← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

٤ - إذا لم أجد في المسألة إلا قولًا واحدًا لأحد العلماء في حكايته الإجماع، أو الاتفاق، أو نفي الخلاف، كنت أجد صعوبة في استقراء الكتب المعتمدة، والمساعدة؛ للبحث عن قول يعضد ما ذُكر، فقد يطول البحث فيستمر الساعات الطوال، وربما الأيام. ٥ - صعوبة البحث في كتاب المحلى لابن حزم؛ نظرًا لأنه لا يذكر في كتابه جميع المسائل التي ذكرها الجمهور في كتبهم. فكنت أقرأ فيه كثيرًا لعلي أجد وفاقًا له للجمهور أو خلافًا، فلا أجد في كثير من الأحيان شيئًا من ذلك. • وأخيرًا: إن هذه الصعوبات لا ينفك عنها أي بحث من هذا النوع، وعسى أن يكون في ذكر هذه الصعوبات عذر أقدمه لمن قرأ في رسالتي هذه، فرأى القصور فيها. • ثم إنني قد بذلت جهدي حتى يخرج البحث بهذه الصورة المتواضعة، ومن نافلة القول أن أعترف بأن هذا البحث لا يخلو من تقصير ونقصان، لكن عزائي أنني لم أدخر جهدًا في أن أُخرِج هذا البحث بهذه الصورة، ويأبى اللَّه سبحان وتعالى العصمة لكتاب غير كتابه. شكر وتقدير: • أتقدم بالشكر الجزيل لجامعة الملك سعود، ممثلة في قسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية، فقد يسر اللَّه سبحان وتعالى لي أن طلبت العلم الشرعي في هذا القسم المبارك منذ مرحلة البكالوريوس، مرورًا بمرحلة الماجستير، وحتى مرحلة الدكتوراه. • وتقف الكلمات عاجزة عن تقديم الشكر والاعتراف بالفضل لصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الرحيم يعقوب، المشرف على هذه الرسالة؛ إذ تابع الموضوع بكل إخلاص، فقد غمرني بفضل توجيهه، وصدق إرشاده، وحسن تعامله، ولين جانبه. • كما أتقدم بعظيم الشكر والعرفان لسعادة الدكتور/ عبد اللَّه الناصر، رئيس اللجنة الخاصة بهذا المشروع، الذي استفدت من ملاحظاته، وتوجيهاته أيما استفادة، فجزاه اللَّه خير الجزاء. • كما أشكر سعادة الدكتور/ إبراهيم العروان، المشرف السابق على الرسالة،

стр. 1612

الذي بدأت معه مشوار الرسالة، ولم يقدّر اللَّه سبحان وتعالى مواصلة الإشراف مع فضيلته؛ لمّا رأت اللجنة الخاصة بهذا المشروع أن يكون الإشراف لدى عضو واحد قدر الإمكان، يتابع جميع الطلاب المشتغلين بهذا المشروع، فكان وقته مزحومًا؛ بسبب إشرافه على عدد من الرسائل، فجزاه اللَّه خيرًا عما قدم لي من توجيهات في هذه الفترة. • كما أشكر أصحاب السعادة الأساتذة الأفاضل أعضاء لجنة المناقشة، على ما تحملوا من صعوبة في قراءة هذه الرسالة، وتبيين ما فيها من نقص وملحوظات، وإهدائها إليّ. • وفي الختام أسأل اللَّه رب البرية، أن يصلح النية، ويتجاوز عن الخطية، وأن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، والحمد للَّه رب العالمين. * * *

стр. 1613

التمهيد وفيه فصلان الفصل الأول: دراسة مختصرة عن الإجماع المبحث الأول: تعريف الإجماع المطلب الأول: تعريف الإجماع في اللغة: • الإجماع: مصدر من الفعل أجمع، يقال: أجمع يجمع إجماعًا، فهو أمر مُجْمَع، ومُجْمَعٌ عليه. • والإجماع لفظ مشترك يراد به في اللغة ثلاثة معانٍ (١): الأول: العزم على الشيء، قال ابن فارس (٢): "أجمعت الأمر إجماعًا، إذا عزمت" (٣). • يقال: أجمع فلان على السفر؛ إذا عزم عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، أي: من أجمع الأمر وأزمعه إذا نواه وعزم عليه، بحيث لا يخالفه (٤). وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٥]، أي: من أجمع الأمر وأزمعه، فقد أجمع إخوة يوسف على طرحه في البئر (٥). وقوله ﷺ : "من لم يجمع الصيام عن الليل فلا صيام له" (٦). يجمع الصيام أي: إحكام

стр. 1614

النية والعزيمة، يقال: أجمعت الرأي وأزمعت بمعنى واحد، فإن من لم ينو الصيام ويعزم عليه من الليل فلا يصح صيامه (١). الثاني: الاتفاق، قال الزبيدي (٢): "الإجماع -أي: إجماع الأمة- الاتفاق، يقال: هذا أمر مجمع عليه، أي: متفق عليه" يقال: أجمع القوم على كذا، أي: اتفقوا عليه (٣). • والفرق بين المعنى الأول، والمعنى الثاني: أن الأول متصور من واحد، والثاني لا يتصور إلا من اثنين فما فوقهما (٤)، واتفاق أي طائفة على أمر من الأمور يسمى إجماعًا؛ حتى اتفاق اليهود والنصارى (٥). الثالث: الضمُّ، قال ابن فارس: "الجيم والميم والعين أصل واحد، يدل على تضام الشيء" (٦). وقال ابن منظور (٧): "والإجماع أن تجمع الشيء المتفرِّق، وإذا جعلته جميعًا لم يكد يتفرق، كالرأي المعزوم عليه" (٨). والفرق بين المعنى الثاني والثالث: أن المعنى الثاني للإجماع يكون في الأمور المعنوية، وأما المعنى الثالث فيكون في الأمور الحسية.

стр. 1615

المطلب الثاني: تعريف الإجماع في الاصطلاح: • المتأمل لمباحث الإجماع عند الأصوليين يجد أنهم قد ذكروا تعريفه في اللغة أنه يراد به المعنيان الأول والثاني، ثم يجد أن تعريفاتهم للإجماع كلها تدور في المعنى الثاني للإجماع من حيث اللغة، وعلى هذا أذكر تعريفًا واحدًا لأصولي من كل مذهب فقهي من المذاهب الأربعة: ١ - عرّفه عبد العزيز البخاري (١) من الحنفية بأنه: اتفاق المجتهدين من هذه الأمة في عصر من العصور على أمر من الأمور (٢). ٢ - وعرّفه ابن الحاجب (٣) من المالكية بأنه: اتفاف المجتهدين من هذه الأمة في عصر على أمر (٤). ٣ - وعرّفه الغزالي (٥) من الشافعية بأنه: اتفاق أمة محمد ﷺ خاصة على أمر من الأمور الدينية (٦). ٤ - وعرّفه ابن قدامة من الحنابلة بأنه: اتفاق علماء العصر من أمة محمد ﷺ على أمر من أمور الدين (٧). • ما يلاحظ في هذه التعريفات: ١ - أن جميع التعريفات عبرت عن الإجماع بأنه اتفاق.

