← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

المتسابقين- كالإمام وغيره، على أنه لمن سبق، فلا خلاف في جوازه] (١). • ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ): [أن يخرج الإمام الجعل، فيجعله لمن سبق من المتسابقين، فهو مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم أجمعين] (٢). نقله عنه المواق (٣). • القاضي عياض (٥٤٤ هـ) يقول: [فأما المتفق على جوازه: فأن يخرج الوالي سبقا يجعله للسابق من المتسابقين، ولا فرس له في الحلبة، فمن سبق له، وكذلك لو أخرج أسباقا، أحدها للسابق، والثاني للمصلي، والثالث للتالي (٤)، وهكذا، فهو جائز، ويأخذونه على شروطهم. وكذلك إن فعل ذلك متطوعا رجل من الناس ممن لا فرس له في الحلبة] (٥). • أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) لما ذكر شروط جواز الرهان، وأن منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، قال: [فالمتفق عليها: أن يخرج الإمام، أو غيره، متطوعا سبقا، ولا فرس له في الحلبة، فمن سبق فله ذلك السبق] (٦). • أبو عبد اللَّه القرطبي (٦٧١ هـ) يقول: [والأسباق ثلاثة: سبق يعطيه الوالي، أو الرجل غير الوالي، من ماله متطوعا، فيجعل للسابق شيء معلوما فمن سبق أخذه. . .، وهذا مما لا خلاف فيه] (٧) • النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [فأما المسابقة بعوض: فجائزة بالإجماع، لكن يشترط أن يكون العوض من غير المتسابقين] (٨).

стр. 1507

• القرافي (٦٨٤ هـ) يقول لما ذكر صور السبق فى المسابقة: [الأولى: أن يُجْعل الوالي أو غيره محللا للسابق، . . . فلا يختلف في إباحة الأولى] (١). • ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [فإذا أخرج ولي الأمر مالا من بيت المال، للمتسابقِين بالنشاب والخيل والإبل، كان ذلك جائزا، باتفاق الأئمة] (٢). • الزركشي (٧٧٢ هـ) يقول: [لا نزاع في جواز جعل العوض في المسابقة من الإمام] (٣). • ابن حجر (٨٥٢ هـ) يقول: [واتفقوا على جوازها بعوض، بشرط: أن يكون من غير المتسابقين: كالإمام حيث لا يكون له معهم فرس] (٤). نقله عنه الشوكاني (٥). • العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [وإن كان اشتراط العوض من الإمام، فإنه يجوز بالإجماع] (٦). • الصنعاني (١١٨٢ هـ) يقول: [فإن كان الجعل من غير المتسابقين، كالإمام يجعله للسابق، حل ذلك، بلا خلاف] (٧). • الدسوقي (١٢٣٠ هـ) يقول تعليقا على كلام صاحب الشرح الكبير (وأخرجه متبرع): [المسابقة في هذه جائزة اتفاقا] (٨). • عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول لما تكلم عن شرط الخروج عن شبهة القمار في المسابقة: [فأما من غير المتسابقين، فبلا نزاع] (٩). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على ما إذا قال الإمام: من دخل هذا الحصن فله من النفل كذا وكذا، فكما أنه يجوز هذا، فمن باب أولى أن تجوز المسألة معنا، بجامع أن كلا

стр. 1508

منهما من باب الجهاد في سبيل اللَّه، والإعانة عليه (١). الثاني: أن هذا من باب إعداد القوة التي أمرنا اللَّه بها بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (٢) وأولى من يعين الناس عليها، ويحثهم عليها هو إمام المسلمين. الثالث: أن المنع من أخذ العوض في المسابقة من أجل القمار، الذي يكون فيه أحدهما إما غانما أو غارما، ولا قمار في هذه الصورة، فعاد الحكم إلى الأصل وهو الجواز. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها (٣). ٦] تحريم العوض الذي يكون من المتسابقين: • المراد بالمسألة: المسابقة إذا كان السبق فيها مدفوعا من الطرفين، على أن من سبق منهما فإنه يأخذ سبقه وسبق صاحبه، فهذه الصورة بإجماع العلماء ممنوعة. • من نقل الإجماع: • القاضي عياض (٥٤٤ هـ) يقول: [وأما المتفق على منعه: فأن يخرج كل واحد من المتسابقين سبقا، فمن سبق منهما أخذ سبق صاحبه، وأمسك متاعه] (٤). • أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) يقول: [وأما المتفق على منعه -أي: من المسابقات التي يكون فيها رهان- فهو أن يخرج كل واحد من المتسابقين سبقا، ويشترط أنه إن سبق أمسك سبقه، وأخذ سبق صاحبه، فهذا قمار، فلا يجوز باتفاق] (٥).

стр. 1509

• أبو عبد اللَّه القرطبي (٦٧١ هـ) يقول: [واتفق العلماء على أنه إن لم يكن بينهما محلل، واشترط كل واحد من المتسابقين أنه إن سبق أخذ سبقه وسبق صاحبه، أنه قمار ولا يجوز] (١). • ابن حجر (٨٥٢ هـ) يقول: [أن يخرج كل منهما سبقا، فمن غلب أخذ السبقين، فاتفقوا على منعه] (٢). نقله عنه الشوكاني (٣). • العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [ولو شرط المال من الجانبين، حرم بالإجماع] (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنابلة، ابن حزم من الظاهرية (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن القمار من الميسر الذي حرمه اللَّه، والمراهنة تعد من القمار؛ إذ كل منهما ربما يغنم مال صاحبه، أو يغرم ماله لصاحبه. الثاني: ما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: "الخيل ثلاثة: فرس يربطه الرجل في سبيل اللَّه فثمنه أجر، وركوبه أجر، وعاريته أجر، وعلفه أجر، وفرس يغالق عليه الرجل ويراهن، فثمنه وزر، وعلفه وزر، وفرس للبطنة، فعسى أن يكون سدادا من الفقر إن شاء اللَّه تعالى" (٧).

стр. 1510

• وجه الدلالة: أن الفرس الذي يقامر عليها، وهي: التي يكن فيها إما غانما أو غارما، جعل صاحبها آثما، وهذا ذم يراد منه النهي عن الفعل. الثالث: ما جاء أن رجلين رأيا ظبيا وهما محرمان، فتواخيا فيه، وتراهنا، فرماه بعصى، فكسره، فأتيا عمر وإلى جنبه ابن عوف، فقال لعبد الرحمن: ما تقول؟ قال: هذا قمار، ولو كان سبقا (١). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنابلة في وجه، اختاره ابن تيمية وابن القيم، وقالوا: يجوز إخراج السبق من المتسابقين، حتى وإن كان بدون محلل (٢). واستدلوا بعدة أدلة، منها: الأول: عن عبد اللَّه بن الحارث ﵁ قال: صارع النبي ﷺ أبا ركانة في الجاهلية، وكان شديدا، فقال: شاة بشاة، فصرعه رسول اللَّه ﷺ فقال أبو ركانة: عاودني، فصارعه فصرعه رسول اللَّه ﷺ -أيضا، فقال: عاودني في أخرى، فعاوده، فصرعه رسول اللَّه ﷺ أيضا، فقال أبو ركانة: هذا أقول لأهلي شاة أكلها الذئب، وشاة تكسَّرت، فماذا أقول للثالثة؟ فقال النبي ﷺ : "ما كنا لنجمع عليك أن نصرعك ونغرمك، خذ غنمك" (٣). الثاني: عن ابن عباس ﵄ في قول اللَّه تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ (٤) قال: غلبت وغلبت، كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول اللَّه ﷺ قال: "أما إنهم سيغلبون" فذكره أبو بكر لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا، فإن ظهرنا

