٢ - الحطاب (٩٥٤ هـ)، حيث قال: (والمراد بالاتفاق اتفاق أهل المذهب, وبالإجماع إجماع العلماء) (١).
ثانيًا: من رأى أن نفي الخلاف لا يدل على الإجماع:
• وهذا القول منسوب للإمام الشافعي في أحد القولين, وللصيرفي (٢) من الشافعية (٣)، وللإمام أحمد في إحدى الروايتين (٤).
المبحث السابع: مسائل أصولية في الإجماع
المسألة الأولى: الإجماع على أحد القولين, هل يرفع الخلاف المتقدم ؟
• إذا اختلف مجتهدو عصر من العصور في مسألة, واستقر الخلاف بعد النظر والاجتهاد, وانقرض علماء ذلك العصر, وجاء مجتهدو العصر التالي, فهل لهم أن يجمعوا على أحد القولين المنقولين عن علماء العصر الذي سبقهم, فيرتفع الخلاف, وتصبح المسألة محل إجماع, أم أن المسألة تبقى خلافية أبدا؟
• اختلف الأصوليون في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب الإمام أبو حنيفة على خلاف في نقل قوله (٥)، والمالكية في قول (٦)، وإليه مال الإمام الشافعي (٧)، والغزالي (٨)، وإمام الحرمين (٩)، والشيرازي من الشافعية (١٠)، بل هو قول أكثر الشافعية كما يقول الشيرازي (١١)، والإمام أحمد, والقاضي أبي يعلى, وابن
стр. 1647
تيمية (١)، والأشعري (٢)، وهو قول الجمهور (٣)، واختاره الآمدي (٤)، إلى عدم وقوع الإجماع، بل تبقى المسألة خلافية.
• أدلة هذا القول:
١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
• وجه الدلالة: أن هذا حكم قد وقع فيه النزاع في العصر الأول، فوجب أن يُرد إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله، وعلى القول الآخر يلزم رده إلى إجماع المجتهدين (٥).
٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم" (٦).
• وجه الدلالة: ظاهر هذا الحديث يقتضي الرد إلى كل واحد من الصحابة بكل حال، مع الإجماع على قول بعضهم، ومع الاختلاف (٧).
٣ - أن الصحابة ﵃ لما اختلفوا على قولين، فقد أجمعوا على تسويغ الخلاف في
стр. 1648
المسألة، والأخذ بكل واحد من القولين، فلو أجمع من جاء بعدهم على الأخذ بأحد القولين، لأدى ذلك إلى تعارض الإجماعين، وهو ممتنع (١).
٤ - أن موت المختلفين لا يسقط مذاهبهم، فهم من الأمة، وقولهم معتبر في حق من يأتي بعدهم، فإن "المذاهب لا تموت بموت أربابها" وهي من عبارات الشافعي الرشيقة، كما يقول الجويني (٢).
٥ - أن الإجماع على أحد القولين من مجتهدي العصر التالي فيه تخطئة لمجتهدي العصر الأول فيما ذهبوا إليه، ويستحيل أن يجتمع الحق والمنع في أحد القولين (٣).
القول الثاني: ذهب الحنفية (٤)، والمالكية في قول (٥)، والصيرفي، والرازي من الشافعية (٦)، وأبو الخطاب من الحنابلة (٧)، والمعتزلة (٨)، إلى جواز ذلك، وأن الإجماع ينعقد، فلا تجوز مخالفته.
• أدلة هذا القول: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
• وجه الدلالة: أنه إجماع حدث بعد أن لم يكن، فيكون حجة، كما لو حدث بعد تردد أهل الإجماع فيه حال التدبر والتأمل (٩).
٢ - أن القول الثاني قد صار قول كل الأمة؛ لأن أهل العصر الثاني صاروا كل الأمة، والحق لا يتعداهم، فيتعين أن قولهم هو الحق، وما عداه باطل (١٠).
• الترجيح: يترجح لدي قول الجمهور في أن الإجماع على أحد القولين لا يرفع الخلاف المتقدم، وذلك لما يأتي:
١ - أن قول ناقل الإجماع مقابل بنقل من يثبت الخلاف، وناقل الإجماع نافٍ
стр. 1649
للخلاف، والآخر مثبت له، والمثبت مقدم على النافي (١).
٢ - إذا كان ناقل الخلاف يمكن أن يكون غلط فيما ذكره من الخلاف، إما لضعف إسناد، أو لعدم دلالة، فإن غلط الذي حكى الإجماع أولى، فإنه قد يكون في المسألة أقوال لم تبلغه، أو بلغته وظن ضعف أسانيدها، وقد ثبتت عند غيره، فما يجوز على المثبت للخلاف يجوز على النافي له، مع زيادة أنه لم يعلم بالمخالف (٢).
٣ - أن عدم علم الذي حكى الإجماع بالخلاف ليس علمًا بعدم الخلاف، لا سيما في أقوال علماء أمة محمد ﷺ التي لا يحصيها إلا رب العالمين (٣).
المسألة الثانية: إذا أدرك التابعي عصر الصحابة، وكان من أهل الاجتهاد، فهل يعتد بخلافه ؟
• اختلف الأصوليون في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا ينعقد إجماع الصحابة إذا خالفهم التابعي، إن كان من أهل الاجتهاد، وقال بهذا: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، وبعض الشافعية (٦)، والإمام أحمد في رواية عنه (٧)، قال ابن قدامة: وهي أظهر القولين (٨)، واختاره أبو الخطاب الكلوذاني (٩)، وابن عقيل (١٠)(١١).
стр. 1650
• أدلة هذا القول:
١ - أن هذا المخالف من التابعين تناولته النصوص، بكونه من المؤمنين، وبكونه من الأمة، فكان قوله مؤثرًا ومعتبرًا في الإجماع (١).
٢ - أن الصحابة ﵃ قد سوغوا اجتهاد التابعين، ولم ينكروا عليهم، وهذه أمثلة على ذلك:
أ - روى أبو سلمة (٢) بن عبد الرحمن بن عوف قال: تذاكرت أنا وابن عباس (٣) وأبو هريرة في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال ابن عباس: أبعد الأجلين، وقلت أنا: عدتها أن تضع حملها، وقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي (٤).
ب - أن عمر بن الخطاب ﵁ لما ولّى شريحًا القضاء قال له: "اقض بما في كتاب اللَّه، فإن لم تجد فبما سنّه رسول اللَّه ﷺ ، فإن لم تجد فبما قضى به الصالحون قبلك، فإن جاء أمر ليس في كتاب اللَّه، ولا قضى به نبيه ﷺ ، ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه" (٥).
ت - أن عليًّا تخاصم إلى شريح في درعه الذي فقده بصفين، ولم يقبل شريح شهادة ابن علي لأبيه، فقبل علي قوله، مع أنه يرى خلافه (٦).
