← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

لذلك. أي: فإن التعليل إنما هو مستفاد من وقوع الجملة استئنافية مُشْعِرة بسؤال مُقَدَّر كما في ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، كأنه قيل: ما سبب أن لا تبرئ نفسك؟ فأجاب بذلك. ولهذا يستفاد التعليل في مِثله مِن غير أن يكون في الكلام "إنَّ"، نحو: قال لي كيف أنت؟ قلتُ: عليل ... سهر دائم وحزن طويل كأنه سُئل: ما سبب عِلتك؟ فقال: سببها السهر وطول الحزن. الخامس: من صيغ الظاهر أيضًا: "إذْ"، فإنها تأتي للتعليل كما قاله ابن مالك. كقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦]، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ [المائدة: ٢٠]، ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ﴾ [الأحقاف: ١١]، ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف: ٣٩]، ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٢]، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩]. وقول الشاعر: فأصبحوا قد أَعادَ اللهُ نِعمتهم ... إذْ هُم قريش وإذْ ما مِثلهم بشَر وذكر أن سيبويه أشار إلى ذلك، ونازعه أبو حيان. وقولي: (وَمَا مَضى لِلسَّبَبِ) أي: ومما يُعد مِن أدوات التعليل في الظاهر ما سبق في باب معاني الكلم التي يُحتاج إليها مما ذكر مِن معانيه السببية، مثل: "على" في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، و"في" مثل قوله ﷺ : "دخلت امرأة

стр. 1927

النار في هرة" (١). فالمدار على أن يظهر التعليل فى لفظه في ذلك المحل. والله أعلم. وقولي: (والثالث الإيماء في التجنب) تمامه قولي بعده: ص: ٨٠٦ - أَنْ يُقْرَنَ الْوَصْفُ بِحُكْمٍ، أَيْ وَلَوْ ... مُسْتَنْبَطًا، لَوْ لَمْ يُفِدْ أَوْ مَا رَأَوْا ٨٠٧ - نَظِيرَهُ عِلِّيَّةً لَبَعُدَا ... وَذَا كتَفْرِيقٍ بِوَصْفٍ قُيِّدَا ٨٠٨ - أَيْ: بَينَ حُكْمَيْنِ هُمَا قَدْ ذُكِرَا ... أَوْ وَاحِدٌ فَقَطْ، فَكُنْ مُعْتَبِرًا الشرح: والمراد بذلك الطريق الثالث مِن طُرق العلة، وهو "الإيماء" للعلة والتنبيه من غير أن يكون فيه نَص لا صريحًا ولا ظاهرًا. ومنهم مَن يُدْخله في قِسم الظاهر، ويجعل منه ما سبق في الترتيب بِـ "الفاء" في كلام الشارع ﷺ أو في كلام الراوي كما جرى عليه البيضاوي، فإن ظاهره أن [الكل] (٢) مِن قبيل النَّص على العلة. لكن قال الآمدي والهندي: إن دلالة هذا الطريق على العلة إنما هي بالالتزام؛ لأنه يُفهم التعليل فيه مِن جهة المعنى، لا من جهة اللفظ. قال الهندي: لأنه لو كان موضوعًا للعلة، لم يُجعل مِن قبيل الإيماء، إذ لا يقال في الموضوع للشيء: إنه إيماءٌ إليه.

стр. 1928

وفيما [قالا] (١) نظر؛ لأن ما كان بـ "الفاء" ونحوه مِن حروف العلة يُعَد مِن قبيل النص كما ذكرناه، وإنما الذي مِن قبيل اللزوم ما سيأتي، ومع ذلك لا يخرج عن كونه مِن قبيل النص المقابل للاستنباط. فـ "الإيماء": هو اقتران الوصف بحكم لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان ذلك الاقتران بعيدًا مِن فصاحة كلام الشارع وإتيانه بالألفاظ في مواضعها؛ لِتَنزُه كلامه عن الحشو الذي لا فائدة فيه. وهو على خمسة أوجه: أحدها: أن يحكم عقب عِلمه بصفة المحكوم عليه وقد أَنْهَى إليه المحكوم عليه حالَه، كقول الأعرابي: "واقعتُ أهلي في نهار رمضان". فقال: "أعتِق رقبة" (٢). أخرجه الأئمة الستة، وهذا لفظ ابن ماجه. فكأنه قيل: كفِّر؛ لكونك واقعتَ في نهار رمضان. فكأنَّ الحرف الذي ترَتَّب به الحكم لفظًا موجود هنا، فيكون موجودًا تقديرًا. هذا هو الذي يغلب على الظن مِن ذلك، ولا التفات إلى احتمال أن يكون ابتداء كلام أو جواب سؤال أو زجرًا للسائل عن الكلام، كقول السيد لعبده إذا سأله عن شيء: اشتغل بشأنك. أيضًا فكان يلزم خلو السؤال عن الجواب وتأخير البيان عن وقت الحاجة. فإنْ حذف شيء من الأوصاف المرتَّب عليها الجواب لكونه لا مَدخل له في العِلية، نحو أن يقال: (في يوم كذا) أو: (للشخص الفلاني)، فيسمَّى إخراج ذلك مِن الاعتبار "تنقيح

стр. 1929

المناط" كما سيأتي بيانه. الثاني: أنْ يُقَدر في كلام الشارع وَصْف لو لم يكن للتعليل لكان بعيدًا كما تَقدم، سواء أكان ذلك التقدير في محل السؤال أو في نظيره. ففي محل السؤال كقوله ﷺ وقد سُئل عن بيع الرطب بالتمر: "أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذَن" (١). رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح. وصححه ابن خزيمة والحاكم. فلو لم يكن تقدير نقصان الرطب بالجفاف لأجل التعليل لكان تقديره بعيدًا؛ إذ لا فائدة فيه حينئذٍ، والجواب يتم [بدُونه] (٢). ونحو ذلك حديث: "إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات" في دخوله في بيت فيه هِر وامتناعه مِن دخول بيت فيه كلب لَمَّا قِيل له: "إنك تدخل على بني فلان وعندهم هرة". فقال: "إنها ليست بنجسه، إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات" (٣). ومثال التقدير في النظير: ما رُوي في الكتب الستة: "أنه ﷺ لما سألته الخثعمية: إنَّ أبي

стр. 1930

أدركتْه الوفاة وعليه فريضة الحج، أينفعه إنْ حججتُ عنه؟ فقال: أرأيت لو كان على أبيك دَين فقضيته أكان ينفعه؟ قالت: نعم" (١). فنظيره في المسئول عنه كذلك، وفيه تنبيه على الأصل الذي هو دَين الآدمي على الميت، والفرع وهو الحج الواجب عليه، والعلة وهي قضاء دَين الميت. فقد جمع فيه ﷺ أركان القياس كلها. ونحوه ما في "الصحيحين": "جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ فقال: أرأيتِ لو كان على أُمك دَين فقضيتيه، أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك" (٢). وقيل: إن من ذلك حديث عمر في "أبي داود" و"النسائي" لما سأله عن قُبلة الصائم: "أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم أتفطر؟ ". قال: لا. قال: "فَمَهْ" (٣). وذلك أنه ذكر الوصف في نظير المسئول عنه وهو المضمضة التي هي مقدمة الشرب، ورتَّب عليها الحكم وعدم الإفساد، ونَبَّه على الأصل وهو الصوم مع المضمضة، والفرع وهو الصوم مع القُبلة. وقيل: ليس هذا مِن ذلك، وإنما هو نقض لِمَ تَوهَّمه عُمَر مِن إفساد القُبلة التي هي مقدمة الجماع الذي هو مُفْسد، فإن عمر فض توهَّم أن القُبلة تفسد كما يفسد الجماع، فنقض ﷺ تَوهُّمه بالمضمضة، لا أن ذلك تعليل لِمَنعْ الإفساد. الثالث: أنْ يُفرق بين حُكمَين بصفتين، كقوله ﷺ : "للراجل سهم، وللفارس سهمان". كذا

стр. 1931

يمثلون به، والذي في "الصحيحين" جَعْله للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا (١). وفي "البخاري": "للفرس سهمين وللراجل سهمًا" (٢). ورواه الدارقطني بلفظ: "جعل للفارس سهمين وللراجل سهمًا" (٣). أو بِصِفةٍ مع أحد الحكمين دُون الآخَر، كحديث: "القاتل لا يرث" (٤). رواه الترمذي وقال: (لا يصح). فإنَّ مقابِله -وهو مَن ليس بقاتل مِن الورثة- يكون محكومًا عليه بضد هذا الحكم وهو منع الإرث، فيكون وارثًا. وفي معنى التفريق بين الحُكمين بصمة التفرقة بينهما بغايةٍ كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، أو استثناء كقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أو شرطٍ كقوله ﷺ : "إذا اختلفت هذه الأجناس، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بِيَد" (٥)، أو لفظٍ دال على استدراك نحو: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. ووجه استفادة العلة من ذلك كله أن التفرقة لا بُدَّ لها من فائدة، والأصل عدم غَيْر المُدَّعَى وهو إفادة كَوْن ذلك عِلَّة.