стр. 1511

كان لنا كذا كذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجل خمس سنين، فلم يظهروا فذكر ذلك للنبي ﷺ قال: "ألا جعلته إلى دون! " قال: أراه العشر. -قال أبو سعيد: والبضع ما دون العشر- قال: ثم ظهرت الروم بعد، قال فذلك قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ إلى قوله: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (٢) قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر (٣). الثالث: جاء عن أنس وابن عمر ﵄ أنهما سئلا: أكنتم تراهنون على عهد رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالا: "نعم، لقد راهن على فرس له، يقال لها: سبحة، فجاءت سابقة، فانهش لذلك وأعجبه" (٤). • وجه الدلالة: أن المراهنة على وزن مفاعلة، والمفاعلة لا تكون إلا من طرفين (٥). النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ٧] تحريم العوض في المسابقة على النرد والشطرنج ونحوها: • المراد بالمسألة: النرد: فارسي معرَّب، ويطلق عليه: النردشير (٦)، وهو: لعبة ذات صندوق وحجارة وفصين، تعتمد على الحظ، وتنقل فيها الحجارة على حسب ما يأتي به الفص (٧). الشّطرنج: بكسر الشين وفتحها: فارسية معرَّبة (٨)، وهي: لعبة تلعب على رقعة ذات أربعة وستين مربعا، وتمثل دولتين متحاربتين، باثنتين وثلاثين قطعة،

стр. 1512

تمثل الملكين، والوزيرين، والخيالة، والقلاع، والفيلة، والجنود (١). ويقصد بالمسألة: أن اللعب بالنرد والشطرنج، ونحوها من اللعاب المحرمة، إذا كان فيها عوضٌ من الطرفين، أو من أحدهما، أو من أجنبي، فإنه محرم، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [وأما الشطرنج: فأجمع العلماء أن اللعب بها قمار، لا يجوز] (٢). نقله عنه ابن تيمية (٣). • ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ) يقول: [. . . فاللعب بشيء من ذلك -أي: النرد والشطرنج- كله على سبيل القمار والخطار، لا يحل، ولا يجوز، بإجماع من العلماء] (٤). نقله عنه القرافي، وعلي بن محمد المنوفي (٥). • ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [وقد أجمع العلماء، على أن اللعب بالنرد والشطرنج، حرام، إذا كان بعوض] (٦). ويقول في ذكر أسباب تحريم المراهنة على الزجل (٧) المشتمل على العصبية والتغزل بالمردان: [. . . فإن هذه المغالبات، مشتملات على منكرات محرمات، وغير محرمات بل مكروهات، ومن المحرمات التي فيها ما تحريمه ثابت بالإجماع، وبالنصوص الشرعية، وذلك من وجوه، أحدها: المراهنة على ذلك، بإجماع المسلمين] (٨). • الإتقاني (٧٥٨ هـ) يقول: [أما النرد: فحرام بالإجماع (٩)، وأما الشطرنج:

стр. 1513

فإن قامر به، فهو حرام بالإجماع]. نقله عنه الشلبي (١). • شمس الدين ابن مفلح (٧٦٣ هـ) يقول: [ويحرم شطرنج، في المنصوص، كمع عوض، أو ترك واجب، أو فعل محرم، إجماعا] (٢). • الشربيني (٩٧٧ هـ) يقول: [(فإن) (شرط فيه) أي: اللعب بالشطرنج (مال من الجانبين) على أن من غلب من اللاعبين فله على الآخر كذا (فقمار) فيحرم بالإجماع] (٣). • الحصكفي (١٠٨٨ هـ) يقول: [(و) كره تحريما (اللعب بالنرد و) كذا (الشطرنج). . .، وهذا إذ لم يقامر، ولم يداوم، ولم يخل بواجب، وإلا فحرام بالإجماع] (٤). • الدردير (١٢٠١ هـ) يقول: [وكالشطرنج. . .، ومحله: بدون عوض، واشتمال على محرم، وإلا فيحرم اتفاقا] (٥). • الرحيباني (١٢٤٣ هـ) يقول: [فإذا اشتمل اللعب بالشطرنج على عوض. . .، فإنه حرام بإجماع المسلمين] (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (٧). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (٨). وجه الدلالة من وجهين:

стр. 1514

الوجه الأول: جاء عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: [النرد أو الشطرنج من الميسر] (١). وهذا يدل على تحريمهما في الآية. الوجه الثاني: أن الميسر من القمار، كما جاء تفسير ذلك عن ابن عباس ﵄ وغيره (٢)، والقمار هو: أن يكون كل واحد منهما غانما أو غارما (٣)، وهو محرم بإجماع العلماء، واللعب بهذين مع المعاوضة هو القمار بعينه، فيدخل في معنى الآية (٤). الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا سبق إلا في خف، أو في حافر، أو نصل" (٥). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ حصر السبق في هذه الثلاثة، فدل على أن ما عداها لا يدخل في السبق المباح. الثالث: عن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه" (٦). الرابع: عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من لعب بالنرد، فقد عصى اللَّه ورسوله" (٧). • وجه الدلالة من الحديثين: أن الحديثين فيهما دلالة على تحريم اللعب بالنرد، فإذا كان اللعب به محرما، كانت المعاوضة عليه محرمة من باب أولى.

стр. 1515

النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٨] وجوب تحديد المسافة في المسابقات المشروعة: • المراد بالمسألة: حينما يريد المتسابقان أن يتسابقا على فرسيهما، أو نحوه مما يجوز التسابق عليه، فلا بد من تحديد غاية لها بداية ونهاية في المسابقة، سواء كان التحديد صريحا أم متعارفا عليه بينهما، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن حزم (٤٥٦ هـ) يقول: [واتفقوا أن المسابقة من غاية واحدة إلى غاية واحدة، جائزة] (١). • أبو زرعة العراقي (٨٢٦ هـ) يقول: [. . . لا بد في المسابقة من إعلام ابتداء الغاية وانتهائها، وهو كذلك بالإجماع] (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: "سابق رسول اللَّه ﷺ بين الخيل التي قد أضمرت، فأرسلها من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع. وسابق بين الخيل التي لم تضمر، فأرسلها من ثنية الوداع، وكان أمدها مسجد بني زريق. وكان ابن عمر ممن سابق فيها" (٤). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ حدد المسافة في المسابقة، ولم يتركها عائمة، فدل على أن الأصل هو التحديد.