стр. 1616

٢ - أن جميع التعريفات جعلت الاتفاق للعلماء المجتهدين، ما عدا الغزالي حيث جعله لكل الأمة. ٣ - أن جميع التعريفات اشترطت أن يكون الإجماع إجماع أهل العصر، ما عدا الغزالي فإنه أطلق العبارة، ولم يقيده بعلماء العصر. • واعتُرض على تعريف الغزالي من وجهين (١): ١ - أن الإجماع على تعريف الغزالي لا يمكن أن ينعقد إلى يوم القيامة؛ لأن أمة محمد ﷺ هي جملة من اتبعه إلى يوم القيامة، وأي اتفاق على حكم شرعي في بعض العصور لا يصدق عليه هذا التعريف (٢). ٢ - أنه يلزم من هذا التعريف أنه لو خلا العصر عن مجتهدين، واتفق سائر العوام على حكم شرعي أنه يعد إجماعًا، والأمر ليس كذلك. وعلى هذا يمكن الخروج بتعريف متصور عن الإجماع -وهو تعريف الجمهور- فأقول: الإجماع هو اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ في عصر من العصور على أمر ديني. • شرح التعريف (٣): " اتفاق": الاشتراك في الأقوال، والأفعال، والسكوت، والتقريرات. "مجتهدي": قيد خرج به اتفاق غير المجتهدين من العوام، فلا يعدّ اتفاقهم إجماعًا. "أمة محمد ﷺ ": قيد خرج به اتفاق مجتهدي الأمم السابقة من اليهود والنصارى، فإن اتفاقهم علي أي أمر ديني لا يعد إجماعًا في حقنا. "عصر من العصور": أن يحدث الاتفاق من المجتهدين على حكم الأمر الديني، في ذلك العصر الذي وقعت فيه الحادثة، ومن ثم لا يعتد بخلاف من صار مجتهدًا في عصر الحادثة بعد وقوعها. "أمر ديني": أي: ما يتعلق بالدين، أما ما كان من الاتفاق على أمر دنيوي لا علاقة له بالدين فلا يعد إجماعًا شرعيًّا.

стр. 1617

المبحث الثاني: مكانة الإجماع بين الأدلة الشرعية، وأهميته • الإجماع مصدر من مصادر الأحكام الشرعية يأتي في المرتبة الثانية بعد النصوص الشرعية من القرآن والسنة؛ وكون الإجماع يأتي بعد القرآن والسنة في الاستدلال هو مذهب السلف الصالح. وهذه أدلة تبين هذا القول: ١ - ما ورد في كتاب عمر ﵁ إلى شريح القاضي (١) حيث قال فيه: "اقض بما في كتاب اللَّه، فإن لم تجد فبما سنّه رسول اللَّه ﷺ ، فإن لم تجد فبما قضى به الصالحون قبلك، فإن جاء أمر ليس في كتاب اللَّه، ولا قضى به نبيه ﷺ ، ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه" (٢)، وفي رواية: "فبما أجمع عليه الناس" (٣). ٢ - ما ورد عن ابن مسعود (٤) ﵄ أنه قال: "إذا حضرك أمر لا تجد منه بُدًّا فاقض بما في كتاب اللَّه، فإن عييت فاقض بسنة نبي اللَّه، فإن عييت فاقض بما قضى به الصالحون" (٥). • قال ابن تيمية: هذا عمر، وابن مسعود قدما الكتاب، ثم السنة، ثم الإجماع، وهذه آثار ثابتة عنهما، وهذا هو الصواب (٦).

стр. 1618

• ومما يبين أهمية الإجماع ومكانته ما يلي: ١ - أن الإجماع القطعي مقدم في الاستدلال على النصوص التي ظاهرها التعارض، لكونه يعتمد في قطعيته على النصوص الشرعية، فإن النصوص الشرعية الخالية من التعارض مقدمة على التي ظاهرها التعارض (١). ٢ - أن الإجماع دليل يؤكد حكم المسألة، ويكثر أدلتها، فهو دليل ثانٍ مع النص (٢). ٣ - أنه ما من مسألة مجمع عليها، إلا وفيها بيان من الرسول ﷺ ؛ ولكن قد يخفى النص على بعض الناس، ويعلم الإجماع (٣). ٤ - إذا خالف القاضي مسألة مجتهدًا فيها فلا ينقض قضاؤه، وإن خالف الإجماع نقض قضاؤه (٤). ٥ - يشترك الإجماع مع القرآن والسنة في تكفير (٥) منكر القطعي منها (٦). المبحث الثالث: أنواع الإجماع، وحجية كل نوع • قسّم الأصوليون الإجماع إلى أقسام حسب اعتبارات مختلفة (٧): ١ - باعتبار ذاته: ينقسم إلى إجماع صريح، وإجماع سكوتي. ٢ - باعتبار أهله: ينقسم إلى إجماع عامة، وإجماع خاصة. والمراد بإجماع العامة: هو المعلوم من الدين بالضرورة، فإن هذا ينقله عامة المسلمين وخاصتهم. وإجماع الخاصة: ما ينقله الخاصة؛ وهم أهل العلم. ٣ - باعتبار عصره: ينقسم إلى إجماع الصحابة ﵃، وإجماع غيرهم. ٤ - باعتبار نقله إلينا: "ينقسم إلى إجماع نقل بطريق التواتر، وإجماع نقل بطريق

стр. 1619

الآحاد. ٥ - باعتبار قوته: ينقسم إلى إجماع قطعي، وإجماع ظني، فالقطعي مثل: المعلوم من الدين بالضرورة؛ كَفَرضية الصلاة، والزكاة، ونحو ذلك، والظني: كالإجماع السكوتي الذي غلب على الظن فيه اتفاق الكل. • وسيكون الحديث في هذا المبحث عن النوع الأول فقط (١)، والذي يدعو إلى ذلك ما يأتي: أ - أن هذا المبحث ما هو إلا تمهيد للدخول إلى صلب موضوع الرسالة. ب - أن الحديث عن كل نوع من أنواع الإجماع يفضي إلى الإطالة في التمهيد أكثر مما يجب. ت - أن أغلب مسائل الإجماع في هذه الرسالة لا تخرج عن هذين النوعين، فهي إما إجماع صريح وإما إجماع سكوتي. ث - أن هذه الرسالة يغلب عليها الجانب الفقهي أكثر من الجانب الأصولي، فكان لا بد من اختصار الحديث في الجوانب الأصولية. المطلب الأول: الإجماع الصريح وحجيته: • تعريف الإجماع الصريح: هو ما كان اتفاق مجتهدي الأمة عليه نطقًا، بمعنى أن كل واحد من المجتهدين نطق بصريح الحكم في الواقعة، نفيًا أو إثباتًا (٢). • حجيته: اختلف العلماء في حجية الإجماع الصريح على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب الجمهور من المسلمين عمومًا من المذاهب الأربعة وغيرها إلى أن إجماع المجتهدين في كل عصر حجة (٣).

стр. 1620

أدلة هذا القول: استدل الجمهور بالقرآن والسنة والمعقول على حجية الإجماع الصريح: • أولًا: الأدلة من القرآن: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. هذه الآية أقوى الأدلة على حجية الإجماع، وقد تمسك بها الإمام الشافعي بعد ما استعرض القرآن ثلاث مرّات للبحث عن دليل على حجية الإجماع (١). • وجه الدلالة: توعد اللَّه من يتبع غير سبيل المؤمنين بالنار، ولو لم يكن محرّمًا لما توعد عليه، وقد حسن الجمع بين اتباع غير سبيل المؤمنين ومشاقة الرسول ﷺ في التوعد (٢). ٢ - وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. • وجه الدلالة: وصف اللَّه الأمة بأنهم عدول، ولمّا كانت أمة محمد ﷺ أمة عدل جعلها اللَّه . حجة على الأمم كلها في قبول قولها عليهم، كما جعل الرسول ﷺ حجة علينا في قبول قوله؛ فإذا كان قول الأمة حجة على سائر الأمم، كان إجماعهم حجة على آحادهم (٣). ٣ - وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. • وجه الدلالة: بين اللَّه أن الأمة خير أمة بسبب أمرها بكل معروف، ونهيها عن كل منكر، فعلى هذا فإن الأمة -ممثلة بمجتهديها- إذا أمرت بشيء عرفنا أنه معروف، وإذا نهت عن شيء علمنا أنه منكر، فيكون أمرهم ونهيهم حجة (٤). ٤ - وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. • وجه الدلالة: نَهْي اللَّه عن التفرق، فكانت مخالفة الإجماع تفرقًا، فكان منهيًا عنه، ولا