стр. 1932

الرابع: مِن وجوه الإيماء: أنْ يذكر مع الحكم وصفًا مناسبًا كقوله ﷺ : "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (١). رواه الشافعي ﵁ بلفظ: "لا يحكم الحاكم أو لا يقضي بين اثنين" (٢). ورواه أصحاب الكتب الستة بلفظ: "لا يقضِين حاكم بين اثنين وهو غضبان" (٣). ففيه التنبيه على أن علة ذلك ما فيه من تشويش الفكر، ثم يطرد ذلك في كلِّ مُشَوِّش؛ لأن خصوص كونه غضبان ليس هو المناسب للحكم؛ فيلحق به الجائع والحاقن ونحو ذلك. وقال الإمام الرازي: (لا مُلازَمَة بين التشويش والغضب) (٤). لأن التشويش إنما ينشأ عن الغضب الشديد، لا مُطْلَق الغضب. وأجيب عنه بأن الغضب مظنة التشويش؛ فكان هو العلة، كالسفر مع المشقة. وكل ما كان مظنة من جوع ونحوه يكون كذلك. واعلم أن هذا سبق التمثيل به لِمَا أجمعوا على أنه علة، فالمراد بالتمثيل به هنا أن يكون في الابتداء قبل أن يُجْمِعوا.

стр. 1933

الخامس: إذا نُهي عن فِعل (ذلك الفعل يكون مانعًا من فِعل واجب)، كان إيماءً إلى أنَّ عِلة النهي عنه كونه مانعًا من الإتيان بالواجب. فكل ما منع من الإتيان بالواجب يكون كذلك، كقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، فإنه نهى في المعنى عن إيجاد البيع وقت النداء؛ لأنه يمنع مِن السعي المأمور به في قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. فلو لم يكن علة لَمَا كان لِذِكره فائدة. وقال القرافي: إنما استُفيد ذلك من السياق، فإنَّ الآية لم تنزل لبيان أحكام البياعات، بل لتعظيم شأن الجمعة. وهذه الأقسام الخمسة كلها داخلة تحت قولي في النَّظم: (أَنْ يُقْرَنَ الْوَصْفُ بِحُكْمٍ) إلى آخِره. ومدارها كلها على تجنب الحشو وعدم الفائدة في كلام الشارع. وهو معنى قولي أولًا: ("الْإيمَاءُ" في التَّجَنُّبِ). وقولي: (وَلَوْ مُسْتَنْبَطًا) إشارة إلى أن الحكم المقرون به الوصف لا يُشترط في واحد منهما أن يكون مذكورًا، بل قد يكون واحد منهما مستنبطًا. مثال كون الوصف مذكورًا والحكم مستنبطًا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فإن الوصف الذي هو حِل البيع مُصرَّح به، والحكم وهو الصحة مستنبط من الحِل؛ فإنه يَلزم مِن حِله صحتُه. وأما عكسه وهو كون الحكم مذكورًا والوصف مستنبطًا فهو الذي في أكثر العِلل المستنبطة.

стр. 1934

نحو: "لا تبيعوا البُر بالبُر إلا مِثلًا بِمِثل" (١). فالضمير في قولي: (وَلَوْ مُسْتَنْبَطًا) عائد لكل من الوصف والحكم. نعم، في هذين خلاف، ففي قول: إنهما إيماء. وقول بالمنع. وفي ثالث اختاره الهندي: أن الأول -وهو التلفظ بالوصف- إيماء إلى تعليل الحكم المصرَّح به، لا العكس. بل ادَّعَى بعضهم الاتفاق على أن الثاني ليس بإيماء، ومال إليه الهندي وقال: الخلاف فيه بعيد نقلًا ومعنًى؛ لأنه يقتضي أن تكون العلة والإيماء متلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر. وقولي: (أَوْ مَا رَأَوْا نَظِيرَهُ) المراد أن يرى القائس أن ذلك نظير الحكم المعلل بذلك الوصف كما سبق في قضاء الدَّين ونحوه. وقولي: (عِلِّيَّةً) بالنصب مفعول الفعل في "لَوْ لَمْ يُفِدْ". وقولي: (لَبَعُدَا) أي: لَبَعُدَ وقوع ذلك في لفظ الشارع الذي هو في غاية الفصاحة. وقولي: (وَذَا كَتَفْرِيقٍ) هو تمثيل بأحد الأقسام الخمسة السابقة، وهو القسم الثالث كما مثلنا المذكورين فيه بأنَّ للفارس سهمين وللراجل سهمًا. والمذكور فيه أحد الحكمين أي مع ذكر وصف ويكون المحذوف مقابل الحكم مع علته وهو ضد الوصف. نعم، هذه الأقسام من حققها يجد فيها بعض تداخل؛ لأنه يمكن رَدُّ بعض منها لبعض؛ فلذلك لم أتعرض لجميعها في النَّظم.

стр. 1935

تنبيه: لم أتعرض في الإيماء في النَّظم لاعتبار المناسبة في الوصف؛ لأنه لا يعتبر إلا في القسم الرابع فقط. وقد حكى ابن الحاجب وغيره في ذلك ثلاثة مذاهب: أحدها: اشتراط المناسبة في الوصف في كل قسم من أقسام الإيماء، وهو ما اختاره الغزالي؛ لأن تصرف العقلاء المستند للتعليل لا بُدَّ في علته من حِكمة؛ لقبح "أكرِم الجاهل وأَهِن العالم". وثانيها: لا يشترط مطلقًا، أي: في غير القسم الرابع؛ لأنَّ العلة بمعنى المعرِّف. وهذا هو المعْزي للأكثرين؛ فلذلك لم أُقيِّد المسألة في النَّظم بالوصف المناسب. والثالث واختاره ابن الحاجب: إن كان التعليل فُهِم مِن المناسبة مثل: "لا يقضي القاضي وهو غضبان"، اشتُرطت، وإلا فلا. وغايته ما ذكرته من اعتبار المناسبة في القسم الرابع دُون بقية الأقسام. فإنْ قلت: فمِن أين يخرج القسم الرابع الذي في المناسبة مِن الذي ذكرته في النَّظم. قلت: لأنه لَّمَا كان راجعًا إلى استنباط كونه علة بما فيه من المناسبة، كان داخلًا فيما سيأتي مِن طُرق العلة وهو "المناسبة". وإنما ذكرته مِن أقسام الإيماء هنا تبعًا لابن الحاجب وغيره في ذِكرهم له من الإيماء مِن حيث اشتماله على معنى مُومَأ إليه، وقد تقدم إيضاحه. والله أعلم.

стр. 1936

ص ٨٠٩ - وَالرَّابِعُ: "السَّبْرُ" مَعَ "التَّقْسِيمِ" ... بِحَصْرِهِ الْأَوْصَافَ بِالتَّتمِيمِ ٨١٠ - في الْوَصْفِ مَعْ إبْطَالِ مَا لَا يَصْلُحُ ... مِنْهَا؛ فَبَاقِيهَا الَّذِي يُسْتَصْلَحُ ٨١١ - فَمَا يَكُونُ حَصْرُهُ قَطْعِيَّا ... قَطْع، وَغَيْرُهُ يُرَى ظَنِّيَّا ٨١٢ - وَكُلُّ هَذَا حُجَّة لِلنَّاظِرِ ... وَهَكَذَا يَكُونُ لِلْمُنَاظِرِ الشرح: الرابع من الطُّرق الدالة على العِلة "السبر والتقسيم"، وهو ذِكر أوصاف في الأصل المقيس محصورة، وإبطال بعضها بدليل؛ فَيَتَعَيَّن الباقي للعِلية. سُمي بذلك؛ لأن الناظر يقسم الصفات ويختبر صلاحية كل واحد منها للعلية، فيُبْطِل ما لا يَصْلح ويُبقِي ما يصلح. و"السبر" في اللغة هو: الاختبار. وكان الأَوْلى أن يقال: "التقسيم والسبر"؛ لأن "الواو" وإنْ لم تدل على الترتيب لكن البداءة بالمقدَّم أَجْوَد. وأجاب بعضهم عن ذلك بأنه أول ما يسبر أنَّ له علة، ثم يقسم، ثم يعود فيسبر الأوصاف. قلنا: بهذا الاعتبار سَبْر سابِق به سُمي هذا النوع "سبرًا وتقسيمًا"، ولا مدخل للسبر المتأخر في التسمية. وفي ذلك نظر؛ لأن لنا تقسيمًا سابقًا على هذا السبر المدَّعَى وهو أن نقول: إنَّ هذا الحكم إما له علة أو تعبُّدي لا علة له. ثم نسبر؛ [لنفي] (١) كونه تعبُّدًا، ثم نقسم الأوصاف، فكونه

стр. 1937

علما باعتبار السبر الأول والتقسيم مِن غير نظر إلى السبر الثاني خِلاف الظاهر. وإنما ينبغي أن يجاب بأنَّ المؤثِّر في عِلْم العِلية إنما هو السبر، وأما التقسيم فإنما هو لاحتياج السبر إلى شيء يُسْبَر. وربما سُمي ذلك بِـ "التقسيم الحاصر" كما هو عبارة البيضاوي. وهو ضربان: أحدهما: ما يكون الحصر في الأوصاف وإبطال ما يبطل منها قطعيًّا، فيكون دلالة قطعية بلا خلاف. ولكن هذا قليل في الشرعيات. ثانيهما: ما يكون حصر الأوصاف ظنيًّا أو السبر ظنيًّا أو كلاهما وهو الأغلب، فلا يفيد إلا الظن. ويُعمل به فيما لا يُتعبَّد فيه بالقَطْع من العقائد ونحوها. كقول الشافعي مثلًا: ولاية الإجبار على النكاح إما أن لا تُعَلل أو تُعَلل. وحينئذٍ فإما أن تكون العِلة البكارة أو الصغر أو غيرهما. وما عدا القِسم الثاني باطل. الأول والرابع بالإجماع. وأما الثالث فلأنه لو كانت العلة الصغر لَثبت على الثيب الصغيرة، وذلك باطل؛ لقوله ﷺ : "الأيم أحق بنفسها" (١). أخرجه مسلم. والأيم: هي الثيب. وأما ما استُفيد الحصر فيه مِن كون الأصل عدم ذلك فيسمى "التقسيم المنتشر"، ويحتج به باعتبار استناده للأصل. مثاله: أنْ يقال في علة الربا فيما عدا النقدين من الربويات: إنها إما الطعم أو الكيل أو القوت. والثاني والثالث باطلان؛ فَتَعَيَّن الطعم؛ لأنه ﷺ قال: "الطعام بالطعام" (٢) الحديث، فعلق بالطعام وهو مشتق من الطعم، فيكون مُعللًا بما منه الاشتقاق. وهذا دليل على أن غير

