← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

من نوادر مخطوطات علم أصول الفقه (٥) الفوائد السنية في شرح الألفية تأليف الحافظ البرماوي شمس الدين محمد بن عبد الدائم (٧٦٣ - ٨٣١ هـ) وهو شرح لألفيته (١٠٣٢ بيتا) في علم أصول الفقه قال عنه: «هذا الكتاب هو جملة ما حصلت في طول عمري». يطبع لأول مرة محققا على ثماني مخطوطات تحقيق الشيخ عبد الله رمضان موسى كلية الشريعة [الجزء الأول]

стр. 2

الطبعة الأولى للكتاب ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م حقوق الطبع والنشر محفوظة كافة على مكتبة التوعية الإسلامية رقم الإيداع بدار الكتب المصرية ٢٣٤٩/ ٢٠١٤ طبعة خاصة لمكتبة النصيحة بإذن الناشر مَكتبة دار النصيحة المملكة العربية السعودية - المدينة النبوية - حي الفيصلية - أمام الباب الجنوبي للجامعة الإسلامية جوال: ٠٠٩٦٦٥٩٥٩٨٢٠٤٦ - ت وفاكس: ٠٠٩٦٦٤٨٤٧٠٧٠٨ البريد الإلكتروني: Daralnasihaa@gmail.com الناشر: مكتبة التوعية الإسلامية للتحقيق والنشر والبحث العلمي هاتف محمول: ٠١١١٨٧٣٧٦٠٥ - ٠١٠٠٥٢٥٥١٤٠ البريد الإلكتروني: EmadSMF@Gmail.Com (أو) Emad_altaw ٣ ia@Hotmail.Com للمراسلات: عماد صابر المرسي ص. ب: ١٧٤ الرقم البريدي: ١٢٥٥٦ بريد الهرم - الجيزة

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدمة المُحَقِّق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين، أَمَّا بَعْد: على الرغم مِن طُول ممارستي لِعِلْم أصول الفقه - دراسةً وتدريسًا - منذ عام ١٩٨٩ م تقريبًا وحتى الآن واطِّلاعي على أكثر مِن مائتي كتاب في هذا العِلم (من المطبوع والمخطوط) إلَّا أنني - لسنوات عديدة - كنتُ أتمنى اقتناء ألفية الإمام شمس الدين البرماوي في أصول الفقه وشَرْحِه لها، ذلك الإمام الأُصولي المُحَقِّق المُدَقِّق الذي وجدتُ كثيرًا مِن علماء أصول الفقه المشهورين يحرصون حرصًا شديدًا على نَقْل أقواله وترجيحاته وتقريراته وتحريراته وتنبيهاته. كَمْ تمنيتُ الحصول على هذا الشرح، هذا الكنز الثمين الذي اغترف منه العديد من أئمة أصول الفقه مِن بَعْده، فَطَال بحثي وسؤالي عنه، ولم يَكُن إلَّا جواب واحد: الكتاب لَمْ يُطْبَع بَعْد! ثُم كان مِن فَضل الله تعالى عَلَيَّ - بعد البحث الشديد في دور المخطوطات وفهارسها في عِدَّة دول ومساعدة الفضلاء - أنْ تمكنتُ مِن الحصول عَلَى: (٨) ثماني مخطوطات للألفية مع شرحها. (٥) خمس مخطوطات لِنَظْم الألفية.

стр. 4

وكان بعضها مِن النُّسَخ النفيسة جدًّا، فمنها ما قُرِئَ على البرماوي وكتب عليها البرماوي بِخَطِّه في مواضع عديدة، ومنها ما كُتب في حياة البرماوي (سنة ٨٣٠ هـ)، وتمت مقابلته على نُسخة المؤلِّف في حياته. وتَعَجَّبْتُ كثيرًا من أنَّ هذه اللؤلؤة المكنونة لم تَظْهَر وتَخْرُج إلى النور حتى الآن، فلم تُطْبَع! فقررتُ الاعتكاف (١)؛ لتحقيقها، والعناية بها، ودراستها، وضَبْط نَصِّها؛ لإخراجها إلى النور بطباعتها، فتتوفر بين أيدي أَهْل العِلم وطَلَبة العِلم الشرعي، خاصةً هؤلاء الذين يَعْلمون عُلُو مكانة الحافظ البرماوي ومكانة ألفِيَّته المشهورة في عِلْم أصول الفقه، فإنهم يَسْعون مُسارعين ويبذلون وُسْعَهم؛ لاقتنائها والفوز بفوائدها. وبمجموع هذه النُّسَخ أَرَى أنني - بفضل الله تعالى - قد قَدَّمْتُ نَصًّا كاملًا على درجة عالية مِن الإتقان مِن ألفية شمس الدين البرماوي في عِلْم أصول الفقه مع شرحه (٢).

стр. 5

ما الذي يتضمنه كتابُنا هذا الذي بين يديك؟ أَلَّف البرماويُّ أوَّلًا "النبذة الزكية في القواعد الأصلية"، ثُم نَظَمها في ألفِيَّته المشهورة "النبذة الألفية في الأصول الفقهية" سَنة ٨١٨ هـ، ثُم شرح الألفية سَنة ٨٢٨ هـ، واسْم الشرح "الفوائد السنية في شرح الألفية"، وقد صَرَّح البرماوي بذلك في آخِر ألفيته وشرحِها. قال حاجي خليفة (١٠٠٤ - ١٠٦٧ هـ) في كتابه "كشف الظنون": ("النبذة الزكية في القواعد الأصلية" .. لشمس الدين محمد بن عبد الدائم البرماوي الشافعي .. ، جمعها خالية عن الخلاف والدليل، ثُم نَظَمَها "أَلْفِيَّة"، وشَرَحَها أيضًا) (١). انتهى وقال كمال الدين ابن أبي شريف (٨٢٢ - ٩٠٦ هـ) في كتابه "الدرر اللوامع في تحرير شرح جمع الجوامع": (المُخَصَّص بِمُعَيَّن حُجة، والمُخَصَّص بِمُبْهَم ليس حُجة .. ، وَعَلَى هَذَا مَشَى الْبِرْمَاوِيُّ فِي "النُّبْذَةِ" وَ"الْأَلْفِيَّةِ" وَشَرْحِهَا) (٢). وقد حَقَّقتُ أوَّلًا نَظْمَ أَلْفِيَّة البرماوي "النبذة الألفية في الأصول الفقهية" وأَصْلَها "النُّبْذة الزكية في القواعد الأصلية" له أيضًا، وطُبِعَا - بفضل الله تعالى - في مجلد واحد، نَشَرتهما مكتبة التوعية الإسلامية لأول مرة في معرض القاهرة الدولي للكتاب في يناير ٢٠١٤ م. وكتابنا هذا - الذي بين يديك - هو الشرح الوافي للبرماوي "الفوائد السنية في شرح الألفية"، يخرج إلى النور مطبوعًا لأول مرة بفضل الله تعالى.

стр. 6

والكلام في هذه المقدمة في مباحث: المبحث الأول: بيان حِرص كثير مِن علماء الأصول على نَقْل أقوال البرماوي وتقريراته. المبحث الثاني: ترجمة الإمام شمس الدين البرماوي، وتوثيق نِسبة الكتاب له. المبحث الثالث: بيان منهج الإمام البرماوي في نَظْمِ الألفية وأَصْلِها وشَرْحِها. المبحث الرابع: تَقَدُّم البرماوي في عِلْم الحديث وأَثَره في شَرْحه لِلْأَلْفِيَّة. المبحث الخامس: تَقَدُّم البرماوي في الفقه وأَثَره في شَرْحه لِلْأَلْفِيَّة. المبحث السادس: مَذْهَب الإمام البرماوي وأَثَره في شَرْحه لِلْأَلْفِيَّة. المبحث السابع: عقيدة البرماوي وأَثَرها في شَرْحه لِلْأَلْفِيَّة. المبحث الثامن: اشتمال شرح البرماوي على فوائد لم يذكرها الزركشي في "البحر". المبحث التاسع: بيان دَرَجة دِقَّة البرماوي في نَقْل كلام غَيْره. المبحث العاشر: بيان حرص البرماوي على أنْ يَقرأ على شيوخه ما كَتَبه أو نَسَخه مِن كُتُبهم ومقابلة نُسخته على أَصلهم، وكذلك كان يُقرأ عليه ما كُتِبَ أو نُسِخ مِن كُتُبه. المبحث الحادي عشر: وصف نُسَخ مخطوطات أَلْفِيَّة البرماوي وأَصْلها وشَرْحِها. المبحث الثاني عشر: ملاحظاتي حول نُسَخ المخطوطات. المبحث الثالث عشر: الجهود السابقة لتحقيق هذه الألفية وشَرْحها. المبحث الرابع عشر: عَمَلِي في الكتاب. المبحث الخامس عشر: تنبيهات مهمة. وفيما يأتي تفصيل ذلك.