стр. 1621

معنى لكون الإجماع حجة سوى النهي عن مخالفته (١). ٥ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. • وجه الدلالة: أن اللَّه شرط التنازع في وجوب الرد إلى الكتاب والسنة، فيدل ذلك أنه عند عدم التنازع فالاتفاق على الحكم كاف عن الرجوع إلى الكتاب والسنة، ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى هذا (٢). • ثانيًا: من السنة النبوية: قال الآمدي (٣): وهي أقرب الطرق في إثبات كون الإجماع حجة قاطعة (٤): ١ - عن ابن عمر (٥) ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه لا يجمع أمتي -أو قال: أمة محمد- على ضلالة، ويد اللَّه على الجماعة، ومن شذ شذ في النار" (٦). ٢ - عن أنس (٧) ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم" (٨).

стр. 1622

٣ - عن أبي مالك الأشعري (١) ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعًا، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا على ضلالة" (٢). ٤ - عن أبي ذر (٣) ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة، فإن اللَّه لن يجمع أمتي إلا على هدى" (٤). ٥ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵄ قال: إن اللَّه نظر إلى قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيِّه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند اللَّه سيئ (٥). • وجه الدلالة مما سبق: يستدل مما سبق من وجهين: الأول: أن هذه الأخبار وإن كانت أخبار آحاد، فإنها تدل بمجموعها ضرورة على تعظيم هذه الأمة، وعصمتها عن الخطأ، وذلك كما علم بالضرورة سخاء حاتم، وشجاعة علي، وفقه الشافعي، وأبي حنيفة، وغيرهما، وثبتت تلك بأخبار آحاد، إلا أنها نزلت منزلة المتواتر.

стр. 1623

الثاني: أن هذه الأحاديث لم تزل مشهورة بين الصحابة ﵃ والتابعين، يتمسكون بها في إثبات الإجماع، ولا يظهر أحد فيها خلافًا حتى جاء من أنكر حجية الإجماع، والعاده جارية باستحالة توافق الأمة في كل العصور -قبل ظهور الخلاف في حجية الإجماع- على الاحتجاج بما لا أصل له في إثبات أصل من أصول الشريعة؛ وهو الإجماع، من غير أن ينبه أحد على فساده وإنكاره (١). • ثالثًا: من المعقول: ١ - كانت الأمم السابقة إذا ضلت عن الطريق بعث اللَّه لها نبيًّا يعيدها إلى الصواب، ومحمد ﷺ آخر الأنبياء، ولا نبي بعده، وأمته معصومة عن الخطأ؛ لتكون عصمتها عوضًا عن بعث نبي (٢). ٢ - ثبت أن نبينا ﷺ آخر الأنبياء، وشريعته قائمة إلى قيام الساعة، فمتى وقعت حوادث ليس فيها نص قاطع من القرآن أو السنة، وأجمعت الأمة على حكمها، ولم يكن إجماعهم حجة، فقد انقطعت الشريعة في بعض الأشياء، فلا تكون شريعة دائمة، فيؤدي إلى الخلف في إخبار الشارع، وذلك محال (٣). ٣ - إذا اتفق الجمع الغفير في كل عصر على حكم قضية، وجزموا به جزمًا قاطعًا، فالعادة تمنع على مثلهم الجزم بحكم لا يستند إلى دليل قاطع، بحيث لا يتنبه أحدهم لوجود خطأ (٤). ٤ - أن أهل كل عصر يُخَطِّئون من خالف الإجماع ممن قبلهم، ولولا اعتبار الإجماع لما خطَّؤوا من خالفه (٥). القول الثاني: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه، وداود الظاهري (٦) أن الحجة في إجماع الصحابة ﵃ دون غيرهم (٧).

стр. 1624

أدلة هذا القول: ١ - أن الإجماع لا يكون إلا عن توقيف، والصحابة ﵃ الذين شهدوا التوقيف (١). ٢ - سعة أقطار الأرض، وكثرة العدد من المجتهدين وتفرقهم في الأمصار، بحيث لا يمكن ضبط أقوالهم، ومن ادعى ذلك فلا يخفى كذبه (٢). القول الثالث: ذهب النظّام (٣) من المعتزلة، والخوارج، والشيعة إلى أن الإجماع ليس حجة (٤). • قال النظّام: الإجماع كل قول قامت حجته، حتى قول الواحد (٥). هذا تعريف الإجماع عنده، ويقصد بذلك الجمع بين إنكاره كون اتفاق المجتهدين حجة، وبين موافقته للعلماء في تحريم مخالفة الإجماع (٦). • أما الخوارج: فكان إجماع الصحابة ﵃ حجة عندهم قبل حدوث الفرقة بينهم، وأما بعدها فلا حجة في قولهم، بل الحجة في قول طائفة منهم فقط؛ لأن العبرة بقول المؤمنين، ولا مؤمن عندهم إلا من كان على مذهبهم (٧).

стр. 1625

• وأما الشيعة: فالإجماع الذي يكون حجة لديهم هو قول الإمام المعصوم، وانفراد الإمام المعصوم بقول يكون حجة لا تجوز مخالفته، والإمام المعصوم غير موجود الآن، فلا يحدث إجماع أصلًا (١). أدلة من يقول: إن الإجماع ليس حجة، وهم النظَّام، والخوارج، والشيعة. • استدلوا على عدم حجية الإجماع بأدلة من القرآن والسنة والمعقول: • أولًا: من القرآن: ١ - قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. • وجه الدلالة: تدل الآية على أن القرآن نزل مبينًا لكل شيء، وفي هذا دليل على أنه لا حاجة للإجماع فإن الكتاب غير الإجماع (٢). ٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول﴾ [النساء: ٥٩]. • وجه الدلالة: إذا تنازع المسلمون في حكم وجب رده إلى القرآن والسنة فقط، فلا حاجة إلى الإجماع (٣). ٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وقال أيضًا: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]. وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]. إلى غير ذلك من الأدلة التي ورد فيها النهي عن المعاصي. • وجه الدلالة: ما ورد في هذه الآيات وفي غيرها يدل على تصور وقوع المعاصي من هذه الأمة، ومن يتصور منه المعصية لا يكون قوله وفعله موجبًا للقطع (٤). • ثانيًا: من السنة: ١ - عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ بن جبل (٥) ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن قال: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب اللَّه، قال: "فإن لم تجد في كتاب اللَّه؟ " قال: فبسنة رسول اللَّه، قال: "فإن لم تجد في سنة رسول اللَّه، ولا في كتاب اللَّه؟ " قال: أجتهد

стр. 1626

رأيي ولا آلو، فضرب رسول اللَّه ﷺ صدره وقال: "الحمد للَّه الذي وفق رسول رسول اللَّه لما يرضي اللَّه ورسوله" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقر معاذًا لمّا سأله عن الأدلة المعمول بها، وأهمل ذكر الإجماع، ولو كان الإجماع معتبرًا لما أقره على إهماله (٢). ٢ - عن أبي هريرة (٣) ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء" (٤). • وجه الدلالة: هذا دليل على أنه يجوز خلو العصر ممن تقوم به الحجة (٥). ثالثًا: من المعقول: أن أُمة محمد ﷺ أُمة من الأمم، فلا يكون إجماعهم حجة، كغيرهم من الأمم (٦). • الترجيح: أولًا: مذهب أهل السنة والجماعة القائل بحجية الإجماع الصريح يجب القول به، وعدم النظر لخلاف أهل البدع في القول بأن الإجماع ليس حجة. ثانيًا: يعتبر الإجماع الصريح حجة في كل وقت، ولا يختص ذلك بعصر الصحابة فقط؛ لما يأتي: ١ - أفادت النصوص التي استدل بها الجمهور عصمة الأمة إذا أجمعت على قول، فمتى ثبت إجماع الأمة على قول وجب المصير إليه. ٢ - أنه لا يصح حصر الإجماع بعصر الصحابة ﵃ دون غيره من العصور؛ لأن أدلة

