجاجه، فإنه حينئذٍ يقال له: ليس كل ما لا يكون مكفَّرًا لا يكون فيه استثناء، بل يكون الاستثناء فيما لا يكفر؛ وحينئذٍ فيمكن أن يكون الطلاق والعتاق مما فيه استثناء بدون التكفير، والتخريج من منصوص أحمد إنما هو بتقدير أن يكون كلامه صحيحًا، فإن كان كلامه صحيحًا فما ذكرناه لازم له لزومًا لا محيد عنه.

стр. 359

وإِنْ قيل: بل كلامه هذا باطل. قيل: ليس كلامه هذا بأولى من إبطال قوله: (إِنَّ الحلف بالعتاق والطلاق لا كفارة فيه)؛ وحينئذٍ فليس لقائل أن يقول: قوله هذا هو الصواب دون الأول بأولى من العكس، بل الدليل الشرعي يدل على أَنَّ هذا القول أولى بالصواب من ذاك لو تعارضا؛ فكيف إذا أمكن إقامة الدليل الشرعي على صحة كلٍّ منهما؟ وأما قوله: (إِنَّ أحمد تقدمت نصوصه الصريحة بأنَّ الحلف بالطلاق والعتاق لا كفارة فيه) (١). فيقال له: قد يقال: إن أحمد قال هذا بناء على قوله: إنَّ الحلف بالطلاق والعتاق لا استثناء فيه، كما روى ذلك عنه الأثرم، وهو (٢) [٧٥/ ب] وغيره نقلوا عنه أَنَّ الحلف بالطلاق والعتاق لا كفارة فيه. وهكذا يقول مالك في رواية ابن القاسم إنَّ هذا كله لا استثناء فيه ولا كفارة (٣)، وأما على رواية ابن الحَكَم فإنَّ (٤) الحلف بالطلاق والعتاق ينفع فيه الاستثناء وإن لم ينفع في [إيقاع] (٥) الطلاق والعتاق. ومعلومٌ أَنَّ أحمد إذا قال هذا وعلل ذلك بأن الاستثناء إنما يكون في اليمين المكفرة، لو قال في هذه الحال: إن الطلاق والعتاق ينفع فيه

стр. 360

الاستثناء، وليس هو من الأيمان المكفرة= لكان هذا تناقضًا لا يخفى على أدنى الناس، فضلًا عمن هو مثل أحمد. وقوله: إنَّ الطلاق والعتاق لا ينفع فيه الاستثناء، لأن الاستثناء إنما يكون فيما فيه كفارة، والطلاق والعتاق لا يكفران فلا استثناء فيهما؛ فإنه إذا قيل له: ما معنى قولك: الطلاق والعتاق لا يكفران ولا استثناء فيهما؟ أي: لا يكفر إيقاعهما ولا يستثنى في ذلك، والحلف بهما ــ أيضًا ــ لا يكفر ولا يستثنى فيه = كان قد طَرَدَ قوله. وأما إذا قال: الحلف بهما يستثنى فيه، وقال مع ذلك [لا] (١) يُكَفَّرَان = كان هذا مبطلًا لأصل كلامه، بل يجب أن يقول مع ذلك: إذا كان فيهما استثناء= ففيهما كفارة. والعام الذي يُقَدَّمُ عليه الخاص إنما يكون في الصيغ العامة، فأما المعاني والعلل والأدلة التي يستدل بها المستدل= فلا يقبل منه أن ينقضها ويخصها من غير بيان فرق بين صورة النقض وصورة الاستدلال (٢)، فإذا جعل عدم التكفير مستلزمًا لعدم الاستثناء، واستدل بذلك على أن ما لا كفارة فيه لا استثناء فيه، وكان من الصور ما فيه استثناء دون الكفارة = بطلت علته ودليله ومذهبه، ولا يقبل منه أن يقول: هذا خاص وهذا عام إن لم يبين ما يوجب الفرق، ولو جاز هذا ما بطلَ دليلُ أحدٍ ولا علته؛ فمن كان يقول: الاستثناء في الأيمان المكفرة دون ما لا كفارة فيه لأن ذلك هو اليمين؛ فاليمين عنده لها لازمان: الكفارة والاستثناء، فإذا قيل: من الأيمان ما يستثنى ولا يكفر= انتقض أصله ودليله وعلته.

стр. 361

وأحمد ــ رحمة الله عليه ــ كان يتوقف في (١) الاستثناء في الطلاق والعتاق تارة، ويجيب فيه تارة بالوقوع؛ ولهذا [٧٦/ أ] خَرَّجَ طائفة من أصحابه كالقاضي أبي الحسين وغيره له روايتين في ذلك، وهو وإن وافق مالكًا على ذلك فقوله أوسع من قول مالك، فإنَّ أحمد لم يختلف كلامه في أن الحالف بالنذر تجزئه الكفارة، وكذلك ينفع فيه الاستثناء عنده كما ذكر ذلك أصحابه، فإنه إذا أجزأ فيه الكفارة فالاستثناء بطريق الأولى، لكن قد يقال: النذر يُخيّر فيه بين الوفاء والكفارة. فيقال: إنما يخير إذا فعل الشرط، وأما إذا وجد الشرط ولم يوجد الجزاء= تعينت الكفارة؛ ولهذا يجب أن يقال: إن أعاد الاستثناء إلى النذر لم ينفعه، كما لو أعاد الاستثناء في تعليق الشرط إلى الطلاق. فإذا قال: أنتِ طالق إنْ دخلتِ الدار إن شاء الله، أو أنت طالق إن شاء الله إن دخلت الدار؛ ومراده: أنك تطلقين مع الدخول إن شاء الله طلاقك؛ فهذا استثناء في الطلاق فلا ينفعه إذا قيل: لا ينفع في الطلاق المنجَّز، وأما إذا أعاد الاستثناء إلى الفعل واليمين فأراد: منعتُك وحلفتُ عليك لا تدخلين الدار إن شاء الله ألا تدخلي؛ فهذا ينفعه الاستثناء. ولهذا كان طائفة من أصحابه كأبي محمد وأبي البركات يقولون: إِنْ أعادَ الاستثناء إلى الفعل نفعه، وإن أعاده إلى الطلاق لم ينفعه، وَإِنْ طَلَّقَ ففيه روايتان، ويقولون في صيغة القَسَم إذا قال: الطلاق يلزمني لأفعلنَّ أو لا أفعل؛ نفعه الاستثناء قولًا واحدًا، وهذا جيد من جهة المعنى، لكن الصحيح