стр. 7

المبحث الأول: بيان حِرص كثير مِن علماء الأصول على نَقْل أقوال البرماوي وتقريراته كان يصيبني الملل أحيانًا مِن بعض الكُتُب الأصولية التي لا تكاد تجد فيها تحريرًا لمسألة، وإنما كان مؤلِّفُها مُجَرَّد ناقل عَمَّن سبقوه، فما هي إلَّا تكرار لِمَا في غَيْرها من الكُتُب. وقد استقر في ذهني جَمْعٌ مِن أئمة أصول الفقه - أصحاب التقريرات والتحريرات المفيدة - الذين تمنيتُ كثيرًا اقتناء مؤلَّفاتهم الأصولية. ومِن هؤلاء: شمس الدين البِرْمَاوي؛ فلقد رأيتُ العديد مِن أئمة أصول الفقه يحرصون في مؤلفاتهم على نَقْل أقوال البرماوي وتقريراته وتحريراته مِن أَلْفِيَّته "النبذة الألفية في الأُصول الفقهية" وشَرْحِه لها "الفوائد السنية في شرح الألفية". ومن هؤلاء (على سبيل المثال، لا الحصر): ١ - الإمام علاء الدين المرداوي (٨١٧ - ٨٨٥ هـ): ذكر في مقدمة كتابه "التحبير شرح التحرير" الكُتُب الأصولية التي اعتمد عليها، فذكر منها: "منظومة البرماوي، وشَرْحها". فكان المرداوي - في أكثر من (٤٠٠) أربعمائة موضع - ينقل أقوال البرماوي وتقريراته واختياراته الأصولية، وإليكم بعض عباراته: (صرح بِهَذَا الْبرمَاوِيُّ فِي شرح منظومته، اخْتَارَ الْبرمَاوِيُّ فِي شرح منظومته، قال البرماوي في شرح منظومته، الْبرمَاوِيُّ وَغَيره استدلوا لذَلِك، ذَكَرَه الْبرمَاوِيُّ، حكاه

стр. 8

البرماوي، نقل الْبرمَاوِيُّ عَنهُ، اخْتَارَ هَذَا الْبرمَاوِيُّ، فَجعل الْبرمَاوِيُّ الْمَسْأَلتَيْنِ وَاحِدَة، كَلَام الْبرمَاوِيّ وَغَيره يَقْتَضِي أَنه محَل وفَاق، بَنَى الْبرمَاوِيُّ وَغَيره الْمَسْألَة على .. ، قَطَع بذلك الْبرمَاوِيُّ، حَكَاهُ الْبرمَاوِيُّ عَن أَكثر الحنَفِيَّة، ترْجم الْبرمَاوِيُّ الْمَسْأَلَة بِأَن .. ، تكلم على ذَلِك الْبرمَاوِيُّ وَأطَال، الْبرمَاوِيُّ صحَّح مَا قَالَه ابْن الْعِرَاقِيّ وَغَيره، ذكر هَذِه الْأَقْوَال الْبرمَاوِيُّ، عَلَّلَ ذَلِك الْبرمَاوِيُّ، رَدَّه الْبرمَاوِيُّ فقال .. ، ذكر الْبرمَاوِيّ أَحْكَام النِّيَّة واستقصاها فأجاد وَأفَاد). ٢ - شهاب الدين القسطلاني (٨٥١ - ٩٢٣ هـ): اهتم في كتابه "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري" بنقل أقوال شمس الدين البرماوي وتقريراته وتَعَقُّباته، فجاء ذِكْره في ثلاثمائة موضع تقريبًا، وإليكم بعض عباراته: (قال البرماوي في شرح ألفيته، حكاه البرماوي، نقله عنه البرماوي، لكن تَعَقَّبَه البرماوي، قال البرماوي في شرح العمدة، كذا قرره الحافظ ابن حجر والبرماوي، قَرَّرَه البرماوي، كذا ضبطها البرماوي، نَبَّه عليه البرماوي، كذا قدَّره البرماوي، جَوَّز البرماوي، قَوَّى البرماوي، أجاب البرماوي بأن .. ، وَجَّهَه البرماوي، أشار البرماوي، صرّح به البرماوي، قال البرماوي: فيه نظر، صَوَّب البرماوي الأُولى، زاد البرماوي). ٣ - زين الدين زكريا الأنصاري (٨٢٤ - ٩٢٦ هـ): على الرغم مِن صِغَر كتابه "غاية الوصول في شرح لب الأصول" إلَّا أنه ذكر البرماوي في أكثر مِن (٢٠) عشرين موضعًا، وإليكم بعض عباراته: (قرره شيخُنا العلَّامة الجلال المحلي بما لا مزيد عليه واستبعده أيضًا شيخُه العلَّامة الشمس البرماوي، أفردتهما تبعًا للعلَّامة البرماوي، قال البرماوي، استظهره

стр. 9

البرماوي، نَبَّه على ذلك العلامة البرماوي، به صرح الشمس البرماوي، اعتمده السبكي والبرماوي، "هذا تركه البرماوي من ألفيته وذكره في شرحها مع زيادة، ومثَّل له بالآية، ثُم قال .. "، فَرَّق البرماوي بأنَّ .. ، أجاب عنه البرماوي بأنَّ .. ، صَوَّبه البرماويُّ). ٤ - تقي الدين ابن النجار (٨٩٨ - ٩٧٢ هـ): اهتم بِنقل أقوال البرماوي وتحريراته واختياراته وذلك فيما يقارب (١٠٠) مائة موضع من كتابه "شرح الكوكب المنير" في أصول الفقه. ٥ - شهاب الدين الرملي (المتوفى: ٩٥٧ هـ): ذكر البرماوي في فتاويه، فقد جاء في "فتاوى الرملي، ص ١٩٥": (قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّتِهِ ... ). ٦ - شهاب الدين ابن قاسم العبَّادي (المتوفى: ٩٩٢ هـ): ذكر شمس الدين البرماوي في عِدة مواضع مِن كتابه "الآيات البينات على شرح جمع الجوامع": فقال في كتابه هذا (٢/ ٣٢٦): (اقتضاه كلام البرماوي ... ، وحينئذ يندفع عنه اعتراض البرماوي). وقال في (٢/ ٣٤٤): (وبه صرح البرماوي). وقال في (٢/ ٣٧٣): (تبع فيه الشارح شيخه البرماوي في شرح ألفيته). ٧ - زين الدين عبد الرؤف المناوي (٩٥٢ - ١٠٣١ هـ): نقل عن الشمس البرماوي في عِدة مواضع مِن كُتُبه، منها قوله في كتابه "فيض القدير شرح الجامع الصغير": (وهو ما جرى عليه جَمْعٌ منهم البرماوي، قال الكرماني والبرماوي وأبو زرعة، لكن قال البرماوي، تَعَقَّبه البرماوي بأنَّ .. ).

стр. 10

وكذلك قوله في كتابه "اليواقيت والدرر في شرح نخبة ابن حجر، ٢/ ٣٥٨": (وَعَلَيْه جرى الْبرمَاوِيُّ في "نبذته" و"ألفيته"). ٨ - محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (١٠٩٩ - ١١٨٢ هـ): ذكر البرماوي في (١٠) عشرة مواضع من كتابه "إجابة السائل" في أصول الفقه، وإليكم بعض عباراته: ("بلغ بهَا الْفَاضِل الْبرمَاوِيُّ فِي منظومته وَشَرْحهَا إِلَى أَكثر من ثَلَاثِينَ نوعًا وعَدَّ أمثلتها"، "ذهب جمَاعَة من محققي الشَّافِعِيَّة - كالرازي وَأَتْبَاعه والسبكي والبرماوي وَغَيرهم - إِلَى أَنه .. "، "قَالَ الْبرمَاوِيّ: إِنَّ أَرْجَح المْذَاهب هَذَا"، "سَبقه إِلَى هَذَا الْبرمَاوِيُّ فِي شرح منظومته قَائِلًا .. "). وكذلك ذكره في عدة مواضع من كتابه "توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار"، وإليكم بعض عباراته: (ذكر هذا البرماوي في شرح ألفيته في أصول الفقه، ذكره البرماوي في شرح ألفيته في الأصول، قال البرماوي، استدل به البرماوي، حكاه البرماوي). وذكره أيضًا في كتابه "سبل السلام، ٢/ ١١" حيث قال: (وَقَدْ حَقَّقَ الْبِرْمَاوِيُّ الْكَلَامَ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّتِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ).

стр. 11

المبحث الثاني: ترجمة شمس الدين البرماوي، وتوثيق نسبة الكتاب له قال الحافظ تاج الدين ابن الغرابيلي (١) (٧٩٦ - ٨٣٥ هـ) في ترجمة البرماوي: (هو أحد الأئمة الأجلاء .. ، فريد دهره، ووحيد عصره، ما رأيت أَقْعَد منه بفنون العلوم .. ، وصَنَّف التصانيف المفيدة، منها: "شرح البخاري" شرح حسن، ولَخَّص "المهمات" و"التوشيح"، ونَظَم "ألفية" في أصول الفقه لم يُسبق إلى مِثل وَضْعها، وشَرَحها شرحًا حافلًا نحو مجلدين، وكان يقول: "أكثر هذا الكتاب هو جُملة ما حَصَّلْتُ في طول عُمري". وشرح "لامية ابن مالك" شرحًا في غاية الجودة، .. وَحَشى الحواشي المفيدة،