стр. 1627

حجية الإجماع جاءت عامة، ولم تأتِ خاصة بعصر دون عصر. ٣ - أن هناك عددًا من التابعين كانوا في عصر الصحابة بلغوا رتبة الاجتهاد، وكانت أقوالهم معتبرة مع أقوال الصحابة (١). المطلب الثاني: الإجماع السكوتي وحجيته: • الإجماع السكوتي هو: أن يقول بعض المجتهدين قولًا، أو يعمل عملًا في مسألة اجتهادية، قبل استقرار المذاهب، ويسكت باقي المجتهدين عن إبداء الرأي بالموافقة، أو المخالفة، بعد علمهم بهذا الرأي، وقد مضت مدة التأمل والنظر في العادة (٢). ويدخل فيه الإجماع المبني على الاستقراء، كأن تُستقرأ أقوال العلماء في مسألة، فلا يُعلم فيها خلاف (٣). • ويلاحظ في هذا التعريف أنه اشتمل على عدد من الشروط التي إن وجدت سمي إجماعًا سكوتيًّا، وإن انتفت فقد انتفت التسمية، وهذه الشروط (٤): ١ - أن يظهر القول وينتشر حتى لا يخفى. ٢ - أن يكون القول أو الفعل صدر في مسألة اجتهادية مما يدخله التكليف، أما غيرها فلا يصدق عليه اسم الإجماع السكوتي، كأن يوصف فلان بأنه أفضل من فلان، ويسكت من سمعه، فإنه لا حاجة إلى الموافقة أو المخالفة. ٣ - ألا يصاحب السكوت علامة تدل على الرضا، فإنه بمنزلة الإجماع الصريح عندئذٍ، كأنه قال: رضينا بهذا القول. وكذلك ألا يصاحبه علامة أو قرينة تدل على

стр. 1628

المخالفة، فإنه بمنزلة المخالفة الصريحة، والإجماع لا يتحقق مع المخالفة. ٤ - أن يكون السكوت قبل استقرار المذاهب؛ لأن الساكت يمكن أن يكون سكوته بناءً على معرفة حكم هذه المسألة في المذهب، فلا حاجة لإبداء الرأي في ذلك؛ كأن يسكت شافعي عن قول لحنفي، وقد يكون الخلاف معلومًا في المذهب. ٥ - مضي مدة كافية للتأمل والنظر في حكم الحادثة، حتى ينقطع الاحتمال أن السكوت كان بعد مدة حدث فيها تأمل ونظر في حكم المسألة. • حجية الإجماع السكوتي: اختلف العلماء في حجية الإجماع السكوتي على مذاهب كثيرة، ذكر الزركشي (١) أنها ثلاثة عشر مذهبًا (٢)، والشوكاني اثنا عشر مذهبًا (٣)، وابن قدامة ثلاثة مذاهب (٤)، والآمدي أربعة مذاهب (٥). أذكر منها أشهرها؛ وهي: القول الأول: أن الإجماع السكوتي حجة وإجماع، وهو قول أكثر الحنفية (٦)، وأكثر المالكية (٧)، وأكثر الشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، والجبائي (١٠) من المعتزلة (١١). ويمكن أن يوصف هذا القول بأنه قول الجمهور. • أدلة هذا القول: ١ - لو شرط لانعقاد الإجماع التنصيص من كل واحد من العلماء لأدى إلى أن لا ينعقد إجماع أبدًا؛ لتعذر اجتماع أهل العصر على قول يسمع

стр. 1629

منهم جميعًا (١). ٢ - أنه لما كان القول المنتشر مع السكوت من الباقين إجماعًا صحيحًا في مسائل الاعتقاد، كان إجماعًا في الفروع، لمعنى جامع بينهما، وهو أن الحق واحد (٢). ٣ - أن السكوت من بعض المجمعين على حكم شرعي يُعد تقريرًا منهم لهذا الحكم؛ قياسًا على تقرير النبي ﷺ المعتد به في الأحكام الشرعية (٣). ٤ - أن التابعين كانوا إذا أشكل عليهم مسألة، فنُقل إليهم قول صحابي منتشر وسكوت الباقين كانوا لا يجوزون العدول عنه، فهو إجماع منهم على أنه حجة (٤). القول الثاني: أن الإجماع السكوتي ليس حجة ولا إجماعًا. وهو قول عيسى بن أبان (٥) من الحنفية (٦)، والإمام الشافعي في الجديد (٧)، وقال به بعض الشافعية؛ كالجويني (٨) (٩)، والغزالي (١٠)، وداود الظاهري، وابنه محمد (١١). • أدلة هذا القول: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ إحدى صلاتي العشي -قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا- قال: فصلّى بنا ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد؛ فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم

стр. 1630

أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول؛ يقال له ذو اليدين (١)، قال: يا رسول اللَّه، أنسيت، أم قصرت الصلاة؟ قال: "لم أنس، ولم تقصر"، فقال: "أكما يقول ذو اليدين؟ " فقالوا: نعم. فتقدم، فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم سلم فيقول: نبئت أن عمران بن حصين (٢) قال: ثم سلَّم (٣). • وجه الدلالة: أن السكوت لو كان حجة ما استنطق النبي ﷺ الناس بصدق ما يقول ذو اليدين (٤). ٢ - أن السكوت كما يكون للموافقة، فقد يكون للمهابة من إظهار الخلاف، أو أنه لم يجتهد بعد في حكم الواقعة، أو اجتهد ولم يؤده اجتهاده إلى شيء، أو أداه لشيء مخالف، فلم يظهره؛ للتروي، أو أن القائل مجتهد، وكل مجتهد مصيب، ومع هذه الاحتمالات فلا يكون سكوت من سكت مع انتشار قول المجتهد إجماعًا أو حجة (٥). القول الثالث: أن الإجماع السكوتي حجة، وليس إجماعًا (٦). وهو قول الكرخي (٧) من الحنفية (٨)، . . . . . . .

стр. 1631

وأبو هاشم (١) (٢)، واختاره الآمدي (٣). • أدلة هذا القول: ١ - معتمد أصحاب هذا القول: ما قاله الإمام الشافعي: لا ينسب لساكت قول (٤). ٢ - قد ينكر الساكت، لكن لم ينقل قوله، فحمله على الرضا تحكم بلا دليل (٥). • الترجيح: يترجح القول بمذهب الجمهور أن الإجماع السكوتي حجة وإجماع، ولكنه دون حجية الإجماع الصريح، فتكون حجيته ظنية إذا غلب على الظن موافقة الجميع، وعدم العلم بالمخالف. المبحث الرابع: حكم منكر الإجماع • الإجماع أصل عظيم من أصول الدين، لا تجوز مخالفته إذا قامت الحجة على ثبوته. • قال القاضي أبو يعلى (٦): "الإجماع حجة مقطوع عليها، يجب المصير إليها، وتحرم مخالفته، ولا يجوز أن تجتمع الأمة على خطأ" (٧). • وقال ابن حزم: "الإجماع قاعدة من قواعد الملة الحنيفية، يُرجع إليه، ويُفزع نحوه، ويكفر من خالفه إذا قامت عليه الحجة بأنه إجماع" (٨). • وما ذكره ابن حزم من تكفير المخالف للإجماع لم يوافق عليه مطلقًا، بل فصّل العلماء في ذلك؛ فقال ابن تيمية: لعل ابن حزم لم يبلغه الخلاف في ذلك، مع أن

