← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

مِن ذلك أن يثبت قرآن بالآحاد وأنَّ ذلك القرآن نُسخ حتى لو أنكره شخص كَفَر، ومَن أنكر مِثل هذا لا يَكفر. وإذا لم يثبت قرآنيته لم يثبت نَسْخ قرآن. بل ويجري هذا الاعتراض في مثال ما نُسخ حُكمه وبقي تلاوته ونَسخهما معًا؛ وذلك لأنَّ نَسخ المتواتر بالآحاد لا يجوز كلما سيآتي. وأجاب الهندي عن أصل السؤال بأنَّ التواتر إنما هو شرط في القرآن المثبَت بين الدفتين، أما المنسوخ فلا. سَلَّمْنَا، لكن الشيء قد يثبت ضِمنًا بما لا يَثبت به أصله، كالنسب بشهادة القوابل على الولادة، وقبول الواحد في أن أحد المتواترين بعد الآخر، ونحو ذلك. قلت: وجواب آخَر، وهو أنَّ الصدر الأول يجوز أنْ يقع فيه التواتر ثم ينقطع فيصير آحادًا. فما رُوي لنا بالآحاد إنما هو حكاية عن ما كان موجودًا بشروطه. فتأَمَّله. الرابع: وقع إشكال في قول عمر ﵁: "لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها"، فإنه إنْ كان جائز الكتابة كما هو ظاهر اللفظ، فهو قرآن متلو، ولكن لو كان مَتلُوًّا لوجب على عمر المبادرة لكتابتها؛ لأنَّ مَقال الناس لا يَصلح مانعًا مِن فِعل الواجب. قال السبكي: (ولعلَّ الله أن يُيَسِّر علينا حَل هذا الإشكال، فإنَّ عمر ﵁ إنما نطق بالصواب، ولكنَّا نتهم فَهْمَنا) (١). قلت: يمكن تأويله بأنَّ مراده: "لَكتبتُها مُنبِّها على أنها نُسخت تلاوتها"، لِيَكون في كتابتها في محلها أمنٌ مِن نسيانها بالكُلية، لكن قد يكتب مِن غير تنبيه فيقول الناس: زاد عمر، فتركت كتابتها بالكُلية، وذلك مِن دَفْع أَعظم المفسدتين بأخفهما. والله أعلم.

стр. 1787

ص: ٧٢٩ - بِالْخَمْسِ، وَالْقُرْآنُ إمَّا يُنْسَخُ ... بِمِثْلِهِ، أَوْ سُنّةٌ تُنْتَسَخ ٧٣٠ - بِمِثْلِهَا، اوْ هُوَ بِهَا، أَوْ عَكْسُهُ ... فَقَسْمُهُ لِتِسْعَةٍ نُحِسُّهُ ٧٣١ - يُمْنَعُ مِنْهَا خَبَرُ الْآحَادِ ... يَنْسَخُ ذَا تَوَاتُرِ الْإسْنَادِ ٧٣٢ - فَاثْنَانِ يَخْرُجَانِ، ثُمَّ أَرْبَعَه ... لِفَقْدِهَا تَوَاترا مُمْتَنِعَهْ ٧٣٣ - يَبْقَى [ثَلَاثَةٌ] (١) كَنَسْخِ الْأَشْهُرِ ... [لَدَى] (٢) الْوَفَاةِ الْحَوْلَ فِيمَا قَدْ دُرِي ٧٣٤ - وَ"كُنْتُ عَنْ زِيَارةِ الْقُبُورِ ... نَهَيْتكُمْ، زُورُوا" رَجَا التَّذْكير ٧٣٥ - وَالْمَنع لِلصَّائِمِ مِنْ مُبَاشَرَه ... لَيْلًا بِسُنَّةٍ بِآيٍ ظَاهِرَهْ الشَّرح: لفظة: "بِالْخَمْسِ" متعلقة بالذي قبلها مِن المثال، وسبق شرحه، وما بعد ذلك هو تقسيم للناسخ والمنسوخ في الكتاب والسُّنَّة متواترة كانت أو آحادًا بما يمكن الانقسام إليه عقلًا وبيان الواقع مِن الأقسام وما لم يقع أو امتنع وقوعه. فيقال: المنسوخ إما قرآن أو سُنَّة متواترة أو سُنَّة آحاد، والناسخ ثلاثة أقسام كذلك، فينتهي -بضرب ثلاثة في ثلاثة- إلى تسعة. وهو معنى قولي: (وَالْقُرْآنُ إمَّا يُنْسَخُ بِمِثْلِهِ)، فهذا قِسم. وقولي: (أَوْ سُنَّةٌ تُنْتَسَخُ بِمِثْلِهَا) تحته أربعة أقسام؛ لأن المنسوخ إما متواترة أو آحاد،

стр. 1788

والناسخ إما متواتر أو آحاد. فهذه الأربعة مع الأول خمسة. وقولي: (أوْ هُوَ بِهَا) الضمير المذكر للقرآن، والمؤنث للسُنَّة، تحته قِسمان: قرآن بِسُنة متواترة، وقرآن بسنة آحاد. وقولي: (أَوْ عَكْسُهُ) أي: يكون الناسخ قرآنا والمنسوخُ إما سُنَّة متواترة أو آحاد. فهذه أربعة مع تلك الخمسة تصير تسعة ظاهرة محسوسة، وهو معنى قولي: (فَقَسْمُهُ) بفتح القاف وضم الميم والهاء، وهي ضمير النَّسخ الذي هو مورد التقسيم. والضمير في (تُحِسّهُ) عائد للقسم. وقولي: (يُمْنَعُ مِنْهَا) إلى آخِره -أي: يمتنع مِن هذه الأقسام التسعة نسخ المتواتر بالآحاد؛ لضعفه كما سنذكره، فيخرج اثنان: نَسخ القرآن بالسّنَّة الآحاد ونَسخ السّنَّة المتواترة بالسّنَّة الآحاد، ثم يخرج من الباقي بعد هذين الاثنين أربعة، وهي: نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة، وعكسه، ونسخ السُّنَّة المتواترة بمثلها، ونَسخ الآحاد بالسّنَّة المتواترة. وإنما خرجت هذه الأربعة لِمَا سبق في الكلام في الإسناد أنَّ السُّنَّة لا يتحقق فيها متواتر لفظي في هذه الأزمان، بل كلها آحاد، إما في أولها وإما في آخِرها وإما مِن أول أسانيدها إلى الآخِر، وأنَّ ما ذكره كثير مِن أحاديث متواترة بَيَنَّا خِلاف ما ادَّعاه. نعم، في الزمن القريب مِن النبي ﷺ كان التواتر موجودًا في كثير، ولكن صار بعد ذلك آحادًا، وإنما نتكلم بحسب ما صار الآن. وكذلك لا كلام في المتواتر معنًى، وحينئذ فبقي -بعد إسقاطه ستة من التسعة- ثلاثةُ أقسام: نَسخ القرآن بالقرآن، ونسخ السّنَّة الآحاد بالسُّنَّة الآحاد، ونسخ السّنَّة الآحاد بالقرآن. وذكرت في النَّظم أمثلة الثلاثة. فأما نسخ القرآن بالقرآن فكنَسخ الاعتداد بالحول في الوفاة بأربعة أشهر وعشر كما

стр. 1789

سبق ذكره، وهو معنى قولي: (فِيمَا قَدْ دُرِي). أي: [ما] (١) عُلم. وكذلك ما سبق من [الأقسام، أي: ] (٢) نسخ التلاوة دُون الحكم، ونسخهما. أما نسخ السُّنَّة الآحاد بمثلها فكما في "صحيح مسلم" عن بُريدة أن رسول الله ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها" (٣). ورواه الترمذي بزيادة: "فإنها تذكركم الآخرة" (٤). وقال: حسن صحيح. وإلى هذه الزيادة أشرتُ بقولي: (رَجَا التَّذْكِير)، ولكن قَصرتُ "رجا" للضرورة. فإن "الرجاء" ضد الخوف بالمد، و"الرجا" بمعنى الناحية مقصور كما أشار ابن دريد في "المقصور والممدود" لذلك بقوله: كم من حقير في رجا ... بئر لمنقطع الرجاء ووَجْه الشاهد في الحديث أنه ﷺ قال: "كنت نهيتكم"، فصرَّح بأنَّ النهي كان مِن السُّنَّة. ويمثَّل بأمثلة كثيرة، كنسخ المتعة ونسخ الوضوء مما مسته النار، وغير ذلك. ولابن الجوزي كتاب لطيف جمع فيه أحد وعشرين موضعًا، وتعقب في بعضها، وتعقب غيره كثيرًا منها. وفي ما أوردناه مِن المثال كفاية. أما نسخ السُّنَّة بالآحاد بالقرآن فمثاله ما كان من تحريم مباشرة الصائم أهله ليلًا،

стр. 1790

نُسخ بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقوله تعالى ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾، هذا على رأي الجمهور الذين جوَّزوا نَسخ السُّنَّة بالقرآن وأنه وقع، ومَثَّلوا وقوعه بهذا وبأنَّ التوجُّه إلى البيت المقدَّس كان بالسُّنَّة، فنُسخ بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. وبأن عاشوراء كان واجبًا، فنُسخ بالقرآن وهو قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥] [الآية] (١). ولكن نُقل عن الشافعي قول بالمنع في ذلك، وأجاب مَن رجحه بأنَّ الشافعي لا ينكر الجواز العقلي كما يوهمه كلام ابن الحاجب حيث قال: (الجمهور على جواز نسخ السُّنَّة بالقرآن، وللشافعي قولان) (٢). ثم قال: (لو امتنع إما لذاته) إلى آخِره. وأما ما استندوا إليه في الوقوع من قصة المباشرة فقد يُمنع بما ذكره أبو عبيد في كتاب "الناسخ والمنسوخ"، وأنَّ الأكل والشرب والجماع ليلة الصيام بعد أن ينام الإنسان كان محُرَّمًا، ثم شُكي إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله : ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية. وكذا ذكره النحاس، فلم يُصرِّحا ولا غيرهما بأنَّ تحريم ذلك كان بالسُّنَّة. أي: فيجوز أن يكون بقرآن نُسخ لفظه واستمر حُكمه حتى نُسخ بالقرآن الثابت لفظًا وحُكمًا. قلتُ: إطلاقهما يقتضي أنَّ ذلك كان بسُنة وإلا لَذُكِر المنسوخ. نعم، في "البخاري" مِن حديث البراء قال: "لَمَّا نزل صوم شهر رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم. فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ

стр. 1791

تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية" (١). فهو أوضح في أنَّ ذلك لم يكن بقرآن؛ فهو بالسُّنَّة. وكذا يُمنع في قصة استقبال بيت المقدس، فإنَّ الحازمي حكى قولين للعلماء في أنَّ التوجه للقدس هل كان بالقرآن؟ أو السنَة؟ بل القول بأنه كان بالقرآن هو ظاهر كلام الشافعي، وعليه يدل قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٣] الآية. فإن الضمير في ﴿جَعَلْنَا﴾ لله تعالى، فالظاهر أنَّ الجعل كان بالقرآن. لكن فيه نظر؛ فإنَّ ما في السُّنَّة هو مِن جَعْل الله تعالى وحُكمه. وكذا يمنع في صوم عاشوراء أنه كان واجبًا ثم نُسخ، فإن ذلك إنما هو قول الحنفية، وحكاه عبد الرزاق في "مصنفه" عن علي وأبي موسى. وأما أصحابنا فقالوا: لم يكن فرضًا قط. وقد بيَّن ذلك البيهقي في "الخلافيات" وأبو إسحاق الشيرازي في "النكت" وغيرهما من علمائنا. تنبيهات الأول: قد بينا أن ستة من الأقسام التسعة مخرَجة إما لضعف الناسخ وقوة المنسوخ، وإما لعدم وجود التواتر. فمِن ذلك نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة. قال ابن الحاجب: إن الجمهور على جوازه، ومنعه الشافعي. ومقتضاه أنَّ تواتُر السُّنَّة موجود ولكن الشافعي يمنع جواز نسخ القرآن بالمتواتر. فأما كونه موجودًا فلا؛ لِمَا أسلفناه. وأما منع الشافعي له لو وُجد فنصُّه في "الرسالة": (لا ينسخ كتاب الله إلا كتابه، كما كان المبتدِئ بفرضه فهو المزيل المثبِت لِمَا شاء منه جل

стр. 1792

ثناؤه، ولا يكون ذلك لأحد من خلقه) (١). انتهى فظاهره نفي الوقوع فقط. نعم، قال بنفي الجواز العقلي الحارث المحاسبي وعبد الله بن سعيد والقلانسي، وهُم مِن كبار أهل السُّنَّة. ويروَى أيضًا عن أحمد. وقيل: الماح منه الشرح، لا العقل. وهو قول الشيخ أبي حامد الأسفراييني. وقيل ة الممتنع الوقوع فقط. وهو ما فهمناه عن نَص الشافعي كما سبق. وأما ما سبق مِن نسخ السُّنَّة بالقرآن وأنَّ ابن الحاجب حكى عن الشافعي فيه قولين في الجواز وأنه ليس بجيد، كما أنه حكى عنه الجزم في نسخ القرآن بالسُّنَّة بأنه لا يجوز -فلا بُدَّ من تحرير قول الشافعي في المسألتين، وذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أن من أصحابنا مَن [وافقه] (٢) ابن الحاجب في حكاية قولين عن الشافعي في مسألةٍ والجزم في أخرى، كالقاضي أبي الطيب في "شرح الكفاية" مُصرِّحًا بلفظ الجواز، وكذا قال إمام الحرمين: (قطع الشافعي جوابه بأن الكتاب لا يُنسخ بالسُّنَّة، وتَردَّد قوله في نسخ السُّنَّة بالكتاب) (٣). انتهى ومنهم مَن حكى عنه القولين في كل من المسألتين. نعم، حكى الرافعي في "باب الفدية" في نسخ السُّنَّة بالقرآن وجهين أو قولين على التردد، قال: ويُنسب المنع إلى أكثر الأصحاب.

стр. 1793

ثانيها: قد بيَّنا أنَّ الشافعي لا يتكلم في الجواز العقلي أصلًا؛ لأن القول بمنع ذلك عقلًا إنْ كان المراد به أنه يَلزم مِن فرضه وقوع مُحَال فواضح البطلان وإنْ حكاه القاضي في "التقريب" قولًا لبعضهم. أو أنَّ العقل يقضي بأنه مُحَال فهو مدْرَك اعتزالي. والشافعي بريء مِن المقالتين، وهو أَجَلّ مِن أنْ يقول بشيء منهما. وقد صرح الشيخ أبو إسحاق بأن الشافعي إنما يمنعه سمعًا، وعليه يُحمَل ما سبق عن شيخه القاضي أبي الطيب مِن إطلاق الجواز مِن غير تعيين عقل أو سمع، لأنَّ تلميذه أوضَحَ بذلك مُراد شيخه. وأما قول ابن السمعاني: (إنَّ الشافعي نَصَّ في عامة كُتبه أن القرآن لا يُنسخ بالسُّنَّة، واختُلف في أن ذلك بالعقل أو بالشرع، والظاهر مِن مذهبه أنهما جميعًا) (١). فمراده بالعقل: القياس. فإنَّ الفقهاء كثيرًا ما يريدون به ذلك كما سبق بيانه في مسألة التحسين والتقبيح العقليين. قيل: والمراد بالمنع سمعًا دَفْع توهُّم بعض الأغبياء أنَّ الله تعالى لم يَرْضَ بما سَنَّه نبيه ﷺ . وما أسمج هذا! فإنَّ الكل مِن عند الله، والنبي لا ينطق عن الهوى، إنْ هو إلا وَحْي يوحى. وثالثها: أنَّ الذي ينبغي حمل منعِ الشافعي شيئًا من ذلك على عدم الوقوع كما ينقل عن ابن سُريج -إمام أصحابنا- القول به، لا على عدم الجواز لا عقلًا ولا سمعًا. قال القاضي تاج الدين السبكي: (لم أجد -مع تنقيبي عن ذلك- في نصوصه تصريحًا بمنع جوازه) (٢).

стр. 1794

أو يُحمَل على ما سأذكره في النَّظم عنه من أنه لا ينسخ القرآن قرآنا إلا ومعه سُنَّة، ولا السُّنَّة سُنّة إلا ومعها قرآن. وسأذكر نصوصه في ذلك. وإلى هذا أشرتُ بتعقيبي [ذلك] (١) للأحوال الثلاثة مع ذِكر أمثلتها. وقد اتضح بحمد الله تعالى ما أشكل مِن نسبة هذا القول للشافعي حتى أن إلْكِيَا نقل أن عبد الجبار كان ينصر مذهب الشافعي في الأصول، فلمَّا وصل إلى هذا المكان قال: هذا الرجل كبير ولكن الحقّ أكبر منه. وفَهم بعض الأئمة مُراد الشافعي حق الفَهم، وأفردوا ذلك بالتصنيف، كالإمام أبي الطيب بن أبي سهل الصعلوكي، وكان إمام زمانه باتفاق، وكذا الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني وأبو منصور البغدادي. الثاني قال في "جمع الجوامع": (إنه يجوز نَسخ القرآن بالسُّنَّة، وقيل: يمتنع بالآحاد. والحقُّ: لم يقع إلا بالمتواترة) (٢). ومُراده: الجواز على تقدير أنْ: لو وُجِد متواتر، فيُنْسَخ به، وكذا بالآحاد، لكن لم يقع. بل نقل جماعة الاتفاق على الجواز، لكن الخلاف موجود، حكاه القاضي أبو بكر وغيره، واختاروا الجواز، وجعلوا القول بالمنع ساقطًا وإنْ عزاه بعضهم للأكثر، وأنهم فرقوا بينه وبين التخصيص بأنه رفع، والتخصيص بيانٌ وجمعٌ بين الدليلين. نعم، الأكثر على عدم الوقوع، خلافا لجمْعٍ مِن الظاهرية. وفصل القاضي والغزالي بين زمانه ﷺ فيجوز، وبَعْده لا يجوز. بل نقل القاضي الإجماع

стр. 1795

على المنع فيما بَعده. وأما قصة أهل قُباء في تَحوُّلهم بإخبار واحد فقيل: لأنَّ ذلك جائز في العقل وفي صدر الإسلام، ثم قام الإجماع بعد ذلك على المنع. كذا أجاب أبو الحسين في "المعتمد". ونقل عن الجبائي أن ذلك كان لأنه ﷺ كان أخبرهم بنسخ القِبلة وأنه ينفذ إليهم مَن يخبر بنسخها، فلمَّا رأوه، علموا صِدقَه مما سبق، فلم يقع نسخ إلا بخبر معلوم. وأما نسخ القرآن بالمتواتر فهو وإنْ طَوَّلوا به وبأدلته لكن لَمَّا [بَيَّنْتُ] (١) أنه لم يوجد، لم أَحْتَج إلى ذِكر ما أطالوا به فيه. الثالث: سيأتي -بَعد ذِكر نصوص الشافعي في أن القرآن لا ينسخه إلا قرآن والسُّنَّة لا ينسخها إلا سُنة-[نَصّ للشافعي] (٢) يقتضي أن ثبوت نَسخ السُّنَّة يتوقف على مجيء سُنَّة تدل على النسخ، ويأتي بيانه. قولي: (وَالْمَنع لِلصَّائِمِ) البيت -"الباء" في (بِسُنَّةٍ) متعلقة بالمنع، أي: إنَّ منع المباشرة ليلًا كان بالسُّنَّة كما سبق شرحه. و"الباء" في قولي: (بِآيٍ) متعلق بِ "نَسخ" مُقَدَّر دَلَّ عليه ما سبق في قولي: (كَنَسْخِ الْأَشْهُرِ) أي: نَسخه بآيٍ ظاهرة في القرآن، وهو جمع "آية". والله أعلم.