стр. 1938

الطعم ليس بِعِلة، بل هو صالح أن يكون دليلًا على ذلك ابتداءً من غير نظر إلى سبر وتقسيم. وإنما عُمل بهذا لأنَّ الأغلب في الأحكام أن تكون مُعلَّلة بالمصالح تَفضلًا، فبطل أن يكون هذا الحكم لا عِلة له، والأوصاف المذكورة الأصلُ عَدَمُ غيرها. وقولي: (وَكُلُّ هَذَا حُجَّةٌ لِلنَّاظِرِ والمناظِر) معناه: أن المجتهد يرجع إلى ظنه، فإذا حصل له الظن بذلك، عمل به، وكان مؤاخَذًا بما اقتضاه ظنه. وأما المناظِر فيكفي قوله: (بحثتُ فلم أجد غير هذه الأوصاف، والأصل عدم ما سواها). فيقْبَل؛ لأنه ثقةٌ أهلٌ للنظر. فالحكم بنفي ما سوى ذلك مستنِد إلى ظن عَدَمِه، لا إلى عدم العلم بوصف آخَر. فإنْ بَيَّن المعترِض وصفًا غير ذلك، لَزِمَ المستدِل إبطاله، ولا يَلْزم المعترض بيان صلاحيته للتعليل. وإذا أخذ المستدِل في إبطال ما ذكره المعترِض، فهل يكون ذلك انتقالًا منه ينقطع به؟ أو لا ينقطع حتى يعجز عن إبطاله؟ الأصح الثاني؛ لأنه لم يدَّع القَطْع في الحصر، فغاية ما أبداه المعترِض مَنعْ لمقدمة مِن مقدمات المستدِل يُحتاج إلى إقامة الدليل عليها. وقيل: ينقطع؛ لأنه كأنه ادَّعى الحصر وقد ظهر بطلانه. وجواب ذلك: أنه لا يظهر بطلانه إلا إنْ عجز عن دَفْعِه. قال ابن السبكي: وعندي أنه ينقطع إنْ كان ما اعترض به المعترِض مساويًا في العلة لما ذكره المستدِل في حصر الأوصاف وأَبْطلَه؛ لأنه ليس ذكر المذكور وإبطاله أَوْلى مِن ذلك المسكوت عنه المساوي له، وإنْ كان دُونه فلا انقطاع له؛ لأنَّ له أن يقول: هذا لم يكن عندي

стр. 1939

مخيلًا البتة، بخلاف ما ذكرتُه وأبطلته. قلتُ: ما مِن وَصْف يأتي به المعترِض إلا والمستدِل ينازع في مساواته؛ ولهذا يَدْفَعه، فأين محل هذا التفصيل؟ ! واعلم أن الإشارة بقولي: (هَذَا) إلى القسم الثاني وهو الظني. وفي كونه حجة للناظر والمناظر ثلاثة مذاهب: أحدها وهو الراجح: أنه حُجة لهما، لأنَّ المدار على غلبة الظن، وقد وجدت؛ فيكون حجة مطلقًا. واختاره القاضي أبو بكر، وقال: إنه [مِن] (١) أقوى ما تثبت به العِلل. الثاني: ليس بحجة مطلقًا. حكاه في "البرهان" عن بعض الأصوليين. والثالث: أنه حجة للناظر دُون المناظِر؛ لأنه يعمل بظن نفسه، وأما كون ظنه حُجة على غيره فلا. واختار إمام الحرمين قولًا رابعًا: أنه حُجة بشرط قيام الإجماع على أن حكم الأصل معلَّل في الجملة؛ لأنه لو كان ما ذكر مِن الأوصاف لا عِلية لواحد منها والأصل عدم غيرها، لَعَادَ ذلك إلى تخطئة الإجماع في أنه مُعلَّل. قيل له: فالقائسون بعض الأُمة. فقال: منكر القياس لا يُعَد مِن علماء الأُمة الذين يؤثر خلافهم. تنبيه: يكفي في حصر الأوصاف اتفاق الخصمين بالنسبة إلى نفي ما عداها، وأما إذا اتفقا مثلًا على أن الحكم معلَّل وأن العلة فيه أحد المعنيين، واختار المستدِلُّ واحدة والمعترِضُ أخرى،

стр. 1940

فقال المستدِلُ: لِعِلَّتي مرجِّح، وهو كذا، فهل يكفي ذلك؟ قال القاضي أبو الطيب في مناظرته مع أبي [الحسين] (١) القُدُوري: لا يكفي؛ فإن اتفاقهما ليس اتفاق الأُمة؛ فلا يكون حجة. وقال القدوري: يكفي لقطع المنازعة. وأما إبطال بعض الأوصاف فله طُرق: أحدها: أن يدل دليل شرعي على إلغائه كما سبق. ثانيها: بيان كون الوصف طرديًّا مِن جنس ما عُلِم مِن الشرع إلغاؤه: - إما مطلقًا، كالطول والقصر بالنسبة لوجوب القصاص أو الكفارة أو العتق أو الإرث أو التقديم في الصلاة أو نحو ذلك. - أو لا مُطلقًا، بل بالنسبة لذلك الحكم فقط، كالذكورة في العتق مع أنها معتبرة في غيره كالشهادة والقضاء وولاية النكاح والإرث، فلا يُعَلَّل بها شيء من أحكام العتق. نعم، في الثواب والجزاء في الآخرة قد يكون ذلك، فقد روى الترمذي: "مَن أعتق عبدًا مُسلِمًا أعتقه الله مِن النار، وَمن أعتق أَمَتين مُسْلمتين أعتقه الله من النار" (٢). ثالثها: أن لا تظهر مناسبة في وصف؛ فيكفي ذلك في إلغائه، ويكفي قول المستدل: بحثتُ، فلم أجد له مناسبة للحكم. فإنْ قال المعترِض مِثله في الوصف [المنفي] (٣) أنه بحث فلم يجد له مناسبة، تَعارضَا،

стр. 1941

وليس للمستدِل بيان مناسبته؛ لأنه انتقال في الاستدلال على العِلية مِن السبر إلى المناسبة. إنما طريقه أن يأتي بمرجِّح لِسَبْرِه على سَبْر المعترِض، كأنْ يُبيِّن أنَّ سبره موافِق لتعدية الحكم، وسَبْر المعترض قاصر. وهو مبني على المختار في ترجيح المتعدية على القاصرة. والله أعلم. كل: ٨١٣ - وَالْخَامِسُ: الْمَعْرُوفُ بِـ "الْمُنَاسَبَهْ" ... بِأَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ ذَا مُنَاسبَهْ ٨١٤ - مُلَائِمًا فِعْلَ ذَوِي الْعُقُولِ ... عَلَى الَّذِي يُذْكَرُ في التَّفْصِيلِ ٨١٥ - وَبِـ "إخَالَةٍ" يُسَمَّى، وَكَذَا ... ذَلِكَ الِاسْتِخْرَاجُ "تَخْرِيجًا" إذَا ٨١٦ - تُضِيفُهُ إلَى "الْمَنَاطِ"، وَهْوَ أَنْ ... يُعَيَّنَ الْوَصْفُ لِتَعْلِيلٍ إذَنْ ٨١٧ - مَعْ كَوْنِ الَاصْلِ نَفْيَ مَا سِوَاهُ ... بِشَرْطِ الِاقْتِرَانِ إذْ يَغْشَاهُ ٨١٨ - كَذَا خُلُوّهُ عَنِ الْقَوَادِحِ ... إنْ لَمْ يُجبْ عَنْهَا بِرَدٍّ صَالِحِ الشرح: الخامس مِن الطرق الدالة على العلية: "المناسبة"، ويقال له: "الإخالة" وهو أن يكون الأصل مشتملًا على وصف مناسب للحكم، فيحكم العقل -بوجود تلك المناسبة- أنَّ ذلك الوصف هو عِلة الحكم. والمراد بالمناسبة في قولي: (ذَا مُنَاسَبَهْ) المناسبة اللغوية، بخلاف المعَرِّف وهو المناسبة فإنها بالمعنى الاصطلاحي؛ حتى لا يكون تعريفًا للشيء بنفسه. فحينئذٍ الوصف المناسب الأَرْجَح في تعريفه ما أشرتُ إليه بقولي: (مُلَائِمًا) بالنصب إما "خبرًا" بعد خبرل "كان"، أو "بدلًا" من خبر "كان" وهو: "ذَا مُنَاسَبَهْ". فيقال على هذا التعريف: "المناسب" هو المُلائِم لأفعال العُقَلاء، وهذه الملائَمة تُدْرَك