стр. 362

أن النزاع عنه في الصيغتين، ولأصحابه في تحقيق النزاع فيما إذا قال: إن فعلت كذا فأنت طالق إن شاء الله طُرُقٌ ذكرت في غير هذا الموضع (١). * * * *

стр. 363

فصلٌ قال المعترض: (وقوله: إنه قال في رواية أبي طالب (١): وقد سئل عن الاستثناء. قال: الاستثناء فيما يكفر، قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فكل يمين فيها كفارة غير الطلاق والعتاق. قلنا: هذا صريحٌ في استثناء الطلاق والعتاق؛ فلا يجوز بعد ذلك أن يُنْسَبَ (٢) إلى أحمد، ولا أَنْ يُخَرَّج على قواعده، لأنه (٣) إنما يخرج على قاعدة إمام (٤) ما لم يُصَرِّح بِرَدِّهِ، وفي استثنائه تصريح (٥) بنفي الحكم عنه) (٦). فنقول: لمَّا قال الاستثناء فيما يُكَفَّر، والطلاق والعتاق لا كفارة فيهما فلا استثناء فيهما [ ... ] (٧) [٧٦/ ب] أَنَّ الاستثناء فيما يكفر، [و] (٨) أن الاستثناء إنما هو

стр. 364

في الأيمان، والأيمان فيها الكفارة، لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] فأثبت سبحانه لتعقيد الأيمان كفارة دون اللغو، والطلاق والعتاق لا كفارة فيهما ولا لغو في إيقاعهما فلا يكونان من الأيمان فلا يكفران؛ هذا معنى كلامه. فإذا قال مع هذا: إن الحلف بالطلاق والعتاق لا استثناء فيهما ولا كفارة= اِطَّرَدَ قوله هذا، ونازعه مَنْ ينازعه في أن ذلك يمين أم لا، وإن قال مع ذلك: إنَّ الحلف بهما يجوز فيه الاستثناء ولا يجوز في إيقاعهما= صحَّ مع هذا أن يقول: إنَّ الطلاق والعتاق لا استثناء في إيقاعهما، كما أنه لا كفارة في إيقاعهما باتفاق المسلمين، فإن هذا مما لا ينازع فيه مسلم، ولزم إذا قال في الحلف بهما استثناء أن يكون في الحلف بهما تكفير، وأن يفرق في التكفير بين الحلف بهما والإيقاع لهما، كما فرق في الاستثناء بين الحلف بهما وبين الإيقاع بهما، وإلا انتقض علته ومذهبه ودليله حيث قال: الاستثناء فيما يكفر، وقيل له: الاستثناء عندك ينفع فيما يكفَّر وما لا يكفَّر، ولم يمكنه مع هذا أن يقول كل يمين فيها كفارة إلا ألزمهما مع قوله إن في اليمين بهما الاستثناء دون الكفارة. ومما يوضح ذلك: أن أصحابه ــ كأبي محمد وغيره ــ احتجوا على جواز الاستثناء في تعليقهما على وجه اليمين، بأنَّ هذا يمين فتدخل في قوله ﷺ : «مَنْ حَلَفَ فقال: إن شاء الله؛ فلا حنث عليه» (١) فيجب على هذا: أن

стр. 365

يدخل تعليقهما على وجه اليمين في قوله ﷺ : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها؛ فليأت الذي هو خير، وليكفِّر عن يمينه» (١). قال الشيخ أبو محمد المقدسي (٢).

стр. 366

فصلٌ وأما قوله: (إنما يخرج على قاعدة [إمام] ما لم يصرح بِرَدِّهِ، وفي استثنائه تصريح (١) بنفي هذا الحكم عنه [بخصوصه]) (٢). فيقال له: التخريج على قواعد العلماء وأصولهم ومقتضى نصوصهم وتعليلهم على وجهين: أحدهما: تخريجٌ يُجعل (٣) مذهبًا له ولا (٤) يجعل قولًا في مذهبه؛ فهذا يسوغ فيما لم يُصَرِّح بِرَدِّهِ، وأصحاب [٧٧/ أ] أحمد متنازعون: هل يجعل ما يخرج على قوله مذهبًا له؟ على طريقين: أحدهما: يجعل مذهبًا له؛ وهي طريقة الأثرم والخرقي وأبي عبد الله بن حامد والقاضي وأكثر أصحابه. والطريقة الثانية: لا يجعل مذهبًا له؛ وَذُكِرَ ذلك عن الخلال وصاحبه. وقد ذَكَرَ النزاعَ في ذلك: أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي أبو يعلى فيما قرراه من أصول المذهب (٥)، وذكر القاضي أن هذا ينبني على مسألة تخصيص العلة.