стр. 12

وعلَّق التعاليق النّفيسة والفتاوي العجيبة، وكان من عجائب دهره) (١). وقال تقي الدين ابن قاضي شهبة (٧٧٩ - ٨٥١ هـ) في كتابه "طبقات الشافعية": (مُحَمَّد بن عبد الدَّائِم بن مُوسَى: الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم المفنن شمس الدِّين أَبُو عبد الله، الْعَسْقَلَانِي الأَصْل، الْبرمَاوِيّ، الْمصْرِيّ، مولده فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَسِتِّين وَسَبْعمائة. وَأَخَذَ عَن: الشَّيْخ سراج الدِّين البُلْقِينِي، وَالشَّيْخ سراج الدِّين ابْن الملقن، وَالشَّيْخ زين الدِّين الْعِرَاقِيّ، وَالشَّيْخ عز الدِّين ابْن جمَاعَة، ومجد الدِّين الْبرمَاوِيّ، وَالْقَاضِي بدر الدِّين ابْن أبي الْبقاء .. تميز فِي الْفِقْه والنحو والْحَدِيث وَالْأُصُول .. ، وَأقَام بِمصْر يشغل ويفتي .. ، ثمَّ قدم دمشق .. سنة إِحْدَى وَعشْرين .. وَجلسَ فِي الجْامِع يُقْرِئ، وَاجْتمعَ عَلَيْهِ الطَّلبَة، وَظهر فَضلُه، وَقُصِد بالفتاوى، ثمَّ عَاد إِلَى مصر، ثمَّ قدم دمشق ثَانِيًا فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين بِطَلَب من قَاضِي الْقُضَاة، وناب فِي الْقَضَاء .. وَولي إِفْتَاء دَار الْعدْل .. ، وأقرأ .. "الْمِنْهَاج" فِي سَنة و"التنبيه" فِي سَنة أُخْرَى وَ"الْحَاوِي" فِي أُخْرَى، ثمَّ عَاد إِلَى مصر .. سَنة سِتّ وَعشْرين، وَحج من مصر سَنة ثَمَان وَعشْرين، وجاور بِمَكَّة، وَرجع إِلَى مصر فِي سنة ثَلَاثِين .. ، وَمَات فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة إِحْدَى وَثَلَاثِين وَثَمَانِمائَة .. ، وَله "الألفية" فِي الْأُصُول وَشَرحهَا، .. ، وَغير ذَلِك) (٢). وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني (٧٧٣ هـ - ٨٥٢ هـ) في كتابه "إنباء الغمر بأبناء العمر": (البرماوي الشيخ شمس الدين .. تفقه وهو شاب .. وسمع معنا من جماعة من المشايخ، ولازم الشيخ بدر الدين الزركشي وتمهر به، وحضر دروس الشيخ سراج

стр. 13

الدين البلقيني وقرأ عليه بعضها، وقد سمعتُ بقراءته على الشيخ "مختصر المزني" .. وكان حسن الخط، كثير المحفوظ، قوي الهمة .. وله منظومات وتصانيف، منها: "شرح العمدة"، ومنظومة في أسماء رجالها وشرحها، وشرح "البخارى" في أربع مجلدات .. ، ثُم ولي نيابة الحكم عن ابن أبي البقاء .. ثُم ناب عن الجلال البلقيني، ثُم عن الإخنائي .. ، وكان للطلبة به نفع، وفي كل سَنة يتم كتابًا من المختصرات، فيأتي على آخِره ويعمل له وليمة .. ، حج في سنة ثمان وعشرين، جاور بمكة سنة تسع وعشرين) (١). انتهى وقال الحافظ شمس الدين السخاوي (٨٣١ - ٩٠٢ هـ) في "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع": (مُحَمَّد بن عبد الدَّائِم .. الْبرمَاوِيّ، ثمَّ القاهري، الشَّافِعِي. وُلد .. سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة .. ، ولازم الْبَدْر الزَّرْكَشِي وتمهر بِهِ وحرر بعض تصانيفه، وَحضر دروس البُلْقِينِي وَقَرَأَ عَلَيْهِ، وَأخذ أَيْضًا عَن الأبناسي وَابْن الملقن والعراقي وَغَيرهم .. وَصَحب الْجلَال ابن أبي الْبقاء .. ، وَعَكَفَ عَلَيْهِ الطَّلبَة، وأقرأ "التَّنْبِيه" وَ"الْحَاوِي" و"المنهاج" كل ذَلِك فِي سَنة، وَغير ذَلِك؛ فاشتهرت فضيلته .. ، وتصدى للإفتاء والتدريس والتصنيف، وانتفع بِهِ خَلْقٌ بِحَيْثُ صَار طلبته رؤوسًا فِي حَيَاته، وباشر وظائف الْوَلِي الْعِرَاقِي نِيَابَة عَن حفيده .. ، وَحج فِي سنة ثَمَان وَعشْرين، وجاور الَّتِي بعْدهَا، وَنشر الْعلم أَيْضًا هُنَاكَ، ثمَّ عَاد فِي سنة ثَلَاثِينَ .. وَكَانَ إِمَامًا عَلَّامَة فِي الْفِقْه وأصوله والعربية وَغَيرهَا، مَعَ حسن الْخط وَالنَّظم .. وَمن تصانيفه: "شرح البُخَارِيّ" فِي أَربع مجلدات .. ، وَ"شرح الْعُمْدَة" .. ، وَله أَيْضًا منظومة فِي أَسمَاء رجالها وَشَرحهَا، و"ألفية" فِي أصُول الْفِقْه وَشَرحهَا .. ، ومنظومة

стр. 14

فِي الْفَرَائِض، وَشرح "لامية الْأَفْعَال" لِابْنِ مالك، و"البهجة الوردية"، و"زوائد الشذور"، وَعمل مُخْتَصرًا فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة وَكتب عَلَيْهَا حَاشِيَة، ولَخَّص "الْمُهِمَّات" للأسنوي. وَلم يزل قَائِما بنشر الْعلم تصنيفًا وإقراءً حَتَّى مَاتَ فِي يَوْم الْخَمِيس .. جُمَادَى الثَّانِيَة سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ بِبَيْت المقدس .. ، وَقد انتشرت تلامذته فِي الْآفَاق، وَمِنْهُم: الْمحلي، والمناوي، والعبادي، وطبقة قبلهم، ثمَّ طبقَة تليهم. وَحدث بِالْقَاهِرَة وَمَكَّة ودمشق وَبَيت المقدس. سمع مِنْهُ الْأَئِمَّة: كالزين رضوَان بِالْقَاهِرَةِ، والتقي ابْن فَهد بِمَكَّة، وَابْن نَاصِر الدِّين بِدِمشْق. وروى لنا عَنهُ خَلْقٌ) (١). وقال السخاوي في ترجمة شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني: (تَفَقَّهَ بالأبناسي .. وبالبلقيني .. وَسمع عَلَيْهِ بِقِرَاءَة الشَّمْس الْبرمَاوِيّ فِي "مُخْتَصر الْمُزنِيَ") (٢). وقال في ترجمة جلال الدين المحلي: (فَأخذ الْفِقْه وأصوله والعربية عَن الشَّمْس الْبرمَاوِيّ، وَكَانَ مُقيمًا مَعَه بالبيبرسية؛ فَكثر انتفاعه بِهِ لذَلِك) (٣). انتهى وقال الإمام الشوكاني (١١٧٣ - ١٢٥٠ هـ) في كتابه "البدر الطالع بمحاسن مَن بَعْد القرن السابع": ((مُحَمَّد بن عبد الدائم .. الْبرمَاوِيّ .. تصدَّى للإفتاء والتدريس والتصنيف، وانتفع بِهِ النَّاس، وطار صيته، وَصَارَ طَلبتُه رُؤَسَاء فِي حَيَاته .. وَكَانَ إِمَامًا فِي الْفِقْه وأصوله والعربية وَغير ذَلِك .. ، وَله ألفية فِي أصُول الْفِقْه، وَشرحهَا) (٤). قلتُ: وقد سبق (ص: ٥ - ٦) نَقْل كلام ابن حاجي خليفة وابن أبي شريف.

стр. 15

تنبيه: هناك مؤلفات للبرماوي ذكرها في شرح الألفية وقد ذكرتها كُتُب التراجم، وهناك مؤلفات له لم أقف عليها في كُتب التراجم. فمن مؤلفاته التي لم أقف عليها: ١ - "تحقيق القول بالصمات عن مشكلات الصفات"، "إيضاح الفصول مِن منهاج الأصول". ذكرهما البرماوي في شرح الألفية. قال الإمام البرماوي في شرح ألفيته (١/ ١٧٩): (وقد اجتمعت هذه النقول المتفرقة والأقوال المنتشرة بما قررناه، وقد بسطتها في "إيضاح الفصول مِن منهاج الأصول" بما يَتَعَيَّن على مُرِيده الوقوفُ عليه). وقال أيضًا (٢/ ٨٥٩): (وقد بينتُ في مقدمة كتابي المُسمى بـ "تحقيق القول بالصمات عن مشكلات الصفات" وجوهًا مِن الترجيح). ٢ - ما كَتبه ناسخ مخطوط "النبذة الزكية" على الورقة الأولى: (له تعليقة على "علوم الحديث" لابن الصلاح كما قاله في شرحه "النهر على الزهر" (١) .. ، وله "تكحيل العيون بما في السِّيَر مِن الفنون" قاله في شرحه "النهر على الزهر"، وله شرح خطبة "الحاوي الصغير" وعندي منه نسختان .. ، وله إملاء على "التنقيح" أصل "التحرير" لابن شيخه الولي العراقي، وهو عند بعض أصحابنا). ومن مؤلفاته التى ذكرها في شرحه وذكرتها كتب التراجم: ١ - "جمع العُدة لفهم العمدة": قال الإمام البرماوي في شرح ألفيته (٢/ ٦٩٢): (وفى الحديث مباحث أخرى ذكرتها في "جمع العُدة لفهم العمدة"، فراجعها).