стр. 1942

بواسطة العادة التي أجراها الله تعالى. وقولي: (عَلَى الَّذِي يُذْكَرُ في التَّفْصِيلِ) أي: على ما سيأتي تفصيله في "الملائمة" أنها إما لجلب مصلحة أو دفع مفسدة، وإما بأنها ضروري أو حاجي أو تحسيني ونحو ذلك مما يأتي موضحًا مفصلًا. وهذا التعريف جارٍ على طريقة مَن [لا] (١) يُعَلِّل أفعال الله بالمصالح، أيْ بمراعاة المصالح للعباد تَفَضُّلًا وإحسانًا، لا لِزُومًا كما تقوله المعتزلة. وعلى هذا يُحمل قول ابن الحاجب في تعريف "المناسب": (إنه وصف ظاهر منضبط يحصل عَقْلًا مِن ترتيب الحكم عليه ما يَصْلُح أن يكون مقصودًا مِن حصول منفعة أو دَفْع مفسد) (٢). فلم يجعله مُحَصِّلًا لذلك، بل إنه بحيث يحصل به ذلك وإنْ لم يذكر في قوله: (يحصل): "بحيث يحصل" كما هي عبارة الآمدي. لكنها مرادهما فيما يظهر؛ لقولهما: (ما يصلح أن يكون مقصودًا)، ولم يقولا: (ما قُصِد به حصول منفعة). ولو لم يحمل كلامهما على ذلك، لَزِم أنْ يَعْتَبِرَا في ماهية "المناسبة" ما هو خارج عنها وهو اقتران الحكم بالوصف، فإنه خارج، بدليل قولنا: (المناسبة مع الاقتران دليل العلة). فالمقارنة قَيْد في اعتبار المناسب عِلة، لا في تحقيق ماهيته. وكذلك ترتيب الحكم على وَفْقه في الشرع زائد على ماهية "المناسب". واحترز بِـ "صلاحية أن يكون مقصودًا" عن: الوصف المستبقى في السبر، والمدار في الدوران، وغير ذلك. وليس هذا مغايرًا للتعريف الأول، بل هو بهذا التقدير يكون بسطًا له وإيضاحًا. وإنْ

стр. 1943

كان في "جمع الجوامع" جعله قولًا مغايِرًا له، ولكن هذا عندي أجود. الثاني مِن التعاريف للمناسب: ما عَرَّف به البيضاوي أنه: ما يجلب للإنسان نفعًا أو يدفع عنه ضررًا. ونحوه عبارة بعضهم: الوصف المُفْضِي إلى ما يجلب للإنسان نفعًا أو يدفع عنه ضررًا. وهو مغايِر للذي قَبْله بأنَّ هذا لم يجعل المقصود في جلب النفع ودفع الضرر نفس الوصف، بل الذي يفضي إليه الوصف، والأول جعله نفس الوصف، وكلاهما على طريقة مَن يُعَلِّل أفعال الله بمراعاة المصالح، أي: بالنسبة للعبد؛ لِتَعَالِي الرب عن الانتفاع والضرر. وهذا بخلاف التعريف المختار كما قررناه، وهو الجاري على قول الأشعري؛ ولهذا الإمام الرازي لَمَّا ذكر هذين التفسيرين أشار إلى مَا قُلناه مِن اختلافهما باختلاف قَوْلَي الناس في تعليل أفعال الله تعالى. الثالث: قول أبي زيد الدبوسي مِن الحنفية: إنَّ المناسب ما لو عُرض على العقول لَتَلَقَّتْهُ بالقبول. قال صاحب "البديع": (وهو أقرب إلى اللغة) (١). وبُنِيَ عليه الاحتجاج به على العلة في مقام المناظرة دون مقام النظر؛ لإمكان أن يقول الخصم: هذا لا يتلقاه عقلي بالقبول وليس الاحتجاج عَلَيَّ بِتَلَقِّي عقل غيري له بِأَوْلَى مِن الاحتجاج على ذلك الغَيْر بِعَدَم تَلَقِّي عقلي له بالقبول. ومنهم مَن أجاب عن ذلك بأنه ليس الاعتبار بتلقي عقله ولا عقل مناظره فقط، بل المراد العقول السليمة والطباع المستقيمة إذا عُرِضَ عليها وتلقته، انتهض دليلًا على مُناظِرِه.

стр. 1944

تنبيهات أحدها: قولهم: (وَصْف) جارٍ على الغالب، وإلا فقد سبق أن العلة تكون حُكمًا شرعيًّا وأمرًا عرفيًّا أو لُغويًّا. الثاني: إنَّ مقتضَى ما سبق نقله في تعريف الآمدي وابن الحاجب يقتضي أن الحكمة لا يُعَلَّل بها. ولكن مختارهما أن الحكمة إنِ انضبطت جاز التعليل بها. الثالث: إنَّ حصول الحكم في الوصف المناسب قد يكون: - يقينًا، كالبيع، فإنه إذا كان صحيحًا، حصل منه الملك الذي هو المقصود. - أو ظنًّا، كالقصَاص للانزجار، بدليل وجود الإقدام مع عِلمهم بأنَّ القصَاص مشروع. - وقد يتساوى حصول المقصود وعدم حصوله، فلا يوجد لا قَطْع ولا ظن، بل يكونان متساويين. قال صاحب "البديع": (ولا مثال له على التحقيق) (١). ويقرب منه ما مَثَّل به ابن الحاجب مِن حد شارب المسكر؛ لحفظ العقل، فإنَّ المُقدمين كثير والمجتنبين كثير، فتساوى المقصود وعدمه فيه. وقد يكون عدم حصول المقصود أَرْجَح من حصوله، كنكاح الآيسة لمصلحة التوالد؛ لأنه -مع إمكانه- بعيدٌ عادةً.

стр. 1945

والتعليل في هذين الآخَرين فيه خلاف. فمنهم مَن منع في الأول منهما؛ للتردد بين حصول المقصود وعدمه من غير ترجيح. وفي ثانيهما أيضًا؛ لرجحان نفي المقصود على حصوله. ولكن الأصح -وفاقًا لابن الحاجب وغيره- الجواز؛ فإن السفر مظنة المشقة، وقد اعتُبِرَ وإنِ انتفى الظن في سفر الملك المُتَرفِّه على هيئةٍ لا مشقة فيها بمجرد احتمال المقصود. وقال في "البديع": إن هذين الآخَرين متفق على اعتبارهما إذا كان المقصود ظاهرًا من الوصف في غالب صُوَر الجنس، وإلا فلا. أما إذا كان المقصود فائتًا قطعًا فلا يُعتبر، خلافًا للحنفية، فيلحق عندهم النسب في ولد مَن تزوج وهو بالمشرق امرأة بالمغرب بطريق التوكيل -مع القطع بأنَّ الولد ليس منه؛ وذلك لاقتضاء الزواج ذلك في الأغلب. فعمم ذلك؛ حفظًا للنسب. ومثله في الاستبراء جارية اشتراها بائعُها في المجلس. وجعله في "جمع الجوامع" مما يبعد فيه العلوق منه. وينبغي أن يُقيَّد بأنْ يقارِنه احتمالٌ ما. أما إذا لم يحتمل فهو مِن المقطوع بنفيه كما ذكرناه، وإنما الاستبراء هنا للتعبد. قولي: (وَبِـ "إخَالَةٍ" يُسَمَّى) أي: يقال في "المناسبة" أيضًا: "إخالة"، فَهُمَا اسمان مترادفان. وسُمي "إخالة"؛ لأن ذلك باعتبار النظر إليه يُخال أنه علة، أي: يُظَن. وكذا يسمى ذلك الاستخراج (أيْ: استخراج كون ذلك علة؛ لِمَا فيه مِن المناسبة): "تخريج المناط"، مِن "نَاطَ" أيْ: تعلق. أيْ: خرج ما نِيطَ به الحكم. فالنياط: التعلُّق. و"المناط": هو المُتَعَلَّق، كأنه استخرج مُتَعَلَّق هذا الحكم مِن أوصاف الأصل المَقِيس عليه، فَحَكَم بأنه عِلة.

стр. 1946

وقولي: (وَهْوَ أَنْ يُعَيَّنَ الْوَصْفُ) إلى آخِره -هو تعريف لتخريج "المناط" بأنه تعيين العلة بإبداء مناسبة مع الاقتران والسلامة من القوادح. فمعنى كونه "بإبداء مناسبة" أي: بينها وبين الحكم، فيخرج تعيين العلة بغير ذلك مما سيأتي من الطرد والشبه والدوران وغير ذلك. وقد احترز عن ذلك ابن الحاجب بقوله: (بمجرد إبداء المناسبة من ذاته) (١). أي: من ذات الأصل، أي: لا بنص ولا غيره من إجماع أو غيره مما ذكرنا. وقولي: (مَعْ كَوْنِ الَاصْلِ نَفْيَ مَا سِوَاهُ) أي: لا يتحقق الاستدلال بذلك إلا مع ضميمة أنَّ الأصلَ عدمُ وصفٍ آخَر له مناسبة للحكم. ولا يُكتفَى في ذلك بقول القائس: (بحثتُ فلم أجد) وإلا لزم الاكتفاء بذلك في كل مسألة خلافية، ولا قائل به. بخلاف ما سبق في طريق السبر والتقسيم فإنه يُكتفَى بذلك؛ لأنَّ المدار هناك على الحصر؛ فاكتُفِي فيه ببحثه فلم يجد، وهنا على أنه ظفر بوصف في الأصل مناسب؛ فافترقَا. وقولي: (بِشَرْطِ الِاقْتِرَانِ) إشارة إلى أن الاقتران مُعتبَر في كون المناسب علة، لا في كونه مناسبًا، أي: ليس قَيْدًا في ماهيته. وقد سبقت الإشارة إلى تقرير هذا المعنى. وُيشترط أيضًا في الوصف المناسب الذي يُستخرَج بالاستنباط أن يكون خاليًا عن القوادح. وسيأتي ذكرها مفصلة. نعم، إنْ أتى المعترِض على القائس بقادح في عِلته فطريق تصحيح عِلته أن يُجيب عنه ويردَّه بِرَدٍّ صالح بحيث يصير الوصف سالِمًا عما يقدح. وهو معنى قولي: (إنْ لَمْ يُجِبْ) أَيِ القائس (عنها) أَيْ عن القوادح بِرَدٍّ صالح لِدَفْعِه

