← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

المزارعة، وأمر بالمؤاجرة، وقال: "لا بأس بها" (١). • وجه الدلالة: أن من أجر ما استأجر بمثل الأجرة فقد عقَد عقْد إجارة صحيح لا شبهة فيه، فدخل في عموم الجواز الذي أمر به النبي ﷺ (٢). الثاني: القياس على بيع الأعيان: فكما أن للمشتري بيع العين بمثل ما اشتراها به فكذلك في بيع المنافع، بجامع أن كلا منهما عقد معاوضة. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٥٠] جواز إجارة المشاع من الشريك: • المراد بالمسألة: إذا كانت الشراكة بين اثنين في مال، ولم يكن هذا المال مقسوما بينهما، وإنما ملكهما عليه مشاعٌ شيوعا أصليا وليس طارئًا، ثم أراد أحدهما أن يؤجر نصيبه على شريكه، فإن هذا جائز بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الإسبيجابي (في حدود: ٤٨٠ هـ) يقول: [إجارة المشاع من شريكه، جائزة بالإجماع]. نقله عنه العيني، والشلبي (٣). • الطرابلسي (٨٤٤ هـ) يقول: [لو أجر أحد الشريكين نصيبه من شريكه، جاز بالإجماع] (٤). • عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (١٠٧٨ هـ) يقول: [(ولا تصح إجارة المشاع) سواء كان الشيوع فيما يحتمل القسمة: كالعروض، أو فيما لا يحتمل

стр. 1437

القسمة: كالعبد. . . (إلا من الشريك) فإنه يجوز إجماعا] (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على البيع: فكما أنه يجوز بيع المشاع، فكذلك إجارته، بجامع أن كلا منهما بيع، فالإجارة بيع منافع، والبيع بيع أعيان (٣). الثاني: أنه يجوز إذا وقع التأجير من الشريكين معا، فجاز لأحدهما فعله في نصيبه مفردا، كالبيع (٤). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنفية في رواية عندهم هي المنقولة عن الإمام أبي حنيفة، واختارها زفر، وقالوا: لا تجوز إجارة المشاع مطلقًا من الشريك ومن غيره (٥). استدل هؤلاء: بالقياس على غير الشريك: فكما أنه لا يجوز من غير الشريك، فكذلك لا يجوز مع الشريك، كالرهن والهبة (٦). النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها (٧).

стр. 1438

٥١] عدم صحة الإكراه في الإجارة: • المراد بالمسألة: إذا أُكْره المؤجر على عقد الإجارة بغير حق، فإن الإجارة لا تصح، وهو مخيَّر بعد ارتفاع الإكراه عنه بين الفسخ والمضي فيه، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [إذا كانوا مكرهين على الإجارة بغير حق، لم تصح الإجارة، ولم تلزم، بلا نزاع بين الأئمة] (١). ويقول أيضًا: [المكره بغير حق، لا يلزم بيعه، ولا إجارته، ولا إنفاذه، باتفاق المسلمين] (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن الإجارة تعد من التجارة، فلا بد فيها من التراضي بين الطرفين، وإلا عُد ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، والإكراه على الإجارة لا يحصل فيه الرضا، ومن ثَمَّ لا تترتب عليه آثاره (٥). الثاني: عن ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ خطب الناس في حجة الوداع فقال: "لا يحل لامرئ من مال أخيه، إلا ما أعطاه عن طيب نفس" (٦).

стр. 1439

• وجه الدلالة: أن المكره على العقد الذي اشتمل على المال -أيًّا كان هذا العقد- قد أُخذ ماله بغير طيب نفس منه، فلا يحل للآخذ أخذه (١). الثالث: القياس على البيع: فكما أنه لا يصح الإكراه فيه بغير حق، فكذلك الإجارة، بجامع أن كلا منهما معاوضة بين طرفين. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. * * *

стр. 1440

الباب الرابع: مسائل الإجماع في كتاب المساقاة والمزارعة ١] مشروعية المساقاة: • المراد بالمسألة: المساقاة في اللغة: مأخوذة من السقي، وهو: إشراب الشيء الماء وما أشبهه (١). • وفي الاصطلاح: دفع شجر مغروس معلوم، ذي ثمر مأكول لمن يعمل عليه بجزء شائع معلوم من ثمره (٢). • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [والأصل في جوازها: السنة والإجماع. . .، وأما الإجماع: فقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ وعن آبائه: [عامل رسول اللَّه ﷺ أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع، وهذا عمل به الخلفاء الراشدون في مدة خلافتهم] واشتهر ذلك، فلم ينكره منكر، فكان إجماعا] (٣).

стр. 1441

• شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [والأصل في جوازها: السنة والإجماع. . .، وأما الإجماع: فقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب ﵁ وعن آبائه: [عامل رسول اللَّه ﷺ أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع، وهذا عمل به الخلفاء الراشدون في مدة خلافتهم] (١) واشتهر ذلك، فلم ينكره منكر، فكان إجماعا] (٢). • زكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ) يقول: [والأصل فيها -أي: المساقاة - قبل الإجماع. . . .] (٣). • ابن حجر الهيتمي (٩٧٤ هـ) يقول: [والأصل فيها قبل الإجماع. . . .] (٤). • الشربيني (٩٧٧ هـ) يقول: [والأصل فيها قبل الإجماع. . .] (٥). • الرملي (١٠٠٤ هـ) يقول: [والأصل فيها قبل الإجماع. . . .] (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (٧).

стр. 1442

• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ تعامل مع أهل خيبر بالمزارعة والمساقاة، فدل على جوازهما (٢). الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قالت الأنصار للنبي ﷺ : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: "لا" فقالوا: تكفوننا المؤونة، ونشرككم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا (٣). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقرهم على هذه المعاملة وهي أن يكفوهم مؤونة الزرع من سقي ونحوه مما يحتاجه، ولهم جزء من الثمرة، وهذه صورة المساقاة (٤). الثالث: المعنى يدل على جوازها، فإن كثيرا من أهل النخيل والشجر يعجزون عن عمارتها وسقيها، ولا يمكنهم الاستئجار عليها، وكثير من الناس لا شجر لهم، ويحتاجون إلى الثمر، ففي تجويز المساقاة دفع للحاجتين، وتحصيل لمصلحة الفئتين، فجاز ذلك، كالمضاربة بالأثمان (٥). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: أبو حنيفة وزفر، فقالا: لا تجوز المساقاة (٦). وقال بكراهتها: الحسن وإبراهيم (٧).

