وبالجملة: فالله تعالى يفعل ما يشاء.
قال القاضي: كما يجوز أنَّ الله تعالى يرفع التكاليف كلها يجوز أن يرفع بعضها بلا بدل مِن باب أَوْلي.
وأما تَعلُّق الخصم بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] الآية فالمراد: لا ينسخ لفظ إلا ويُؤتَي بلفظ خير منه، لا في نَسخ الأحكام. ولو سُلِّم أن الآية باقية علي عمومها فقد يكون النسخ بلا بدل خيرًا؛ لمصلحة يعلمها الله تعالى، فالآية شاملة له.
وأيضًا: فالذي في الآية نَفْي إيقاع ذلك، فمِن أين نفي الجواز؟
وأما بحث الوقوع المشار إليه في النَّظم بالنقل عن الشافعي (رحمه الله تعالى) أنه نفاه فليس المراد أن الشافعي نفي أن لا يُنسخ حكم إلا ويثبت حُكم آخر متجدد، بل علي معني آخَر نذكره بعد حكاية النص.
وذلك أنَّ الشافعي (رحمه الله تعالى) قال في "الرسالة" في ابتداء الناسخ والمنسوخ: (وليس يُنسخ فرضٌ أبدًا إلا أُثبت مكانه فرضٌ، كما نُسخت قِبلة بيت المقدس فأثبت مكانها الكعبة) (١). انتهى
قال الصيرفي في شرحه: (إن مراده أن يُنقل مِن حظر إلي إباحة أو مِن إباحة إلي حظر أو تخيير علي حسب أحوال الفروض).
قال: (كنسخ المناجاة، فإنه تعالى لَمَّا فرض تقديم الصدقة، أزال ذلك بِرَدِّهم إلي ما كانوا عليه. فإنْ شاءوا تَقرَّبوا إلى الله تعالى بالصدقة، وإنْ شاءوا ناجوه من غير صدقة).
قال: (فهذا معنى قول الشافعي: فرض مكان فرض. فَتَفَهَّمه). انتهى
стр. 1822
فظهر أن مراد الشافعي بالبدل أَعَم مِن حُكم آخر ضد المنسوخ، كالقبلة أو الرد لِما كانوا عليه قبل شَرْع المنسوخ، كالمناجاة. فالمدار على ثبوت حُكم شرعي في المنسوخ في الجملة حتى لا يتركوا هملًا بلا حُكم في ذلك المنسوخ بالكُلية؛ إذْ ما في الشريعة منسوخ إلا وقد انتقل عنه إلى أمر آخَر ولو أنه إلى ما كان عليه قبل ذلك، فلم يغادر الرب عباده هملًا.
فالصور أربع:
[إحداها] (١): الجواز. ولا يخالف فيه إلا بعض المعتزلة والظاهرية.
والثانية: الوقوع بلا بدل أصلًا، ويصير ذلك بلا حُكم أصلًا، بل يبقي كالأفعال قبل ورود الشرع. وهذا -مع جوازه- لم يَقُل به أحد، ولا حُفِظ فيه شيء في الشرع يكون مِثالًا له.
والثالثة: وقوعه ببدل، إما بإحداث أمر (كالكعبة) أو بإباحة ما كان واجبًا (كالمناجاة)، وهو الذي أراده الشافعي بقوله السابق، فلا يُفهم مما أراد من البدل إلا ذلك، وهو قضية كلام القاضي أبي بكر أيضًا، وهو الحقُّ كما قررناه.
والرابعة: وقوعه ببدل متجدد أصل -كالكعبة بعد بيت المقدس- يكون شرطًا لا بُد منه، وهي مسألة الوقوع التي يقع فيها الخلاف.
والجمهور علي عدم اشتراط مثل ذلك، وليس ذلك محل كلام الشافعي.
وممن أشار إلي ما قررناه إمام الحرمين في "التلخيص مختصر التقريب"، والله أعلم.
стр. 1823
ص:
٧٥٢ - وَمَا بِهِ فَقَدْ يَكُونُ أَثْقَلَا ... كَرَمَضَانَ بَعْدَ عَاشُورَا انْقُلَا
٧٥٣ - وَالنَّسْخُ بِا لْأَخَفِّ كَالْمُصَابَرَهْ ... [لِعَشْرَةٍ] (١) بِالضِّعْفِ فِيمَنْ صَابَرَهْ
الشرح:
إذا تَقرر أنَّ النَّسخ جائز وواقع ببدل وبغير بدل، فإذا كان ببدل، فالبدل إما مساوٍ أو أخف أو أثقل. والأولان جائزان باتفاق.
مثال المساوي: نسخ استقبال بيت المقدس بالكعبة. وإنما لم أتعرض له لوضوحه.
ومثال الأخف: وجوب مصابرة العشرين من المسلمين مائتين من الكفار، والمائة ألفًا، كما في الآية تضمنت مصابرة كل طائفةٍ من المسلمين عشرة أمثالهم نُسخ بقوله تعالي: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] فأوجب مصابرة الضعف، وهو أخف من الأول.
ومثله: نَسخ العدة بالحول في الوفاة بالعدة بأربعة أشهر وعشر.
وأما النسخ بالأثقل فهو محل الخلاف، فقال بعض أهل الظاهر بمنعه.
قال ابن برهان في "الوجيز": ونقل ناقلون ذلك عن الشافعي، وليس -أيْ هذا النقل- بصحيح عنه.
ثم منهم مَن أجاز ذلك عقلًا ومنع منه شرعًا، وهو رأي أبي بكر بن داود الظاهري، ومنهم مَن منعه عقلًا، ومنهم مَن قال: يجوز ولكن لم يقع.
стр. 1824
دليل القول الصحيح -أنه جائزٌ واقعٌ- أنَّ الكَف عن الكفار كان واجبًا بقوله تعالي: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨]، فنُسخ بإيجاب القتال وهو أثقل، أي: أكثر مشقة.
وكذا نسخ وجوب صوم يوم عاشوراء بصوم رمضان، وهو أثقل. ولكن هذا علي طريقة مَن قال: كان عاشوراء واجبًا، فنُسخ برمضان. وهو قول أبي حنيفة وظاهر كلام أحمد، وعليه جريتُ في التمثيل في النَّظم تبعًا لتمثيل كثير من الأصوليين. لكني لوحتُ بقولي: (انْقُلَا) إلي الأمر بنقل هذا عن مَن قاله ومَثِّل به ولكن لا تعتقده. هذا مرادي: بـ "انْقُلَا".
وقصرتُ "عَاشُورَا"؛ للضرورة.
والذي قاله الشافعي: إنه لم يكن واجبًا، إنما كان متأكد الاستحباب فقط. وبه قال كثير مِن الحنابلة وغيرهم. ولَمَّا فُرض رمضان لم يَصِر تأكُّده بَعد ذلك كما كان قَبله.
نعم، وافق بعض أصحاب الشافعي أبا حنيفة في ذلك؛ تمسُّكًا بظواهر أحاديث وردت لا تقاوم صريح الأحاديث الصحيحة، كحديث معاوية في "الصحيحين" أنه حج، فقال علي المنبر يوم عاشوراء: "يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لهذا اليوم: هذا يوم عاشوراء، لم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم. فمَن أَحَب منكم أن يصوم، فَلْيَصُم، ومَن أَحَب أنْ يفطر فليفطر" (١).
وفي "مسلم" عن عائشة ﵁: "إنَّ يوم عاشوراء كان يُصام في الجاهلية، فلمَّا كان الإسلام مَن شاء صامه ومَن شاء تركه" (٢). وغير ذلك وليس هذا محل بسطه. والله أعلم.
стр. 1825
ص:
٧٤٥ - وَلِلْوُجُوبِ وَحْدَهُ يَرْتَفِعُ ... وَبَعْدَهُ الْجَوَازُ يَبْقَي الْمَرْجِعُ
الشرح:
أي: إذا نُسخ الوجوب وحده، فهل يرتفع معه الجواز؟ أو يبقي؟
فيه مذهبان:
أحدهما: وهو ما جرى عليه الإمام الرازي وأتباعه: أنَّ الجواز بعد نَسخ الوجوب باقٍ؛ لأنَّ الصورة أنه رفع الوجوب وحده بأنْ يقول الشارع: نسختُ الوجوب أو حُرْمَة الترك، أو: رفعتُ ذلك. والوجوب كان مُركبًا مِن جزأين: أحدهما هذا، والثاني جواز الفعل. فإذا رفع أحدهما، يبقي الآخَر. بخلاف ما لو نُسخ الوجوب بالتحريم، أو قال: رفعتُ ما دل عليه الأمر السابق مِن جواز الفعل ومنع الترك. فهذا يرتفع الجواز فيه قطعًا ويثبت التحريم. وهذا ما ذهب إليه الإمام الرازي وأتباعه، ورجَّحه المتأخرون.
ومقابلُه المذهب الثاني: نقلوه عن الغزالي: أنَّ الجواز لا يبقي، بل يرجع الأمر إلي ما كان قبل الوجوب مِن البراءة الأصلية أو الإباحة أو التحريم، وكأنَّ الوجوب بَعد نَسْخه لم يكن.
قال شيخنا الزركشي في "شرح جمع الجوامع": (إن هذا هو الذي وجدته في كلام أكثر أصحابنا الأقدمين) (١). وعاب علي ابن السبكي قوله في "شرح المنهاج": (إن الأول قول الأكثرين)؛ لأنه إنما هو قول الإمام وأتباعه.
قلتُ: لكنه يقوي بما سنذكره من قاعدة "إذا بطل الخصوص، يبقي العموم" القائل بها جماهير أصحابنا في كتب الفروع.
стр. 1826
نعم، المراد بِـ "الجواز" فيه أقوال:
أحدها: أنه رفع الحرج عن الفعل، لا الإباحة التي هي رفع الحرج عن الفعل وعن الترك معًا؛ لأن هذه ليست هي جنس الوجوب، إنما جنسه الجواز بمعني: رفع الحرج عن الفعل.