стр. 1947

بحيث تَسْلم العِلة. مثال الوصف المناسب الذي استخرجه القائس مِن الأصل وجعله علة للحكم: "الإسكار" في قياس النبيذ على الخمر في التحريم، و"القتل العَمْد المحض العدوان" في القصاص، ونحو ذلك مما استنبطه الأئمة بالنظر والاجتهاد. وهذا هو الذي عَظُم فيه الخلاف بين العلماء، فأهل الظاهر ينكرونه، ومقالتهم في غاية الضعف، حتى أن أصحابها انحطوا بها عن درجة الاعتبار؛ لجمودهم وقصُور أفهامهم عن معاني الشريعة ودقائقها اللطيفة. والله أعلم. ص: ٨١٩ - فَإنْ يَكُنْ خَفِيًّا اوْ لَمْ يَنْضَبِطْ ... عَلِّلْ بِلَازِمٍ لِذَاكَ مُنْضَبِطْ ٨٢٠ - كَسَفَرٍ مَظِنَّةِ الْمَشَقَّةِ ... وَالْوَطْءِ لِلشَّغْلِ الَّذِي في الْعِدَّةِ الشرح: اكتفيتُ بالتنبيه هنا على حُكم ما لو كان الوصف خفيًّا أو غير منضبطٍ عن جعل عدم ذلك شرطا في الوصف المناسب. فلم أَقُل هناك: (أنْ يكون وصفًا ظاهرًا منضبطًا) كما قال ابن الحاجب في تصريحه به. ثم إنه بعد ذلك ذكر ما تحرز به عنه، فقال: (فإنْ كان المذكور خفيًّا أو غير منضبط اعتُبِرَ مُلازمُه وهو المظنة). أي: وهي الوصف الظاهر المنضبط. فيجعل هو العلة يوجد المعلول بوجوده ويُعْدَم بعدمه سواء كانت الملازمة عقلية أم لا. وإنما لم نعتبره لأنه غير معلوم؛ لكونه خفيًّا أو لكونه غير منضبط. فإذا لم يُعْرَف في نفسه فكيف يُعرِّف غيره؟ ! وهو معنى تعليل ابن الحاجب ذلك بقوله: (لأنَّ الغَيْبَ لا يُعَرِّف

стр. 1948

الغيب). وذلك كالسفر لعدم انضباط المشقة التي هي المعنى المناسب لترتُّب [الترخص] (١) عليه، فيناط الترخص بِمُلازِمها وهو السفر. ومثال إقامة المظنة مقام المناسب عند خفائه: شغل الرحم المناسب للعدة؛ حفظًا للنسب، لَمَّا لم ينضبط، أُنِيطَ بالوطء الذي هو وصف ظاهر منضبط، حتى لو تحققت البراءة لرحمها، تَعْتَد. قال الغزالي في "الوسيط" في "أول العدد": (ومقصود هذه العدة براءة الرحم، ولكن يُكتفى بسبب الشغل ولا يُشترط عينه؛ لأنَّ ذلك خفي لا يُطَّلَع عليه؛ فلذلك تجب العِدة بوطء الصبي بمجرد تغييب الحشفة. وحيث علق طلاقها بيقين براءة الرحم. ومن دَأْب الشرع في مظان التباس المعاني المقصودة رَبْط الأحكام بالأسباب الظاهرة، كما علق البلوغ بالاحتلام والسن؛ لخفاء العقل. وعلق الإسلام بكلمتي الشهادة مع الإكراه؛ لخفاء العقيدة). انتهى وهو معنى قولي: (وَالْوَطْءِ لِلشَّغْلِ الَّذِي في الْعِدَّةِ). والله أعلم. ص: ٨٢١ - ثُمَّ: الْمُنَاسِبُ الَّذِي تَقَدَّمَا ... هُوَ ضَرُورِيٌّ، فَحَاجِيٌّ، فَمَا ٨٢٢ - بَعْدَهُمَا يُعْرَفُ بِـ "التَّحْسِيني" ... فَأَوَّلٌ مِنْهَا [لِحِفْظِ] (٢) الدِّينِ ٨٢٣ - فَالنَّفْسِ، فَالْعَقْلِ، فَبَعْدَهُ النَّسَبْ ... فَالْمَالُ، فَالْعِرْضُ، فَحَقِّقِ الرُّتَبْ الشرح: لما ذكرت في تعريف "المناسب" أنه الملائم لفعل ذوى العقول وفي معنى ذلك

стр. 1949

ما نقلته في الشرح من التعاريف، بينتُ هنا ما أشير إليه في جميع ذلك من وجه الملائمة والمناسبة أنها لا تخلو عن ثلاثة أمور مرتبة في الملائمة: الضروري، ثم الحاجي، ثم التحسيني؛ لأنها إما في محل الضرورة أو في محل الحاجة أو لا في محلهما ولكن في محل الاستحسان في مطرد العادات. فأما "الضروري": فهو الذي يكون في محل ضرورة العباد لا بُدَّ منه، وذلك خمسة أنواع، وهي المقاصد التي اتفق الملل في حفظها، وهي: الدِّين، فالنفْس، فالعقل، فالمال، فالنَّسَب. فحِفظ الدِّين بقتال الكفار، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]، وقال النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" (١)، وقال: "مَن بَدَّل دِينه فاقتلوه" (٢). وحِفظ النفس بمشروعية القصاص، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة ١٧٩]. وحِفظ العقل بتحريم المسكرات ونحوها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَا﴾ [المائدة: ٩١] الآية. وحِفظ المال بقطع السارق وتضمينه وتضمين الغاصب، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. والنَّسب بوجوب حَد الزاني، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] الآية. وقد أشير إلى خمسة بقوله تعالى: ﴿لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا

стр. 1950

يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾ [الممتحنة: ١٢]. أربعة مِن الخمسة التي ذكرت، إذْ لا تَعَرُّض فيه لحفظ العقول، وواحد آخَر تصير به المقاصد ستة وهو العِرْض. وفي "الصحيحين " أنه ﷺ قال في خطبته في حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" (١) الحديث. والأخبار فيه كثيرة وأحكام حِفظه شهيرة في الشرع، فهو من الضروريات المعلومة من الدِّين، وحِفظه بحد القذف. أما [مرتبته] (٢) فيحتمل أن يكون في رُتبة الأموال، فيكون مِن أدنى الكليات، فإن [ترتيبها] (٣) كما ذكرناه متعاطفة بـ "الفاء". ويحتمل أنْ لا يُجعل مِن الكليات، فيكون ملحقًا بها، ويحتمل أن يفصل في ذلك. قيل: وهو الظاهر، لأنَّ الأعراض تتفاوت، فمنها ما هو من الكُليات وهي الأنساب، وهي أرفع مِن الأموال؛ فإن حِفظ النسب بتحريم الزنا تارة وبتحريم القذف المؤدِّي إلى الشك في أنساب الخلْق وبسبتهم إلى غير آبائهم تارة. وتحريم الأنساب مُقدَّم على الأموال. ومنها ما هو دونها، وهو ما يكون مِن الأعراض غير الأنساب. وبالجملة فلا ينبغي إهمال الأعراض مِن الكُليات؛ فلذلك ذكرته في النَّظم تبعًا لـ "جمع الجوامع" وعطفته بالواو على الأموال على ما يتبادر للذهن من الاحتمالات السابقة وهو أنه في رُتبة أدناها وهو الأموال. والله أعلم.

стр. 1951

ص: ٨٢٤ - وَمُكْمِلٌ لِذَا يَكُونُ لِاحِقَا ... بِهِ، كمُسْكِرٍ قَلِيلٍ وَافَقَا ٨٢٥ - كَثِيرَهُ في الْحَدِّ، أَمَّا الْحَاجِي ... فَنَحْوُ بَيْع في سِوَى الْمُحْتَاجِ ٨٢٦ - فَإنَّ ذَا يلْحَقُ بِالضَّرُورِي ... وَذَا كَالِاسْتِئْجَارِ لِلصَّغِير ٨٢٧ - في أَنْ يُرَبَّى، وِبهَذَا مُكْمِل ... مِثْلُ خِيَارِ الْبَيْعِ حِينَ يَحْصُلُ الشرح: أي: ويلحق بالضروري مُكَمِّلُه في حُكمه. ومعنى كونه مُكملًا له أنه لا يستقل ضروريًّا بنفسه بل بطريق الانضمام، فله تأثير فيه لكن لا بنفسه، فيكون في حكم الضرورة مبالغةً في مراعاته. كالمبالغة في حفظ الدين بتحريم البدعة وعقوبة المبتدع الداعي إليها، والمبالغة في حفظ النفس بإجراء القصاص في الجراحات، والمبالغة في حفظ العقل بتحريم شرب قليل المسكر والحد عليه؛ وذلك لأنَّ الكثير السكر مفسد للعقل، ولا يحصل إلَّا بإفساد كل واحد مِن أجزائه، فَحُدَّ شارب القليل؛ لأنَّ القليل متلف لجزء من العقل وإنْ قَل. وكذلك المبالغة في حفظ المال والعِرض بتعزير الغاصب ونحوه، وتعزير الساب بغير القذف، ونحو ذلك. والمبالغة في حفظ النسب بتحريم النظر والمس والتعزير عليه. وقد نبه الشارع على إلحاق ذلك بقوله ﷺ : "كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه". ثم قال: "ألا وإن حمَى الله محارمه" (١).