стр. 1516

الثاني: أن الغرض في المسابقة معرفة الأسبق، ولا يحصل إلا بالتساوي في الغاية؛ لأن من الحيوان ما يُقصِّر في أول عدوه، ويسرع في انتهائه، وبالعكس، فيحتاج إلى غاية تجمع حاليه، وإلا كان مظنة لوقوع النزاع بينهما (١). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم المخالف فيها. ومما ينبغي التفطن له أن عبارة العراقي أدق في حكاية الإجماع من عبارة ابن حزم؛ لأنه نص على الوجوب، والعلماء كافة على هذا. * * *

стр. 1517

الباب الثامن: مسائل الإجماع في كتاب الشفعة ١] مشروعية الشفعة في العقار الذي لم يقسم: • المراد بالمسألة: الشفعة لغة: مأخوذة من شفع التي هي مادة الكلمة، وهي: تدل على مقارنة الشيئين، ومنه سميت الشفعة بذلك؛ لأنه يشفع بها ماله، ويضمها إليه (١). واصطلاحًا: استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه من يد من انتقلت إليه، بعوض مالي، أو مطلقا (٢). وصورة المسألة: أن الشفعة إنما شرعت لدفع الضرر عن الشريك، فإذا كان ثمة مشاركة بين رجلين في عقار، وكانت المشاركة مشاعة بينهما، ولم يحدد نصيب واحد منهما، فإذا أراد أحدهما أن يبيع نصيبه لشخص أجنبي، فللشريك أن يطالب بالشفعة، بإجماع العلماء. وإذا كان نصيب كل واحد متميز عن الآخر، فلا شفعة بالإجماع. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (٣١٨ هـ) يقول: [وأجمعوا على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم، فيما بيع من أرض، أو دار، أو حائط] (٣). نقله عنه ابن قدامة، وابن القطان، وشمس الدين ابن قدامة، والشربيني، والرحيباني، وعبد الرحمن

стр. 1518

القاسم (١). • القاضي عبد الوهاب (٤٢٢ هـ) يقول: [لا خلاف في وجوب الشفعة للشريك المخالط] (٢). • الماوردي (٤٥٠ هـ) يقول: [والحكم بالشفعة واجب بالنص والإجماع، إلا من شذ عن الكافة من الأصم وابن علية. . .، فإذا ثبت وجوب الشفعة، فهي مستحقة في عراص الأرضين، ويكون ما اتصل بها من البناء والغراس تبعا، وإن كان المبيع منها مشاعا، كانت الشفعة فيه على قول (٣) من أوجبها، إجماعا] (٤). • ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [أجمع العلماء على أن الشفعة في الدور، والأرضين، والحوانيت، والرباع، كلها بين الشركاء في المشاع من ذلك كله، وأنها سنة مجتمع عليها، يجب التسليم لها] (٥). وقال لما أورد حديث ابن شهاب وهو "أن رسول اللَّه ﷺ قضى بالشفعة فيما لم يقسم بين الشركاء. . . " (٦): [وحديث ابن شهاب هذا، قد اتفق جماعة العلماء على القول به؛ لأنهم يوجبون الشفعة للشريك في المبتاع من الدور والأرضين، وكل ما تأخذه الحدود، ويحتمل القسمة من ذلك كله، وما كان مثله] (٧). وقال أيضا: [فالشفعة واجبة بهذا الحديث -أي: حديث ابن شهاب السابق- في كل أصل مشاع: من ربع، أو أرض، أو نخل، أو شجر، تمكن فيه القسمة والحدود، وهذا في الشريك، في المشاع دون غيره، إجماع من العلماء] (٨). وقال أيضا: [وليس في الشفعة أصل، لا اعتراض فيه، ولا خلاف، إلا في الشريك المشاع] (٩).

стр. 1519

• البغوي (٥١٦ هـ) يقول: [اتفق أهل العلم على ثبوت الشفعة للشريك في الربع المنقسم، إذا باع أحد الشركاء نصيبه قبل القسمة] (١). • ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ) يقول: [واتفق أهل العلم، على إيجاب الشفعة في الأصول، اتفاقا مجملا] (٢). • ابن العربي (٥٤٣ هـ) يقول: [اتفق علماء الأمصار، على أن الشفعة إنما تكون في العقار، دون المنقول] (٣). • القاضي عياض (٥٤٤ هـ) يقول: [وقد أجمع العلماء، في وجوب الشفعة للشريك، في الربع المبيع، فيما لم يقسم] (٤). • ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أن الشفعة تجب في الخليط] (٥). • ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) يقول: [اتفق المسلمون، على أن الشفعة واجبة، في الدور والعقار والأرضين كلها] ويقول أيضا في معرض بيانه لحديث جابر: [فكأنه قال: الشفعة فيما تمكن فيه القسمة، ما دام لم يقسم، وهذا استدلال بدليل الخطاب، وقد أجمع عليه في هذا الموضع فقهاء الأمصار، مع اختلافهم في صحة الاستدلال به] (٦). • أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) يقول: [الشفعة إنما تستحق في العقار المشترك الذي يقبل القسمة، وهذا هو المحل المتفق على وجوب الشفعة فيه، واختلف فيما عدا ذلك] (٧). • النووي (٦٧٦ هـ) يقول: [وأجمع المسلمون، على ثبوت الشفعة للشريك في العقار، ما لم يقسم] (٨).

стр. 1520

• ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [اتفق الأئمة على ثبوت الشفعة في العقار الذى يقبل القسمة، قسمة الإجبار: كالقرية، والبستان، ونحو ذلك] (١). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٢). • أبو عبد اللَّه الدمشقي (كان حيا: ٧٨٠ هـ) يقول: [تثبت -أي: الشفعة- للشريك في الملك، باتفاق الأئمة] (٣). • ابن حجر (٨٥٢ هـ) يقول: [ولم يختلف العلماء في مشروعيتها إلا ما نقل عن أبي بكر بن الأصم من إنكارها] (٤). • العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [أجمع العلماء على ثبوت الشفعة في شريك لم يقسم ربعه] (٥). • مولى خسرو (١٠٧٨ هـ) يقول: [وإنما تجب -أي: تثبت الشفعة- للخليط: وهو الشريك الذي لم يقاسم، في نفس المبيع، وهذا بالإجماع] (٦). • الصنعاني (١١٨٢ هـ) يقول: [الألفاظ في هذا الحديث قد تضافرت في الدلالة على ثبوت الشفعة للشريك في الدور والعقار والبساتين، وهذا مجمع عليه، إذا كان مما يقسم] (٧). • عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول: [وهي -أي: الشفعة- ثابتة بالسنة والإجماع] (٨). ويقول أيضا: [إن كان كل واحد من الشركاء، متميز ملكه، وحقوق الملك، فلا شفعة إجماعا] (٩). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من السنة، وهو: ما جاء عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: "قضى رسول ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة". وفي رواية:

стр. 1521

"الشفعة في كل شرك: في أرض، أو رَبْع، أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أثبت الشفعة فيما حصلت فيه الشركة في العقار الذي لم يقسم؛ لوجود الضرر، أما المقسوم بين الشريكين لا يسمى بعد القسمة مشتركا؛ لأن كل واحد محدد نصيبه من العقار، فلا ضرر حينئذ. • المخالفون للإجماع: أما المخالفون للإجماع فقد نص ابن حزم على نفي وقوع الإجماع في الشفعة (٢)، بل إنه كذب من ادعى الإجماع في ذلك، فقال: [وقد جسر بعضهم -على جاري عادته في الكذب- فادعى الإجماع على وجوب الشفعة في الأرض، والبناء، والأشجار فقط، وادعى الإجماع على سقوط الشفعة فيما سواها. قال أبو محمد: أما الإجماع على وجوب الشفعة في الأرض وما فيها من بناء وشجر، فقد أوردنا عن الحسن وابن سيرين وعبد الملك بن يعلى (٣) وعثمان البتي خلاف ذلك، وهؤلاء فقهاء تابعون] (٤). وكذا نص جماعة من العلماء على أن الأصم وابن علية قد خالفا الإجماع، وقالا: بعدم جواز الشفعة مطلقا (٥). ونُقِل إنكارها أيضا عن جابر بن زيد من التابعين (٦). واستدل هؤلاء المخالفون بدليل عقلي، وهو: أن في إثبات الشفعة إضرارا بأرباب الأملاك، فإن المشتري إذا علم أنه يؤخذ

стр. 1522

منه إذا ابتاعه، لم يتبعه، ويتقاعد الشريك عن الشراء، فيستضر المالك (١). أما ما أورده ابن حزم عن هؤلاء التابعين: فقد ذكر كلامهم قبل هذا الكلام، فقال: [. . . فقال عبد الملك بن يعلى -وهو تابعي قاضي البصرة-: لا يجوز بيع المشاع، روينا ذلك من طريق حماد بن زيد أنا أيوب السختياني قال: رفع إلى عبد الملك بن يعلى -قاضي البصرة- رجل باع نصيبا له غير مقسوم، فلم يجزه، فذكر لمحمد بن سيرين، فرآه غير جائز. وقال محمد بن سيرين: لا بأس بالشريكين يكون بينهما المتاع، أو الشيء الذي لا يكال ولا يوزن، أن يبيعه قبل أن يقاسمه. وقال الحسن: لا يبع منه ولا من غيره حتى يقاسمه، إلا أن يكون لؤلؤة، أو ما لا يقدر على قسمته. وأجاز عثمان البتي بيع المشاع، ولم ير الشفعة للشريك] (٢). وهذا الكلام فيما يظهر -واللَّه أعلم- إنما هو في حكم بيع المشاع، وليس في حكم الشفعة في العقار، وفرق بين المسألتين، وقد فرق ابن حزم نفسه في هذا فقال: [وها هنا خلاف بين أربعة مواضع: أحدها هل يجوز بيع المشاع أم لا؟ والثاني: هل يكون في بيعه شفعة أم لا؟ . . .] (٣). فيبقى ما أورده عن عثمان البتِّي فقط، وهو قول -إن صح عنه- فهو شاذ، محجوج بالسنة الصحيحة. أما الأصم وابن علية: فقد نص العلماء على شذوذ قولهما، وهما أيضا من المعتزلة الذين لا يعتد بخلافهم. أما ما جاء عن جابر بن زيد: فلعله لم يصح عنه كما ذكر ذلك الدميري (٤) (٥)، ومما يؤيد ذلك أني لم أجده عنه مسندا، ولم يذكره عنه سوى الرافعي (٦).

стр. 1523

النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم صحة المخالفة فيها، أو لشذوذها وذلك لمخالفتها لصريح السنة. ٢] صحة الشفعة المنتقلة بعقد البيع: • المراد بالمسألة: من شروط الشفعة: أن يكون الشقص منتقلا إلى من طلبت منه الشفعة بعوض، فإذا كان طريق المعاوضة البيع، صحة الشفعة، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن العربي (٥٤٣ هـ) يقول: [اتفق العلماء على أن الشفعة إنما يترتب حكمها في عقد معاوضة] (١). • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) لما ذكر الشرط الرابع من شروط الشفعة وهو: أن يكون الشقص منتقلا بعوض، تحدث عن حكم الشفعة المنتقلة بغير عوض، ثم ذكر المنتقلة بعوض، فقال: [فأما المنتقل بعوض، فينقسم قسمين: أحدهما: ما عوضه المال، كالبيع، فهذا فيه الشفعة، بغير خلاف] (٢). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٣). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [المنتقل بعوض على ضربين: أحدهما: ما عوضه المال، كالبيع، فهذا فيه الشفعة، بغير خلاف] (٤). • الصنعاني (١١٨٢ هـ) يقول: [وفي قوله: (أن يبيع) ما يشعر بأنها إنما تثبت فيما كان بعقد البيع، وهذا مجمع عليه] (٥). • عبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ) يقول: [الشفعة إنما تثبت فيما كان بعقد البيع بالإجماع] (٦).

стр. 1524

• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (١). يستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من السنة، وهو: عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الشفعة في كل شركٍ: في أرض أو ربع أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه، فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه" (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نص على البيع، فدل على أنه الأصل في الشفعة (٣). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٣] الأخذ بالشفعة في البناء والغراس يباع مع الأرض: • المراد بالمسألة: إذا اشترك اثنان في أرض فيها بناء أو غراس، وأراد أحدهما أن يبيع نصيبه، وطلب الآخر الشفعة، فإن له الحق في الشفعة في الجميع، الأرض وما حوته من بناء وغراس، دون أن يطالب بشفعة البناء والغراس استقلالا، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [الشرط الثاني: أن يكون المبيع أرضا. . .، وأما غيرها فينقسم قسمين: أحدهما: تثبت فيه الشفعة تبعا للأرض، وهو البناء والغراس يباع مع الأرض، فإنه يؤخذ بالشفعة تبعا للأرض، بغير خلاف في المذهب، ولا نعرف فيه بين من أثبت الشفعة خلافا] (٤). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [الشرط الثاني: أن يكون المبيع أرضا. . .، وأما غيرها فينقسم قسمين: أحدهما: تثبت فيه الشفعة تبعا للأرض،

стр. 1525

وهو البناء والغراس يباع مع الأرض، فإنه يؤخذ بالشفعة تبعا للأرض، بغير خلاف في المذهب، ولا نعرف فيه بين من أثبت الشفعة خلافا] (١). نقله عنه برهان الدين ابن مفلح (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من كان له شريك في ربعة أو نخل، فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن رضي أخذ، وإن كره ترك". وفي رواية: "ربعة أو حائط" (٤). • وجه الدلالة: أن من الربعة والحائط البناء والغراس، فتجوز فيهما الشفعة (٥). الثاني: أن طلبه للشفعة فيهما ليس استقلالا وإنما تبعا للأرض، ويثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا (٦). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٤] ثبوت الشفعة للغائب: • المراد بالمسألة: إذا أراد الشريك أن يبيع حصته في شراكة لم تقسم بعد، وكان شريكه غائبا ولم يعلم بالبيع، فإنه يبقى له حق الشفعة ولا يسقط، حتى يعلم