الثاني: أن المراد بالجواز: التخيير بين الأمرين. وهذا ما صرح به الغزالي، وهو ظاهر كلام الإمام وأتباعه؛ لأنه بهذا المعني وإنْ لم يكن جنسًا للواجب لكن يخلف عند النسخ قَيْدَ "المنع مِن الترك" -الذي هو فصل الإيجاب- فصلُ "رفع الحرج عن الترك" (١)، فيكون الجنس الذي هو قَدْر مشترك بين الإيجاب والإباحة.
ولو سلمنا أنه لا بُدَّ له مِن فصل يتَقَوَّم به ولا يتقوم بنفسه كما يقوله ابن سينا متقوِّمًا بأحد الأمرين فلم يتقوم جنس بدون فصل.
وعلي مثل ذلك قول بعضهم:
[أيا] (٢) من حياتي جنس فَصْل وصاله ... ومن عيشتي ملزوم لازم قُربه
[أَيُوجَدُ] (٣) مَلْزُومٌ ولا لازِم له ... [مُحَالٌ]، (٤) وجِنْسٌ لَمْ يَقُمْ فَصْلُه به
لكن قد خالف الإمامُ وأتباعُه ابنَ سينا في أنَّ فصل الجنس ليس عِلة لوجود [حصته] (٥) من الأصل، وإنما هما معلولان لِعلة واحدة وهو حصول الماهية المركَّبة منهما.
стр. 1827
وتقرير ذلك مشهور في الكتب الحكمية.
الثالث: أن الباقي بعد نسخ الوجوب الجوازُ المشترك بين الإباحة والندب، فيبقي الفعل إما مباحًا أو مندوبًا؛ لأنَّ الماهية الحاصلة بعد النسخ مركَّبة مِن قيدين:
أحدهما: زوال الحرج عن الفعل، وهو مستفاد من الأمر.
والثاني: زوال الحرج عن الترك، وهو مستفاد من الناسخ.
وهذه الماهية صادقة على المندوب والمباح؛ فلا يتعيَّن أحدهما بخصوصه.
الرابع: أن الباقي هو الجواز ومُطْلَق الطلب اللذان قد استُفِيدَا أولًا من الأمر الذي هو الإيجاب؛ لأنَّ المرتفع إنما هو التَّحَتُّم بالطلب، فبزوال التحتم يبقي أصل الطلب، وذلك هو الندب، فيبقي الفعل بعده مندوبًا.
وهذا القول حكاه في "جمع الجوامع". واستشكل بقول ابن القشيري في تقرير الدليل علي أنَّ الجواز لا يبقي بعد نسخ الوجوب: (إنه لو جاز أن يقال: يبقي الجواز، لساغ أن يقال: يبقي الندب. لاسيما والاقتضاء الكائن في الندب كائن في الوجوب. والمحكي قصر الخلاف على الجواز). انتهى
ونحوه قول الغزالي: (إن هذا بمنزلة قول القائل: كل واجب فهو مندوب وزيادة. فإذا نُسخ الوجوب، يبقى الندب. ولا قائل به) (١). انتهى
فاقتضى كلامهما أن كونه يبقي الندب لم يَقُل به أحد وإنْ كان الرد على القائلين ببقاء الجواز بذلك ليس بجيد؛ لأنهم لم يُعَيِّنوا الجواز مجردًا، بل أرادوا به الأعم، لكن هذا إنما يمشي على القول الثالث في تفسير الجواز. أما على الأولين فيتوجه الرد به. نعم، الندب علي
стр. 1828
ما قررناه لا يَبْعُد القول به.
وأما قول شيخنا الزركشي في شرحه: (إن الظاهر أن صاحب "جمع الجوامع" أخذه مِن "المسودة الأصولية" لمجد الدين ابن تيمية؛ فإنه قال: إذا صُرِف الأمر عن الوجوب، جاز أن يحتج به على الندب والإباحة. وبه قال بعض الشافعية وبعض الحنفية) (١). انتهى
فليس صريحًا في تَعيُّن الندب؛ لجواز أن يُراد الأَعَم منهما كما سبق تقريره في القول الثالث.
تنبيهات
الأول: ذهبت طائفة إلي أن الخلاف لفظي، منهم ابن التلمساني والهندي؛ لأنَّا إنْ فسَّرنا الجواز بنفي الحرج فلا شك في أنه جنس للواجب، وإذا رُفِع الوجوب وحده فلا يلزم ارتفاعه. وإنْ فسرناه بالإباحة أو الأعم أو بالندب فخاصَّتها تُنافي خاصة الوجوب. فليس شيء منهما جنسًا للوجوب. فإذا رُفع الوجوب، لا توجد إلا بدليل يخصها؛ فلا نزاع؛ لأنَّ الأقوال لم تتوارد علي محل واحد.
قلتُ: الذي [يُصَيِّر] (٢) الحال إلى ما كان قبل الإيجاب مِن إباحة أو تحريم أو كراهة غيرُ الذي يأخذ مِن حدوث الإيجاب بعد ذلك أن تبقي إباحة شرعية أو ندب كما قررناه حتي يستدل علي أنه مباح أو مندوب بذلك الأمر الذي نسخت خاصة التحتُّم منه وبقية ما تضمنه باقية؛ فلا يكون الخلاف لفظيًّا، بل معنويًّا؛ لأنه إذا كان قبل مجيء أمر الإيجاب حرامًا وأُعيد الحال إلى ذلك، كان حرامًا. ومَن يقول بنفي الجواز، يقول: لا يكون حرامًا.
стр. 1829
الثاني: إذا كان أمر الإيجاب متضمنًا لشيئين: أَعَم وأَخَص، فإذا رُفع الأخص وبقي الأعم، كيف يكون نسخًا ولم يُرفع الكل وإنما خصصه؟
وجوابه: أن رفع أحد الجزأين مِن المركَّب لا يكون تخصيصًا، إنما التخصيص إخراج جزئي مِن كُلي.
فإنْ قيل: فلمَ لا يكون ذلك قرينة مُبيِّنة أن المراد بذلك الأمر هو الإباحة أو الندب، كما لو وردت صيغة "افعل" واقترن بها ما يدل على أنه لا حرج في تركه، فإنَّا نحملها على الندب أو الإباحة، ولو كان ناسخًا لما جاز اقترانه به؛ لأنَّ مِن شرط الناسخ التراخي؟
قلتُ: قد تُفرض المسألة في أنَّ الرافع للوجوب إنما جاء متراخيًا بعد ثبوته وتَقرُّره؛ فيكون نسخًا قطعًا.
نعم، إنْ كان الغزالي لا يُسمي ما رفع أحد الجزأين نَسخًا فيرجع النزاع لفظيًّا في تسميته نسخًا أوْ لا.
الثالث: اختلاف الأصوليين في هذه المسألة يناظره اختلاف الفقهاء في أنه إذا بطل الخصوص، هل يبقي العموم؟ وفيه فروع كثيرة:
منها: مَن صلَّي الظهر قبل الزوال ظانًّا للزوال، لا تنعقد صلاته ظهرًا. وفي انعقادها نفلًا هذا الخلاف، والأرجح: نعم.
ومنها: أحال المشتري البائع بالثمن على رجُل ثم وجد بالمبيع عَيبًا، فَرَدَّه، بَطُلت الحوالة على الأصح. وهل للمحتال قبضه للمالك بعموم الإذن الذي تضمنته الحوالة؟ فيه الخلاف.
ومنها: عَجل الزكاة بلفظ: هذه زكاتي المعجلة فقط، فهل له الرجوع إذا عرض مانع؟
стр. 1830
أصح الوجهين: نعم، والثاني: يقع نفلًا. و [قربها] (١) الإمام مِن الخلاف في مسألة الصلاة قبل الزوال.
ومنها: أنَّ الوكالة لا تُعَلَّق، فلو عُلِّقَت فتصرَّف الوكيل بعد حصول الشرط، فأصح الوجهين: الصحة؛ لعموم الإذن. خلافًا لقول الشيخ أبي محمد.
ومنها: قالت لِولِيِّها: وكلتك بتزويجي. قال الرافعي: (فالذين لقيناهم من الأئمة لا يَعتدُّون به إذنًا، لأنَّ توكيل المرأة في النكاح باطل. لكن الفرع غير مسطور، ويجوز أن يُعتد به إذنًا؛ لِمَا ذكرناه في الوكالة) (٢).
ومنها: قال الماوردي: (إذا فسدت الشركة، بَطُل أصل الإذن في التصرف). انتهى
وينبغي أن يتخرج على الخلاف في الوكالة.
ومنها: باع بلفظ السَّلم، ليس بسلم قطعًا. وفي انعقاده بيعًا قولان، أظهرهما: لا. وبنوا الخلاف على أن العِبرة بِصِيَغ العقود؟ أَم بمعانيها؟ ويتجه بناؤه علي ما سبق.
ومنها: شَرَطَا الخيار لثالثٍ وأبطلناه. هل يبقي الخيار لهما لكونهما شرطاه وقد بَطُل الخصوص فيبقي العموم؟ يتجه تخريجه علي القاعدة.
ومنها: أحال بالدراهم على الدنانير أو بالعكس، لم يصح.
فهل تكون حوالة علي مَن لا دَيْن عليه؟ وهل يعمل بأصل الحوالة عملًا بهذه القاعدة ويتخرج على الخلاف في الحوالة على مَن لا دَين عليه؟ يتجه ذلك.
والله أعلم.
стр. 1831
ص:
٧٥٥ - وَلَيْسَ مِنْ نَسْخٍ زِيَادَةٌ عَلَى ... نَصٍّ، كَذَا جُزْءٌ وَشَرْط أُكْمِلَا
الشرح:
تضمن هذا البيت مِن مباحث النسخ ثلاث مسائل فيما إذا زِيد شيء علي ما تَقرر بنص الشارع.