стр. 367

وقال أبو الخطاب (١). النوع الثاني من التخريج: أَنْ يُخرَّج له قولٌ يُخالفُ القولَ المنصوصَ عنه؛ كما يَفعل ذلك من يفعله من أصحاب أحمد والشافعي وغيرهما، حيث يقولون: قد نَصَّ في المسألة الفلانية على كذا وفي نظيرها على خلاف ذلك؛ فيُخَرَّجَ (٢) له قولان، وربما قالوا: نَصَّ على كذا وقياس مذهبه كذا خلاف ما نص عليه، فإنهم يجعلون مذهبه هو القول المخرَّج دون المنصوص، ويجعلون المنصوص أفتى فيه بخلاف أصله، وهو بمنزلة غلط المحدث [و] بمنزلة الغلط في الرواية، وهذا إذا لم يكن القول (٣) المنصوص يجري على أصوله الصحيحة، فإنْ أمكن تصحيحه جعلوها على قولين. ثم إذا كانت المسألتان متماثلتين لا يجوز أن يكون بينهما فَرْقٌ يَذهب إليه مجتهد، لم يختلفوا في المسألة على روايتين (٤)؛ كما إذا نصَّ على أنَّ مَنْ قال: إِنْ فعلتُ فعليَّ صدقة أنه يجزئه كفارة يمين، وإنْ قال: فعليَّ هديٌ أنه يلزمه إخراج ماله.

стр. 368

وأما إذا كان بينهما ما قد يُظَنُّ أنه فَرْقٌ= تنازعوا في الصريح؛ ومثل هذا: إذا نَصَّ في الماء المستعمل في الوضوء على أنه طهور أو طاهر، وفي الماء المستعمل في الجنابة على خلاف ذلك؛ كان له في المسألتين قولان إذ لا فرق بينهما. * * * *

стр. 369

فصلٌ قال المعترض: (قال المجيب (١): وأما كون سليمان التيمي هو الذي ذكر كل مملوك له حر؛ فجوابه من وجهين: أحدهما: أنَّ سليمان التيمي ثقة ثبت، وهو أَجَلُّ من الذين لم يذكروا الزيادة، ويشبه ــ والله أعلم ــ أَنْ يكون الذين لم يذكروا العتق هابوه (٢) [لِمَا] (٣) فيه من النزاع؛ يُبَيِّنُ ذلك: أَنَّ مِنَ الناس مَنْ لم يذكر [العتق في] (٤) ذلك عن التيمي [أيضًا، مع] (٥) أن التيمي كان يذكر العتق بلا نزاع. قال الميموني: قال أحمد: وابن (٦) [٧٧/ ب] أبي عدي لم يذكر في حديث أبي رافع عتقًا (٧). قلتُ (٨): ومحمد بن أبي عدي هو أحد (٩) من رواه عن التيمي، فَعُلِمَ أَنَّ

стр. 370

من الرواة من كان يترك (١) ذكر هذه الزيادة مع أنها ثابتة في الحديث، ولهذا لَمَّا ثبتت (٢) عند أبي ثور أخذ بها. قلتُ (٣): أما هذا الجواب الأول، وهو: أَنَّ سليمان التيمي ثقة ثبت أجل من الذين لم يذكروا الزيادة؛ فقد تقدم) (٤). والجواب أَنْ يقال: قوله: (أما هذا الجواب الأول، وهو: أَنَّ سليمان التيمي [ثقة] ثبت أَجَلُّ من الذين لم يذكروا الزيادة فقد تقدم التعرض له، وأَنَّ ذلك يُعارض بكثرة من ذكرها، ومعارضة الأثر [الآخر] لها، وأَنَّ المدعى هو المعارضة من غير ترجيح، وأَنَّ الواجب ترجيح أقوى الظنين) (٥). فيقال: قد تقدم (٦) أنه لم يترك الزيادة من يقاوم سليمان التيمي لو انفرد بها (٧)، فإنما عُرِفَ أنه تركها حميد وآخر، وقد أثبتها ثلاثة أجل وأكثر ممن تركها،

стр. 371

وأثر عثمان بن حاضر قد عرف أن الروايات الثابتة عن ابن عمر وعن ابن عباس تناقضه، وأن هذا الحديث يخالفه في غير العتق كما يخالفه في العتق، فلم يخالفه في العتق وحده، وأن هذا يوجب القطع إما بغلط راويه وإما بأنَّ الصحابة عنهم نزاع في هذا الباب، وأنه لا يمكن أحدًا أَنْ يُرَجِّح روايةَ من روى أن من الصحابة من أفتى بأن الحلف بالعتق يلزم على رواية من روى أن فيه كفارة، بل هذا مردود بعد معرفة الطرق والنظر فيها بلا نزاع بين أهل العلم بذلك. وأحمد لم تُجْمَعْ (١) عنده طرق حديث ليلى الدالة على صحة ذكر العتق، ولا اجتمعت عنده طرق حديث عثمان بن حاضر الذي يدل على اضطرابه؛ فالكلام في صحة الحديث وضعفه (٢) قد يكون من مسائل الاجتهاد التي يبحث فيها أهل العلم بذلك. وقد عُرِفَ أن جميع العلماء الذين بلغهم طرق حديث ليلى بنت العجماء مثل: أبي ثور ومحمد بن نصر وابن المنذر وأبي جعفر محمد بن جرير وابن عبد البر وابن حزم وغير هؤلاء ممن نقل النزاع = كلهم قطعوا بأن ابن عمر وحفصة وغيرهما أفتوا في الحلف بالعتق بكفارة يمين، لم أعلم أحدًا من الناس بلغته هذه الطرق طعن فيها، وأحمد لم يعلله إلا [٧٨/ أ] بانفراد سليمان به وقد عُرِفَ أنه لم ينفرد به. فصلٌ قال: (وأما قول المجيب: يشبه أن يكون الذين لم يذكروا العتق هابوه لما فيه من النزاع)؛ فإنَّ المجيب لم يجزم بهذا، بل جَوَّزَ هذا.