стр. 1443

ويستدل هؤلاء بدليل عقلي، وهو: أن هذا العقد يعتبر عقد إجارة، وقد اشتمل على عدة محاذير كلها لا تجوز، منها: أن الأجرة مجهولة معدومة، وكذلك في وجودها خطر، وكل واحد من المعنيين يمنع صحة الاستئجار؛ لأن الاستئجار بما يكون على خطر الوجود، في معنى تعليق الإجارة بالخطر، والاستئجار بأجرة مجهولة بمنزلة البيع بثمن مجهول، وكلاهما منهي عنه. وقد جاء في حديث أبي سعيد ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن استئجار الأجير حتى يُبيِّن له أجره" (١). النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ولعل الذين حكوا الإجماع من العلماء قصدوا أن مخالفة من خالف تعد شاذة لا اعتبار لها، وقد نص على ذلك ابن المنذر (٢)، ولا يقال بأن العذر أنهم لم يطلعوا على الخلاف في المسألة؛ لأنه خلاف مشتهر ومعروف، ويتناقله العلماء حتى الشافعية في كتبهم. ٢] تحريم المساقاة على ما لا ثمر له: • المراد بالمسألة: الشجر: منه ما له ثمرة، ومنه ما ليس له ثمرة، والذي له ثمرة: منه ما ثمرته مقصودة، ومنه ما ثمرته غير مقصودة، والمساقاة لا تجوز في كل ما لا ثمرة له كالصفصاف والحور ونحوها، أو له ثمرة لكنها غير مقصودة كالصنوبر والأرز ونحوها، بلا خلاف بين العلماء. ويستثنى من هذا الضابط ما يقصد ورقه أو زهره كالورد والياسمين ونحوها. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [وأما ما لا ثمر له من الشجر: كالصفصاف والجوز (٣) ونحوهما، أو له ثمر غير مقصود: كالصنوبر والأرز، فلا تجوز

стр. 1444

المساقاة عليه. وبه قال مالك، والشافعي، ولا نعلم فيه خلافا] (١). نقله عنه برهان الدين ابن مفلح، والبهوتي (٢). • شمس الدين ابن قدمة (٦٨٢ هـ) يقول: [وأما ما لا ثمر له من الشجر: كالصفصاف والجوز ونحوهما، أو له ثمر غير مقصود: كالصنوبر والأرز، فلا تجوز المساقاة عليه. وبه قال مالك، والشافعي، ولا نعلم فيه خلافا] (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر ﵄ "أن رسول اللَّه ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" (٥). • وجه الدلالة: أن الشجر الذي لا ثمر له ليس منصوصا عليه، ولا في معنى المنصوص عليه، فلا تحل المساقاة عليه. الثاني: أن المساقاة قائمة على جعل المعاوضة في الثمرة، فإذا لم تكن ثمة ثمرة فقد اختل ركن من أركان العقد (٦). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنفية، وأبو ثور، فقالوا: تجوز المساقاة على

стр. 1445

الشجر مطلقًا، سواء كان له ثمر أم لا (١). واستدل هؤلاء بدليل من المعقول، وهو: أن الشجر الذي له ثمر يحتاج إلى رعاية وحفظ وسقي، ومثل هذه الأمور تجوز المعاقدة عليها (٢). النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ٣] تحريم المساقاة فيما لا تزيد به الثمرة: • المراد بالمسألة: الثمرة إذا بلغت حدا لا تزيد معه بعد بدو صلاحها كالجذاذ والحصاد ونحوهما، لم تجز المساقاة عليها، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [. . . فإن بقي -أي: عند عقد المساقاة- ما لا تزيد به الثمرة، كالجذاذ ونحوه، لم يجز -أي: العقد- بغير خلاف] (٣). نقله عنه البهوتي (٤). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [. . . فإن بقي -أي: عند عقد المساقاة- ما لا تزيد به الثمرة، كالجذاذ ونحوه، لم يجز -أي: العقد- بغير خلاف] (٥). • برهان الدين ابن مفلح (٨٨٤ هـ) يقول: [فإن بقي ما لا تزيد به كالجداد، لم يجز بغير خلاف] (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (٧).

стр. 1446

• مستند الإجماع: يستدل لهذا الإجماع بدليل من المعقول، وهو: أن العامل لا يستحق الأجر إلا بالعمل، والعمل قد ذهب معظمه بعد تناهي الثمرة وإدراكها، فيكون العقد قد اختل جزء من أجزائه وهو العمل، فلا يصح (١). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٤] فساد اشتراط اشتراك المتساقيين في الأرض والشجر: • المراد بالمسألة: إذا وقع عقد المساقاة بين طرفين، دفع أحدهما الأرض إلى الآخر، على أن تقع المشاركة بينهما في الشجر والأرض جميعا، فالعقد فاسد بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [وإن دفعها -أي: الأرض - على أن الأرض والشجر بينهما، فالمعاملة فاسدة، وجها واحدا. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، ولا نعلم فيه مخالفا] (٢). نقله عنه البهوتي، والرحيباني (٣). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [فأما إن دفعها -أي: الأرض- على أن الأرض والشجر بينهما، فذلك فاسد، وجها واحدا. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، ولا نعلم فيه مخالفا] (٤). • برهان الدين ابن مفلح (٨٨٤ هـ) يقول: [فلو دفعها إليه على أن الأرض والشجر بينهما، فذلك فاسد، بغير خلاف نعلمه] (٥).

стр. 1447

• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن صاحب الأرض يكون مشتريا لنصف الثمرة من العامل بنصف الأرض، والثمرة مجهولة ومعدومة، فلا يجوز العقد على مثل هذا. الثاني: القياس على ما إذا استأجر أجيرا ليجعل أرضه بستانا بآلات الأجير، على أن تكون أجرته نصف البستان الذي يظهر بعمله، فكما أنه لا يجوز هذا العقد فكذلك معنا، بجامع جهالة الثمن في كلًّ منهما (٢). الثالث: القياس على مسألة من دفع إليه الشجر والنخيل ليكون الأصل والثمرة بينهما، أو شرط في المزارعة كون الأرض والزرع بينهما، فإنه لا يجوز مثل هذا، والجامع بين المسألتين: أن كلا منهما شرط المشاركة في الأصل، وهذا يفسد العقد (٣). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: المالكية، فقالوا: يجوز أن يكون الطرفان شريكين في الأرض والشجر (٤). واستدلوا بدليل من المعقول، وهو:

стр. 1448

القياس على المساقاة: فكما أنها جائزة بنص السنة، فكذلك هذه المسألة (١). النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ٥] بطلان المزارعة على جزء معين من الزرع: • المراد بالمسألة: المزارعة في اللغة: مأخوذة من الزرع، وأصل الكلمة يدل على تنمية الشيء (٢)، يقال: العبد يحرث، واللَّه يزرع، أي: ينبت وينمي، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ (٣). وزرع الزارع الأرض من إسناد الفعل إلى السبب مجازا (٤). • وفي الاصطلاح: معاقدة على الزرع بين صاحب الأرض وبين المزارع، على أن يقسم الحاصل بينهما بالحصص التي يتفقان عليها وقت العقد (٥). إذا دفع أرضه إلى من يزرعها ويعمل عليها، واشترط على العامل أن يكون له جزء معين من الزرع، مثل: أن يشترط جهة من الزرع كالجهة الشمالية ونحوها، أو ما يكون على السواقي والجداول ونحوها، فالعقد فاسد، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن بطال (٤٤٩ هـ) يقول: [هذا الوجه المنهي عنه في هذا الحديث -أي: حديث رافع- لا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز] (٦). • الماوردي (٤٥٠ هـ) يقول: [. . . فأما الضرب الذي أجمعوا على فساده: فهي أن تكون حصة كل واحد منهما من زرع الأرض مفردة عن حصة صاحبه، مثل

стр. 1449

أن يقول: قد زارعتك على هذه الأرض على أن ما زرعت من هرن (١) كان لي، وما زرعت من أفل (٢) كان لك، أو على ما نبت من الماذيانات (٣) كان لي، وما نبت على السواقي والجداول كان لك، أو على أن ما سقي بالسماء فهو لي، وما سقي بالرشاء فهو لك، فهذه مزارعة باطلة، اتفاق الفقهاء على فسادها] (٤). • العمراني (٥٥٨ هـ) يقول: [فإن دفع رجل إلى رجل أرضا ليزرعها، على أن يكون لرب الأرض أو للعامل زرع موضع بعينه، مثل: أن يقول: زارعتك على هذه الأرض، على أن لك ما ينبت على السواقي وما أشبه ذلك، والباقي لي، فهذا باطل بالإجماع] (٥). • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [وإن زارعه على أن لرب الأرض زرعا بعينه، وللعامل زرعا بعينه، مثل أن يشترط لأحدهما زرع ناحية، وللآخر زرع أخرى، أو يشترط أحدهما ما على السواقي والجداول، إما منفردا، أو مع نصيبه، فهو فاسد بإجماع العلماء] (٦). نقله عنه البهوتي (٧). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [لو شرط لأحدهما (دراهم معلومة، أو زرع ناحية معينة) أو يشترط لأحدهما ما على الجداول، إما منفردا أو مع نصيبه، فهو فاسد بإجماع العلماء] (٨).

стр. 1450

• ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [والذي نهى عنه النبي ﷺ من المخابرة وكراء الأرض، قد جاء مفسرا بأنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة معينة، ومثل هذا الشرط باطل بالنص والإجماع] (١). ويقول أيضًا: [. . . وما أعلم فيه مخالفا، أنه لا يجوز أن يشترط لأحدهما ثمرة شجرة بعينها، ولا مقدارا محدودا من الثمر، وكذلك لا يشترط لأحدهما زرع مكان معين، ولا مقدارا محدودا من نماء الزرع، وكذلك لا يشترط لأحدهما ربح سلعة بعينها، ولا مقدارا محدودا من الربح] (٢). • برهان الدين ابن مفلح (٨٨٤ هـ) يقول: [. . . (أو شرطا لأحدهما قفزانا معلومة. . .، أو دراهم معلومة. . .، أو زرع ناحية من الأرض فسدت المزارعة والمساقاة) بإجماع العلماء] (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن حنظلة بن قيس الأنصاري (٥) قال: سألت رافع بن خديج ﵁ عن

стр. 1451

كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: "لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي ﷺ على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهاهم عما كانوا يتعاملون به، وهو اشتراط جزء معين من الزرع في المزارعة، فدل ذلك على تحريمه. الثاني: أن اشتراط جزء معين من الزرع، لا يؤمن عليه التلف، فيقع الحيف والجور في المعاملة؛ لاحتمال انفراد أحدهما بالغلة دون صاحبه (٢). الثالث: أن المزارعة فيها معنى المشاركة، واشتراط جزء معين يؤدي إلى قطع المشاركة بينهما في الريع مع حصوله؛ لجواز أن يحصل الريع في الناحية المشروطة لأحدهما دون الآخر، فصار كما لو اشترط جزءا معلوما من الربح في المضاربة (٣). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٦] تحريم اشتراط منفعة على العامل في المزارعة: • المراد بالمسألة: إذا وقع العقد بين طرفين على المزارعة، واشترط رب الأرض على العامل شرطا خارجا عن مقتضى العقد، يكون فيه منفعة له، مثل: أن يشترط عليه استعارة دوابه، أو رعي ماشيته، أو يزرع له أرضا أخرى غير التي وقع عليها العقد، وما أشبه ذلك، فهذا الشرط محرم، بلا نزاع من العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [يشترط أحدهما على الآخر، أن يزرع له أرضا أخرى، أو يبضعه بضاعة يختص ربها بربحها، أو يسقي له شجرة أخرى، ونحو

стр. 1452

ذلك مما قد يفعله كثير من الناس، فإن العامل لحاجته قد يشترط عليه المالك نفعه في قالب آخر، فيضاربه، ويبضعه بضاعة، أو يعامله على شجر وأرض، ويستعمله في أرض أخرى، أو في إعانة ماشية له، أو يشترط استعارة دوابه، أو غير ذلك، فإن هذا لا يجوز شرطه، بلا نزاع أعلمه بين العلماء] (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على اشتراط جزء معين في المزارعة؛ لأنه إذا اشترط عليه منفعة معينة مع العمل، فإنه يكون قد اختص أحدهما باستيفاء هذه المنفعة، وقد لا يحصل نماء للزرع، أو يحصل دون ما ظنه، فيكون الآخر قد أخذ منفعته بالباطل، وقامره وراباه، فإن فيه ربا وميسرا، وكلها محرمة (٣). الثاني: أن هذا شرط يخالف حكم اللَّه ورسوله؛ لاشتماله على المحرم شرعا، وكل شرط محرم شرعا لا يجوز اشتراطه. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٧] جواز اشتراط استئجار الأرض وزراعة ما شاء فيها: • المراد بالمسألة: إذا استاجر أرضا، وشرط عليه المستأجر أن يزرع فيها ما

