- مطلقًا، فالتعليل به باطل قطعًا؛ لعدم تخصيصه بمحل أو بحكم، فلا [تميُّز] (١) فيه؛ لأنَّ الكل فيه سواء.
- أو عدمًا مخصوصًا، فلا يُعلَّل به إنْ كان وجود ذلك "المفروض عَدَمه" منشأ مصلحة؛ لأنه لا يكون عدمه مصلحة أيضًا. وإنْ كان وجوده منشأ مفسدة فهو من قبيل الموانع، والمانع لا يكون علة، بل لا بُدَّ من مُقْتَضٍ. وهو معنى قول بعض الجدليين: [لأن] (٢) العدم طرد، والتعليل بالطرد ممتنع.
قال: فلو قال الشارع: (حكمتُ بكذا؛ لعدم كذا) كان للتأقيت (بمعنى: إذا انعدم، فاعرفوا ثبوت الحكم)، لا للتعليل.
وخالف الإِمام الرازي وأتباعه فجوَّزوا أن يعلل به الحكم الثبوتي كما يُعلل به الحكم العَدَمي.
وقال في "المحصول": (خلافًا لبعض الفقهاء). قال: (لأنه قد يحصل دوران الحكم مع بعض المقدمات، والدوران يفيد الظن).
ولكن ضعّف هذا بأنه ليس له جهة اقتضاء يتخيل بالدوران التعليل بها.
مثاله في الفقه: أن يقال: (بيع الآبق باطل؛ لعدم القدرة على التسليم).
وقد يقال: إنما العلة العجز، وهو أمر وجودي، فهُما صفتان وجوديتان متقابلتان، لا مِن قبيل العدم والملكة.
ووقع في "جمع الجوامع" النقل عن الإِمام المنع، وعن الآمدي الجواز. وهو سَبْق قَلَم.
стр. 1892
نعم، اختار الإِمام في "المعالم" المنع كما هو طريقة الآمدي.
واعلم أن في ثبوت الخلاف بين الإِمام والآمدي نظر؛ لعدم تَوارُدهما على محل واحد، فإنَّ الإمام بناه على رأيه أن العلة مُعَرِّف، ولا امتناع أن يُعَرِّف عَدَميٌّ وجوديًّا.
والآمدي بناه على أنها بمعنى الباعث، قلتُ: على كل حال الخلاف بينهما ثابت ولو كان مدْركهما [خِلافًا] (١) بينهما آخَر.
نعم، قال ابن التلمساني: إن المسألة مبنية على تخصيص العلة، فإن منع التخصيص، جَوَّز هنا، ومَن جوَّز التخصيص يقول: العلة ضابط المصلحة، وهي شيء، والعدم لا شيء، فكيف يعلل به الشيء؟
قولي: (لَا عَدَمِيٌّ عِلَّةً) قد يدخل فيه ما إذا كان العدمٍ ليس تمام العلة، بل جزء منها, فإنَّ الخلاف جارٍ في ذلك أيضًا, فإنَّ العدمي أعم أن يكون كُلّا أو بعضًا.
وقولي: (أَيْ: كالْإضَافيِّ) أي: من جملة العدمي إذا كان الوصف إضافيًّا، وهو ما [تَعقُّله] (٢) باعتبار غيره، كالبنوة والأبوة، والتقدم والتأخر، والمعيَّة والقَبْلية والبَعْدية، ففي التعليل به ما سبق.
وإنما قلنا: إنه عدمي؛ لأن وجوده إنما هو في الأذهان, لا في الخارج. هذا على المختار من الخلاف في أن الإضافي عدمي أو لا. ومحل بسطه عِلم الكلام. والله أعلم.
стр. 1893
ص:
٧٨٨ - وَعِلَّةٌ قَاصِرَةٌ يُعَلَّلُ ... بِهَا، فَذَا يُفِيدُ مَا يُفَصَّلُ
٧٨٩ - فَمِنْهُ أَنْ يُعْلَمَ بِالْمُنَاسَبَهْ ... وَمَنْعُ إلْحَاقٍ لِمَا قَدْ قَارَبَهْ
٧٩٠ - وَقُوَّةٌ لِلنَّصِّ، وَالزِّيَادَهْ ... لِلأَجْرِ في امْتِثَالِهِ عِبَادَهْ
٧٩١ - وَاعْدُدْ مِنَ الْقَاصِرَةِ الْمَحَلَّا ... وَجُزْءَهُ وَلَازِمًا قَدْ حَلَّا
الشرح:
هذا من الذي اشتُرط في العلة، ولكن الراجح المنع، وهو كَوْن العلة لا تكون قاصرة، بل متعدية لغير الحل المنصوص؛ حتى لا يُعَلَّل بالقاصرة، وهي التي لا توجد في غير المحل المنصوص.
ولا تخلو القاصرة من أمرين: أن تكون عِليتها ثابتة بنص أو بإجماع، أو تكون مستنبطة.
فأما الأول: فأَطْبَقَ العلماء كافَّة على جواز التعليل بها، وأن الخلاف كما في "التقريب والإرشاد" للقاضي إنما هو في المستنبطة. وأغرب القاضي عبد الوهاب في "الملخص" بحكاية قول بمنع التعليل بها مطلقًا منصوصة كانت أو مستنبطة، وقال: إنه قول أكثر فقهاء العراق.
وأما الثاني: وهو أن تكون مستنبطة فالذي ذهب إليه الأكثرون (منهم الشافعي وأصحابه ومالك وأحمد والقاضي أبو بكر وإمام الحرمين وكذا عبد الجبار وأبو الحسين، وعليه المتأخرون كالإمام الرازي وأتباعه والآمدي): أنه يُعَلَّل بها.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه (منهم الكرخي وبه قال أبو عبد الله البصري) إلى أنه لا يُعلل بها. وحكاه الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" ثم النووي في "شرح المهذب" وجهًا لأصحابنا.
стр. 1894
احتج المانع بأنه لا فائدة في التعليل بها؛ لأن الحكم مقرَّر بالنص. وغير المنصوص لا توجد فيه تلك العلة، فأي فائدة لها؟
والجواب: أن القاصرة المنصوصة أو المجمَع عليها متفق عليها، وما قالوه موجود فيها، فلو صح ما قالوه لكان النص عليها عبثًا والإجماع عليها خطأ. ونفي الفائدة أو حصرها فيما نفوه ممنوع؛ فلها فوائد تذكر مُفَصَّلة.
منها: معرفة مناسبة الحكم للحكمة؛ إذ بالتعليل تُعرف الحكمة وأن الحكم على وَفْق الحكمة والمصلحة؛ فيكون أَدْعَى إلى القبول والانقياد مما لم تُعْلَم مناسبته.
لكن قال المقترح: إن السببية إنما جعلت لتعريف [الحكم] (١)، لا لِما ذُكِر.
وجوابه: أنه لا ينافي الإعلام طلب الانقياد لحكمته.
ومنها: إفادة المنع لإلحاق فرع بذلك؛ لعدم حصول الجامع الذي هو [عِلة] (٢) في الأصل.
واعتُرض بأن ذلك من المعلوم من موضوع القياس، فأين الفائدة المتجددة؟
وأجيب بأنه لو وُجد وصف آخَر مُتَعَدٍّ، لا يمكن القياس به حتى يقوم دليل على أنه أَرجح من تلك العلة القاصرة، بخلاف ما لو لم يكن سوى العِلة المتعدية، فإنه لا يفتقر الإلحاق بها إلى دليل على ترجيح.
نعم: سيأتي في باب التراجيح أنهما إذا تعارضا مِن غير أن يكون لإحداهما مرجِّح أن الأصح تقديم المتعدية. وقيل: القاصرة. وقيل بالوقف.
стр. 1895
فلا يُعترض به على ما قررناه؛ لأن القصد أنها إذا رجحت القاصرة بدليل، قُدِّمت، أو كان للقاصرة مرجِّح يقابل التعدي، تَعادَلَا، فظهرت الفائدة.
ومنها: أن النص يزداد قوة بها، فيصيران كدليلين يتقوى كل منهما بالآخر. قاله القاضي في "التقريب والإرشاد"، وهو مخصوص بما يكون دليل الحكم فيه ظنيًّا، أما القطعي فلا يحتاج لتقوية. نبه عليه الإِمام في "البرهان".
ومنها ما قاله الشيخ تقي الدين السبكي: إن المكلف يزداد أجرًا بانقياده للحكم بسبب تلك العلة المقصودة للشارع مِن شرعه، فيكون له أجران: أجر في امتثال النص، وأجر في امتثال المعنى فيه (١).
وذكر بعضهم معنًى خامسًا: أن معرفة العلة زيادة في العِلم، ولا شك أنه فضل على مَن لم يَعلم.
ولكن فيه نظر؛ لأنَّ المانع يمنع أن يكون هذا عِلة حتى يكون العِلم به فضيلة، بخلاف الفوائد المذكورة.
وذكر الشيخ أبو إسحاق من الفوائد أيضًا أنه لو حدث فرع فيه تلك العِلة، أُلْحِق بالأصل؛ لأجلها. فلو لم تكن معلومة مِن قبل حدوثه؛ لَمَا ألحقناه.
