← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الثالث: الشافعية: ويرون أن الآخذ يرفعه إلى الإمام، والإمام غير مخير فيه، بل يحبس العبد، فإن أبطأ سيده باعه وحفظ ثمنه (١). استدل من قال بأن واجد الآبق مخير بين أن يأتي به للسلطان أو يحفظه بنفسه: بالقياس على الضوال: فكما أن له الحق بأن يأخذها ويحفظها، فكذلك الآبق، وكل منهما مال يحتاج إلى رعاية وحفظ (٢). ويمكن أن يستدل لمن قال بأن الإمام غير مخير في التصرف في هذه الحالة: أن المصلحة تقتضي أن يكون تصرفه في الآبق كذلك، ينتظر مدة سواء كانت محددة أو غير محددة، ثم بعد ذلك يباع ويحفظ ثمنه، وحفظ الثمن أسهل من حفظ العبد؛ إذ هو محتاج إلى النفقة، وربما أبق مرة أخرى. النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ٦] استحقاق الجعل لراد الآبق إذا شرطه: • المراد بالمسألة: إذا أبق العبد من سيده، فقال السيد: من رد عبدي فله ألف ريال، سواء كان القول لواحد بعينه أم لعموم الناس، فرده أحدهم، فإنه يلزم السيد أن يعطيه الجعل المحدد، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أن راد الآبق يستحق الجعل برده إذا اشترطه] (٣). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٤). • أبو عبد اللَّه الدمشقي (كان حيا: ٧٨٠ هـ) يقول: [اتفق الأئمة على أن راد الآبق يستحق الجعل برده إذا شرطه] (٥). • الأسيوطي (٨٨٠ هـ) يقول: [اتفق الأئمة على أن من رد الآبق يستحق الجعل

стр. 1472

برده إذا شرطه] (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن هذا عقد التزمه الجاعل على نفسه، فوجب الوفاء به. الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "المسلمون على شروطهم" (٤). • وجه الدلالة: أن السيد قد ألزم نفسه بالشرط الذي اشترطه على نفسه، فيلزمه الوفاء به. الثالث: أن في وجوب الجعل صيانة لأموال الناس عن الضياع، وحفظ حقوقهم عن الهدر، فلو بقي الأمر على الاحتساب لما أقدم على هذا الفعل -الذي فيه معنى التعاون- كثير من الناس (٥). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: علي بن أبي طالب، والحكم بن عمرو (٦)، وإبراهيم النخعي، روي عنهم أنهم قالوا: [المسلمون يرد بعضهم على بعض] (٧).

стр. 1473

وكذلك ابن حزم من الظاهرية لكنه قال: بأنه لا يقضى للمجعول شيء حتى وإن وقع الشرط على الجعالة، لكن يستحب الوفاء له بالوعد ولا يجب (١). واستدل هؤلاء: بأن رد الآبق لسيده من باب التعاون على البر والتقوى، والمسلم مأمور بأن يحفظ مال أخيه إذا وجده، ولا يحل له أخذ ماله بغير طيب نفسه فلا شيء له؛ لأنه أتى ما هو فرض عليه، لكن لو أعطاه بطيب نفس لكان حسنا؛ لأنه من باب الوفاء بالوعد، والوفاء بالوعد في هذه الحالة مستحب وليس بواجب (٢). أما علي ﵁ فقد جاء عنه أنه جعل في جُعل الآبق دينارا أو اثني عشر درهما (٣). أما النخعي: فقد جاء عنه أنه قال: [لا بأس بجعل الآبق] (٤). فإما أن يقال قد تعارض القولان عنهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فيسقطان، أو يحمل قولهما المخالف على أنه ينبغي لمن أتى بالعبد الآبق أن لا يأخذ شيئًا لما فيه من التعاون على البر والتقوى. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ القول المخالف. * * *

стр. 1474

الباب السادس: مسائل في الإجماع في كتاب الصلح ١] مشروعية الصلح: • المراد بالمسألة: الصلح في اللغة: اسم بمعنى المصالحة، التي هي المسالمة، وهي خلاف المخاصمة (١). • وفي الاصطلاح: معاقدة يتوصل بها إلى الإصلاح بين المختلفين (٢). وهو أنواع مختلفة، والمقصود به هنا: الصلح بين المتخاصمين في الأموال، وهو مما أجمعت عليه الأمة في الجملة. • من نقل الإجماع: • الماوردي (٤٥٠ هـ) يقول: [والأصل في جواز الصلح: الكتاب والسنة والأثر والاتفاق. . .، وأما الاتفاق: فهو إجماع المسلمين على جواز الصلح، وإباحته في الشرع] (٣). • ابن العربي (٥٤٣ هـ) يقول لما ذكر حديث كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف المزني (٤) عن أبيه عن جده: [فقد روي من طرق عديدة، ومقتضى القرآن،

стр. 1475

وإجماع الأمة على لفظه ومعناه] (١) (٢). • العمراني (٥٥٨ هـ) يقول: [الأصل في جواز الصلح: الكتاب، والسنة، والإجماع. . .، وأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت على جوازه] (٣). • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [وأجمعت الأمة على جواز الصلح في هذه الأنواع التي ذكرناها] (٤). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [وأجمع العلماء على جواز الصلح في هذه الأنواع التي ذكرنا] (٥). • الزركشي (٧٧٢ هـ) يقول: [وأجمعت الأمة على جواز الصلح في الجملة] (٦). • الحداد (٨٠٠ هـ) يقول بعد أن ذكر أصله من الكتاب والسنة: [وأجمعت الأمة على جوازه] (٧). • برهان الدين ابن مفلح (٨٨٤ هـ) يقول: [وهو ثابت بالإجماع] (٨). • الأسيوطي (٨٨٠ هـ) يقول: [وأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت على جوازه] (٩). • زكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ) يقول بعد أن ذكر أنواعه: [والأصل فيه قبل الإجماع. . .] (١٠). • الهيتمي (٩٧٤ هـ) يقول بعد أن ذكر تعريفه: [وأصله قبل الإجماع. . .] (١١).