стр. 1453

يشاء، أو يغرس فيها ما يشاء، من غير أن يحدد زرعا أو غرسا معينا، فإن هذا الشرط جائز، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [لو استأجرها -أي: الأرض- ليزرع فيها ما شاء، أو يغرس ما شاء، يجوز بالإجماع] (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية في قول عندهم، وهو الأصح عند جمهور الشافعية، وكذا الصحيح من مذهب الحنابلة (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أنه أطلق له في العقد، وجعل له ما شاء من الزرع، فيجوز له استئجارها لأكثر الزرع ضررا، ويباح له جميع الأنواع، بناء على الإطلاق الذي بُني عليه العقد (٣). الثاني: أن الجهالة في الإطلاق هنا غير مفضية للنزاع؛ وذلك لوجود الشرط الذي وقع عليه التراضي (٤). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: المالكية في المشهور عنهم، والشافعية في وجه عندهم، وكذلك الحنابلة في وجه أيضًا عندهم، وابن حزم من الظاهرية، فقالوا: بعدم جواز استئجار الأرض، واشتراط زراعة ما شاء فيها (٥).

стр. 1454

واستدل هؤلاء: بالقياس على ما لو باعه عبدا من عبيده، بجامع الجهالة في كل منهما، والتفاوت في النوع الواحد، فالعبيد مختلفون، وكذلك الزراعة تختلف باختلاف نوعها (١). النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ٨] جواز استئجار الأرض التي لها ماء دائم للزرع والغرس: • المراد بالمسألة: استئجار الأرضِ له مشارب مختلفة، فمن استأجرها من أجل الغرس والزرع، وكان لها ماء دائم - وهو: إما نهر لم تجر العادة بانقطاعه، أو لا ينقطع إلا مدة لا يؤثر في الزرع، أو عين نابعة، أو بركة يجتمع فيها مياه الأمطار ثم يسقى به، أو بئر يقوم بكفاية الزرع، أو ما يشرب بعروقه لنداوة الأرض وقرب الماء الذي فيها - فإن الإجارة صحيحة، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [ويصح استئجارها -أي: الأرض التي يكون لها ماء دائم- للغرس والزرع، بغير خلاف علمناه] (٢). نقله عنه البهوتي، والرحيباني (٣). • عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول: [وإن كان لها ماء دائم، من نحو: نهر، أو بئر، صح الاستئجار للغرس والزرع، بلا خلاف] (٤). • الموافقون على الإجماع:

стр. 1455

وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من المعقول، وهو: أن المنفعة معلومة، مقدور على تسليمها، والمستأجر قد تمكن من استلامها حقيقة، فتصح الإجارة عليها (٢). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٩] جواز إجارة الأرض بالذهب والفضة: • المراد بالمسألة: الأرض البيضاء التي لا شيء فيها، يجوز لمالكها إجارتها بالنقدين الذهب والفضة، إذا توفرت فيها شروط الإجارة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الإمام أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ) يقول: [ما اختلفوا في الذهب والورق]. نقله عنه ابن المنذر، وابن قدامة (٣). • الطبري (٣١٠ هـ) يقول: [واختلفوا في كراء الأرض البيضاء، بشيء من جنس المكترى له، بعد إجماعهم على أنها إذا اكتُريت بالذهب والورق، فجائز] (٤). • ابن المنذر (٣١٨ هـ) يقول: [وأجمع عوام أهل العلم على أن اكتراء الأرض، وقتا معلوما، جائز بالذهب والفضة. . .، وأجازه كل من نحفظ عنه من

стр. 1456

أصحاب رسول اللَّه ﷺ ] (١). نقله عنه ابن قدامة، وابن القطان، وشمس الدين ابن قدامة، وابن حجر، والعيني، والشوكاني (٢). • ابن بطال (٤٤٩ هـ) يقول: [اتفق العلماء على أنه يجوز كراء الأرض بالذهب والفضة] (٣). نقله عنه ابن حجر، والشوكاني (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن حنظلة بن قيس أنه سأل رافع بن خديج عن كراء الأرض؟ فقال: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن كراء الأرض ببعض ما يخرج منها"، فسأله عن كرائها بالذهب والورق؟ فقال: "لا بأس بكرائها بالذهب والورق" (٥). الثاني: عن رافع بن خديج ﵁ قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن المزابنة والمحاقلة، وقال: "إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فهو يزرعها، ورجل منح أخاه أرضا فهو يزرع ما منح منها، ورجل اكترى بذهب أو فضة" (٦). • وجه الدلالة من الحديثين: هذان الحديثان صريحان في جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، وهو مقيد للتحريم المطلق عن كراء الأرض.

стр. 1457

• المخالفون للإجماع: نُقل الخلاف في المسألة عن جمع من الصحابة والتابعين أنهم قالوا بالنهي عن كراء الأرض بالذهب والفضة، منهم: ابن عمر، وجابر، وابن عباس، ورافع بن خديج، ومجاهد، والحسن، وطاوس، وعكرمة، والقاسم بن محمد (١)، وابن سيرين، وعطاء، ومكحول، ومسروق، ونصر هذا القول ابن حزم من الظاهرية (٢). واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها: الأول: عن رافع بن خديج ﵁ قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن كراء الأرض" (٣). الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه" (٤). الثالث: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن المزابنة والمحاقلة". المحاقلة: كراء الأرض (٥) (٦). أما الأقوال عن الصحابة والتابعين فلم أجد من نقل هذا عنهم غير ابن حزم إلا ما نقل عن طاوس والحسن وعطاء فقط (٧)، والبقية قد انفرد ابن حزم بذكر القول