ث - وسُئل ابن عمر عن فريضة فقال: سلوا عنها سعيد بن جبير (٧) فإنه أعلم بها
стр. 1651
مني (١).
ج - وسُئل أنس بن مالك عن مسألة فقال: سلوا مولانا الحسن (٢) فقالوا: يا أبا حمزة نسألك، وتقول: سلوا مولانا الحسن، فقال: إنا سمعنا وسمع، فحفظ ونسينا (٣).
• وجه الدلالة من هذه الآثار: أن الصحابة ﵃ قد سوغوا للتابعين الاجتهاد، والأخذ بأقوالهم، مما يدل على اعتبار أقوالهم في صحة الإجماع، والاعتداد بخلافهم في منع الإجماع (٤).
٣ - أن الاعتبار بالاجتهاد وليس بالصحبة، فلو أن صحابيًّا عاميًّا في عصر التابعين، جاز له تقليد فقهائهم المجتهدين، ولا يعتد بقول الصحابي لعدم بلوغه رتبة الاجتهاد (٥).
٤ - أن التابعين معهم آلة الاجتهاد وقت حدوث النازلة، فكان معتدًّا بقولهم (٦).
القول الثاني: إذا أدرك التابعي عصر الصحابة فلا يعتد بخلافه، وإن بلغ رتبة الاجتهاد، وقال بهذا بعض الشافعية (٧)، والإمام أحمد في رواية عنه (٨)، نصرها القاضي أبو يعلى (٩)، وهو قول لبعض المتكلمين (١٠).
• أدلة هذا القول:
١ - أن الصحابة ﵃ لهم مزية الصحبة، فقد شهدوا التنزيل، وسماع التأويل، وزادوا بمزية الاجتهاد، فوجب تقديم قولهم (١١).
٢ - أن الصحابة أنكروا على بعض التابعين، وهذا دليل منهم على أنهم لا يعتبرون خلافهم، ومن ذلك:
стр. 1652
أ - أن عليًّا ﵁ أنكر على شريح، ونقض حكمه في امرأة ماتت وتركت ابني عم، أحدهما زوج، والآخر أخ لأم، فأعطى شريح النصف للزوج، والباقي للأخ لأم، فبلغ ذلك عليا فقال: الزوج النصف، والأخ لأم السدس، والباقي بينهما (١).
ب - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة زوج النبي ﷺ ما يوجب الغسل؟ فقالت: هل تدري ما مثلك يا أبا سلمة؟ مثلَ الفرُّوج، يسمع الديكة تصرخ، فيصرخ معها (٢)، إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل (٣).
• وجه الدلالة: هذا إنكار من عائشة لأبي سلمة في مناظرته للصحابة، والدخول معهم في الاجتهاد (٤).
• الترجيح: يترجح لدي القول الأول القائل بأن خلافهم معتبر في منع الإجماع، وذلك لما يأتي:
١ - أن المجتهدين من التابعين هم بعض الأمة الذين شهدوا الواقعة، فوجب الأخذ بقولهم.
٢ - أن ما أنكره عليٌّ على شريح ليس لأن قوله غير معتبر، بدليل أنه حكم عليه في مخاصمته في درعه لما رد شهادة ابنه، ولم ينكر عليه علي ﵁ (٥).
٣ - أما إنكار عائشة ﵂ على أبي سلمة: فيحتمل أنها لم تره بلغ مرتبة الاجتهاد، أو لأنه ترك التأدب مع ابن عباس. ثم إن قولها معارض بقول أبي هريرة لما قال: أنا مع ابن أخي (٦).
المسألة الثالثة: هل يعتبر خلاف الظاهرية خرقًا للإجماع ؟
إذا خالف الظاهرية الجمهور في مسألة فرعية ما، فهل يعتبر خلافهم، فلا ينعقد الإجماع بدون قولهم، أم أن قولهم غير معتبر، فينعقد الإجماع بدونهم؟
стр. 1653
• خلاف بين الفقهاء على أقوال، أذكر أهمها (١):
القول الأول: أن خلاف الظاهرية غير معتبر، ولا يعتد به مطلقًا، وممن حكى عدم اعتباره: الكرخي، والجصاص من الحنفية (٢)، والنووي (٣)، والزركشي (٤)، من الشافعية.
• أدلة هذا القول:
١ - ذكر النووي أن الظاهرية هم من جملة العوام، فليسوا من العلماء؛ لتعطيلهم القول بالقياس، وأن أغلب أحكام الشريعة قائمة على الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعشر معشارها (٥).
٢ - أن هؤلاء تجرؤوا على الأئمة، وظنوا أنهم الذين على الحق، وأن غيرهم على الباطل، فمن أجل هذا لا يعتد بقولهم (٦).
القول الثاني: أن خلافهم يعتبر مطلقًا، وممن حكى ذلك: أبو منصور البغدادي (٧)، وابن الصلاح (٨) من الشافعية، وقال: إنه الصحيح من المذهب، وهو الذي استقر عليه الأمر (٩)، واختاره ابن القيم من الحنابلة (١٠)، والشوكاني (١١).
стр. 1654
• أدلة هذا القول:
١ - أن أغلب ما تفرد به الظاهرية هو من باب مخالفة الإجماع الظني، وتندر مخالفتهم للإجماع القطعي (١).
٢ - أن ابن حزم يُكفِّر من خالف الإجماع إذا ثبت لديه (٢)، فكيف يكفر من خالف الإجماع، ثم يقول هو بخلافه، إلا لأنه لم يثبت لديه.
٣ - أن قول الظاهرية اجتهاد منهم، ورأي من لم يعتد بخلافهم ما هو إلا اجتهاد منه، فلا يرد اجتهاد بمثله (٣).
• الترجيح: يترجح لدي الاعتداد بخلاف الظاهرية، وأن خلافهم معتبر، لا ينعقد الإجماع بدونه للأسباب التالية:
١ - أن الظاهرية هم من الأمة، التي وصفها النبي ﷺ بأنها لا تجتمع على خطأ.
٢ - أن العلماء قد قبلوا قول المجتهد المبتدع في الإجماع -إذا كانت بدعة غير مكفرة- فكيف لا يعتد بخلاف الظاهرية، وهم في دائرة أهل السنة والجماعة.
٣ - أن الأئمة قد ذكروا خلاف داود وغيره من الظاهرية في كتبهم، وحكوا خلاف غيرهم من أهل العلم، وذلك دليل منهم على اعتبار خلافهم (٤).
المسألة الرابعة: ما يترتب على الإجماع بعد ثبوته:
• إذا ثبت الإجماع في حكم مسألة ما، فإنه يترتب عليه ما يأتي:
١ - يجب إتباع الإجماع، وتحرم مخالفته (٥). قال ذلك عدد من الأئمة، ومنهم: أبو يعلى، حيث قال: "الإجماع حجة مقطوع عليها، ويجب المصير إليها، وتحرم مخالفته" (٦).