стр. 1632

الخلاف مشهور، والنظّام نفسه المخالف في كون الإجماع حجة، لا يكفره ابن حزم، والناس أيضًا (١). • وفرّق الأئمة بين الإجماع السكوتي، والإجماع الصريح، فقالوا (٢): أما منكر الإجماع السكوتي فلا يكفر؛ لأن ما ثبت من الحكم عن طريق هذا النوع من الإجماع هو مظنون. • وأما الإجماع القطعي فقد وقع الخلاف فيه على أقوال: الأول: لا يكفر منكر حكم الإجماع القطعي. الثاني: يكفر. الثالث: لا يكفر أحد بإنكار الإجماع إلا ما علم من الدين بالضرورة، كالصلوات الخمس، والأركان الخمسة، والتوحيد، ورسالة محمد ﷺ ، ونحوها، وما ليس كذلك فلا يكفر منكره. • سبب الخلاف: سبب الخلاف في تكفير منكر الإجماع هو أن الإجماع ظني أو قطعي، فمن قال: إنه ظني، قال: لا يكفر. • ودليله: أن الآيات والأحاديث الدالة على الإجماع لا تفيد إلا الظن، وما استند إلى الظن أولى أن يكون ظنيًّا (٣). • ومن قال: إن الإجماع قطعي، ومنكر القطعي كافر، فإن ما استند إليه الإجماع من الآيات والأحاديث الدالة على الإجماع قطعية، وما استند إلى القطعي فهو قطعي، فإذا استُقْرِئت الأدلة استقراءً تامًّا اجتمع منها الدليل القاطع على أن الإجماع حجة؛ لكن استقراءها الاستقراء التام بحيث لا يشذ منها شيء متعذر (٤). * * *

стр. 1633

المبحث الخامس: شروط الإجماع • ذكر العلماء شروطًا كثيرة في الإجماع والمجمعين، أذكر أهمها مجملة، ثم أفصل القول فيها: ١ - أن يكون الإجماع عن مستند. ٢ - أن يكون المجمعون من أهل الاجتهاد. ٣ - أن يصدر الإجماع من جميع مجتهدي العصر. ٤ - اعتبار انقراض العصر في تحقق الإجماع. ٥ - عدالة المجمعين. • الشرط الأول: أن يكون الإجماع عن مستند: • مستند الإجماع: هو الدليل الذي يستند إليه المجمعون في إجماعهم، من كتاب أو سنة، أو قياس (١). • قال الشيرازي (٢): (اعلم أن الإجماع لا ينعقد إلا عن دليل، فإذا رأيت إجماعهم على حكم، علمنا أن هناك دليلًا جَمَعهم، سواء عرفنا ذلك الدليل، أو لم نعرفه" (٣). • وقال الآمدي: (اتفق الكل على أن الأمة لا تجتمع على الحكم إلا عن مأخذ

стр. 1634

ومستند يوجب اجتماعها، خلافًا لطائفة شاذة" (١). • وقال ابن تيمية: (لا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول ﷺ ، ولكن قد يخفى على بعض الناس، ويعلم الإجماع" (٢). • الأدلة على وجوب أن يكون للإجماع مستند: ١ - أن الصحابة ﵃ ليسوا بآكد حالًا من النبي ﷺ ، ومعلوم أن النبي ﷺ لا يقول ولا يحكم إلا عن وحي، فالأمة أولى أن لا تقول إلا عن دليل (٣). ٢ - لو جاز للمجمعين كلهم أن يحكموا من غير مستند، لجاز لكل واحد منهم، فإن الإجماع لا يكون إلا بحكم كل واحد منهم، وحين لم يجز لآحادهم، لم يجز لجماعتهم (٤). ٣ - أن القول في الدين من غير دلالة ولا أمارة خطأ، فلو اتفقوا على الحكم من غير مستند، كانوا مجمعين على خطأ، وهذا محال (٥). ٤ - أن أهل الإجماع ليس لهم الاستقلال بإثبات الأحكام، وإنما يثبتونها بالنظر إلى مآخذها وأدلتها، ولو قالوا بالحكم من غير مستند، لاقتضى ذلك أن يثبتوا شرعًا مستأنفًا بعد النبي ﷺ ، وهو باطل (٦). الشرط الثاني: أن يكون المجمعون من أهل الاجتهاد: المعتبر قوله في الإجماع من كان من أهل الاجتهاد، ولا يشترط أن يكون مجتهدًا مطلقًا، بل يكفي أن يكون له أثر في ذلك العلم (٧). • يقول الرازي (٨): (المعتبر بالإجماع في كل فن: أهل الاجتهاد في ذلك الفن،

стр. 1635

وإن لم يكونوا من أهل الاجتهاد في غيره" (١). وقال ابن قدامة: (ولا اختلاف في اعتبار علماء العصر من أهل الاجتهاد في الإجماع" (٢). وقال أيضًا: (ومن لا يعرف من العلم ما لا أثر له في معرفة الحكم -كأهل الكلام واللغة والنحو ودقائق الحساب- فهو كالعامي لا يعتد بخلافه" (٣). الشرط الثالث: أن يصدر الإجماع من جميع مجتهدي العصر: معنى هذا الشرط: أنه إذا خالف الإجماعَ واحدٌ أو اثنان من علماء ذلك العصر الذي وقع فيه حكم الحادثة؛ فهل يعد خلافه خرقًا للإجماع؟ خلاف على قولين: القول الأول: ذهب الجمهور إلى أن الأقل إن خالف فإن قول الباقين لا يعد إجماعًا (٤). • أدلة هذا القول: ١ - أن العصمة إنما ثبتت للأمة بكليتها، وإذا قال الأكثر بقول وخالفهم الواحد أو الاثنان فليس بقول الجميع، بل هو مختلف فيه (٥). ٢ - أن الصحابة ﵃ قد أجمعوا على تجويز مخالفة الآحاد منهم؛ فانفرد ابن مسعود بخمس في الفرائض، وابن عباس بمثلها، فسوغوا لهما الخلاف، ولو كان العبرة في الإجماع بقول الأكثر لما ساغ خلافهم (٦). القول الثاني: أن العبرة في الإجماع هو قول الأكثر، في رواية عن الإمام أحمد (٧)، وهو قول محمد بن جرير الطبري (٨)، والجصاص من الحنفية (٩)، وابن خويز

стр. 1636

منداد (١) من المالكية (٢)، وأبي الحسين الخياط (٣) من المعتزلة (٤). • أدلة هذا القول: ١ - أن مخالفة الواحد شذوذ، وقد ورد النهي عن الشذوذ (٥) بقوله ﷺ : "عليكم بالسواد الأعظم"، وقوله ﷺ : "يد اللَّه مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار" (٦). ٢ - أن لفظ "المؤمنين"، و"الأمة"، الواردين في الأحاديث الدالة على عصمة الأُمة يراد بهما ما يصدق عليه الأكثر منهم، كما يقال: بنو تميم يحمون الجار، ويكرمون الضيف، والمراد به أكثرهم لا كلهم (٧). ٣ - أن الأمة اعتمدت الإجماع على خلافة أبي بكر ﵁ لمّا اتفق عليه الأكثرون، وإن خالف في ذلك آحاد من الصحابة على خلافته (٨). • الترجيح: يترجح لدي القول بأن خلاف الواحد أو الاثنين يعد خرقًا للإجماع، لما ثبت من خلاف أحد الصحابة لقول عامتهم، واعتبار خلافه من قِبَلِهم. • ويجب التنبيه إلى أن قول الأكثر أولى بالإتباع إذا انتفى الإجماع في حكم المسألة؛ وذلك إذا لم يظهر الحق مع الأقل. الشرط الرابع: اعتبار انقراض العصر في تحقق الإجماع: إذا أجمع المجتهدون على حكم مسألة، فهل يشترط أن يبقى رأيهم واحدًا لا يختلف ما دام القائل بهذا القول حيًّا، وإذا رجع عن قوله، فهل رجوعه خرق للإجماع؟ خلاف على أقوال، أذكر منها