стр. 1458

عنهم. ولا شك أن هذا الانفراد في النقل عن هؤلاء الأئمة يدعو إلى الريبة والشك، ويتطلب أخذ الحيطة والحذر في الجزم بالنسبة إليهم. ويجاب عما نقله ابن حزم عنهم بما يلي: أولًا: أن عامة هذه النقول جاءت عامة في النهي عن كراء الأرض، وقد جاء استثناء الذهب والفضة في نصوص أخرى، كما جاء ذلك في الأحاديث التي وردت عن النبي ﷺ ، فلا يمكن فصل هذه النصوص بعضها عن بعض، والذين ورد عنهم النهي المطلق، لا يدل على عدم التقييد عندهم (١). ثم إن هذه النقول عن هؤلاء، لا تخفى على العلماء، ولم يُنقل أن واحدا منهم نقل هذا النقول التي انفرد بأكثرها ابن حزم، فدل على أنهم فهموا غير ما فهمه ابن حزم منها، وأنها ليست على إطلاقها، ومما يتأيد به هذا الكلام، نَقْل ابن المنذر الإجماع عن الصحابة، وإقرار ابن حجر والعيني له على ذلك. ثانيًا: أن النهي الذي جاء عنهم محمول على ما يكون فيه غرر وجهالة، تفضي إلى النزاع والشقاق، وهو منتف في كراء الأرض بالذهب والفضة، ويدل على هذا المعنى ما جاء في حديث رافع، وفيه: "كُنَّا أكثر أهل المدينة حقلًا، وكان أحدنا يكري أرضه، فيقول: هذه القطعة لي، وهذه لك، فربما أَخرجت ذه، ولم تُخرج ذه، فنهاهم النبي ﷺ ". وفي لفظ له أيضًا "فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه، فنهينا عن ذلك، ولم نُنْه عن الوَرق" (٢). ثالثًا: من هذه الآثار ما يغلب على الظن تراجع أصحابها عنها، كما هو الحال في قول طاوس -وهو الذي اشتهر عنه القول به- فقد جاء عنه كراهة كراء الأرض بالذهب والفضة صريحا، وقد نص بعض العلماء على أن هذا هو أحد قوليه (٣). ومن العلماء من شكك في نسبة هذا القول إليه وإلى الحسن، ومن هؤلاء: القاضي

стр. 1459

عبد الوهاب حيث قال: [ولا أظن الحكاية ثابتة] (١). رابعًا: من الآثار ما يغلب على الظن أن أصحابها قالوها تورعا وتركوها احتياطا، كما ورد عن ابن عمر (٢)، ويدل لهذا ما أخبر به سالم بن عبد اللَّه أن عبد اللَّه بن عمر كان يكري أراضيه، حتى بلغه أن رافع بن خديج الأنصاري كان ينهى عن كراء الأرض، فلقيه عبد اللَّه، فقال: يا ابن خديج ماذا تُحدث عن رسول اللَّه ﷺ في كراء الأرض؟ قال رافع بن خديج لعبد اللَّه: سمعت عَمّيَّ -وكانا قد شهدا بدرا- يحدثان أهل الدار أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن كراء الأرض، قال عبد اللَّه: لقد كنت أعلم في عهد رسول اللَّه ﷺ أن الأرض تكرى، ثم خشي عبد اللَّه أن يكون رسول اللَّه ﷺ أحدث في ذلك شيئًا لم يكن علمه، فترك كراء الأرض (٣). فخشْيَة ابن عمر تدل على تورعه كما هو معروف عنه، ولا يمكن أن يجزم بأن هذا رأي له. ولذا جاء في رواية أنه كان إذا سئل عن ذلك؟ قال: زعم رافع أن النبي ﷺ نهى عن ذلك. وأصرح من هذا ما رواه نافع عنه قال: كان ابن عمر يُكري أرضه فأخبر بحديث رافع بن خديج فأخبره، فقال: قد علمت أن أهل الأرض يعطون أراضيهم على عهد رسول اللَّه ﷺ ، ويشترط صاحب الأرض أن لي الماذيانات، وما سقى الربيع، ويشترط من الجرين (٤) شيئًا معلوما، قال: فكان ابن عمر يظن أن النهي لما كانوا يشترطون (٥). وهذا يدل على أن النهي إنما هو إذا كان شرط بين المتعاقدين على أن له شيء محدد من الأرض، وهذا فيه جهالة وضمان، وكلها فاسدة لا تجوز. خامسًا: أن الذين ورد عنهم النهي، لعل مردَّه إلى ما قاله رافع بن خديج ﵁، وإنما هو فَهْم فهمه على غير وجهه، كما يدل على ذلك ما جاء عن زيد بن ثابت حين قال: يغفر اللَّه لرافع بن خديج! أنا -واللَّه- أعلم بالحديث منه، إنما كانا

стр. 1460

رجلين اقتتلا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن كان هذا شأنكم، فلا تكروا المزارع" فسمع قوله: "لا تكروا المزارع" (١). ثم إن من العلماء من أنكر ذلك على رافع، منهم: سالم بن عبد اللَّه بن عمر فقد حدث عنه ابن شهاب أنه قال: سألت سالما عن كراء الأرض بالذهب والفضة؟ فقال: [لا بأس بذلك]، قال فقلت: أرأيت الحديث الذي يُذكر عن رافع بن خديج؟ فقال: [أكثر رافع بن خديج، ولو كانت لي أرض أكريتها] (٢). وقد ثبت عن رافع أنه أجاز كراء الأرض بالذهب والفضة حين سئل عن ذلك، فقال: [لا بأس بكرائها بالذهب والورق] (٣). على أن من العلماء من ضعف حديث رافع، وحكم عليه بالاضطراب، كما جاء عن الإمام أحمد أنه قال: [حديث رافع ألوان] وقال: [حديث رافع ضروب] وقال ابن القيم قبل أن ينقل ذلك عن الإمام أحمد: [حديث رافع في غاية الاضطراب والتلون] (٤). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة، وما ذكر من الأقوال فما كان ثابتا صحيحا وهو قليل، فإنه يعتبر شاذ لا يُعْتد به، خاصة وأن ممن حكى الإجماع الإمام أحمد، وهو الذي عرف عنه شدة تورعه عن حكاية الإجماع، ومما يؤكد ذلك أن ابن المنذر نص على عدم الخلاف بين الصحابة في ذلك، فالإجماع في المسألة قديم. * * *

стр. 1461

الباب الخامس: مسائل الإجماع في كتاب الجعالة ١] مشروعية الجعالة: • المراد بالمسألة: الجعالة بالفتح، والاسم منه بالضم وهي في اللغة: مأخوذة من الجُعل، وهو ما يجعل للإنسان على الأمر يفعله (١). • وفي الاصطلاح: التزام عوض معلوم، على عمل معين، معلوم أو مجهول، يعسر عمله (٢). والعلماء مجمعون -من حيث الأصل- على جواز الجعالة بهذا المعنى. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [الجعالة في رد الضالة والآبق وغيرهما جائزة، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفا] (٣). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [الجعالة: أن يجعل جعلا من رد آبق، أو ضالة، أو بناء حائط، أو خياطة ثوب، وسائر ما تجوز الإجارة عليه. وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفا] (٤). • زكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ) يقول بعد أن ذكر تعريف الجعالة: [والأصل فيها قبل الإجماع. . .] (٥).