стр. 16

وقال أيضًا في شرح ألفيته (١/ ٢٥٧): (وقد بسطت ذلك في "شرح العمدة" في باب "شروط البيع"، فَراجِعْه؛ فإنه نفيس). ٢ - "شرح الصدور بشرح زوائد الشذور": قال الإمام البرماوي في شرح ألفيته (٢/ ٩١٦): (وقد بسطتُ المسألة بسطًا شافيًا في "شرح الصدور بشرح زوائد الشذور" لابن هشام في النحو، فليطلَب منه؛ فإنه مهم). ٣ - "شرح لاميّة الأفعال": قال الإمام البرماوي في شرح ألفيته (٢/ ٩٣٩): (وقد أوضحتُ في "شرح لاميّة الأفعال" لابن مالك هذا المعنى، وذكرتُ الفرقَ بين الاشتقاق والتصريف بما يتعين الوقوف عليه). المبحث الثالث: بيان منهج الإمام البرماوي في نَظْم الألفية وأَصْلِها وشَرْحِها قد يَرِد السؤال التالي في ذهن القارئ: ما الفَرْق بين: "النبذة الزكية في القواعد الأصلية"، والأَلْفيَّة، والشرح الوافي "الفوائد السنية"؟ ويتضح الجواب ببيان منهج الإمام البرماوي في كُتُبه: اقتصر البرماوي في "النبذة الزكية" على بيان القول الراجح، ولم يتعرض لِذِكْر الخلاف بين الأصوليين، وكذلك لم يتعرض لِذِكْر الأدلة والاعتراضات عليها والأجوبة عنها. ومَشَى على ذلك أيضًا في نَظْم الألفية. أمَّا في الشرح الوافي "الفوائد السنية في شرح الألفية" فنجده يَذكر مواضع الإجماع والخلاف وأدلة كل قول، ثم يذكر القول الراجح وأدلته، ويجيب عن أدلة المخالفين،

стр. 17

حتى أطال في مسائل عديدة. ومِن ذلك قوله في مسألة "الإجماع السكوتي": (وإنما أَطَلْتُ في هذه المسألة .. لأنها مِن أُمهات الأُصُول ومِن المحتاج لإيضاحه). وقال في موضع آخَر: (وإنما أطلتُ في هذا لاحتياج الشافعية لمثله). وقال في موضع ثالث: (إنما أطلتُ الكلام على "الواو"؛ لأنها من المهمات). وقال في موضع رابع: (فقد اتضحت المسألة والحقُّ فيها ولله الحمد، وإنما أطلتُ فيها بالنسبة لهذا المختصر لأنَّ أمر التكفير معضل وخطر عظيم). وقال أيضًا: (وسأذكر في هذا الشرح ما يظهرُ مِن تفريعات في الفقه في بعض المسائل على ذلك إنْ شاء الله تعالى). فصار كتابه موسوعة ضخمة في عِلْم أصول الفقه وتطبيقاته الفقهية، ومَرْجِعًا لا يَستغني عنه الباحثون في هذا العِلْم. المبحث الرابع: تَقَدُّم البرماوي في عِلْم الحديث وأَثَره في شَرْحه لِلأَلْفِيَّة قال تقي الدين ابن قاضي شهبة (٧٧٩ - ٨٥١ هـ) في كتابه "طبقات الشافعية": (مُحَمَّد بن عبد الدَّائِم بن مُوسَى: الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم .. الْبرمَاوِيّ .. تميز فِي الْفِقْه والنحو والْحَدِيث وَالْأُصُول). قلتُ: فالإمام البرماوي أُصولي عالِم بالحديث، وقد سبق ذِكْر شَرْحه "صحيح

стр. 18

البخاري" (١) وتعليقته على مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، مما يجعل لكتابه هذا ميزة كبرى لا توجد في كثير من كُتُب أصول الفقه الأخرى، ولبيان ذلك أذكر خمسة أمثلة مما جاء في كتابه "الفوائد السنية": المثال الأول: قال الإمام البرماوي (٣/ ١٠١٧): (وأما جواب القاضي أبي بكر والإمام والغزالي ومَن تبعهم بالطعن في الحديث فعجيب؛ فإنه في "الصحيحين"). المثال الثاني: قال الإمام البرماوي (١/ ١٨٦): (ودليله أيضًا حديثُ: "رُفِعَ القَلَم عن ثلاث: عن الصبي حتى يَبْلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق". رواه الأربعة مِن حديث علي، وقال الترمذي: "حسن"، وأخرجه ابن حبان والحاكمُ وقال: "صحيح على شرط الشيخين". وأخرجه البخاري موقوفًا مُعَلَّقًا بِالجَزْم، ورواه أبو داود والنسائي وابنُ ماجه وابنُ حبان مِن رواية عائشة، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في "الإمام": إنه أَقْوَى إسنادًا مِن رواية عَلِي). انتهى كلام البرماوي. المثال الثالث: قال الإمام البرماوي (١/ ٢١٣): (وقد يُرَجَّح هذا بحديث أبي هريرة: "نَهَى ﷺ عن صوم يوم عرفة". أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وفيه ضَعْفٌ وإنْ كان الحاكم صححه وقال: "على شرط البخاري"). انتهى كلام البرماوي. قلتُ: لم يَغْتَر البرماوي بتصحيح الحاكم للحديث، وقد قال البرماوي في موضع آخَر: (ثم بعد ذلك يرجح ما كان على شرطهما، ثم ما كان على شرط البخاري، ثم ما هو على شرط مسلم، كما يفعل ذلك الحاكم في "مستدركه" وإنْ كان فيه تساهل وعليه انتقادات).

стр. 19

قلتُ: وقد أصاب البرماوي في تصريحه بضعف الحديث؛ فالإسناد مداره على مهدي بن حرب العبدي الهجري، وهو سبب الحكم بضعف الحديث (١). وقال الإمام أبو جعفر العقيلي في كتابه "الضعفاء الكبير" (٢): (رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ أَنَّهُ لَمْ يَصُمْ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَلا يَصِحُّ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ صَوْمِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَة كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ، سَنَةٍ مَاضِيَة، وَسَنَةٍ مُسْتَقْبلَة"). قلتُ: فَقَوْل البرماوي وافَقَ قول أئمة الحديث المتقدمين. المثال الرابع: قال الإمام البرماوي (٥/ ٢٠٩٨): (وفي الحديث: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" .. رواه أحمد والدارمي عن ابن مسعود موقوفًا عليه، ومَن رَفَعه إلى النبي ﷺ فقد أخطأ، ورَفْعُه مِن حديث أَنَس إسناده ساقط لا يُحتج به). انتهى قلتُ: كلام الإمام البرماوي هنا دقيق ومتين، ويتضح ذلك مما يلي: قال الحافظ ابن حجر في "الأمالي المطلقة" (٣): (لَمْ أَرَ في شَيْءٍ مِنْ طُرُقِه التَّصْرِيحَ بِرَفْعِهِ). وقال أيضًا في "الدراية في تخريج أحاديث الهداية" (٤): (لم أجده مرفوعًا). قلتُ: بل ذكره الخطيب البغدادي بإسناده في "تاريخ بغداد" (٥): (عَنْ أَنَسِ بْنِ

стр. 20

مَالِك، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَلَمْ يَجِدْ قَلْبًا أَتْقَى مِنْ أَصْحَابِي؛ وَلِذَلِكَ اخْتَارَهُمْ، فَجَعَلَهُمْ أَصْحَابًا، فَمَا اسْتَحْسَنُوا فَهُوَ عِنْدَ الله حَسَنٌ، وَمَا اسْتَقْبَحُوا فَهُوَ عِنْدَ الله قَبِيحٌ"). انتهى قلتُ: وفي إسناده سليمان بن عمرو النخعي، قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (١): (كَذَّبه ونَسَبَه إلى الوَضْع مِن المتقدمين والمتأخرين ممن نُقِل كلامهم في الجرح أو ألَّفوا فيه فوق الثلاثين نَفْسًا). انتهى قلتُ: فكلام البرماوي فيه أمران: أولهما: عِلمه برواية الرفع. ثانيهما: عِلمه بأنَّ رواية الرفع إسنادها ساقط لا يُحتج به. فَقَوْل البرماوي يدل على أنه عالِمٌ بالحديث. المثال الخامس: قال الإمام البرماوي (٤/ ١٦٧١): (الثاني: أن يكون العموم في ذلك الحكم المسئول عنه، كقوله ﷺ وقد سُئل عن بئر بُضاعة وهي بئر يُلقى فيها الحيض والنتن ولحوم الكلاب: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء". رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، وقال أحمد: "صحيح". وقال الترمذي: "حسن". وفي بعض نُسَخه: "حسن صحيح". وصححه أيضًا ابن معين وغيره. وهو يَرُد قول الدارقطني: إنه غير ثابت (٢). ويقع في كُتب كثير من أصحابنا - وكذا

стр. 21

وقع في "مختصر ابن الحاجب" في الأصول - زيادة في هذا الحديث: "إلا ما غَيَّر لونه أو طعمه أو ريحه". وهو تخليط؛ فإنَّ هذا حديث آخَر ليس فيه ذِكر بئر بُضاعة، رواه ابن ماجه: "إنَّ الماء لا ينجسه إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه". ورواه الدارقطني بلفظ: "لا ينجسه إلا ما غيَّر ريحه أو طعمه". ولم يذكر اللون، بل لا يُعرف لِلَّون ذِكر في غير ابن ماجه (١). وقال الشافعي: "هذا الحديث لا يُثْبِت أهل الحديث مِثله". وقال أبو حاتم الرازي: "الصحيح أنه مُرْسل"). انتهى كلام البرماوي. قلتُ: مَن يراجع المصادر يجد صحة ما ذكره الإمام البرماوي (سوى ما ذكرتُه في هامش هذه الصفحة). والتخليط الذي ذكره الإمام البرماوي قد وقع فيه مِن كبار علماء أصول الفقه: الجويني (٤٧٨ هـ) في "التلخيص، ص ١٧٦"، الغزالي (٥٠٥ هـ) في "المستصفى، ص ٢٣٥"، ابن عقيل (٥١٣ هـ) في "الوَاضِح في أصُولِ الفِقه، ٢/ ١٧"، الآمدي (٦٣١ هـ)