وضُعِّف بأنه حينئذٍ يتبين أن العلة غير قاصرة، والكلام في القاصرة.
فلذلك لم أَتَعَرَّض في النَّظم لشيء من ذلك.
وقولي: (وَاعْدُدْ مِنَ الْقَاصِرَةِ الْمَحَلَّا) إلى آخِره -إشارة إلى أن مِن العلل القاصرة:
- محل الحكم، كقولنا: الذهب رِبوي، لكونه ذهبًا، والخمر حرام؛ لأنه مُسْكر معتصر
стр. 1896
من العنب.
- وجزء المحل الخاص به، كالتعليل باعتصاره من العنب فقط.
- والوصف اللازم، كالنقدية في الذهب والفضة، فأنه وصف لازم لهما.
ومثَّله في "المستصفى" بالصغر في الولاية عليه. وفيه نظر؛ فإنه ليس بلازم، فقد يكبر، فهو كالشدة المطربة في العصير إذا اشتد.
وقَيَّدنا الجزء بالخاص؛ تَحَرُّرًا من المشترك بين المحل وغيره، فإن ذلك لا يكون إلا في المتعدية، كتعليل إباحة البيع بكونه عقد معاوضة، فإن جزءه المشترك وهو عقد الذي هو شامل للمعاوضة وغيرها -لا يُعَلَّل به. وإنما لم أقيد بذلك في النَّظم لظهور المراد بالجزء؛ لأنَّ لفظ القصور مخرج له بالضرورة.
واعلم أن الهندي جعل الخلاف في هذا مبنيًّا على جواز التعليل بالعلة القاصرة، فمَن منع هناك منع هنا، ومن أجاز -وهُم الأكثرون- أجاز هنا.
لكن المتجه أنه مِن صُوَر القاصرة، فلا حاجة لجعله مبنيًّا عليه، فإن ذلك يُشْعِر بالمغايرة، وليس كذلك.
وهو معنى قول ابن الحاجب في شروط العلة: (وأن لا تكون المتعديةُ المحلَّ ولا جزءًا منه؛ لامتناع الإلحاق، بخلاف القاصرة).
أي: فإنها تكون نفس المحل أو جزءه.
نعم، جَعْله ذلك شرطًا في المتعدية مع عدم إمكانه -فيه نظر؛ فإن انتفاء المستحيل في الشيء لا يُجعل شرطًا له؛ لأنه تحصيل الحاصل إلا أن يذكر ذلك على سبيل التنبيه والتوكيد.
وفي المحل والجزء قول ثالث: إنه يمتنع التعليل بالمحل دُون الجزء.
قولي: (لِمَا قَدْ قَارَبَهْ) أي: منع الإلحاق بالأصل الفرع الذي قد قارب الأصل ولكن لم
стр. 1897
توجد فيه العلة؛ لأن الفرض أنها قاصرة على محلها.
وقولي: (في امْتِثَالِهِ عِبَادَهْ) أي: له الأجر في امتثال الوصف المعَلَّل به حال كونه مقصودًا به العبادة. والله أعلم.
ص:
٧٩٢ - وَعَلَّلُوا بِذِي اشْتِقَاقٍ وَلَقَبْ ... وَعَدَدٍ؛ لِنَفْيِ تَأْثِيرٍ وَجَبْ
الشرح:
اشتمل هذا البيت على ثلاثة أمور جائزة في التعليل:
أحدها:
التعليل بالاسم المشتق -كاسْم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة ونحو ذلك- جائزٌ على معنى أن المعنى المشتق ذلك منه هو علة الحكم، نحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، "مطل الغني ظلم" (١)، "ليس للقاتل ميراث" (٢)، وغير ذلك مما لا ينحصر.
وفي معناه "الموصول"، فإنَّ صلته تكون علة للحكم، سواء أكانت صلته فيها مشتق كالفعل ونحوه أو لا.
وحكى بعضهم فيه الاتفاق. وفيه نظر؛ فإنَّ سليمًا في "التقريب" حكى قولًا، بمنع التعليل بالاسم مطلقًا، جامدًا كان أو مشتقًا.
стр. 1898
الثاني:
التعليل بالاسم اللقب، والمراد به ما ليس بمشتق، لا الذي هو أحد أقسام العَلَم فقط كما عُبِّر في المفاهيم بِـ "مفهوم اللقب"، والمراد به الأعم من العَلم واسم الجنس الجامد.
ومثال التعليل باللقب: تعليل الربا في النقدين بكونهما ذهبًا وفضة، وتعليل ما يُتيمم به بكونه ترابًا، وما يُتوضأ به بكونه ماءً. كما أشار إلى التمثيل بذلك الشيخ أبو إسحاق في "اللمع"، والتعليل بذلك جائز على الأصح.
وقيل: ممتنع؛ لأنه لا إشعار له بمعنى يُجْعَل عِلته.
ورُدَّ بأن المدار على أنه تعلق به الحكم كيف كان، فكما يجوز النص على حُكمه وهو جامد فكذلك تكون عِلته وهو جامد.
ووقع في "المحصول" حكاية الاتفاق على أنه لا يجوز التعليل بالاسم، كتعليل تحريم الخمر بأنه يسمى "خمرًا"، قال: (فإنا نَعلم بالضرورة أن هذا اللفظ لا أثر له، فإنْ أُريد به [تعليل لمسمَّى] (١) هذا الاسم من كونه مخامرًا للعقل فذلك تعليل بالوصف، لا بالاسم) (٢).
فيصير ما قاله الإمام طريقة ثانية بعدم الخلاف والقطع بالمنع.
لكن الأصح الجواز كيف فُرِض الخلاف كما صححه ابن السمعاني وغيره.
وقد وقع للشافعي التعليل به كثيرًا، فمن ذلك قوله في بول ما يؤكل لحمه: لأنه بول، فشابَهَ بول الآدمي.
стр. 1899
وقال صاحب "الخصال" من الحنابلة أنَّ الإمام أحمد نَص على التعليل به أيضًا.
واعْلَم أن الشيخ بدر الدين في "شرح جمع الجوامع" ذكر أمرين:
أحدهما: أنه جعل من التعليل بالاسم قِسمًا ثالثًا غير المشتق واللقب بعد أن فسر المشتق بأنه ما اشتق مِن فِعل، كالسارق والقاتل، فقال: (الثالث: اسم اشتُق مِن صفة، كالأبيض والأسود).
قال: (قال ابن السمعاني: فهذا مِن عِلل الأشباه الصورية، فمَن احتج بالشبه الصوري احتج به) (١).
وفيما قاله نظر من حيث إن مذهب البصريين أن الأفعال مشتقة من الاسم وهو المصدر، والكوفيون عندهم بالعكس، فلا توافق التفرقة بين ما اشتق من اسم وما اشتق مِن فِعل لا البصريين ولا الكوفيين. فإنْ أراد بما اشتُق مِن فِعل أنْ يُسْمَع له فِعل وبما اشتُق مِن اسم أنْ لا يُسْمَع له فِعل، فيقال: الأبيض والأسود ونحوهما من الألوان لها فِعل، [وهو: بيض وسَوِدَ] (٢)، قال الجوهري: (وقد سَوِدَ الرجُل، كما يقول: عَوِرَتْ عَيْنُه) (٣).
قال نُصَيْب (٤):
سَوِدْتُ فلم أَمْلِكْ سوادي وتَحْتَه ... قميصٌ مِن القُوهِي بِيضٌ بَنائِقُه
وإنْ أراد أن الصفة المشبهة ليس من المشتق فممنوع؛ لأنه من أوصاف اسم الفاعل إلا أنه من اللازم. وكذا لو جعل "أَفْعَل" تفضيل، كما يقول: هذا أَسْوَد مِن هذا.
стр. 1900
وكأنَّ مراد ابن السمعاني أن السواد والبياض لا مناسبة فيهما بجلب مصلحة ودرء مفسدة؛ فيكون التعليل بهما ونحوهما من الشبه الصوري، لا أنَّ المدار على اشتقاقه من فِعل ولا اسم.
الثاني: قال: لك أن تسأل عن الفرق بين العلة القاصرة والتعليل بالمحل والتعليل بالاسم.
قال: والجواب أنَّ العلة القاصرة أعم من المحل؛ لأن المحل ما وُضع له اللفظ، كالخمر والبُر. والقاصرة وصف اشتمل عليه محل الوصف لم يوضع له اللفظ، كالنقدية، فكل محل علة قاصرة، وليس كل علة قاصرة محلًّا.
قال: (وأما الفرق بين المحل والاسم فقيل من وجهين:
أحدهما: أن المراد بالاسم الجامد الذي لا يُنبئ عن صفة مناسبة، بخلاف الخمر الدال على التخمير المناسب للتحريم. وهذا يشكل بالبر فإنهم جوَّزوا التعليل به وهو جامد.