стр. 1476

• الشربيني (٩٧٧ هـ) يقول: [والأصل فيه قبل الإجماع. . . .] (١). • الرملي (١٠٠٤ هـ) يقول: [والأصل فيه قبل الإجماع. . . .] (٢). • البهوتي (١٠٥١ هـ) يقول لما ذكر تعريف الصلح: [وهو جائز بالإجماع] (٣). • الرحيباني (١٢٤٣ هـ) يقول لما ذكر أهمية الصلح: [وهو ثابت بالإجماع] (٤). • علي حيدر (١٣٥٣ هـ) يقول: [وقد انعقد إجماع الأمة على جواز الصلح] (٥). • عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول بعد ذكر تعريف الصلح: [وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع] (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، وابن حزم من الظاهرية (٧). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: ﴿وَالْصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٨). • وجه الدلالة: أن الآية صريحة في بيان خيرية الصلح الذي جاء على وفق

стр. 1477

الكتاب والسنة، وهي وإن وردت على أمر خاص، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويشهد لهذا: العدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر في الآية (١). الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الصلح بين المسلمين جائز، إلا صلحا حرم حلالا، أو أحل حراما" (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ بين القاعدة في الصلح عموما، وهو أنه على الإباحة، إلا ما استثني، ويدخل فيه الصلح بين المتخاصمين في الأموال. الثالث: وهو دليل عقلي: أنه إذا طلب صاحب الحق جميع حقه، وأنكره المدعى عليه، وأقام المدعي البينة، فإن ذلك يكون باعثا على النزاع، وسببا لتهييج الفتن، وزيادة العداوة والبغضاء بينهما، مما يستلزم فسادا عريضا (٣)، ولذا قال عمر بن الخطاب ﵁: [ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث القوم الضغائن] (٤). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٢] تحريم المصالحة على بعض الحق الذي عليه بعد اعترافه به: • المراد بالمسألة: من اعترف بحق، وصالح على بعضه، وهو ممتنع عن الأداء إلا بالمصالحة، فهذا ليس بصلح صحيح، ويعد صاحبه مقترفا للحرام، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أن من علم أن عليه حقا، فصالح على بعضه، لم يحل] (٥).

стр. 1478

• أبو عبد اللَّه الدمشقي (كان حيا: ٧٨٠ هـ) يقول: [اتفق الأئمة على أن من علم أن عليه حقا، فصالح على بعضه، لم يحل] (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣). • وجه الدلالة: من علم أن عليه حقا وصالح على بعضه، يكون قد هضم حق غيره، فيعد آكلا لأموال الناس بالباطل (٤). الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا، والمسلمون عند شروطهم" (٥). • وجه الدلالة: أن من صالح على بعض الحق الذي عليه وهو عالم به، يكون قد أحل ما حرم اللَّه عليه. الثالث: أنه عالم بالحق، قادر على إيصاله إلى مستحقه، معتقد أنه غير محق، فيكون فعله محرما (٦). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٣] بطلان الصلح مع الإنكار والسكوت والمدعي معتقد الحق معه: • المراد بالمسألة: الصلح على الإنكار أو السكوت هو: أن يدعي عليه عينا في يده، أو دينا في ذمته، فينكر المدعى عليه أو يسكت، ثم يصالحه بمال.

стр. 1479

والمقصود هنا: إذا كان المدعي يعلم أنه كاذب في دعواه، أو كان المدعى عليه يعلم صدق المدعي لكنه أنكر جاحدًا الحق، فإن الصلح باطل، بلا خلاف بين أحد من أهل الإسلام. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [الصلح على الإنكار، وعلى السكوت، لا يخلو ضرورة من أحد وجهين: إما أن يكون الطالب طالب حق، والمطلوب مانع حق، أو مماطلا لحق، أو يكون الطالب طالب باطل، ولا بد من أحدهما. فإن كان الطالب محقا، فحرام على المطلوب، بلا خلاف من أحد من أهل الإسلام أن يمنعه حقه، أو أن يمطله وهو قادر على إنصافه، حتى يضطره إلى إسقاطه بعض حقه، أو أخذ غير حقه. . .، وإن كان الطالب مبطلا، فحرام عليه الطلب بالباطل، وأخذ شيء من مال المطلوب بغير حق، بلا خلاف من أحد من أهل الإسلام] (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن المدعي إذا كان كاذبا في دعواه، فما يأخذه من مال صاحبه

стр. 1480

يعد أكلا للمال بالباطل، لا عوضا عن حق له، فهو حرام عليه. وإن كان صادقا، والمدعى عليه يعلم صدقه وثبوت حقه، ويجحده لينتقص حقه، أو يرضيه عنه بشيء، فهو هضم للحق، وأكل مال بالباطل (١). الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا" (٢). • وجه الدلالة: أن طلب المدعي الكاذب أو جحد المدعى عليه، يعد من الصلح الذي أحل الحرام. الثالث: أن أخذه للمال الذي لا يستحقه، يعد ظلما للطرف الآخر، واعتداء على ماله بغير حق، وكذبا وافتراء عليه، وكلُّها محرمة في الشرع (٣). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٤] بطلان المصالحة عن الحدود في حقوق اللَّه: • المراد بالمسألة: من شروط المصالح عنه: أن يكون مملوكا للمصالِح، فإذا صالح على حق من حقوق اللَّه -وهي: الحقوق العامة التي يعود نفعها للعموم، وليست خاصة بشخص معين (٤) - فالصلح عنها باطل، بلا خلاف بين العلماء، كالزنا والسرقة وشرب الخمر. • من نقل الإجماع: • الكاساني (٥٨٧ هـ) يقول: [لا خلاف في حد الزنا، والشرب، والسكر، والسرقة أنه لا يحتمل العفو، والصلح، والإبراء، بعد ما ثبت بالحجة] (٥). • ابن حجر (٨٥٢ هـ) يقول: [وفيه -أي: حديث زيد بن خالد (٦) في قصة العسيف الذي في مستند الإجماع- أن الحد لا يقبل الفداء، وهو مجمع عليه في

стр. 1481

الزنا، والسرقة، والحرابة، وشرب المسكر] (١). والمقصود بالفداء هو: المصالحة على إسقاط الحد عنه بمال. • العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [(ولا يجوز) أي: الصلح (من دعوى حد. . .) صورته: أخذ زانيا أو شارب خمر، فصالح على مال أن لا يرفعه إلى الحاكم فهو باطل، ولا نعلم فيه خلافا] (٢). • الزرقاني (١١٢٢ هـ) يقول: [وفيه -أي: حديث زيد بن خالد في قصة العسيف- أن الحد لا يقبل الفداء، وهو مجمع عليه في الزنا، والسرقة، والشرب، والحرابة] (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ أنهما قالا: أن رجلا من الأعراب أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، أنشدك اللَّه إلا قضيت لي بكتاب اللَّه. فقال الخصم الآخر -وهو أفقه منه-: نعم فاقض بيننا بكتاب اللَّه وأذن لي. فقال رسول اللَّه ﷺ : "قل" قال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني إنما على ابني جلد مائة، وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب اللَّه، الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام، واغد يا أنيس (٥) إلى امرأة هذا، فإن