стр. 1655
• وقال ابن تيمية: "وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام، لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم" (١).
٢ - أن هذا الإجماع حق وصواب، ولا يمكن أن يكون خطأ، فلا يمكن أن يقع إجماع على خلاف نص أبدًا، ولا يقع إجماع على خلاف إجماع سابق (٢).
• قال ابن القيم: "ومحال أن تجتمع الأمة على خلاف نص، إلا أن يكون له نص آخر ينسخه" (٣).
٣ - أنه يحرم الاجتهاد في المسألة المجمع عليها؛ لأن الإجماع استند إلى نص، ويحرم الاجتهاد مع وجود النص (٤).
* * *
стр. 1656
الفصل الثاني: تعريف النكاح وحقيقته
• قبل النظر في مسائل الإجماع في النكاح وأبوابه، لا بد من معرفة المراد بالنكاح، ثم معرفة حقيقته: هل هو في العقد أم في الوطء، أم فيهما جميعًا؟ وذلك من خلال النظر في كلام أهل اللغة وأهل الفقه. وعلى هذا سيكون الحديث في هذا الفصل من خلال المبحثين التاليين:
المبحث الأول: تعريف النكاح .
المبحث الثاني: حقيقة النكاح.
المبحث الأول: تعريف النكاح
المطلب الأول: تعريف النكاح في اللغة:
• قال ابن فارس: النون، والكاف، والحاء؛ أصل واحد، وهو البضاع (١)، ونَكَح ينكِح "بكسر الكاف". وامرأة ناكح في بني فلان، أي ذات زوج منهم، والنكاح يكون في العقد دون الوطء، يقال: نكحتُ؛ تزوجتُ، وأنكحتُ غيري؛ زوَّجته (٢).
• ويقال: نكح فلان امرأة ينكحها نكاحًا: إذا تزوجها، ونكحها: إذا باضعها ينكحها أيضًا (٣). قال الشاعر (٤) في "نكح" بمعنى تزوج:
ولا تقربن جارة إن سرّها ... عليك حرام فانكحن أو تأبدا (٥)
• ويدل النكاح أيضًا على الضم والتداخل، وهو مأخوذ من نَكَحَه الدواء: إذا
стр. 1657
خامره وغلبه، أو من تناكح الأشجار: إذا انضم بعضها إلى بعض (١).
• يقال: نكحتَ البُر في الأرض إذا حرثتها وبذرته فيها، ونكحَتْ الحصى أخفاف الإبل: إذا دخلت فيها، ونكح المطر الأرض: إذا خالط ترابها، ونكح النعاس عينه: إذا غلب عليها (٢).
• وعليه: يكون النكاح في اللغة بمعنى: الإبضاع، والتزويج، والضم، وكلها تعود لأصل واحد؛ لأن الإبضاع لا يكون إلا بتزويج وضم.
المطلب الثاني: تعريف النكاح في الاصطلاح:
١ - عرّفه ابن الهمام من الحنفية بأنه: عقد وضع لتملك المتعة بالأنثى قصدًا (٣).
وقد يعترض على هذا التعريف بأن الاستمتاع يقع من جهة الزوجة أيضًا، مع أنه لا ملك لها.
٢ - وعرّفه الدردير (٤) من المالكية بأنه: عقد لحل تمتع بأنثى، غير محرم ومجوسية وأمة كتابية، بصيغة، لقادر محتاج، أو راجٍ نسلا (٥).
وقد يعترض على هذا التعريف أيضًا بما اعترض على سابقه، وأن النكاح مندوب إليه لصيانة النفس وإعفافها، ولو لم يحصل الولد.
٣ - وعرّفه زكريا الأنصاري (٦) من الشافعية بأنه: عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ
стр. 1658
إنكاح، أو نحوه (١).
ويعترض على هذا التعريف بأن العقد يباح به ما هو أعم من الوطء، فلو عبر بالاستمتاع لكان أولى؛ لدخول الوطء ومقدماته في الاستمتاع.
٤ - وعرّفه المرداوي من الحنابلة بأنه: عقد التزويج، فهو حقيقة في العقد، مجاز في الوطء (٢).
ويعترض على هذا التعريف بأن فيه دورًا؛ فقد عرّف الشيء بنفسه، وهذا عيب في التعريف.
٥ - وعرّفه الشوكاني بأنه: عقد بين الزوجين يحل به الوطء (٣).
ويعترض على هذا التعريف بما اعترض به على تعريف الشافعية.
٦ - وعرّفه من المعاصرين الدكتور بدران أبو العينين بأنه: عقد وضعه الشارع يفيد حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر على الوجه المشروع، وعلى سبيل القصد (٤).
وقيده بالقصد هنا -كما هو الحال عند الحنفية- حتى يخرج العقد الذي يفيد حل الاستمتاع ضمنًا، الذي يثبت بملك اليمين الثابت بالشراء أو الهبة، فإنه يحل لمالك الجارية الاستمتاع بها، ولا تسمى زوجة.
ويؤخذ على هذا التعريف: أن الوجه المشروع لا يكون إلا باعتبار وضع الشارع، كما ذكر في أول التعريف، فالأولى الاستغناء عن هذه العبارة.
٧ - وعرّفه الشيخ صالح الفوزان بأنه: عقد شرعي يقتضي حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر (٥).
٨ - وعرّفه الدكتور قلعه جي بأنه: عقد يحل به استمتاع كل من الزوجين بالآخر (٦).
والمتأمل للتعريفين الأخيرين يدرك أنه لا فرق بينهما.
• وبعد عرض تعريفات الفقهاء للنكاح، والنظر فيما يمكن أن يؤخذ على كل منها،
стр. 1659
يمكن الخروج بتعريف يشمل ما ذكر في التعريفين الأخيرين: (عقد شرعي يحل به استمتاع كل من الزوجين بالآخر).
• شرح التعريف: "عقد": جنس في التعريف يشمل عقد النكاح وغيره، وينصرف إلى النكاح باعتبار ما سيأتي من ألفاظ في بقية التعريف، ويشمل عقد النكاح ألفاظ التزويج المعتبرة عند أهل العلم، والمذكورة في تعريف الشافعية.
"شرعي": قيد في التعريف يخرج به كل عقد غير معتبر شرعًا، كنكاح المتعة مثلًا، أو ما يفعله بعض الجهّال من كتابة ورقة بين الرجل والمرأة واعتبارها عقدًا شرعيًا، ويسمونه نكاحًا عرفيًّا.