стр. 1526

بالبيع، وإن طالت المدة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) يقول: [أما شفعة الغائب فإن أهل العلم مجمعون على أنه إذا لم يعلم ببيع الحصة التي هو فيها شريك من الدور والأرضين، ثم قدم فعلم، فله الشفعة، مع طول مدة غيبته] (١). نقله عنه ابن القطان (٢). • ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) يقول: [واتفقوا على أنه إذا كان الشفيع غائبا فله المطالبة بالشفاعة ولو تناقل المبيع جماعة] (٣). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٤). • ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) يقول: [فأما الغائب: فأجمع العلماء على أن الغائب على شفعته، ما لم يعلم ببيع شريكه] (٥). • البابرتي (٧٨٦ هـ) يقول: [الشفيع إذا كان غائبا، لم تبطل شفعته بتأخير هذا الطلب بالاتفاق] (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٧). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: "قضى رسول اللَّه ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة" (٨). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ حكم بالشفعة حكما عاما، لم يفرق فيه بين الحاضر والغائب، فكانا في الحكم سواء، ولو كان ثمة فرق بينهما لما غفل عن

стр. 1527

ذكرهما (١). الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا" (٢). • وجه الدلالة: بين النبي ﷺ أن مستحق الشفعة لا يسقط حقه بها، وإن كان غائبا. الثالث: القياس على الإرث: فكما أن حق الإرث لا يسقط بالغيبة فكذلك الشفعة، والجامع أن كلا منهما حق مالي وجد سببه بالنسبة لهما، فيثبت ولا يسقط (٣). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن الغائب ليس له شفعة. وهذا قال به: إبراهيم النخعي (٤). القول الثاني: التفريق بين من غيبته قريبة أو بعيدة، فمن كانت غيبته قريبة فله

стр. 1528

شفعة، ومن كانت غيبته بعيدة فلا شفعة له. وهذا قال به: الحارث العكلي (١) وعثمان البتي (٢). استدل أصحاب القولين بعدة أدلة، منها: الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا شفعة لصغير ولا لغائب" (٣). الثاني: أن إثبات الشفعة للغائب يوقع الضرر بالمشتري، ويمنع من استقرار ملكه، وكذا تصرفه على حسب اختياره؛ لأنه يخشى أن يؤخذ منه، فلا يثبت له الحق كثبوته للحاضر على التراخي (٤). ويمكن أن يضاف للقول الثاني: أن هذا الضرر المتوقع منتفٍ في حق من غيبته قريبة، ولذا حكم ببقاء حق الشفعة له دون البعيد. أما قول النخعي فقد ذكر الطحاوي أن له قولا يوافق قول الجمهور (٥)، ثم إن الراوي عنه مغيرة بن مقسم (٦)، وهو وإن كان ثقة إلا أن الإمام أحمد لين روايته عن إبراهيم (٧).

стр. 1529

فلم يبق بعد هذا إلا قول العكلي والبتي، ويقال فيهما: أنه إن ثبت هذا القول عنهما، فإنه يحكم بشذوذه؛ لمخالفته ظواهر الأدلة، وإجماع العلماء. واللَّه اعلم. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة، وذلك لشذوذ الخلاف فيها. ٥] بقاء الشفعة لمن عجز الإشهاد في سفره: • المراد بالمسألة: من كان مسافرا، وعلم أن شريكه الذي لم تقع المقاسمة بينهما قد باع، فأراد أن يَشفع في نصيبه، فعجز عن الإشهاد على طلبه، فإنه لا تسقط شفعته، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [ولا خلاف في أنه إذا عجز عن الإشهاد في سفره، أن شفعته لا تسقط] (١). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [فإن عجز عن الإشهاد في سفره، لم تبطل شفعته بغير خلاف] (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على من لم يعلم بالشفعة: بجامع أن كلا منهما قصد أن يؤدي ما عليه فلم يتمكن، فكان معذورا في تركه (٤).

стр. 1530

الثاني: أن حق الشفعة قد ثبت للشريك بحكم الشارع، فلا يسقط حقه إذا كان معذورا. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٦] جواز تأخير الشفعة بسبب العذر: • المراد بالمسألة: إذا استحق الشفيع الشفعة، كان له المطالبة بها من حين علمه ببيع صاحبه، فإذا حبسه العذر عن المطالبة، لم يسقط حقه بها حتى وإن طالت المدة، بإجماع العلماء. والعذر الذي يعذر به، هو: عدم قدرته على المطالبة مطلقا: كالمرض المعيق، أو الحبس بغير حق، ونحوهما، ولم يستطع التوكيل ولا الإشهاد. • من نقل الإجماع: • الزيلعي (٧٤٣ هـ) يقول: [ولو كان التأخير بعذر من مرض، أو حبس، أو عدم قاض يرى الشفعة بالجوار في بلده، لا تسقط بالإجماع] (١). • البابرتي (٧٨٦ هـ) يقول: [. . . أجمعوا على أنه تركه بمرض، أو حبس، أو غير ذلك، ولم يمكنه التوكيل بهذا الطلب، لا تبطل شفعته، وإن طالت المدة] (٢). • العيني (٨٥٥ هـ) يقول: [لو ترك المرافعة إلى القاضي بعد الطلبين بعذر المرض، أو حبس، أو عدم قدرته على التوكيل، لم تبطل شفعته بالإجماع] (٣). • الطوري (كان حيا: ١١٣٨ هـ) يقول: [ولو كان بعذر من مرض، أو حبس، ولم يمكنه التوكيل، أو قاض لا يرى الشفعة بالجوار في بلدته، لا تسقط بالإجماع] (٤).

стр. 1531

• عبد الرحمن المعروف بـ[داماد أفندي] (١٠٧٨ هـ) يقول: [ولو كان التأخير بعذر من مرض، أو سفر، أو حبس، أو عدم قاض يرى الشفعة بالجوار في بلده، لا يسقط بالإجماع] (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن المانع له من المطالبة هو العذر الذي لا يملكه، فلا يؤاخذ بما لا يملك (٣). الثاني: القياس على الشريك الغائب الذي لا يعلم بالشفعة: فكما أنه تثبت له المطالبة بالشفعة حتى وإن تباعد الوقت، فكذلك المعذور، بجامع عدم القدرة عليها في كل منهما. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ٧] الأخذ بكامل الشفعة: • المراد بالمسألة: إذا استحق الشِقْص جملة من الشفعاء، بعضهم أسقط حقه ولم يطالب به، وطالب الآخرون، أو كان المستحق واحدا وأراد أن يأخذ جزءا من حقه، فإنه ليس لهم إلا أن يأخذوا كامل الشقص أو يتركوا الكل، وليس لهم الاقتصار على جزء من حقهم، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (٣١٨ هـ) يقول: [وأجمعوا على أن من اشترى شِقْصا من أرض مشتركة، فسلَّم بعضهم الشفعة، وأراد بعضهم أن يأخذ، فلمن أراد الأخذ