стр. 1482

اعترفت فارجمها" قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فرجمت (١). • وجه الدلالة: أن الرجل أراد المصالحة عن إقامة الحد على ابنه، فردها النبي ﷺ ، ولو كانت جائزة لقبلها (٢). الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا" (٣). • وجه الدلالة: أن الصلح على إسقاط الحد يعد من الصلح الذي أحل الحرام (٤). الثالث: أن الحد حق اللَّه تعالى، وليس ملك للآدمي، والاعتياض عن حق الغير لا يجوز (٥). النتيجة: الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٥] جواز العوض في الصلح عن الجناية: • المراد بالمسألة: إذا وقعت جناية تستوجب قصاصا، سواء كانت عمدا أو خطأ، فإن للجاني أن يصالح المجني عليه، أو أولياءه، على مال يدفعه إليهم، على حسب ما يتفقون عليه، سواء قَلَّ هذا المال عن دية الخطأ لو كان خطأ، أم كان أكثر من مقدار الدية، بإجماع العلماء.

стр. 1483

• من نقل الإجماع: • الإسبيجابي (حدود سنة: ٤٨٠ هـ) يقول: [والصلح من كل جناية فيها قصاص على ما قل من المال أو كثر جائز. . .، بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة]. نقله عنه الشلبي (١). • الإتقاني (٧٥٨ هـ) يقول: [والصلح من كل جناية فيها قصاص على ما قَلَّ من المال أو كثر جائز. . .، بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة]. نقله عنه الشلبي (٢). • العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [(ويصح عن جناية العمد والخطأ) وكذا عن كل حق بجواز أخذ العوض عنه بلا خلاف] (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٥). • وجه الدلالة: ذكر بعض المفسرين أن المراد بالعفو هنا الصلح عن دم العمد، ومعناها: من بُذِل له بدل أخيه المقتول مال، فليتبع ذلك فهو من المعروف (٦). الثاني: عن أنس ﵁ قال: كَسَرَت الربيِّع (٧) ثنية جارية من الأنصار، فطلب

стр. 1484

القوم القصاص، فاتوا النبي ﷺ فأمر النبي ﷺ بالقصاص، فقال أنس بن النضر (١) -عم أنس بن مالك-: لا واللَّه لا تكسر سنها يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا أنس! كتاب اللَّه القصاص" فرضي القوم، وقبلوا الأرش، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبره" (٢). • وجه الدلالة: أن هذه جناية أوجبت القصاص من الربيع، ولما عفا القوم ورضوا بالأرش، أقرهم النبي ﷺ عليه. الثالث: عن أبي شريح الكعبي (٣) ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: ". . . إنكم معشر خُزَاعة (٤) قتلتم هذا القتيل من هذيل (٥)، وإني عاقله، فمن قُتِل له قتيلٌ بعد اليوم، فاهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل" (٦).

стр. 1485

• وجه الدلالة: أن العقل المراد به: مصالحة أولياء الدم عن القتل إلى المال يأخذونه بدلا عنه (١). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٦] المصالحة عن قيمة المتلفات: • المراد بالمسألة: المصالحة عن الحق المالي، لا تخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن تكون على متلف، وتكون من غير جنس المصالح عنه، وهذه الحالة على قسمين: الأول: أن تكون على نقود: كأن يصالح كَرَّ حِنطة على ريالات معينة، فإن هذه جائزة، سواء كانت أكثر من القيمة أو مثلها أو أقل. الثاني: أن تكون على طعام موصوف في الذمة حالا، ويقبضه قبل الافتراق، فيجوز. الحالة الثانية: أن تكون العين قائمة لم تتلف، فإن الصلح جائز أيضًا على أكثر من قيمة العين المصالح عنها. وإذا قضى القاضي بالقيمة على غاصب، فإنه لا يجوز الصلح على أكثر من القيمة التي حكم بها. وكل هذه المسائل مجمع عليها بين العلماء. • من نقل الإجماع: • الزيلعي (٧٤٣ هـ) يقول: [ولو وقع الصلح على عرْض، جاز في جميع ما ذكرنا من المقدرات؛ لأنه ليس عين الواجب، وإنما هو بدل عنه، بالإجماع] (٢). • الإتقاني (٧٥٨ هـ) يقول: [لو قضى القاضي بقيمة المغصوب على الغاصب، ثم صالح على أكثر من القيمة، لا يجوز بالاتفاق]. نقله عنه الشلبي (٣).

стр. 1486

• البابرتي (٧٨٦ هـ) لما ذكر مسألة غصب الثوب الذي قيمته أقل من مائة، ثم استهلكه، وأراد مصالحته على مائة، بيَّن الخلاف فيها، ثم ذكر محترزاتها فقال: [وقيد بالقيمي احترازا عن المثلي، فإن الصلح عن كر حنطة على دراهم أو دنانير، جائز بالإجماع، سواء كانتا أكثر من قيمته أو لا. . .، وقيد بالاستهلاك؛ لأن المغصوب إذا كان قائما، جاز الصلح على أكثر من قيمته بالإجماع، وقيد بقوله من النقود؛ لأنه لو صالح على طعام موصوف في الذمة حالا، وقبضه قبل الافتراق، جاز بالإجماع] (١). نقله عنه عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (٢). • العيني (٨٥٥ هـ) لما ذكر مسألة الغصب السابقة، ذكر محترزاتها، فقال: [وقيد بالثوب احترازا عن غصب المثلي، فإن الصلح فيه بالدراهم والدنانير بالزيادة، يجوز بالإجماع. . .، وقيد بالاستهلاك؛ لأن الثوب إذا كان قائما يجوز الصلح على أكثر من قيمته بالإجماع، وقيد بقوله على مائة درهم لأنه لو صالحه على طعام موصوف في الذمة حالة، وقبضه قبل الافتراق عن المجلس، جاز بالإجماع. . .، ثم هذا الخلاف فيما إذا لم يقض القاضي بالقيمة على الغاصب، أما بعد القضاء، لو صالح على أكثر منها، لا يجوز بالإجماع] (٣). • الشلبي (٩٤٧ هـ) يقول: [قيد بالإتلاف حتى لو كان قائما، يجوز الصلح على أكثر من قيمته بالإجماع، ثم هذا الخلاف فيما إذا لم يقض القاضي بالقيمة على الغاصب، أما بعد القضاء، لو صالح على أكثر منها، لا يجوز بالإجماع] (٤). • ابن عابدين (١٢٥٢ هـ) يقول: [لو كان -أي: المغصوب- مثليا، فهلك، فالمصالح عليه إن كان من جنس المغصوب، لا تجوز الزيادة اتفاقا، وإن كان من خلاف جنسه جاز اتفاقا، وقيد بالهلاك إذ لو كان قبله، يجوز اتفاقا] (٥).