стр. 1637

ثلاثة لأهميتها: القول الأول: لا يشترط انقراض عصر المجمعين في تحقق الإجماع؛ فلو وقع الإجماع ولو لحظة واحدة فقد تحقق. وهو قول الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والأصح عند الإمام الشافعي، وقول كثير من الشافعية (٣)، والإمام أحمد في رواية عنه (٤). • أدلة هذا القول: ١ - أنه لا يجوز رجوع المجتهد فيما أجمع عليه، فيكون قوله حجة عليه، كما لا يصح أن يخالف النص (٥). ٢ - أن الحكم الثابت بالإجماع كالحكم الثابت بالنص، وكما أن الحكم الثابت بالنص لا يختص بوقت دون وقت، فكذلك الحكم الثابت بالإجماع (٦). ٣ - لو شرط انقراض العصر لم يتصور وقوع إجماع أبدًا؛ فإن بعض التابعين قد زاحم الصحابة في الفتوى، وهكذا بعض تابعي التابعين زاحم بعض التابعين، فالقول به يؤدي إلى سد باب الإجماع، وهذا باطل (٧). القول الثاني: أنه يشترط انقراض العصر، فإذا أجمع المجتهدون على حكم واقعة، ثم رجع أحدهم عن قوله فقد انحل الإجماع، وهو أحد قولي الإمام الشافعي (٨)، وقول الإمام أحمد في رواية عنه (٩)، وأبي بكر بن فورك (١٠) (١١). • أدلة هذا القول: ١ - قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. • وجه الدلالة: جعل اللَّه الأمة

стр. 1638

شهداء على غيرهم من الأمم، ولم يجعلهم شهداء على أنفسهم، فيجوز الرجوع عن القول إذا اعتقد الصواب في غيره (١). ٢ - عن السائب بن يزيد (٢) ﵁ قال: كنا نُؤتى بالشارب على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وإمرة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا، ونعالنا، وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين (٣). • وجلد عليٌّ في خلافة عثمان أربعين فقال: جلد رسول اللَّه ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكُلٌّ سُنّة، وهذا أحب إليّ (٤). ٣ - ما ورد عن علي ﵁ أنه قال: اتفق رأيي ورأي عمر على ألا تباع أمهات الأولاد، والآن قد رأيت بيعهن (٥). • وجه الدلالة من الأثرين: أن عليًّا قد أظهر الخلاف بعد الوفاق؛ فقد خالف في حد الخمر، وفي بيع أمهات الأولاد، ولو كان الخلاف غير جائز لكونه مسبوقًا بالإجماع، لما خالف علي ﵁ (٦). القول الثالث: أن انقراض العصر شرط في الإجماع السكوتي دون غيره (٧)، وهو اختيار الآمدي (٨). • دليل هذا القول: أن الساكت عن موافقة المجتهد في قوله قد يكون عن عدم

стр. 1639

دليل، فإذا وجد الدليل، فإنه يسوغ له الخلاف؛ لمعرفته بالدليل الذي كان قد خفي عليه (١). الشرط الخامس: عدالة المجمعين: العدالة (٢) في المجتهد شرط في قبول قوله في الإجماع، والفسق ضد العدل، وهو على قسمين (٣): الأول: فسق بسبب الاعتقاد: كالرافضي، والخارجي، ونحوهم. الثاني: فسق بسبب الفعل: كالزاني، والسارق، وشارب الخمر، ونحوهم. • قبل معرفة خلاف الفقهاء في خلاف الفاسق لا بد من بيان أن المجتهد إذا كان صاحب بدعة؛ فإن كُفِّر ببدعته، فلا يعتبر خلافه، سواء علم هو بكفر نفسه أم لم يعلم (٤). قال الآمدي: بلا خلاف (٥). • أما الفاسق الذي لم يكفر بفسقه، فقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يُعدّ خلاف الفاسق بالاعتقاد أو بالفعل مؤثرًا في الإجماع فلا يعتد بخلافه. وهو قول أكثر العلماء، فقد قال به الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، وبعض الشافعية (٨)، والحنابلة (٩).

стр. 1640

• أدلة هذا القول: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. • وجه الدلالة: أمرنا اللَّه أن نتثبت ونتبين في خبر الفاسق؛ لأن من أقدم على فعل المفسقات لا يؤمن من الكذب (١). ٢ - قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. • وجه الدلالة: الوسط في اللغة: العدل، فلمّا لم يكن أهل الفسق والضلال بهذه الصفة، لم يجز أن يكونوا من الشهداء على الناس، فلا يعتد بهم في الإجماع (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. • وجه الدلالة: لمّا كان سبيل الفاسق غير سبيل المؤمنين، لم يجز أن يكون سبيلهم مأمورًا باتباعه (٣). ٤ - أن الفاسق لا تقبل روايته ولا شهادته، فرجب ألا يقبل قوله في الإجماع (٤). ٥ - أن الفاسق يجوز عليه أن يعصي فيما يعتد به من الإجماع كما يجوز أن يعصي في غيره، فلا يعتد بخلافه (٥). القول الثاني: الاعتداد بخلاف الفاسق، وأن الإجماع لا ينعقد بدونه، وهو اختيار ابن الحاجب من المالكية (٦)، والشيرازي (٧)، والجويني (٨)، والغزالي (٩)، وابن السبكي (١٠)، والآمدي (١١)، من الشافعية، وأبي الخطاب (١٢) من الحنابلة (١٣).

стр. 1641

• أدلة هذا القول: ١ - أن المجتهد الفاسق من أهل الحل والعقد، وهو داخل في مفهوم لفظ "المؤمنين" في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، وفي لفظ "الأمة" في قوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة" (١)، المشهود لهم بالعصمة (٢). ٢ - أن فسق الفاسق غير مخل بأهليته في الاجتهاد، والظاهر من حاله الصدق فيما يخبر به عن اجتهاده، كإخبار غيره من المجتهدين (٣). القول الثالث: أنه إذا أظهر خلافه يُسأل عن دليله، فإن كان صالحًا اعتبر خلافه، وإن كان دليله غير صالح فلا يعتبر خلافه، وينعقد الإجماع بدونه. وهذا اختيار السمعاني (٤) من الشافعية (٥). • دليل هذا القول: قد يحمل الفسقُ صاحبَه على اعتقاد شرع من غير دليل، فإذا أظهر من استدلاله ما يصلح أن يكون دليلًا فإن الإجماع لا ينعقد بدونه ولو كان فاسقًا، فإن كان دليله غير صالح للاستدلال فلا يعتبر خلافه، ولا ينخرم الإجماع بخلافه (٦). • الترجيح: ١ - يجب التفريق بين من كان فسقه بسبب بدعته، كالخارجي، والرافضي، فهؤلاء لا يعتد بخلافهم مع أهل السنة والجماعة. ٢ - أما من كان فسقه بسبب معصية لا توصله لدرجة الابتداع، فهذا من الأمة، ومن المؤمنين الذين جاءت بذكرهم النصوص، فيجب أن يعتبر قوله، فإن كان موافقًا تحقق بقوله الإجماع، وإن خالف فلا ينعقد الإجماع بدونه. * * *