стр. 1532

بالشفعة، أن يأخذ الجميع، أو يدعه، وليس له أن يأخذ بقدر حصته، ويترك ما بقي] (١). نقله عنه ابن قدامة، وابن القطان، وشمس الدين ابن قدامة، والزركشي، والمرداوي، والبهوتي، والرحيباني، وعبد الرحمن القاسم (٢). • ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) يقول: [فأما أن الشفيع واحد، والمشفوع عليه واحد، فلا خلاف في أن الواجب على الشفيع أن يأخذ الكل أو يدع] (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، وابن حزم من الظاهرية (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن في أخذ بعض الحق إضرارا بالمشتري، بتبعيض الصفقة عليه، والشفعة إنما شرعت دفعا لضرر الشريك الداخل، خوفا من سوء المشاركة ومؤنة القسمة، فإذا أخذ بعض الشقص، لم يندفع عنه الضرر، فلا تثبت له في الجزء الباقي، والقاعدة المقررة: أن الضرر لا يزال بالضرر (٥). الثاني: القياس على ما إذا كان بعض الشفعاء غائبا، فإنه ليس للحاضر إلا أن يأخذ الكل أو يتركه، بجامع وجود الضرر في تبعيض الحق على الشريك (٦). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الشافعية في وجه غير مشهور عندهم، وقالوا: إذا أسقط أحد الشفعاء شفعته، فللشفيع الآخر أن يأخذ قسطه فقط، وليس للمشتري

стр. 1533

أن يلزمه بأخذ الجميع (١). ويمكن أن يستدل لهؤلاء: أن الشفيع إنما يلزمه قسطه فقط، وربما لا يقدر إلا عليه، وإلزامه بالأخذ بكامل الشفعة إلزام بما لا مقدرة له عليه، والمشتري دخل على بينة وبصيرة بالشفيع، وهو غير ملزم بالعقد أصلا، فإذا دخل كان راضيا بالمشاركة. النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ٨] ثبوت شفعة الذمي والمسلم على الذمي: • المراد بالمسألة: إذا كان ثمة دار بين ذميين غير مقسومة، وباع أحدهما نصيبه، فلصاحبه الذمي حق المطالبة بالشفعة، وكذا إذا كانت لمسلم على ذمي، بلا خلاف بين العلماء. • من نقل الإجماع: • الماوردي (٤٥٠ هـ) يقول: [لا خلاف بين الفقهاء أن الشفعة تجب للمسلم على الذمي. . .، وتجب للذمي على الذمي] (٢). • العمراني (٥٥٨ هـ) يقول: [وتثبت الشفعة للمسلم على الذمي، وللذمي على الذمي. . .، ولا خلاف في ذلك] (٣). • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [وتثبت للذمي على الذمي. . .، ولا نعلم في هذا خلافا] (٤). نقله عنه عبد الرحمن القاسم (٥). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [وتثبت للذمي على الذمي. . .، ولا نعلم في هذا خلافا] (٦). نقله عنه برهان الدين ابن مفلح (٧). • الموافقون على الإجماع:

стр. 1534

وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من كان له شريك في ربعة أو نخل، فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن رضي أخذ، وإن كره ترك" (٢). • وجه الدلالة: أن لفظة الشريك عامة تشمل كل شريك، مسلما كان أو غيره، فيدخل فيها الذمي والمسلم مع الذمي. الثاني: أنهما -أي: الذمي مع الذمي- تساويا في الدين والحرمة، فتثبت لأحدهما على الآخر، كالمسلم على المسلم (٣). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم المخالف فيها. ٩] بيع المشتري المشفوع فيه قبل طلب الشفيع الشفعة: • المراد بالمسألة: إذا تصرف المشتري في السلعة بالبيع، ثم ظهر شفيع وطالب بالشفعة، فإنه بالخيار في المطالبة، إن شاء طالب المشتري الأول وفسخ ما وقع من بيع، أو طالب المشتري الثاني، وأمضى العقد بينهما، ومثله لو كان ثمة مشتر ثالث. ثم إن أخذ من الثاني الثمن دفع إليه الذي اشترى به، ولم يرجع على الأول بشيء، وإن أخذ من الأول دفع إليه الذي اشترى به، ورجع على الثاني بما أعطاه به، وهكذا، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن قدامة (٦٢٠ هـ) يقول: [. . . متى تصرف -أي: المشتري- فيه تصرفا صحيحا تجب به الشفعة، مثل أن باعه، فالشفيع بالخيار، إن شاء فسخ البيع الثاني وأخذه بالبيع الأول بثمنه. . .، وإن شاء أمضى تصرفه وأخذ بالشفعة من المشتري الثاني. . . وإن تبايع ذلك ثلاثة، فله أن يأخذ المبيع بالبيع الأول، وينفسخ العقدان الأخيران، وله أن يأخذه بالثاني، وينفسخ الثالث وحده، وله أن يأخذه

стр. 1535

بالثالث، ولا ينفسخ شيء من العقود، فإذا أخذه من الثالث، دفع إليه الثمن الذي اشترى به، ولم يرجع على أحد. . .، وإن أخذ من الثاني الثمن دفع إليه الذي اشترى به، ورجع الثالث عليه بما أعطاه. . .، وأخذ الشقص منه، فيرجع بثمنه على الثاني. . .، وإن أخذ بالبيع الأول، دفع إلى المشتري الأول الثمن الذي اشترى به، وانفسخ عقد الآخرين، ورجع الثالث على الثاني بما أعطاه، ورجع الثاني على الأول بما أعطاه، فإذا كان الأول اشتراه بعشرة، ثم اشتراه الثاني بعشرين، ثم اشتراه الثالث بثلاثين، فأخذه بالبيع الأول، دفع إلى الأول عشرة، وأخذ الثاني من الأول عشرين، وأخذ الثالث من الثاني ثلاثين. . .، ولا نعلم في هذا خلافا، وبه يقول مالك، والشافعي، والعنبري (١)، وأصحاب الرأي] (٢). • شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) يقول: [. . . متى تصرف -أي: المشتري- فيه تصرفا صحيحا تجب به الشفعة، كالبيع، فللشفيع الخيار، إن شاء فسخ البيع الثاني وأخذه بالبيع الأول بثمنه. . .، وإن شاء أمضى تصرفه وأخذ بالشفعة من المشتري الثاني. . .، وإن تبايع ذلك ثلاثة، فله أن يأخذ بالبيع الأول، وينفسخ العقدان الآخران، وله أن يأخذه بالثاني، وينفسخ الثالث وحده، وله أن يأخذه بالثالث، ولا ينفسخ شيء من العقود، فإذا أخذه من الثالث، دفع إليه الثمن الذي اشترى به، (ولم يرجع على أحد. . .، وإن أخذ من الثاني الثمن دفع إليه الذي اشترى به) (٣)، ورجع الثالث عليه بما أعطاه. . .، وأخذ الشقص منه، فيرجع بثمنه على الثاني. . .، وإن أخذ بالبيع الأول، دفع إلى المشتري الأول الثمن الذي اشترى به، وانفسخ عقد الآخرين، ورجع الثالث على الثاني بما أعطاه، والثاني على الأول بما أعطاه، فإن كان الأول اشتراه بعشرة، ثم اشتراه الثاني بعشرين، ثم اشتراه الثالث بثلاثين، فأخذه بالبيع الأول، دفع إلى الأول عشرة، وأخذ الثاني من الأول عشرين، وأخذ الثالث من الثاني ثلاثين. . .، ولا نعلم في هذا خلافا، وبه يقول مالك، والشافعي، والعنبري، وأصحاب