стр. 1487

• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن العلة من المنع عن المصالحة بأكثر من القيمة إذا كانت من جنسها هي خشية الربا، وتنتفي العلة إذا كانت من غير الجنس، كما هو الحال في صور المسألة، فيرجع الحكم إلى الأصل وهو الإباحة (٢). الثاني: أما إذا كان المغصوب قائما غير مستهلك فالصلح على أكثر من القيمة جائز؛ لأنه يعد مبايعة، والمبايعة تصح على أَيِّ قيمة كانت (٣). الثالث: أما المنع من المصالحة على أكثر من القيمة بعد حكم القاضي؛ فلأن الحق قد انتقل إلى القيمة بعد حكمه، فلا يجوز له حينئذ الاعتياض عن حقه في العين على أكثر من قيمتها (٤)، ولأن حكم القاضي يعد ملزما، ورافعا للنزاع، فلا تجوز مخالفته. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم المخالف فيها. ٧] الأجل في الاستصناع الذي لا يتعامل به يجعل العقد سلما: • المراد بالمسألة: الاستصناع في اللغة: مصدر استصنع الشيء، إذا دعا إلى صنعه، يقال: اصطنع فلان خاتما، إذا سأل رجلا أن يصنع له خاتما (٥). • وفي الاصطلاح: عقد على مبيع في الذمة، شُرِط فيه العمل (٦).

стр. 1488

وصورته: إذا قاول شخص خياطا على صنع جُبة، وقماشها وكل لوازمها من الخياط، فيكون قد استصنعه الجبة، أما لو كان القماش من المستصنع، وقاوله على صنعها فقط، فيكون العقد إجارة (١). إذا تعاقدا عقدَ استصناع يصنع له سلعة معينة، وكان ذلك فيما لا يتعامل فيه الناس عادة من الثياب والقمصان، وحدد أجلا للصناعة على وجه الاستمهال لا الاستعجال، وذلك أن يمهله قدر شهر أو نحوه، فإن العقد ينقلب سلما، بإجماع العلماء، ويشترط فيه شروط السلم. • من نقل الإجماع: • الكاساني (٥٨٧ هـ) يقول بعد أن ذكر أحوال ضرب الأجل في الاستصناع الذي يتعامل الناس فيه: [. . . ولو ضرب الأجل فيما لا تعامل فيه، ينقلب سلما، بالإجماع] (٢). • علي حيدر (١٣٥٣ هـ) يقول: [. . . أما في الأشياء التي لم يجر التعامل بها، فإذا بُيِّنت فيها المدة على وجه الاستمهال، كان العقد عقد سلم بالإجماع] (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن الاستصناع يتعذر فيما لا يجري فيه التعامل؛ لأنه لا يكون إلا فيما يتعامل فيه الناس، فيلزم جعل هذا العقد سلما (٥). الثاني: أن العبرة في العقود بالدلائل والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وهذا

стр. 1489

العقد بهذه الصفة يعد سلما، فيأخذ أحكامه. الثالث: الأصل أن إعمال الكلام أولى من إهماله، والعاقد وإن قصد بالعقد عقدا، فإنه إن أمكن حمله على عقد آخر، كان أولى من إهمال كلامه وعدم إعماله. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. * * *

стр. 1490

الباب السابع: مسائل الإجماع في كتاب المسابقة ١] مشروعية المسابقة والمناضلة: • المراد بالمسألة: المسابقة: أصل الكلمة وهو السين والباء والقاف، أصل صحيح يدل على التقدم والمجاراة وبلوغ الغاية قبل غيره، يقال: سَبَقَ يسْبق سبْقا. فأما السَّبَق فهو: الجُعْل الذي يُسابق عليه. ويقال له: الخطر والرهن والندب والقرع (١). المناضلة: أصل الكلمة النون والضاد واللام، يدل على الرمي والمراماة. وتطلق على الرمي بالسهام، وسمي الرمي نضالا؛ لأن السهم التام يسمى نضالا (٢). ويراد بالمسألة: أن المسابقة والمناضلة بين اثنين فأكثر، أنها جائزة من حيث الأصل، بغض النظر عن التفاصيل فيما تكون عليه المسابقة والمناضلة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [واتفقوا على استحسان الرمي وتعلمه والمناضلة. . .، واتفقوا على أن المناضلة بنزع واحد من القسيّ، وبتساوٍ في

стр. 1491

جميع أحوالها، بلا تفاضلٍ ولا شرطٍ أصلا، جائزة] (١). • العمراني (٥٥٨ هـ) يقول: [وأجمعت الأمة على جواز المسابقة] (٢). • ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أن السبق والرمي مشروعان، ويجوزان على العوض] (٣). • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: "وأجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة] (٤). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [وأجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة] (٥). • الزركشي (٧٧٢ هـ) يقول لما افتتح كتاب السبق: [الأصل في مشروعية ذلك: إلإجماع] (٦). • زكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ) يقول: [وهي لقصد الجهاد سنة للرجال؛ للإجماع] (٧). • ابن حجر الهيتمي (٩٧٤ هـ) يقول: [كتاب المسابقة والمناضلة. والأصل فيهما قبل الإجماع. . .] (٨). ثم ذكر الأدلة عليهما. • الشربيني (٩٧٧ هـ) يقول: [(هما -أي: المسابقة والمناضلة- سنة) أي: مسنون بالإجماع] (٩). • الرملي (١٠٠٤ هـ) يقول في بداية كتاب المسابقة والمناضلة: [والأصل فيها قبل الإجماع] (١٠).