стр. 372

وقول المعترض: (ليس هذا عادة الرواة؛ فكم من حديث أطبق الرواة على روايته مع تنازع الفقهاء في حكمه؟ وكم من راوٍ روى ما يخالفه فيه الجم الغفير، ولم يسمع عن أحدٍ يُوثَقُ به أنه كان عنده حديث فيه حكم امتنع عن روايته هيبةً من أحد، بل إذا كان النزاعُ تَقِلُّ الهيبة، وإنما تكون الهيبة لو كانت [فيما] يخالفُ الإجماع والسواد الأعظم) (١). فيقال له: بل من الرواة من يترك ما هو عنده إذا كان العمل المشهور بخلافه، وهذا معروفٌ مِنْ حال مالك وغيره؛ ربما روى الحديث ثم يمتنع مِنْ روايته إذا كان العمل عنده بخلافه، كما امتنع من تحديثه بحديث أم سلمة: «إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي؛ فلا يأخذ من شعره ولا بَشَرِهِ شيئًا» (٢) حَدَّثَ به لشعبة (٣)، ثم تركه لكون العمل عنده بخلافه، وكان إذا سئل عنه لم يحدث (٤).

стр. 373

وكذلك حديثٌ أَنَّ في المِلْطَاة (١) نصف الموضحة (٢)، ثم ترك روايته لَمَّا رأى العمل بخلافه (٣)، وكثير من أهل الحديث يكون عنده حديث عَمِلَ الناس بخلافه فلا يحدث به. وأما قوله: (إذا كان الصحابة ــ كما قال المُصَنِّف ــ على وفق هذه الرواية؛ فمن أين تحصل الهيبة؟! والرواية كانت في إثر عصرهم، لأن المسقطين لها حميد وغيره من التابعين قبل حدوث المتأخرين المخالفين لها بزعمه) (٤). فيقال له: حميد لم يكن من المشهورين بالفتيا والفقه كسليمان التيمي، بل كان شيخًا مُعَمَّرًا عاش بعد سليمان التيمي [إلى] (٥) سنة بضع وأربعين ومائة، وكان المشهورون بالرأي بالعراق وبالمدينة مثل: ربيعة الرأي وعثمان البَتِّي

стр. 374

وأبي حنيفة وغيرهم يفتون بأنَّ فيه كفارة يمين (١)، وكان من الملوك من يكره أَنْ يُفْتَى في مثل هذا بكفارة يمين، كما هو الواقع في كثيرٍ من الأزمنة. حتى إِنَّ مالكًا لما أفتى بأن يمين المكره لا تلزم، جَعَلَ من أراد (٢) الانتقام منه هذا حجة في ضربه، وحتى شهروه وضربوه ثلاثين سوطًا (٣)، وقد (٤) [٧٨/ ب] روي عن الشافعي أنه قال: إنما حقد أمير المدينة عليه لتفضيله عثمان على علي، وسئل عن ذلك. فقال: لا أجعل من خاض في الدماء كمن لم يخض فيها (٥)، ولكن الهاشمي لم يمكنه إظهار العقوبة على هذا، فجعل ذلك حجة ليقال إنه عاقبه غضبًا للمنصور، وأنه حَلَّ أيمان البيعة، واتفق هو وقاضي المدينة على هذا. وكذلك الشافعي؛ رُوِيَ (٦) أنه لمَّا قدم بغداد في زمن الرشيد نُهِيَ أن يتكلم في الحلف بالطلاق المعلق على النكاح، لكراهة الرشيد لذلك (٧). وقد رأينا من ذلك في زماننا وغيره ما فيه عبرة؛ فكيف لا يقال مع ذلك: إنَّ حميدًا هاب ذكر العتق خوفًا من هؤلاء العلماء المُفَتِّنِيْنَ ومن الولاة المسلَّطين؟! وكان الإفتاء بلزوم العتق مشهورًا بالعراق، وهذا لما اشتهر تحليف

стр. 375

الناس بالطلاق والعتاق وإن لم يكن ذلك مشهورًا على عهد الصحابة، حتى إنه قد اِدَّعَى الإجماع على لزوم العتق المحلوف به من ادعاه من العلماء، كما ذكر ذلك ابن جرير عمن ذكره وأنكره عليه (١)، وكما ذكر إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني الإجماع على أَنَّ العتق المحلوف به والطلاق المحلوف به لا كفارة فيهما (٢)؛ فلولا ظهور العمل بأن الحالف بذلك يلزمه ولا تنفعه الكفارة ما ادعى الإجماع مَنْ هو مِنْ أهل العلم. وإذا ظهر العمل بقول في بلد أو بلاد هاب مَنْ يهاب ذكر ما يخالف ذلك، لاسيما إذا اقترن بذلك غَرَضُ بعض الولاة وعقوبتهم لمن يخالفهم، حتى إنَّ البلاد التي تظهر فيها بدعة من البدع لا يمكن أهل الحديث أن يظهروا من الأحاديث ما يخالف تلك البدعة. ولما أظهرت محنة الجهمية امتحنوا الناس عليها، حتى كتب ابن أبي دؤاد على أستار الكعبة (ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم) ولم يكتب ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]؛ حتى كانوا إذا افْتَكُّوا الأسير امتحنوه، فإنْ قال: القرآن (٣) مخلوق؛ جعلوه مسلمًا فافتكوه وإلا لم يفتكوه، وقطعوا أرزاق (٤) من لم يوافقهم وعزلوه، وكان في تلك المدة لا يُظهر أحد في [ ... ] (٥) الأحاديث المخالفة لقول الجهمية.