وذلك أنه إما زيادة عبادة مستقلة وإما غير مستقلة.
وغير المستقل: إما زيادة جزء مِن أجزاء الماهية داخلًا فيها، وإما في شروطها الخارجة عنها.
فالأول: إذا زِيدت عبادة مستقلة:
وهو ضربان:
أحدهما: أن يكون مِن غير جنس المزيد عليه، كزيادة وجوب الزكاة علي وجوب الصلاة، وزيادة وجوب الصوم على ذلك، وزيادة وجوب الحج علي ذلك.
فهذا جائز وواقع، وليس نسخًا كما سبق باتفاق؛ فإنَّ أول ما فُرض الشهادتان، ثم الصلاة في ليلة الإسراء، ثم الزكاة في السنة الثانية والصوم ثم الحج. ومَن استقرأ الشريعة، وجدها كلها كذا: شيئًا فشيئًا.
ثانيهما: أن يكون مِن جنس ما سبق، كزيادة صلاة على الصلوات الخمس.
فالجمهور علي أنه ليس بنسخ. وقال بعض أهل العراق: يكون نسخًا. وقد نقل ذلك ابن الحاجب ولم يعقبه بِرد ولا إنكار، بل قال: (العبادات المستقلة ليست نسخًا. وعن
стр. 1832
بعضهم: صلاة سادسة نسخ) (١). ثم انتقل إلى ذِكر مسألة زيادة جزء أو شرط.
وأما البيضاوي فأشار إلي حُجتهم بقوله: (قيل: تغير الوسط. قُلنا: وكذا زيادة العبادة) (٢).
فبيَّن أن سبب قولهم: (إنه نسخ) كونه يُغير الوسط. وكذا نقل غيره.
لكن المدَّعَي عام، وهو مطلق زيادة من الجنس، سواء في الصلاة أو غيرها مما له وسط وما لا وسط له. والدليل خاص، وهو زيادة صلاة سادسة علي خمس حتي أنَّ الوسط يتغير بذلك.
فإنْ كان محل خلافهم في الأَعم، فدليلهم هذا ساقط؛ لأنَّ كون الشيء له وسط أو آخِر ويتغير ذلك بالزيادة فهو ليس بشرعي؛ لأنَّ الوسط والآخِر أمر اعتباري عقلي لا يَرِد النسخ عليه.
وإنْ كان محل خلافهم هذه الصورة الخاصة، فلا ينبغي تعبيرهم بمطلق الزيادة واعتلالهم بتغير الوسط -تَغَيُّر كونه متوسطًا بين متساويين- فهذا أمر حقيقي عقلي، لا شرعي حتي تكون إزالته نسخًا.
وأيضًا: فلا يختص بصلاة سادسة، بل يجري في كل مزيد.
وإنْ أرادوا أن الوسطي مأمور بالمحافظة عليها فبزوالها يزول ذلك: فإنْ كان المسمي بِـ "الوُسطَي" صلاة مُعيَّنة مِن عَصْر أو غيرها وأنَّ ذلك [كالعَلَم] (٣) عليها، فالأمر بالمحافظة عليها باقٍ ولو زِيدَ على الخَمس أو نقص منها.
стр. 1833
وإنْ كان "الوُسطَى" المأمور بالمحافظة عليها مرادًا بها المتوسطة كيف كانت، فالذي يظهر حينئذٍ أنَّ الأمر يختلف بما يُزاد.
فإنْ زِيدَ واحدة، فهي ترفع الوسط بالكُلية، ويتجه ما ذكروه، لأنَّ الوسط حينئذٍ وإنْ كان أمرًا حقيقيًّا إلا أن الشرع وَرَدَ عليه وقَرره؛ فتكون الزيادة نسخًا للأمر الشرعي.
وإنْ زيد ثنتان أو نحو ذلك مما لا يرفع الوسط، فلا نَسخ، ويكون الأمر بالمحافظة علي تلك الصلاة لذاتها، وكونها وسطًا إنما هو أمر اتفاقي. وإنْ كان الأمر بالمحافظة عليها إنما هو مِن حيث كونها وسطًا؛ [لِسِرٍّ شرعي] (١) فهو لم يَزُل بالزيادة.
الثاني والثالث: إذا زِيد في الماهية الشرعية جزء أو شرط، فلا يكون ذلك أيضًا نسخًا على المرجَّح. وبه قال الشافعية والحنابلة وجماعة مِن المعتزلة كالجبائي وأبي هاشم. وهو معنى قولي: (كَذَا جُزْءٌ وَشَرْطٌ أُكْمِلَا).
فمثال زيادة الجزء: زيادة ركعة، وزيادة التغريب على الجَلد، أو جَلد آخَر علي العدد المقَرَّر.
مثال زيادة الشرط: زيادة وصف الإيمان في إعتاق رقبة بالإطلاق.
ووراء هذا المذهب مذاهب أخرى:
أحدها: أنه يكون نسخًا مطلقًا. وبه قالت الحنفية، واختاره بعض أصحابنا وادَّعي أنه مذهب الشافعي، قال: لأنَّ قوله ﷺ : "الماء من الماء" (٢) نُسخ بقوله: "إذا التقي الختانان" (٣)؛ لأنَّ الموجِب كان هو خروج المني فقط، فزِيد عليه التقاء الختانين.
стр. 1834
قال ابن السمعاني: (وهذا غلط؛ لأنَّ "الماء مِن الماء" إنما دل على نفي غيره من حيث دليل الخطاب، فهو نَسخ للمفهوم، لا للنص مِن حيث الزيادة) (١).
وليس هذا رأي مَن قوله التفصيل بين ما نفاه المفهوم وما لم ينفه؛ لأنَّ ذاك يجعل ما نفاه المفهوم نَسخًا للنص.
ثانيها: إنْ كانت الزيادة قد أفادت خلاف ما استُفيد مِن مفهوم المخالفة، كانت نسخًا، كإيجاب الزكاة في معلوفة الغنم، فإنه يفيد خلاف مفهوم "في السائمة زكاة"، وإلا فلا.
ثالثها وبه قال عبد الجبار: إنْ غيرت الزيادة المزيد عليه تغييرًا شرعيًّا بحيث صار المزيد عليه لو فُعل بعد الزيادة كما كان يُفعل قَبْلها كان وجودُه كعدمه ووجب استئنافه كزيادة ركعة علي ركعتي الفجر، كان ذلك نسخًا. أو كان قد خيّر بين فِعلين فزِيد فِعل ثالث، فإنه يكون نسخًا، وإلا فلا، كزيادة التغريب علي الجلد، وزيادة عشرين جلدة على حد القاذف، وزيادة شرط منفصل في شرائط الصلاة كاشتراط الوضوء. كذا نقله الآمدي عنه خلافًا لِمَا في "مختصر ابن الحاجب" في نقله.
رابعها وبه قال الغزالي: إنْ كانت الزيادة متصلة بالمزيد عليه اتصال اتحاد رافع للتعدد والانفصال كزيادة ركعتين، فنسخ، وإلا فلا، كزيادة عشرين جلدة.
خامسها: وبه قال الكرخي وأبو عبد الله البصري: إنْ كانت الزيادة مغيِّرة لحكم المزيد عليه في المستقبل كزيادة التغريب وزيادة عشرين جلدة علي القاذف مثلًا، كان نسخًا، وإلا فلا.
وسواء كانت الزيادة لا تنفك عن المزيد عليه كما لو أَوجب علينا ستر الفخذ فإنه يجب ستر بعض الركبة؛ لأنه مقدمة الواجب، أو كانت الزيادة عند تَعذُّر المزيد عليه، كإيجاب
стр. 1835
قطع رِجل السارق بعد قطع يده.
سادسها: وبه قال القاضي في "مختصر التقريب": إنْ تضمنت الزيادة رفعًا فهي نسخ، وإلا فلا. وذكر في "التقريب" نحوه.
وحذا حذوه أبو الحسين البصري، فقال في "المعتمد" ما حاصله: إنْ كان الزائد رافعًا لحكم شرعي، كان نسخًا، سواء أُثبت بالمنطوق أَم بالمفهوم، بخلاف ما إذا كان ثابتًا بدليل عقلي، كالبراءة الأصلية.
واستحسنه الإمام الرازي، واختاره الآمدي وابن الحاجب، وهو قضية اختيار إمام الحرمين أيضًا.
وحاصله: أنَّ المُزال إنْ كان حُكمًا شرعيًّا، كان نسخًا، وإلا فلا.
قيل: ولا حاصل لذلك؛ للاتفاق علي أنَّ رفعَ الحكم الشرعي نسخٌ ورفْعَ غيره ليس بنسخ. فينحل ذلك إلى أن الزيادة إن كانت نسخًا فهي نسخ وإلا فلا.
وإنما محل النزاع أن ذلك هو رفع حتى يكون نسخًا؟ أو لا؟
وأيضا: فقولهم: إن الزيادة هل هي نسخ؟ إنما معناه: هل هي نسخ للمزيد عليه؟ أم لا؟ والمزيد عليه حكم شرعي، فهل الزيادة رافعة له فيكون منسوخًا؟ أو لا؟
هذا حرف المسألة، ولكن توسعوا في ذكر ما إذا رفعت المزيد عليه وما إذا رفعت غيره؛ فلذلك يقولون في رفع التغريب: إنه رفع لتحريمه شرعًا. والمراد: إنما هو نَسخ للمزيد عليه. بل منع أن تحريمه بالشرع، وإنما هو بالبراءة الأصلية، وإزالتها لا يكون نسخًا.
وفيه أبحاث طويلة لا نُطوِّل بها.
стр. 1836
تنبيهات
الأول: مما يتخرج على هذه القاعدة أنه تعالى لما قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية ثم جاء بخبر الواحد أنه ﷺ : "قضي بالشاهد واليمين" (١)، فهل ذلك نَسخ حتي يمتنع؛ لأن القرآن لا يُنسخ بالآحاد؟ أو لا فيعمل به؟
ذهب الشافعي والجمهور إلى الثاني، والحنفية إلي الأول، قالوا: لأنَّ الأمر كان دائرًا بين شهادة رجُلين أو رجُل وامرأتين، فزِيد عليه الشاهد واليمين.