والثاني: أن يكون المراد التعليل بالتسمية، نحو: "حرمتُ الخمر؛ لتسميتها خمرًا، والتفاضل في البُر؛ لتسميته بُرًّا" ونحوه؛ إذِ التسمية لا تأثير لها، بخلاف المعنى المستفاد من المحل بإشارة أو تنبيه. وربما التفت الكلام هنا إلى الاسم والمسمَّى هل هما واحد؟ أو متغايران؟ والمراد "المسمَّى" الذي هو مدلول الاسم، فحُكمه حُكم سائر العِلل، إنْ كان مؤثِّرًا أو مناسِبًا، عُلل به، وإلا فلا. ومَن أراد "الاسم" الذي هو اللفظ، لم يُعَلل به قطعًا) (١) انتهى
وفيه مناقشات:
أحدها: قوله في التفرقة بين المحل والقاصرة: (إنَّ القاصرة وَصْفٌ اشتمل عليه محل
стр. 1901
الوصف لم يوضع له اللفظ) غير سديد؛ لأنَّ قصده بيان أن القاصرة أعم، فذكر شيئًا لا يدخل فيه المحل، فكيف يكون أعم؟ !
وأيضًا فتعريف القاصرة بذلك ولم يشترط في الوصف أن يكون لازمًا، بل الذي لم يوضع له اللفظ. أي: اللفظ الدال على المحل يشمل الوصف غير اللازم؛ ليخرج نحو الطعم في البُر، فإنه غير لازم، فهو مِن المتعدي؛ لشموله غير البُر مع أنَّ اسم البُر ليس موضوعًا له.
وإنما كان صواب العبارة أن يقول: والقاصرة أَعَم من المحل؛ لأنها تكون بالمحل وبجزئه الخاص وبالوصف اللازم للمحل أو لجزئه الخاص كما سبق إيضاحه.
ثانيها: تفرقته بين المحل والاسم بوجهين، ثم قال عقب الأول: (وهذا يشكل بالبُر). [فليس] (١) فيه إشكال؛ لأن الكلام في التفرقة بين حقيقتيهما، لا بين حُكميهما، فإنه قد قدّم أنَّ حُكمهما في التعليل الجواز.
ثالثها: قوله في الفرق الثاني بين الاسم والمحل: (إنَّ المحل يُلْحَظ فيه مناسبة، بخلاف الاسم). قد يُدَّعَى أنه يُلحظ في التسمية معنى [مناسب] (٢).
ثم ذكر التفاته إلى أنَّ الاسم عَيْن المسمَّى أو غيره. يُقال: عليه التفريع، على أنَّ الاسم يُعَلَّل به وإنْ لم يكن فيه مناسبة كما سبق تقريره. وإنما السؤال عن الفرق بين حقيقتيهما، لا عن كون أحدهما يُعلَّل به والآخَر لا يُعلل به، فَتَأَمَّله.
стр. 1902
الأمر الثالث مما اشتمل عليه البيت:
تَعَدُّد العِلل والحكم المعَلَّل واحد، والتعدد فيه على وجهين:
أحدهما: أن يكون كلٌّ مِن ذلك المتعدد مستقلًّا بالعِلِّية لو انفرد.
والثاني: أن يكون أوصاف متعددة ولكن مجموعها عِلة، وكلُّ واحدٍ منها جزء علة.
والأمران جائزان؛ فلهذا أطلقتُ قولي في النَّظم: (وَعدد) وإن كان في الثاني مجازًا؛ إذ لا يقال: إنها عدد عِلل، بل عدد أجزاء عِلة واحدة. لكني قصدتُ إدخالها اقتصارًا؛ لأنهما في الحكم واحد، وهو الجواز.
وأيضًا: فإذا جاز تَعدُّد العلل المستقلة فلأنْ يجوز تَعدُّد أركان عِلة واحدة من باب أَوْلى.
فأما المسألة الأُولى:
فالمعلَّل بالعلل المتعددة إما أن يكون واحدًا بالنوع أو واحدًا بالشخص. فالواحد بالنوع يجوز تعدد عِلله بحسب تعدد أشخاصه بلا خلاف: كتعليل إباحة قتل زيد بِرِدَّته، وقتل عمرو بالقصاص، وقتل بكر بالزنَا، وقتل خالد بترك الصلاة.
وأما الواحد بالشخص فلا خلاف في امتناع تعدد العِلل العقلية فيه؛ لأنها بمعنى تأثير كل واحدة، والمؤثِّرات على أثر واحد مُحَال كما قرر في محله.
وأما العلل الشرعية فهي محل الخلاف. والصحيح فيها فمن المذاهب الجواز والوقوع، كتحريم وطء الحائض المعتدة المحرمة، وكالحدث بخروج مِن فرج وزوال عقل ومس فرج ولمس أجنبية، فإنَّ كل واحد من المتعددين المذكورين يُثْبِت الحكم مستقلًّا. وإنما كان كذلك؛ لأن العلة الشرعية بمعنى المعَرِّف، ولا يمتنع تعدُّد المعرف؛ لأن مِن شأن كل واحد أن يُعَرِّف، لا الذي وُجِد به التعريف حتى تكون الواحدة إذا عُرفت فلا تُعرف الأخرى؛ لأنه تحصيل الحاصل.
стр. 1903
وهو معنى قولي: (لِنَفْيِ تَأْثِيرٍ وَجَبْ). أي: إنما جاز تعدُّد العلة؛ لأن العلل الشرعية يجب نفي التأثير عنها، بل هي مُعَرِّفة.
والمذهب الثانى: ونقله القاضي وإمام الحرمين واختاره الآمدي: إنه غير جائز. فبالضرورة يكون غير واقع. وأن ما ذكرتم من الوقوع يعود إلى القسم الأول وهو أن المعلل بها واحد بالنوع، وأما الشخص فمتعدد. فالقتل بأسباب أشخاص القتل متعددة، والنوع واحد في المحل الواحد. فإنَّ القتل في صورة واحد مُحال تَعَدُّده؛ إذ هو إزهاق الروح. وكذلك أسباب الحدث إنما هي أحداث في محل، لا حدث واحد.
قيل: لو ارتضعت صغيرة بلبن زوجة أخيك وبلبن أختك كانت محرمة عليك؛ لكونك خالها وعمها، ولا يقال: فيه تحريمان: تحريم العم، وتحريم الخال. فهو مُزيل لِمَا تعلقوا به من الشبهة.
وفيه نظر؛ فقد يقال فيه بذلك بحسب التقدير؛ إذ لا مانع من ذلك.
والمذهب الثالث: وبه قال الأستاذ وابن فورك واختاره الإمام الرازي وأتباعه: أن ذلك جائز في العلة المنصوصة دون المستنبطة؛ لأن المنصوصة دل الشرع على تعددها، فكانت أمارات. وأما المستنبطة فما فائدة استخراجها علة إلا أنه لا علة غيرها تُتَخَيَّل.
وجوابه: أنها إذا كانت أمارات فاستنبطت متعدِّدة، فلا فرق.
الرابع: أن التعدد جائز عقلًا وممتنع شرعًا، على معنى أنه لم يقع في الشرع، لا على معنى أن الشرع دل على منعه. وهذا ما نقله ابن الحاجب عن إمام الحرمين. ونقل الآمدي عنه خلاف ذلك، ولكن قال الهندي: إن هذا هو الأشهر في النقل عنه. قيل: وهو الصحيح؛ فإنَّ عبارته في "البرهان": "ليس ممتنعًا عقلًا وتسويغًا ونظرًا إلى المصالح الكلية، ولكنه ممتنع شرعًا". وقال أنه تصفح الشريعة فلم يجد ذلك.
стр. 1904
وقال: إن المختلفين في المسائل يختلفون في العِلل كاختلافهم في الحكم، كباب الربا.
وأما كلام الإمام في "الفروع" فإنه يقتضي خلاف ذلك، كما قال في تدبير المستولدة: إنه يصح، ويكون لعتقها يوم موت السيد سببان. إلا أن يقال: إنه قد صرح بأنه لا بقاء للتدبير. وكأنه إنما منع اجتماع علتين مُعَرِّفتين أو مؤثِّرتين، فحيث لا يحصل اجتماع لا مَنعْ.
نعم، هل يجري هذا الخلاف في التعليل بِعلتين سواء أكانتا متعاقبتين أو معًا؟ أو هو مختص بِالمَعِيَّة؟
كلام ابن الحاجب يقتضي الأول، ورجح غيرُه الثاني؛ لما يَلزم من شموله حالة التعاقب أن يكون [أحدٌ مِن الأُمة يمنع] (١) أنَّ اللمس والمس ليسَا بعِلتين وإنْ وُجِد أحدهما بمفرده، بل لا علة إلا واحد فقط، فلا يكون للحدث -مثلًا- غير علة واحدة. ولا قائل بذلك.
وأما المسألة الثانية:
فهي التعليل بالوصف المركب، والمعظم على الجواز، وبه قال المتأخرون ومنهم الإمام الرازي وأتباعه؛ لأن الذي يُستَدل به على العِلة المفردة يُستدل به على المركَّبة، فهُما سواء. وذلك كما تقول في قصاص النفس: قَتْل عَمْد مَحْض عدوان. هذا قول الجمهور.
ومنهم مَن منع ذلك مطلقًا.
ومنهم مَن قال: يجوز ولكن لا تزيد الأوصاف على خمسة. نقله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، ووقع في "المحصول" في نقله عن حكاية الشيخ أبي إسحاق أنه قال: لا تزيد على سبعة.
قيل: وكأنه تصحيف، والذي في عِدة نُسخ من "شرح اللمع" إنما هو خمسة. والله أعلم.