стр. 376

وكذلك مذهب الرافضة [٧٩/ أ] إذا ظهر في بلد لم يُمَكِّنُوا أحدًا من رواية ما يخالف مذهبهم، حتى إنه في مدينة الرسول ﷺ لما ظهر فيها قول الرافضة مع كثرة من يوجد فيها من أهل السنة ــ أيضًا ــ طلبوا قراءة البخاري فما أمكنهم قراءته إلا بين الحجر والحائط الشرقي في ذلك الموضع المستور، ثم لما ظهر عليهم الرافضة منعوهم حتى أظهر الله السنة بعد ذلك، حتى إنَّ بني عُبيد لما استولوا على مصر لم يمكن أحدًا من أهل الحديث أن يروي شيئًا من الحديث، حتى جرت مع إبراهيم بن سعيد الحبال صاحب عبد الغني بن سعيد قصة مع الصدفي (١). ولما حَدَّثَ الشعبي في الكوفة بحديث فاطمة بنت قيس، وأَنَّ رسول الله ﷺ قال لها: «لا سكنى لكِ ولا نفقة» (٢) قام بعض أكابر فقهاء الكوفة [ ... ] (٣) حضره، وقالوا: تُحَدِّثُ بحديثٍ أنكره عمر؟! (٤) وهذا حديث صحيح. رواه مسلم في صحيحه. وفقهاء الحديث كأحمد بن حنبل في ظاهر مذهبه وغيره يعملون به، وقد جعل بعض الحنفية هذا عِلَّة، فقالوا: إذا رَدَّ السلف الحديث لم يُعمل به؛ ومثلوه بهذا (٥).

стр. 377

وقد كان أبو هريرة يحدِّث بأحاديث يقول: حفظت عن رسول الله ﷺ جرابين؛ أما أحدهما فبثثته فيكم، وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم مني البلعوم (١) (٢)، وذلك الجراب وإن لم يكن فيه شيء من الأحكام وأصول الدين، وإنما فيه ذكر الملاحم والفتن. فالمقصود: أَنَّ المحدث قد يترك التحديث بأشياء خوفًا من أذًى يلحقه، ولم نَقُلْ أَنَّ كل مسألة فيها نزاع تَرَكَ كُلُّ الناس ما روي فيها، بل يَرْوِي ما فيها مَنْ لم يخف لظهور القول بذلك، أو لكونه لا يُؤذى إذا خالف ذلك، أو لا يُنكر عليه إذا حَدَّث به ونحو ذلك. وفي الجملة؛ فنحن لا نجزم بأنَّ الترك كان لهذه العلة، بل هذا أمر محتمل، وقد رأينا لهذا نظائر متعددة، يكون في الحديث لفظ يمنع منه بعض الناس، فيترك الراوي ذكره؛ إما مطلقًا وإما في بعض الأحوال. وبكر بن عبد الله قد حَدَّثَ بهذا الحديث مرات؛ فلعله تارة كان يستوفيه وتارة يختصره، فإنَّ هذا يقع كثيرًا ــ أيضًا ــ؛ وإنما (٣) كان يستوفيه لبعض الناس ويختصره لبعضهم.

стр. 378

فصلٌ قال المعترض: (قال المجيب (١): يبيِّن ذلك أن من الناس من لم يذكر ذلك عن التيمي إلى [آخره] (٢) [٧٩/ ب] عجيبٌ، ومن أين له أَنَّ ابن أبي عدي معترفٌ بثبوتها مع عدم روايته لها؟! وليس مراد أحمد بقوله: (وابن أبي عدي لم يذكر في حديث أبي رافع عتقًا) إلا أن الخلاف حاصل على (٣) التيمي [بين ابن أبي عدي] وغيره، [كما أنَّ الخلاف حاصل على بكر بين التيمي وغيره]؛ فيزداد الخلاف قوة والزيادة وهنًا) (٤). والجواب: أنَّ ابن أبي عدي لم يَنقل عنه أحدٌ إنكاره لها، بل ولا نقل عن أحد من الرواة لها عن بكر أنه أنكرها، ولا عن أبي رافع أنه أنكرها، وقد أثبتها من يعرف ابن أبي عدي بأنه أحفظ منه وأتقن، كيحيى بن سعيد القطان الذي قال أحمد: ما رأيت يعني مثله (٥). وهو إمام هذا الفن على الإطلاق لا يُشَبَّهُ به ابن أبي عدي ولا أمثاله، وأثبتها معتمر بن سليمان التيمي وهو ــ أيضًا ــ

стр. 379

أثبت في حديث أبيه بل وفي غيره من محمد بن أبي عدي (١). وحينئذٍ؛ فلا ريب أَنَّ التيمي ذكرها، وابن أبي عدي لَمَّا لم يذكرها؛ فأحد الأمرين لازم: إما أن التيمي لم يذكرها حين حَدَّثَهُ بل اختصر الحديث لسبب من الأسباب، وإما لأنه لم يُحدِّث بها إما نسيانًا لها وإما لسببٍ آخر. وأما قوله: (يرجح إسقاطها عن بكر لكثرة الذين لم يرووها) (٢). فيقال له: لا كثرة فيهم؛ بل الذين أثبتوها أجل وأكثر من الذين لم يثبتوها، وإن كان أحمد لم تبلغه الطرق المتعددة، وإنما بلغه طريق التيمي فقط. وقوله: (إنا لا نجزم بثبوتها عن التيمي، وإسقاط ابن أبي عدي لها، وأنَّ هذا الجزم لا تقتضيه صناعة الحديث، ولا يدل عليه علم الفقه والنظر) (٣). فيقال له: لم نجزم بأنَّ ابن أبي عدي هو الذي أسقطها، بل المجزوم به أن التيمي ذكرها ثم تركها؛ إما لكونه هو لم يحدث بها لبعض الناس، وإما لأن الراوي أسقطها أو نسيها، ولم نجزم قط بأنه تعمد تركها لغرضٍ، بل هذا مما يجوز، وأهل صناعة الحديث وأهل صناعة الفقه والنظر كلهم متفقون على ما ذكرناه من الجزم بأنَّ التيمي ذكرها.