стр. 1462

• ابن حجر الهيتمي (٩٧٤ هـ) يقول: [وأصلها قبل الإجماع. . . .] (١). • الشربيني (٩٧٧ هـ) يقول: [والأصل فيها قبل الإجماع. . . .] (٢). • الرملي (١٠٠٤ هـ) يقول: [والأصل فيها: الإجماع] (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٥). • وجه الدلالة: أنهم جعلوا جعلا لمن جاء بصواع الملك الذي فقدوه، وهو حمل بعير، وكان معروفا عندهم، فدل على جواز الجعالة، وشرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يأت في شرعنا ما يخالفه (٦). الثاني: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ أتوا على حي من أحياء العرب، فلم يُقْروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء، أو راقٍ؟ فقالوا: إنكم لم تُقْرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعْلا، فجعلوا لهم قطيعا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ، فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي ﷺ فسألوه؟ فضحك، وقال: "وما أدراك أنها رقية! خذوها، واضربوا لي بسهم" (٧) (٨). • وجه الدلالة: أن هؤلاء النفر من الصحابة ﵃ رفضوا أن يرقوا سيد القوم إلا

стр. 1463

بجعل يجعلوه لهم، والنبي ﷺ أقرهم على ذلك، ولم ينكر عليهم، فدل على جواز فعلهم. الثالث: أن الحاجة داعية لمثل هذا العقد، فقد يشرد العبد وتضل الضالة، ولا يجد من يتبرع له في البحث عنهما، ولا يمكن له أن يستأجر عليهما، وذلك للجهالة في العمل الذي يمنع صحة الإجارة، فلم يبق إلا أن يصح له أن يضع جعلا يستحقه من أدى له هذا العمل، والشارع الحكيم لا يمنع ما فيه منفعة للناس (١). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: ابن حزم الظاهري، قال: لا يجوز الحكم بالجعل على أحد، ولا يقضى له بشيء لو أحضره، لكن يستحب له الوفاء بما وعده إياه (٢). واستدل لقوله: بأن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال (٣)، واللَّه أمر بالتعاون على البر والتقوى، وحق على كل مسلم أن يحفظ مال أخيه إذا وجده، ولا يحل له أخذ ماله بغير طيب نفس منه (٤)، فلا يحل لمن أتى بآبق؛ لأنه فعل ما هو واجب عليه تجاه أخيه (٥). أما استحباب الوفاء بما وعده إياه، فلأنه وعد، والوعد غير واجب الوفاء به في هذه الحالة، وإنما هو على الاستحباب (٦). ولم أجد من وافقه من المتقدمين أو من المتأخرين على قوله هذا. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها. ٢] عدم استحقاق الجعل على عمل غير رد الآبق: • المراد بالمسألة: من عمل لغيره عملا كرد لقطة أو ضالة ونحوها، ولم يكن صاحب العمل قد حدَّد جُعلا لهذا العمل، وهذا العمل لم يكن تخليص متاع لغيره من هلكة متحققة كفلاة أو بحر أو فم سبع، وهو -أي: العامل- غير مُعدٍّ لأخذ

стр. 1464

الأجرة -وهو الذي يرصد نفسه للتكسب بالعمل- وكان العمل غير رد الآبق، فإنه لا يستحق الجعل على هذا العمل، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [ومن رد لقطة أو ضالة، أو عمل لغيره عملا غير رد الآبق، بغير جعل، لم يستحق عوضا، لا نعلم في هذا خلافا] (١). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٢). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [(ومن عمل لغيره عملا بغير جعل، فلا شيء له، إلا في رد الآبق) لا نعلم في هذا خلافا] (٣). • برهان الدين ابن مفلح (٨٨٤ هـ) يقول: [ومن عمل لغيره عملا بغير جعل، فلا شيء له، بغير خلاف نعلمه] (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن العامل بذل منفعته من غير شرط عوض من المالك، فلم يستحق شيئًا على عمله، فهو في هذه الحالة كالمتبرع بعمله. الثاني: أن إلزام المالك بالجعل في هذه الحالة إلزام بغير دليل ولا شرط، فيكون أخذُ المال في هذه الحالة أخذٌ له من غير طيب نفس صاحبه، وهذا ممنوع شرعا (٦).

стр. 1465

النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٣] تقسيم الجعل في حالة تعدد العامل: • المراد بالمسألة: عندما يُحَدد الجاعل جُعلا لمن رد ضالته، ولم يخُص به أحدا بل جَعله عاما، فإنه إذا رده أكثر من واحد، يكون الجعل بينهم على عدد رؤوسهم. أما عندما يحدد مجموعة، كأن يكون عددهم ثلاثة، ويُفَاوت بينهم في مقدار الجعل لكل واحد منهم، فحينئذ إذا أحضروه جميعا، يكون الجعل لكل واحد ثلث ما فُرِض له. وفي حالة ما إذا حدد لواحد المقدار، ولم يحدد للآخرين المقدار، وإنما جعله عوضا مجهولا، ووقع الرد منهم جميعا، فإنه يكون للذي حدد له من المقدار ثلث ما حدد له، وللباقين أجر عملهم. أما إذا جعل لواحد جعلا محددا، فردها ومعه آخران في الرد، فلا يخلو من حالتين: الأولى: أن يكون قصدهما من الرد إعانة الأول، ففي هذا الحالة لا شيء لهما، ويستحق الأول الجعل كله. الثاني: أن يقصدا بعملهما أخذ العوض لأنفسهما، ففي هذه الحالة ليس لهما شيء، ويكون ثلث الجعل للأول. وهذه المسائل لا خلاف بين العلماء فيها. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [إن قال: من رد لقطتي فله دينار، فردها ثلاثة، فلهم الدينار بينهم أثلاثا. . .، فإن جَعَل لواحد في ردها دينارا، ولآخر دينارين، ولثالث ثلاثة، فرده الثلاثة فلكل واحد منهم ثلث ما جُعِل له. . .، فإن جَعَل لواحد دينارا، ولآخرين عوضا مجهولا، فردوه معا، فلصاحب الدينار ثلاثة، وللآخرين أجر عملهما، وإن جعل لواحد شيئًا في ردها، فردها هو وآخران معه، وقالا: رددنا معاونة له، استحق جميع الجعل، ولا شيء لهما، وإن قالا: رددناه