стр. 1796

ص: ٧٣٦ - وَالشَّافِعِيُّ قَالَ: لَيْسَ يَقَعُ ... نَسْخ لِقُرْآنٍ بِهَا يَرْتَفِعُ ٧٣٧ - إلَّا وَذِي السُّنَّة مَعْ قُرْآنِ ... وَنَسْخُهَا بِهِ مَعَ اقْتِرَانِ ٧٣٨ - بِسُنَّةٍ؛ حَتَّى يَكُونَا جِنْسَا ... ذَاكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ قَدْ أُحِسَّا الشَّرح: هو إشارة إلى ما ذكرته [من] (١) أن الشافعي حيث نُقل عنه المنع في نَسخ القرآن بالسُّنَّة أو السُّنَّة بالقرآن فإنما يُحمل على عدم الوقوع أو الوقوع لكن على هذا الوجه، فإنَّ به يصح النفي. وعبارة نَص الشافعي في ذلك في "الرسالة" غير ما سبق مِن نَصه: قال الشافعي: (وهكذا سُنة رسول الله ﷺ لا تنسخها إلا سُنة رسول الله ﷺ ، ولو أَحدث الله لرسوله في أمر سنَّ فيه غير ما سنَّ فيه رسول الله ﷺ ، لَسنَّ فيما أَحدث الله إليه؛ حتى يبين للناس أنَّ له سُنة ناسخة للتي قبلها ما يخالفها) (٢). انتهى [فكأن] (٣) مَن نقل عن الشافعي أن السُّنَّة لا تُنسخ بالكتاب أخذه مِن صَدْر هذا النص، ولكن الظاهر أنه إنما أراد عدم وقوعه، ويدل عليه قوله: (ولو أحدث الله) إلى آخِره، فإنه صريح في ذلك. ثم قال الشافعي بعد ذلك ما نَصه: (فإنْ قلتَ: هل تُنسخ السُّنَّة بالقرآن؛ قيل له: لو

стр. 1797

نُسخت السُّنَّة بالقرآن، كانت للنبي ﷺ فيه سُنة تُبين أنَّ سُنته الأُولى منسوخة بِسُنته الأخيرة؛ حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشيء يُنسخ بمثله) (١). انتهى أي: فإذا نُسخ الشئ بمثله، لم يكن للغبي أن يقول: كيف يتخالف الكتاب والسُّنَّة؛ ! وكذا ما ذكره بعد ذلك حيث قال بعد أن تكلم على صلاة ذات الرقاع ما نَصه: (وفي هذا دلالة على ما وصفتُ قبلُ في هذا الكتاب مِن أنَّ رسول الله ﷺ إذا سَن سُنة فأَحدث الله تعالى في تلك السُّنَّة نَسخًا أو تخريجًا إلى سعة فيها، سَنَّ رسول الله ﷺ سُنة تقوم الحجة على الناس بها؛ حتى يكونوا إنما صاروا من سُنة إلى سُنته التي بعدها) (٢). انتهى فيحصل لنا مِن ذلك أن نَسخ السُّنَّة ونَسخ الكتاب لا يقع إلا على هذا الوجه، وأنه ليس ممتنع الجواز عقلًا قطعًا ولا سمعًا كما نقلناه عن الأئمة مِن حكاية ذلك. فكل مِن الكتاب والسُّنَّة من عند الله، فإذا نُسخ أحدهما، فالاستقراء دل أنهما لا بُدَّ أن يجتمعا؛ لتقوم الحجة على الناس بهما؛ و [لأنه] (٣) يكون انتقال من سُنة إلى سُنة. وفيه فائدتان: إحداهما: التنويه بقَدره ﷺ وإظهار عظمته، وهي في نَسخ القرآن بالسُّنَّة أظهر منها في عكسه؛ لأن إنزال القرآن موافقًا للسُّنة الناسخة فيه مِن التعظيم ما لا يخفَى. وثانيهما: انتقال الناس من سُنة إلى سُنة، وهي في نَسخ السُّنَّه بالقرآن أظهر منها في عكسه؛ لأنَّ مَن سنَّ سُنة حسنة فلهُ أجرها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة، والنبي ﷺ هو صاحب السنن الحسنة، فله مِن الأجر ما لا يتناهى.

стр. 1798

وكلما نَسخت سُنةٌ سُنةً فقدْ سَن سُنة حسنة وإنْ كان معها قرآن، وكل هذه الأمور تعليل للواقع، وسنده الاستقراء. وهو معنى قولي: (حَتَّى يَكُونَا جِنْسَا ذَاكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ قَدْ أُحِسَّا). أي: عُلم بطريق الحس، وهو سماع الوارد بأسانيده الصحيحة. تنبيه: قيل: كلام الشافعي في "الرسالة" قَبْل بعض ما نقلناه مِن نصوصه يقتضي أن السُّنَّة لا يَثبت نسخها إلا بسُنة، ولا ينعقد الإجماع على أنها منسوخة إلا مع ظهور الناسخ. حيث قال الشافعي: (أيحتمل أن يكون للنبي ﷺ سُنة مأثورة وقد نُسخت ولا يؤثَر له السُّنَّة التي نَسختها؟ فلا يحتمل هذا، وكيف يحتمل أن يؤثَر ما وُضِع فَرْضُه ويُترك ما لَزِمَ فرضه. فلو جاز هذا، خرجت عامة السنن مِن أيدي الناس بأنْ يقولوا: لعلها منسوخة. وليس يُنسخ فرضٌ أبدًا إلا أُثبِتَ مكانه. فإنْ قيل: فهل تنسخ السُّنَّة بالقرآن؟ قيل: لو نُسخت السُّنَّة بالقرآن) (١) إلى آخِر النص كما ذكرناه آنفا. وهذه غير المسألة السابقة، فإنَّ المراد هنا أن الاستقراء يدل على أنه ما مِن سُنة نُسخت بسُنة إلا وقد عُلم ما نسخها مِن السنن ولو كان الإجماع منعقدا على أنها نسخت. والله أعلم.

стр. 1799

ص: ٧٣٩ - وَالنَّسْخُ لَا يَكُونُ لِلْإجْمَاعِ ... وَلَا بِهِ يُنْسَخُ، بَلْ [نُرَاعِي] (١) ٧٤٠ - أَنَّ مُخَالِفًا لِنَصٍّ وَرَدَا ... تَضَمَّنَ النَّاسخَ فِيمَا أُورِدَا الشرح: لما انتهى الكلام في النسخ لقرآن أو لسُنة أو بهما، شرعتُ في نسخ الإجماع أو كونه ناسخًا. فأما نسخ الإجماع فواضح المنع؛ لأن الإجماع لا يكون في حياة النبي ﷺ كما سبق ذِكره في بابه، والنسخ إنما يكون بإعلام النبي ﷺ . فإذا وقع الإجماع بعد وفاته، فلا يمكن أن يأتي بعده ناسخ. وأما النسخ لشيء مما سبق مِن كتاب أو سُنة بالإجماع فتقع صورة، لكن في الحقيقة حيث وُجِد إجماع على خِلاف نَص فيكون قد تَضمَّن ناسخًا، لا أنه هو الناسخ. وعليه ينزل كلام الشافعي الذي حكاه البيهقي في "المدخل" أن النسخ كما يثبت بالخبر يثبت بالإجماع. أما ما ذكرناه في مستند المسألة الأُولى فهو ما قاله ابن الصباغ وسليم وابن السمعاني وأبو الحسين في "المعتمد" والإمام الرازي وأتباعه؛ بِناءً على ما سبق من أن الإجماع لا ينعقد في زمانه؛ لأنَّ قولهم بدونه لاغٍ، ومع قوله لا يُحتاج إليهم، والحجة إنما هي قوله. وأما الإجماع إذا انعقد بَعده: - فلا يمكن نسخُه بالكتاب والسُّنَّة؛ لعدمهما بعد وفاته.