стр. 1905
ص:
٧٩٣ - كَذَا تَعَدُّدٌ لِحُكْمِ وَاحِدَهْ ... كسِرْقَةٍ قَطْعًا وغُرْمًا [قَائِدَهْ] (١)
الشرح: هذه المسألة مقابلة للمسألة السابقة، وهي أن تتحد العلة ولكن يتعدد المعلول فيكون أحكامًا مختلفة، وله صورتان: أنْ لا يكون المتعدد من الحكم فيه تضاد، أو يكون فيه تضاد.
فأما الأُولى: فذهب الجمهور فيها إلى أن العلة الواحدة الشرعية يجوز أن يترتب عليها حُكمان شرعيان مختلفان معًا؛ لأنَّ العلة إنْ فُسرت بالعَرِّف فجوازه ظاهر؛ إذ لا يمتنع عقلًا ولا شرعًا نَصْبُ أَمارة واحدة على حُكمين مختلفين، بل قال الآمدي: لا نعرف في ذلك خلافًا. كما لو قال الشارع: جعلت طلوع الهلال أَمارة على وجوب الصوم والصلاة، أو: طلوع فجر رمضان مُعرِّفًا لوجوب الإمساك من الصبح. وسواء أكان ذلك في الإثبات أو في النفي.
فمِن الإثبات ما مثَّلتُ به في النَّظم من السرقة، فإنها عِلة في القطع؛ لمناسبة زَجْر السارق حتى لا يعود، وفي غرامة المال المسروق لصاحبه؛ لمناسبته لِجَبْره. وهو كثير.
ومن العلة في النفي: الحيض؛ فإنه عِلة لمنع الصلاة والطواف وقراءة القرآن ومَس المصحف، ووطئها، وطلاق الزوج، وغير ذلك؛ لمناسبته للمنع من كل من ذلك. ولا بُعد في مناسبة وصف واحد لِعَدَد من الأحكام كما مثَّلنا.
وذهب شرذمة يسيرة إلى المنع من ذلك، قالوا: لِمَا فيه مِن تحصيل الحاصل؛ لأن الحكمة
стр. 1906
التي اشتمل عليها الوصف استوفاها أحد الحكمين.
وَرُدَّ بأنه يكون فيه حكمة أخرى تناسب الحكم الآخَر، أو أن الحكمة لا تحصل إلا بالحكمين معًا.
الصورة الثانية: أن يكون بين المتعدد مِن الحكم المعَلل تضاد. وعلى هذه الصورة اقتصر البيضاوي، ولم يصرح ابن الحاجب بها. ولكنها داخلة في إطلاقه تعليل حُكمين بِعِلَّة واحدة. ولكن لا يجوز هنا إلا بشرطين متضادين، كالجسم يكون علة للسكون بشرط البقاء في الحيز، وعِلة للحركة بشرط الانتقال عنه. وإنما اعتُبر فيه الشرطان لأنه لا يمكن اقتضاؤهما لهما بدون ذلك؛ لئلَّا يَلزم اجتماع الضدين، وهو مُحال. وإنما شُرط التضاد في الشرطين؛ لأنه لو أمكن اجتماعهما كالبقاء في الحيز مع الانتقال -مثلًا- فعند حصول ذينك الشرطين إنْ حصل الحكمان -أعني السكون والحركة- لَزِمَ اجتماع الضدين. وإنْ حصل أحدهما دون الآخر، لزم الترجيح دون مُرجِّح. وإنْ لم يحصل واحد منهما، خرجت العلة عن أن تكون علة؛ فتعَيَّن التضاد في الشرطين. وهو معنى قول البيضاوي: (ولكن بشرطين متضادين). والله أعلم.
ص:
٧٩٤ - وَمِنْ شُرُوطِهَا انْتِفَا تَأَخُّرِ ... ثُبُوتهَا عَنْ حُكمِ الَاصْلِ المُعْتَرِي
٧٩٥ - وَعَوْدِ الِابْطَالِ عَلَى أَصْلٍ، وَإنْ ... تَكُنْ بِالِاسْتِنْبَاطِ فِيمَا قَدْ زُكِنْ
٧٩٦ - فَالنَّفْيُ لِلْمُعَارِضِ الْمُنَافِي ... لَهَا، وَأَنْ تَعْرَى مِنَ الْخِلَافِ
٧٩٧ - لِلنَّصِّ وَالْإجْمَاعِ فِيمَا عَلِمَه ... وَشَرْطُهَا التَّعْيِينُ؛ فَاطْرَحْ مُبْهَمَهْ
стр. 1907
الشرح: اشتملت هذه الأبيات على خمسة مِن شروط [عِلة] (١) الأصل.
أحدها ما ذكره ابن الحاجب وغيره: أن لا يكون ثبوت العلة متأخرًا عن ثبوت حُكم الأصل. وخالف في ذلك قوم من أهل العراق كما قاله القاضي عبد الوهاب. كما لو قيل فيمن أصابه عَرَق الكلب: أصابه عرق حيوان نجس؛ فكان نجسًا، كلعابه. فيمنع السائل كَوْن عرق الكلب نجسًا.
فيقول المستدِل: لأنه مستقذر شرعًا، أي: أمر الشارع بالتنزه منه؛ فكان نجسًا، كالبول.
فيقول المعترِض: هذه العلة ثبوتها متأخر عن حُكم الأصل، فتكون فاسدة؛ لأن حُكم الأصل -وهو نجاسته- يجب أن يكون سابقًا على استقذاره؛ لأن الحكم باستقذاره إنما هو مرتب على ثبوت نجاسته. وإنما كانت هذه العلة فاسدة لتأخرها عن حكم الأصل؛ لِمَا يَلزم مِن ثبوت الحكم بغير باعث (على تقدير تفسير العلة بالباعث)، وقد فرضنا تأخُّرها عن الحكم، وهو محُال.
فإن قلنا بأن العلة أَمارة مُعَرِّفة لا باعثة فيلزم منه تعريف المعَرف، وهو محال؛ لأن الفرض أن الحكم قد عُرف قبل ثبوت عِلته. لكن إنما يتأتى هذا إذا قلنا أن معنى "المُعَرِّف": الذي يحصل التعريف به. أما إذا قلنا: الذي مِن شأنه التعريف، فلا. فلذلك قال الهندي: إنَّ الحقَّ الجواز إنْ أُريدَ بالعلة المعرف. أي: لأن المعرف يتأخر، بل الحادث يُعَرِّف القديم كما في تعريف العالَم لوجود الصانع واتصافه بصفات ذاته السنية.
الثاني:
أنْ لا يعود على حُكم الأصل بالإبطال، حتى لو استنبطت مِن نَص وكانت تؤدي إلى
стр. 1908
ذلك، كان ذلك فاسدًا. وإنما لم أُخَصص هذا الشرط بالمستنبطة بل أطلقتُ كما أطلقه ابن الحاجب وغيره وإنْ قيدت الشرط الذي بعده بالمستنبطة؛ لأنَّ ما يعود بالإبطال لا يكون في منصوصة؛ لئلَّا يؤدي للتناقض، ولا في مستنبطة؛ لِمَا ذكرناه، وذلك لِمَا يَلزم مِن إبطالها أصلها أن تكون هي باطلة؛ لأن الفرع يَبْطل ببطلان أصله.
ولهذا ضُعِّف تأويل قوله ﷺ : "في أربعين شاة شاة" (١) ونحو ذلك أنَّ المعنى فيه سد خلة المستحق حتى يجوز أن يدفع له قيمة الشاة كما سبق في أمثلة التأويلات البعيدة.
ووَجْه ضَعْفه أنه يعود على أصله -وهو إيجاب الشاة- بالبطلان، وذلك أنه يَلزم أن لا تجب الشاة عينًا؛ فإنَّ غَيْر الشاة ليس بِشاة.
قال بعض المحققين: ليس هذا رفعًا؛ لأنه إنما يكون رفعًا أنْ لو أدى إلى عدم إجزاء الشاة مثلًا.
ولهذا قال أصحابنا في الإيتاء في الكتابة: إنه إنْ شاء السيد أَسقط عن المكاتب قَدْر ما يؤتيه مِن آخِر نجم، وإنْ شاء إذا قبضه يدفع منه. ذلك لأن المعنى في الإيتاء إعانة المكاتب، وهو حاصل بذلك، ولم يقولوا: إنه عاد بالإبطال باعتبار أن الإيتاء صار غير واجب عَيْنًا. ولهذا قال السهروردي: أنصف أمير المتأخرين -يعني الغزالي- إذ قال في "المستصفى": ليس هذا رفعًا للنص، وإنما يَلزم أنْ لو جوَّزوا الترك مطلقًا، أما إلى بدل فلا تخرج الشاة عن كونها واجبة. فإنَّ مَن أدَّى خصلة من خصال الكفارة المخيرة فقد أدَّى واجبًا وإنْ كان الوجوب يتأدى بغيرها، فهذا توسيع للوجوب، لا إسقاط له.
وأما تخصيص الشاة بالذِّكر فيجوز أن يكون لكثرة الوجود عندهم كما ذكر الحجر في الاستنجاء مع جوازه بالمدر والخرق ونحوها، أو لسهولة الأداء على المالك.