стр. 22

في "الإحكام في أصول الأحكام، ٢/ ٢٥٧"، ابن الحاجب في مختصره الأصولي، السعد التفتازاني (٧٩٣ هـ) في "شرح التلويح على التوضيح، ١/ ١١٤"، شمس الدين الأصفهاني (٧٤٩ هـ) في "بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب، ٢/ ١٥١". المثال السادس: قال البرماوي (٢/ ٥٨٨): (أما الرواية فلهُم ألفاظ غير ذلك تَوَسُّعًا، وجعلوها مراتب، أعلاها: أن يجمع بين لفظين متحدي المعني؛ تأكيدًا، كأن يقول: "ثبتٌ حُجةٌ" أو "ثبتٌ حافظٌ" .. قاله الذهبي في مقدمة "الميزان". الثانية: وهي ما بدأ بها ابن أبي حاتم وابن الصلاح، أنْ يقول: ثقةٌ، أو: متقنٌ، أو: ثبتٌ، أو: حجةٌ .. قال الخطيب: "أرفع العبارات أن يقول: حجةٌ، أو: ثقةٌ" .. الرابعة: أن يقول: "محلُّه الصدق" أو "رَووا عنه" أو "شيخ" أو "وسط" أو "صالح الحديث" أو "مُقارب" بفتح الراء وكسرها كما حكاه صاحب "الأحوذي". على أن ابن أبي حاتم وابن الصلاح جعلَا "محله الصدق" من الرتبة التي قبل هذه، لكن صاحب "الميزان" جعلها من الرابعة). المثال السابع: قال البرماوي (ص ٥٥٠ - ٥٥١): (واعْلم أن شرط تَحمُّل الصغير التمييز، ونُقل عن المحدثين اعتبار خَمس سنين .. وذلك لِمَا رواه البخاري .. عن محمود بن الربيع، قال: "عقلتُ من النبي ﷺ مَجَّة مَجَّها في وجهي مِن دلوٍ وأنا ابن خمس سنين". وبوَّب عليه البخاري: "متى يصح سماع الصغير؟ ". .. ولكن الراجح عند محققي المحدثين اعتبار التمييز وأن تمييز محمود كان في هذا السن، فلا يقاس به إلا مَن مَيَّز مثله، وإن كان القول باعتبار الخمس هو قول الجمهور الذي نقله القاضي عياض في "الإلماع" عن أهل الصنعة. وقال ابن الصلاح: "إنه الذي استقر عليه عمل أهل الحديث". ومما يدل على اعتبار التمييز قول أحمد وقد سُئل: متى

стр. 23

يجوز سماع الصبي للحديث؟ فقال: إذا عقل وضبط). انتهى كلام البرماوي. المثال الثامن: قال البرماوي (٢/ ٦٤٣): (والحاصل أنَّ المجهول ظاهرًا وباطنًا - أي: وهو معروف العَيْن برواية عَدْلين عنه - لا تُقبل روايته. قال بعضهم: بالإجماع. وجرى عليه في "جمع الجوامع". وهو مردود بحكاية ابن الصلاح فيه عن الجماهير أنه لا يُقبَل). المثال التاسع: قال شمس الدين البرماوي (١/ ٧١١) في "الإجازة": (اختلفوا في الرواية بها، والراجح الجواز، بل حكى القاضي أبو بكر والباجي وغيرهما من الأصوليين الاتفاق عليه. وهو عجيب؛ فقد قال بالمنع شعبة، قال: "ولو صحت الإجازة لبطلت الرحلة". وقال به أيضًا أبو زرعة الرازي، وقال: "لو صحت لذهب العلم"، وإبراهيم الحربي كما نقله عنه الخطيب ثم ابن الصلاح وإنِ اضطرب في النقل عنه). انتهى كلام البرماوي. المثال العاشر: قال البرماوي (٢/ ٦٤٥): (فائدة: عند المحدِّثين مِن أقسام "المستور" أيضًا مَن عُرف - بِذِكره في الجملة - عَيْنُه وعدالته ولكن جُهل تعيينه، كإيهام الصحابي، وكقول الراوي: "أخبرني فلان أو فلان" والفَرْض أنهما عَدْلان، فهذا لا يضر. أمَّا لو جُهِلت عدالة أحدهما أو قال: "أخبرني فلان أو غيرُه"، فلا يُحتج به حينئذ). قلتُ: وقد أطال شمس الدين البرماوي في شرح الأبيات المتعلقة بمصطلح الحديث (وهي الأبيات رقم: ٢٥٧ إلى ٣٦٨) في كتابه هذا (٢/ ٤٩٠ - ٧٦٠). الخلاصة: يتضح مِن هذه الأمثلة أننا في هذا الكتاب أمام عالم بالحديث، فشمس الدين البرماوي أُصولي عالِم بالحديث، مما يجعل لكتابه هذا ميزة كبرى لا توجد في كثير من كُتُب أصول الفقه الأخرى.

стр. 24

المبحث الخامس: تَقَدُّم البرماوي في الفقه وأَثَره في شَرْحه لِلأَلْفِيَّة أُلَخِّص - فيما يلي - ما تَقَدَّم نَقْلُه فيما يتعلق بمكانته الفقهية، ثم أذكر أثَر ذلك في كتابه "الفوائد السنية": قال ابن قاضي شهبة في "طبقات الشافعية": (الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم .. الْبرمَاوِيّ .. تميز فِي الْفِقْه والنحو والْحَدِيث وَالْأُصُول .. ، وَأقَام بِمصْر يشغل ويفتي .. ، ثمَّ قدم دمشق .. وَقُصِد بالفتاوى .. ، وَولي إِفْتَاء دَار الْعدْل). وقال الحافظ ابن حجر: (البرماوي .. سمعتُ بقراءته على الشيخ "مختصر المزني"). وقال الحافظ السخاوي: (الْبرمَاوِيّ .. كَانَ إِمَامًا عَلَّامَة فِي الْفِقْه وأصوله .. ). وقال الإمام الشوكاني: (البرماوي .. كان إمامًا في الفقه وأصوله .. ). قلتُ: فالبرماوي الأُصولي كان إمامًا في الفقه؛ ونرى أَثَر ذلك واضحًا من جهتين: الجهة الأُولى: اجتهاده في الابتعاد عن تَناوُل ما لا يفيد من المباحث والمسائل . الجهة الثانية: اجتهاده في ذِكر الكثير مِن الفروع والتطبيقات الفقهية. وإليكم تفصيل ذلك: الجهة الأُولى: اجتهاده في الابتعاد عن تَناوُل ما لا يفيد من المباحث والمسائل: وذلك بخلاف المتكلمين - أصحاب عِلم الكلام - الذين امتلأت مؤلفاتهم في أصول الفقه بمسائل ومباحث جَدَلية عقيمة لا فائدة لها.

стр. 25

وإليكم بعض تصريحاته بذلك في كتابه هذا: قال الإمام البرماوي (٣/ ١٠٦٧): (عادة الأصوليين يختمون مباحث اللغة بذكر بعض معاني حروف تتداول في القرآن والسُّنة يحتاج إليها غالبًا في مواضع الاستدلال .. ، ولم أقتصر على حرفين أو ثلاثة كما فعل ابن الحاجب، ولا أوسع كما فعل صاحب "جمع الجوامع" وكثير من الحنفية في مختصراتهم. وربما ذكروا أحكامًا نحوية متعلقة ببعضها قليلة الجدوى في الاستدلال، بل سلكتُ طريقًا وسطًا). وقال في إحدى المسائل (٤/ ١٨٥٧): (ولم أذكر هذه المسألة في النَّظم؛ لِمَا فيها من خشونة العبارة وعدم جدواها في الفقه). وقال (١/ ١٣٠): (وليس تحت هذا الخلاف كبيرُ فائدة؛ فلا حاجة للتطويل فيه). وقال (١/ ٤٣٠): (وفي كيفية الخلاف طُرق كثيرة في بيان محله ومحل القطع يَطُول ذِكرها، ولا فائدة فيه). وقال (١/ ١٣٤): (وفي الموضع مباحثُ أخرى ليس في التطويل بها كبيرُ فائدة). وقال (١/ ١٦٣): (وهنا أسئلة وشكوك جدواها قليل، فلا حاجة للتطويل بها). وقال (٢/ ٧٧٧): (وإنما أَسْقَطتُ هذه المسألة من النَّظم وهي في "جمع الجوامع"؛ لقِلة جدواها). وقال (٢/ ٧٧٧): (وكذلك أسقطتُ مسألة "إنه ليس لكل معنى لفظ .. "؛ لوضوح المراد بها، وقِلَّة نفعها في الاستدلال). وقال (٣/ ١١٧٢): (ونُقِلت فيه مذاهب أخرى إما ضعيفة أو داخلة فيما سبق، أَعْرَضْنَا عن حكايتها؛ لعدم جدواها). الجهة الثانية: اجتهاده في ذِكر الكثير مِن الفروع والتطبيقات الفقهية: كان البرماوي إمامًا في الفقه، لذلك نجده - في شرح ألفية الأصول - يذكر كثيرًا