стр. 1800

- ولا بإجماع آخَر؛ لأن الثاني إنْ كان لا عن دليل فخطأ، أو عن دليل ولكن غفل عنه الإجماع الأول فيلزم أنْ يكون خطأ، والإجماع لا يكون خطأ. - ولا بالقياس؛ لأنَّ شرطه أنْ لا يكون مخالفًا للإجماع. وأما ما [بُحث] (١) مِن إمكان الإجماع في حياته مِن حيث إنَّ الاجتهاد في حياته جائز على الأصح فظاهر الفساد؛ لأن المجتهد يجتهد فيما جاء به من الكتاب والسُّنَّة، وبإذنه بقوله لمعاذ: "اجتهد رأيك" (٢). وأما الإجماع فاتفاق العلماء، وهو أَعْلَم العلماء، فكيف ينعقد بدونه؛ بل هو العالِم في الحقيقة، وغَيْرُه تبع له. وأما ما ذكرناه في الثانية فلأنَّ الإجماع معصوم مِن مخالفة دليل شرعي لا مُعارِض له ولا مُزيل عن دلالته؛ فَتَعَيَّن إذا وجدناه خالف شيئًا أنَّ ذلك إما غير صحيح إنْ أمكن ذلك، أو أنه مُؤَوَّل، أو نُسخ بناسخ؛ لأنَّ إجماعهم حقٌّ. فالإجماع دليل على النسخ، لا رافع للحكم كما قرره الصيرفي والأستاذ أبو منصور وابن

стр. 1801

السمعاني والقاضي أبو يعلى من الحنابلة وغيرهم. ولهذا كان حديث الغسل مِن غسل الميت والوضوء مِن مَسِّه لَمَّا انعقد الإجماع على خِلافِه حُكِمَ بأنه تَضمَّن ناسخًا. قاله ابن السمعاني، ومراده: على تقدير صحة الحديث. وأما قول ابن حزم: (جوَّز بعض أصحابنا أنْ يَرِد حديث صحيح والإجماع على خِلافِه، فيدل على أنه منسوخ، وهو عندنا خطأ فاحش؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، فمثل ذلك لا يقع؛ لأن كلام الرسول محفوظ) (١). انتهى فجوابه ما قررناه؛ لأنَّ ذلك لا ينافي كونه محفوظًا؛ لِتَطَرُّق العارِض الأقوى، فَيُؤَوَّل أو يُنسَخ بمتأخِّر بشروطه. وكذلك قول إلْكِيَا بتصوُّر نسخ الإجماع بأنَّ الأوَّلين إذا اختلفوا على قولين ثم وقع الإجماع على أحدهما، فقدِ ارتفع الإجماع على الأخذ بكل من القولين، وأن الاختلاف جائز بالإجماع على الأخذ بما أجمعوا عليه، لا بغيره. يجاب عنه بأنهم إنما سوَّغوا الأخذ بكل مِن القولين بشرط أنْ لا يوجد ما يمنع الاجتهاد. وإذا انعقد الإجماع، فقد وُجِد ما يمنع الاجتهاد. وكذا قرره ابن برهان، فقال في "الأوسط": وأما إجماع الطبقة الثانية على أحد القولين فليس بنسخ؛ لأن القول المهجور بَطُل في نفسه. والحاصل: أن في كُلٍّ مِن المسألتين قولين، أصحهما المنع. فإنْ قيل: ما ذكرتم مِن سند المنع يجري مِثله في النصوص، فإنَّ النص الأول شَرْط العمل به أنْ لا يأتي ما ينسخه. فإذا جاء النسخ، فترك العمل بالأول إنما هو لفقد شرطه، وما

стр. 1802

فُقِد لِفَقد شَرْطه لا يكون نسخًا. قيل: النص الأول معمول به إلى أنْ يأتي الناسخ، لا أنه [بشرط] (١) فَقْد الناسخ. بخلاف الاجتهاد، فإنَّ ذلك شرط فيه. والله أعلم. ص: ٧٤١ - وَالنَّسْخُ بِالْقِيَاسِ لَا [يُحَادِي] (٢) ... غَيْرًا، وَجَوِّزْ نَسْخَهُ في الْبَادِي ٧٤٢ - في زَمَنِ النَّبِيِّ مُطْلَقًا، وَذَا ... إنْ نَاسِخٌ لَهُ قِيَاسٌ نَبَذَا ٧٤٣ - فَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ أَجْلَى ... وَالنَّسْخُ لِلْأَصْلِ [فَرَفْعٌ] (٣) أَصْلَا الشرح: لما فرغت من النسخ المتعلق بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، شرعتُ في المتعلق بالقياس، وفيه مسألتان: النسخ به، والنسخ له. فأما النسخ به: فلا يكون لنص ولا إجماع، بل لقياس مثله. وهو معنى قولي: (لا يُحَادِي غَيْرًا). أي: لا [تُحَاد] (٤) بالقياس غير القياس مِن نَص أو إجماع. هذا ارجح المذاهب وقول الجمهور، كالصيرفي وإلْكِيَا وابن الصباغ وسليم الرازي وأبي

стр. 1803

منصور البغدادي وابن السمعاني، ونقله أبو إسحاق المروزي عن نص الشافعي، وهو الموافق لما سبق مِن اشتراط اتحاد نوع الناسخ والنسوخ، وحُكي عن ابن سُريج، وقال القاضي حسين في "باب القضاء" مِن "تعليقته": إنه الصحيح في المذهب. واختاره القاضي أبو بكر، ونقله عن الفقهاء والأصوليين، قال: لأن القياس يُستعمل مع عدم النص؛ فلا ينسخ النص، ولأنه دليل محتمل، والنسخ إنما يكون بغير محتمل. وأيضًا فشرط صحة القياس أنْ لا يخالف الأصول، فإنْ خالف، فسد. قال: بل ولا ينسخ قياسًا آخَر؛ لأن التعارض إنْ كان بين أَصْلَي القياسين فهو نسخ نَص بنص، وإنْ كان بين العِلتين فهو من باب المعارضة في الأصل والفرع، لا من باب القياس. والمذهب الثاني: الجواز مطلقًا حتى يُنسخ به القرآن والسُّنَّة المتواترة كما في التخصيص. ولكن الفرق ظاهر؛ لأنَّ التخصيصَ بيانٌ والنسخَ رفعٌ. وجرى صاحب "جمع الجوامع" على هذا القول الضعيف، واستُشكل عليه بأنه قد قال في "باب القياس": إن شرط العلة المستنبطة أنْ لا تُعارَض بمعارِض. فأجاب بِـ: إني أطلقتُ القياس، فيُحمل على ما عِلته منصوصة. وبتقدير التسليم فالمعارِض للعلة إذا وُجِد، لا يكون القياس معتبَرًا، والكلام إنما هو في قياس صحيح. وفيما قاله نظر؛ لأن النص الذي يُدَّعَى نسخُه بالقياس لا يزال معارِضًا لِعِلته، فأين موضع القياس الصحيح الناسخ لنص؟ والحقُّ أَحَق أنْ يُتبع. الثالث: أن القياس يُنسخ به الآحاد فقط، لا المتواتر. وهو فاسد أيضًا، لأن المعارِض المانع مِن القياس لا فرق فيه بين المتواتر والآحاد. الرابع: يُنسخ بالجلي، لا بالخفي. حكاه الأستاذ أبو منصور عن الأنماطي، وحاكاه صاحب "المصادر" عن ابن سُريج، وكذا حكاه الباجي عنه، لكن قال: إنه راجع إلى القول

стр. 1804

بالمنع مطلقًا؛ لأنَّ الجِلي عنده مِن باب الفحوى، وهو جارٍ مَجْرَى النص، فليس نسخًا بقياس. الخامس: حكاه أبو الحسين بن القطان وغيره عن الأنماطي: أنَّ القياس المستخرَج مِن القرآن يُنسخ به القرآن، والمستخرَج مِن السُّنَّة تُنسخ به السُّنَّة. السادس: إنْ كانت عِلته منصوصة جاز النسخ به وإلا فلا. قال الباجي: إنَّ هذا هو الحق. الساب: قاله الآمدي: إنْ كانت منصوصة جاز، وإلا فإنْ كان القياس قطعيًّا كقياس الأَمَة على العبد في السراية، فهو مقدَّم لكن لا مِن باب النسخ، أو ظنيًّا بأنْ كانت عِلته مستنبطة فلا. وسبقه إلى هذا التفصيل صاحب "المصادر". الثامن: قاله الهندي: إنْ كان في حياة النبي ﷺ ، جاز على الأصح، بل هو محل الخلاف، وإنْ كان بعده ﷺ يجوز قطعًا. وأما نَسخ القياس نفسه فَعَلَى وجهين: نسخ القياس مِن حيث هو، ونسخ الأصل المقيس عليه. فالأول جائز عند الجمهور في زمن النبي ﷺ ، لا فيما بعده. فيُنسخ إما بنص أو بقياس آخَر، لا بإجماع؛ لعدم انعقاده في زمن النبي ﷺ . خلافًا لما وقع للإمام في "المحصول" من كون القياس في حياته يُنسخ بالإجماع، قال: بِأنْ تختلف الأُمة على قولين قياسًا، ثم يجمعوا على أحد القولين، فيكون إجماعهم على أحد القولين رافعًا لحكم القياس الذي اقتضاه القول الآخَر. والعجب أنه قد صرح قبل ذلك بأن الإجماع لا ينعقد في زمنه ﷺ ! وإنما قُيِّد نَسخُه بنص أو قياس بزمنه ﷺ لأنه زمن مجيء الوحي، وهو طريق النسخ.

стр. 1805

فأما بَعده فلا يُتصور نَسخُه؛ لأنه: - إما أن يُنسخ بنص مُحْدَث بَعده، وهو مستحيل. - أو بنص كان موجودًا مِن قبل لكن المجتهد القائس كان غافلًا عنه ثم ظفر به، فذاك باطل أيضًا؛ لأنه قد تَبيَّن فساد القياس مِن أصله؛ فلا نَسْخ. - وإما أنْ يُنسخ بالإجماع، وهو باطل؛ لِمَا ذكرنا. ومثَّلوا ذلك بأنْ يقول الشارع: (حرمتُ المفاضلة في البُر؛ لأنه مطعوم). فقد نَص على الحكم وعِلته. فإذا قال بعد ذلك: (بِيعوا الأرز بالأرز متفاضلًا)، كان نَسخًا لذلك القياس بهذا النص. وأما نَسخه بالقياس فبِأن يأتي بعد القياس الأول نَصٌّ بجواز بيع الذرة بالذرة متفاضلًا، فيقاس عليه الأرز بالأرز متفاضلًا. فهذا القياس ناسخٌ لذلك القياس. نعم، شرط الإمام الرازي وغيره في القياس الناسخ أنْ يكون أجلَى من القياس المنسوخ، أي: أرجح في الإلحاق منه وأظهر. ويعرف قوة أحد القياسين بما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في باب التراجيح في ترجيح الأقيسة؛ لأنه إذا كان أخفَى فلا يرفع الأَجْلَى، أو متساويين، كان ترجيحًا من غير مُرجِّح. وقصر جمعٌ -كالبيضاوي- جواز نَسخ القياس على نَسخِه بالقياس الأَجْلَى حتى لا يجوز نَسخُه بنص ولا بإجماع. فأما الثاني فمُسَلَّم، وأما الأول فممنوع؛ لِمَا سبق. ولم يُقيده بزمن النبي ﷺ ، ولا بُدَّ مِن تقييده؛ لَما سبق أيضًا. وقال الإمام الرازي: (إنه يجوز بعد وفاة النبي ﷺ في المعنى، وإنْ كان ذلك لا يُسمَّى