стр. 1909
وأجاب بعضهم عن ذلك بأن وجه الرفع للنص في ذلك أن الزكاة تتعلق بِالعَيْن على الأرجح من أقوال الشافعي، فإذا جُوِّزَت القيمة، كان تعليقًا للزكاة بالذمة؛ فأبطل التعلُّق بِالعَيْن.
ويمكن أن يُفَرق بذلك بين هذا وبين مسألة الإيتاء في المكاتب، فيقال: الإيتاء لم يتعلق بعين ما يأخذه السيد، بدليل أنه لو أعطاه مِن غير الذي جاء به، جاز قطعًا.
ولكن فيه نظر؛ فإنه لو أعطى شاة مِن غير الأربعين بأنْ حَصَّلها للمستحق مِن خارج، فإنه يجوز قطعًا. وإنما فائدة تَعلُّقها بالعين ما لو تلف -قبل التمكن بعد الوجوب- منها شيءٌ، سقطت زكاته.
وجواب آخَر: أن الإبطال هو تغيير النص، ولا يجوز تغييره ولا سيما وباب الزكاة تَعبُّد.
ولا يخفَى ضعف هذا؛ فإنَّ التعميم والتخصيص [يُغَيِّران] (١)، وسيأتي أنهما جائزان.
فالإشكال قوي والأجوبة ضعيفة. وعُلم من اشتراط أن لا تَعُود العلة على النص بالإبطال أنها لو عادت بالتعميم أو بالتخصيص كان جائزًا.
أما عَوْدها بالتعميم فبِلا خلاف كما يستنبط من قوله ﷺ : (لا يقضي القاضي وهو غضبان" (٢) أن العلة تشويش الفكر؛ فتعدَّى إلى كل مُشَوِّش مِن شدة فرح ونحوه.
قال القاضي أبو الطيب الطبري: أجمعوا على أنه ليس لنا علة تعود على أصلها بالتعميم إلا هذا المثال، وذلك جائز بالإجماع.
وفيما قاله نظر؛ فقد وُجِد من ذلك كثير، نحو: النهي عن الصلاة وهو يدافع الأخبثين، والأمر بتقديم العشاء على الصلاة، فإنَّ العلة ترك الخشوع، فَيَعُم كل ما يحصل به ذلك. بل
стр. 1910
باب القياس كله من باب تعميم النص بالعلة، وقد تَقدم طرف من ذلك في باب العموم في تقسيم العمومات، فليراجَع.
وأما عودها بتخصيص النص فللشافعي فيه قولان مستنبطان مِن اختلاف] قوله] (١) في نقض الوضوء بمس المحارم.
ففي قول: ينقض؛ تمسكًا بالعموم في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣].
وفي قول وهو الراجح: لا ينقض؛ نظرا إلى كَوْن الملموس مظنة للاستمتاع، لاسيما إذا فُسرت الملامسة في الآية بالجماع؛ فعادت العلة على عموم النساء بالتخصيص بغير المحارم.
ومثله: حديث النهي عن بيع اللحم بالحيوان (٢) شامل للمأكول وغيره، والعِلة فيه -وهو معنى الربا- تقتضي تخصيصه بالمأكول؛ لأنه بيع رِبَوِي بأصله، فما ليس بِرِبَوِي لا مدخل له في النهي؛ فلذلك جرى للشافعي قولان في بيع اللحم بالحيوان غير المأكول، مأخذهما ذلك.
ولكن الأرجح هنا المنع؛ عملًا بالعموم مِن غير نظر للمعنى؛ ولهذا لم يرجِّح كثيرٌ مِن الخلاف شيئًا؛ لاضطراب الترجيح كما عرفته. وكذا جرى على عدم الترجيح ابن السبكي في "جمع الجوامع".
وعبارة النَّظم إنما يخرج ما يعود بالتعميم وبالتخصيص، فيحتمل أن [ذلك] (٣) للجواز
стр. 1911
[أو] (١) أنَّ في بعض ما خرج قولان.
نعم، قول الجواز هو الظاهر [كتخصيص] (٢) عمومات الألفاظ، بل بعضهم جعله من جملة تخصيص العموم بالقياس، فيجري فيه الخلاف الذي هناك.
وكذا ذكر الهندي في موضع، فقال: إن الخلاف هنا مبني على أنه هل يجوز تخصيص العموم بالقياس؟ أم لا؟ .
لكن ذاك إنما هو في قياس على نَص خاص إذا عارض عموم نَص آخر، وهذا معناه أن العلة المستنبطة مِن أصل عام في كتاب أو سُنة هل يشترط أن لا تعود على [أصلها] (٣) بالتخصيص؟ [أم] (٤) لا؟ فهو غيره.
نعم، قال الهندي في "الرسالة السيفية": إن القولين مبنيان على القولين في تخصيص العلة.
قال: لأن التخصيص مُنافٍ، والفرع لا ينافي أَصْلَه.
وأما الغزالي فجزم في "المستصفى" بأن العلة إذا [عكرت] (٥) على الأصل بالتخصيص، لا يُقبل، واستثنى ما إذا سبق المعنى إلى الفهم.
قال: (فيجوز أن يكُون (٦) قرينةً مخصِّصة للعموم، وأما المستنبَطة بالتأمل ففيه نظر).
стр. 1912
الثالث:
يشترط في العلة إذا كانت مستنبطة أن لا تكون معارَضة بمعارِض مُنافٍ موجود في الأصل صالح للعِلية وليس موجودًا في الفرع؛ لأنه متى كان في الأصل وصفان متنافيان يقتضي كل منهما نقيض الآخر، لم يَصلح أن يُجعل أحدهما علة إلا بمرجِّح.
مثالُه قول الحنفي في نية صوم الفرض: صوم عين؛ فيتأدَّى بالنية قبل الزوال، كالنفل.
فيقال له: صوم فرض؛ فيُحتاط فيه ولا يُبْنَى على السهولة.
وقولي: (لِلْمُعَارِضِ الْمُنَافِي لَهَا) احتراز عما إذا كان المعارِض للفرع، لا للعلة، فإنه ليس من شروط العلة، خلافًا لبعضهم.
كقول شافعي في مسح الرأس: ركن في الوضوء؛ فيُسَن تثليثه، كغسل الوجه.
فيعارضه الخصم، فيقول: مسح في وضوء؛ فلا يُسن تثليثه، كالمسح على الخفين.
وذلك لأن انتفاء [المعارِض] (١) في الفرع إنما هو شرط ثبوت حُكم العلة في الفرع، لا شرط في صحة العلة نفسها، فيجوز أن تكون صحيحةً سواء ثبت الحكم في الفرع أَمْ تَخلَّف بسبب من الأسباب اقتضى تَخُّلفه. فمَن ادَّعاه شرطًا للعلة نفسها فقد وَهمَ، فالمعارضة في الفرع تَقدح في القياس، لا في خصوص العلة.
فإنْ قِيل: لم قيّد المعارِض بِـ "المُنافي"، ومفهوم المعارضة يقتضي المنافاة.
قيل: لأن المعارِض قد يكون غير مُنافٍ، وذلك في غير العلة كما سيأتي، فأريد تحقيق أن المراد هنا المنافي؛ لأن ما لا يُنافي مِن الأوصاف غايته أن يكون علة أخرى، وسبق أنه يجوز اجتماع عِلتين لمعلول واحد.
стр. 1913
ومثال ذلك: أن يتفقا على أنَّ البُر رِبَوِي ويُعَلِّل أحدُهما بالطعم ويذكر مناسبته، والآخَر بالكيل ويذكر مناسبته.
نعم، قد يؤول إلى الاختلاف كما في مثالنا، فإنَّ [التفاح] (١) داخل في تعليل الأول وخارج من تعليل الثاني، لكن إنما لم يكن قادحًا في العلة مع أنه قد يؤدي للاختلاف؛ لأنه مساوٍ له في الأصل، وليس الشرط أنْ يُساويه مِن كل وجه.
الرابع مما يُشترط في العلة:
أن تكون عَرِيَّة مِن مخالفة نَص كتاب أو سُنَّة أو مخالفة إجماع؛ لأن النص والإجماع لا يقاومهما القياس، بل يكون إذا خالفهما باطلًا.
مثال مخالفة النص: أن يقول حنفي: المرأة مالكة لبضعها؛ فيصح نكاحها بغير إذْن وليها؛ قياسًا على ما لو باعت سلعتها.
فيقال له: هذه عِلة مخالفة لقوله ﷺ : "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (٢).
ومثال مخالفة الإجماع: أنْ يقال: مسافر؛ فلا تجب عليه الصلاة في السفر؛ قياسًا على صومه في عدم الوجوب في السفر، بجامع السفر.
فيقال: هذه العلة مخالفة للإجماع على عدم اعتبارها في الصلاة [وأنَّ] (٣) الصلاة واجبة على المسافر مع وجود مشقة السفر.
стр. 1914
الخامس:
أن تكون العلة مُعَيَّنة، لا مُبْهَمة بمعنى شائعة، خلافًا لمن اكتفى بذلك؛ تَعلُّقًا بقول عمر ﵁: "اعْرف الأشباه والنظائر، وقِس الأمور برأيك" (١). فيكفي عندهم كون الشيء مشبهًا للشيء شبهًا ما.