وفيه ضعف من جهة أخرى وهي عدم توارُد الآية والحديث على محل واحد، إذ الآية في الأمر باستشهاد شهيدين، فإنْ لم يكونا رجُلين فرجُل وامرأتان. والحديث في الحكم بشاهد ويمين، والاستشهاد غيْر الحكم. كذا قرره ابن الحاجب وهو حسن، ويزداد حُسنًا بأن الأمر بالاستشهاد أمر إرشاد، فالله تعالي أرشد إلي الأكمل، وأما الشاهد واليمين فدُون ذلك؛ فاختلف المحل.
الثاني: مِن صُوَر المسألة: ما لو زِيد في الوضوء -مَثلًا- غسل عضو آخَر، فإنه ليس بنسخ، خلافًا لمن قال: نسخ مِن حيث إن الطهارة كانت قبل هذه الزيادة مجُزئة ثم صارت غير مجزئة إلا بها، فقد ارتفع إجزاؤها، وهو حُكم شرعي؛ فيكون نسخًا عند المخالف.
وجوابه: أنَّ معني الإجزاء: امتثال الأمر، ولم يرتفع؛ لتوقف الارتفاع علي أمر آخَر، وانتفاء [المتوقف] (٢) عليه إنما كان بالبراءة الأصلية، وليس رفعها نسخًا.
стр. 1837
الثالث: توصلت الحنفية بادِّعاء أن الزيادة على المنصوص نسخ لمسائل لا تُحصيَ: كرد أحاديث وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، وأحاديث الشاهد واليمين، واشتراط الإيمان في الرقبة، والنية في الوضوء، وغير ذلك.
ولكن خالفوا أصولهم في ذلك في اشتراطهم في ذوي القربي الحاجة، وهو زيادة علي القرآن ومخالفة للمعنى المقصود [فيهم] (١)، وفي أن القهقهة تنقض الوضوء، مستندين لأخبار ضعيفة، وهي زيادة علي نواقض الوضوء المنصوصة في القرآن.
وأعجب من ذلك ادِّعاء بعضهم أنَّ أحاديث القهقهة مشهورة، فكانت كالمتواترة، وأحاديث الفاتحة مع شهرتها وصحتها لا يجعلونها مشهورة. وأمثال ذلك، وهو كثير.
ولذلك قال الأستاذ أبو منصور البغدادي: (مَن زاد الخلوة علي الآيتين الواردتين في الطلاق قبل المسيس في إيجاب العدة وتكميل المهر بخبر عمر ﵁ مع مخالفة غيره له وامتنع عن الزيادة على النص بخبر صحيح، كان حاكمًا في دين الله تعالى برأيه).
ونقض عليهم الأستاذ أبو منصور في زيادة التغريب بأن ذلك إنْ كان نسخًا، لزمكم أن يكون إدخال نبيذ التمر بين الماء والتراب نسخًا لآيتَي الوضوء والتيمم، فهو مساوٍ لزيادة التغريب وأنظاره مما تقدم.
فإنْ قالوا: إنه داخل في عموم الماء؛ لحديث: "تمرة طيبة وماء طهور" (٢).
قيل لهم: فيكون رافعًا لإطلاق ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]؛ ضرورة أنه لا يجوز التوضؤ به عند وجود غيره من المياه، وتقييدُ مدلول النص المطلق نسخٌ للنص عندهم.
стр. 1838
الرابع: نقص جزء من العبادة أو شرط من شروطها نسخٌ لذلك فقط، لا لأصل تلك العبادة كما نقله ابن السمعاني عن جمهور أصحاب الشافعي.
وقيل: نسخٌ لها.
وقال عبد الجبار: نسخٌ إنْ كان جزءًا، لا إنْ كان شرطًا. ووافقه الغزالي في الجزء وتردَّد في الشرط، وجعل الهندي الخلاف في الشرط المتصل كاستقبال القبلة في الصلاة، لا المنفصل كالطهارة. قال: (فإيراد الإمام وغيره يُشعر بأنه لا خلاف فيه، وكلام غيره يقتضي إثبات الخلاف في الكل) (١). انتهى
وبالأول صرح صاحب "المسودة"، فقال: (إن الخلاف في المتصل كالتوجُّه، أما المنفصل -كالوضوء- فليس نسخًا إجماعًا) (٢).
وصرح ابن السمعاني بأنه في جانب الشرط ليس نسخًا، وأما في الجزء كإسقاط ركوع قال: (فينبغي أن يكون على ما ذكرناه فيما إذا زِيدت ركعة علي ركعتين) (٣).
وكأنه يشير إلى مجيء قول عبد الجبار بالتفصيل بين أن يغير الأصل أوْ لا.
واعلم أن صاحب "جمع الجوامع" لم يتعرض لمسألة النقص وإن كانت في "ابن الحاجب"، بل ذكر الزيادة على النص أنها ليست بنسخ، خلافًا للحنفية. ثم قال: (ومثَارُه هل رَفَعَتْ؟ وإلي المأخذ عَوْدُ الأقوال المفصِّلة والفروع المُبَيَّنة) (٤).
ثم قال عقبه: (وكذا الخلاف في جزء العبادة أو شرطها).
стр. 1839
ووقع في شرحه لشيخنا الزركشي أنه شرح هذا الأخير بمسألة نقص جزء العبادة أو شرطها. وهي ليست في الكتاب، وأهمل لشرح زيادة جزء أو شرط مع أنها المذكورة في الكتاب. فلعل ذلك سقط في نُسخ الشرح أو سبق وهمه إلي أن مسألة النقص هي مسألة "جمع الجوامع".
الخامس:
إذا نقصت العبادة ما لا يتوقف صحتها عليه كسُنة مِن سننها كالوقوف عن يمين الإمام وكستر الرأس كما مثَّل بهما الغزالي، فلا يكون ذلك نسخًا للعبادة باتفاق وإنْ أَوهم كلام الغزالي جريان خلاف فيه، لكن أَوَّله بعضهم.
نعم، للخلاف وجه، فإنَّ العبادة مركَّبة من الفروض والسنن؛ ولهذا يقال: فروضها كذا، وسُننها كذا. وإذا كانت السنن أجزاء منها بهذا الاعتبار، فلا يبعد أن يجري فيها خلاف نقص الركن ويكون داخلًا في قولهم: زيادة جزء، أو: نقص جزء.
اول دس: تغيير الصفة بضدها هل يكون نسخًا للصفة فقط؟ أو للأصل؟ كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة. نقل عن الخصم في مسألة الزيادة أن ذلك نسخ للأصل وأن تلك الصلاة نُسخت، وهذه صلاة غيرها ابتُدِئَ فرضها.
السابع: مما ينبغي أن يُختم به هذا الفصل مسألة تَعرَّض لها ابن الحاجب في "المختصر" وصاحب "جمع الجوامع" وهي أنه هل يجوز نَسخ جميع التكاليف باعتبار أن كل حُكم شرعي فهو قابل للنسخ. أو لا؟ وأن المختار الجواز، خلافًا للغزالي، وأنه يجوز نَسخ المعرفة، خلافًا للمعتزلة حيث قالوا: مِن الذي لا يَقبل النسخ ما كان بذاته أو للازم ذاته حَسنًا أو قبيحًا لا يختلف باختلاف الأزمان، كحُسْن معرفة الباري تعالى وشُكر المنعِم والعدل وقُبح الكفر والظلم والكذب الضار.
стр. 1840
ولكنه بناء علي أصلهم في الحسْن والقُبح العقليين، ونحن نمنع ذلك، ولا حُسن ولا قُبح إلا بالشرع؛ فلذلك جاز ذلك كله عندنا.
نعم، نَسخ المعرفة فيها ضرب مِن التكليف بالمحال، وهو جائز عندنا؛ لأنه إنما ثبت نسخها بمعرفة الناسخ لها وهو الله تعالى، وإذا عرفه فكيف ترتفع معرفته؟ ! فالتكليف به تكليف بما لا يطاق.
واتفقوا علي عدم الوقوع، وإنما الخلاف في الجواز العقلي. ولم أذكر هذه المسألة في النَّظم؛ لما فيها من خشونة العبارة وعدم جدواها في الفقه، وإنما ينبغي أن تُسطر في علم أصول الدين. والله أعلم.
خاتمة:
٧٥٦ - النَّسْخُ لَا يَثْبُتُ لِلْمُكَلَّفِ ... قَبْلَ بُلُوغِ نَاسِخٍ لَهُ [وَفِيْ] (١)
الشرح:
إذا لم يَعرف المكلَّف النسخ، فلا يَثبت في حقه؛ لأنَّ التكليف به قبل عِلمه مِن تكليف الغافل، وهو ممتنع كما سبق في موضعه.
ووضع هذه المسألة مقدمة للمترجَم عليه بِـ "خاتمة" أَنْسَب مِن ذِكرها قبل ذلك في أحكام النسخ؛ لأنَّ المترجم عليه بِـ "خاتمة" هو الطُّرُق التي يَعرف بها المكلَّفون ثبوت النسخ، ولَمَّا كان متعلقًا بجميع أنواع النسخ، جُعِل خاتمة له.
فأما هذه المسألة فالحكم قبل نزوله وقبل تبليغه للنبي ﷺ لا يَثبت حُكمه، وتحته ثلاث صور:
стр. 1841
أنْ يُبلَّغ النبي ﷺ في السماء قبل النزول للأرض، كفرض خمسين صلاة ليلة الإسراء، فلا يتعلق به حكم؛ ولذلك كان رَفْعه بخمس صلوات ليس بنسخ على ما هو الظاهر. ويحتمل أن يكون نسخًا؛ لكونه قد بُلِّغ بعض المكلَّفين به وهو سيد البشر، فإنه قد اعتقد وجوبه وعَلمه. وعليه يدل كلام السمعاني حيث قال: (إن رسول الله ﷺ قد علمه واعتقد وجوبه، فلم يقع النسخ له إلا بَعْد عِلمه واعتقاده) (١). انتهى
فسمَّاه "نسخًا".