стр. 1492

• البهوتي (١٠٥١ هـ) يقول: [وأجمع المسلمون على جوازها في الجملة] (١). • الرحيباني (١٢٤٣ هـ) يقول: [وأجمع المسلمون على جوازها في الجملة] (٢). • عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول بعد ذكر باب السبق: [وهو جائز: بالكتاب، والسنة، والإجماع] (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: أردفني رسول اللَّه ﷺ وراءه على العضباء، راجعين إلى المدينة، قال: فبينما نحن نسير، قال: وكان رجل من الأنصار لا يُسْبق شدًّا، قال: فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك، قال: فلما سمعت كلامه، قلت: أما تُكْرم كريما، ولا تهاب شريفا؟ ! قال: لا! إلا أن يكون رسول اللَّه ﷺ ، قال: قلت: يا رسول اللَّه بأبي وأمي ذرني فلأسابق الرجل؟ قال: "إن شئت" قال: قلت: اذهب إليك، وثنيت رجلي فطفرت (٥) فعدوت، قال: فربطت عليه شرفا، أو شرفين أستبقي نفسي (٦)، ثم عدوت في إثره، فربطت عليه شرفا أو شرفين، ثم إني رفعت حتى ألحقه (٧).

стр. 1493

• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أَقرَّ سلمة على المسابقة، فدل على المشروعية، ولو كان ممنوعا لمنعه النبي ﷺ منها. الثاني: عن ابن عمر ﵄ قال: "سابق رسول اللَّه ﷺ بين الخيل التي قد أُضْمرت، فأرسلها من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع (١)، وسابق بين الخيل التي لم تضمر، فأرسلها من ثنية الوداع، وكان أمدها مسجد بني زُريق" (٢) (٣). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ هو الذي جعل المسابقة، ولو كانت ممنوعة لم يفعلها. الثالث: عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: مرَّ النبي ﷺ على نفر من أسلم (٤) ينتضلون، فقال النبي ﷺ "ارموابني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بني فلان" قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما لكم لا ترمون؟ " قالوا: كيف نرمي، وأنت معهم؟ ! فقال النبي ﷺ : "ارموا فأنا معكم كلكم" (٥). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقرهم على صنيعهم، بل حثهم عليه وبادر أن يكون معهم، فدل على مشروعية هذا العمل والترغيب فيه. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها.

стр. 1494

٢] جواز المسابقة بغير عوض: • المراد بالمسألة: إذا وقعت المسابقة بين طرفين، ولم يكن ثمة عوض منهما أو من غيرهما، وكانت فيما أباح اللَّه، ولم تُشْغل عن واجب، أو تُوقع في محرم، فإنها جائزة أيا كان نوعها، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [اتفقوا على إباحة المسابقة بالخيل والإبل وعلى الأقدام] (١). • ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [فإن كانت المسابقة على الأقدام بغير عوض، فهي جائزة، إجماعا] (٢). • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول لما تكلم على تفسير حديث أبي هريرة: "لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر" (٣): [. . . للإجماع على جواز المسابقة بغير عوض، في غير هذه الثلاثة] (٤). • أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) يقول: [ولا خلاف في جواز تضمير الخيل، والمسابقة بها على الجملة، وكذلك الإبل، وعلى الأقدام] (٥). نقله عنه ابن حجر، والعيني، والصنعاني، والشوكاني (٦). • النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [وفيه -أي: حديث ابن عمر في مسابقة النبي ﷺ بين الخيل المضمرة وغيرها- جواز المسابقة بين الخيل، وجواز تضميرها، وهما مجمع عليهما]. ويقول أيضًا: [وأجمع العلماء على جواز المسابقة بغير عوض بين جميع أنواع الخيل، قويِّها مع ضعيفها، وسابقها مع غيره، سواء كان معها

стр. 1495

ثالث أم لا] (١). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول لما تكلم على تفسير حديث أبي هريرة: "لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر": [. . . للإجماع على جواز المسابقة بغير عوض في غير هذه الثلاثة] (٢). • ابن القيم (٧٥١ هـ) يقول: [وأما المسابقة بالأقدام: فاتفق العلماء على جوازها، بلا عوض] (٣). • الزركشي (٧٧٢ هـ) يقول: [ولا نزاع في جواز المسابقة بغير عوض مطلقًا، من غير تقييد بشيء معين: كالمسابقة على الأقدام والسفن والمزاريق والطيور والفيلة ونحو ذلك، وكذلك المصارعة، ورفع الحجر ليعرف الأشَدّ] (٤). • أبو زرعة العراقي (٨٢٦ هـ) يقول: [فيه -أي: حديث ابن عمر في مسابقة النبي ﷺ بين الخيل المضمرة وغير المضمرة- المسابقة بين الخيل. . .، وهذا مجمع عليه] (٥). • ابن حجر (٨٥٢ هـ) يقول: [أجمع العلماء على جواز المسابقة بغير عوض] (٦). • العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [أجمع العلماء على جواز المسابقة بغير عوض] (٧). ويقول أيضًا: [اعلم أن المسابقة في الخيل والإبل والرمي، جائز بالسنة وإجماع الأمة] (٨). • الشوكاني (١٢٥٠ هـ) يقول: [أجمع العلماء على جواز المسابقة بغير عوض] (٩). • عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول لما ذكر حديث عائشة في مسابقتها

стр. 1496

للنبي ﷺ الذي في • مستند الإجماع: [فدل على جواز السبق على الأقدام، ولا خلاف في ذلك] (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أنس ﵁ قال: كان للنبي ﷺ ناقة تسمى العضباء لا تُسْبق، فجاء أعرابي على قُعود فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه، فقال: "حق على اللَّه أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه" (٢). الثاني: عن عائشة ﵂ أنها كانت مع النبي ﷺ في سفر، قالت: فسابقته، فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته، فسبقني، فقال: "هذه بتلك السبقة" (٣). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ أقر المسابقة، وفعلها من دون تقييد بشيء، فدل على أن الأصل فيها أنها على الإباحة، ما لم يكن ثمة عارض ينقل الأمر عن الإباحة. الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر" (٤). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ حصر السبق في المسابقة في هذه الثلاثة، فلا يحل

стр. 1497

أخذ المال بالمسابقة إلا فيها، فدل على جواز ما عدا هذه إذا لم يكن ثمة سبق. • المخالفون للإجماع: هذه المسألة قد اختلف فيها العلماء على أقوال: القول الأول: من العلماء من قصر الجواز على الخف والحافر والنصل فقط. قال به صاحب الروضة (١) من الحنابلة. واستدل لقوله: بحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر" (٢). • وجه الدلالة: قوله لا سبق بالسكون المقصود نفي المسابقة، فلا تجوز في غير ما ذكره النبي ﷺ في هذا الحديث. القول الثاني: من العلماء من أجاز المسابقة في كل شيء إلا الحمام. قال به الآمدي (٣) من الحنابلة. ولعل هؤلاء يستدلون: بحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ رأى رجلا يتبع حمامة، فقال: "شيطان يتبع شيطانة" (٤). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ ذم متابعة الحمام، وأَمْرٌ ذمَّه النبي ﷺ لأن تكون المسابقة فيه منهيا عنها من باب أولى.