قال الهندي: لكن أطبق الجماهير على فساده؛ لأنه يُفْضِي إلى أن العامي والمجتهد سواء في إثبات الأحكام الشرعية في الحوادث؛ إذ ما مِن عامِّي جاهل إلا وعنده مَعْرفة بأنَّ هذا النوع أصل مِن الأصول عامٌّ في أحكام كثيرة. وأجمع السلف على أنه لا بُدَّ في الإلحاق مِن الاشتراك بوصف خاص، فإنهم كانوا يتوقفون في الحادثة ولا يُلحقونها بأيّ وصف كان بَعد عجزهم عن إلحاقها بما شاركها في وصف خاص.
أما التعليل بأحد أمرين أو ثلاثة أو نحو ذلك من المحصور فلا يمتنع. كما يقول أصحابنا فيما إذا مَس الرجل مِن الخنثى فرج الرجال أو المرأة من الخنثى فرج النساء فإنه ينتقض الماس إذا كان أجنبيًّا مِن الخنثى؛ لأنه إما ماس فرج أو لامس أجنبية أو أجنبي. فعللوا النقض بأحد الأمرين: اللمس أو المس.
وذلك في الفقه كثير، فعَلِمْنا المراد هنا بالإبهام. والله أعلم.
стр. 1915
ص:
٧٩٨ - وَلَا تَكُونُ ضُمِّنَتْ زِيَادَهْ ... نَافَتْ، وَلَا مُقَدَّرَ الْإرَادَهْ
٧٩٩ - وَعَدَمُ الشُّمُولِ في دَلِيلِهَا ... لِحُكْمِ فَرْعٍ، ذَاكَ مِنْ عَدِيلِهَا
الشرح:
هذه ثلاثة شروط أخرى في العلة:
أحدها: أن لا تتضمن العلة زيادة على النص إنْ كانت تلك الزيادة منافية لمقتضَى النص كما شرط الآمدي هذا فيه وإنْ كان بعضهم أطلقه. ولكن أشار ابن الحاجب إلى تضعيفه بقوله: (وقيل: إنْ نافَت). لكن المختار ما قاله الآمدي؛ لأنها إذا لم تُنافِ، لا يضر وجودها.
الثاني: أن لا يكون وصفا مقدَّرًا غير حقيقي كما شرط ذلك الإمام الرازي. كما لو علل جواز التصرف في الشيء ببيع أو هبة أو وقف أو عتق بأنه ملك لفاعل ذلك، فإنَّ الملك إنما هو وصف حُكمي. فمنهم مَن فسره بأنه معنى مُقَدَّر في المحل يعتمد المكنَة من التصرف على وجه ينفى التبعة والغرامة.
وكذلك قال صاحب "التتمة" في باب الإجارة: ما قَبِل التصرف مملوك، وما لا يَقبل -كالحشرات- فلا.
ومحل بيان ذلك وما يترتب على التعاريف فيه كُتب الفقه.
قال في "المحصول": (الحقُّ أنه لا يجوز التعليل بالصفات المقدَّرة، خلافا للفقهاء العصريين). انتهى
стр. 1916
قال صاحب "تنقيح المحصول": أَنكر الإمام وجمعٌ [تصوُّر] (١) التقدير في الشرع فضلًا عن التعليل به.
قلتُ: الفروع الفقهية طافحة بالتعليل بالأمور التقديرية، لا يكاد أن يكون عندهم في ذلك خلاف، وكأنها عندهم بمنزلة التحقيقات. ألا ترى أن الحدث عندهم وَصْفٌ وجودي مُقدَّر قيامه بالأعضاء، يَرفعه الوضوء والغسل، ولا يرفعه التيمم ونحو ذلك؟
الثالث: أن لا يكون دليل العِلة شاملًا لحكم الفرع:
- بعمومه، كقياس التفاح على البُر بجامع الطعم. فيقال: العلة دليلها حديث: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" (٢). رواه مسلم.
وأما تمثيل ابن الحاجب بِـ "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثل" فلا يُعْرف بهذا اللفظ. فالفرع داخل في الطعام.
- أو بخصوصه، كقوله ﵇: "من قاء أو رعف فليتوضأ" (٣). وإنْ كان الحديث
стр. 1917
ضعيفًا لكن يُذكر للتمثيل.
فلو قيل في القيء: خارج مِن غير السبيلين؛ فينقض كالخارج منهما. ثم استُدِل على أن الخارج منهما ينقض بهذا الحديث، لم يصح؛ لأنه تطويل بلا فائدة، بل في الثاني -مع كونه تطويلًا- رجوع عن القياس؛ لأنَّ الحكم حينئذٍ ثبت بدليل العلة، لا بنفس العلة، فلم يثبت الحكم بالقياس.
ثم ذكر الآمدي وابن الحاجب أنه قيل: إنَّ هذه مناقشة جدلية، وهي لا تقدح في صحة القياس؛ لأنَّ المناقشة الجدلية ترجع إلى بيان أوضاع الأدلة، وليس فيها بحث فقهي.
ولم يُجِيبَا عن ذلك.
ولكن جوابه أن لها فائدة فقهية، وذلك لأنَّ الحكم في المسألة الأُولى كان مستندًا للنص، فجعله المناظِر مستندًا للقياس، وحكم العموم والقياس مختلف.
وفي الثاني كان قياسًا، فعاد منصوصًا، ولا يخلو مثل ذلك من غرض. فيقال: إنْ كان في التطويل مقصد فقهي، قُبِل، وإلا فلا.
قلتُ: وأيضًا فقد سبق أن اجتماعَ النص والقياس في الفرع اجتماعُ دليلين، ولا منع من ذلك؛ لِمَا فيه من الترجيح لو عُورِض؛ لكثرة الأدلة.
فقولي: (وذَاكَ مِنْ عَدِيلِهَا) أي: في أن النص يكون دالًّا على العلة وعلى الفرع فيكون الفرع عديلًا لها في دلالة النص عليهما معًا. وفيه الإيماء بأنه لا يمتنع أن يتوارد دليلان على ذلك الفرع وإنْ لم يكن تصريحًا به.
стр. 1918
تنبيه:
الاقتصار على هذه الشروط فيه نَفْي كثير مما عُدَّ شرطًا ولم نتعرض له؛ اختصارًا، كاشتراط بعضهم في المستنبطة أن تكون مِن أصل مقطوع بحكمِه، والصحيح لا؛ [إذْ] (١) يجوز القياس على ما ثبت حُكمه بدليل ظني كخبر الواحد والعموم والمفهوم وغيرها.
وشرط بعضهم أن يُقطع بوجودها في الفرع. والأصح المنع؛ لأنَّ القياس إذا كان ظنيًّا، فلا يضر كون مقدماته أو شيء منها ظنيًّا. والله أعلم.
* * *
(تَمَّ بِعَوْن الله تعالى الجزءُ الرابع، وَيلِيه الجزء الخامس، وأوله: مسالك العلة)
стр. 1919
ص:
٨٠٠ - أَمَّا الَّذِي يَثْبُتُ لِلْعِلِّيَّه ... فَأَوْجُة نَذْكُرُهَا جَلِيَّه
٨٠١ - أَوَّلُهَا: "الْإجَماعُ"، وَالثَّاني لَهَا ... نَصّ صَرِيحٌ، كـ "الِعِلَّةٍ نَهَى"
٨٠٢ - "لِسَبَبٍ"، "لِأَجْلٍ"، اوْ "مِنْ أَجْلِ" ... وَنَحْوِ "كَيْ"، "إذَنْ"، وَمَا كمِثْلِ
الشرح:
لما فرغت من بيان شروط العلة، شرعتُ في الطرق التي تدل على عليتها، ويُعبر عنها أيضًا بمسالك العلة.
وذلك إما إجماع أو نص أو استنباط. والنص إما صريح أو ظاهر أو إيماء.
فأما الأول وهو الإجماع فإنما قُدِّم لأنه أقوى، قطعيًّا كان أو ظنيًّا، ولأن النص تفاصيله كثيرة.
وبعضهم -كالبيضاوي- يُقدم النص؛ لكونه أصل الإجماع.
والمراد بثبوتها بالإجماع أنْ تجمع الأُمة على أن هذا الحكم عِلته كذا. كإجماعهم في "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (١) على أنَّ علته شَغْل القَلب. وممن حكى فيه الإجماع القاضي أبو الطيب.
وأما الثاني وهو النص (أي: مِن الكتاب أو السُّنة):
فـ "الصريح" هو: ما وُضع لإفادة التعليل بحيث لا يحتمل غير العِلية؛ ولذلك عَبَّر عنه البيضاوي بِـ "النص القاطع".
стр. 1920
وأما "الظاهر" فهو: ما يحتمل احتمالًا، مرجوحًا، بأنْ يكون قد وُضع للتعليل لكنه استعمل في معنى غيره. فإذا ورد فإنما يحمل على الأصل مع احتمال أن يراد غيره، بخلاف ما لم يُستعمل في غير التعليل.