стр. 26

من التطبيقات والفروع الفقهية المَبْنِيَّة على هذه الأصول والقواعد، ولا شك أنَّ هذا يساهم في فَهْم واستيعاب الأصول. بل إنه قد أطال في ذِكر هذه التطبيقات في مواضع عديدة، حتى يمكننا القول بأنَّ كتابه "الفوائد السنية" يكاد يكون موسوعة في التطبيقات الفقهية للقواعد الأصولية. ويوضح هذا قوله في كتابه هذا (٢/ ٦٢٤) بعد أن ذكر كثيرًا من الفروع الفقهية: (والفروع في ذلك كثيرة، وإنمَّا هذا أنموذج تُستحضَر به القواعد، وتتمهَّد به). قلتُ: وهذه ميزة عظيمة الفائدة لا توجد في كثير من الكُتب الأصولية المشهورة. ولَعَلَّ ذلك مِن أسباب قَوْل البرماوي عن كتابه هذا: (أكثر هذا الكتاب هو جُملة ما حَصَّلْتُ في طول عُمري) (١). وقد قال في مقدمة كتابه هذا: (وسأذكر في هذا الشرح ما يظهرُ مِن تفريعات في الفقه في بعض المسائل على ذلك إنْ شاء الله تعالى). وإليكم بعض عباراته في كتابه هذا: قال: (تنبيه: مما يناسِبُ هذه القاعدة مِن الفروع: ... ). فذكر هذه الفروع، ثم قال: (وأنت إذَا تتبعت الفروع، لم تجدها تخرج عن ذلك). وقال: (اختلاف الأصوليين في هذه المسألة يناظره اختلاف الفقهاء في أنه إذا بطل الخصوص، هل يبقى العموم؟ وفيه فروع كثيرة، منها: .. ، ومنها: .. ، ومنها: .. ، ومنها: .. ، ومنها: .. ، ومنها: .. ، ومنها: .. ، ومنها: .. ، ومنها: .. ).

стр. 27

وقال: (استثنى ابن القاص في "التلخيص" من قاعدة "إنَّ اليقين لا يُرفَع بالشك" إحدى عشرة مسألة، وَرَدَّ عليه القفال الكل، ولكن الأرجح مع ابن القاص في كثير: أحدها ... ، ثانيها ... ، ثالثها ... ، رابعها ... ، خامسها ... ، حادي عشرها ... ). وقال: (وسِوَى ما سبق من الفروع الفقهية: لو قال ... ، ولو أوصى لأقاربه ... ، ولو قال ... ، وفروع الفقه على هذه المسألة لا تنحصر، وفي هذه الإشارة كفاية). وقال: (وقع في كلام أصحابنا في الفقه مسألتان قد يتفرعان على هذه القاعدة، ووقع فيهما اضطراب شديد، نذكرهما باختصار ... ). وقال: (ومما يتفرع على القاعدة ما نُقل عن الشافعي ... ). وقال: (ويتفرع على هذه القاعدة مسائل، منها: عقود البياعات ... ). وقال: (من فروع هذه القاعدة: ... ). وقال: (ويتفرع على الأول من الفقه ... ). وقال: (مما يتفرع من الفقه على الخلاف المذكور: .. ). وقال: (مما فَرَّعه بعض المتأخرين على الخلاف في هذه المسألة: ... ). وقال: (الخلاف في هذه المسألة مذكور في الفقه مُفَرَّع عليه مسائل، سيأتي ذِكر شيءٍ منها). وقال: (ونشأ عن ذلك فرع ذكره الهروي في "الإشراف" والماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر"، وهو ... ). وقال: (وفي الفروع الفقهية مما يشهد لإفادة المضاف المفرد العموم: ... ).

стр. 28

المبحث السادس: مَذْهَب الإمام البرماوي وأَثَره في شَرْحه لِلأَلْفِيَّة صرح شمس الدين البرماوي في مُقدمة أَلْفِيَّته بأنه شافعي، فقال: بِاسْمِ الحمِيدِ قال عَبْدٌ يَحْمَدُ ... ذَا البِرْمَوِيُّ الشافِعِيْ مُحَمَّدُ وقد ظهر أَثَر ذلك في كتابه هذا، فكان يهتم كثيرًا بتحرير مذهب الإمام الشافعي في مسائل أصول الفقه، ويرجع في ذلك إلى كُتُب الإمام الشافعي القديمة والجديدة، الفقهية والأصولية، وينقل نصوصه، ويُعَلِّق عليها، ويُحَرِّر مَذهبه. وقال في مقدمة كتابه هذا: (وأشرتُ بقولي: "أصولنا" .. إلى مراعاة أصول الشافعية في هذه الألفية حَسْب القدرة، وسأذكر في هذا الشرح ما يظهرُ مِن تفريعات في الفقه في بعض المسائل على ذلك إنْ شاء الله تعالى). انتهى قلتُ: ولا يُتَوَهَّم مِن ذلك اقتصاره على ذِكر أصول الشافعية، بل سيراعي أصول الشافعية، فإنه في كل مسألة يتناول المذاهب الأخرى، ويَعْرِض أدلة المذاهب كلها ويناقشها ويذكر ما عليها من اعتراضات، ويُرَجِّح مع ذِكر أسباب الترجيح. ومِن أمثلة مراعاته أصول الشافعي قوله في الألفية: ٩٨ - فَإنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالْحُكْمِ ... نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيْ في "الْأُمِّ" وقوله: ٣٠٣ - وَعَنْ عُمُومٍ مُطْلَقًا هُوَ الْخَبَرْ ... أَوْ مَا إلى ذَا الشَّافِعِيْ في الْمُخْتَصَرْ وقوله:

стр. 29

٦٩١ - بِمُطْلَقٍ، قُلْتُ: وَنَصُّ الشَّافِعِيْ ... في "الْأُمِّ" ثُمَّ في "الْبُوَيْطِيْ" التَّابِعِ المبحث السابع: عقيدة البرماوي وأَثَرها في شَرْحه لِلأَلْفِيَّة صَرح البرماوي بأنه أَشْعَرِي، فقال في "الفوائد السنية، ٢/ ٩١٣": (قولي: "عَنِ الْإمَامِ الْأَشْعَرِيْ" إشارة إلى أنه إمامنا وقدوتنا، نلقَى الله باتِّباعه في معتقداته). قلتُ: وقد ظهر أثر ذلك في تناوُله لبعض المسائل، أذكر منها ثلاثة أمثلة: المثال الأول: قال شمس الدين البرماوي (١/ ١٩٦): (الإيمان هو التصديق). قلتُ (عبد الله رمضان): هذا يوافق قولًا مِن أقوال فرقة المرجئة. وفي ذلك يقول الإمام ابن تيمية: (أكثر الأشعرية مرجئة، وأَقربهم الكلابية، يقولون: "الإيمان" هو التصديق بالقلب والقول باللسان، والأعمال ليست منه) (١). قلتُ: فقول الأشعرية يخالف إجماع أهل السُّنة مِن السلف الصالح ومَن بَعْدهم. وفي ذلك قال الإمام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": (وَقَدْ حَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ إجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ) (٢). قلتُ: وأكتفي بنقل ثلاثة تصريحات لكبار أئمة المسلمين المتقدمين:

стр. 30

التصريح الأول: قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام (١٥٧ - ٢٢٤ هـ) في كتابه "الإيمان": (فَالْأَمْرُ الَّذِي عَلَيْهِ السُّنَّةُ عِنْدَنَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا مِمَّا اقْتَصَصْنَا فِي كِتَابِنَا هَذَا: أَنَّ الْإِيمَانَ بِالنِّيَّةِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ جَمِيعًا) (١). وقال أيضًا: (على مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ كَانَ سُفْيَانُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَرْبَابِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ كَانُوا مَصَابِيحَ الْأَرْضِ وَأَئِمَّةَ الْعِلْمِ فِي دَهْرِهِمْ، مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَغَيْرِهَا .. يَرون الإيمان قولًا وعملًا) (٢). التصريح الثاني: قال الإمام أبو بكر الآجُرِّي (٣) (المتوفى: ٣٦٠ هـ) في كتابه "الشريعة": (اعْلموا رَحِمَنَا الله وَإِيَّاكُمْ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْإِيمَانَ وَاجِبٌ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَهُوَ تَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ، وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ، ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا تُجْزِئُ الْمَعْرِفَةُ بِالْقَلْبِ وَالتَّصْدِيقُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ الْإِيمَانُ بِاللِّسَانِ نُطْقًا، وَلَا تُجْزِئ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَنُطْقٌ بِاللَّسَانِ حَتَّى يَكُونَ عَمَلٌ بالْجَوَارِحِ، فَإِذَا كَمُلَتْ فِيهِ هَذِهِ الثَّلَاثُ الْخِصَالِ، كَانَ مُؤْمِنًا، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَقَوْلُ عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ) (٤). وقال أيضًا: (قَدْ قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَبَيَّن فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِعَمَلٍ، وَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، خِلَاف مَا قَالَتِ الْمُرْجِئَةُ الَّذِينَ لَعِبَ بِهِمُ الشَّيْطَانُ) (٥).