"يحل به": قيد يخرج به كل عقد لا يحل به النكاح، وهذا يعني أيضًا أنه بهذا العقد أصبح النكاح مباحًا بعد أن كان محظورًا، إذ إن الأصل في الأبضاع التحريم (١).
"استمتاع": كلمة في التعريف أشمل من كلمة الوطء الواردة في التعريفات السابقة، لأن الاستمتاع يشمل الوطء ومقدماته.
"كل من الزوجين بالآخر": قيد يخرج به كل استمتاع بين رجل وامرأة ليسا بزوجين. ويخرج به أيضًا كل استمتاع يقع بين الرجل وجاريته؛ فإنها لا تسمى زوجة، ولا يحصل بوطئها إحصان (٢).
* * *
стр. 1660
المبحث الثاني: حقيقة النكاح
المطلب الأول: حقيقة النكاح في اللغة:
• اختلف أهل اللغة في لفظ النكاح بين الحقيقة والمجاز، ويمكن حصر خلافهم في الأقوال التالية:
القول الأول: إنه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء.
ويدل عليه ما ذكره ابن فارس؛ حيث قال: "والنكاح يكون العقد دون الوطء" (١).
القول الثاني: إنه حقيقة في الوطء، مجاز في العقد.
ويدل عليه ما ذكره الأزهري (٢)؛ حيث قال: "أصل النكاح في كلام العرب الوطء، وقيل للتزويج: نكاح؛ لأنه سبب الوطء المباح" (٣).
وعليه تدل عبارة الجوهري (٤)؛ حيث قال: "النَّكاح: الوطء، وقد يكون العقد" (٥).
وكأنه بهذا يشير إلى قلة استعماله في العقد.
قال الزبيدي: "ظاهر كلام الصحاح أن استعماله في العقد قليل أو مجاز" (٦).
• ويدل على كونه حقيقة في الوطء قول الشاعر (٧):
стр. 1661
إذا سقى اللَّه صوب غادية ... فلا سقى أرض الكوفة المطرا
التاركين على طهر نساءهمو ... والناكحين بشطي دجلة البقرا
القول الثالث: إنه لفظ مشترك يأتي بمعنى العقد، ويأتي بمعنى الوطء، ولا يفهم المراد منه إلا بقرينة؛ فإذا قالوا: نكح فلان بنت فلان: أي عقد عليها، وإذا قالوا: نكح زوجته: لم يريدوا إلا الوطء (١). ومن هنا جاء في عبارات الفقهاء: وليس للمحرم نكاح زوجته، أي: وطئها.
• ويدل على هذا القول ما ذكره الفيروز أبادي (٢)؛ حيث قال: "النكاح: الوطء، والعقد له" (٣). وقال الزبيدي: "وكلام المصنَّف يدل على تساويهما" (٤).
• وقال الفيومي (٥): "وعلى هذا فيكون النَّكاح مجازًا في الوطء والعقد جميعًا؛ لأنه مأخوذ من غيره، فلا يستقيم القول بأنه حقيقة لا فيهما ولا في أحدهما، ويؤيده أنه لا يفهم العقد إلا بقرينة نحو: نكح في بني فلان، ولا يفهم الوطء إلا بقرينة نحو: نكح زوجته، وذلك من علامات المجاز؛ لأنه لا يفهم واحد من قسميه إلا بقرينة" (٦).
• واستدل بعض الفقهاء (٧) لهذا القول -كما سيأتي- بما نقل عن أبي القاسم
стр. 1662
الزجاجي (١)، حيث قال: "النكاح في كلام العرب بمعنى الوطء والعقد جميعًا، وموضع "نكح" على هذا الترتيب في كلام العرب للزوم الشيء راكبًا عليه، هذا كلام العرب الصحيح".
• وبما نقل أيضًا عن أبي علي الفارسي (٢) حيث قال: "فرقت العرب بينهما فرقًا لطيفًا؛ فإذا قالوا: نكح فلان فلانة، أرادوا تزوجها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا إلا الوطء؛ لأنه بذكر امرأته وزوجته يستغنى عن ذكر العقد" (٣).
القول الرابع: إنه حقيقة في الجمع والضم والتداخل.
قال أبو عمر (٤) غلام ثعلب: الذي حصّلناه عن ثعلب (٥) عن الكوفيين، وعن المبرد (٦) عن البصريين أنه الجمع. قال الشاعر:
стр. 1663
أيها المنكح الثريا سهيلًا ... عمرك اللَّه كيف يجتمعان (١).
ومن وروده في الضم قولهم: تناكحت الأشجار؛ إذا انضم بعضها إلى بعض (٢).
• قال الشاعر:
ضممت إلى صدري معطر صدرها ... كما نكحت أم الغلام حبيبها (٣).
أي: كما ضمته.
• ومن وروده في الدخول قولهم: نكح النوم عينه، إذا غلبه، ونكحت الحصى أخفاف الإبل: إذا دخلت فيها (٤). قال الشاعر:
أنكحت صمّ حصاها خف يعملة (٥) ... تغشمرت (٦) بي إليك السهل والجبلا (٧)
• وقد أطنب الفقهاء في تناول معنى النكاح في اللغة، فلا يكاد يخلو كتاب من كتبهم من ذكر هذه الأقوال (٨).
• ونقل المرداوي عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية قوله: "معناه في اللغة الجمع والضم على أتم الوجوه، فإن كان اجتماعًا بالأبدان فهو الإيلاج الذي ليس بعده غاية
стр. 1664
في اجتماع البدنين، وإن كان اجتماعًا بالعقود، فهو الجمع بينهما على الدوام واللزوم، ولهذا يقال: استنكحه المذي إذا لازمه وداومه" (١).
المطلب الثاني: حقيقة النكاح عند الفقهاء:
• وقع الخلاف بين الفقهاء أيضًا، في لفظ النكاح، هل يحمل على الحقيقة أو على المجاز؟ ولعل سبب اختلاف الفقهاء مبني على الخلاف عند أهل اللغة، ويمكن حصر أقوال الفقهاء فيما يأتي:
القول الأول: إنه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء. وهو قول الجمهور (٢)، وصححه النووي من الشافعية (٣)، والمرداوي من الحنابلة (٤)، والشوكاني (٥).
• أدلة هذا القول: أولًا: أن لفظ النكاح بمعنى عقد التزويج هو المشهور الذي جاءت به الآيات والأخبار عن رسول اللَّه ﷺ ؛ فمن ذلك:
١ - قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾. أي: بولاية أربابهن وإذنهم (٦).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، الخطاب هنا للأولياء بأن يزوجوا من لا زوج له؛ فإنه طريق للتعفف (٧). وعلى هذا فالنكاح هنا بمعنى التزويج.
٣ - قوله ﷺ : "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" (٨).