الثانية: أن يوحيه الله تعالى إلى جبريل ولم ينزل به إلى الأرض بَعْد.
الثالثة: أن يكون ذلك بعد النزول من السماء وقبل أن يُبلِّغه جبريل إلي النبي ﷺ .
وهذان لا يتعلق بهما حُكم اتفاقًا.
فأما إذا بلغه ﷺ ، فيثبت حُكمه في حقه وحق كل مَن بلَّغه النبي ﷺ إياه بطريق من الطُّرق.
وأما مَن لم يبلغه فلا يتعلق به حُكمه على المشهور، لا بمعنى وجوب الامتثال ولا بمعني ثبوته في الذمة.
وقال بعضهم: يَثبت بالمعني الثاني كالنائم.
ولا يُعْرَف قائل بثبوته بالمعنى الأول.
وفي "التقريب" للقاضي أن الخلاف لفظي، وذكر في "مختصر التقريب" أن القائلين بثبوته يقولون: لو قُدِّر ممن لم يَبْلُغه الناسخ إقدامٌ على الحكم الأول، كان زللًا وخطأً، بَيْدَ أنه لا يؤاخَذ به، ويُعذَر؛ لجهله.
стр. 1842
وممن جري علي هذا القول المشهور ابن الحاجب وغيره.
لكن عزاه ابن برهان في "الأوسط" للحنفية، وحكي الثبوت عن مذهبنا ونَصَره.
قيل: وهو الموجود لأصحابنا المتقدمين.
ففي "البحر" للروياني في "باب الوكالة": (إذا نسخ الله حُكمًا وعلم رسوله، هل يكون نسخًا في حق مَن لم يَعْلم مِن أُمته؟ فيه طريقان:
أحدهما: فيه الوجهان، كالوكالة.
والثاني: لا يكون نسخًا في حقهم قطعًا. وبه قال أبو حنيفة؛ لأنَّ أمر الشريعة يتضمن تركه المعصية، ولا يجوز أن يكون عاصيًا مع جهله به) (١).
وقد توقف في الترجيح ابن دقيق العيد حيث قال: (لا [أشك] (٢) أنه لا يَثبت في حُكمه التأثيم. وهل يثبت في حُكمه القضاء [و] (٣) هو مِن الأحكام الوضعية؟ فيه تردُّد؛ لأنه ممكن، بخلاف الأول؛ لأنه يَلزم منه تكليف ما لا يطاق). انتهى
واعلم أن إمام الحرمين قال في "مختصر التقريب": هذه المسألة قطعية.
وذهب بعضهم إلى إلحاقها بالمجتهدات حتى نقلوا فيها قولين من القولين في الوكيل إذا عُزل ولم يبلغه العزل. أي: والصحيح من القولين أنه ينعزل في الحال، وفي قول: لا، كالنسخ.
ومنهم مَن عكس، فخرج مسألة النسخ على قولَي الوكالة كما سبق نقله عن "مختصر
стр. 1843
التقريب"، وإليه أشار القاضي في "التقريب" أيضًا.
قال الرافعي: (ولا فرق بين النسخ وما نحن فيه؛ لأنَّ حكم النسخ إما إيجاب امتثال الأمر الثاني وإما إخراج الأول عن الاعتداد به، فالإيجاب لا يَثبت قبل العِلم؛ لاستحالة التكليف بغير المعلوم، وهذا النوع لا يثبت في الوكالة؛ لأنَّ أمر الموكل غير واجب الامتثال. والنوع الثاني ثابت هناك أيضًا قبل العِلم حتي يَلزمه القضاء، ولا تبرأ ذِمته بالأول) (١).
قال الشيخ تقي الدين السبكي: (وما قاله الرافعي مِن لزوم القضاء في النسخ بعيد؛ لأنَّ أهل قباء أتاهم الخبر بنسخ القبلة وهُم في الصلاة، فاستداروا. ولو ثبت الحكم في حقهم قبل ذلك، لقضوا. وقد استشهد هو في باب استقبال القبلة [بقضية] (٢) أهل قباء على أنه ينحرف في أثناء الصلاة إلى جهة الصواب إذا قُلنا: لا يجب القضاء. والذي قاله هناك هو ما عليه جمهور الأصوليين، بخلاف ما ذكره في باب الوكالة، فإنه لا يتأتي إلا على القول المرجوح أن الحكم يَثبت في حَقِّ مَن لم يَبْلُغه الخبر ولكنه لا يأثم؛ لأنه معذور.
فإنْ قيل: فما الفرق بينه وبين الوكيل حيث ينعزل على الصحيح وإنْ لم يَبْلُغه الخبر؟
قلتُ: الفرق -كما قاله الشيخ تقي الدين- أن الاعتداد بالعبادة حقٌّ لله تعالي، والله تعالى قد شرط العِلم في الأحكام؛ بدليل أنه لا يقع منه التكليف بالمستحيل، والعقود حقُّ الموكل، ولم يَشترط العلم.
فإنْ قيل: إنما اشترط الله تعالى العِلم في خطاب التكليف، لا الوضعي، والاعتداد بالعبادة مِن خطاب الوضع.
قلتُ: بل هو راجع للتكليف، وليس كالضمان المتعلق بالذمة.
стр. 1844
واتفق الأصحاب -فيما لو وكله ببيع عبده أو إعتاقه فباعه الموكل أو أعتقه- أنه ينعزل ضمنًا. روي البيهقي في أَمةٍ أَمر مولاها رجُلًا ببيعها ثم بَدَا له فأعتقها وقد بِيعت الجارية وكان عِتقها قبل بيعها، فقضى عمر ﵁ بعتقها ورَدِّ ثمنها وأخذ صداقها لما كان قد وطئها (١). فهذا دليل على الانعزال الضمني، فيلحق به الصريح.
ومِن هذه المادة أيضًا: ما لو عُزل القاضي ولم يَعلم، ففيه الخلاف. ومنهم مَن جزم هنا بعدم الانعزال. وكذا لو مات مستنيبة ولم يَعلم وقُلنا: إنه ينعزل بموته، فيأتي فيه الخلاف أيضًا.
ومنها: ما لو أُعتقت الأَمة وهي في الصلاة ولم تَعلم ولم تكن ساترة ما يجب ستره علي الحرة، فقولان (٢).
ومنها: ما لو أَذِن لعبده في الحج ورجع قبل الوقوف، فقولان.
ومنها: ما لو أذن الراهن للمرتهن في البيع ورجع ولم يَعلم، ففي صحته قولان.
ومنها: ما لو أعاره للغراس والبناء ورجع ولم يَعلم فغرس أو بَنَي، فهل يكون محترمًا فيُخيَّر بين الخصال؟ أو يقلع مجانًا؟ وجهان.
ومنها: ما لو رجعت الواهبة نوبتها في هِبتها ولم يَعلم الزوج، فطريقان.
ومنها: ما لو أباحه ثمار بستانه ورجع ولم يَعلم، فالخلاف.
ومنها: ما لو قال: "مَن رَد عبدي الآبق فله كذا" ورجع ثم رده مَن لم يَعلم بالرجوع، ففي استحقاقه الجعْل وجهان.
стр. 1845
ومنها: لو قتل مَن عَهدَهُ حربيًّا أو مرتدًّا فبَان أنه قد أَسلم ولم يَعلم، ففيه الخلاف) (١).
تنبيه:
إذا قلنا بأن النسخ لا يثبت في حق مَن لم يَبْلُغه، فهو مخاطَب بالحكم الأول قطعًا إلي أنْ يَبلغه، لكن هل يتصف الثاني بكونه ناسخًا قبل البلوغ كما أنَّ الأمرَ أمرٌ للمعدوم على شرط الوجود؟ أو لا يتصف إلا بَعد أنْ يَبلغه؟ فيه خلاف للقائلين به.
قال القاضي في "مختصر التقريب": وهو راجع إلي اختلاف عبارة.
قال: وإنما الخلاف الحقيقي مع الآخَرين.
أي: القائلين بأن الحكم مرتفع عن مَن لم يَبلغه الناسخ، لكن سبق نقلًا عنه القول بأن الخلاف لفظي وأن الأرجح أنه معنوي. والله أعلم.
ص:
٧٥٧ - ويُعْرَفُ النَّاسِخُ بِالتَّأَخُّرِ ... إمَّا بِإجْمَاع بَدَا مُقَرِّرِ
٧٥٨ - أَوْ قَوْلِ خَبْرِ الْخَلْقِ: "هَذَا نَاسِخُ" ... أَوْ: "بَعْدَ ذَاكَ"، فَبِذَا التَّنَاسُخُ
٧٥٩ - وَنَحْوُهُ: "كُنْتُ نَهَيْتُ، فَافْعَلِ" ... أَوْ [نَصِّهِ] (٢) عَلَى خِلَافِ الْأَوَّلِ
٧٦٠ - كَذَاكَ قَوْلُ الرَّاوِ: "هَذَا النَّاسِخُ" ... أَوْ: "آخِر"، لَا قَوْلُهُ: "ذَا نَاسِخُ"
الشرح:
إذا تَقرر أن حُكم النسخ لا يتعلق بالمكلَّف حتى يَعرفه، فلا بُدَّ من بيان الطريق إلى معرفته، وذلك بأن يُعرف أنه متأخِّر عن دليل الحكم المُقَرَّر الذي هو ضده.