стр. 1466

لنأخذ العوض لأنفسنا، فلا شيء لهما، وله ثلث الجعل. . .، وهذا كله مذهب الشافعي، ولا أعلم فيه خلافا] (١). نقله عنه الرحيباني (٢). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [إن قال: من رد لقطتي فله دينار، فردها ثلاثة، فلهم الدينار بينهم أثلاثا. . .، فإن جعل لواحد في ردها دينارا، ولآخر دينارين، ولثالث ثلاثة، فرده الثلاثة فلكل واحد منهم ثلث ما جعل له. . .، فإن جعل لواحد دينارا، ولآخرين عوضا مجهولا، فردوه معا، فلصاحب الدينار ثلاثة، وللآخرين أجر عملهما، وإن جعل لواحد شيئًا في ردها، فردها هو وآخران معه، وقالا: رددنا معاونة له، استحق جميع الجعل، ولا شيء لهما، وإن قالا: رددناه لنأخذ العوض لأنفسنا، فلا شيء لهما، وله ثلث الجعل. . .، وهذا كله مذهب الشافعي، ولا أعلم فيه خلافا] (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على الأجر في الإجارة: فكما أنه يجوز أن يشتركوا في العمل، فيكون العوض مستحقا بينهم، فكذلك في المسألة معنا، بجامع أن كلا منهما عقدٌ فيه معاوضة. الثاني: أما مسألة ما إذا فاوت في الجعل بين ثلاثة، فردوه جميعا فلكل واحد ثلث ما فُرِض له؛ فلأن كل واحد منهم قد عمل ثلث العمل، فكان مستحقا ثلث ما جُعِل له.

стр. 1467

الثالث: أما في مسألة من جعل لواحد شيئًا في ردها، فردها هو وآخران معه طلبا للعوض، فيكون له الثلث؛ فلأن اللفظ يقتضي استحقاقه جميع الجعل على جميع العمل، وهو قد عمل الثلث، فاستحق ثلث الجعل، ولم يستحق الآخران شيئًا؛ لأنهما عملا من غير أن يجعل لهما الجاعل جعلا (١). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٤] مشروعية أخذ الآبق: • المراد بالمسألة: الآبق هو: ذهاب العبد من سيده، من غير خوف، ولا كدِّ عمل (٢). وإن كان من خوف، أو بسبب كدِّ العمل، فإنه يعد هاربا (٣). فالآبق من مولاه يُشْرع لمن وجده أخذه إذا علم من نفسه قوة على حفظه وصيانته، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [ويجوز أخذ الآبق لمن وجده، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافا] (٤). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [ويجوز أخذ الآبق لمن وجده، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافا] (٥). • العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [(الآبق أخذه أفضل في حق من يقوى عليه) أي: من يقدر على أخذه، ولا نعلم خلافا بين أهل العلم] (٦). • ابن الهمام (٨٦١ هـ) يقول: [قوله (الآبق أخذه أفضل) من تركه (في حق من يقوى عليه) أي: يقدر على حفظه حتى يصل إلى مولاه، بخلاف من يعلم من نفسه العجز عن ذلك والضعف، ولا يعلم في هذا خلاف] (٧).

стр. 1468

• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن العبد لا يؤمن لحاقه بدار الحرب، وارتداده، واشتغاله بالفساد في سائر البلاد، فدرءًا لهذه المفسدة شُرع أخذه، وهو مخالف لسائر الضوال التي تحفظ نفسها، فلا يشرع أخذها؛ لانعدام المفسدة فيها (٢). الثاني: أن أخذه يعتبر إحياءً له؛ فهو هالك في حق المولى، فيكون الرد إحياءً له (٣). النتيجة: صحة الإجماع على أصل المسألة، وهو مشروعية أخذ الآبق؛ وذلك لعدم المخالف فيها.

стр. 1469

٥] تصرف الإمام بمقتضى المصلحة في العبد الآبق: • المراد بالمسألة: من وجد آبقا وأخذه، ولم يجد سيده، فإنه حينئذ يدفعه للإمام أو نائبه، والإمام مخيَّر في التصرف بالعبد الآبق بحسب المصلحة، فإن شاء حبسه حتى يأتي صاحبه، وإن شاء باعه وحبس ثمنه لصاحبه، وهذا أمر لا خلاف فيه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول بعد أن ذكر مسألة أخذ الآبق: [. . . وإن لم يجد سيده، دفعه إلى الإمام أو نائبه، فيحفظه لصاحبه، أو يبيعه إن رأى المصلحة في بيعه، ونحو ذلك قال مالك، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا] (١). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٢). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [. . . فإن لم يجد سيده، دفعه إلى الإمام أو نائبه، فيحفظه لصاحبه، أو يبيعه إن رأى المصلحة في بيعه، ونحوُه قولُ مالكٍ، وأصحاب الرأي، ولا نعلم لهم مخالفا] (٣). • برهان الدين ابن مفلح (٨٨٤ هـ) يقول: [فإن لم يجد سيده، دفعه إلى الإمام أو نائبه؛ ليحفظه لصاحبه، وله بيعه لمصلحة، بغير خلاف نعلمه] (٤). • الموافقون على الإجماع: هذه المسألة مشتملة على مسألتين، هما: الأولى: آخذ الآبق هل يلزمه دفعه للإمام، أم هو مخير بين دفعه وإمساكه؟ الثانية: هل الإمام مخير في التصرف بين الحفظ أو البيع، أم لا؟ وفي كلا المسألتين خلاف بين العلماء، سيأتي تفصيله عند ذكر المخالفين في المسألة. • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:

стр. 1470

الأول: أن هذا العمل الذي هو التصرف بالآبق من المصالح العامة التي تتعلق بعمل الإمام، فلزم تسليمه له، وعدم التصرف فيه (١). الثاني: أن تصرف الإمام بالرعية منوط بالمصلحة، فينظر الإمام إن شاء أمسكه حتى يأتي سيده، وإن شاء باعه إن كانت المصلحة في بيعه -كأن يكون محتاجا للنفقة وليس ثمة نفقة من بيت المال، أو أتى ثمنُهُ على نفقته- وحَبَس ثَمَنه حتى يأتي السيد. • المخالفون للإجماع: سأذكر تفصيل كل مذهب في المسألتين على حده، وهو كالتالي: الأول: الحنفية: ويرون أن آخذ الآبق يلزمه دفعه للإمام على المشهور عندهم. وفي قول عندهم اختاره بعضهم أنه مخير بين دفعه للإمام وبين حبسه عنده، وقيد بعضهم هذا القول في حالة قدرة الآخذ على حفظه، وإلا فإنه يدفعه للإمام. ثم هم يرون أن الإمام ليس مخيرا في التصرف به، وإنما ينتظر طالبه مدة، ثم يبيعه ويحفظ ثمنه لصاحبه (٢). الثاني: المالكية: يرون أن آخذ الآبق يرفعه للإمام على المشهور عندهم. ولهم قول آخر بأنه مخير بين رفعه للإمام وبين حبسه عنده إلى أن يأتي طالبه. ويرون بأن الإمام يحفظه سنة كاملة، فإن جاء طالبه في هذه المدة، وإلا باعه وحبس ثمنه لسيده، وفي قول عندهم أن مدة الحبس غير محددة وإنما بقدر ما يتبين أمره، اختار هذا القول سحنون وابن يونس (٣) منهم (٤).