стр. 1665
• قال أصحاب هذا القول في توجيه استدلالهم: الوطء إنما يجوز بالعقد، وليس بالإذن المجرد عنه، بل قالوا: إنه لم يرد لفظ النكاح في القرآن إلا بمعنى التزويج (١).
• وقال الراغب الأصفهاني (٢): "أصل النكاح للعقد، ثم استعير للجماع، ومحال أن يكون في الأصل للجماع ثم استعير للعقد؛ لأن أسماء الجماع كلها كنايات؛ لاستقباحهم ذكره كاستقباحهم تعاطيه، ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشًا اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه" (٣).
ثانيًا: أنه يصح نفي النكاح عن الوطء، فيقال في الزنى سفاح لا نكاح، وصحة النفي دليل المجاز (٤).
ثالثًا: أن الذهن لا ينصرف إلا إليه عند الإطلاق، فاشتهر استعمال لفظ النكاح بإزاء العقد في الكتاب والسنة ولسان أهل العرف (٥).
رابعًا: أن النكاح أحد اللفظين اللذين ينعقد بهما عقد النكاح، فكان حقيقة فيه، كاللفظ الآخر (٦).
• قالوا: ولا ينتقض بما ورد في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فإن معناه حتى تتزوج أي: يعقد عليها (٧). وقد ثبت مفهوم
стр. 1666
الوطء في هذه الآية عن طرق السنة في قوله ﷺ : "حتى تذوقي عسيلته" (١).
القول الثاني: إنه حقيقة في الوطء، مجاز في العقد. وهو مذهب الحنفية (٢)، وبه قال القرافي من المالكية (٣)، ووجه عند الشافعية (٤)، وقال به أبو الخطاب، وأبو يعلى الصغير (٥) من الحنابلة (٦).
• أدلة هذا القول: أولًا: أن الوطء هو الأصل في استعمال لفظ النكاح لغة -كما صرّح بذلك الأزهري وغيره- والأصل عدم النقل (٧).
ثانيًا: جاء القرآن والسنة بلفظ النكاح، ويراد به الوطء (٨)، فمن ذلك:
١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
٢ - قوله ﷺ : "ولدت من نكاح لا من سفاح" (٩). قال ابن الهمام: يصح حمل النكاح
стр. 1667
في هذا الحديث على العقد، وإن كانت الولادة بالذات من الوطء (١).
٣ - وقوله ﷺ : فيما يحل للرجل من امرأته الحائض: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" (٢).
• قال ابن الهمام في إرادة هذا الحديث للوطء: يلزم إرادة الوطء من النكاح المستثنى، وإلا فسد المعنى، إذ يصير يحل من المعقود عليها كل شيء إلا العقد (٣).
٤ - قوله ﷺ : "تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة" (٤).
٥ - قوله ﷺ : "ملعون من نكح يده" (٥).
• قالوا: وما ورد في الشرع بمعنى عقد التزويج فلقرينة صرفته عن معناه الحقيقي إلى معنى آخر، مثل: قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، فإن الخطاب هنا للأولياء.
• ومعنى النكاح في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، أي: بإذن أوليائهن؛ فإن معنى النكاح في هاتين الآيتين انصرف لقرينة صرفته (٦).
стр. 1668
القول الثالث: إنه مشترك بينهما، يعني: حقيقة في كل واحد منهما بانفراده.
• وهو وجه عند الشافعية (١)، قال ابن حجر: "وهذا الذي يترجح في نظري وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد" (٢). وهو قول لبعض الحنابلة (٣)، قالوا: هو ظاهر ما نقل عن الإمام أحمد (٤). وقال المرداوي: وعليه الأكثر (٥). وقال في "الفروع": والأشهر أنه مشترك (٦)، وقالوا: والأشبه بأصولنا ومذهبنا أنه حقيقة في العقد والوطء جميعًا (٧).
• دليل هذا القول: أنه ثبت في اللغة وفي الشرع استعمال لفظ النكاح بمعنى العقد والوطء، والأصل في الإطلاق الحقيقة (٨).
القول الرابع: إنه حقيقة فيهما معًا، فلا يقال حقيقة على أحدهما بانفراده؛ بل على مجموعهما، فهو من الألفاظ المتواطئة (٩).
• وبهذا قال بعض الحنفية (١٠)، وبعض الحنابلة (١١). قال ابن رزين (١٢) من الحنابلة: والأشبه أنه حقيقة في كل واحد باعتبار الضم (١٣).
• دليل هذا القول: أن التواطؤ خير من الاشتراك والمجاز، لأنهما على خلاف الأصل (١٤). ونقل المرداوي عن الشيخ ابن تيمية: "هو في الإثبات لهما، وفي النهي لكلٍ منهما، بناءً أنه إذا نهى عن شيء نهى عن بعضه، والأمر به أمر بكله في الكتاب والسنة والكلام. فإذا قيل مثلًا: أنكح ابنة عمّك. كان المراد العقد والوطء، وإذا
стр. 1669
قيل: لا تنكحها. تناول كل واحد منهما (١).
• والفرق بين الاشتراك والتواطؤ: أن الاشتراك يقال على كل واحد منهما بانفراده حقيقة، بخلاف المتواطئ؛ فإنه لا يقال حقيقة إلا عليهما مجتمعين لا غير (٢).
• هذا أهم ما قيل في حقيقة النكاح عند أهل اللغة، وعند الفقهاء، ويلاحظ أن كلام الفقهاء لم يخرج عن المدلول اللغوي لحقيقة النكاح.
• الترجيح: والذي يمكن أن يقال في خلاصة هذا المبحث أن النكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وهو قول الجمهور؛ لما يلي:
١ - أن قول الحنفية ومن وافقهم، بأنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد، واستدلالهم باللغة في كثرة استعماله، فيقال فيه هنا: ما ذهبتم إليه صحيح، وقد ورد كلا الاستعمالين في اللغة، إلا أنه قد كثر استعماله حقيقة في العقد دون الوطء، فيحمل على ما كثر استعماله وهو العقد (٣).
٢ - أما قول من يرى أنه مشترك، أو أنه من الألفاظ المتواطئة، فهذا مردود؛ لأن الاشتراك اللفظي خلاف الأصل (٤).
٣ - أن استعمال لفظ النكاح على العقد هو الأشهر في القرآن والسنة وعُرف الصحابة، وأشعار العرب (٥)، ويكفي هذا دليلًا لترجيحه.
٤ - أن التزويج لما كان بالإجماع اسمًا للعقد حقيقة، كان النكاح بمنزلته؛ لاشتراكهما في المعنى (٦).
٥ - لو قُدِّر كونه مجازًا في العقد لكان اسمًا عرفيًّا، يجب صرف اللفظ عند الإطلاق إليه؛ لشهرته، كسائر الأسماء العرفية (٧).