стр. 1846
وهو من وجوه:
أحدها: أن يُعرف بالإجماع على أن هذا ناسخ لهذا، كالنسخ بوجوب الزكاة سائر الحقوق المالية. ذكره ابن السمعاني، ونحوه أيضًا ما ذكر الخطيب البغدادي: "أن زر بن حبيش قال لحذيفة: أي ساعة تسحرتم مع رسول الله ﷺ ؟ قال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع" (١). وأجمع المسلمون على أن طلوع الفجر يُحرِّم الطعام والشراب مع بيان ذلك من قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية.
قال الأصحاب في مثل هذا: إن الإجماع مُبَيِّن للمتأخِّر وأنه ناسخ، لا أن الإجماع هو الناسخ.
الثاني: أن يقول رسول الله ﷺ : "هذا ناسخ لذاك" أو: "هذا بعده" أو ما في معنى ذلك، كقوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها" (٢).
الثالث: أن يَنُص الشارع على خِلاف ما كان مُقَرَّرًا بدليل بحيث لا يمكن الجمع بين الدليلين، فما تأخر يَكون ناسخًا للمتقدِّم، وهو كثير، وقد سبق في أمثلة النسخ طائفة منه.
الرابع: أن يقول الراوي: (هذا متأخر الورود على الأول). فيكون ناسخًا له، وذلك كقول جابر ﵁: "كان آخِر الأمْرَين مِن رسول الله ﷺ تَرْك الوضوء مما مست النار" (٣)، وقول علي ﵁: "أمرنا رسول الله ﷺ بالقيام للجنازة، ثم قعد" (٤).
стр. 1847
وفي معنى ذلك لو قال الراوي: (هذا سابق على هذا)، أو: (هذه الآية نزلت قبل تلك) أو: (في سنة كذا والآخَر في سَنة كذا) لِسنة بعدها، وكذا في الأحاديث.
فإنْ قيل: قول الراوي هذا كيف يُنسخ به القرآن أو غيره من السُّنة المتواترة على تقدير وجودها مع أنه خبر آحاد والآحاد لا يُنسخ به المتواتر؟
قيل: هذا حكاية للنسخ، لا نسَخ، والحكاية بالآحاد يجب العمل بها كسائر أخبار الآحاد.
وأيضًا: فاستفادة النسخ مِن قوله إنما هو بطريق التضمن، والضمني يُغتفَر فيه ما لا يُغتفَر فيما إذا كان أصلًا كما في مسائل كثيرة أصولية وفقهية لا تنحصر، كثبوت الشفعة في الشجر تبعًا للعقار، و [عدم الفدية في الشعر والظفر] (١) في قطع عضو من المحرم عليه شعر أو ظفر، وثبوت النسب بشهادة أربع نسوة بالولادة تبعًا لثبوتها بهن، وغير ذلك.
وقولي: (فَبِذَا التّناسُخُ) أي: ظهر بهذه الصور التناسخ.
وقولي: (كَذَاكَ قَوْلُ الرَّاوِ) أصله: "الراوي" ولكن حذفتُ الياء منه؛ للضرورة. والله أعلم.
وقولي: (لَا قَوْلُهُ: "ذَا نَاسِخُ") تتمته قولي بعده:
ص:
٧٦١ - وَلَا الَّذِي خَالَفَ مِنْ نَصَّيْنِ ... أَصْلًا، وَلَا الَّذِي مِنَ ايَتَيْن
стр. 1848
٧٦٢ - مُؤَخَّرٌ في مُصْحَفٍ، وَهَكَذَا ... تَأَخُّرَ الْإسْلَامِ في الرَّاوِي انْبِذَا
الشرح:
وهو إشارة إلى مواضع ادُّعِي فيها أنها مِن طُرق معرفة الناسخ أو قد يُتخيل فيها ذلك، ولكن المعتمد أنها لا تدل على ذلك.
منها: قول الراوي: (هذا ناسخ) بتنكيره؛ لأنه قد يكون عن اجتهاد.
والفرق بينه وبين ما سبق من قوله: (هذا الناسخ) -بالألف واللام- أنَّ النسخ يكون معلومًا بأنْ يَثبت أن هذا الحكم [منسوخ] (١) ولا يُعْرَف الناسخ له. فإذا قال الراوي: (هذا الناسخ)، قُبِل، وَيثبُت بقوله أن هذا هو الناسخ، وفي الحقيقة إنما عُمِل بتعيينه الناسخ، لا في أصل النسخ.
بخلاف: (هذا ناسخ)، فإنه يُنشئ دَعْوَى نَسخ، وأنَّ هذا ناسخ لِمَا هو مُقَرَّر، وقد يكون ذلك باجتهاده، وليس اجتهاده حُجة على مجتهد آخر.
وفي المسألة قول: إنه يكون ناسخًا مطلقًا؛ لأنه لا يقوله إلا عن نَقْل غالبًا.
وقول ثالث عن الكرخي: إنه إنْ عَيَّنه بأنْ قال: (هذا نَسخ هذا)، لم يُرْجَع إليه فيه؛ لاحتمال أنْ يكون عن اجتهاد. وإنْ لم يُعيِّنه، بل قال: (هذا منسوخ)، قُبِل. حكاه أبو الحسين في "المعتمد" عنه.
قيل: بل ظاهر نَص الشافعي يوافقه وأنه يثبت بذلك النَّسخ. وذلك أن أصحابنا احتجوا بقول عائشة ﵂ في الرضعات: "إنَّ العَشْر منها نُسِخْنَ بِخَمْس" (٢).
стр. 1849
نعم، التفرقة بين "هذا ناسخ" و"هذا الناسخ" قَلَّ مَن ذكرها وإنْ كانت متجهة؛ لِمَا سبق تقريره في الفرق.
ونظيره مِن الفقه: لو عرف عموم الحريق وجهل هل احترقت الوديعة به؟ فإنه يُقبل قول المودع: (إنها احترقت) مِن غير يمين، بخلاف ما لو لم يعرف عمومه.
ونحوه: مَن قال: (طلقتُ زوجتي) وقال: (أردتُ طلقة سابقة، لا إنشاء طلقة) وعُرِف سَبْق طلاق له، فإنه يُقْبل، بخلاف ما إذا لم يَسبق طلاق.
ومنها: إذا وَردَ نَصان في حُكم متضادان ولم يمكن الجمع بينهما لكن أحد النَّصين موافِق للبراءة الأصلية والآخَر مخالف، وهو معنى قولي: (خَالَفَ مِنْ نَصَّيْنِ أَصْلًا)، فزعم بعضهم أن ذلك الذي خالف الأصل ولم يوافِق -ناسخٌ للذي وافق؛ لأنَّ المخالِف مستفاد مِن الشرع وهو المضاد للبراءة الأصلية؛ لأنَّ الانتقال من البراءة لاشتغال الذمة يقين، والعَوْد إلى الإباحة ثانيًا شك، فقُدِّم ذلك الذي لم يوافق الأصل.
قيل: لكن هذا بناءً على أن الأصل في الأشياء الإباحة.
قلتُ: وفيه نظر؛ فإنا ولو قلنا بأن الأصل التحريم وكان أحد النصين تحريمًا والآخر إباحة، صدق أن التحريم موافِق للأصل، إلا أنْ تُفْرَض المسألة في خصوص البراءة الأصلية ولا نجعل ذِكر ذلك مثالًا فقط، فيأتي ما ذكر.
ومما يماثل هذه المسألة من الفقه: ما لو تيقن الطهارة والحدث وشَكَّ في السابق منهما وقُلنا: يعمل بضد ما قبلهما إنْ كان حدثًا مطلقًا أو طهارة وهو ممن يعتاد التجديد، فإنَّ الانتقال للضد محقَّق، والعَوْد إلى مِثل السابق عليهما مشكوك.
ومنها: ثبوت إحدى الآيتين في المصحف قبل الأخرى، فلا تكون الأخيرة في الترتيب ناسخة للمقدَّمة؛ لأنَّ العِبرة إنما هو بالنزول، لا بالترتيب في الوضع؛ لأنَّ النزول بحسب
стр. 1850
الحكم، والترتيب للتلاوة.
ومنها: تَأخُّر إسلام راوي أحد الدليلين لا يدل على أن ما رواه ناسخٌ للآخَر؛ لجواز أن يكون تَحمله قبل الإِسلام.
وأما حديث جرير في "الصحيحين": "رأيت رسول الله ﷺ بَالَ، ثم توضأ ومسح على خُفيه" (١). قال إبراهيم النخعي: "كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة". فوجْه إعجابهم أن آية الوضوء في المائدة لا تكون ناسخة لحديثه؛ لِتأخُّر حديثه مع احتمال أنه تَحمل قبل إسلامه.
لكن يُبْعِده أن المخالِط للنبي ﷺ حتى يَعلم طهاراته وكيفيتها إنما يكون غالبًا مُسلمًا.
وفي "الحاوي" للماوردي أن رواية أبي داود عن عمرو بن [جرير] (٢) البجلي أن جريرًا لما مسح على خُفيه قال: "ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح؟ ". قالوا: "إنما كان ذلك قبل نزول المائدة"، فقال: "ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة" (٣).
وهذا صريح في أنه لم يَر النبي ﷺ يمسح إلا بعد إسلامه بعد نزول المائدة.
قولي: (وَلَا الَّذِي مِنَ ايَتَيْنِ) حذفتُ الهمزة من "آيتين"، للضرورة. وصدر صلة "الذي" محذوف، أي: ولا الذي هو مؤخَّر مِن آيتين. والله أعلم.
стр. 1851
النوع الرابع ما يتوقف عليه الدليل الرابع (وهو "القياس ")
قد بيَّنا فيما سبق أنَّ أدلة الفقه الأصول الثلاثة: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، وما يُستخرج به من الثلاثة وهو القياس. وأن الاستدلال بكل من الأربعة يتوقف الاستدلال به على شيء لا بُدَّ من معرفته. فلمَّا فرغنا مما يتوقف عليه الاستدلال بالثلاثة، ذكرنا ما يتوقف عليه الدليل الرابع -وهو القياس- وذلك: أركان القياس، وشروط كل ركن، والموانع فيها.