стр. 1536

الرأي] (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن الشفعة وجبت للشفيع قبل تصرف المشتري، فثبت له حق التصرف في فسخ العقد الثاني وما بعده. الثاني: أنه شفيع في العقدين، فكان له الأخذ بما شاء منهما (٣). الثالث: أن سبب الشفعة الشراء، وقد وجد من كل واحد منهما، فكان له حق مطالبة من شاء منهما (٤). • المخالفون للإجماع: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: التفصيل في المسألة وهو: أن للشفيع أن يأخذ بأي بيع شاء إذا تعددت البياعات في حالة عدم علمه بتعددها، أو علم وهو غائب، أما إن علم بها وهو حاضر فإنما يأخذ بشراء الأخير فقط. وهو قول المالكية (٥). واستدلوا على أنه إنما يأخذ بشراء الأخير فقط، قالوا: إن سكوته مع علمه بتعدد المبيع دليل على رضاه بشركة ما عدا الأخير، فإنه غير راض بشركته، فلذا كان له الأخذ منه بتجدد ملكه على ملكه (٦).

стр. 1537

القول الثاني: أن الشفيع له حق مطالبة من هي في يده دون من سواه. وهذا القول رواية عند الحنابلة اختارها ابن أبي موسى، وهو ظاهر كلام ابن عقيل (١). ويمكن أن يستدل لهؤلاء: بأن الحق الذي ثبت له المطالبة به، وجده عند شخص واحد، فله أن يطالبه دون من سواه، ومُلْك من هي في يده مُلك صحيح، فلا حاجة أن يُكلف بمطالبة الآخرين، فيطول وقت المطالبة من غير فائدة. النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ١٠] عدم إجبار المشتري على قلع ما زرعه قبل حضور الشفيع: • المراد بالمسألة: إذا اشترى المشتري الأرض وهو لا يعلم أن للبائع شريكا، واستغلها بالزراعة، ثم حضر شريك البائع، وطلب الشفعة في الشقص، فإنه من حقه أخذ الشقص بالشفعة، لكن الزرع يكون للمشتري، ينتظر به إلى وقت الإدراك، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • الكاساني (٥٨٧ هـ) يقول: [وأجمعوا على أن المشتري لو زرع في الأرض، ثم حضر الشفيع أنه لا يجبر المشتري على قلعه، ولكنه ينتظر إدراك الزرع، ثم يقضى له بالشفعة، فيأخذ الأرض بجميع الثمن] (٢). • الإتقاني (٧٥٨ هـ) يقول: [ولو أن المشتري زرع في الأرض، ثم حضر الشفيع، فإن المشتري لا يجبر على قلعه بالإجماع، ولكنه ينظر إلى وقت الإدراك ثم يقضى للشفيع]. نقله عنه الشلبي، وابن عابدين (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة (٤).

стр. 1538

• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : "الخراج بالضمان" (١). • وجه الدلالة: لما كان هذا الشقص بيد المشتري وهو من ضمانه لو تلف، كان الزرع له (٢). الثاني: أن لإدراك الزرع نهاية معلومة، فلو انتظر ذلك لم يبطل حق الشفيع، وإن تأخر قليلا، وإذا قلع زرع المشتري تضرر بإبطال ملكه وماليته، وضرر التأخير دون ضرر الإبطال (٣). الثالث: أن زرعه للأرض كان بحق، فوجب إبقاؤه له، كما لو باع الأرض المزروعة (٤) الرابع: القياس على ما لو اشترى أرضا مزروعة: فإن الزرع يكون للبائع، والشفيع من المشتري، كالمشتري من البائع (٥). • المخالفون للإجماع: خالف في هذا المسألة: ابن حزم من الظاهرية، فهو يرى أنه يلزم المشتري رد كل ما استغل إلى الشفيع، ما لم يترك الأخذ بالشفعة فيبقى الحق حينئذ للمشتري، وهذا مقيد في حالة ما إذا كان إيذان الشريك بالشفعة ممكنا، وإلا فليس للمشتري رد الغلة (٦). واستدل لقوله فقال: [برهان ذلك: قوله ﵇ الذي أوردنا قبل: "لا يصلح أن يبيع حتى يؤذن شريكه" (٧) فلا يخلو بيع الشريك قبل أن يؤذن شريكه من أحد أوجه ثلاثة، لا رابع لها: إما أن يكون باطلا وإن صححه الشفيع بتركه الشفعة وهذا باطل؛ لأنه لو كان ذلك لوجب عليه رد الغلة على كل حال أخذ الشفيع أو ترك،

стр. 1539

والخبر يوجب غير هذا، بل يوجب أن الشريك أحق، وأنه إن ترك فله ذلك، فلو كان البيع باطلا لاحتاج إلى تجديد عقد آخر وهذا خطأ، أو يكون صحيحا حتى يبطله الشفيع بالأخذ، وهذا باطل بقوله ﵇: "لا يصلح" فمن الباطل أن يكون صحيحا ما أخبر ﵇ أنه لا يصلح، أو يكون موقوفا، فإن أخذ الشفيع بالشفعة علم أن البيع وقع باطلا، وإن ترك حقه علم أن البيع وقع صحيحا وهذا هو الصحيح؛ لبطلان الوجهين الأولين لقوله ﵇: "الشريك أحق" فصح أن للمشتري حقا بعد حق الشفيع، فصح ما قلناه] (١). ولم أقف على أحد قال بهذا القول غيره. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لشذوذ الخلاف فيها. ١١] صحة تصرف الشفيع في العين بعد أخذها من المشتري: • المراد بالمسألة: الشفيع إذا لم يعلم ببيع صاحبه إلا بعد مدة، ثم أراد أن يبيع نصيبه الذي عند المشتري، فإنه إذا باع بعد أخذه بالشفعة، يعد تصرفه صحيحا، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • القرافي (٦٨٤ هـ) يقول: [وله -أي: الشفيع- أن يبيع بعد الأخذ -أي: من المشتري- إجماعا] (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة في المشهور عندهم (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: القياس على بيع الطعام بعد قبضه: فكما أنه يصح تصرفه في الطعام بعد

стр. 1540

القبض فكذلك هنا. الثاني: أنه بعد الأخذ يعد ملكه تاما مستقرا على العين، وتدخل في ضمانه، فيصح تصرفه فيها بالبيع وغيره، أما قبل الأخذ فيعد من باب بيع الإنسان ما ليس عنده. • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الحنابلة وعندهم روايتان تخالفان الإجماع، هما: الأول: عدم صحة تصرف الشفيع في العين إلا بعد حكم الحاكم، ولا يكفي أخذه لها (١). ويستدل لهذه الرواية: أن مثل هذا الحق قائم على مظنة المخاصمة والمنازعة؛ إذ فيه انتزاع للحق من المشتري، ولا يفصل ذلك إلا حكم الحاكم. الثاني: عدم ملكه للعين إلا بعد دفع الثمن، ما لم يصبر المشتري. وعليه فلا يصح تصرفه فيها قبل هذا (٢). ودليل هذه الرواية: أن الملك في الشفعة ملك قهري كالميراث، ولا يمكن معرفة حقيقة مطالبته بالحق، وثباته على المطالبة، إلا إذا دفع الثمن. النتيجة: عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها. ١٢] بقاء حق الشريك في الشقص المشاع المتصرف فيه: • المراد بالمسألة: إذا باع الشريك نصيبه المشاع -غير المقسوم- فإن حق الشريك لا يسقط بهذا التصرف، بل هو ثابت، سواء قبض المشتري الشقص أم لا، وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [وإذا باع الشقص المشاع، وقبضه أو لم يقبضه، فقد اتفق المسلمون على أن حق الشريك باق في النصف الآخر] (٣).