стр. 31

وقال أيضًا: (نَقُوُل وَالْحَمْدُ للهِ قَوْلًا يُوَافِقُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَعُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا يُسْتَوْحَشُ مِنْ ذِكْرِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُمْ: إِنَّ الْإِيمَانَ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ تَصْدِيقًا يَقِينًا، وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالجْوَارِحِ، وَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا إِلَّا بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، لَا يُجْزِئُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ) (١). انتهى التصريح الثالث: قال الإمام ابن عبد البر (٣٦٨ - ٤٦٣ هـ) في كتابه "التمهيد": (أَجْمَعَ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَلَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَالْإِيمَانُ عِنْدَهُمْ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَالطَّاعَاتُ كُلُّهَا عِنْدَهُمْ إِيمَانٌ، إِلَّا مَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الطَّاعَاتِ لَا تُسَمَّى إِيمَانًا، قَالُوا: إِنَّمَا الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ: وَالْمَعْرِفَةُ) (٢). إلى أنْ قال: (وَأَمَّا سَائِرُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْآثَارِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ - مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو عُبَيْدِ الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ وَدَاوُدُ بْنُ عِليٍّ وَأَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ - فَقَالُوا: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ .. وَالْإِيَمانُ يَزِيدُ بِالطَّاعَاتِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعَاصِي) (٣). انتهى المثال الثاني: قال شمس الدين البرماوي (١/ ١٧٤): (خِطابَه تعالى كلامُه، وهو قديم على مذهب أهل السُّنة في أنه صفة قديمة قائمة به وهي الكلامُ النفساني، خِلَافًا لِمَن زعم أنَّ كلامه حَرْفٌ وصوتٌ قائمان به). انتهى

стр. 32

وقال أيضًا (٢/ ٨٥٨): (ومن هنا نشأ كلام العلماء في الآيات والأحاديث الواردة في الصفات المشكلة، فإنَّ الحقيقة فيها متعذرة بالأدلة القطعية عقلًا ونقلًا على طريق أهل السُّنة، فهل يُقال حينئذٍ: يجب الحمل على المجاز بمجرد التعذر؟ أوْ لا؛ لاحتمال إرادة ما يليق مما لا نعرفه مُعَيَّنًا؟ طريقتان: طريقة السلف الثانية مع اعتقاد التنزيه، خِلافًا لِما ينسبه المبتدعة لهم مِن الإجراء على الظاهر. وطريقة مَن بَعْدهم هي الأَوْلى الآن؛ محافظةً على التنزيه ونَفْي التوهُّم. فالفريقان متفقان على التنزيه. بل أقول: الواجب في هذا الزمان العمل بطريق التأويل؛ لِمَا سلكه المبتدعة مِن الحلول والاتحاد ومِن الجهة والتجسيم). انتهى كلام البرماوي. قلتُ (عبد الله رمضان): وهل انحراف بعض الناس عن طريق الحق يُبِيح لنا نَفْي ما أَثْبَته الله تعالى لنفسه من صفات وأفعال؟ ! ! والأشاعرة يزعمون أنهم على مذهب أهل السُّنة، لكنهم في الحقيقة يخالفون أهل السُّنة، وقد ذكرتُ ذلك تفصيلًا في كتابي (الرد على القرضاوي والجديع والعلواني، ١/ ١٤٨). فأهل السُّنة بريئون مِن عقيدة الأشاعرة التي تخالف ما كان عليه السلف الصالح. فمذهب أهل السُّنة هو إثبات ما أَثْبَتَه الله تعالى لنفسه بما يليق بذاته ، وليس هذا موضع بَسْط هذه المسألة. وأمَّا نَفْي البرماوي أنَّ كلام الله تعالى حَرْفٌ وصَوْتٌ ففساده يظهر بقول الإمام ابن تيمية في "درء تعارُض العقل": (السلف وجمهور الخلف .. نزهوه عن كَوْنه كان عاجزًا عن الكلام كالأخرس الذي لا يمكنه الكلام) (١). انتهى

стр. 33

وقال الإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في كتاب "السُّنة": (سألت أبي ﵀ عن قوم يقولون: "لَمَّا كلَّم اللهُ موسى لم يتكلم بِصَوت". فقال أبي: بلى، إنَّ ربك تكلم بصوت، هذه الأحاديث نَرْويها كما جاءت) (١). وقد ذكر الإمام البخاري حديث النبي ﷺ : "إِنَّ الله يَحْشُرُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الْمَلِكُ .. " ثم قال في كتابه "خلق أفعال العباد": (وَفي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ صَوْتَ الله لَا يُشْبِهُ أَصْوَاتَ الْخَلْقِ، لِأَنَّ صَوْتَ الله - جَلَّ ذِكْرُهُ - يُسْمَعُ مِنْ بُعْدٍ كَمَا يُسْمَعُ مِنْ قُرْبِ) (٢). وقال الإمام ابن تيمية: (الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ - كَالْإِمَامِ أَحْمَد وَالْبُخَارِيِّ صَاحِبِ "الصَّحِيحِ" فِي كِتَابِ "خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ" وَغَيْرِهِ وَسَائِر الْأَئِمَّةِ قَبْلَهُمْ وَبَعْدَهُمْ - أَتْبَاعُ النُّصُوصِ الثَّابِتَةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ .. أَنَّ الله تَعَالَى يَتكَلَّمُ بِصَوْت كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَأَصْوَاتِ الْعِبَادِ) (٣). قلتُ: وأكتفي بنَقْل تصريح إمامين من كبار أئمة المسلمين بإجماع السلف الصالح على أن الحقَّ حَمْل آيات وأحاديث الصفات على حقيقتها وظاهرها مِن غَيْر تشبيه أو تمثيل أو تكييف أو تأويل. التصريح الأول: قال الإمام ابن عبد البر (٣٦٨ - ٤٦٣ هـ) في كتابه "التمهيد": (أهل السُّنة مُجْمِعون عَلَى الْإِقْرَارِ بِالصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ كُلِّهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِيمَانِ بِهَا وَحَمْلِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يُكَيِّفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَحُدُّونَ فِيهِ صِفَةً

стр. 34

مَحْصُورَةً. وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ كُلُّهَا وَالْخَوَارِجُ فَكُلُّهُمْ يُنْكِرُهَا، وَلَا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنْهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِهَا مُشَبِّهٌ) (١). انتهى التصريح الثاني: قال الإمام أبو بكر الخطيب البغدادي (٣٩٢ - ٤٦٣ هـ) في رسالته في "الكلام في الصفات": (أما الْكَلَام فِي الصِّفَات فَإِن مَا رُوِيَ مِنْهَا فِي السُّنَن الصِّحَاح مَذْهَب السّلف ﵃ إِثْبَاتهَا وإجراؤها على ظَواهرهَا وَنفي الْكَيْفِيَّة والتشبيه عَنْهَا، وقد نفاها قوم؛ فَأَبْطَلوا ما أَثْبَتَه الله سبحانه) (٢). المثال الثالث: قال شمس الدين البرماوي (١/ ١١٠): (و"التوفيق" خَلْق قُدْرة الطاعة وداعِية (٣) فِعْلها .. هذا قَوْل الأشعري والمحققين، وضِدُّه "الخذلان"). انتهى قلتُ (عبد الله رمضان): وهذه عقيدة الجَبْر التي يَؤُول إليها مذهب الأشعرية، وهي زعمهم أنَّ العاصي - حين عَصَى - لَمْ تَكُن عنده القدرة على الطاعة، وإنما يخلقها الله فيمن يُنْعِم عليه بالتوفيق، فهو - في الحقيقة - كان مَجْبُورًا على المعصية! ! وإليكم تصريحات أئمة فِرْقَة الأشاعرة بذلك: ١ - قال أبو الحسن الأشعري في كتابه (اللمع، ص ٩٥): (استحال أنْ يَقْدر

стр. 35

الإنسان على الشيء وضده). وقال (ص ٩٧): (الاكتساب إنما لم يقع لِعَدَم الاستطاعة). وقال (ص ٩٩): (فإنْ قال قائل: أليس قد كَلَّف الله تعالى الكافرَ الإيمان؟ قُلنا له: نعم. فإنْ قال: أفيستطيع الإيمان؟ قِيل له: لو استَطاعَه لَآمَن). وقال (ص ٧٦): (حقيقة الكسب أنَّ الشيء وقع مِن المكتَسِب له بقوة مُحْدَثة) (١). انتهى كلام الأشعري. وقوله: (مُحْدَثة) يعني: مخلوقة، يخلقها الله تعالى فيه. ٢ - قال السعد التفتازاني (٧١٢ - ٧٩٣ هـ) في كتابه "شرح المقاصد في علم الكلام" في فِعل العبد: (ذلك لا يُتصور إلَّا بِدَاعِيَة لا تَكُون بمشيئة العبد، بل بمحض خَلْق الله تعالى، وحينئذ يجب الفعل، ولا يتمكن العبد مِن تَرْكه، ولا نعني بالانتهاء إلى الجبر والاضطرار سوى هذا) (٢). انتهى وقال أيضًا (ص ٢٣١): (كلامنا في حصول المشيئة والداعية التي يجب معه الفعل أو الترك، ولا خفاء في أنه ليس بمشيئتنا واختيارنا .. ؛ ولهذا ذهب المحققون إلى أن المآل هو الجبر .. وأن الإنسان مضطر في صورة مختار). انتهى قلتُ: ويسميها عضد الدين الإيجي (المتوفى: ٧٥٦ هـ): "جَبْرِيَّة متوسطة" (٣)! !