وقد سبق تعريف "القياس" بأنه: حَمْل معلوم على معلوم في حُكمه؛ لمشاركته له في المعنى المُقْتَضِي للحُكم. فلزِم مِن ذلك بالضرورة أن تكون أركان القياس أربعة: الأصل، والفرع، والعلة الجامعة، والحكم [الملحق فيه] (١).
وأما ما حُكي مِن خلاف في أن القياس يجوز من غير أصل فقال ابن السمعاني: (إنه قول مَن خلط الاجتهاد بالقياس) (٢).
أي: سمَّى الاجتهاد قياسًا. والحقُّ أنه نوع مِن الاجتهاد، والذي لا يحتاج إلى أصل هو ما سواه مِن أنواع الاجتهاد، وأما القياس فلا بُد له من أصل.
وكذا ما حكاه ابن السمعاني مِن خلاف شاذ في أن العِلة ليست مِن أركان القياس وأنه القياس بدونها إذا لاح بعض الشَّبَه. وهو قول باطل، لا سيما إذا قُلنا: إن العلة هي
стр. 1852
الدالة على الحكم في الأصل مع وجود النص على الحكم، وأنهما دليلان كما سيأتي.
وأيضاً فقوله: (يكون بينهما بعض الشبه) هو [عَيْن] (١) العِلة في الجملة، وهو معنى قولي:
ص:
٧٦٣ - الرُّكْنُ لِلْقِيَاسِ إذْ يَتِمُّ: ... أَصْلٌ، وَفَرْعٌ، عِلَّةٌ، وَحُكْمُ
٧٦٤ - [كَـ: يَحْرُمُ] (٢) النَّبِيذُ مِثْلَ الْخَمْرِ ... لِوَصْفِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالسُّكْرِ
الشرح:
المراد بالأركان هنا: ما لا يتم القياس إلا به؛ لأنَّ القياس إذا كان هو حمل معلوم على معلوم على ما بيناه، فالحمل مصدر، وهو معنى من المعاني، فكيف يكون أركانه وأركان الشيء هو ما يتألف ذلك الشيء منه؟
فإطلاق الأركان على هذه الأمور مجَاز، إلا [أن] (٣) يُعْنَى بالقياس مجموع هذه الأمور مع العمل تغليبًا، فيصير كل من الأربعة شطرًا له، لا شرطًا.
ونظير ذلك في الفقه: إطلاق أنَّ البيع أركانه ثلاثة: عاقد، ومعقود عليه، وصيغة.
وقد أوَّله الرافعي بنحو هذا التأويل، وهو أن المراد ما لا بُدَّ منه. وفيه أبحاث مشهورة في محله.
стр. 1853
ونظيره أيضًا في العلوم العقلية: أن التصديق بالنسبة إلى ما يتوقف الحكم عليه من التصورات هل هي شطر له؟ أو شرط؟ وقد سبق بيانه أول المقدمة.
ويدل لجعله مطلقًا على المجموع أن الحمل إنما المراد به كشف ذلك وإظهاره؛ لأنه يتبين عند القائس أن الواقع في نفس الأمر هو كونه محمولًا عليه، فيكون الحمل في الحقيقة هو اعتقاد كَوْن ذلك.
كذلك قولي: ([كَـ: يَحْرُمُ] (١) النَّبِيذُ) أي: مثال القياس أن يقول القائل: يحرم النبيذ مثل ما يحرم الخمر بجامع ما بينهما من المعنى المقتضِى للتحريم وهو السُّكْر.
فـ"مِثْل" منصوب على الحال، أي: حال كونه مِثله. فالتحريم هو الحكم، والنبيذ هو الفرع، والخمر هو الأصل، والمعنى الجامع هو اتصاف كل منهما بالسكر، أي: بالإسكار. أي: شأنه أنْ يسكر. هذا على المرجَّح في تفسير "الأصل" و"الفرع" كما سيأتي بيانه.
فإنْ قلت: معنا تحريمان، أحدهما حكم الأصل والثاني حكم الفرع، فلِمَ لا عُدَّت الأركان خمسة؟
قلت: مَن يُطلق أن مِن أركان القياس الخكم لا يَرِد عليه ذلك؛ لأنَّ الحكم الذي في "الأصل" هو الذي في "الفرع"، فهو واحد في ذاته وإنِ اختلف محله، فهذه الحيثية هي المرادة وإنْ كانا اثنين باعتبار المحل.
وأما مَن يقول: إنَّ من أركان القياس حُكم الأصل -وهو الغالب- فيحتمل أن يريد ما ذكر مِن الاتحاد، ولكنه أُضِيف للأصل؛ لأنه الأول في الاعتقاد ثم يصير معتقدًا في الفرع.
أو يجاب -كما قال الآمدي- بأنَ حُكم الفرع ثمرةُ القياس، فلو كان من أركانه لَتَوَقَّف القياس عليه، وهو دَوْر.
стр. 1854
ولكنه قد رُدَّ بأن ثمرة القياس إنما هي العِلم بالحكم، لا نفس الحكم. فإنْ أريد ما قررناه مِن أن القياس يكشف ما في نَفْس الأمر فصحيح، وإن أريد أنه من حيث هو دليل إنما يفيد العِلم بالحكم لا نَفْس الحكم فهو على أحد القولين في المسألة: أن الدليل هل يقتضي نفس الحكم؟ أو العِلم بالحكم؟ ورجح الثاني. والله تعالى أعلم.
ص:
٧٦٥ - فَـ"الْأَصْلُ": مَا [يُرَى] (١) مَحَلَّ الْحُكْمِ ... إذْ شَبّهوا بِهِ، كخَمْرٍ سُمِّي
٧٦٦ - لَا حُكْمُهُ وَلَا دَلِيلُهُ وَلَا ... مِنْ شَرْطِهِ كَوْنُ الدَّلِيلِ جَا عَلَى
٧٦٧ - أَنَّ قِيَاسَنَا عَلَيْهِ جَائِزُ ... بِنَوْعِهِ أَوْ شَخْصِهِ وَحَائِزُ
٧٦٨ - وَلَا اتِّفَاقٌ أَنَّ فِيهِ الْعِلَّهْ ... وَ"الْفَرْعُ": مَا التَّشْبِيهُ قَدْ أُحِلَّهْ
الشرح:
أي: إذا تَقرر أن أركان القياس أربعة، فلا بُدَّ من تعريف كل منها وبيان شَرْطه بوفاق أو خلاف. وإنما بدأتُ بِـ"الأصل" لِمَا لا يخفَى مِن تفريع غيره عليه، فهو أَوْلى مِن تأخيره كما فعل البيضاوي إلى ما بعد الكلام على العلة.
وقد سبق أن "الأصل" في اللغة: "ما يُبْنَى عليه الشيء" أو نحو ذلك، وأن له في الاصطلاح إطلاقات، أحدها ما يُذكر في القياس وهو المراد هنا، وقد اختُلف فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: المرجَّح وقول الأكثر وبه قال الفقهاء وكثير من المتكلمين وصححه ابن
стр. 1855
السمعاني: أنه محل الحكم المشبه به، كالخمر في المثال السابق.
الثاني: أنه دليل الحكم. حكاه في "الملخص" عن القاضي، وحكاه صاحب "الواضح" عن المعتزلة، فيكون في المثال قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] وما في معنى ذلك من الكتاب والسنة والإجماع.
الثالث: أنه نفس الحكم الذي في الأصل، وهو كالتحريم في المثال؛ لأنه الذي يتفرع عليه الحكم في الفرع.
ثم أشار ابن الحاجب إلى أن "الأصل" في اللغة: "ما يَنْبَني عليه غيره"، فهو يساعد إطلاقه اصطلاحًا على كل مِن الثلاثة، فلا بُعْد في الجميع.
لكن هذا وإنْ كان مُسلَّمًا لكن الأول أَرْجَح من حيث إنَّ باب القياس مَرْجِعه إلى الفقهاء، وقد ساعدهم الأصوليون فيه على مصطلحهم وجروا في ذلك على مقتضَى قولهم، فلا يطلقون "الأصل" إلا على ما يُطلقه الفقهاء وهو محل الحكم المشبه به؛ لئلا يختبط الذهن بين الاصطلاحات.
ثم قال ابن الحاجب بعد ما نقلناه عنه: (ولذلك -أيْ لأجل أن الأصل "ما يَنْبَني عليه غيره"- كان الوصف الجامع فرعًا للأصل، أصلًا للفرع) (١).
ومراده أن الشيء الواحد يكون أصلًا باعتبار، فرعًا باعتبار. وهذا معنى قول الإِمام الرازي: (إنَّ الحكمَ أصلٌ في محل الوفاق، فرعٌ في محل الخلاف، والعِلة بالعكس) (٢).
وتحقيق ذلك: أنَّ الأصل إما إن يكون بالذات -أيْ بلا واسطة- أو بالعَرَض، أيْ: بواسطة أمر آخَر. فإنَّ أصلَ الأصل أصلٌ، فلا خِلاف في المعنى، بل في الاصطلاح.
стр. 1856
لكن قال ابن الحاجب بعد ذلك قبيل الكلام في شروط الفرع نقلًا عن الشافعية أنهم قالوا: إن حُكمَ الأصل -أيْ المُعَلَّل لا التعبُّدي فإنه ليس الكلام فيه- ثابتٌ بالعِلة.
قال: (والمعنى أنها الباعث على حُكم الأصل. وقال الحنفية: بالنَّص. والمعنى: أنَّ النص عَرَّف الحكم، فلا خِلاف في المعنى) (١). انتهى
وذكره غيره أيضًا. والمسألة مشهورة في الخلاف بين الشافعية والحنفية، واقتضى نقلهم عن الشافعية ذلك أنهم يفسرون "العِلة" بالمؤثِّر أو الباعث حتى لا يكون النص على الحكم منافيًا لتعليله، بخلاف ما لو فُسرت بالمعرِّف، فإنه ينافي النص؛ لأنَّ النص أيضًا مُعرِّف، وهو قد عُرف من التعليل، فأيّ فائدة في النص؟ ولكن الشافعية ليس عندهم العلة إلا مُعرّفة، لا مُؤثِّرة. أي: إنها أَمَارة دالة على الحكم، وغايته أن يكون للحكم مُعَرِّفان: النَّص، والعِلة.