стр. 1541

• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر ﵁ قال: "قضى رسول اللَّه ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم: ربعة، أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه، فهو أحق به" (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ بيَّن أن للشريك حقه، ولا يحق للآخر أن يتصرف إلا بإذنه، ولو تصرف من دون إذنه، فإن هذا لا يسقط حقه بحال. الثاني: أن الحكمة من مشروعية الشفعة رفع ضرر المشاركة والمقاسمة عن الشريك، ولا يتحقق هذا بإسقاط حقه، وإذا أسقط حقه كان هذا ضررا وظلما يجب إزالته عنه. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ١٣] أخذ الشفيع الشفعة بمثل الثمن الذي اشتراه المشتري: • المراد بالمسألة: إذا باع الشريك نصيبه، ثم عَلِم صاحبه بذلك، وثبت له حق المطالبة بالشفعة، فإن له أن ينزع نصيبه بمثل الثمن الذي اشتراه به المشتري، من غير زيادة عليه، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: [يجوز للشريك أن ينزع النصف المشفوع من يد

стр. 1542

المشتري، بمثل الثمن الذي اشتراه به، لا بزيادة؛ للتخلص من ضرر المشاركة والمقاسمة، وهذا ثابت بالسنة المستفيضة، وإجماع العلماء] (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: أن هذا هو تمام العدل والقسط الذي يرفع الظلم عن المتعاقدين، أن يأخذ الشقص من غير زيادة، حتى لا تحصل المضارَّة لصاحبه البائع الذي رغب بالبيع، ولا للشفيع فيزاد عليه بالثمن. الثاني: أن هذا الثمن هو الذي وقع عليه التراضي، وهو الذي يقطع النزاع بينهما؛ وذلك أن البائع قد رضي به لما باع المشتري، والشفيع لما علم بالحق طلب الشفعة، ولا يحق له المطالبة وهو ليس عنده هذا الثمن، فدل على تراضيهما عليه. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ١٤] لزوم إقالة البائع بعد طلب الشفيع الشفعة: • المراد بالمسألة: إذا اشترك شريكان في أرض مشاعة بينهما، باع أحدهما نصيبه، فلما علم أن صاحبه له الرغبة في المطالبة بالشفعة، أراد من المشتري أن يقيله من البيع الذي وقع بينهما، فأقاله، فإنه ليس للمشتري أن يمتنع من الإقالة، ولا للبائع أن يمنع شريكه من الشفعة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) لما ذكر قول الإمام مالك وهو [من باع حصته من أرض أو دار مشتركة، فلما علم أن صاحب الشفعة يأخذ بالشفعة، استقال

стр. 1543

المشتري، فأقاله. قال: ليس ذلك له، والشفيع أحق بها بالثمن الذي كان باعها به]. قال بعده: [أجمعوا على أنه ليس للمشتري أن يمتنع من ذلك، ولا للبائع، فالإقالة لا تقطعها عند من يجعلها بيعا مستأنفا، وعند من يجعلها فسخ بيع؛ لأن في فسخه البيع فسخا للشفعة] (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى دليل من المعقول، وهو: أن حق الشفيع قد وجب في الشقص المشترى، وثبت له الخيار في أخذه أو تركه، فلم يكن للمشتري والبائع أن يسقطا حقه منه بالإقالة ولا بغيرها (٣). • المخالفون للإجماع: ذكرت رواية عن الإمام أحمد في بطلان الشفعة للشفيع، وقد اختلف علماء المذهب في توجيه هذه الرواية: فمنهم من قال بأنها على ظاهرها. وهم: السامرِّي (٤) والحارثي (٥).

стр. 1544

ومنهم من قال بأنها محمولة على أن الشفيع عفا ولم يطالب. وهم القاضي وابن عقيل (١). ولعل الثانية أرجح من جهة أن القائلين بها هم أوثق في نقل المذهب عن الإمام وفهم مراده، وحتى لا ينسب الإمام إلى مخالفة الإجماع. النتيجة: صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لعدم المخالف فيها. ١٥] أخذ الوصي الشفعة للصبي: • المراد بالمسألة: من المتقرر شرعا أن الصبي لا يستقل بالتصرف بنفسه، فإذا كان كذلك فلو كان له عقار ومعه شريك، وأراد الشريك أن يبيع نصيبه، فلولي الصبي الحق بالمطالبة بالشفعة عنه في هذه الحالة، بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: • ابن المنذر (٣١٨ هـ) يقول: [وأجمعوا على أن للوصي الأخذ بالشفعة للصبي. وانفرد الأوزاعي فقال: حتى يبلغ الصبي، فيأخذ لنفسه] (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع في المسألة: الحنفية، والمالكية، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الشفعة في كل شرك: في أرض، أو ربع، أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه، فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به، حتى يؤذنه" (٤). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل للشريك الحق في الشفعة، ولم يفرق بين كبير

стр. 1545

وصغير، وبما أن الصغير لا يملك التصرف في نفسه، فإن الولي يقوم مقامه في الأخذ بحقه. الثاني: القياس على التصرف في سائر حقوق الصغير: فكما أن الولي له الحق في الشراء للصغير فيما له فيه منفعة متحققة، فكذلك الأخذ له بالشفعة، فهي لون من ألوان الشراء له (١). الثالث: أن سبب الاستحقاق متحقق في حق الصغير، وهو الشركة أو الجوار، من حيث اتصال حق ملكه بالمبيع على التأبيد، فيكون مساويا للكبير في الاستحقاق به (٢). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة: الأوزاعي، فقال: ليس للولي أخذ الشفعة للصبي، وإنما يأخذها الصبي بعد بلوغه (٣). واستدل لقوله بعدة أدلة، منها: الأول: عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الصبي على شفعته حتى يُدرك، فإذا أدرك فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك" (٤). • وجه الدلالة: أنه لو كان للولي الأخذ بشفعة الصبي، لما جعل النبي ﷺ الصبي على شفعته. الثاني: أن الولي لا يملك العفو عن الشفعة، فلا يملك الأخذ بها، كالأجنبي (٥).
следующие страницы →