стр. 380

فأحمد ــ مع أنه لم يعمل بها ــ جَزَمَ بأنَّ التيمي ذكرها، وجَزَمَ بثبوتها عن الصحابة فضلًا عن ثبوتها عن التيمي: أبو ثور ومحمد بن نصر المروزي ومحمد بن جرير الطبري وأبو بكر بن المنذر وأبو عمر بن عبد البر وأبو محمد ابن حزم، ومن شاء الله من أئمة أهل الحديث وأئمة أهل الفقه والنظر. وهذه [٨٠/ أ] كتب الناس مملوءة بحكاية الكفارة في الحلف بالعتق عن ابن عمر وحفصة وزينب، لا يُحصى عدد مَنْ نقل هذا ممن ينقل أقوال الصحابة ويرويها، ولا يُعرف أحدٌ (١) من الناس طعن في رواية هذا (٢) عن التيمي، لا من أهل صناعة الحديث، ولا من أهل الفقه والنظر، ولا يعرف أحد ممن روى طريق التيمي وأشعث طعن في هذا، بل ذَكَرَ الحلف بالعتق فيه ولا علل ذلك، بل جميع أهل العلم الذين بلغنا ذكرهم لهذا ذكروا هذه الزيادة وثَبَّتُوها ونقلوها عن الصحابة. ثم يقال له: إذا روى اثنان ثبتان كبيران حديثًا ذكرا فيه زيادة، وترك ذكرها من هو دونهما في الحفظ والإتقان؛ فالمثبتون للزيادة أكثر عددًا وأحفظ وأتقن، والتارك لها لم ينفها بل لم يذكرها، وهذا مما يصحح ذكر الزيادة فيه أهل صناعة الحديث وأهل صناعة الفقه والنظر، وإنما يختلفون إذا كَثُرَ المسقطون أو كانوا أحفظ، وأما إذا كانوا أكثر وأحفظ فما علمتهم تنازعوا في هذا. وقد تقدم ذكر هذه الزيادة من رواية معتمر بن سليمان عن أبيه، ورواها عن معتمر عبد الرزاق وعارم بن الفضل ــ كما ذكره الأثرم عنه ــ وغيرهما،

стр. 381

والظاهر أنَّ أحمد ــ أيضًا ــ سمعه إما من عبد الرزاق وإما من معتمر، إذ لا بُدَّ له من إسناد في حديث التيمي. وأما طريق يحيى بن سعيد القطان عنه؛ فذكرها أبو بكر بن زياد النيسابوري الحافظ ــ وكان له عناية بالأحاديث الفقهية وصَنَّفَ في ذلك ــ، رواها عنه: زاهر بن أحمد السرخسي، وعن زاهر: أبو حامد الإسفراييني. ورواه البيهقي عنه (١): قال أبو بكر بن زياد، حدثنا عبد الرحمن بن بشر، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سليمان التيمي، حدثنا بكر بن عبد الله، عن أبي رافع: أَنَّ ليلى بنت العجماء مولاته قالت: هي يهودية وهي نصرانية وكل مملوك لها محرر وكل مال لها هدي إِنْ لم يطلق امرأته إِنْ لم تفرق بينكما، فأتى زينب فانطلقت معه. فقالت: ههنا هاروت وماروت؟ قالت: قد علم الله ما قلتُ؛ كُلُّ مالٍ لي هدي وكل مملوك لي محرر وهي يهودية وهي نصرانية. قالت: خَلِّي بين الرجل وامرأته. قالت: فأتيت حفصة فأرسلت إليها كما قالت زينب قالت: خَلِّي (٢) [٨٠/ ب] بين الرجل وبين امرأته، فأتيت ابن عمر، فجاء معي فقام على الباب، فلما سَلَّمَ. قالت: بأبي أنت وأبوك. قال: أَمِنْ حجارةٍ أنتِ أم من حديد أنتِ؟ أفتتك زينب وأرسلت إليك حفصة. قالت: قد حلفت بكذا وكذا. قال: كَفِّرِي عن يمينك وخَلِّي بين الرجل وامرأته. فلو فُرِضَ أَنَّ ابن أبي عدي نفاها، وأثبتها يحيى بن سعيد، لم يختلف

стр. 382

أهل الحديث أَنَّ يحيى بن سعيد أثبت فيه؛ فكيف وقد أثبتها معه: معتمر بن سليمان عن أبيه؟! وابن أبي عدي لم ينف ذلك بل لم يذكره؛ فهل يقول عالم من علماء أهل الحديث أو من أهل الفقه والنظر أَنَّ ذلك يمنع جَزْمَنَا برواية التيمي لها؟! * * * *

стр. 383

فصلٌ قال المعترض: (قال المجيب (١): الوجه الثاني: أن أبا عبد الله ــ ﵀ ــ قال: بحسب ما بلغه من طرق هذا الأثر، وقد روي من وجهٍ آخر: رواه أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني السعدي في كتابه المسمى بالمترجم الذي شرح فيه مسائل إسماعيل بن سعيد الشالنجي عن أحمد وغيره، وقال فيه: حدثنا صفوان بن صالح، قال: حدثنا عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي، حدثني جسر بن الحسن، حدثني بكر بن عبد الله المزني، حدثني رفيع (٢). قال: كنت أنا وامرأتي مملوكين لامرأة من الأنصار، فَحَلَفَتْ بالهدي والعتاق أَنْ تفرق بيننا، فأتيتُ امرأةً من أزواج النبي ﷺ فذكرتُ لها ذلك، فأرسلت إليها: أَنْ كفري يمينك؛ فأبت [، ثم أتيت ابنةَ أمِّ سلمة فذكرتُ ذلك لها، فأرسلت إليها: أَنْ كَفِّرِي يمينك فَأَبَت]، فأتيت ابن عمر فذكرت ذلك له) (٣) (٤). والجواب: أَنَّ جسر بن الحسن لم نجعل روايته عمدة يحتج بها، وإنما جعلناها متابعة وشاهدًا لرواية التيمي، ولو كان الرجل فيه ضعف وهو مجروح كابن