وإنما الداعي لابن الحاجب وغيره إلى ذلك أنهم لما جعلوا العلة فرعًا للأصل أصلًا للفرع كما سبق؛ حذرًا مِن لزوم الدَّوْر؛ لأنها إذا كانت مأخوذة مِن النص على حكم الأصل، فلا تكون مُعرِّفة لحكم الأصل؛ لِلِزُوم الدَّوْر. لَكِنَّا إذا قُلنا: مُعَرِّفة، تكون هي والنَّص مُعَرِّفَيْن. إلا أن تعريف النص قاصر على تعريف حُكم الأصل، والعِلة مُعرفة لحكم الأصل ولحكم الفرع معًا. فَتُعَرِّف حُكمَ الأصل لمن لم يَعْرفه مِن النص، وتُعَرِّف حُكمَ الفرع لمن عَرف مساواته مع الأصل.
فمَن عرف بطريق مِن الطُّرق أن علة تحريم المسكرات الإسكار، يَعْرف تحريم الخمر من ذلك، لا مِن نَصٍّ على تحريمه. ومَن عَرف تحريمه بنَصٍّ، لا يَضُره أنْ لا يَعْرفه مِن حيث العِلة؛ لأن التعريف إنما يكون لمن يجهل ما عرف به.
стр. 1857
ولذلك فوائد كثيرة يظهر أثر اختلاف الشافعية والحنفية فيها، خلافًا لمن زعم أن الخلاف لفظي كما اقتضاه كلام ابن الحاجب والهندي وابن برهان.
منها: التعليل بالعلة القاصرة، فالحنفية منعوه؛ لزعمهم أنه لا فائدة فيه؛ لكون الحكم قد عُرف بالنص. ونحن نقول: فائدتها تعريف الحكم كما عَرَّفَه النَّص، فيكون للحُكم مُعَرِّفان. وستأتي المسألة وفوائد القاصرة.
ومنها: ما سيأتي من أن العلة هل يشترط أن لا يكون ثبوتها متأخرًا عن ثبوت حكم الأصل؟ نحن نشترطه، وهُم لا يشترطونه. وسيأتي إيضاح ذلك في الكلام على العِلل.
ويأتي أيضًا في النَّظم الإشارة إلى مسألة أنَّ "الحكم ثابت بالعلة؟ [أَمْ] (١) بالنص؟ " في قولي: (وَالْحُكْمُ في الْأَصْلِ بِهَا قَدْ ثَبَتَا) البيت. وإنما ذكرتها هنا مبسوطة؛ لتعلقها تَعلقًا قويًّا بما سبق وإنْ كان لها تَعلُّق هناك أيضًا. وسنحيل هناك شرحها على ما تقرر هنا، فاعْلَمه.
قولي: (وَلَا مِنْ شَرْطِهِ) إلى آخِره -إشارة إلى ما شَرَطَه بعضهم في الأصل وليس شرطًا فيه.
فمنه ما شَرَط عثمان البتِّي، وهو بموحدة ثم مثناة من فوق مشددة نِسبة إلى موضع، قال السمعاني: أظنه بنواحي البصرة.
وعثمان هذا [رأَى] (٢) أنس بن مالك، وروى عن الحسن البصري.
فقال عثمان: إنه لا بُدَّ في الأصل المقيس عليه أن يقوم دليل على جواز القياس عليه بنوعه أو شخصه، حتى لو كان القياس في بيع مثلًا فلا بُدَّ مِن دليل على أنه يجوز القياس في البيوع أو إذْن بأنْ يُقاس على ذلك الأصل المنصوص.
стр. 1858
وخالفه الجمهور فجوَّزوا القياس على كل أصل انقدح في حكمه معنى مخيل غلب على الظن اتِّباعه. ومَن استقرأ ذلك في قياسات العلماء، وجدها طافحة به.
ومنه ما شَرَط بعضهم في الأصل أنْ يُجْمِعوا على أنَّ حُكمه مُعَلَّل، لا تَعَبُّدي. ونُقل عن بشر المريسي والشريف المرتضى.
ومنهم مَن شَرَط الاتفاق على وجود العلة في الأصل. وخالف الجمهور، فاكتفوا بانتهاض الدليل على ذلك.
قال الشيخ أبو إسحاق: (إنْ أراد مُشترِط ذلك إجماع الأُمة فهو يؤدي إلى إبطال القياس بالكُلية؛ لأنَّ نُفاة القياس مِن جُملة الأُمة، وإنْ أراد إجماع مَن يقول بالقياس فَهُم بعض الأُمة) (١). انتهى
وفيه نظر؛ لأن مخالفة نُفاة القياس -كالظاهرية- سبق أنه لا يُعتبَر في الإجماع (على المرجَّح).
ومنهم مَن شَرَط كَوْنه غير محصور بالعَدد، نحو: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم" (٢).
ومنهم مَن شَرَط كَوْنه مؤثرًا في كل موضع، كما قاله القاضي أبو الطيب في إبطال بيع الغائب باع عَيْنًا لم يَرَ منها شيئًا، فبَطُل، كبيع النوى في التمر.
فقيل: إذا كان يَرى بعضه، يصح. فيقال: ليس مِن شرطه تأثيره في كل موضع.
ومنهم مَن شرط كون القياس صحيحًا.
стр. 1859
ورُدَّ بأنه قياس وإنْ كان فاسدًا. قاله الأستاذ أبو منصور.
قلت: وفيه نظر؛ فإنَّ هذه الشروط إنما هي للقياس الصحيح.
وقولي: (بِنَوْعِهِ أَوْ شَخْصِهِ) متعلق بقولي في البيت قبله: (جَا).
وقولي: (وَحَائِزُ) بالحاء المهملة، أي: حائز ما جاء من الدليل بالنوع أو بالشخص. فهو توكيد لما سبق. والله أعلم.
وقولي: (وَ"الْفَرْعُ": مَا التَّشْبِيهُ قَدْ أُحِلَّهْ) تمامه ما بعده، وهو:
ص:
٧٦٩ - لَا حُكْمُهُ، وَشَرْطُهُ أَنْ يُوجَدَا ... تَمَامُ عِلَّةٍ بِهِ، فَإنْ بَدَا
٧٧٠ - بِالْقَطع ذَا، فَهْوَ إذَنْ قَطْعِيُّ ... أَوْ كَانَ بِالظَّنِّ، فَذَا ظنِّيُّ
٧٧١ - وَسَمِّ هَذَا بِـ"قِيَاسِ الْأَدْوَنِ" ... كَقَيْسِكَ التُّفَّاحَ في الْمُعَيَّنِ
٧٧٢ - بِالْبُرِّ؛ لِلطّعْمِ الَّذِي في [ضِمْنِهِ] (١) ... [ولَيْسَ] (٢) شَرْطَهُ ثُبُوتُ حُكْمِهِ
٧٧٣ - بِالنَّصِّ إجْمَالًا، وَلَا انْتِفَاءُ ... نَصٍّ أَوِ اجْمَاعٍ لَهُ اقْتِضَاءُ
٧٧٤ - بِوَفْقِهِ، فَإنْ أَتَى، كانَ عَلَى ... ذَاكَ دَلِيلَانِ عَلَى مَا فُصِّلَا
الشرح:
وهو بيان لتعريف الركن الثاني من القياس وهو "الفرع" وبيان شرطه. وإنما قدمتُه على الحكم والعلة؛ لأنَّ "الفرع" مقابل للأصل، فناسب أن يذكر عقبه؛ لِمَا بين الضدين مِن
стр. 1860
اللزوم الذهني.
وفي المراد به في القياس قولان:
أحدهما وهو الأرجَح: أنه المَحل المشبه، وهو معنى قولي: (مَا التَّشْبِيهُ قَدْ أُحِلَّهْ)، وهو بضم الهمزة على البناء للمفعول، أي: جُعل حالًّا فيه، وذلك كالنبيذ في المثال السابق.
والثاني: أنه الحكم القائم بالمحل المشبه.
وهذان القولان مُرتَّبان على القولين في تعريف الأصل. فمَن قال: "المحل" هناك، قال هنا: "المحل". ومَن قال هناك: "الحكم"، قال هنا: "الحكم".
وأما من قال هناك: (إنَّ الأصل هو الدليل) فلا يمكن أن يقول هنا: (دليل الفرع)؛ لأن دليله إنما هو القياس؛ ولذلك لم يُجعل حُكم الفرع من أركان القياس؛ لكونه ثمرته وناشئًا عنه كما سبق بيانه آنفًا.
وأما شرط الفرع:
فهو أن يشتمل على عِلة حُكم الأصل بتمامها حتى لو كانت ذات أجزاء، فلا بُدَّ مِن اجتماع الكل في الفرع.
ثم إنْ كان وجودها بتمامها فيه قطعيًّا كقياس الضرب للوالدين على قول: "أُف" بجامع أنه إيذاء، وكالنبيذ يُقاس بالخمر بجامع الإسكار، فَيُسَمَّى الأول: "قياس الأَوْلَى" والثاني: "قياس المساواة"، وكُل منهما قَطْعِي.
وإنْ كان وجود العلة بتمامها في الفرع ظنيًّا، فالقياس ظني، ويسمى "قياس الأَدون"، كقياس التفاح على البُر في أنه لا يباع إلا يدًا بِيَد [و] (١) نحو ذلك؛ بجامِع الطعم، لا أنَّ المراد بِـ"الأَدون" أن يكون المعنى الذي في الفرع ناقصًا عن المعنى الذي في الأصل، فإنَّ القياس