٦ - أن النكاح يسمى في حق من لا يستطيع الوطء عقدًا؛ كالعنين، والكبير، والصغير، ونحو ذلك.
стр. 1670
• ثمرة الخلاف: تظهر ثمرة الخلاف في:
١ - موطوءة الأب من الزنى. قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]. فمن جعل النكاح حقيقة في العقد -وهم الجمهور- لم يثبتوا التحريم بوطء الزنى، ومن جعله حقيقة في الوطء حلالًا أم حرامًا -وهم الحنفية- أثبت التحريم به (١).
٢ - لو علق الطلاق على النكاح، كأن يقول رجل لامرأته: إن نكحت فلانة فأنت طالق، فهل تطلق أم لا؟ .
• خلاف مبني على الخلاف في حقيقة النكاح، فمن حمله على العقد فأنها تطلق، ومن حمله على الوطء فلا تطلق إلا بالوطء، هذا إذا لم ينو شيئًا، فإن نوى انصرف اللفظ إلى ما نواه (٢).
* * *
стр. 1671
الفصل الأول: مسائل الإجماع في مشروعية النكاح وحكمه
[١ - ١] (١) مشروعية النكاح:
النكاح من الأمور المشروعة؛ لموافقته الفطرة الإنسانية، وهو من سنن المرسلين، ونقل الإجماع على مشروعيته جمع من أهل العلم.
• من نقل الإجماع:
١ - الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال: "أباح اللَّه تعالى النكاح نصًّا في كتابه، وصريحًا في سنة نبيه ﷺ ، انعقد بهما سالف إجماع الأمة" (٢). وقال أيضًا: "سائر الأمم عليه مجمعة، والضرورة إليه داعية، لما فيه من غض الطرف، وتحصين الفرج، وبقاء النسل، وحفظ النسب" (٣).
٢ - العمراني (٥٥٨ هـ) حيث قال: "والأصل في جوازه الكتاب والسنة والإجماع" (٤). وقال أيضًا: "وأجمعت الأمة على جواز النكاح" (٥).
٣ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن النكاح من العقود الشرعية المسنونة بأصل الشرع" (٦).
٤ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "والأصل في مشروعية النكاح الكتاب والسنة والإجماع" (٧).
٥ - الرافعي (٦٢٣ هـ) حيث قال: "الأصل في النكاح بعد إجماع أهل الملل قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] (٨) ".
٦ - ابن مودود الموصلي (٦٨٣ هـ) حيث قال: "وعلى شرعيته إجماع الأمة" (٩).
стр. 1672
٧ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: ". . . حل الخبز، واللحم، والنكاح، واللباس، وغير ذلك مما علمت إباحته بالاضطرار من دين الإسلام؛ فهذه المسائل مما لم يتنازع فيها المسلمون، لا سنيهم، ولا بدعيهم" (١).
٨ - الزركشي الحنبلي (٧٧٢ هـ) حيث قال: "وهو مشروع بالإجماع القطعي في الجملة" (٢).
٩ - قاضي صفد (بعد ٧٨٠ هـ) حيث قال: "الإجماع منعقد على أن النكاح من العقود الشرعية المسنونة بأصل الشرع" (٣).
١٠ - البابرتي (٧٨٦ هـ) حيث قال: "ما اتفق في حكم من أحكام الشرع مثل ما اتفق في النكاح من اجتماع دواعي الشرع والعقل والطبع، فأما دواعي الشرع من الكتاب والسنة والإجماع: فظاهرة، . . . " (٤).
١١ - ابن مفلح (٨٨٤ هـ) حيث قال: "وهو مشروع بالإجماع" (٥).
١٢ - زكريا الأنصاري (٩٢٥ هـ) حيث قال: "والأصل فيه قبل الإجماع آيات كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وأخبار. . . " (٦). وكذا قال في "أسنى المطالب" (٧)، و"الغرر البهية" (٨).
١٣ - الشعراني (٩٧٣ هـ) حيث قال: "أجمع الأئمة على أن النكاح من العقود الشرعية المسنونة بأصل الشرع" (٩).
١٤ - الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال: "والأصل في حله الكتاب والسنة وإجماع الأمة" (١٠). وكذا قال في "الإقناع" (١١).
стр. 1673
١٥ - الرملي (١٠٠٤ هـ) حيث قال: "والأصل فيه قبل الإجماع الآيات والأخبار" (١).
١٦ - البهوتي (١٠٥١ هـ) حيث قال: "وهو مشروع بالإجماع" (٢)، ونقل الإجماع أيضًا في "المنح الشافيات" (٣).
١٧ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: "والأصل في مشروعية النكاح الكتاب والسنة والإجماع، وذكر غير واحد من العلماء أنهم اتفقوا على أنه من العقود الشرعية المسنونة بأصل الشرع" (٤).
• مستند الإجماع:
١ - قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]
٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢].
٣ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" (٥).
٤ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط (٦) إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أُصلّي الليل أبدًا. وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أُفطِر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول اللَّه ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللَّه إني لأخشاكم للَّه وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأُصلّي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٧).
стр. 1674
٥ - وعن سعد بن أبي وقاص (١) ﵁ قال: رد رسول اللَّه ﷺ -على عثمان بن مظعون (٢) التبتل (٣)؛ ولو أذن له لاختصينا (٤).
٦ - وعن عبد اللَّه بن عمرو (٥) ﵁ قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة" (٦).
٧ - عن أنس ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ يأمر بالباءة (٧)، وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا، ويقول: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة" (٨).
النتيجة: الإجماع في هذه المسألة صحيح، ولا يتصور أصلًا وجود مخالف في ذلك؛ لأن خلافه مخالف لفطرة اللَّه التي فطر الناس عليها. وثبوت الإجماع في هذه المسألة لا يتوقف ثبوته على حكاية من حكاه، فقد امتن اللَّه على عباده بأن خلق لهم من أنفسهم أزواجًا؛ فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا
стр. 1675
إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم: ٢١]، بل قال بعض العلماء: ليس لنا عبادة شرعت منذ عهد آدم ﵇ إلى الآن، ثم تستمر في الجنة إلا الإيمان والنكاح (١).
ولا يخفى ما للنكاح من أثر في بقاء النسل، ووجود الإنسان في الأرض؛ حتى تتحقق الغاية من وجوده؛ وهي عبادة اللَّه .
والنكاح شُرع لِحِكَم كثيرة أجلّ من أن توصف، وأشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر، ومع هذا لا بأس من ذكر بعضها، فمن ذلك (٢):
١ - أن اللَّه قدّر بقاء الناس إلى قيام الساعة، ولا يكون هذا البقاء إلا بالتناسل، وجرت سنة اللَّه في خلقه أن التناسل لا يكون إلا بين الذكور والإناث، فشرع الوطء؛ ولا يكون إلا بطريق النكاح.