стр. 1498

القول الثالث: من العلماء من أجاز المسابقة في كل شيء إلا الحمام والطير. وهو قول محكي عند الحنابلة. وهؤلاء لعلهم قاسوا الطيور على الحمام؛ لوجود الشبه بينهما. القول الرابع: من العلماء من كره الرمي بالقوس الفارسية. قال به أبو بكر من الحنابلة (١). واستدل هؤلاء بدليل من السنة، وهو: حديث عويم بن ساعدة (٢) ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ رأى قوسا فارسيا، فقال: "ملعون، ملعون من حملها، عليكم بهذه -وأشار إلى القوس العريبة- وبرماح القنا، يمكَّن اللَّه لكم في البلاء، وينصركم على عدوكم" (٣). النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ٣] تحريم السبق من الطرفين إلا في الخف والحافر والنصل: • المراد بالمسألة: السبق بفتح الباء، هو: ما يُجْعل من المال رهنا على المسابقة، يأخذه السابق منهم. وبالسكون: مصدر سبقت أسبق سبقا بمعنى التقدم في الجري (٤). والمعنى هنا: أنه لا يحل أخذ المال بالمسابقة إلا في هذه الثلاثة، وهي: الإبل

стр. 1499

والخيل والسهام، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الطحاوي (٣٢١ هـ) يقول: [في السَبَق. . .، من غير خلاف في خف أو حافر أو نصل] (١). • الجصاص (٣٧٠ هـ) يقول: [لا خلاف في حظره إلا ما رخص فيه من الرهان في السبق في الدواب، والإبل، والنصال إذا كان الذي يستحق واحدا إن سبق، ولا يستحق الآخر إن سبق] (٢). • ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [وأجمع أهل العلم على أن السبق لا يجوز على وجه الرهان إلا في الخف والحافر والنصل] (٣). نقله برهان الدين ابن مفلح، والبهوتي، والرحيباني (٤). • ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [اتفقوا على أن السبق بالنصل والخف والحافر، جائز] (٥). • أبو عبد اللَّه القرطبي (٦٧١ هـ) يقول: [أجمع المسلمون على أن السبق لا يجوز على وجه الرهان إلا في الخف والحافر والنصل] (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية في قول عندهم (٧). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا سبق إلا في خف أو

стр. 1500

نصل أو حافر" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نفى السبَق -الذي هو الجعل- إلا في هذه الثلاثة، فدل على أن ما عداها باقٍ على التحريم. الثاني: أن هذه الثلاثة إنما أباحها الشارع لنا لما يحتاج إليها من الجهاد في سبيل اللَّه، وإظهار القوة على الأعداء، وما عداها لا يحتاج إليها في الجهاد كحاجة هذه، فلم تجز المسابقة عليها بعوض (٢). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال سأذكرها حسب المذاهب: أما الحنفية: يرون جواز السبق على الأقدام (٣). أما الشافعية: فهم يرون أن من شروط المسابقة: أن يكون عُدَّة للقتال، ولذا أجازوا أمورا كثيرة، وقد جمع الخلاف عندهم الإمام النووي حيث يقول: [الأصل في السبق الخيل والإبل. . .، وتجوز المسابقة على الفيل والبغل والحمار على المذهب. وقيل بالمنع فيها. وقيل بالمنع في البغل والحمار. وقيل في الجميع خلاف. وأما المناضلة فتجوز على السهام العربية والعجمية -وهي: النشاب- وعلى جميع أنواع القسي حتى تجوز على الرمي بالمسلات (٤) والإبر. وفي المزاريق والزانات (٥) ورمي الحجارة باليد وبالمقلاع والمنجنيق طريقان (٦)،

стр. 1501

أحدهما: الجواز. والثاني: وجهان (١) أصحهما: الجواز. ولا تجوز المسابقة بإشالة الحجر باليد على المذهب، وبه قطع الأكثرون. وقيل: وجهان. . . . وأما المسابقة على التردد بالسيوف والرماح، فقيل: بمنعها؛ لأنها لا تفارق صاحبها، وإلا يصح. الجواز؛ لأنها من أعظم عدد القتال، واستعمالها يحتاج إلى تعلم وتحذق. والمسابقة على الحمام وغيره من الطيور، وعلى الأقدام، والسباحة في الماء، والطيارات، والزوارق، والصراع فجائزة بلا عوض. والأصح منها بالعوض. فإن جوَّزنا الصراع، ففي المشابكة باليد وجهان] (٢). أما الحنابلة: فعندهم وجه بعيد بجواز العوض في الفيلة. ووجه ذكره ابن البنا في جوازه في الطير المعدة لأخبار العدو. أما الصراع والسبق على الأقدام ومثلها المراهنة على العلم ونحوها إذا قصد بها نصر الإسلام، فإنه يجوز أخذ العوض عليها. اختار هذا ابن تيمية اعتمادا على الوجه الذي ذكره ابن البنا (٣). أما ابن حزم فيرى جواز السبق في الإبل والخيل والبغل الحمير والنبل والسيف والرمح فقط دون غيرها (٤). واستدل المخالفون بعدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن الحارث (٥) ﵁ قال: صارع النبي ﷺ أبا ركانة (٦) في

стр. 1502

الجاهلية، وكان شديدا، فقال: شاة بشاة، فصرعه رسول اللَّه ﷺ فقال أبو ركانة: عاودني، فصارعه فصرعه رسول اللَّه ﷺ -أيضا، فقال: عاودني في أخرى، فعاوده، فصرعه رسول اللَّه ﷺ -أيضا، فقال أبو ركانة: هذا أقول لأهلي شاة أكلها الذئب، وشاة تكسَّرت، فماذا أقول للثالثة؟ فقال النبي ﷺ : "ما كنا لنجمع عليك أن نصرعك ونغرمك، خذ غنمك" (١). الثاني: عن ابن عباس ﵄ في قول اللَّه تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ (٢) قال: غلبت وغلبت، كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول اللَّه ﷺ قال: "أما إنهم سيغلبون" فذكره أبو بكر لهم فقالوا: أجعل بيننا وبينك أجلا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجل خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك للنبي ﷺ قال: "ألا جعلته إلى دون! " قال: أراه العشر، قال أبو سعيد: والبضع ما دون العشر قال: ثم ظهرت الروم بعد، قال فذلك قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ (٣) إلى قوله: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر (٥). الثالث: القياس على الثلاثة التي جاءت في حديث أبي هريرة ﵁ السابق،