стр. 384

لهيعة وأمثاله لجاز أَنْ يعتضد بروايته ويعتبر بها عند أهل العلم بالحديث وغيرهم، وهذا مما لا ينبغي لعاقل أن يُنازع فيه، فإنه لا يشك عاقل أن الظن يَقْوَى (١) بمتابعة شخص آخر، إذا لم يُعْرَف غلط هذا الثاني ولا كذبه. ولهذا كان التواتر يحصل عند كثرة المخبرين وإن كانوا كفارًا وفساقًا (٢)؛ ولهذا تعتبر (٣) شهادة الفساق والصبيان والنساء لوثًا عند أكثر الفقهاء (٤)، والبخاري ــ صاحب (٥) الصحيح ــ يذكر في صحيحه متابعة من لا يحتج به في (٦) الصحيح، فإنَّ ذلك يُقَوِّي [٨١/ أ] الحديث ويؤيده (٧). فإذا كان جسر بن الحسن شيخًا من شيوخ البصرة لم نَعلم أحدًا جَرَحَهُ= كان الاعتضاد بروايته ومتابعته لسليمان التيمي أولى من أَنْ نعتمد في معارضة التيمي على مثل عثمان بن (٨) حاضر، ولعله إما مثل جسر وإما دونه وإما قريب منه؛ فالاعتضاد بمثل هؤلاء أولى من أَنْ تُعارض بهم رواية الثقات الحفاظ.

стр. 385

وأيضًا؛ فأشعث بن عبد الملك الحمراني قد تابع سليمان التيمي، وأشعث هذا جليل القدر، وهو أحد المجتهدين بالبصرة، وهو من أوثق الناس، لكن غالب ما يرويه هو الفقه، فلذلك قَلَّت (١) روايته في المسندات. قال البخاري في تاريخه (٢): كان يحيى بن سعيد وبشر بن المفضَّل (٣) يثبتون الأشعث. قال يحيى بن سعيد: هو عندي ثقة مأمون (٤). وقال ابن معين: سمعت يحيى بن سعيد يقول: لم أدرك أحدًا من أصحابنا هو أثبت عندي منه، ولا أدركت بعد ابن عون من أصحاب ابن سيرين أثبت منه (٥). وقال يحيى بن معين: أشعث الحمراني ثقة (٦). وقال محمد بن سعد (٧): أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا أبو حُرَّةَ قال: كان الحسن إذا رأى الأشعث قال: هات ما عندك، هات هات ما عندك. وقد رواه عن أشعث: محمد بن عبد الله الأنصاري وروح والنضر. وأما قوله: (لفظه متردد بين أن يقول: العتق يلزمني، وبين أن يقول: عبدي حر؛ وجعله الأول من باب النذر الذي فيه الكفارة دون الثاني) (٨). فيقال: هذا غلط من أوجه:

стр. 386

أحدها: أنَّ القصة قصة واحدة ليست قصتين، فإذا كان سليمان وأشعث جزما بأنها قالت: كل مملوك لي حر، وقال جسر: حلفت بالهدي والعتاقة؛ وجب حمل رواية هذا بالمعنى على اللفظ الذي ذكره أولئك، لأنَّ الأصل اتفاق الروايات وتصادقها لا اختلافها وتناقضها. الثاني: أنه إذا قال: فلان حلف بالعتق والهدي؛ فالمفهوم منه: أنه حلف بلزوم العتق، كقوله: إن فعلت كذا فكل مملوك لي حر أو مملوك فلان حر ونحو هذا، وأما إذا قال: إن فعلت كذا فعليَّ أَنْ أُعتق، فهذا حالف بالنذر، بنذر العتق، لم يحلف بنفس العتق. الثالث: أن الحلف (١) [٨١/ ب] بالعتق الذي اعتاده الناس هو الحلف بإيقاعه لا بنذره. الرابع: أن حمله لذلك على قوله: (العتق يلزمني) حجةٌ عليه؛ فإنه قد قال في قوله: (الطلاق يلزمني)؛ أن هذا يراد به في العرف الحلفُ بوقوعِ الطلاق لا أنه يحلف بالالتزام لإيقاعه، فكذلك إذا قال: (العتق يلزمني) إنما يراد به في العرف الحلف بوقوع العتق لا الحلف بالتزام إيقاعه، لا فرق بين قول القائل: الطلاق يلزمني والعتق يلزمني. والمعروف عند الناس إذا قال القائل: العتق يلزمني والحرام يلزمني والطلاق يلزمني وأيمان المسلمين تلزمني؛ فإن هذا كله حلف بلزوم هذه الأمور له لا نذرٌ لهذه الأمور، ولكن هذا اللفظ قد يراد به: أنه يلزمني أن أعتق، كما قد يراد به: يلزمني أَنْ أُطَلِّقَ فهذا نذر، ولكن المعنى المعروف منه

стр. 387

عند الإطلاق إنما هو: يلزمني وقوع العتق ووقوع الطلاق، وهو بمنزلة يقع بي العتق إن فعلت كذا، أو يقع بي الطلاق إن فعلت كذا، أو وقوع الطلاق قد يلزمني إن فعلت كذا، أو وقوع العتق قد لزمني إن فعلت كذا. الخامس: أنه لو سلم أنَّ لفظ الحالف: (إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ أَنْ أُعْتِقَ عبدي)؛ فسنبين ــ إن شاء الله ــ أنه ليس بين قوله (١): (فعليَّ أن أعتق)، وبين قوله: (فعبدي حر) فَرْقٌ معنوي في باب الأيمان، ولا يُعرف عن أحدٍ من الصحابة أنه فَرَّقَ بينهما، وقد ثبت النزاع في قوله: وكل مملوك لي حر، والروايةُ بالكفارة في ذلك عن الصحابة ﵃ أَثبتُ من الرواية بلزوم ذلك، وحينئذٍ؛ فهو حجة لنا على كل تقدير. ونحن إنما ذكرنا أَنَّ الأوزاعي إمامٌ يَعرف معاني الحديث لنبيِّن أَنَّ ضبطه ذكر العتاقة في الحديث مع علمه بما فيه من النزاع، ومع أَنَّ قوله يخالفه= لِيُعْلَمَ؛ فيكون هذا مما يقوي ذكر العتق في الحديث. وأما قوله: (فتمسك (٢) باللفظ الذي رواه) (٣). فيقال: لا يقول عاقل إنَّ اللفظ الذي رواه ظاهره أنه يحلف بنذر العتق [كـ] (٤) قوله: إن فعلت [فَعَلَيَّ] (٥) أن أعتق؛ فإنَّ عاقلًا لا يقول: إنَّ هذا ظاهر روايته، بل لا يُفْهَم هذا مِنْ هذا اللفظ.