стр. 1806

"نسخًا" في اللفظ) (١). وقد ضُعِّف ما قاله كما ضُعِّف ما سبق نقله عنه في مسألة النسخ بالقياس. على أن أبا الحسين في "المعتمد" سبقه إلى ذلك كله. ووراء هذا مذاهب أخرى: منها ما قاله عبد الجبار وغيره: إنه لا يجوز نسخ القياس أصلًا؛ لأنه مستنبَط مِن أصل، فما دام حُكم الأصل باقيًا فحُكم الفرع يجب بقاؤه. ومنها ما صار إليه كثير من الحنابلة كأبي الخطاب وغيره: الفرق بين ما عِلته منصوصة فهو كالنص يَنسخ كما يُنسخ به، بخلاف المستنبَطة، فإنه متى وُجِدَ نَصٌّ بخلافها، تَبيَّن فساد القياس. واختاره الآمدي. قال الهندي: (وينبغي أن يكون موضع الخلاف في أنه هل يمكن نسخه بدون نسخ أصله؟ أوْ لا؟ ) (٢). أما نَسخه مع نَسخ أصله أو نسخ الأصل ففيه الخلاف الآتي. ولابن الحاجب تفصيل في المسألتين، فقال: (والمختار أنَّ القياس المظنون لا يكون ناسخًا ولا منسوخًا). قال: (أما الأول فلأنَّ ما قبله إنْ كان قطعيًّا، لم يُنسخ بالمظنون، وإنْ كان ظنيًّا، تَبيَّن زوال شرط العمل به وهو رجحانه؛ لأنه ثبت مُقيَّدًا). أي: مشروطًا بأنْ لا يترجح عليه غيره.

стр. 1807

قال: (وأما الثاني فلأنَّ ما بعده -قطعيًّا كان أو ظنيًّا- تَبيَّن زوال شرط العمل به. وأما القياس المقطوع فيُنسخ بالمقطوع في حياته ﷺ ، وأما بَعده فيتبين أنه كان منسوخًا) (١). أي: ولا سبيل إلى إنشاء النسخ؛ لِمَا سبق تقريره. وقولي: (إنْ نَاسِخٌ لَهُ قِيَاسٌ نبَذَا) أي: إنْ كان الناسخ له قياس آخَر نبذ ذلك القياس الأول. أي: طرحه وألغَى حُكمه. وقولي: (وَالنَّسْخُ لِلْأَصْلِ فَرَفْعٌ أَصْلَا) إشارة إلى أن النسخ إذا ورد على الأصل المقيس عليه، ارتفع القياس معه بالتبعية. والمخالِف فيه الحنفية، جوَّزوا صوم رمضان بِنِيَّة من النهار بالقياس على ما كان في صوم يوم عاشوراء من الاكتفاء بِنِية من النهار حين كان واجبًا على معتقدهم ذلك مع زوال فرضيته بالنَّسخ، وأبقوا الفرع على حاله. لكن ليس هذا نَسخًا للقياس، بل رفع لنص، فلا يكون إلا بنص؛ لأن النص لا يُنسخ بقياس كما سبق. وما أحسن تعبير ابن الحاجب عن هذه المسألة بقوله: (المختار أنَّ نَسخ حُكم أصل القياس لا يبقى معه حُكم الفرع) (٢). فعبَّر بقوله: الا يبقى) ولم يُعبِّر بالنسخ كما وقع في كلام بعضهم تسمية ذلك "نسخًا"، وليس بجيد؛ لأن الحكم إذا زال بزوال عِلته، لا يقال: إنه منسوخ. وعبارة إمام الحرمين في ذلك: إنه يتداعى ذلك إلى ارتفاع القياس المستنبَط منه. وهذا معنى قول ابن الحاجب: (لا يبقى).

стр. 1808

وفصل إلْكِيَا في هذه المسألة بين أن يُنسخ الأصل بلا بَدَل فلا يبقى الفرع، أو بِبَدَل فيبقى. وهو غريب، والله أعلم. ص: ٧٤٤ - وَالنَّسْخُ لِلْفَحْوَى بِدُونِ الْأَصْلِ ... وَعَكْسَهُ جَوِّزْ كَمَا لِلْكُلِّ ٧٤٥ - نَعَمْ، إذَا أُطْلِقَ نَسْخُ وَاحِد ... يَتْبَعُهُ وَإنْ يَكُنْ بِزَائِد الشرح: قد سبق في باب المفهوم أنَّ مفهوم الموافقة -وهو ما يكون المسكوت فيه موافقًا للمذكور في حُكمه- إن كان بالأَولى، يسمَّى "فحوى الخطاب"، وسبق في طريق دلالته أربعة مذاهب: أحدها: بطريق المفهوم، وهو المراد هنا في نَسخه والنسخ به، لا [على] (١) أنه بالقياس؛ لأن ذلك داخل في قاعدة النسخ للقياس وبه، وقد سبق. ولا على أن دلالته مجَازية بقرينة، ولا على أنه نقل اللفظ لها عُرْفًا. إذا عُلم ذلك، فالنسخ إما أن يتوجه على الفحوى أو على أصله، وكل منهما إما مع التعرض لبقاء الآخَر أو مع عدم التعرض لذلك، وإما أن يُنسخا معًا. فهذه خمس مسائل. وإما أن يكون النسخ بالفحوى. فالخمسة مذكورة في هذين البيتين، والسادسة تأتي فيما بعد.

стр. 1809

الأُولى: أن يَرِد النسخ على الفحوى مع التعرض لبقاء الأصل، كما لو قال: (رفعتُ تحريم كل إيذاء غير التأفيف)، فيجوز ذلك على الأصح عند أكثر المتكلمين، والمنع منقول عن أكثر الفقهاء. قيل: ولعل مأخذه أن دلالته لفظية أو قياسية. الثانية: أن يَرِد النسخ على الأصل مع إبقاء الفحوى، نحو: (رفعتُ عنك تحريم التأفيف دون بقية أنواع الإيذاء). فهو جائز أيضًا؛ لأنه لا يَلزم من إباحةِ الخفيف إباحةُ الشديد. وقيل: يمتنع؛ لأن الفرع يتبع الأصل. فإذا رفع الأصل، فكيف يبقى الفرع؟ ! ويجتمع في المسألتين ثلاثة أقوال، ثالثها التفصيل. الثا لثة: نسخهما معا، كَـ: (رفعتُ تحريم التأفيف وكل إيذاء). وجوازه واضح. وأما الرابعة والخامسة: وهُما نسخ الفحوى مِن غير تَعرُض لبقاء الأصل أو رفعه، وعكسه، فهُما اللتان تَعرَّض لهما ابن الحاجب والبيضاوي. فقال ابن الحاجب: (يجوز نسخ أصل الفحوى دُونه -أي دُون نسخ الفحوى- وامتناع نسخ الفحوى دُون أصله) (١). قال: (ومنهم مِن جوَّزهما، ومنهم مَن منعهما). وإنما حملنا كلامه على الإطلاق في الأمرين؛ لأنه قال في الاستدلال: (لنا: أن جواز التأفيف بعد تحريمه لا يستلزم جواز الضرب). أي: فجاز ثبوته دونه. : (وبقاء تحريمه -أيْ تحريم التأفيف- يستلزم تحريم الضرب) (٢). فاستدلاله با لاستلزام وعدمه يدل على تصويره المسألة بما ذكرناه.

стр. 1810

ومنهم مَن حمل كلامه على المسألتين الأُولتين، وكأنه رأي أن الاستلزام في كلامه إنما أراد به أن ما يستلزم يمتنع التصريح بخلافه، وما لا يستلزم لا يمتنع التصريح بخلافه. ولكنه بعيد. وأما البيضاوي فعبَّر في المسألة با لاستلزام، فهو صريح فيما ذكرناه، فقال: (نسخُ الأصل يستلزم نسخَ الفحوى، وبالعكس؛ لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم) (١). انتهى إلا أنه لم يستدل إلا لإحدى المسألتين دُون الأخرى، وهي أنَّ نَسخ الأصل يَلزم منه رفع الفحوى. لكن دليلها أن الفحوى تابعٌ والأصلَ متبوعٌ، فإذا رُفِع المتبوع، ارتفع التابع. وهذا الذي رجحه فيهما هو المختار عند الأكثر؛ ولذلك قال في "جمع الجوامع": (والأكثر أن نسخ أحدهما يستلزم الآخَر) (٢). وفي الحقيقة المسألتان مُفرَّعتان على الجواز في المسألتين الأولتين، لأنَّا إذا قلنا بالجواز عند التقييد ببقاء الآخَر، فعند الإطلاق يُعمل بالاستلزام؛ لعدم ما يقتضي خِلافه. على أن الإمام الرازي قد جزم بأنَّ نَسخَ الأصل يستلزم، وأما استلزام نسخ الفحوى نَسخ الأصل فنقله عن اختيار أبي الحسين، وسكت عليه. فيحتمل أنه موافقه؛ ولهذا جرى عليه البيضاوي. ويحتمل أنه ذكره على وجه التضعيف له؛ فيكون من القائلين بالتفصيل. وأما الآمدي فقال: (المختار أن تحريم الضرب في محل السكوت، إنْ جعلناه مِن باب القياس فنسخ الأصل يوجب نسخ الفرع؛ لاستحالة بقاء الفرع بدون الأصل. وإنْ جعلناه بدلالة اللفظ فلا شك أنَّ إحدى الدلالتين باللفظ والأخرى بالفحوى، وهُما مختلفان، فلا