فأما "الصريح" الذي لا يحتمل غير العِلية فمثل أن يقال: "لِعِلة كذا" أو "لِسَبب" أو "لأَجْل" أو "مِن أَجْل". كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢]، وقوله ﷺ : "إنما جُعل الاستئذان مِن أَجْل البصر" (١). رواه الشيخان، وقوله: "إنما نهيتكم مِن أَجْل الدافة التي دفت، فكُلوا وادخروا" (٢). رواه مسلم. أي: لأجل التوسعة على الطائفة التي قَدِمت المدينة أيام التشريق. والدافة: القافلة السائرة.
وَنَحْوِ "كَيْ" سواء كانت مجردة عن "لا" نحو قوله تعالى: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [طه: ٤٠] أو مقرونة بها نحو: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] أي: إنما وجب تخميسه لئلَّا يتناوله الأغنياء منكم؛ فلا يحصل للفقراء شيء.
وذكر ابن السمعاني أن "لأجْل" و"كَيْ" دُون ما قَبْلهما في الصراحة. وربما يفهم ذلك [مِن النَّظْم مِن] (٣) ترتيبها في الذكر.
وقولي: (وَمَا كَمِثْلِ) أي: وما كان كمثل ما ذكر من هذه الصيغ، نحو: "إذًا" في قوله ﷺ لأُبي بن كعب وقد قال له: "أجعل لك صلاتي كلها": "إذًا يغفر الله لك ذنبك كله" (٤). وفي
стр. 1921
رواية: "إذًا يكفيك الله هَم الدنيا والآخرة" (١). والله أعلم.
ص:
٨٠٣ - أَوْ ظَاهِرٌ، كَاللَّامِ أَوْ أَنْ قُدِّرَتْ ... كـ "أَنْ كذَا"، فَالْبَاءِ، فَالْفَاءِ ثَبَتْ
٨٠٤ - في كَلِمِ الشَّارعِ فَالْفَقِيهِ ... مِنَ الرُّوَاةِ، ثُمَّ غَيْرٍ فِيهِ
٨٠٥ - وَ"إنَّ، إذْ"، وَمَا مَضى لِلسَّبَبِ ... وَالثَّالِثُ: "الْإيمَاءُ" في التَّجَنُّبِ
الشرح:
القسم الثاني مِن قِسْمَي النص وهو ما كان ظاهرًا -لا صريحًا- له ألفاظ:
أحدها:
"اللام"، ظاهرة كانت نحو: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] أو مُقدَّرة كقوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٣، ١٤] أيْ: لِأنْ كان. وهذا معنى قولي: (أَوْ أَنْ قُدِّرَتْ) وهو بفتح الهمزة، وهو عطف على مُقدَّر، أي: كـ"اللام" ظهورًا أو تقديرًا. فإنَّ "أنْ" والفعل يتَأَوَّلان بالمصدر.
ثم مثلت المقدَّرة بقولي: (كـ "أَنْ كَذَا") أي: كما يقال في الكلام: "أنْ كذا". فالتعليل مستفاد من "اللام" المقدَّرة، لا مِن "أن".
ومن هذا ما في الحديث الصحيح في قصة الزبير من قول الأنصاري الذي خاصمه: "أنْ
стр. 1922
كان ابن عمتك؟ " (١).
ويدخل في هذا النوع إذا كان الواقع بعد "أنْ" "كان" وحذفت واسمها وبقي خبرها وعُوض من ذلك "ما"، كقوله:
أبا خراشة، أما أنت ذا نفر ... فإنَّ قَومي لم تأكلهم الضبع
أي: لأَنْ كنت ذا نفر. وإنما لم يجعل اللام وما سيأتي بعدها من الصريح لأن كلًّا منهما له مَعَانٍ غير التعليل، ككون (اللام) للملك أو للاختصاص أو لبيان العاقبة، نحو: (لِدوا للموت وابنوا للخراب). أو نحو ذلك، وكذا الباقي.
ثانيها: "الباء"، نحو: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢]. فهي وإنْ كان أصل معناها الإلصاق ولها معانٍ أخرى لكن أكثر استعمالها في التعليل.
وقيل: لأنَّ في التعليل أيضًا إلصاقًا كما قرره الإمام فخر الدين الرازي بأنها لَمَّا اقتضت وجود المعلول، حصل معنى الإلصاق، فحسُن استعماله فيه مجازًا بكثرة.
فقولي: (فَالْبَاءِ) بالخفض عطفًا على (كَاللَّامِ)، وكذا ما بعده.
ثالثها:
"الفاء"، ولها ثلاثة أحوال مرتبة كما ذكرتها في النَّظم معطوفةً بالفاء:
الأُولى: أن تكون في كلام الشارع داخلة على العِلةِ، والحكمُ مُتقدِّم، كقوله ﷺ في المحرم
стр. 1923
الذي وقصته ناقته: "لا تمسوه طِيبًا ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يُبعث يوم القيامة مُلبيًا" (١). أخرجاه.
الثانية: أن تدخل في كلام الشارع على الحكم، نحو: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨]، و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢].
وإلى هاتين الحالتين أشرتُ بقولي: (فَالْفَاءِ ثَبَتْ في كَلِمِ الشَّارعِ) أي: سواء دخلت على العلة أو الحكم. وما ذكرتُه مِن أنَّ تَقدُّم العلة ثم مجيء الحكم بـ "الفاء" أقوى مِن عكسه -هو ما قاله الإمام الرازي؛ لأن إشعار العلة بالمعلول أقوى من إشعار المعلول بالعلة؛ لأنَّ الطرد واجب في العِلل، دُون العكس.
ونازعه النقشواني، وقال: بل تقديم المعلول على العلة أقوى؛ لأن الحكم إذا تَقدَّم، طلبت النفسُ عِلته. فإذا ذُكِر وصفٌ، ركنَتْ إلى أنه هو العلة، بخلاف ما لو تقدمت العلة ثم جاء الحكم، فقد تكتفي النفسُ بأنَّ ما سبق عِلته، وقد تطلب له علة بطريق أخرى.
وأطال في ذلك، ولا يخفَى ضَعفُه وقوة ما قاله الإمام.
وهل ما دخلت عليه "الفاء" في نَص الكتاب أقوى مما في نَص السُّنَّة؟ أو متساويان؟
فبالأول قال الآمدي، وبالثاني قال الهندي وهو الحق؛ لاستوائهما في عدم تَطرُّق الخطأ إليهما.
الثالثة: أن تكون "الفاء" في كلام الراوي ولا تكون إلا داخلة على الحكم، والعلة ما قبلها، نحو: "سها ﷺ ، فسجد" (٢). وسواء كان الراوي فقيهًا أو لا. لكنه إذا كان فقيهًا، كان
стр. 1924
أقوى.
قيل: وينبغي قَصْره على الصحابي أو مَن بَعْده إذا كان عالِمًا بمدلولات الألفاظ.
وهو ظاهر، ولهذا عطفته بـ "ثُمَّ" في قولي: (ثُمَّ غَيرٍ). أي: غير الفقيه.
فإنْ قيل: إذا قال الراوي: (هذا منسوخ) أو حمل حديثًا -رواه- على غَيْر ظاهره، لا يُعْمَل به؛ لجواز أن يكون ذلك عن اجتهاد، فكيف إذا قال الراوي: "سها، فسجد" ونحوه يُعمل به مع احتمال أن يكون عن اجتهاد؟
فالجواب: أن هذا مِن قبيل فَهْم الألفاظ مِن حيث اللغة، لا أنه يرجع للاجتهاد. بخلاف قوله: (هذا منسوخ) ونحو ذلك؛ ولهذا إذا قال: (أمر النبي ﷺ بكذا) أو: (نهي عن كذا) يُعمل به؛ حملًا على الرفْع، لا على الاجتهاد.
ومَن منع في هذا إنما قال: إنه يحتمل الخصوصية، فعمم. أو عدم الدوام، فحمله على الدوام. وقد سبق ذلك في بابه.
واعلم أن ابن الحاجب جعل هذا من الصريح، لا من الظاهر. والأجود ما جرى عليه البيضاوي أنَّ هذا من الظاهر؛ لأنَّ لها معاني غير ذلك كما بيناه، فإنَّ "الفاء" أيضًا تكون بمعنى "الواو" وغير ذلك.
نعم، يقوى كلام ابن الحاجب إذا كان في الكلام صريح شرط أو معنى شرط، كالنكرة الموصوفة والاسم الموصول، فإنه لا يمكن حمل "الفاء" فيهما على معنى "الواو" العاطفة؛ إذِ العطف لا يحسُن قبل تمام الجملة. ولهذا لا ينبغي أن يمثل بنحو: "مَن أحيا أرضًا ميتة فهي له" (١). وكذا نحو: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾؛ لما فيه من معنى الشرط.
стр. 1925
وجعل ابن الحاجب أيضًا من الصريح: "سها، فسجد"، و"زَنَا ماعز، فرجِم"؛ لاحتمال أن يكون المذكور جزءَ علة ولم يذكر الجزء الآخر. فهو وإنْ كان نَصًّا في الاعتبار به لكن ليس نَصَّا في الاستقلال كما في: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] الآية، فإنَّ التقدير فيها: إذا قمتم مُحْدِثين. فحذف بعض العلة الموجِبة للوضوء. وكذا في: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾، السرقة جزء من الموجِب للقطع؛ لتوقفه على الحرز والنصاب؛ ولذلك اختُلف في أنَّ الآية مُجْمَلة كما سبق.