стр. 1952

وقولي: (أَمَّا الْحَاجِي) بيان للقسم الثاني وهو الذي لا يكون في محل الضرورة بل في محل الحاجة. ويقال له أيضًا: "المصلحي" كما عبر بذلك البيضاوي، كالبيع والإجارة؛ لأنَّ مالك الشيء قد يُضَر بإعارته؛ ولذلك قال إمام الحرمين: (إنَّ مَن زعم أنَّ الإجارة خارجة عن مقتضَى القياس فليس على بصيرة؛ لأنَّ الحاجة أصل). وكالمساقاة والقراض؛ لأنه ليس كل أحد يَعرف عمل الأشجار ولا التجارة، أو لاشتغال الملاك بأهم من ذلك. ومن ذلك أيضًا: نَصْبُ الولي [للصغير] (١)، فإنَّ مصالح النكاح غير ضرورية ولكن واقعة في محل الحاجة، فإنها داعية إلى الكُفْء الموافق، وهو لا يوجد في كل وقت، فكل هذه لا يَلْزَم مِن فواتها فوات الشيء من الضروريات الخمس. وادَّعَى إمام الحرمين أن البيع ضروري، ولعله أراد ما كَثُرت شدة الحاجة إليه بحيث صار كالضروري؛ لأنَّ الناس لو لم يتبادلوا ما بأيديهم لَجَرَّ ذلك ضرورة. وقولي: (في سِوَى الْمُحْتَاجِ) إلى آخِره أي: إنما يكون البيع حاجيًّا في غير هذه الصورة، فإنها من الضروريات، كالإجارة على تربية الطفل وشراء المطعوم والملبوس له حيث كان في معرض التلف من الجوع والبرد. وحاصله أن الحاجي يتفاوت، حتى أن بعضه ينتهي إلى رتبة الضروري؛ لشدة الاحتياج، وهو نادر كما في هذه الصورة. وإنما لم يكن هذا من الضروري نفسه لإمكان حصول المقصود بوضع اليد قهرًا عند خوف الهلاك وغرم قيمته، كواجد طعام الغير في المخمصة. وقولي: (وِلهَذَا مُكْمِلُ) أي: للحاجي مُكمل مُلْحَق به في تعليله بالحاجة، كرعاية

стр. 1953

الكفاءة ومهر المثل في التزويج، فإنه أفضى إلى دوام النكاح وتكميل مقاصده وإنْ [حصل] (١) أصل الحاجة بدون ذلك. وكذلك إثبات الخيار في البيع بأنواعه؛ لِمَا فيه من التروي وإنْ كان أصل الحاجة حاصلًا بدونه. وقولي: (حِينَ يَحْصُلُ) أي حين يحصل البيع، فإنه حينئذٍ سبب الخيار كما هو مُقَرر موضح في الفقه. والله أعلم. ص: ٨٢٨ - ثُمَّ: الَّذِي يُعْرَفُ بِالتَّحْسِيني ... مَا لَا يُنَافِي قَاعِدَاتِ الدِّينِ ٨٢٩ - كَالسَّلْبِ في أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَهْ ... مِنَ الرَّقِيقِ؛ لِانْحِطَاط عَادَهْ ٨٣٠ - وَمَا يُنَافِي كَكِتَابَةٍ فَهِيْ ... بَيْعُ امْرِئٍ مَالًا لَهُ بِمَالِه الشرح: القسم الثالث: ما ليس ضروريًّا ولا حاجيًّا ولكنه في محل التحسين، وذلك ضربان: أحدهما: ما ليس فيه منافاة لقاعدة من قواعد الشرع، وإليه الإشارة بقولي (من قَاعِدَاتِ الدَّينِ) أي: لا تعارضه قاعدة شرعية، كسلب الرقيق أَهْلِيَّة الشهادة؛ لانحطاطه في محاسن العادات عن المناصب الشريفة من قضاءٍ وولايةٍ وشهادةٍ ونحو ذلك. نعم، سلب الولاية عنه من الحاجي؛ لأنها تستدعي فراغًا، والرقيق مستغرق في خدمة السيد، فتفويض أمر الطفل ونحوه إليه إضرار بذلك. وأما روايته وفتواه فإنما جازَا منه؛ لعدم الضرر بما يترتب عليهما؛ فلذلك فارقَا الشهادة

стр. 1954

والقضاء والولاية. ومن ذلك أيضًا اعتبار الولي في النكاح؛ لاستحياء النساء من مباشرة العقود على فروجهن؛ لإشعاره بتوقان نفوسهن إلى الرجال، وهو غير لائق بالمروءة. وكذلك اعتبار الشهادة في النكاح؛ لتعظيم شأنه وتميزه عن السفاح بالإعلان والإظهار؛ ولذلك اكتفى مالك [بالإعلان] (١) دون الشهادة. ولو علل بإثباته عند التنازع لكان حاجيًّا، لا تحسينيًّا، كما لو عُلِّل اعتبار الولي بفتور رأي المرأة في الانقياد للأزواج وسرعة الاغترار بالظواهر لَكان حاجيًّا. ولكن لا يصح التعليل بذلك في سلب عبارتها وفي نكاح الكفء. ومن ذلك أيضًا: تحريم القاذورات، فإن نفرة الطباع معنى يناسب تحريمها حتى يحرم التضمخ بالنجاسة بلا عُذر، ولبس جلد الميتة ونحو ذلك. الثاني من التحسين: ما ينافي قاعدة شرعية، كالكتابة، فإنها مِن حيث كونها [مكرمة] (٢) في العادة مُستحسنة احتمل الشرع فيها خرم قاعدة ممهدة وهي امتناع بَيعْ الإنسان مال نفسه بمال نفسه ومعاملة عبده. ومِن ثَمَّ لم تجب الكتابة عند المعظم. وفي قول حكاه صاحب "التقريب": إنها تجب إذا طلبها العبد وعَلِم السيد فيه خيرًا؛ عملا بالأمر الوارد في الإيجاب. والمعظم حملوه على الندب؛ لِمَا تقدم من المعنى.

стр. 1955

تنبيهات الأول: هذا المذكور في الأقسام الثلاثة إنما هو في المناسب الدنيوي، أما الأخروي فكتزكية النفس ورياضتها وتهذيب الأخلاق المؤدي إلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي المتوصَّل بذلك إلى رضَا الرب . وربما كان متعلقًا بالدارين، كإيجاب الكفارات، فإنها يحصل بها الزجر عن تَعاطي تلك الأفعال التي أوجبت التكفير، ووسيلة إلى تكفير الذنوب التي قد حصلت بفعلها. الثاني: مِن الأمور ما يظهر رَدُّه إلى نوع مِن الأنواع المذكورة، كوجوب القصاص بالمثقل، فإنَّ ردَّه إلى الضروريات ظاهر؛ وذلك لما فيه من حفظ النفوس، وإلا لَبَادَرَ الناس إلى القتل به، بل هو أَيْسَر مِن المحدد؛ لِغَلَبَةِ وجوده. ومنها ما يظهر أنه ليس منه، كغرز الإبرة في غير مقتل بلا ألم ولا ورم، وكإبانة فلقة من اللحم خفيفة، فيظهر أن لا يُعَلَّل به وجوب قصاص؛ إذ ليس هو من رعاية المصالح الضرورية؛ لأنه لا يُفْضِي للهلاك إلا نادرًا. ومنها ما يحتمل أنه منه وأن لا يكون منه، كإيجاب القصاص على الجماعة بقتل الواحد، فإنه يحتمل أن يكون من الضروري؛ لئلَّا يؤدي إلى أنَّ مَن يريد قَتْل شخص، لا ينفرد به، بل يستعين بمن يشاركه. ويحتمل أن لا يكون منه؛ لاحتمال أنْ لا يوافقه مَن يريد مشاركته. وجمن هنا تعرف مدارك الفقه في هذه الصوَر. الثالث: هذا كله إذا كان الوصف المناسب حقيقيًّا، لكنه قد يكون إقناعيًّا، وهو ما يظن مناسبته في بادئ الرأْي، وعندما يُبحث فيه حَق البحث يظهر خلاف ذلك، كتعليل بعض الأصحاب تحريم بيع الخمر والميتة بنجاستهما، وقياس الكلب والسرجين عليهما.