стр. 1503

فالنبي ﷺ إنما خص هذه الثلاثة؛ لأنها يستفاد منها في الجهاد، فيأخذ حكمها كل ما كان في معناها. النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. إلا ما ذكره الجصاص وابن هبيرة فإن عبارتهما دقيقة في هذه المسألة؛ لأنهما حكيا الجواز، ولم ينفيا ما عداه. ٤] إباحة إخراج السبق من أحد المتسابقين في المسابقات المشروعة: • المراد بالمسألة: إذا قال أحد المتسابقِين إن كانوا جماعة، أو أحد المتسابقَين إِن كانا اثنين للآخر: إن سبقتني فلك كذا وكذا، ولم يخرج الآخر شيء من ماله، فهذا جائز، فإذا سبقه الآخر أخذ السبق كاملا، وإن سبق المُخْرِج رجع السبق له، وليس على الآخر شيء، باتفاق العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [لا أعلم خلافا في إباحة إخراج أحد المتسابقين بالقوسين المتساويتين من ماله شيء مسمى، فإن سبقه الآخر أخذه، وإن سبق هو أحرز ماله، ولم يغرم له الآخر شيء] (١). • ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ) يقول: [والرهان الذي يكون فيها -أي: المسابقة- على ثلاثة أوجه: . . .، فأما الوجه الجائز باتفاق: وهو أن يخرج أحد المتسابقَين إن كانا اثنين، أو أحد المتسابقِين إن كانوا جماعة، جُعلا لا يرجع إليه بحال، ولا يُخرج مَن سواه شيئا، فإن سُبِق مُخرج الجُعل كان الجعل للسابق، وإن سَبَق هو صاحبه، ولم يكن معه غيره، كان الجُعل طُعمة لمن حضر، وإن كانوا جماعة كان الجعل لمن جاء سابقا بعده منهم. وهذا الوجه في الجواز مثل أن يخرج الإمام الجعل فيجعله لمن سبق من المتسابقين، فهو مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم] (٢). نقله عنه المواق (٣). • أبو عبد اللَّه القرطبي (٦٧١ هـ) لما ذكر أنواع الأسباق تكلم عن النوع الثاني فقال: [وسبق يخرجه أحد المتسابقين دون صاحبه، فإن سبقه صاحبه أخذه، وإن

стр. 1504

سبق هو صاحبه أخذه، وحَسُن أن يمضيه في الوجه الذي أخرجه له، ولا يرجع إلى ماله، وهذا مما لا خلاف فيه] (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن السبق إذا كان من أحد الجانبين فإن شبهة القمار قد انتفت، وحينئذ فلا محظور بعد انتفاء الشبهة. الثاني: أن فيه تحريضا على الأخذ بأسباب الجهاد في الجملة بمال نفسه، وذلك مشروع قياسا على التنفيل من الإمام، بل هو أولى؛ لأن هذا يتصرف في مال نفسه بالبدل، والإمام بالتنفيل يتصرف فيما لغيره فيه حق في الجملة، وهو الغنيمة، فلما جاز ذلك فهذا بالجواز أولى (٣). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة أكثر المالكية، وهو القول الثاني للإمام مالك، وقول ربيعة والأوزاعي، ولهم فيها تفصيل على النحو التالي: إذا سبق الآخر الذي لم يُخْرج الجعل، فإنه يأخذ الجعل ولا إشكال. أما إذا سبق الذي أخرج الجعل، فإنه لا يأخذ الجعل بل يعطيه من حضر المسابقة، أو الذي يليه إن كان في المسابقة أكثر من اثنين (٤).

стр. 1505

واختار الأمير الصنعاني القول بعدم الجواز مطلقا إذا كان الجعل من أحد المتسابقين، وعدَّ ذلك من القمار (١). ولم أجد له سلفا في هذا، فيُعدُّ قوله شاذا لا يُعوَّل عليه. ويمكن أن يستدل لهؤلاء بدليل من المعقول، وهو: أنهم أرادوا بهذا أن يخرج العقد عن شبهة القمار، التي يكون إخراج السبق من المتسابقين جميعا، فلو أخرج أحدهما وأخذه كان فيه شبهة فلذا منعوه. النتيجة: صحة الإجماع على جزء من المسألة، وهي إذا بذل أحدهما السبَق، وسبَق الآخر الذي لم يبذل من ماله شيئا؛ فإن هذا مجمع عليه، أما إذا سبق الباذل فإنه قد ثبت الخلاف فيها. وعليه فتعد عبارة ابن حزم مدخولة دون غيره. ٥] جواز إخراج السبق من السلطان أو أجنبي عن المتسابقين: • المراد بالمسألة: إذا أخرج الإمام أو رجل متطوع السبَق تبرعا من عندهما، ولم يكن لهما مشاركة في المسابقة، فإن هذا جائز لا حرج فيه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [لا أعلم خلافا في إباحة أن يجعل السلطان، أو الرجل شيئا من ماله للسابق في الخيل خاصة] (٢). • الباجي (٤٧٤ هـ) يقول: [فإن أخرجه -أي: السبق- غيرهم -أي:

стр. 1506

المتسابقين- كالإمام وغيره، على أنه لمن سبق، فلا خلاف في جوازه] (١). • ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ): [أن يخرج الإمام الجعل، فيجعله لمن سبق من المتسابقين، فهو مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم أجمعين] (٢). نقله عنه المواق (٣). • القاضي عياض (٥٤٤ هـ) يقول: [فأما المتفق على جوازه: فأن يخرج الوالي سبقا يجعله للسابق من المتسابقين، ولا فرس له في الحلبة، فمن سبق له، وكذلك لو أخرج أسباقا، أحدها للسابق، والثاني للمصلي، والثالث للتالي (٤)، وهكذا، فهو جائز، ويأخذونه على شروطهم. وكذلك إن فعل ذلك متطوعا رجل من الناس ممن لا فرس له في الحلبة] (٥). • أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) لما ذكر شروط جواز الرهان، وأن منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، قال: [فالمتفق عليها: أن يخرج الإمام، أو غيره، متطوعا سبقا، ولا فرس له في الحلبة، فمن سبق فله ذلك السبق] (٦). • أبو عبد اللَّه القرطبي (٦٧١ هـ) يقول: [والأسباق ثلاثة: سبق يعطيه الوالي، أو الرجل غير الوالي، من ماله متطوعا، فيجعل للسابق شيء معلوما فمن سبق أخذه. . .، وهذا مما لا خلاف فيه] (٧) • النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [فأما المسابقة بعوض: فجائزة بالإجماع، لكن يشترط أن يكون العوض من غير المتسابقين] (٨).