стр. 1811

يَلزم مِن رفعِ إحدى الدلالتين المختلفتين رفعُ الأخرى). فيكون قولًا بعدم الاستلزام في المحلَّين. ثم قال: (فإنْ قيل: الفحوى تابع، فكيف يبقى مع ارتفاع المتبوع؟ قيل: التبعية إنما هي في الدلالة، لا في الحكم، والنسخ إنما هو وارد على الحكم، فقد يرتفع الحكم والدلالة باقية) (١). وقولي: (وَإنْ يَكُنْ بِزَائِدِ) أي ولو كان زائدًا على اللفظ في الظاهر؛ لأنه إنما يتبع بطريق اللزوم، لا [بطريق] (٢) اللفظ. والله أعلم. ص: ٧٤٦ - وَالنَّسْخُ بِالْفَحْوَى، وَفي الْمُخَالَفَهْ ... لَا يُنْسَخُ الْأَصْلُ الَّذِي قَدْ خَالَفَهْ ٧٤٧ - [بِدُونِهِ] (٣)، وَذَا امْنَعِ النَّسْخَ بِهِ ... وَخَبرٌ يُنْسَخُ؛ لِلتَّنَبُّه الشرح: قولي: (وَالنَّسْخُ بِالْفَحْوَى) بالنصب عطفًا على مفعول "جوز" في البيتين قبله. أي: وجوز أيضًا أن يكون الفحوى ناسخة لغيرها. وهي المسألة السادسة مما أشرتُ إليه فيما يتعلق بالفحوى. ولم يذكرها ابن الحاجب، وقد ذكرها البيضاوي وغيره، بل ادَّعى الإمام والآمدي فيها

стр. 1812

الاتفاق على الجواز، لكن انتُقد بوجود الخلاف، حكاه الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" بناءً عَلى أن الفحوى قياس، والقياس لا يكون ناسخًا. وحكاه ابن السمعاني عن الشافعي؛ لأنه يقول بأن الفحوى قياس، والقياس لا يَنسخ النص. قلت: فإنْ كانت حكايته الاتفاق بناءً على أنه ليس مِن باب القياس، فلا انتقاد عليهما بالمنع تفريعًا على أنه قياس. وقد نَصَّ القاضي في "مختصر التقريب" على المنع أيضًا كما هو مختار الشيخ أبي إسحاق. وقولي: (وَفي الْمُخَالَفَهْ) إلى آخِره -إشارة إلى أن مفهوم المخالفة هل يُنسخ أو يُنسخ به؟ أما نسخه فيجوز نسخ حُكم المسكوت الذي هو مخالف للمذكور مع نسخ الأصل ودُونه. ذكره القاضي عبد الوهاب وغيره؛ فقد قالت الصحابة ﵃: إنَّ قوله ﷺ : "الماء من الماء" (١) منسوخ بقوله ﷺ : "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" (٢) مع أن الأصل باقٍ، وهو وجوب الغسل بالإنزال. وأما نَسخ الأصل بدون مفهومه الذي هو نحالِف له حُكمًا، فذكر الصفي الهندي فيه احتمالين. قال: (وأظهرهما أنه لا يجوز؛ لأنه إنما يدل على ضد الحكم باعتبار ذلك القيد المذكور، فإذا بَطُل تأثير ذلك القيد، بَطُل ما يُبْنَى عليه. وعلى هذا فنسخ الأصل نسخٌ للمفهوم

стр. 1813

منه) (١). والمعنى أنه يرتفع الحكم الشرعي الذي حُكم به على المسكوت بضد حُكم المذكور. وقولي: (وَذَا امْنَعِ النَّسْخَ بِهِ) إشارة إلى أن مفهوم المخالفة لا يُنسخ به شيء. قال ابن السمعاني: لأنَّ النص دائمًا أقوى منه، فكيف يَنسخ الأضعفُ الأقوى؟ ! قلتُ: وقد يُضَعَّف بأنَ المنسوخ به قد يكون مساويًا أو دُونه، كأنْ يكون مفهوم مخالفة أو نحو ذلك. والله أعلم. وقولي: (وَخَبرٌ يُنْسَخُ؛ لِلتَّنَبُّهِ) تمامه قولي بعده: ص: ٧٤٨ - لَكِنْ بِإخْبَارٍ بِضِدِّ الْحُكْمِ ... لَا الْحُكْم نَفْسه، فَجُدْ بِالْفَهْمِ ٧٤٩ - إلَّا إذَا أُرِيدَ لِلْإنْشَاءِ ... فَإنَّهُ مَعْهُ عَلَى [اسْتِوَاءِ] (٢) الشرح: والمراد بذلك أنه لَمَّا انقضَى بيان نَسخ الإنشاء، ذُكِر نسخ الخبر، وذلك يُفْرَض على وجوه: أحدها: أن يُنسخ التكليف بالإخبار بالخبر. وهو جائز بلا خلاف؛ لأنه من قبيل نسخ الإنشاء. وسواء في هذا أن يكون المخْبَر عنه مما يتغير أو لا. الثاني: أن يراد مع نَسخه التكليف بالإخبار بضد الأول وهو مما يتغير، كنسخ الإخبار

стр. 1814

بقيام زَيْد بالإخبار بأنه لم يَقُم. فلا خلاف أيضًا في جوازه؛ لأنه قد يكون قائمًا في وقت أو حالٍ غير قائم في غيره. وفي معنى هذين الأمرين نسخ التعبد بتلاوة شيء أو الأمر بتلاوة ضده. الثالث: أن يكون كالذي قبله، إلا أن المخبَر به مما لا يتغير، كالإخبار بكون السماء فوق الأرض يُنسخ بالإخبار بأن السماء تحت الأرض. وذلك جائز. وخالف المعتزلة فيه -كما قال الآمدي- محتجين بأن أحدهما كذب والتكليف به قبيح؛ فلا يجوز عقلًا. وهو بناء على قاعدتهم الباطلة في التحسين والتقبيح العقليين. فإنْ قيل: الكذب نقصٌ، وقُبحه بالعقل باتفاق، فلِمَ لا يمتنع ذلك؟ فالجواب: أنَّ القُبح فيه بالنسبة لفاعله، لا باعتبار التكليف به، بل إذا كُلف به، صار جائزًا، فلا يكون قبيحًا؛ إذْ لا حُسن ولا قُبح إلا بالشرع، لاسيما إذا تعلق به غرض شرعي، فإنه مِن حيث ذلك يكون حسنًا. وشاهد ذلك مِن الفقه ما لو قال مُتغلِّب لضعيف: (اختلِق كذبة وإلا ضربت عنقك). بل والظاهر أن المعتزلة لا يخالفون في مِثل ذلك وإنْ قالوا بالحسن والقبح العقليين، ويُقَيدون القبح بما لم يتعلق به غرض. ولو أكُره على كلمة كفر لا يأثم بقولها؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، ولو طالبه ظالم بالوديعة جاز أن يكذب بالإنكار والإخفاء ما أَمكنه، بل يجب عليه ذلك بلا خلاف ولكن يُكَفر عن يمينه على الأظهر؛ لأنه كاذب والكفارة منوطة بالكذب. وكذا مَن التجأ إليه مظلوم، فخبأه في داره. إلى غير ذلك من الفروع. وهذه الصوَر كلها داخلة في قولي: (لَكِنْ بإخْبَارٍ بِضِدِّ الْحُكْمِ) سوى الصورة الأُولى، فإنها تُفهم مِن باب أَوْلى.

стр. 1815

الرابع: نسخ نفس الحكم المخبَر به، وهو المعروف في الأصول بِـ "نَسْخ الأَخبار" بالفتح. فإنْ كان ذلك الحكم مما لا يتغير، فلا يجوز فيه النسخ بالإجماع كما حكاه أبو إسحاق المروزي وابن برهان، وذلك: كصفات الباري وأخبار الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) وأخبار الأُمم السالفة والأخبار عن الساعة وأماراتها ونحو ذلك. وإنْ كان مما يتغير كإيمان زيد وكُفره، فلا يجوز أيضًا على الأصح، سواء كان الخبر ماضيًا أو مستقبلًا أو حالًا، وسواء أكان وعدًا أو وعيدًا. وإلى هذا ذهب الصيرفي وأبو إسحاق المروزي والقاضي أبو بكر والجبائي وابنه أبو هاشم وابن السمعاني وابن الحاجب. وقال الأصفهاني: إنه الحقُّ. ومقابل الأصح: الجواز مطلقًا. وإليه ذهب أبو عبد الله وأبو الحسين البصريان، وعبد الجبار والإمام الرازي. ونَسَبه ابن برهان للمعظم. والتفصيل بين الخبر عن الماضي فيمتنع؛ لأنه يكون تكذيبًا، دُون المستقبل؛ لجريانه مجرى الأمر والنهي، فيجوز أن يُرْفَع. وبه قال سليم الرازي، وسبقه إليه ابن القطان، وجرى عليه البيضاوي. وهذا التفصيل مبني على أن الكذب لا يكون في المستقبل، بل في الماضي. وهو قول مشهور، بل هو المفهوم عن الشافعي ﵁؛ فلذلك قال: لا يجب الوفاء بالوعد. وضعّف احتجاج قائل الوجوب (بأنه كذب، وهو حرام) بأنَّ الوعد إنشاء، لا خبر، فَخُلْفه خُلْف وَعْد، لا كذب؛ ولذلك جاء في صفة المنافق: "إذا حَدَّث كذب، وإذا وَعد أَخْلف" (١)، فَغَايَر بينهما، ويسمي الثاني "إخلافًا"، لا "كذبًا".