стр. 1956

قال: لأن كونه نَجسًا يناسب إذلاله، وكونه يُقابَل في البيع بِعوَض يقتضي إعزازه، والجمع بينهما متعذر. فهذا وإنْ تُخيِّلَت مناسبته أولًا لكن يتبين خلاف ذلك؛ إذِ المَعْنِي بكونه نجسًا مَنعْ الصلاة معه، فإنَّ ذلك مِن جُملة أحكام النجس، وحينئذٍ فالتعليل بكون النجاسة تناسب الإذلال ليس بإقناعي. نعم، قد يمثَّل له بمن وكّل في شراء عبد من عبدين أو ثلاثة فإنه يصح؛ لأنه غرر قليل تدعو الحاجة إليه، فَأَشْبَه خيار الثلاث، فإن الرؤساء لا يحضرون الأسواق لاختيار المبيع، فيشتري الوكيل واحدًا مِن ثلاثة، ويختار الموكل ما شاء. فهذا وإنْ تُخيِّلَت مناسبته أولًا فعند التأمل يظهر أنه غير مناسب؛ لأنه يمكن أن يشتري ثلاثة في ثلاثة عقود بشرط الخيار، فيختار الموكل منها ما يريد. والله أعلم. ص: ٨٣١ - فَإنْ يَكُنْ مُنَاسِبٌ قَدِ [اعْتُبرْ] (١) ... بِنَصٍّ اوْ إجْمَاعِهِمْ حَيْثُ أُثِرْ ٨٣٢ - في عَيْنِ حُكْمٍ عَيْنُ وَصْفٍ، [سَمِّ] (٢) ... "مُؤثّرا"، وَغَيْرَهُ في الرَّسْمِ ٨٣٣ - "مُلَاِئمًا"، أَمَّا الَّذِى لَمْ يُعْتَبر ... وَجَاءَ بِالْإلْغَا دَلِيلٌ مُعْتَبَرْ ٨٣٤ - فَلَيْسَ عِلَّةً، وَمَا لَا يُلْغَى ... فَذَاكَ "مُرْسَلٌ" يَكُونُ مُلْغَى الشرح: لا بُدَّ في كون الوصف المناسب المعلَّل به [معتبَرًا] (٣) أنْ يُعْلَم مِن [الشارع] (٤)

стр. 1957

التفات إليه، ويظهر ذلك بتقسيم المناسب. وهو ينقسم إلى: مُؤَثِّر، وملائِم، وغريب، ومُلْغًى، ومُرْسَل. لأنه إما أنْ يُعْلَم أن الشرع اعتبره، أو يُعْلم أنه ألغاه، أو لا يُعلم أنه اعتبره ولا ألغاه. والمراد بالعِلم هنا ما هو أعم مِن اليقين والظن، وذلك إما بالنص أو الإجماع. والمراد بِ "اعتبار الشرع" أنْ يورد الفروع على وَفْقه، لا أنْ يَنُصَّ على العلة أو يُومئ إليها، هالا لم تكن العِلية مستفادة بالمناسبة. فإنْ عُلم أن الشارع اعتبره، فهو على أربعة أقسام: - إما أنْ يُعْلَم بالنص أو بالإجماع أنه اعتبر عَيْن الوصف في عَيْن الحكم (والمراد بِالعَيْن: النوع، لا المشخص مِن النوع). - أو أنه اعتبر عَيْن الوصف في جِنس الحكم. - أوجنس الوصف في عَيْن الحكم. - أو جنسه في جنسه. فالأول - وهو ما اعتبر نوعه في نوعه - إنِ اعتبر مع ذلك جنسه في جنسه، سُمِّي "المُؤَثِّر"؛ لحصول التأثير فيه عيْنًا وجنسًا، هالا فيُسمى "الغريب". ولم أتعرض له في النَّظم؛ لأنه لا يُعَلَّل به اتفاقًا. وأما الثلاثة الأخرى فتسمى "الملائم"؛ لكونها موافقة لِمَا اعتبره الشرع. أي: [ما] (١) دل عليه النص أو الإجماع. أي: دل على إيراد الفروع على وَفْق ذلك، لا النص أو الإجماع أنَّ هذا عِلةُ هذا، فإن ذلك ليس مِن المناسبة كما سبق تقريره.

стр. 1958

أما لو دَلَّ على الاعتبار بمعنى الموافقة والإيماء والتنبيه ففيه خلاف: هل هو من المؤثر؟ أو من الملائم؟ حكاه الهندي. وأما ما عُلم أن الشرع ألغاه فهو مُلْغًى بلا خلاف. وما لم يُعْلم هل اعتبره الشرع؟ أو لا؟ هو المسمى بـ "المُرْسَل". وقبل الكلام على هذه الأقسام وأمثلتها نقول: كُل مِن الوصف والحكم نوع، وما هو أَعَم منه جِنس، وله مراتب: عالٍ، وسافل، ومتوسط. والعبرة دائمًا بالأسفل القريب مِن العَين في الوصف وفي الحكم. فأعم الأوصاف وصف يُناط به الحكم، ثم كونه مناسبًا، ثم كونه -مثلًا- ضروريًّا، ثم كونه لحفظ النفوس. وأَعَم أجناس الحكم كَوْنه حُكمًا شرعيًّا، ثم كونه واجبًا، ثم كونه عبادة، ثم كونه صلاة، ثم كونه ظهرًا. إذا عُلِم ذلك: فمثال "المؤثر" الذي دل على اعتبار عين الوصف [فيه] (١) في عين الحكم: نفس السُّكْر عِلة للتحريم في الخمر، اعتبر عَيْنه في عَين الحكم وهو التحريم حيث حرم الخمر، فيلحق به النبيذ. ونحوه: مَس الذكر، اعتبر عينه في عين الحكم، وهو الحدث؛ لحديث: "مَن مس ذكره فليتوضأ" (٢).

стр. 1959

ومثال "الغريب" -وسمي بذلك لأنه لم يشهد له غير أصله بالاعتبار- الطعم في الربا، فإنَّ نوع الطعم مؤثِّر في حُرمة الربا، وليس جنسه مؤثرًا في جنسه. وأما الثلاثة الأخرى فتسمَّى الملائم؛ لكونها موافقة لِمَا اعتبره الشرع. فمثال ما اعتبر الشرع عَيْن الوصف فى جنس الحكم: امتزاج النسبين في الأخ مِن الأبوين، اعتُبِر في تقديمه على الأخ مِن الأب في الإرث، وقِسْنَا عليه تقديمه عليه في ولاية النكاح وفي الصلاة ونحوها في الميت وتحمُّل العقل وغير ذلك من الأحكام، فإنه وإنْ لم يعتبره الشرع في عَيْن هذه الأحكام لكن اعتبره في جنسها وهو التقدُّم في الجملة. ومثال ما اعتُبر فيه جنس الوصف فى عين الحكم: المشقة المشتركة بين الحائض والمسافر في سقوط القضاء، فإن الشارع اعتبرها في عَيْن سقوط القضاء في الركعتين من الرباعية، فسقط بها القضاء في صلاة الحائض؛ قياسًا. وإنما جُعِل الوصف هنا جنسًا والإسقاط نوعًا؛ لأنَّ مشقة السفر نوع مخالف لمشقة الحيض، وأمَّا السقوط فأمر واحد وإنِ اختلفت محالّه. ومثال ما اعتُبر فيه جنس الوصف فى جنس الحكم: ما رُوي عن علي ﵁ في شارب الخمر أنه: "إذا شرب هَذَى (١)، وإذا هَذَى افترى؛ فيكون عليه حد المفتري". أي: القاذف. ووافقه الصحابة عليه، فقد أوجبوا حد القذف على الشارب لا لكونه شرب، بل لكون الشرب مظنة القذف، فأقاموه مقام القذف؛ قياسًا على إقامة الخلوة بالأجنبية مقام الوطء في التحريم؛ لكون الخلوة مظنة له. فظهر أن الشارع إنما اعتبر المظنة (التي هي جنس لمظنة الوطء ومظنة القذف) في الحكم (الذي هو جنس لإيجاب حد القذف وحرمة الوطء).

стр. 1960

وبهذا يظهر الجواب عما ذكر فيه مِن إشكال مِن حيث إنَّ تفريع مظنة القذف على مظنة الوطء حقه أنْ يتساويا في الحد كما تَساويَا في التحريم؛ لأنَّ الوفاء بإقامة المظنة مقام المظنون أن يوجَب الحد بالخلوة، ولا قائل به. فصار في جعل الشرب مظنة القذف زيادة وجوب عقوبة ليست موجودة في الأصل الذي هو إلحاق الخلوة بالوطء؛ لأنَّ ذلك إنما هو في الحرمة فقط. فيقال في جوابه: إنما أخذنا باعتبار الشرع الجنس في جنس الحكم، وجنس الحكم يشمل التحريم والعقوبة وإن تَغايرَا؛ إذ لو اتحد في الموضعين لكان مِن اعتبار الجنس في العين. فَتَأَمَّله. واعلم أن المراد بالجنس دائمًا هو القريب، لا البعيد. وأعلى هذه الثلاثة ما أثَّر عين الوصف في جنس الحكم؛ لأنَّ الإبهام في العلة أكثر محذورًا من الإبهام في المعلول، ثم عكسه، ثم الجنس في الجنس. وأقسام "الملائم" كلها يسوغ التعليل بها عند الجمهور؛ لأنَّ الله تعالى شَرَّعَ أحكامه لمصالح العباد، وعُلِم ذلك بطريق الاستقراء، وذلك من فضل الله تعالى وإحسانه، لا بطريق الوجوب عليه، خلافًا للمعتزلة. فإذا وُجِد وصفٌ صالح للعِلية وقد اعتبره الشرع بوجْهٍ مِن الوجوه السابقة، غلب على الظن أنه عِلة للحكم. وأما "المُلْغَى": وهو الذي عُلِم أن الشارع ألغاه مع أنه مُتَخيَّل المناسبة فلا خلاف في أنه لا يجوز التعليل به. وذلك كإيجاب صوم الشهرين ابتداء على المجامِع في نهار رمضان إذا كان مَلِكًا؛ لأنَّ العتق سهل عليه، فلا يُرْدِعُه عَمَّا وقع منه إلا الصوم شهرين؛ ولهذا أنكروا على يحيى بن يحيى بن كثير الليثي - صاحب مالك - إمام أهل الأندلس حيث أفتى بعض