стр. 1471

الثالث: الشافعية: ويرون أن الآخذ يرفعه إلى الإمام، والإمام غير مخير فيه، بل يحبس العبد، فإن أبطأ سيده باعه وحفظ ثمنه (١). استدل من قال بأن واجد الآبق مخير بين أن يأتي به للسلطان أو يحفظه بنفسه: بالقياس على الضوال: فكما أن له الحق بأن يأخذها ويحفظها، فكذلك الآبق، وكل منهما مال يحتاج إلى رعاية وحفظ (٢). ويمكن أن يستدل لمن قال بأن الإمام غير مخير في التصرف في هذه الحالة: أن المصلحة تقتضي أن يكون تصرفه في الآبق كذلك، ينتظر مدة سواء كانت محددة أو غير محددة، ثم بعد ذلك يباع ويحفظ ثمنه، وحفظ الثمن أسهل من حفظ العبد؛ إذ هو محتاج إلى النفقة، وربما أبق مرة أخرى. النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ٦] استحقاق الجعل لراد الآبق إذا شرطه: • المراد بالمسألة: إذا أبق العبد من سيده، فقال السيد: من رد عبدي فله ألف ريال، سواء كان القول لواحد بعينه أم لعموم الناس، فرده أحدهم، فإنه يلزم السيد أن يعطيه الجعل المحدد، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أن راد الآبق يستحق الجعل برده إذا اشترطه] (٣). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٤). • أبو عبد اللَّه الدمشقي (كان حيا: ٧٨٠ هـ) يقول: [اتفق الأئمة على أن راد الآبق يستحق الجعل برده إذا شرطه] (٥). • الأسيوطي (٨٨٠ هـ) يقول: [اتفق الأئمة على أن من رد الآبق يستحق الجعل

стр. 1472

برده إذا شرطه] (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن هذا عقد التزمه الجاعل على نفسه، فوجب الوفاء به. الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "المسلمون على شروطهم" (٤). • وجه الدلالة: أن السيد قد ألزم نفسه بالشرط الذي اشترطه على نفسه، فيلزمه الوفاء به. الثالث: أن في وجوب الجعل صيانة لأموال الناس عن الضياع، وحفظ حقوقهم عن الهدر، فلو بقي الأمر على الاحتساب لما أقدم على هذا الفعل -الذي فيه معنى التعاون- كثير من الناس (٥). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: علي بن أبي طالب، والحكم بن عمرو (٦)، وإبراهيم النخعي، روي عنهم أنهم قالوا: [المسلمون يرد بعضهم على بعض] (٧).

стр. 1473

وكذلك ابن حزم من الظاهرية لكنه قال: بأنه لا يقضى للمجعول شيء حتى وإن وقع الشرط على الجعالة، لكن يستحب الوفاء له بالوعد ولا يجب (١). واستدل هؤلاء: بأن رد الآبق لسيده من باب التعاون على البر والتقوى، والمسلم مأمور بأن يحفظ مال أخيه إذا وجده، ولا يحل له أخذ ماله بغير طيب نفسه فلا شيء له؛ لأنه أتى ما هو فرض عليه، لكن لو أعطاه بطيب نفس لكان حسنا؛ لأنه من باب الوفاء بالوعد، والوفاء بالوعد في هذه الحالة مستحب وليس بواجب (٢). أما علي ﵁ فقد جاء عنه أنه جعل في جُعل الآبق دينارا أو اثني عشر درهما (٣). أما النخعي: فقد جاء عنه أنه قال: [لا بأس بجعل الآبق] (٤). فإما أن يقال قد تعارض القولان عنهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فيسقطان، أو يحمل قولهما المخالف على أنه ينبغي لمن أتى بالعبد الآبق أن لا يأخذ شيئًا لما فيه من التعاون على البر والتقوى. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ القول المخالف. * * *

стр. 1474

الباب السادس: مسائل في الإجماع في كتاب الصلح ١] مشروعية الصلح: • المراد بالمسألة: الصلح في اللغة: اسم بمعنى المصالحة، التي هي المسالمة، وهي خلاف المخاصمة (١). • وفي الاصطلاح: معاقدة يتوصل بها إلى الإصلاح بين المختلفين (٢). وهو أنواع مختلفة، والمقصود به هنا: الصلح بين المتخاصمين في الأموال، وهو مما أجمعت عليه الأمة في الجملة. • من نقل الإجماع: • الماوردي (٤٥٠ هـ) يقول: [والأصل في جواز الصلح: الكتاب والسنة والأثر والاتفاق. . .، وأما الاتفاق: فهو إجماع المسلمين على جواز الصلح، وإباحته في الشرع] (٣). • ابن العربي (٥٤٣ هـ) يقول لما ذكر حديث كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف المزني (٤) عن أبيه عن جده: [فقد روي من طرق عديدة، ومقتضى القرآن،

стр. 1475

وإجماع الأمة على لفظه ومعناه] (١) (٢). • العمراني (٥٥٨ هـ) يقول: [الأصل في جواز الصلح: الكتاب، والسنة، والإجماع. . .، وأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت على جوازه] (٣). • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [وأجمعت الأمة على جواز الصلح في هذه الأنواع التي ذكرناها] (٤). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [وأجمع العلماء على جواز الصلح في هذه الأنواع التي ذكرنا] (٥). • الزركشي (٧٧٢ هـ) يقول: [وأجمعت الأمة على جواز الصلح في الجملة] (٦). • الحداد (٨٠٠ هـ) يقول بعد أن ذكر أصله من الكتاب والسنة: [وأجمعت الأمة على جوازه] (٧). • برهان الدين ابن مفلح (٨٨٤ هـ) يقول: [وهو ثابت بالإجماع] (٨). • الأسيوطي (٨٨٠ هـ) يقول: [وأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت على جوازه] (٩). • زكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ) يقول بعد أن ذكر أنواعه: [والأصل فيه قبل الإجماع. . .] (١٠). • الهيتمي (٩٧٤ هـ) يقول بعد أن ذكر تعريفه: [وأصله قبل الإجماع. . .] (١١).
следующие страницы →