стр. 1816

وكذا قال الزجاجي في كتاب "الأذكار" بأن الإخبار بضد الصدق إذا كان مستقبلًا، يُقال فيه: أخلف، ولا يقال: كذب. لكن قد يشكل هذا بأنه إذا لم يقبل الكذب فكيف يكون خبرًا؟ والحقُّ أن الخبر عن المستقبل يقبل التصديق والتكذيب. فإنْ تَعلق بالمستقبل ولم يقبل ذلك كالوعد، كان إنشاءً، وليس مما نحن فيه. وحينئذٍ فيقال: الوعيد نَسْخه جائز؛ لأنه لا يفضي إلى كذب ولا يُعَد خُلْفًا، بل عفوًا وكرمًا. وأما الوعد فهو وإنْ كان مِثله في أن نسخه لا يفضي إلى كذب، لكن لا يقع الخلف فيه، بخلاف الوعيد؛ لأنَّ الخلف في الإنعام نقص قادح في كرم الكريم، فكيف بأكرم الأكرمين؛ فالخلف فيه محال على الله تعالى من هذه الحيثية. قال الخطابي: النسخ يجري فيما أخبر الله تعالى أنه يفعله؛ لأنه يجوز تعليقه على شرط، بخلاف إخباره عما لا يفعله؛ إذ لا يجوز دخول الشرط فيه. قال: وعلى هذا تأول ابن عمر النسخ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، فإنه نسخها بعد ذلك برفع حديث النفس، وجرى ذلك مجرَى العفو والتخفيف عن عبادِه، وهو كرم وفضل، وليس بخلف. قال الأصمعي: (سمعتُ أعرابيًّا يقول: سبحان مَن إذا وعد وفا، وإذا تَوعَّد عفا). وفي نَسخ الخبر قول رابع بالتفصيل بين أن يكون الخبر الأول معلقًا بشرط أو استثناء فيجوز نسخه، وإلا فلا. قاله ابن بقلة في كتاب "البرهان"، قال: كما وَعَدَ قوم يونس بالعذاب إنْ لم يتوبوا، فلمَّا تابوا كشف عنهم. وقول خامس اختاره الآمدي: يجوز مطلقًا إذا كان مما يتكرر والخبر عام، فيتبين بالناسخ

стр. 1817

إخراج ما لم يتناوله اللفظ. تنبيهان الأول: محل الخلاف في غير الخبر عن الحكم، نحو: (هذا الفعل جائز) أو: (حرام)، فهذا يجوز نسخه بلا خلاف؛ لأنه في الحقيقة إنشاء. ونحوه الخبر بمعنى الأمر والنهي، نحو: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] , ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]. فنسخ ذلك جائز عند الأكثر؛ لأنه إنشاء. ونقل الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" والقاضي عبد الوهاب وابن السمعاني فيه خلافًا عن الدَّقاق. ولا وجه له إلا أن يقال: لكونه على صورة الخبر. الثاني: بنى القاضي في "التقريب" الخلاف في المسألة على الخلاف في أن النَّسخ رفع أو بيان. فإن قلنا: رفع، امتنع، للزوم الكذب في الأول أو في الثاني، وهو محال. وإن قلنا: بيان، فلا تمتنع إبانة أن ذلك "الحكم الذي في الخبر" في بعض الأزمنة دُون بعض. والله أعلم. ص: ٧٥٠ - كَذَا مُقَيَّدٌ بِلَفْظِ "أَبَدَا" ... وَنَحْوِهَا، كَـ "مُسْتَمِرًّا" قُيِّدَا ٧٥١ - يَجُوزُ، وَالنَّسْخُ بِغَيْرِ بَدَلِ ... وَالشَّافِعِيْ نَفَى الْوُقُوعَ في الْجَلِيْ الشرح: اشتمل ذلك على مسألتين:

стр. 1818

إحداهما: إذا قُيِّد حُكم بلفظ التأبيد، مثل: (صوموا يوم عاشوراء أبدًا)، فيجوز بعد ذلك نَسخه عند الجمهور، خلافا لبعض المتكلمين. وبه قال من الحنفية أبو بكر الجصاص وأبو منصور الماتريدي وأبو زيد الدبوسي والبزدويان الأخوان، قالوا: لمناقضة الأَبَدية؛ فيؤدي ذلك إلى البداء. وجوابه: أن ذلك إنما تُقصد به المبالغة، لا الدوام. كما تقول: (لازم غريمك أبدًا). وإنما تريد: لازِمه إلى وقت القضاء. فيكون المراد هنا: لا تخل به إلى أن ينقضي وقته بالنَّسخ. قالوا: إذا كان الحكم -لو أُطْلِق الخطاب (١) - مستمرًّا إلى النسخ، فما الفائدة في التقييد بالتأبيد؟ قلنا: فائدته التنصيص والتأكيد، وأيضًا فلفظ "الأبد" إنما مدلوله الزمان المتطاول. وقولي: (وَنَحْوِهَا) أي: مثل: (افْعَل ذلك دائمًا) أو: (مستمرًّا) أو شبه ذلك مما يدل على الاستمرار؛ لأن غايته أن يكون نَصًّا في الفعل في وقت ويُنسخ قبله، فيكون مثل: (صوموا غدًا) ثم يُنسخ ذلك قبل مجيء الغد. وإلى ذلك أشرتُ بقولي: ("مُسْتَمِرًّا" قُيِّدَا). أي: كلفظ "مستمرًّا" إذا قيد به، فـ "قُيِّدَا" جملة نُعِتَ بها النكرة وهي "مُسْتَمِرًّا". وقولي: "يَجُوزُ" هو خبر المبتدأ الذي هو "مقيد"، أي: يجوز نسخه؛ لأنَّه المحدث عنه. وأطلقتُ ذلك ولم أقيده بالإنشاء؛ لأنَّ الخبر لا يدخله النسخ كما سبق. نعم، الخبر عن الحكم سبق أنه كالإنشاء في جواز النسخ به، فهل يجوز نسخ ما قُيِّد منه بالتأبيد؟ أو يمتنع؟

стр. 1819

الظاهر الجواز؛ لأنه في الحقيقة بمنزلة: افعل كذا أبدًا. ووقع في "ابن الحاجب" عبارة تحتمل المنع في ذلك وتحتمل أن يُراد بها غيره. فقال: (الجمهور: جواز نسخ مثل: "صوموا أبدًا"، بخلاف: "الصوم مستمر أبدًا") (١). ففهم بعض شُراحه أنه يفرق بين الأمر الصريح وبين الخبر المتضمن للأمر، وأنه جائز في الأول دون الثاني. ولكن لم يصرح الآمدي ولا غيره بذلك، إلا أن الآمدي سأل في المحل أسئلة، منها: (أن المتكلِّم إذا أخبر بلفظ التأبيد، لم يَجُز نسخه، فكذلك غير الخبر) (٢). ثم أجاب عنه بأنه قد يُمنع ذلك في الخبر أيضًا. أي فيقال: بل هو جائز في الخبر أيضًا. فأراد ابن الحاجب بذلك دفع توهُّم موافقته للآمدي. لكن الآمدي بناه على اختيار النسخ في الخبر، وابن الحاجب لا يرى ذلك. كذا شرحه الأصفهاني وغيره. وفيه نظر من وجهين: أحدهما: يُبْعِده زيادة "مستمرًّا" في المسألة الثانية. والثاني: أن الخبر عنده لا يُنسخ، سواء قيد بالتأبيد أو لا. ويحتمل أن ابن الحاجب إنما أراد التفصيل في التقييد بالتأبيد بين أن يكون في فِعل المكلف كَـ "صوموا أبدًا" فيجوز النسخ فيه، وبين أن يكون قيدًا في الإيجاب وبيانًا لمدة بقائه واستمراره نحو: "الصوم واجب مستمر أبدًا" فيمتنع. وهو ما شرحه به القاضي عضد الدين، ووافقه على اختياره السبكي؛ ولهذا زاد لفظ "الاستمرار" في الثانية، فإنه قرينة تقييد الخطاب به.

стр. 1820

وبالجملة: فالخبر إذا كان بمعنى الإنشاء، جاز أن ينسخ كما سبق، فمسألتَا ابن الحاجب مستويتان. المسألة الثانية في النَّظم: أن النسخ جائز للحكم وإن لم يؤت بحكم آخر بدلًا عنه. وإذا قلنا: يجوز، فلم يقع إلا ببدل. فهُما بحثان: الأول في الجواز، والثاني في الوقوع. فأما أنه يجوز بلا بدل فهو قول الجماهير، وخالف فيه قوم من أهل الظاهر، ونقله القاضي في "مختصر التقريب" عن المعتزلة. دليل الجمهور: أنَّ المصلحة قد تكون فيما نُسخ ثم تصير المصلحة في عدمه. هذا عند مَن يعتبر المصالح، وأما مَن لا يعتبرها فلا إشكال فيه. وأيضًا: فقد وقع، فإنَّ وجوب تقديم الصدقة بين يَدَي مناجاته ﷺ نُسِخَ بلا بدل. وأما مَن ادَّعَى أنَّ نَسْخه بالزكاة فرُدَّ عليه من وجهين: أحدهما: أنه تعالى قال: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] الآية، فلمَّا ضُم إلى الزكاة الصلاة والطاعة، عُلِم عدم كون شيء منهما بدلًا عن المنسوخ؛ لأنَّ الصلاة والطاعة مأمور بهما مِن قبل. ثانيهما: أن ذلك يحتاج لمعرفة التاريخ، وإنما المراد في الآية أن ذلك إذا نُسخ فليكن اعتمادكم على ذروة الأمر وسنامه المأمور به دائما، وهو طاعة الله تعالى والصلاة. ومما نُسخ بلا بدل أيضًا: الإمساك عن الطعام بعد الفطر في الليل الذي كان واجبًا في أول الإسلام. ونحوه: نسخ ادِّخار لحوم الأضاحي.