стр. 1961

ملوك المغاربة بذلك وهو الأمير عبد الرحمن بن الحكم الأُموي المعروف بِـ "الرَّبَضِي" (١) صاحب الأندلس، وكان قد نظر في رمضان إلى جارية له كان يحبها حبًّا شديدًا، فعبث بها ولم يملك نفسه أنْ وقع عليها، ثم ندم ندمًا شديدًا، فسأل الفقهاء عن توبته وكفارته، فقال له يحى بن يحمى: تصوم شهرين متتابعين. فلمَّا بَدر يحيى سكت بقية الفقهاء حتى خرجوا من عنده، فقالوا ليحيى: ما لك لم تُفْتِه بمذهب مالك وهو التخيير بين العتق والإطعام والصيام؛ فقال: لو فتحنا له هذا الباب سَهُل عليه أنْ يَطأ كل يوم ويعتق رقبة، ولكن حَملْتُه على أصعب الأمور؛ لئلَّا يَعُود. وأما "المرسل": فهو ما لم يُعْلم أن الشرع ألغاه أو اعتبره. وربما سمي ذلك: "المصالح المرسلة". والخلاف فيها محكي عن مالك. وفي كلام ابن الحاجب ما يقتضي انقسام "المرسل" إلى مُرْسَل ملائم ومرسل غريب. أي: إنِ اعتُبر جنسه البعيد في جنس الحكم فهو الملائم، وإلا فهو "الغريب". فالغريب بهذا التفسير غير الغريب بالتفسير السابق. قال ابن الحاجب: (فإنْ كان - أيِ المرسل - غريبًا أو ثبت إلغاؤه فمردود اتفاقًا) (٢). أي: ولأ يُظَن بمالك أن يخالف فيه. قال إمام الحرمين: (لا نرى التعلُّق عندنا بكل مصلحة، ومَن ظن ذلك بمالك فقد أخطأ) (٣). انتهى نعم، سبق أن ما ثبت إلغاؤه قَسِيم للمرسل، لا قِسم منه، ولا مشاححة في الاصطلاح.

стр. 1962

ثم قال (١): (وإن كان ملائمًا - أيْ مُرْسَلاً ملائمًا - فقد صرح الإمام والغزالي بقبوله، وذُكِر عن مالك والشافعي) (٢). وانتُقِد عليه في نقله عن الشافعي ذلك؛ فإنَّ الذي يعتبره الشافعي إنما هو الذي شهد الشرع باعتباره كما سبق، وبأنَّ الإمام والغزالي لا يُطْلِقان، كما قد صح عن مالك أنه يعتبر جنس المصالح مطلقًا. ثم قال ابن الحاجب: (المختار ردُّه). أيْ: كما هو مذهب الأكثر. وحاصل ما في المرسل مِن الخلاف مذاهب: أحدها: المنع مطلقًا، وعليه الأكثرون. وإليه أشرتُ بقولي: (فَذَاكَ "مُرْسَلٌ" يَكُونُ مُلْغَى). ويقابل هذا المذهب الثاني: وهو القبول مطلقًا؛ لإفادته ظن العِلية. وهو المنقول عن مالك، وسبق مخالفة ابن الحاجب والأكثرين له. وبالغ إمام الحرمين في الرد عليه، وقال: (الذي ننكره مِن مذهب مالك تركه رعاية ذلك، وجريانه على استرساله في الاستصواب مِن غير اقتصاد) (٣). قال: (ونحن نعرض على مالك واقعة وقعت نادرة لا يُعْهَد مِثلها، ونقول له: لو رأى ذو نظر فيها جدع أنف أو اصطلام شفة، وأبدى رأيًا لا تنكره العقول صائرًا إلى أن العقوبة شُرعت لحسم الفواحش، وهذه العقوبة لائقة بهذه النازلة، لَلَزِمَكَ التزام هذا؛ لأنك تُجَوِّز

стр. 1963

لأصحاب [الإيالات] (١) القتل في التُّهَم العظيمة، حتى نَقل عنك الثقات أنك قلت: "أقتل ثلث الأُمة في استبقاء ثلثيها"). قال: (ثم إنَّا نقول له ثانيًا: لا يجوز التعلق بكل رأي. فإنْ أبَى ذلك، لم نجد مرجعًا نقر [عنده] (٢) إلا ما ارتضاه الشافعي مِن اعتبار المصالح المشبهة [بما] (٣) عُلِم اعتباره. وإنْ لم يذكر ضابطًا وصرح بأنَّ ما لا نَص فيه ولا أصل له فهو مردود إلى الرأي واستصحاب ذوي العقول، فهذا اقتحام عظيم، وخروج عن الضبط، ومصير إلى إبطال أبَّهة الشريعة، وأنَّ كُلًّا يفعل ما يرى، ثم يختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان وأصناف الخلق، وهو في الحقيقة خروج عما درج عليه الأوَّلون) (٤). انتهى والله أعلم، ثم عرضت بذكر باقي المذاهب في المسألة بقولي: ص: ٨٣٥ - إنْ يَكُنْ في غَيْرِ مَا عِبَادَةْ ... وَلَيْسَ مِنْ هَذَا لِمَنْ أَرَادَهْ ٨٣٦ - مَصْلَحَةٌ قَطْعِيَّة كلِّيَّهْ ... مِنَ الضَّرُورِيِّ؛ فَذِي الْمُضِيَّهْ ٨٣٧ - دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِهَا الدَّلِيلُ ... فَهْيَ مِنَ الْحَقِّ، بِهِ نَقُولُ الشرح: فالمذهب الثالث: التفصيل بين العبادات وغيرها: فما كان من العبادات فلا يجوز التعليل بالمرسل فيه؛ لِمَا فيها من لحاظ التعبد.

стр. 1964

وما كان من غير العبادات كبيع ونكاح وحدود وقصاص فيجوز؛ لأنَّ الملاحظ فيها المناسبات اللائحة في مصالحها. وهذا قول الأبياري شارح "البرهان"، وزعم أنه الذي يقتضيه مذهب مالك. المذهب الرابع: قول الغزالي واختاره البيضاوي: أنه يُعَلَّل به بثلاثة قيود: أن يشتمل ذلك "المناسب المرسل" على مصلحة ضرورية كلية قطعية، فإنْ فات شيء من الثلاثة فلا يعتبر. فالضرورية ما يكون من الضروريات الخمس السابقة، والقطعية ما يُجْزَم بحصول المصلحة فيها، والكُلية ما تكون موجِبة لفائدة تَعُم المسلمين. مثاله: ما لو تَتَرس الكفار حال التحام القتال بأسارى المسلمين وقطعنا بأنَّا إنْ رمينا الترس نقتل مسلمًا بلا جريمة صدرت منه، وإلا فيُقطع باستئصال المسلمين. قال الغزالي: (فحفظ المسلمين أَقْرب إلى مقصود الشرع؛ لانا نقطع بأن الشرع يقصد تقليل القتل كما يقصد حَسْم سبيله عند الإمكان. وإذا لم نَقدر على الحسم فقد قدرنا على التقليل. فليس في معنى اجتماع هذه القيود في هذه الصورة ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم، فإنه لاْ يحل رَمْي الترس؛ إذ لا ضرورة بنا إلى أخذ القلعة. وليس في معنى ذلك جَمْع في سفينة لو طرحوا واحدًا لَنَجوا وإلا غرقوا جميعًا؛ لأنها ليست كُلية؛ إذ يحصل بها هلاك عدد محصور، ولَعَلَّ مصلحة الدِّين في بقاء مَن طُرِح أَعْظم منها في بقاء مَن بقي في مخمصة لو أكلوا واحدًا بالقرعة لنجوا، فلا رخصة فيه. وكذا ليس في معنى ذلك ما إذا لم يُقْطَع بظفرهم، فإنها ليست قطعية، بل ظنية) (١). نعم، قال الغزالي في "المستصفى": (إن الظن القريب مِن القطع كالقطع) (٢).

стр. 1965

وقوَّى هذا السبكي في "شرح البيضاوي"، قال: (وقد حكى الأصحاب في مسألة التترس وجهين من غير تصريح منهم باشتراط القطع، وعللوا وَجْه المنع بأن غاية الأمر أن نخاف على أنفسنا، ودم المسلم لا يباح بالخوف. وهذا تصريح بجريان الخلاف في صورة الخوف ولا قاطع. وقد يقال: إنَّ المسألة في حالة القطع مجزوم باعتبارها، والخلاف إنما هو في حالة الخوف) (١). تنبيهان الأول: هذه المسألة التي فيها القيود الثلاثة زعم الإمام الرازي والآمدي وجمع أنها لا بُدَّ مِن إخراجها من المصالح المرسلة التي يمنعها الشافعي وغيره، فقالوا: إن الشافعي لم يَقُل بالمرسل إلا في هذه المسألة. ولكن الحقّ أن هذه ليست من ذلك أصلًا؛ لأنَّ "المرسَل" هو ما لم يدل دليل على اعتباره ولا إلغائه. وهذه دَلَّ الدليل فيها على الاعتبار؛ لأنَّ الكَف عن دم معصوم قد عارضه أنَّ في الكف عنه إهلاك دماء معصومة لا حَصْر لها، وربما يُسْفك الدم الذي كففنا عنه معهم. ونحن نَعلم أنَّ الشرع يُؤْثِر حِفظ الكُلي على الجزئي، وأنَّ حِفظ أصل الإسلام عن اصطلام الكفار أَهَم في مقصود الشرع؛ فرجعت المصلحة فيه إلى حِفظ مقصود شرعي عُلِم كَوْنه مقصودًا بالنَّص أو بالإجماع، فليس هذا خارجًا مِن الأصول، لكنه لا يسمى "قياسًا" بل "مصلحة مرسلة"؛ إذ القياس إنما يكون على أصل مُعَيَّن، ولكن هذه المعاني لَمَّا كانت مقصودة عُرِفت بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال سُميت "مصلحة مرسلة". قال الغزالى: (وإذا فَسَّرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع، فلا وجه للخلاف
следующие страницы →