стр. 388

وحينئذٍ؛ فإما أن يكون الحديث عامًّا في الصورتين: [٨٢/ أ] صورة الحلف بنذر العتق وصورة الحلف بالعتق، كما يدل عليه كلام المعترض حيث قال: (ولا نحمله على ما هو أخص منه) (١)، وإما أن يكون مختصًّا بإحداهما؛ فيكون اللفظ مشتركًا أو حقيقة ومجازًا. فإنْ كان اللفظ عامًّا لهما حصل المقصود، وَدَلَّ على أنهم أفتوا بالكفارة في كليهما (٢)، وذلك مثل أن تقول المستفتية للصحابة: حلفت بالهدي وبالعتاقة، وقولها: حلفتُ بالعتاقة؛ يتناول قولها: إن فعلت فمملوكي حر. وقولها (٣): فعلي أن أعتق مملوكي والعتق يلزمني ونحو ذلك. فإذا كان لفظ المستفتية يَعُمُّ هذا كله، وقد أجابها الصحابة بالكفارة في هذا= حصل مقصود المجيب، وأنهم أفتوها بالكفارة في صورة النزاع؛ إذ هي أحد أفراد اللفظ العام التي تتناولها الفتيا. فإنْ قيل: اللفظ إنما يدل على صورة واحدة دون أخرى؛ إما بطريق الاشتراك اللفظي وإما بطريق الحقيقة والمجاز، فمعلوم أَنَّ المجاز والاشتراك على خلاف الأصل (٤)؛ فَحَمْلُ اللفظ على ما ينفيهما أولى من

стр. 389

حمله على ما يثبتهما. وإن قيل: بل لفظ الحلف بالعتاقة يَعُمُّ، والسائلة إنما سألت بلفظٍ يدل على الخاص، ولم ينقل إلينا ذاك. قيل: إطلاق الناقل لهذا اللفظ والجواب دليلٌ على أَنَّ مناط الحكم هو القدر المشترك العام الموجود في الصورتين لا ما يختص به إحداهما. وحينئذٍ؛ فيكون الراوي لهذا الحديث فَهِمَ ممن حَدَّثَهُ أن الصحابة الذين أجابوا يسوون بين الصورتين، فتكون هذه الرواية موافقة لتلك لا مخالفةً لها. ولو قُدِّرَ أَنَّ هذا اللفظ محتمل، وتلك الرواية من طريقين قد بين أن السؤال كان عن قولها: (كل مملوك لي حر)، وهذا قال في روايته: (إنه حَلَفَ بالعتاقة) = كان حمل هذه الرواية على ما يوافق تلك أولى؛ فإنَّ الأصل اتفاق الرواة لا اختلافهم. فإنَّا لو (١) حملناه على أنها حلفت بالنذر لَزِمَ تغليطُ إحدى الروايتين، مع أنه لا دليل على غلطه بوجهٍ من الوجوه، وحمله على الموافقة يتضمن [نفي الغلط، والنافي] (٢) للغلط مُقَدَّمٌ على مثبته، لا سيما في حق مَنْ لم يُعْرَف غلطه، وأن الغلط في الرواية نادر جدًّا بالنسبة إلى عدمه حتى في حق المعروفين [بكثرة الغلط؛ فما] (٣) [٨٢/ ب] لا يغلطون فيه من الألفاظ أضعاف أضعاف ما يغلطون فيه. وحينئذٍ؛ فيلحق النادر بالغالب لا سيما من

стр. 390

محدث لم يعرف غلطه، وما يَحْمِل كلام المحدثين على الغلط بلا دليل أصلًا ولا شبهةِ دليلٍ إلا مَنْ هو أبعد الناس في العلم والدين (١). ثم بتقدير غلط أحدهما؛ تغليط جسر بن الحسن أولى من تغليط التيمي وأشعث الذين رويا أنها قالت: كل مملوك لي حر؛ وجسر يحتج بمتابعته على ذكر العتق، لا على لفظه الذي خالف فيه من هو أوثق منه وأكثر منه عددًا، هذا لو صرح بما يخالف لفظهما؛ فكيف والأمر بخلاف ذلك؟ وأيضًا؛ فقد بيَّنَّا أن الحلف بالعتاقة إنما يفهم منه عند الإطلاق: الحلف بوقوعه لا بنذره [ ... ] (٢)، فقول المعترض: (لفظ الحلف بالعتاقة متردد بين كذا وكذا) إنْ أراد أنه بطريق أن اللفظ لا يدل إلا على أحدهما، لأن دلالته على الآخر بطريق الاشتراك أو المجاز= كان هذا مناقضًا لقوله: (لا يحمله على ما هو أخص منه)، فإنَّ هذا يدل على أنَّ اللفظ الذي رواه الأوزاعي مشترك (٣) لا حقيقة ومجاز. وإن أراد أنَّ اللفظ عام؛ فالعام لا تردد فيه، وإن أراد أنه لا يعلم ماذا وقعَ في لفظ الراوي إذا كان عامًّا= كان دليلًا على أنه فهم أنَّ المعنيين سواء عند السائل للصحابة الذين أفتوه، وأن السائل فهم عن الصحابة التسوية، وتكفي الرواية بالمعنى لا سيما ومن هو أكثر عددًا وأفضل منه حفظًا وفهمًا ذكروا لفظ الحالِفَة: (كل مملوك لي حر إِنْ فعلت كذا).
следующие страницы →