стр. 1642

المبحث السادس: ألفاظ الإجماع • للإجماع ألفاظ عدة، عبر العلماء بها للدلالة عليه، ويمكن ترتيب هذه الألفاظ حسب قوتها من حيث الدلالة على الإجماع إلى أقسام (١): القسم الأول: ما كان صريحًا في حكاية الإجماع من مادة الفعل "أجمع" (٢) وما تصرف منه، مثل: أجمع العلماء، أجمعوا، إجماع، الإجماع، بالإجماع، أجمعت الأمة، أجمع أهل العلم، أجمع المسلمون، بإجماع بين أهل العلم، إجماعهم، مجمع عليه، مجمعون عليه. • فهذه العبارات تدل صراحة على الإجماع، ما لم تأتِ قرينة تصرفه من الإجماع العام إلى الإجماع الخاص بمذهب، أو ببلد، أو إجماع أشخاص معينين؛ كأن يقال: إجماع أهل المدينة، أو إجماع أهل الكوفة، أو أجمع الخلفاء الأربعة، أو أجمع علماء مذهب ما. القسم الثاني: التعبير بلفظ الاتفاق، وما تصرف منه من الألفاظ، مثل: اتفق العلماء، اتفق أهل العلم، اتفقوا، بالاتفاق، متفق عليه، باتفاق بين العلماء، باتفاقهم، ونحو ذلك. القسم الثالث: التعبير بنفي الخلاف، وهذا التعبير يأتي في المرتبة الثالثة بعد عبارة الإجماع، والاتفاق، مثل: لم أجد فيه خلافًا، من دون خلاف بينهم، لم يسمع في ذلك خلاف، لم يقل عن أحد خلاف في ذلك، ونحو ذلك من الألفاظ. القسم الرابع: التعبير بنفي النزاع، ومن ألفاظه: لا نزاع فيه، لم أجد فيه نزاعًا، لم ينازع فيه أحد، من دون منازع. والتعبير بهذه الألفاظ قليل جدًّا، ومع ذلك إن وجدت شيئًا منه فإنني أذكره. • ومن خلال جمع مسائل هذه الرسالة اتضح لي ما يلي: أولًا: أن من العلماء من عبر بلفظ الإجماع تارة، وبلفظ الاتفاق في المسألة نفسها تارة أخرى.

стр. 1643

ثانيًا: أن من العلماء من عبر بلفظ الإجماع تارة، وبنفي الخلاف تارة أخرى في المسألة ذاتها. ثالثًا: أن من العلماء من عبر بلفظ الاتفاق تارة، وبنفي الخلاف تارة أخرى في المسألة بعينها. رابعًا: أن من العلماء من حكى في بعض المسائل إجماع العلماء نقلًا عن عالم سبقه، وعند الرجوع إلى ما ذكره ذلك العالم المنقول عنه، يتبين أن ذلك العالم حكى الاتفاق أو نفى الخلاف. • وفي هذا دليل على أن هناك من العلماء من لم يفرق بين هذه الألفاظ في الدلالة على الإجماع. • وهذه أمثلة على ذلك: ١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: (أجمع أهل العلم على أن للزوجة نفقتها، وكسوتها بالمعروف) (١). وقال أيضًا: (وقد اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات إذا كانوا جميعًا بالغين، إلا الناشز منهن الممتنعة، فنفقة الزوجة ثابتة في الكتاب والسنة والاتفاق" (٢). ٢ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: (أما امتناع الصلاة، والصوم، والطواف، والوطء في حال الحيض، فإجماع متيقن مقطوع به، ولا خلاف بين أحد من أهل الإسلام فيه" (٣). وقال في مراتب الإجماع: (واتفقوا على أن الحائض لا تصلي، ولا تصوم، أيام حيضها، ولا يطؤها زوجها" (٤). • وقال أيضًا: (اتفقوا أن نكاح أكثر من أربع زوجات لا يحل لأحد بعد النبي ﷺ " (٥). وقال أيضًا: (لم يختلف في أنه لا يحل لأحد زواج أكثر من أربع نسوة أحد من أهل الإسلام" (٦). ٣ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: (أجمع هؤلاء الفقهاء أنه لا يحرم على الزاني نكاح المرأة التي زنى بها إذا استبرأها" (٧). وقال أيضًا: (وقد اتفق هؤلاء الفقهاء كلهم

стр. 1644

على أنه لو زنى بها جاز له أن يتزوجها" (١). وقال أيضًا: (وأجمع العلماء على أنه إذا طلقها في طهر مسها فيه، لم يجبر على رجعتها" (٢). • وقال أيضًا: (لم يختلف العلماء كلهم أن الرجل إذا طلق في طهر قد مس فيه، أنه لا يجبر على الرجعة" (٣). وقال أيضًا: (لم يختلفوا أنها إذا انقضت عدتها لم يجبر على رجعتها" (٤). ٤ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: (فإن نكاح الأمة في حال طول الحرة في حق العبد جائز بالإجماع" (٥). وقال أيضًا: (ولا خلاف في أن طول الحرة لا يمنع العبد من نكاح الأمة" (٦). ٥ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (ولا خلاف بينهم في أن المطلقة ثلاثًا بعد الدخول لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٧). ثم أخذ يذكر الأدلة من السنة على ذلك، ثم قال: "وفي إجماع أهل العلم على هذا غنية عن الإطالة فيه" (٨). وقال أيضًا في وجوب العدة والصداق بمجرد الخلوة بالمرأة المعقود عليها: (عن عمر، وعلي، وعن سعيد بن المسيب، وعن زيد بن ثابت: عليها العدة، ولها الصداق كاملًا، وهذه قضايا تشتهر، ولم يخالفهم أحد في عصرهم، فكان إجماعًا" (٩). والتعبير بالإجماع عن الصحابة عند عدم العلم بالمخالف منهم كثير عند ابن قدامة وغيره. ٦ - القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: (أجمع المسلمون أن من لم يخف القسط في اليتامى، له أن ينكح أكثر من واحدة، اثنتين أو ثلاثا، أو أربعًا" (١٠). وقال أيضًا: (وقد اتفق الجميع على أن للحر أن يتزوج أربعًا وإن خاف ألا يعدل" (١١). • وقال أيضًا: (ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز نكاح مجوسية، ولا وثنية" (١٢). وقال أيضًا: (وأما المجوس: فالعلماء مجمعون على أن ذبائحهم لا تؤكل، ولا يتزوج منهم" (١٣).

стр. 1645

٧ - القرافي (٦٨٤ هـ) حيث قال: (قال ابن حزم في كتاب الإجماع: وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز عتق غير بني آدم من الحيوان" (١). بينما قال ابن حزم: (واتفقوا أن عتق حيوان غير بني آدم لا يجوز" (٢). ٨ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: (فإن طلقها وهي حائض، أو وطئها وطلقها بعد الوطء قبل أن يتبين حملها، فهذا طلاق محرّم بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين" (٣). وقال في موضع آخر: (إذا طلقها في الحيض ولم تكن سألته الطلاق، فإن هذا الطلاق حرام باتفاق المسلمين" (٤). ٩ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: (حرمة الجمع بين الأختين، بلا خلاف" (٥). وقال أيضًا: (ثبتت الحرمة في الجمع نصًّا وإجماعًا" (٦). ١٠ - ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث قال: (قال الإمام الشافعي ﵀ في الأم: لا نعلم خلافًا في وجوب دخول المرفقين في الوضوء، وهذا منه حكاية للإجماع" (٧). ١١ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: (قال ابن المنذر: نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة، والإجماع" (٨). بينما قال ابن المنذر: (نفقة الزوجة واجبة بالكتاب، والسنة، والاتفاق" (٩). على أن من العلماء من فرّق بين لفظ "الإجماع"، ولفظ "الاتفاق"، فعبر بلفظ "الإجماع" عن اتفاق أهل العلم في شتى المذاهب، وبلفظ "الاتفاق" عن اتفاق علماء المذهب خاصة. • ومن العلماء من لم يرَ أن نفي الخلاف يدل على الإجماع، ومن هؤلاء العلماء: أولًا: من فرّق بين لفظ الإجماع، ولفظ الاتفاق: ١ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: (فيه نظر؛ لأنهم قالوا بالاتفاق دون الإجماع، فهذا القائل لم يعرف الفرق بين الاتفاق والإجماع" (١٠).