٢ - لو لم يكن هناك نكاح بين الذكر والأنثى بالطريقة التي شرعها اللَّه لأدى ذلك إلى اشتباه الأنساب واختلاطها.
٣ - وقد يقول قائل: قد يبقى النوع الإنساني بدون النكاح المشروع.
فيجاب عن ذلك: إن هذا يؤدي إلى ضياع الأطفال؛ لأن الأم قد تعجز عن القيام بمهام أبنائها الذين هم من آباء شتى، وهذا يؤدي أيضًا إلى اختلاط الأنساب.
٤ - إخراج الماء الذي يضر احتباسه بالبدن، ونيل اللذة، وهذه الأخيرة هي التي تكون في الجنة؛ إذ لا تناسل هناك ولا احتباس.
٥ - أن كل عاقل يحب أن يبقى اسمه، ولا يُمحى رسمه، ولا يكون ذلك إلا ببقاء النسل الذي لا يكون إلا بالنكاح.
[٢ - ٢] وجوب النكاح عند خوف العنت:
إذا تاقت (٣) النفس إلى النكاح، وخشي الإنسان على نفسه. . . . . . . . .
стр. 1676
العنت (١)، وجب عليه أن يتزوج، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع:
١ - يرى داود الظاهري (٢٧٠ هـ) وجوب النكاح، واستدل له الماوردي بقوله: "إنه إجماع بقول صحابيين لم يظهر خلافهما" (٢).
٢ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن من تاقت نفسه إليه وخاف العنت، فإنه يتأكد في حقه" (٣).
٣ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: "لا خلاف أن النكاح فرض حالة التوقان، حتى أن من تاقت نفسه إلى النساء بحيث لا يمكنه الصبر عنهن، وهو قادر على المهر والنفقة، ولم يتزوج؛ يأثم" (٤).
٤ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: "وفي هذا الحديث (٥) الأمر بالنكاح لمن استطاعه، وتاقت إليه نفسه، وهذا مجمع عليه" (٦).
٥ - ابن الهمام (٨٦١) حيث قال: "أما في حالة التوقان فقال بعضهم: هو واجب بالإجماع" (٧).
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على وجوب النكاح إذا تاقت النفس إليه، وخشي العنت وافق عليه المالكية (٨)، وابن حزم (٩).
• مستند الإجماع: قوله ﷺ : "يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وِجَاء" (١٠).
وغير ذلك من الأدلة التي سبق أن سيقت لإثبات مشروعية النكاح.
стр. 1677
• وجه الاستدلال من هذه الأدلة: تأويل ما روي في حق من تتوق نفسه إلى النساء على وجه لا يصبر عنهن على الوجوب، إذا كان بهذه الصفة فلا يسعه ترك النكاح (١).
النتيجة: تحقق الإجماع على أن من خاف على نفسه الزنى، وخشي أن يقع فيه، أن النكاح في حقه واجب؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
[٣ - ٣] النكاح مندوب إليه في حال الأمن من الزنى:
إذا كان للإنسان رغبة في النكاح؛ لكنه لا يخشى على نفسه أن يقع في الزنى بتركه، فإن النكاح في حقه مندوب إليه، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع:
١ - القاضي عبد الوهاب (٤٢٢ هـ) حيث قال: "النكاح مندوب إليه وليس بواجب، وهذا قول الفقهاء أجمع" (٢).
٢ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن من تاقت نفسه إليه وأمن العنت له أن يتزوج إجماعًا أيضًا" (٣).
٣ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: "الأمر عندنا، وعند العلماء كافة أمر ندب لا إيجاب، فلا يلزم التزوج ولا التسري، هذا مذهب العلماء كافة" (٤).
٤ - القرافي (٦٨٤ هـ) حيث قال: "وملك اليمين لا يجب إجماعًا، فكذلك النكاح" (٥).
٥ - الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث قال: "والتسري لا يجب إجماعًا، فكذا النكاح" (٦).
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن الإنسان إن أمن على نفسه الوقوع في الزنى، فلا يجب عليه النكاح، وافق عليه الحنفية (٧).
• مستند الإجماع: ما مضى من الأدلة في مشروعية النكاح استدلوا بها، وحملوها على الندب دون الوجوب، فقالوا:
١ - قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً
стр. 1678
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، يؤخذ منه دليلان (١):
الأول: أنه علق النكاح بطيب النفس، ولو كان واجبًا لزم بكل حال، والواجب لا يعلق بالاستطابة، والعدد لا يجب بالإجماع (٢).
الثاني: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]، فخيره بين النكاح وملك اليمين، والتخيير بين أمرين يقتضي تساويهما في الحكم، فلما كان ملك اليمين ليس بواجب كان النكاح بمنزلته.
٢ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء: ٢٥].
• وجه الدلالة: أباح اللَّه تعالى نكاح الأَمَة لمن خشي الزنى، وجعل الصبر خيرًا له، ولو كان واجبًا لكان الصبر شرًّا له (٣).
٣ - روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مسكين مسكين رجل لا امرأة له، ومسكينة مسكينة امرأة لا رجل لها" (٤).
• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخرج النكاح مخرج الرحمة، وتارك الواجب لا يرحم، فلما خرج النكاح مخرج الرحمة كان حكمه عدم الوجوب (٥).
٤ - قوله ﷺ : "خياركم بعد المائتين كل خفيف حاذ" قيل: وما الخفيف الحاذ؟ قال: "الذي لا أهل له ولا ولد له".
٥ - ليس في النكاح أكثر من نيل شهوة وإدراك لذة، وليس ذلك بواجب كسائر الشهوات (٦).
٦ - لو وجب عليه قطع شهوته بالنكاح، لوجب قطعها عند العجز عنه بما يقوم مقامه من دواء وعلاج (٧).
стр. 1679
• الخلاف في المسألة: ذهب الإمام أحمد في رواية أبي بكر (١) عنه، أن النكاح واجب مطلقًا، سواء خشي الإنسان على نفسه العنت أم لا (٢). وهو قول داود (٣)، وابن حزم (٤)، إلا أن ابن حزم قال: إن علم أنه لا يستطيع النكاح، انتقل إلى الصوم ولا بد.
• أدلة هذا القول:
١ - قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣].
• وجه الدلالة: جاء لفظ النكاح بصيغة الأمر، فدل على الوجوب (٥).
٢ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء" (٦).
٣ - قول النبي ﷺ لعكاف (٧): "يا عكاف هل لك من زوجة؟ "، قال: لا، قال: "ولا جارية؟ "، قال: لا، قال: "وأنت موسر بخير؟ "، قال: نعم، قال: "أنت إذن من إخوان الشياطين، إما أن تكون من رهبان النصارى فأنت منهم، وإما أن تكون منا فاصنع كما نصنع، فإن من سنتنا النكاح" (٨).