стр. 36

فالأشعرية يرون أنَّ فِرقة الجبرية الضالة تقول بأنَّ الإنسان مُجْبَر على الطاعة أو المعصية اضطرارًا، كالمرتعد من الحمى، والريشة التي تُحركها الرياح. فهربوا مِن ذلك - بِزَعْمهم - بأنِ اخترعوا نظرية الكَسْب، وهي أنَّ الله تعالى خلق في العاصي قدرة على المعصية، وبذلك يفعل المعصية، ويستحيل أنْ يَقْدِر على فِعل الطاعة، لأنَّ الله تعالى لم يخلق فيه إلا القدرة على المعصية! ! وأقول: وبذلك يتضح اتفاق الأشعرية والجبرية على أنَّ العاصي لا يستطيع الطاعة، لأنَّه ليس عنده القدرة عليها. ولذلك قال عبد السلام بن إبراهيم اللقاني (٩٧٧ - ١٠٧٨ هـ) في (إتحاف المريد بجوهرة التوحيد) وهو أشعري: (فالمُوَفَّق لا يَعْصِي؛ إذْ لا قُدرة له على المعصية، كما أنَّ المخذول لا يطيع؛ إذ لا قدرة له على الطاعة) (١). انتهى

стр. 37

وقد ذكر الإمام ابن تيمية نظرية الكَسب عند الأشعري ثم عَلَّق عليها في "مجموع الفتاوى" قائلًا: (صَارَ النَّاسُ يَسْخَرُونَ بِمَنْ قَالَ هَذَا، وَيَقُولُونَ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاء لَا حَقِيقَةَ لَهَا: طَفْرَةُ النَّظَّام، وَأَحْوَالُ أَبِي هَاشِمٍ، وَكَسْبُ الْأَشْعَرِيِّ) (١). وقال الإمام ابن تيمية أيضًا في "الصفدية": (والأشعري ومَن وافقه اتبعوا جَهْمًا على قوله في القدر وإنْ كانوا يثبتون قدرة وكسبًا، لكن ما أثبتوه لا حقيقة له في المعنى، بل قولهم هو قول جهم وإنْ نازعوه في إثبات القدرة والكسب) (٢). انتهى إلى أنْ قال بعد أنْ ذكر بعض أقوالهم: (وهذا القول لم يَقُلْه قَط أحد مِن سلف الأئمة ولا أئمة المسلمين، لا الأربعة ولا غيرهم، بل المنصوص عنهم وعن غيرهم خلاف هذا القول). انتهى وقال الإمام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": (مشِيئَةُ الْعَبْدِ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ مَوْجُودَةٌ، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَهُ مَشِيئَةٌ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَلَهُ قُدْرَةٌ عَلَى هَذَا وَهَذَا. وَهُوَ الْعَامِلُ لِهَذَا وَهَذَا) (٣). وقال أيضًا: (وَمَنْ قَالَ: "لَا مَشِيئَةَ لَهُ فِي الْخَيْر وَلَا فِي الشَّرِّ" فَقَدْ كَذَبَ .. بَلْ لَهُ مَشِيئَةٌ لِكُلِّ مَا يَفْعَلُهُ بِاخْتِيَارِه مِنْ خَيْرِ وَشَرٍّ) (٤). الخلاصة: كان قول المؤلِّف في بعض المسائل مَبْنِيًّا على عقيدته الأشعرية، ولم أُعَلِّق عليها - في هذه الطبعة - في مواضعها؛ تاركًا ذلك لفطنة القارئ الذي لا يَخْفَى عليه مخالفة

стр. 38

الأشاعرة مَنْهَج السَّلَف الصالح في العديد من الأُصُول والمسائل الكِبار. فاكتفيتُ بما ذكرتُه في هذا المبحث؛ لكي لا يخرج كتاب أصول الفقه عن مقصوده. ومَن أراد تفصيل ذلك فَلْيرجِع إلى الكُتب التي تناولت هذا الموضوع، منها: ١ - كتابِي "الرد على القرضاوي والجديع والعلواني، ج ١/ ١٤٨ - ١٧٦". ٢ - "منهج الأشاعرة في العقيدة" للدكتور سفر الحوالي. ٣ - "التمييز في بيان أن مذهب الأشاعرة ليس على مذهب السلف العزيز" لأبي عمر حاي بن سالم. ٤ - "نقض عقائد الأشاعرة والماتريدية" لخالد علي. ٥ - "الأشاعرة في ميزان أهل السُّنة" لفيصل الجاسم. ٦ - "مسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه" د. خالد عبد اللطيف. ٧ - "المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدَّين" للدكتور محمد العروسي. ٨ - مقدمة تحقيق "الأسماء والصفات" للإمام البيهقي، تحقيق: محمد محب الدين أبو زيد، الناشر: مكتبة التوعية الإسلامية - الهرم. المبحث الثامن: اشتمال شرح البرماوي على فوائد لم يذكرها الزركشي في "البحر المحيط " اشتمل شرح البرماوي على أشياء كثيرة غير موجودة في "البحر المحيط" و"تشنيف المسامع" لشيخه الزركشي، ففي شرح البرماوي "فوائد، وتنبيهات، وتحقيقات،

стр. 39

وتحريرات، وتقريرات، ونقولات، ومناقشات، وتطبيقات فقهية" لَمْ يتعرض لها الإمام الزركشي في كِتابَيْه المذكورَين. وأكتفي بِذِكْر خمسة أمثلة توضح ذلك: المثال الأول: إذَا قرأ القارئ مبحث "الاستقراء" مِن باب "الأدلة المختَلَف فيها" في "البحر المحيط" للزركشي ثم قرأه في شرح الألفية للبرماوي، فسيجد في شرح البرماوي (مِن الأدلة والمناقشات والتطبيقات والفوائد والتنبيهات) ما لن يجده في "البحر المحيط" أو في "تشنيف المسامع بجمع الجوامع". المثال الثاني: ذكر البرماوي كلامًا للسبكي مِن "جمع الجوامع"، ثم قال (٢/ ٨٥١): (وتَوقَّف كثير مِن العَصريين في مراد المصنِّف بذلك، حتى إنَّ شيخنا بدر الدين الزركشي - رحمه الله تعالى - لم يتعرض لشرح ذلك، بل بَيَّضَ له. وقد ألهمني الله مقصوده بذلك مِن كلامه في "شرح المختصر"، فإنه ... ). انتهى ثم نقل كلام السبكي من كتابه (رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب)، ثم قال البرماوي: (وفيما قاله نَظَر مِن وجوه: الأول ... ثانيها ... ثالثها ... سادسها ... ). قلتُ: فاشتمل شرح البرماوي على مناقشات وتعقبات وتحريرات وغير ذلك مما لا تَخفَى فوائده. المثال الثالث: قال البرماوي في شرح الألفية (٣/ ١٢٣١): (وتَرِد صيغة النهي مجازًا لهذه المعاني: أحدها ... ، الثامن: التسوية، ولم أر مَن ذكره، وهو أَوْلى بالذكر من كثير مما ذكروه، ويمثَّل له بقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦]؛ لأن المراد التسوية في الأمرين). المثال الرابع: قال البرماوي في شرح الألفية (٤/ ١٦٠٠): (لكن فيما قالوه نظر من

стр. 40

وجهين، أحدهما: أن الشيخ أبا حيان نقل التخصيص بالبدل عن الشافعي، إذ قال في قصيدته التي رويناها عن شيخنا شيخ الإسلام البلقيني قراءة عليه عن أبي حيان متضمنة لمدح الشافعي ﵀: "إنه هو الذي استنبط الفن الأصولي، وإنه الذي يقول بتخصيص العموم بالبدلين". ومراده: بدل البعض، وبدل الاشتمال. فاستفدنا منه أن بدل الاشتمال في معنى بدل البعض في التخصيص عند مَن يقول به). المثال الخامس: قال البرماوي في شرح الألفية (١/ ٢٧٣): (وأما العارِيَّة: فقال الغزالي في "الوسيط" بَعْد حكاية الخلاف في إعارة الدراهم والدنانير: "فإنْ أَبْطَلناها، ففي طريقة العراق أنها مضمونة؛ لأنها إعارة فاسدة. وفي طريقة المراوزة أنها غير مضمونة؛ لأنها غير قابلة للإعارة؛ فهي باطلة". انتهى. نَعَم، كان ينبغي أنْ يقول: "فإنْ لَمْ نُصححها، ففي طريقة العراق" إلى آخِره؛ لأنَّ عدم الصحة هو المنقسم إلى فساد وبطلان، لا أنَّ البطلان هو المنقسم؛ لأنَّ الشيء لا ينقسم إلى نَفْسه وغيْره). انتهى قلتُ: وهذا يدل على قوة نَظر البرماوي وتَأَمُّله وَدِقَّة فَهْمه؛ فالباطل لا ينقسم إلى فاسد وباطل. فعبارة الغزالي المنقولة هكذا: (فإنْ أَبْطَلناها ففي طريقة العراق أنها .. فاسدة، وفي طريقة المراوزة أنها .. باطلة). فيكون البطلان قد انقسم إلى فاسد وباطل، يعني انقسم إلى نَفْسه وغَيْره! ويرى البرماوي أنَّ الصواب أن تكون العبارة هكذا: (فإنْ لَمْ نُصححها ففي طريقة العراق أنها .. فاسدة، وفي طريقة المراوزة أنها .. باطلة). وبذلك يكون عدم الصحة قد انقسم إلى فاسد وباطل. وعبارة الغزالي المذكورة: (فإنْ أبطلناها ... ) قد ذكرها جَمْعٌ من كبار علماء أصول
следующие страницы →