وبالجملة: فالمدار في الصراحة وعدمها على مَحَال وقوع ذلك فيها. ففي بعض المواضع يتعذر الحمل على غير التعليل؛ فيتعيَّن التعليل، فيكون صريحًا كما سبق في الشرط لفظًا أو معنًى. وفي موضع يحتمل؛ فيكون من الظاهر، لا من الصريح.
والناظر يَعْتَبِر ذلك، ويعمل بمقتضى الحال.
الرابع مِن صِيَغ الظاهر:
" إنَّ" المكسورة المشددة، نحو: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ [نوح: ٢٧]، "لبيك، إن الحمد والنعمة لك" (١)، "إنك إنْ تذر ورثتك أغنياء خير مِن أنْ تذرهم عالة" (٢)، "إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات" (٣)، ونحو ذلك، وهو كثير.
وقد أنكر التبريزي على الإمام جَعْلها للتعليل، وسبقه ابن الأنباري إلى إنكار مجيئها
стр. 1926
لذلك. أي: فإن التعليل إنما هو مستفاد من وقوع الجملة استئنافية مُشْعِرة بسؤال مُقَدَّر كما في ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، كأنه قيل: ما سبب أن لا تبرئ نفسك؟ فأجاب بذلك.
ولهذا يستفاد التعليل في مِثله مِن غير أن يكون في الكلام "إنَّ"، نحو:
قال لي كيف أنت؟ قلتُ: عليل ... سهر دائم وحزن طويل
كأنه سُئل: ما سبب عِلتك؟ فقال: سببها السهر وطول الحزن.
الخامس:
من صيغ الظاهر أيضًا: "إذْ"، فإنها تأتي للتعليل كما قاله ابن مالك. كقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦]، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ [المائدة: ٢٠]، ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ﴾ [الأحقاف: ١١]، ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف: ٣٩]، ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٢]، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩].
وقول الشاعر:
فأصبحوا قد أَعادَ اللهُ نِعمتهم ... إذْ هُم قريش وإذْ ما مِثلهم بشَر
وذكر أن سيبويه أشار إلى ذلك، ونازعه أبو حيان.
وقولي: (وَمَا مَضى لِلسَّبَبِ) أي: ومما يُعد مِن أدوات التعليل في الظاهر ما سبق في باب معاني الكلم التي يُحتاج إليها مما ذكر مِن معانيه السببية، مثل: "على" في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، و"في" مثل قوله ﷺ : "دخلت امرأة
стр. 1927
النار في هرة" (١). فالمدار على أن يظهر التعليل فى لفظه في ذلك المحل. والله أعلم.
وقولي: (والثالث الإيماء في التجنب) تمامه قولي بعده:
ص:
٨٠٦ - أَنْ يُقْرَنَ الْوَصْفُ بِحُكْمٍ، أَيْ وَلَوْ ... مُسْتَنْبَطًا، لَوْ لَمْ يُفِدْ أَوْ مَا رَأَوْا
٨٠٧ - نَظِيرَهُ عِلِّيَّةً لَبَعُدَا ... وَذَا كتَفْرِيقٍ بِوَصْفٍ قُيِّدَا
٨٠٨ - أَيْ: بَينَ حُكْمَيْنِ هُمَا قَدْ ذُكِرَا ... أَوْ وَاحِدٌ فَقَطْ، فَكُنْ مُعْتَبِرًا
الشرح:
والمراد بذلك الطريق الثالث مِن طُرق العلة، وهو "الإيماء" للعلة والتنبيه من غير أن يكون فيه نَص لا صريحًا ولا ظاهرًا.
ومنهم مَن يُدْخله في قِسم الظاهر، ويجعل منه ما سبق في الترتيب بِـ "الفاء" في كلام الشارع ﷺ أو في كلام الراوي كما جرى عليه البيضاوي، فإن ظاهره أن [الكل] (٢) مِن قبيل النَّص على العلة. لكن قال الآمدي والهندي: إن دلالة هذا الطريق على العلة إنما هي بالالتزام؛ لأنه يُفهم التعليل فيه مِن جهة المعنى، لا من جهة اللفظ.
قال الهندي: لأنه لو كان موضوعًا للعلة، لم يُجعل مِن قبيل الإيماء، إذ لا يقال في الموضوع للشيء: إنه إيماءٌ إليه.
стр. 1928
وفيما [قالا] (١) نظر؛ لأن ما كان بـ "الفاء" ونحوه مِن حروف العلة يُعَد مِن قبيل النص كما ذكرناه، وإنما الذي مِن قبيل اللزوم ما سيأتي، ومع ذلك لا يخرج عن كونه مِن قبيل النص المقابل للاستنباط.
فـ "الإيماء": هو اقتران الوصف بحكم لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان ذلك الاقتران بعيدًا مِن فصاحة كلام الشارع وإتيانه بالألفاظ في مواضعها؛ لِتَنزُه كلامه عن الحشو الذي لا فائدة فيه.
وهو على خمسة أوجه:
أحدها:
أن يحكم عقب عِلمه بصفة المحكوم عليه وقد أَنْهَى إليه المحكوم عليه حالَه، كقول الأعرابي: "واقعتُ أهلي في نهار رمضان". فقال: "أعتِق رقبة" (٢). أخرجه الأئمة الستة، وهذا لفظ ابن ماجه. فكأنه قيل: كفِّر؛ لكونك واقعتَ في نهار رمضان. فكأنَّ الحرف الذي ترَتَّب به الحكم لفظًا موجود هنا، فيكون موجودًا تقديرًا. هذا هو الذي يغلب على الظن مِن ذلك، ولا التفات إلى احتمال أن يكون ابتداء كلام أو جواب سؤال أو زجرًا للسائل عن الكلام، كقول السيد لعبده إذا سأله عن شيء: اشتغل بشأنك.
أيضًا فكان يلزم خلو السؤال عن الجواب وتأخير البيان عن وقت الحاجة.
فإنْ حذف شيء من الأوصاف المرتَّب عليها الجواب لكونه لا مَدخل له في العِلية، نحو أن يقال: (في يوم كذا) أو: (للشخص الفلاني)، فيسمَّى إخراج ذلك مِن الاعتبار "تنقيح
стр. 1929
المناط" كما سيأتي بيانه.
الثاني:
أنْ يُقَدر في كلام الشارع وَصْف لو لم يكن للتعليل لكان بعيدًا كما تَقدم، سواء أكان ذلك التقدير في محل السؤال أو في نظيره.
ففي محل السؤال كقوله ﷺ وقد سُئل عن بيع الرطب بالتمر: "أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذَن" (١). رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح. وصححه ابن خزيمة والحاكم.
فلو لم يكن تقدير نقصان الرطب بالجفاف لأجل التعليل لكان تقديره بعيدًا؛ إذ لا فائدة فيه حينئذٍ، والجواب يتم [بدُونه] (٢).
ونحو ذلك حديث: "إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات" في دخوله في بيت فيه هِر وامتناعه مِن دخول بيت فيه كلب لَمَّا قِيل له: "إنك تدخل على بني فلان وعندهم هرة". فقال: "إنها ليست بنجسه، إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات" (٣).
ومثال التقدير في النظير: ما رُوي في الكتب الستة: "أنه ﷺ لما سألته الخثعمية: إنَّ أبي
стр. 1930
أدركتْه الوفاة وعليه فريضة الحج، أينفعه إنْ حججتُ عنه؟ فقال: أرأيت لو كان على أبيك دَين فقضيته أكان ينفعه؟ قالت: نعم" (١). فنظيره في المسئول عنه كذلك، وفيه تنبيه على الأصل الذي هو دَين الآدمي على الميت، والفرع وهو الحج الواجب عليه، والعلة وهي قضاء دَين الميت. فقد جمع فيه ﷺ أركان القياس كلها.
ونحوه ما في "الصحيحين": "جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ فقال: أرأيتِ لو كان على أُمك دَين فقضيتيه، أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك" (٢).
وقيل: إن من ذلك حديث عمر في "أبي داود" و"النسائي" لما سأله عن قُبلة الصائم: "أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم أتفطر؟ ". قال: لا. قال: "فَمَهْ" (٣). وذلك أنه ذكر الوصف في نظير المسئول عنه وهو المضمضة التي هي مقدمة الشرب، ورتَّب عليها الحكم وعدم الإفساد، ونَبَّه على الأصل وهو الصوم مع المضمضة، والفرع وهو الصوم مع القُبلة.
وقيل: ليس هذا مِن ذلك، وإنما هو نقض لِمَ تَوهَّمه عُمَر مِن إفساد القُبلة التي هي مقدمة الجماع الذي هو مُفْسد، فإن عمر فض توهَّم أن القُبلة تفسد كما يفسد الجماع، فنقض ﷺ تَوهُّمه بالمضمضة، لا أن ذلك تعليل لِمَنعْ الإفساد.
الثالث:
أنْ يُفرق بين حُكمَين بصفتين، كقوله ﷺ : "للراجل سهم، وللفارس سهمان". كذا