стр. 1680
٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "تناكحوا تكثروا، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" (١).
• وجه الاستدلال بهذه النصوص: أن هذا أمر، والأمر يفيد الوجوب، ولا ينتقل عنه إلا بقرينة (٢).
٥ - أنه إجماع اثنين من أصحاب النبي ﷺ لم يظهر خلافهما (٣):
أحدهما: قول عمر ﵁ لأبي الزوائد (٤): ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور (٥).
الثاني: قول معاذ ﵁ في مرضه الذي مات فيه: زوجوني لا ألقى اللَّه عزبًا (٦).
٦ - أن في النكاح من تحصين النفس مثل ما في الغذاء، فلما لزم تحصينها بالغذاء لزم تحصينها بالنكاح (٧).
٧ - أن التحرز من الزنى فرض، ولا يتوصل إليه إلا بالنكاح، وما لا يتوصل إلى الفرض إلا به فيكون فرضًا عندئذٍ (٨).
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن النكاح مندوب إليه إن أمِن الإنسان على نفسه العنت؛ وذلك لوجود خلاف عن الإمام أحمد في رواية أبي بكر عنه، وداود، وابن حزم، الذين يرون وجوب النكاح في هذه الحالة.
• ولقائل أن يقول: ألا يمكن حمل الإجماع على الندب؛ لأن من يرى الوجوب؛ يرى الندب وزيادة؟ فيجاب عن ذلك بما يأتي:
стр. 1681
١ - أن الحكم الشرعي المترتب على الأمر المندوب إليه، غير الحكم الشرعي المترتب على الأمر الواجب، فإن المكلف إذا لم يفعل الأمر المندوب إليه لا يأثم، بينما يلحقه الإثم إن ترك أمرًا واجبًا.
٢ - يقول الصنعاني: "ودعوى الإجماع غير صحيحة لخلاف داود، وابن حزم" (١).
* * *
стр. 1682
الفصل الثاني: مسائل الإجماع في الخطبة
[١ - ٤] الخِطبة على الخِطبة (١):
إذا خطب رجل مسلم امرأة، وأجابته إلى ما أراد، فإنه يحرُم على أخيه المسلم أن يتقدم إلى خطبتها، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع:
١ - ابن العربي (٥٤٦ هـ) حيث قال: "لا خلاف في أنه لا يجوز لأحد أن يخطب على خطبة غيره" (٢).
٢ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "ولا يخلو حال المخطوبة من ثلاثة أقسام: أحدها: أن تسكن إلى الخاطب لها فتجيبه، أو تأذن لوليها في إجابته وتزويجه، فهذه يحرم على غير خاطبها خطبتها. . . ولا نعلم في هذا خلافًا بين أهل العلم" (٣). ونقله عنه ابن قاسم (٤).
٣ - ابن أبي عمر (٦٨٢ هـ) فذكره كما قال ابن قدامة (٥).
٤ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: "هذه الأحاديث ظاهرة في تحريم الخطبة على
стр. 1683
خطبة أخيه، وأجمعوا على تحريمها إذا كان قد صُرِّح للخاطب بالإجابة، ولم يأذن، ولم يترك" (١). ونقله عنه ابن حجر (٢)، والشوكاني (٣).
٥ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: "اتفق الأئمة الأربعة في المنصوص عنهم، وغيرهم من الأئمة على تحريم ذلك" (٤). وقال أيضًا: "لا يحل للرجل أن يخطب على خطبة أخيه إذا أجيب إلى النكاح، وركنوا إليه باتفاق الأئمة" (٥).
٦ - الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث قال: "وقد أجمع العلماء على تحريمها إذا كان قد صرّح بالإجابة، ولم يأذن، ولم يترك، فإن تزوج والحال هذه، عصى اتفاقًا" (٦).
٧ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: "أن تجيبه، أو تأذن لوليها في إجابته، فتحرم الخطبة بلا خلاف" (٧)
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على تحريم خطبة الرجل على خطبة أخيه، وافق عليه الحنفية (٨)، وابن حزم (٩).
• مستند الإجماع:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تناجشوا، ولا يبع المرء على بيع أخيه، ولا يبع حاضر لباد، ولا يخطب المرء على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق الأخرى لتكتفئ (١٠) ما في إنائها" (١١).
٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: نهى النبي ﷺ أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب (١٢).
стр. 1684
٣ - ومما استدل به على أن المنهي عنه في حال الركون والموافقة للخاطب الأول: حديث فاطمة بنت قيس ﵂ (١)، قالت: ذكرت للنبي ﷺ أن معاوية بن أبي سفيان (٢)، وأبا جهم (٣) خطباني، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد" فكرهتهُ. ثم قال: "انكحي أسامة"، فنكحته، فجعل اللَّه فيه خيرًا، واغتبطتُ (٤).
• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ خطب لأسامة بن زيد على خطبتهما، وذلك أنها لم تجب أيًّا منهما، ولو كانت قد أجابت أيًّا منهما؛ ما كان النبي ﷺ ليفعل ما يَنْهى عنه، وأن فاطمة لم تخبره برضاها بواحد منهما، فلو أخبرته؛ لم يشر عليها بغير الذي ذكرَت (٥).
٤ - وفي خطبة الرجل على خطبة أخيه إفساد على الخاطب الأول، وإيقاع للعداوة بين الناس (٦).
النتيجة: تحقق الإجماع على أنه يحرم أن يخطب الرجل على خِطبة أخيه، حتى يدع؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
стр. 1685
[٢ - ٥] حكم خُطبة النكاح:
خطبة النكاح ليست واجبة، ونُفي الخلاف في ذلك.
• من نفى الخلاف:
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "ولا أعلم أحدًا من أهل العلم أفسد نكاحًا ترك العاقد الخطبة عنده" (١).
٢ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "والخطبة غير واجبة عند أحد من أهل العلم علمناه" (٢).
• الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن المنذر من الشافعية، وابن قدامة من الحنابلة من عدم العلم بالمخالف في أن خطبة النكاح غير واجبة -وافق عليه الحنفية (٣)، والمالكية (٤).
• مستند نفي الخلاف:
١ - قال اللَّه تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥].
• وجه الاستدلال: جعل اللَّه الإذن شرطًا دون الخطبة (٥).
٢ - أن النبي ﷺ حين زوج الواهبة لنفسها لخاطبها قال: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" (٦).
• وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قد زوجه دون أن يخطب؛ مما يدل على أن خطبة النكاح ليست بواجبة (٧).
٣ - يروى أن رجلًا من بني سليم خطب من رسول اللَّه ﷺ أمامة بنت عبد المطلب، فأنكحها، ولم يخطب (٨).