стр. 1821

وبالجملة: فالله تعالى يفعل ما يشاء. قال القاضي: كما يجوز أنَّ الله تعالى يرفع التكاليف كلها يجوز أن يرفع بعضها بلا بدل مِن باب أَوْلي. وأما تَعلُّق الخصم بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] الآية فالمراد: لا ينسخ لفظ إلا ويُؤتَي بلفظ خير منه، لا في نَسخ الأحكام. ولو سُلِّم أن الآية باقية علي عمومها فقد يكون النسخ بلا بدل خيرًا؛ لمصلحة يعلمها الله تعالى، فالآية شاملة له. وأيضًا: فالذي في الآية نَفْي إيقاع ذلك، فمِن أين نفي الجواز؟ وأما بحث الوقوع المشار إليه في النَّظم بالنقل عن الشافعي (رحمه الله تعالى) أنه نفاه فليس المراد أن الشافعي نفي أن لا يُنسخ حكم إلا ويثبت حُكم آخر متجدد، بل علي معني آخَر نذكره بعد حكاية النص. وذلك أنَّ الشافعي (رحمه الله تعالى) قال في "الرسالة" في ابتداء الناسخ والمنسوخ: (وليس يُنسخ فرضٌ أبدًا إلا أُثبت مكانه فرضٌ، كما نُسخت قِبلة بيت المقدس فأثبت مكانها الكعبة) (١). انتهى قال الصيرفي في شرحه: (إن مراده أن يُنقل مِن حظر إلي إباحة أو مِن إباحة إلي حظر أو تخيير علي حسب أحوال الفروض). قال: (كنسخ المناجاة، فإنه تعالى لَمَّا فرض تقديم الصدقة، أزال ذلك بِرَدِّهم إلي ما كانوا عليه. فإنْ شاءوا تَقرَّبوا إلى الله تعالى بالصدقة، وإنْ شاءوا ناجوه من غير صدقة). قال: (فهذا معنى قول الشافعي: فرض مكان فرض. فَتَفَهَّمه). انتهى

стр. 1822

فظهر أن مراد الشافعي بالبدل أَعَم مِن حُكم آخر ضد المنسوخ، كالقبلة أو الرد لِما كانوا عليه قبل شَرْع المنسوخ، كالمناجاة. فالمدار على ثبوت حُكم شرعي في المنسوخ في الجملة حتى لا يتركوا هملًا بلا حُكم في ذلك المنسوخ بالكُلية؛ إذْ ما في الشريعة منسوخ إلا وقد انتقل عنه إلى أمر آخَر ولو أنه إلى ما كان عليه قبل ذلك، فلم يغادر الرب عباده هملًا. فالصور أربع: [إحداها] (١): الجواز. ولا يخالف فيه إلا بعض المعتزلة والظاهرية. والثانية: الوقوع بلا بدل أصلًا، ويصير ذلك بلا حُكم أصلًا، بل يبقي كالأفعال قبل ورود الشرع. وهذا -مع جوازه- لم يَقُل به أحد، ولا حُفِظ فيه شيء في الشرع يكون مِثالًا له. والثالثة: وقوعه ببدل، إما بإحداث أمر (كالكعبة) أو بإباحة ما كان واجبًا (كالمناجاة)، وهو الذي أراده الشافعي بقوله السابق، فلا يُفهم مما أراد من البدل إلا ذلك، وهو قضية كلام القاضي أبي بكر أيضًا، وهو الحقُّ كما قررناه. والرابعة: وقوعه ببدل متجدد أصل -كالكعبة بعد بيت المقدس- يكون شرطًا لا بُد منه، وهي مسألة الوقوع التي يقع فيها الخلاف. والجمهور علي عدم اشتراط مثل ذلك، وليس ذلك محل كلام الشافعي. وممن أشار إلي ما قررناه إمام الحرمين في "التلخيص مختصر التقريب"، والله أعلم.

стр. 1823

ص: ٧٥٢ - وَمَا بِهِ فَقَدْ يَكُونُ أَثْقَلَا ... كَرَمَضَانَ بَعْدَ عَاشُورَا انْقُلَا ٧٥٣ - وَالنَّسْخُ بِا لْأَخَفِّ كَالْمُصَابَرَهْ ... [لِعَشْرَةٍ] (١) بِالضِّعْفِ فِيمَنْ صَابَرَهْ الشرح: إذا تَقرر أنَّ النَّسخ جائز وواقع ببدل وبغير بدل، فإذا كان ببدل، فالبدل إما مساوٍ أو أخف أو أثقل. والأولان جائزان باتفاق. مثال المساوي: نسخ استقبال بيت المقدس بالكعبة. وإنما لم أتعرض له لوضوحه. ومثال الأخف: وجوب مصابرة العشرين من المسلمين مائتين من الكفار، والمائة ألفًا، كما في الآية تضمنت مصابرة كل طائفةٍ من المسلمين عشرة أمثالهم نُسخ بقوله تعالي: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] فأوجب مصابرة الضعف، وهو أخف من الأول. ومثله: نَسخ العدة بالحول في الوفاة بالعدة بأربعة أشهر وعشر. وأما النسخ بالأثقل فهو محل الخلاف، فقال بعض أهل الظاهر بمنعه. قال ابن برهان في "الوجيز": ونقل ناقلون ذلك عن الشافعي، وليس -أيْ هذا النقل- بصحيح عنه. ثم منهم مَن أجاز ذلك عقلًا ومنع منه شرعًا، وهو رأي أبي بكر بن داود الظاهري، ومنهم مَن منعه عقلًا، ومنهم مَن قال: يجوز ولكن لم يقع.

стр. 1824

دليل القول الصحيح -أنه جائزٌ واقعٌ- أنَّ الكَف عن الكفار كان واجبًا بقوله تعالي: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨]، فنُسخ بإيجاب القتال وهو أثقل، أي: أكثر مشقة. وكذا نسخ وجوب صوم يوم عاشوراء بصوم رمضان، وهو أثقل. ولكن هذا علي طريقة مَن قال: كان عاشوراء واجبًا، فنُسخ برمضان. وهو قول أبي حنيفة وظاهر كلام أحمد، وعليه جريتُ في التمثيل في النَّظم تبعًا لتمثيل كثير من الأصوليين. لكني لوحتُ بقولي: (انْقُلَا) إلي الأمر بنقل هذا عن مَن قاله ومَثِّل به ولكن لا تعتقده. هذا مرادي: بـ "انْقُلَا". وقصرتُ "عَاشُورَا"؛ للضرورة. والذي قاله الشافعي: إنه لم يكن واجبًا، إنما كان متأكد الاستحباب فقط. وبه قال كثير مِن الحنابلة وغيرهم. ولَمَّا فُرض رمضان لم يَصِر تأكُّده بَعد ذلك كما كان قَبله. نعم، وافق بعض أصحاب الشافعي أبا حنيفة في ذلك؛ تمسُّكًا بظواهر أحاديث وردت لا تقاوم صريح الأحاديث الصحيحة، كحديث معاوية في "الصحيحين" أنه حج، فقال علي المنبر يوم عاشوراء: "يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لهذا اليوم: هذا يوم عاشوراء، لم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم. فمَن أَحَب منكم أن يصوم، فَلْيَصُم، ومَن أَحَب أنْ يفطر فليفطر" (١). وفي "مسلم" عن عائشة ﵁: "إنَّ يوم عاشوراء كان يُصام في الجاهلية، فلمَّا كان الإسلام مَن شاء صامه ومَن شاء تركه" (٢). وغير ذلك وليس هذا محل بسطه. والله أعلم.

стр. 1825

ص: ٧٤٥ - وَلِلْوُجُوبِ وَحْدَهُ يَرْتَفِعُ ... وَبَعْدَهُ الْجَوَازُ يَبْقَي الْمَرْجِعُ الشرح: أي: إذا نُسخ الوجوب وحده، فهل يرتفع معه الجواز؟ أو يبقي؟ فيه مذهبان: أحدهما: وهو ما جرى عليه الإمام الرازي وأتباعه: أنَّ الجواز بعد نَسخ الوجوب باقٍ؛ لأنَّ الصورة أنه رفع الوجوب وحده بأنْ يقول الشارع: نسختُ الوجوب أو حُرْمَة الترك، أو: رفعتُ ذلك. والوجوب كان مُركبًا مِن جزأين: أحدهما هذا، والثاني جواز الفعل. فإذا رفع أحدهما، يبقي الآخَر. بخلاف ما لو نُسخ الوجوب بالتحريم، أو قال: رفعتُ ما دل عليه الأمر السابق مِن جواز الفعل ومنع الترك. فهذا يرتفع الجواز فيه قطعًا ويثبت التحريم. وهذا ما ذهب إليه الإمام الرازي وأتباعه، ورجَّحه المتأخرون. ومقابلُه المذهب الثاني: نقلوه عن الغزالي: أنَّ الجواز لا يبقي، بل يرجع الأمر إلي ما كان قبل الوجوب مِن البراءة الأصلية أو الإباحة أو التحريم، وكأنَّ الوجوب بَعد نَسْخه لم يكن. قال شيخنا الزركشي في "شرح جمع الجوامع": (إن هذا هو الذي وجدته في كلام أكثر أصحابنا الأقدمين) (١). وعاب علي ابن السبكي قوله في "شرح المنهاج": (إن الأول قول الأكثرين)؛ لأنه إنما هو قول الإمام وأتباعه. قلتُ: لكنه يقوي بما سنذكره من قاعدة "إذا بطل الخصوص، يبقي العموم" القائل بها جماهير أصحابنا في كتب الفروع.
следующие страницы →