стр. 1646

٢ - الحطاب (٩٥٤ هـ)، حيث قال: (والمراد بالاتفاق اتفاق أهل المذهب, وبالإجماع إجماع العلماء) (١). ثانيًا: من رأى أن نفي الخلاف لا يدل على الإجماع: • وهذا القول منسوب للإمام الشافعي في أحد القولين, وللصيرفي (٢) من الشافعية (٣)، وللإمام أحمد في إحدى الروايتين (٤). المبحث السابع: مسائل أصولية في الإجماع المسألة الأولى: الإجماع على أحد القولين, هل يرفع الخلاف المتقدم ؟ • إذا اختلف مجتهدو عصر من العصور في مسألة, واستقر الخلاف بعد النظر والاجتهاد, وانقرض علماء ذلك العصر, وجاء مجتهدو العصر التالي, فهل لهم أن يجمعوا على أحد القولين المنقولين عن علماء العصر الذي سبقهم, فيرتفع الخلاف, وتصبح المسألة محل إجماع, أم أن المسألة تبقى خلافية أبدا؟ • اختلف الأصوليون في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب الإمام أبو حنيفة على خلاف في نقل قوله (٥)، والمالكية في قول (٦)، وإليه مال الإمام الشافعي (٧)، والغزالي (٨)، وإمام الحرمين (٩)، والشيرازي من الشافعية (١٠)، بل هو قول أكثر الشافعية كما يقول الشيرازي (١١)، والإمام أحمد, والقاضي أبي يعلى, وابن

стр. 1647

تيمية (١)، والأشعري (٢)، وهو قول الجمهور (٣)، واختاره الآمدي (٤)، إلى عدم وقوع الإجماع، بل تبقى المسألة خلافية. • أدلة هذا القول: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. • وجه الدلالة: أن هذا حكم قد وقع فيه النزاع في العصر الأول، فوجب أن يُرد إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله، وعلى القول الآخر يلزم رده إلى إجماع المجتهدين (٥). ٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم" (٦). • وجه الدلالة: ظاهر هذا الحديث يقتضي الرد إلى كل واحد من الصحابة بكل حال، مع الإجماع على قول بعضهم، ومع الاختلاف (٧). ٣ - أن الصحابة ﵃ لما اختلفوا على قولين، فقد أجمعوا على تسويغ الخلاف في

стр. 1648

المسألة، والأخذ بكل واحد من القولين، فلو أجمع من جاء بعدهم على الأخذ بأحد القولين، لأدى ذلك إلى تعارض الإجماعين، وهو ممتنع (١). ٤ - أن موت المختلفين لا يسقط مذاهبهم، فهم من الأمة، وقولهم معتبر في حق من يأتي بعدهم، فإن "المذاهب لا تموت بموت أربابها" وهي من عبارات الشافعي الرشيقة، كما يقول الجويني (٢). ٥ - أن الإجماع على أحد القولين من مجتهدي العصر التالي فيه تخطئة لمجتهدي العصر الأول فيما ذهبوا إليه، ويستحيل أن يجتمع الحق والمنع في أحد القولين (٣). القول الثاني: ذهب الحنفية (٤)، والمالكية في قول (٥)، والصيرفي، والرازي من الشافعية (٦)، وأبو الخطاب من الحنابلة (٧)، والمعتزلة (٨)، إلى جواز ذلك، وأن الإجماع ينعقد، فلا تجوز مخالفته. • أدلة هذا القول: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. • وجه الدلالة: أنه إجماع حدث بعد أن لم يكن، فيكون حجة، كما لو حدث بعد تردد أهل الإجماع فيه حال التدبر والتأمل (٩). ٢ - أن القول الثاني قد صار قول كل الأمة؛ لأن أهل العصر الثاني صاروا كل الأمة، والحق لا يتعداهم، فيتعين أن قولهم هو الحق، وما عداه باطل (١٠). • الترجيح: يترجح لدي قول الجمهور في أن الإجماع على أحد القولين لا يرفع الخلاف المتقدم، وذلك لما يأتي: ١ - أن قول ناقل الإجماع مقابل بنقل من يثبت الخلاف، وناقل الإجماع نافٍ

стр. 1649

للخلاف، والآخر مثبت له، والمثبت مقدم على النافي (١). ٢ - إذا كان ناقل الخلاف يمكن أن يكون غلط فيما ذكره من الخلاف، إما لضعف إسناد، أو لعدم دلالة، فإن غلط الذي حكى الإجماع أولى، فإنه قد يكون في المسألة أقوال لم تبلغه، أو بلغته وظن ضعف أسانيدها، وقد ثبتت عند غيره، فما يجوز على المثبت للخلاف يجوز على النافي له، مع زيادة أنه لم يعلم بالمخالف (٢). ٣ - أن عدم علم الذي حكى الإجماع بالخلاف ليس علمًا بعدم الخلاف، لا سيما في أقوال علماء أمة محمد ﷺ التي لا يحصيها إلا رب العالمين (٣). المسألة الثانية: إذا أدرك التابعي عصر الصحابة، وكان من أهل الاجتهاد، فهل يعتد بخلافه ؟ • اختلف الأصوليون في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا ينعقد إجماع الصحابة إذا خالفهم التابعي، إن كان من أهل الاجتهاد، وقال بهذا: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، وبعض الشافعية (٦)، والإمام أحمد في رواية عنه (٧)، قال ابن قدامة: وهي أظهر القولين (٨)، واختاره أبو الخطاب الكلوذاني (٩)، وابن عقيل (١٠) (١١).

стр. 1650

• أدلة هذا القول: ١ - أن هذا المخالف من التابعين تناولته النصوص، بكونه من المؤمنين، وبكونه من الأمة، فكان قوله مؤثرًا ومعتبرًا في الإجماع (١). ٢ - أن الصحابة ﵃ قد سوغوا اجتهاد التابعين، ولم ينكروا عليهم، وهذه أمثلة على ذلك: أ - روى أبو سلمة (٢) بن عبد الرحمن بن عوف قال: تذاكرت أنا وابن عباس (٣) وأبو هريرة في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال ابن عباس: أبعد الأجلين، وقلت أنا: عدتها أن تضع حملها، وقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي (٤). ب - أن عمر بن الخطاب ﵁ لما ولّى شريحًا القضاء قال له: "اقض بما في كتاب اللَّه، فإن لم تجد فبما سنّه رسول اللَّه ﷺ ، فإن لم تجد فبما قضى به الصالحون قبلك، فإن جاء أمر ليس في كتاب اللَّه، ولا قضى به نبيه ﷺ ، ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه" (٥). ت - أن عليًّا تخاصم إلى شريح في درعه الذي فقده بصفين، ولم يقبل شريح شهادة ابن علي لأبيه، فقبل علي قوله، مع أنه يرى خلافه (٦). ث - وسُئل ابن عمر عن فريضة فقال: سلوا عنها سعيد بن جبير (٧) فإنه أعلم بها
следующие страницы →