стр. 1507

• القرافي (٦٨٤ هـ) يقول لما ذكر صور السبق فى المسابقة: [الأولى: أن يُجْعل الوالي أو غيره محللا للسابق، . . . فلا يختلف في إباحة الأولى] (١). • ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [فإذا أخرج ولي الأمر مالا من بيت المال، للمتسابقِين بالنشاب والخيل والإبل، كان ذلك جائزا، باتفاق الأئمة] (٢). • الزركشي (٧٧٢ هـ) يقول: [لا نزاع في جواز جعل العوض في المسابقة من الإمام] (٣). • ابن حجر (٨٥٢ هـ) يقول: [واتفقوا على جوازها بعوض، بشرط: أن يكون من غير المتسابقين: كالإمام حيث لا يكون له معهم فرس] (٤). نقله عنه الشوكاني (٥). • العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [وإن كان اشتراط العوض من الإمام، فإنه يجوز بالإجماع] (٦). • الصنعاني (١١٨٢ هـ) يقول: [فإن كان الجعل من غير المتسابقين، كالإمام يجعله للسابق، حل ذلك، بلا خلاف] (٧). • الدسوقي (١٢٣٠ هـ) يقول تعليقا على كلام صاحب الشرح الكبير (وأخرجه متبرع): [المسابقة في هذه جائزة اتفاقا] (٨). • عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول لما تكلم عن شرط الخروج عن شبهة القمار في المسابقة: [فأما من غير المتسابقين، فبلا نزاع] (٩). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على ما إذا قال الإمام: من دخل هذا الحصن فله من النفل كذا وكذا، فكما أنه يجوز هذا، فمن باب أولى أن تجوز المسألة معنا، بجامع أن كلا

стр. 1508

منهما من باب الجهاد في سبيل اللَّه، والإعانة عليه (١). الثاني: أن هذا من باب إعداد القوة التي أمرنا اللَّه بها بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (٢) وأولى من يعين الناس عليها، ويحثهم عليها هو إمام المسلمين. الثالث: أن المنع من أخذ العوض في المسابقة من أجل القمار، الذي يكون فيه أحدهما إما غانما أو غارما، ولا قمار في هذه الصورة، فعاد الحكم إلى الأصل وهو الجواز. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها (٣). ٦] تحريم العوض الذي يكون من المتسابقين: • المراد بالمسألة: المسابقة إذا كان السبق فيها مدفوعا من الطرفين، على أن من سبق منهما فإنه يأخذ سبقه وسبق صاحبه، فهذه الصورة بإجماع العلماء ممنوعة. • من نقل الإجماع: • القاضي عياض (٥٤٤ هـ) يقول: [وأما المتفق على منعه: فأن يخرج كل واحد من المتسابقين سبقا، فمن سبق منهما أخذ سبق صاحبه، وأمسك متاعه] (٤). • أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) يقول: [وأما المتفق على منعه -أي: من المسابقات التي يكون فيها رهان- فهو أن يخرج كل واحد من المتسابقين سبقا، ويشترط أنه إن سبق أمسك سبقه، وأخذ سبق صاحبه، فهذا قمار، فلا يجوز باتفاق] (٥).

стр. 1509

• أبو عبد اللَّه القرطبي (٦٧١ هـ) يقول: [واتفق العلماء على أنه إن لم يكن بينهما محلل، واشترط كل واحد من المتسابقين أنه إن سبق أخذ سبقه وسبق صاحبه، أنه قمار ولا يجوز] (١). • ابن حجر (٨٥٢ هـ) يقول: [أن يخرج كل منهما سبقا، فمن غلب أخذ السبقين، فاتفقوا على منعه] (٢). نقله عنه الشوكاني (٣). • العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [ولو شرط المال من الجانبين، حرم بالإجماع] (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنابلة، ابن حزم من الظاهرية (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن القمار من الميسر الذي حرمه اللَّه، والمراهنة تعد من القمار؛ إذ كل منهما ربما يغنم مال صاحبه، أو يغرم ماله لصاحبه. الثاني: ما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: "الخيل ثلاثة: فرس يربطه الرجل في سبيل اللَّه فثمنه أجر، وركوبه أجر، وعاريته أجر، وعلفه أجر، وفرس يغالق عليه الرجل ويراهن، فثمنه وزر، وعلفه وزر، وفرس للبطنة، فعسى أن يكون سدادا من الفقر إن شاء اللَّه تعالى" (٧).

стр. 1510

• وجه الدلالة: أن الفرس الذي يقامر عليها، وهي: التي يكن فيها إما غانما أو غارما، جعل صاحبها آثما، وهذا ذم يراد منه النهي عن الفعل. الثالث: ما جاء أن رجلين رأيا ظبيا وهما محرمان، فتواخيا فيه، وتراهنا، فرماه بعصى، فكسره، فأتيا عمر وإلى جنبه ابن عوف، فقال لعبد الرحمن: ما تقول؟ قال: هذا قمار، ولو كان سبقا (١). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنابلة في وجه، اختاره ابن تيمية وابن القيم، وقالوا: يجوز إخراج السبق من المتسابقين، حتى وإن كان بدون محلل (٢). واستدلوا بعدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن الحارث ﵁ قال: صارع النبي ﷺ أبا ركانة في الجاهلية، وكان شديدا، فقال: شاة بشاة، فصرعه رسول اللَّه ﷺ فقال أبو ركانة: عاودني، فصارعه فصرعه رسول اللَّه ﷺ -أيضا، فقال: عاودني في أخرى، فعاوده، فصرعه رسول اللَّه ﷺ أيضا، فقال أبو ركانة: هذا أقول لأهلي شاة أكلها الذئب، وشاة تكسَّرت، فماذا أقول للثالثة؟ فقال النبي ﷺ : "ما كنا لنجمع عليك أن نصرعك ونغرمك، خذ غنمك" (٣). الثاني: عن ابن عباس ﵄ في قول اللَّه تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ (٤) قال: غلبت وغلبت، كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول اللَّه ﷺ قال: "أما إنهم سيغلبون" فذكره أبو بكر لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا، فإن ظهرنا
следующие страницы →